← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6538

المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد

البهوتي

Полный текст (858 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

نموذج من المخطوط

стр. 107

نموذج من المخطوط

стр. 108

المِنَحُ الشَّافِيَاتُ بِشَرحِ مُفْردَاتِ الإمَامِ أحْمَد

стр. 109

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين، رب يسر وأعن يا كريم الحمد لله رب العالمين، الذي شرح صدر (١) من أراد هدايته للإسلام، ونوّر فؤاده (٢) بنور معالم الدين. الواحد الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (٣). الملك الحق المبين، أحمده سبحانه تعالى (٤) وإياه أستعين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا صاحبة (٥) ولا ولدًا. شهادة أدخرها ليوم الدين، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد: فهذا شرح ليس بالطويل الممل، ولا ذي الاختصار المخل، (جعلته) (٦) على المنظومة الألفية في مفردات الإمام الصمداني (٧) والزاهد الورع الرباني، إمام الأئمة وناصر السنة أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، تغمده الله بالرحمة والرضوان وأسكنه فسيح الجنان، أحل به تراكيبها

стр. 110

ومعانيها، وأوضح به مسائلها ومبانيها. واعتمدت في نقل الخلاف (١) على الكتب المعتمدة في ذلك كالإنصاف (٢) والفروع (٣)، وعلى عزو الأدلة والخلاف العالي (٤) على الشرح الكبير (٥) وغيره، والله أسأل أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به إنه قريب مجيب، رؤوف رحيم. قال المصنف -رحمه الله تعالى- بعد بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله القديم الأحدِ ... الواحد الفردِ العظيمِ الصمدِ تأسيًا بالكتاب العزيز، وعملًا بقوله ﷺ : "كُلُّ أَمْرٍ ذي بَالٍ لاَ يُبْدَأُ (فيه) (٦) بِبِسّمِ الله (٧) الرَّحمنِ الرَّحيِمِ، فَهُوَ أبْترُ". وفي رواية: "بِالحَمْدِ للهِ (٨) ". لكن نقل ابن الحكم لا تكتب أمام الشعر ولا معه. وذكر الشعبي أنهم كانوا يكرهونه. قال القاضي: لأنه يشوبه الكذب والهجو غالبًا أ. هـ. قلت: فيؤخذ من تعليل (٩) القاضي أن المراد بالشعر (١٠) غير ما يكون في المسائل العلمية (١١). والحمد هو الثناء بجميل الصفات. وعرفًا فعل ينبئ عن تعظيم (١٢)

стр. 111

المنعم من حيث إنعامه. والشكر: هو الحمد عرفًا، واصطلاحًا: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه لما خلق لأجله، وبين الحمد والشكر اللغويين عموم وخصوص وجهي (١)؛ فعموم الحمد أنه لمبدي النعمة وغيره، وخصوصه أنه لا يكون إلا باللسان، وعموم الشكر أنه يكون بغير اللسان، وخصوصه أنه لا يكون إلا لمبدي النعمة .. قال الشاعر: أفادتكم النعماءُ مني ثلاثةً ... يدي ولساني (٢) والضميرَ المحجبا وقيل هما سواء. والقديم من قَدُمَ بالضم قدمًا ضد حدث، وإطلاق القديم عليه تعالى ورد في سنن ابن ماجة (٣) من حديث أبي هريرة (٤)، والأحد في الصحاح بمعنى الواحد، (أ. هـ). والواحد الذي لا ينقسم بوجه، ولا مشابهة بينه وبين غيره بوجه. وقال في النهاية: هو الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر (٥)، وقال الأزهري: الفرق بين الواحد والأحد أن الأحد بني لنفي ما ذكر معه من العدد. تقول: ما جاءني أحد. والواحد اسم بني لمبدأ العدد. تقول: جاءني واحد من الناس (٦)، ولا تقول جاءني أحد، والواحد (٧) منفرد بالذات في

стр. 112

عدم المثل والنظير، والأحد منفرد بالمعنى. وقيل: الواحد هو الذي لا يتجزأ ولا يثنى ولا يقبل الانقسام ولا نظير له ولا مثل، ولا يجمع هذين الوصفين إلا الله تعالى. والفرد (١): الوتر، أي: (٢) المنفرد في ذاته وصفاته وأفعاله. والعظيم: البالغ أقصى مراتب العظمة، وهو الذي لا يتصوره عقل ولا يحيط (٣) بكنهه بصيرة، وحاصله يرجع إلى التنزيه عن إحاطة القول بكنه ذاته تعالى. والصمد: السيد لأنه يصمد إليه في الحوائج. وقيل: المنزه عن الآفات. وقيل: الذي لا يطعم. وقيل: الباقي الذي لا يزول. والصفات كلها مجرورة على أنها صفة الله تعالى. ذي الجود والإفضال والإنعام ... سبحانه من ملك علَّامِ يقال جاد جودًا (٤) فهو جواد. والإفضال: الإحسان، والإنعام إعطاء النعمة وهي ملايم (٥) نحمد عافيته، وسبحان: علم جنسي على التنزيه البليغ منصوب بفعل محذوف وجوبًا لسده مسده (٦). والملك: هو الذي ينفذ مشيئته في ملكه (و) (٧) تجري الأمور فيه على ما يشاءة لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، والعلام: صيغة (٨) مبالغة من العلم كالعليم، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين. صفاته جلّت وقد تعالى ... عن أن يكون شبهه مثالًا

стр. 113

الصفات: جمع صفة وهي (١) الوصف؛ فالهاء عوض عن الواو، وصفاته تعالى إما ذاتية، كالعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والحياة والإرادة، أو (٢) صفات أفعال، كالإحياء والخلق والرزق. وجلت: عظمت. وتعالى بالغ في العلاء والارتفاع؛ والشَبهُ والشبيه بمعنى الشبيه، والمثال: المماثل. والمعنى أن صفاته تعالى عظمت عن أن (٣) تشبه بصفات غير. وأنه تعالى ليس كمثله شيء (٤). وكلما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك. وكيف يشبه الخالق أو صفاته بالمخلوق؟!. أحمده حمدًا كثيرًا طيبًا ... مباركًا فيه على ما وهبا الطيب: ضد الخبيث، والبركة: خير إلهي (٥) في الشيء، والمبارك فيه: ما فيه ذلك الخير، والهبة: الإعطاء بلا عوض، وأتى بالجملة الفعلية بعد الإسمية تأسيًا بحديث: "إنَّ الحَمْدَ لِلْهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتعينُهُ" (٦)، وعن رفاعة بن رافع الزرقي قال: كنا نصلي وراء النبي ﷺ فلما رفع رأسه من الركعة قال: "سَمِعَ اللهُ لمنْ حَمِدَهُ" قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا، فيه فلما انصرف قال: "من المُتكَلِّمُ؟ " قال: أنا. قال: "رَأيتُ بِضْعةً وثَلاثينَ مَلْكًا يَبْتَدِرُونَها أيَّهُمْ يَكْتُبُها أوَّلَ". رواه البخاري (٧). وصلِّ يا ربِّ على النبيِّ ... محمدٍ ذي العنصر الزكيِّ

стр. 114

الصلاة من الله: الرحمة (١) ومن الملائكة: الاستغفار، ومن غيرهم: تضرع ودعاء. قال أبو العالية (٢): صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء. والنبي: قال القاضي عياض: يهمز، ولا يهمز، من جعله من النباء همزه؛ لأنه ينبئ الناس، أو لأنه ينبِّئ هو بالوحي، ومن لم يهمز إمّا سهله وإما أخذه من النبوة، وهي الارتفاع؛ لرفعة منازلهم على الخلق (٣)، وقيل: مأخوذ من النبي الذي هو الطريق؛ لأنهم الطريق إلى الله تعالى. ومحمَّد من أسمائه ﵊، وسمي به لكثرة خصاله المحمودة، وهو علم منقول من التحميد مشتق من الحميد (٤)؛ اسم الله تعالى. وقد أشار إليه حسان بن ثابت ﵁ بقوله: وشق له من اسمه ليجلّه ... فذو العرش محمود وهذا محمد (٥) والعنصر: بضم الصاد وفتحها: الأصل. والزكي: الطاهر أو الممدوح فهو ﷺ خيار من خيار من خيار (٦). وصاحب الخصائص الكرام ... منفردًا بها عن الأنام الخصائص: جمع خصوصية -بضم الخاء وفتحها والفتح أفصح- والمراد

стр. 115

ما اختص به ﷺ من الكرامات الواجبات والمباحات والمحظورات (١). وقد أفردها كثير من العلماء بالتأليف، وذكر الفقهاء منها في أوائل كتب النكاح جملة شافية. والكرام (٢): جمع كريمةُ من الكرم ضد اللؤم. والأنام: الخلق. ومنفردًا: نصب على الحال من الضمير في صاحب الخصائص، وهو عائد على النبي ﷺ . وقد قسم العلماء خصائصه إلى قسمين: ١ - ما انفرد به حتى (٣) عن الأنبياء. ٢ - وما انفرد به عن الأمم خاصة. وآله وصحبه الأعلام ... وخصهم بأفضل السلام آله: أتباعه على دينه. وقيل: أقاربه المؤمنين (٤) من بني هاشم وبني المطلب، وقيل: أهله. وأصله أول عند الكسائي تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت (٥) ألفًا لتصغيره (٦) على أويل. وعند سيبويه؛ أهل قلبت الهاء همزة ثم الهمزة ألفًا لتصغيره على أهيل والصواب جواز إضافته خلافًا لمن أنكره. والصحب: اسم جمع لصاحب بمعنى الصحابي؛ وهو من اجتمع بالنبي ﷺ اجتماعًا متعارفًا في اليقظة، أو لقيه، أو رآه بعد البعثة مؤمنًا، وتبطل صحبته وسائر أعماله بردته إن مات عليها.

стр. 116

والأعلام: جمع علم بفتحتين وهو في اللغة العلامة أو الجبل. وإطلاقه على الآدمي (١) من المجاز. والسلام: إما بمعنى التحية أو السلامة من النقائص والرذائل. والضمير في خصهم له ﷺ ولآله وصحبه، وهو فعل أمر معطوف على صلِّ؛ أي صلِّ وسلم عليه وعلى آله وصحبه. وأتى بذلك امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ (٢). ولحديث: "قُولُوا: الَّلهُمَّ صل عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِ مُحَمَّدِ" (٣). ولذلك قدم الآل وأعقبهم بالصحب ردًا على من يوالي الآل على الصحب كالشيعة. وهذه مسائل فقهية ... أرجوزة وجيزة ألفية المسائل: جمع مسألة؛ وهو (٤) مطلوب خبري يبرهن عنه في العلم. والفقه لغة: اللَّهم، وعرفًا: معرفة الأحكام الشرعية بالفعل والقوة القريبة (٥)، والأرجوزة: أفعولة من الرجز؛ أحد الأبحر المعروفة عند العروضيين؛ وزنه مستَفعلن (٦) ست مرات، ويدخله من الزحاف (٧) والعلل (٨) ما يعلم من محله من كتب الفن. والوجيز: المختصر، والألفية نسبة إلى (٩)

стр. 117

الألفِ؛ لأنها ألف بيت على المشهور عند العروضيين. أذكر فيها ما به قد انفرد ... إمامُنا في سلك أبيات تُعد أي: أذكر في هذه الأرجوزة ما انفرد به الإمام أحمد عن غيره من باقي الأئمة الأربعة، منظومًا في ضمن أبيات معدودة العد المذكور. وهو الإمام أحمد الشيباني ... العالم (١) الحبر التقي الرباني الإمام (٢): المقتدى به، والشيباني نسبة إلى شيبان بن ذهل أحد أجداد الإمام؛ فإنه أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان -بالياء المثناة- ابن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هِنْب -بكسر الهاء وإسكان النون وبعدها باء موحدة- ابن أفصى -بالفاء (٣) والصاد المهملة- ابن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، يلتقي مع النبي ﷺ في نزار، حملت به أمه بمرو، وولدته ببغداد ونشأ بها، وأقام بها إلى أن توفي، ودخل مكة والمدينة والشام واليمن والكوفة والبصرة والجزيرة، وفضائله كثيرة، ومناقبه شهيرة. سمع سفيان بن عيينة وإبراهيم بن سعيد ويحيى القطان وهشامًا ووكيعًا وابن علية وابن مهدي وعبد الرزاق وخلائق كثيرًا. وروى عنه عبد الرزاق ويحيى بن آدم (و) (٤) أبو الوليد وابن مهدي وعلي بن المديني والبخاريُّ ومسلمٌ وأبو زرعة (٥) الداري والدمشقي وغيرهم. ولد ﵁ في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، وتوفي يوم الجمعة لنحو من

стр. 118

ساعتين من النهار، لاثنتي عشرة ليلة (١) خلت من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين والمشهور من ربيع الآخر ﵁. صنف المسند -ثلاثون ألف حديث-، والتفسير -مائة ألف وعشرون ألفًا-، والناسخ والمنسوخ، والتاريخ وحديث شعبة، والمقدم والمؤخر في القرآن، وجوابات القرآن، والمناسك الكبير، والصغير، وأشياء أخر. قاله في المطلع (٢). وليس هذا بيان مناقبه. والحبر بكسر والفتح واحد الأحبار -والكسر أفصح- لأنه يجمع على أفعال دون فعول، وقال الفراء: هو بالكسر وقال أبو عبيدة (٣): هو بالفتح. وقال الأصعمي: ولا أدري أنه بالفتح أو بالكسر، والتقي: مأخوذ من التقى (٤) للمبالغة، والرباني: المتأله العارف بالله تعالى. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ (٥). عن مذهب النعمان ثم ابن أنس ... والشافعيُّ كلهم يحكي القبس الجار والمجرور متعلق بانفرد، والمذهب في الأصل: مكان الذهاب أو زمانه أو نفس الذهاب، وعرفًا: ما قاله المجتهد بدليل ومات قائلًا به. قال ابن مفلح في أصوله: مذهب الإنسان؛ ما قاله أو جرى مجراه من تنبيه (٦) وغيره (٧).

стр. 119

والنعمان هو الإمام الأوحد أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى بن ماه. أجمع السلف والخلف على كثرة علمه وورعه وعبادته ودقة مداركه. ولد بالكوفة سنة ثمانين من الهجرة في خلافة عبد الملك (١) بن مروان، فعاش سبعين سنة، وتوفي ببغداد سنة مائة وخمسين. روى عن نافع مولى ابن عمر وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهم. وأخذ (٢) عنه أبو يوسف (٣) ومحمَّد وعبد الرازق بن همام وابن المبارك وغيرهم. وابن أنس هو الإمام مالك بن أنس بن أبي عامر أبو عبد الله إمام دار الهجرة، أخذ عن نافع مولى ابن عمر، وكثير من التابعين، وأخذ عنه الأوزاعي والثوري والليث والشافعيُّ وخلق كثير، وتوفي صبيحة أربع عشرة ليلة (٤) خلت من ربيع الأول. وقيل: في صفر سنة تسع وسبعين ومائة في خلافة الرشيد (٥)، وهو ابن خمس وثمانين، وقيل: ابن تسعين، وحمل به في (٦) البطن ثلاث سنين. قاله (٧) في المطلع (٨). والشافعيُّ: هو الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب ابن عبد مناف بن قصي يجتمع مع النبي ﷺ في عبد مناف. ولد سنة خمسين ومائة بغزة عند الجمهور، وتوفي بمصر ليلة الجمعة

стр. 120

بعد (١) الغروب آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين؛ وهو ابن أربع وخمسين سنة، ودفن بالقرافة الصغرى (٢) (بعد عصر الجمعة) (٣) روى عن مالك بن أنس ووكيع بن الجراح ويحيى بن القطان [وعبد الله بن المبارك والفضيل (٤) بن عياض ومحمَّد بن الحسن .. وغيرهم وروى عنه أحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد (٥) القطان] (٦) وعبد الرحمن بن مهدي وأبو بكر الحميدي وسفيان بن عيينة وأبو ثور وغيرهم، ومناقب الكل كثيرة، وفضائلهم شهيرة، قد أفردت بالتأليف، ﵏ وجزاهم عنا خيرًا (٧)، والقبس بالتحريك الشعلة من النار، والمراد هنا السراج، أي كل من الأئمة الأربعة يهتدى به كما يهتدى بالسراج لأن اختلافهم رحمة. ففي فروع الفقه حيث اختلفوا ... أذكر ما عسى عليه أقف أي: متى اختلف الأئمة الأربعة المذكورون في فروع الفقه، يذكر المصنف قول الإمام أحمد الذي انفرد به، وربما يذكر قول كل واحد من الأربعة حيث انفرد عن البقية استطرادًا. وكل ما قد جاء من أقواله ... منفردًا بذاك عن أمثاله

стр. 121

فمثله إما عن الرسول ... أو صاحب أو تابع مقبول أي: كل قول للإمام أحمد انفرد به عن غيره من الأربعة، فهو إما وارد عن محمد رسول الله ﷺ أو عن أحد من أصحابه، أو من التابعين لهم المقبولين؛ إذ قول الصحابي حجة عنده إذا لم يخالفه غيره من الصحابة. وأما التابعي فموافقه في الاجتهاد، قوله (١) ليس بحجة في المشهور. مصدق ذا إن شئت يا إمامي ... انظر وطالع كتب الإسلام أي: إن أردت ما يصدق (٢) كلام المصنف من أن الإمام أحمد لم يقل قولًا وينفرد (٣) به إلا لدليل (٤) مما تقدم (فعليك) أن تنظر في كتب الإسلام المشتملة على بيان الخلاف العالي تطالعها، فترى ما ذكره لك مطابقًا للواقع. واعلم بأن (٥) أصحابنا قد صنفوا ... في "المفردات" جُملًا وألفوا لكنهم لم يقصدوا هذا النمط ... بل قصدوا الرد على إلكيا فقط أي: لم ينفرد المصنف بالتصنيف في "المفردات" بل سبقه الأصحاب لذلك وألفوا فيها، ولكن على غير الطريقة التي أرادها (٦) من جمعها، من غير تعرض للرد على المخالف وإقامة الدليل، بل قصد الرد على إلكيا فقط. وهو الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري الهراسي (٧) عرف بإلكيا -بكسر الهمزة ولام ساكنة ثم كاف مكسورة وبعدها ياء مثناة من تحت- معناه الكبير بالعجمية. توفي في المحرم سنة أربع وخمسمائة وعمره

стр. 122

أربع وخمسين سنة. والهراسي (١) -براء مشددة وسين مهملتين- لا يعلم نسبه لأي شيء ذكره ابن شهبة، فوصل همزته (٢) في النظم للضرورة وإسقاط (٣) إل منه فيما سيأتي من كلامه من الاقتطاع للضرورة. فإنه أعني كيا قد صنفا ... في مفردات أحمد مصنفًا وقصد الرد عليه فيها ... وكان فيما قد عنا سفيها صنف إلكيا في مفردات أحمد كتابا، ورد عليه فيهم وكان مخطئًا في ذلك؛ فإنه قد عرّض نفسه لعظيم، والسفيه: فعيل من سَفِهَ -بكسر الفاء- يسفه سفهًا وسفاهة (٤) وسفاهًا وأصله الخفة (٥) والحركة، فالسفه ضعف العقل وسوء التصرف، وقد رمي بأنه باطني (٦) وبرأه (٧) ابن عقيل، وخمل ذكره بعد ذلك، كما ذكره ابن كثير وغيره (٨). غالب ما قال بأنه انفرد ... فإنه سهو ووهم فليرد هذا بيان لسفهه، أي غالب ما قال (٩) إلكيا إن الإمام أحمد انفرد به

стр. 123

مردود لسهوه ووهمه في ذلك، ثم (١) أوضح ذلك بقوله: لأنه لم يعتبر بالأشهر ... ولاخلاف مالك في النظر أي لأن إلكيا لم يعتبر القول الأشهر للإمام أحمد، ولم يعتبر خلاف مالك في المسألة، فعد من مفردات أحمد ما وافقه مالك عليه، وهذا غير لائق بأولي الفضل لظهور العصبية. وإنما يقصد فيما ألّفا ... إذا رأى قولًا ولو مزيفًا لأحمد قد خالف النعمانا ... والشافعيُّ نصب البرهانا (٢) أي وإنما يريد (٣) إلكيا في تأليفه أنه إذا رأى قولًا لأحمد -ولو ضعيفًا- قد خالف فيه أبا حنيفة والشافعيُّ أقام الدليل على إبطاله، فهذا دليل تعصبه؛ حيث لم يعتبر الأشهر ولا موافقة مالك. قال الربيع بن سليمان: قال الشافعي: من أبغض أحمد بن حنبل فهو كافر. قلت: يطلق (٤) عليه اسم الكفر؟ قال: نعم، من أبغض أحمد بن حنبل عاند السنة، ومن عاند السنة، قصد (٥) الصحابة، ومن قصد الصحابة فقد أبغض النبي ﷺ ، ومن أبغض النبي ﷺ كفر بالله العظيم (٦).

стр. 124

فصحح (١) الأصحاب ما قد صحّا ... منها وما كان إليه ينْحى أي صحح الأصحاب ما صح نقله عن الإمام وما نسب إليه من المسائل التي ذكرها إلكيا: وبينوا أغلاطه ووهمه ... ...................... أي بين الأصحاب أغلاط إلكيا فيما عزاه للإمام، وليس صحيحًا عنه ووهمه في ذلك، أو فيما استدل به للرد عليه. .................... ... وناقشوه لفظه وكلمه أي ناقش الأصحاب الذين صنفوا في ذلك إلكيا وتتبعوا ألفاظه وكلماته، جزاهم الله خيرًا. فابن عقيل منهم والقاضي ... سبط أبي (٢) يعلى بعزم ماضي أي: من أصحابنا الذين ألفوا في "المفردات" أبو الوفا علي بن عقيل بن محمد بن عقيل -بفتح العين فيهما- البغدادي، انتهت إليه الرياسة في الأصول والفروع، وله الخاطر العاطر، والفهم الثاقب، واللباقة والفطنة البغدادية والتبريز في المناظرة على (٣) الأقران، والتصانيف الكبار، منها الفنون مائتا مجلد، ومنها الكفاية في أصول الدين، والواضح في أصول الفقه ثلاث مجلدات، وكفاية المفتي في الفقه سبع مجلدات كبار، وكتاب التذكرة، ورؤوس المسائل، والإرشاد في أصول الدين، وغير ذلك. ولد سنة ثلاثين وأربعمائة (٤)، نشأ ببغداد وأخذ عن القاضي أبي يعلى وغيره، ومات بها سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.

стр. 125

وأما القاضي أبو يعلى فهو محمد بن الحسين (١) بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء، له في الفروع والأصول القدم العالي، فأصحاب أحمد له يتبعون ولتصانيفه يدرسون، ولمقاله يسمعون ويطيعون، تفقه على ابن حامد وصحبه إلى أن مات. ولد ﵀ لتسع أو ثمان وعشرين ليلة خلت من المحرم سنة ثمانين (٢) وثلاثمائة وتوفي ليلة الاثنين بين العشاءين تاسعة عشر رمضان سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. وسبطه هو القاضي الفاضل محمد بن محمد بن محمد بن الحسين (٣) بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء (٤) أبو يعلى الصغير، ويلقب عماد الدين ابن القاضي أبي حازم بن القاضي أبي علي المتقدم ذكره، ولد يوم السبت لثماني عشرة من شعبان سنة أربع وتسعين وأربعمائة، وتفقه على يد أبيه وعمه القاضي أبي الحسين (٥) وبرع في الحديث والخلاف والمناظرة، وكان ذا ذكاء مفرط. وتوفي ﵀ ليلة السبت سحر خامس جمادى الأولى سنة ستين وخمسمائة، كذا ذكره ابن الجوزي في طبقاته (٦) وغيره، والسبط ابن الابن وابن البنت لكن الأول هو المراد كما تقدم. كذلك الجوزي والزاغوني ... وغيرهم بالجد لا بالهون

стр. 126

الزاغوني أبو الحسن علي بن عبيد الله (١) بن نصر الزاغوني، تفقه على يد يعقوب البرزناني (٢) وصنف في الأصول والفروع، فمن مصنفاته في الفروع الإقناع في مجلدين، والمفردات المشار إليها في مجلدين أيضًا، وعنه أخذ ابن الجوزي وغيره قال: وكان له في كل فن من العلوم حظ. ولد سنة خمس وخمسين وأربعمائة، وتوفي في محرم سنة سبع وعشرين وخمسمائة ﵀، والجوزي هو جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي، الغني عن الإطناب، وبث (٣) الفضائل والألقاب. وهو من ولد محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، ومولده تقريبًا سنة إحدى عشرة أو اثنتي (٤) عشرة وخمسمائة (٥)، ومؤلفاته لا تنحصر (٦) كثرة. وتوفي ليلة الجمعة بين العشاءين ثالث عشر رمضان سنة سبع (٧) وتسعين وخمسمائة، وقوله: وغيرهم (٨) كابن المنى، والجد: ضد الهزل - بكسر الجيم. أكثرهم ردًا عليه اقتصروا ... ونصبوا أدلة وانتصروا أي اقتصر أكثر من ذكر من الأصحاب على الرد على إلكيا، ونصبوا الأدلة لقول الإمام والانتصار له، ولم يزيدوا على ذلك. وابن عقيل زادها مسائلًا ... مشهورة وناصبًا دلائلًا

стр. 127

أي وزاد ابن عقيل على "المفردات" التي ذكرها إلكيا مسائل مشهورة بأدلتها وأوضحها بإقامة البرهان عليها، والدلائل: جمع (١) دليل وهو لغة: المرشد. وعرفًا: ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري. لكنه حذا كما تقدما ... ينصر غير أشهر قد قدما أو ما يكون مالك قد وافقا ... إمامنا فيما له قد حققا لكن ابن عقيل جارى إلكيا في الانتصار لما قدمه، وإن كان غير الأشهر عن الإمام، وجاراه أيضًا حيث عدَّ من "المفردات" ما وافق أحمد عليه مالكًا، مع أنه ليس من "المفردات" كما هو واضح. فتلك إن (٢) حررتها تقلّ؟ (٣) ... والمفردات أصلها يجلّ أي فالمسائل التي ذكرها إلكيا والأصحاب قليلة، مع (٤) أن أصل "المفردات" أكثر منها كما ستقف عليه. إذ قد أخلوا (٥) بالكثير منها ... وأدخلوا المنفيّ قطعًا عنها أي أخل الأصحاب بالكثير (٦) من المفردات، وأدخلوا فيها ما ليس منها، وهو ما وافق الإمام عليه مالكًا رحمهما (٧) الله. فأحببت (٨) أن أسبر ما قد ذكروا ... وأنظم الصحيح إذ يحرروا (٩)

стр. 128

أي: أحب المصنف أن ينظر (١) فيما الأصحاب؛ فينظم الصحيح منه المحرر. والسبر: الاختبار. وأنْف ما لا يسلم التفريد ... فيه وما يسّر لي أزيد أي يترك ما ذكره الأصحاب من "المفردات" وليس منها لموافقة مالك فيه، ويزيد عليها ما يسّر الله له. بنيتها على الصحيح الأشهر ... عند أكثر الأصحاب أهل النظر (٢) أي بنى (٣) المصنف هذه الأرجوزة على القول الذي صححه (٤) أكثر الأصحاب المحققين، وهذا بحسب ما ظهر له. وسأبين لك ضعف كثير منها: وهكذا فسائر المذاهب ... ...................... أي باقي المذاهب وقع فيها الاختلاف، وانفرد كل من الأئمة بمسائل، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد. ........................ ... والخلْف ذكرًا ليس من مطالبي (٥) أي ذكر الخلاف في المسائل ليس من مقاصد المصنف التي وضع الكتاب لها، فلا يلتزم ذكره:

стр. 129

إلا إذا ما اختلف التصحيح ... فذكْره (١) حينئذ تلميح أو إن يكن قائل ذاك الحكم (٢) ... مفصلًا كما ترى في نظمي (٣) أي إلا إذا اختلف التصحيح بين الأصحاب فيذكره على وجه التلميح والإشارة أو يكون أحد القولين مفصلًا في الحكم فيذكره، كما ستقف عليه في نظمه. فحيث بالشيخ (٤) مقالي أطلق ... فهو الإمام العالم الموفق أي حيث أطلق الشيخ في كلامه فمراده (٥) به الإمام الرباني المتفق على إمامته وديانته، موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، صاحب المغني والكافي (٦) والمقنع والعمدة وروضة الأصول (٧) وغيرها؛ ولد بجماعيل (٨) من الأرض المقدسة، في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وسمع من خلق كثير. منهم الإمام عبد القادر بن أبي صالح الجيلي، وتوفي يوم السبت وهو يوم عيد الفطر بدمشق، ودفن يوم الأحد من سنة عشرين وستمائة. وإن أقُل في نظمي الشيخان ... فالمجد أعني معه الحراني أي وإن أطلق في نظمه (٩) الشيخين فهو يعني (١٠) -مع الشيخ الموفق-

стр. 130

شيخ الإسلام؛ هو مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر (١) بن محمد بن علي بن تيمية الحراني، جد شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن تيمية. ولد المجد -رحمه الله تعالى- سنة تسعين وخمسمائة تقريبًا (٢) وتوفي يوم عيد الفطر بعد صلاة الجمعة من سنة اثنين وخمسين وستمائة. والرمز بالحمرة (ص) تشتهر (٣) ... لما له الأصحاب ردًا ذكروا وابن عقيل (ع) أيضًا أرمز (٤) ... وأخلي ما أزيد كي يميز يعني أن ما ذكر الأصحاب ردًا (٥) على إلكيا رمز له المصنف (ص) بالحمرة، وما زاده ابن عقيل عليهم (٦) رمز له (ع) بالحمرة. أيضًا وأخلى ما زاده هو عن (٧) العلامة ليتميز ذلك. وكل ذا قصدًا للاختصار ... ليسهل الحفظ على المجاري (٨) أي فعل المصنف جميع ما تقدم من إطلاق الشيخ على الموفق والشيخين على الموفق (٩) والمجد، والرمز بالصاد والعين لما سبق طلبا

стр. 131

للاختصار، وتسهيل حفظ الأرجوزة على طلاب العلم. مرتبًا لها على الأبواب ... ...................... أي رتب مسائل هذه الأرجوزة على أبواب الفقه على طريقة الأصحاب ليسهل الوقوف (١) عليها، وتأسيًا بأولئك الأعلام. ....................... ... وربنا أعلم بالصواب فهو علام الغيوب، وللمجتهد أجر اجتهاده وإن أخطأ، حيث بذل وسعيه فيما يدخله الاجتهاد. وأسأل الرحمن علمًا نافعًا ... وأن يكون المصطفى لي شافعًا أي يسأل المفيض لجلال (٢) النعم، علمًا ينفعه (٣) وينفع من وصل إليه، للاستعاذة من علم لا ينفع (٤)، ويسأله أن يكون المصطفى محمد ﷺ شافعًا له يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم والمصطفى من الصفوة بمعنى الخيار، وطاؤه بدلًا من تاء الافتعال لملاقاتها الصاد.

стр. 132

من كتاب الطهارة أي فالمفردات من كتاب الطهارة المسائل التي ذكرها في النظم. والكتاب كالكتابة، والكتب مصدر كتب بمعنى الجمع، يقال: تكتب (١) القوم إذا اجتمعوا، ومنه الكتابة لاجتماع الحروف، والطهارة (٢) النظافة والنزاهة عن الأقذار، وشرعًا: ارتفاع حدث وما في معناه (٣) وزوال خبث أو ارتفاع حكم ذلك (٤). لا يجزئ (٥) الوضوء بالمغصوب ... ....................... أي لا يصح الوضوء بالماء المغصوب، كالصلاة في الثوب المغصوب، وكالوضوء (٦) الغسل ومثل المغصوب المسروق والمنهوب ونحوه، على قياسه الماء المسبل للشرب وماء آبار ديار

стр. 133

ثمود (١)، غير بئر الناقة لحديث: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيهِ أمْرُنَا فَهُوَ رَدّه" (٢)، لكن قياس ما يأتي في الصلاة في المغصوب إذا كان عالمًا ذاكرًا لا جاهلًا وناسيًا، وكذا الحج بمال مغصوب (٣)، بخلاف الوضوء والغسل والصوم ونحوه في مكان مغصوب فيصحّ؛ كالأذان والبيع ونحوه فيه. ................... ... ولا يفي في النجو بالمطلوب أي لا يكفي المغصوب ونحوه في الاستجمار، لأنه رخصة وهي لا تناط بالمعاصي كالتيمم بتراب مغصوب. واختار الشيخ تقي الدين إجزاء المغصوب في الاستجمار، لكن ما قدمناه هو الصحيح، وعليه الأصحاب، وأما إزالة النجاسة بالماء فلا يشترط فيها إباحته لأنها من قبيل التروك. ويكره التطهير بالمسخن ... بنجس في أشهر معنعن أي يكره استعمال المسخن بنجس في طهارة إن لم يحتج إليه، في أشهر الروايتين عن أحمد، وهو الصحيح؛ جزم به في المجرد والوجيز والمنور ومنتخب الآدمي وغيرهم، وقدمه أبو الخطاب في رؤوس المسائل والرعاية الصغرى وصححه (٤) في التصحيح والرعاية الكبرى قال الزركشي:

стр. 134

اختارها الأكثر، وقال المجد في شرحه: وهو الأظهر (١). علته كراهة الوقود ... فاكره هنا قطعًا بلا قيود أو وهم تنجيس فقل بالفرق ... حيث انتفى فامنعه يا ذا الحذق أي اختلف في علة كراهة المسخن بالنجاسة، هل هي كون الوقود نجسًا فيكره الماء، وإن كان كثيرًا، وتحقق (٢) عدم وصولها إليه؟ أو (وهم ملاقاتها له فلا يكره إذا كان كثيرًا أو قليلًا، وتحقق عدم وصولها إليه) (٣) لانتفاء العلة؟. على وجهين. ومقتضى كلام التنقيح والمنتهى والإقناع وغيرهم هو الأول حيث أطلقوا كراهته. وإن عدم وصول دخانها إليه تنجس (٤) إذا كان يسيرًا بمجرد الملاقاة، والوقود بالضم الفعل وبالفتح ما يوقد به. واكره لرفع حدث من زمزم ... ...................... أي يكره استعمال ماء (٥) زمزم في رفع الحدث (٦) قدمه المجد في شرحه وقال: نص عليه ابن رزين. وعنه: لا يكره. وهو الصحيح من المذهب نص عليه وجزم به في الوجهين وغيره، وقدمه في التلخيص ومختصر ابن تميم والرعايتين وشرح ابن عبيدان وتجريد العناية وغيرهم، وقدمه في المغني والشرح وقالا: هذا

стр. 135

أولى (١). وكذا قال ابن عبيدان، قال في مجمع البحرين: هذا أقوى الروايتين، وصححه في نظمه، وابن رزين في شرحه، وإليه ميل المجد في المنتقى وهو مفهوم التنقيح والمنتهى والإقناع. ...................... ... كخبث بل صنه للتكرم أي كما يكره استعماله في خبث فيصان عنه كرامة له لشرف منمبعه وفضله. والنص في الغسل أتى (٢) محله ... لقول عباس فلا أحله أي وفي رواية ذكرها في التلخيص يكره الغسل بماء زمزم (لا الوضوء) (٣) لقول العباس بن عبد المطلب ﵁: (لا أحلها لمغتسل) (٤)، وقيل: قائله (٥) عبد المطلب حين حفرها (٦). ويدل لعدم الكراهة حديث علي أن النبي ﷺ وقف بعرفة وهو مردف أسامة بن زيد، فذكر الحديث وفيه: ثم أفاض رسول الله ﷺ فدعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ. رواه عبد الله بن أحمد في المسند عن غير أبيه (٧). والغسل كالضوء وكونه مباركًا لا يمنع الوضوء به كالماء الذي وضع

стр. 136

-﵇ يده فيه. وقول العباس السابق محمول على ما إذا ضيّق على الشاربين (١). وامرأة بالماء في الطهر خلت ... لا يطهر الرجال مما أفضلت أي إذا خلت مكلفة ولو كافرة لطهارة كاملة عن حدث بماء قليل وبقي (٢) منه شيء فالباقي طهور لكنه لا يرفع حدث الرجل البالغ ولا الخنثى. هذا المذهب المعروف وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم؛ لحديث الحكم بن عمرو (٣) الغفاري قال: (نهى النبي ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، رواه الترمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ) (٤) قال أحمد: جماعة كرهوه، منهم عبد الله بن عمر (٥) وعبد الله بن سرجس (٦)، وخصصناه بالخلوة لقول عبد الله بن سرجس: توضأ أنت ها هنا وهي (٧) ها هنا، وأما إذا خلت به فلا تقربنه (٨). والمنع منه تعبدي (٩).

стр. 137

وعندنا في عكس ذا قولان ... ...................... أي إذا خلا الرجل بالماء (١) للطهارة، فهل يرفع الباقي منه حدث امرأة؟ على قولين، والصحيح أن خلوته لا تؤثر منعًا وهو المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم، ونقله جماعة عن أحمد، وحكاه (٢) القاضي وغيره إجماعًا. ولا تؤثر خلوة الخنثى المشكل على الصحيح وهو المذهب وعليه جماهير الأصحاب. ...................... ... كذاك ماء هو قلتان (٣) أي إذا كان الماء قلتين فأكثر ففي تأثير خلوتها به قولان، الصحيح من المذهب -وعليه جماهير الأصحاب- أن الخلوة لا تؤثر فيه منعًا؛ لأن النجاسة لا تؤثر في الماء الكثير فهذا أولى، فإن خلت بكثير واستعملت منه (٤) خلوة وبقي منه دون القلتين فالظاهر (٥) منه أنه لا يرفع حدث الرجل؛ لأنه (٦) يصدق عليه أنه قليل خلت به لطهارة، وتغليبًا للحظر. تنبيه: علم مما سبق أنه لا أثر لخلوتها في منعها من استعماله ولا منع امرأة أخرى ولا صبي من الطهارة به، وأنه لا أثر لخلوتها بالتراب ولا بماء في غير رفع الحدث على الصحيح في ذلك كله. خلوتها (٧) أن لا يراها تغتسل (٨) ... ......................

стр. 138

أي معنى الخلوة عدم المشاهدة عند استعمالها من حيث (١) الجملة. قال الزركشي: هي المختارة. قال في الفروع: وتزول الخلوة بالمشاهدة على الأصح (٢). وقدمه في المستوعب والمغني والشرح والرعايتين والحاوي الصغير والفائق (وجزم به في المنتهى وغيره) (٣). ...................... ... وعنه لا يشتركا فيه نقل أي وعن أحمد معنى الخلوة: انفرادها بالاستعمال، شوهدت أم لا. اختارها ابن عقيل، وقدمها ابن تميم وصاحب مجمع البحرين. قال (٤) في الحاوي الكبير: وهي أصح عندي (٥). ويجوز للرجل والمرأة أن يغتسلا ويتوضآ من إناء واحد بلا كراهة؛ لأنه ﵇ كان يغتسل هو وزوجته من إناء واحد؛ يغترفان منه جميعًا .. رواه البخاري (٦). وسؤرها فهكذا في قول ... ...................... أي إذا خلت المرأة بالماء للشرب ففي سؤرها أي فضل شرابها رواية أنه لا يرفع حدث الرجل، كما لو خلت به للطهارة، والمذهب: لا أثر لخلوتها به لغير طهارة حدث كما تقدم، حتى لو خلت به (٧) لاستنجاء أو وضوء أو غسل مستحبين لم تؤثر (٨) خلوتها لذلك.

стр. 139

................ ... قد جاء في لفظ عن الرسول أي جاء (١) النهي عن وضوء الرجل بفضل طهور المرأة عنه ﷺ (٢). كل النجاسات إذا ما وردت ... على كثير الما إذا ما غيرت طهره الجمهور لم يفرقوا ... ومعهم (٣) الشيخان فيما حققوا وابن عقيل وأبو الخطاب ... كل يقول هكذا جوابي أي الماء الكثير -وهو ما بلغ قلتين بقلال هجر وهما خمسمائة رطل بالعراقي- لا ينجس إذا لاقته نجاسة (٤) من آدمي أو غيره إلا بالتغير (٥) لقوله ﵇: "إذا كان الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ (٦) لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيءً". رواه أحمد. وقوله: "الْمَاءُ لا يُنَجِّسْهُ شَيْءً إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ (٧) لَوْنِهِ". رواه ابن ماجة والدارقطنيُّ (٨) ولأن نجاسة بول الآدمي لا تزيد على نجاسة بول الكلب، وهو لا ينجس القلتين فهذا أولى. قال في الإنصاف (٩): وعليه

стр. 140

جماهير المتأخرين، وهو المذهب عندهم. قال ابن المنجا في شرحه: عدم النجاسة أصح. واختاره أبو الخطاب وابن عقيل والمصنف أي الموفق والمجد والناظم وغيرهم (١)، و (ما) في البيت الأول (٢) الأولى زائدة والثانية نافية، وأبو الخطاب هو محفوظ بن أحمد الكلوذاني قرأ على القاضي أبي يعلى وغيره. ومولده سنة اثنين (٣) وثلاثين وأربعمائة ومات في جمادى الآخرة سنة عشر وخمسمائة. والخرقي في الأقدمين حرروا ... نصًا أتى بالفرق وهو الأشهر تنجيسه من آدمي بالبول ... ومائع الغوط فقط في القول إلا حياضًا نزحها لا يمكن ... وفقًا لما قال علي والحسن أي: وعن أحمد: ينجس ما لا (٤) يشق نزحه مشقة عظيمة ببول آدمي وعذرته المائعة، وهذا المذهب عند أكثر المتقدمين والمتوسطين. قال في الكافي (٥) "أكثر الروايات أن البول والغائط ينجس الماء الكثير. قال ابن عبيدان: أشهرها أنه ينجس اختارها الشريف وابن البنا والقاضي، وقال: اختارها الخرقي وشيوخ أصحابنا. ويروى نحو ذلك عن علي بن أبي طالب فروى الخلال بإسناده أن عليًا سئل عن صبي بال في بئر فأمرهم بنزحها (٦).

стр. 141

وهو قول الحسن لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله: "لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ في الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذيِ لاَ يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِل فِيهِ". متفق عليه (١). وهذا يتناول القليل والكثير وهو خاص في (٢) البول، فيجمع بينه وبين حديث القلتين، يحمل (٣) هذا على البول، وحمل حديث القلتين على سائر النجاسات، والعذرة المائعة في معنى البول لأن أجزاءها تتفرق في الماء وهي أفحش منه، وكذا العذرة الرطبة. جزم به في الإرشاد والمستوعب والمحرر والحاويين والفائق وتجريد العناية والزركشي، وقدمه في الفروع، وقطع به في الإقناع والمنتهى، وكذا يابسة ذابت (٤)، نص عليه. وعلم منه أنه ما تعظم مشقة نزحه كمصانع مكة (٥) وطريقها لا ينجس إلا بالتغير. قال في الشرح: (٦) لا نعلم فيه خلافًا. ثم ذكر كلام ابن المنذر في حكاية الإجماع على معنى ذلك. والخرقي هو أبو القاسم عمر (٧) بن الحسين بن عبد الله بن أحمد، قرأ العلم على من قرأ على أبي بكر المروذي وحرب الكرماني وصالح وعبد الله ابني (٨) إمامنا، وله المصنفات الكثيرة، ولم ينتشر (٩) منها إلا المختصر في الفقه. توفي سنة ٣٣٤ هـ أربع وثلاثين وثلاثمائة ودفن بدمشق. وعلي ﵁ هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن

стр. 142

هاشم بن عبدمناف أبو الحسن، كناه النبي ﷺ أبا تراب. وروى عنه ابناه الحسن والحسين وابن مسعود وابن عمر وأبو موسى وابن عباس وأبو سعيد الخدري في آخرين من الصحابة والتابعين. ولي الخلافة أربع سنين وسبعة أشهر وأيامًا مختلفًا فيها. وقتل سنة أربعين في رمضان ﵁ والحسن هو البصري؛ من سادات التابعين. جمع كل فن من علم وعبادة، أبوه مولى زيد بن ثابت، ولد في زمن عمر بن الخطاب وحنكه عمر بيده، ومات في أول رجب سنة عشر ومائة. من بعد نوم الليل يبغي (١) الطهرا ... تثليث غسل اليد فرضًا (٢) فاقرا أشار بذلك إلى ما ذكره الأصحاب من وجوب غسل اليدين ثلاثًا على القائم من نوم الليل (٣)، لقوله ﷺ : "إذَا اسْتيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَيهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلْهُماَ الإنَاءَ ثَلاثَاً فَإنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي أيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ" متفق عليه (٤) ولم يذكر البخاري ثلاثًا. وغمسها في الماء قبل الغسل ... يسلبه (٥) التطهير جا في النقل أي غمس المسلم المكلف القائم من نوم الليل يده إلى الكوع في الماء القليل قبل غسلها ثلاثًا يسلبه الطهورية فيصير طاهرًا غير مطهر، وهذا

стр. 143

المذهب. قال أبو المعالي في شرح الهداية: عليه أكثر الأصحاب، قال في مجمع البحرين: هذا المنصوص. وعنه بل ينجس أيضًا قالوا ... منصوصه واختاره الخلّال (١) أي وعن الإمام رواية أن الماء ينجس بغمس القائم من نوم الليل (٢) يده فيه قبل غسلها ثلاثًا (٣)، واختارها (٤) الخلال؛ وهو أحمد بن محمد بن هارون، صحب أبا بكر المروذي إلى أن مات، وسمع من (٥) جماعة من أصحاب أحمد، ومات يوم الجمعة لليلتين خلتا من شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. تتمة: لا أثر لغمس (٦) كافر (٧) ولا صغير ولا مجنون (٨) ولا قائم من نوم

стр. 144

نهار (١) ولا نوم ليل لا ينقض الوضوء (٢)، لكن لا فرق بين قليل النوم وكثير حيث نقض، ولا لغمس بعض اليد على الصحيح، ولا يجزئ غسلها دون ثلاث. ولا بد فيه من نية وتسمية، لكن تسقط سهوًا ولا تكفي نية الوضوء والغسل عن نية غسلها (٣)؛ لأن غسل (٤) اليد طهارة مفردة، يجوز تقديمها بالزمن الطويل، وغسلهما لمعنى فيهما غير معقول لنا، فلو استمعل الماء (٥) ولم يدخل يده في الإِناء (٦) فسد ولم يجزئه الطهر (٧). * * * (فائدة) يستعمل ما غمس القائم من نوم الليل يده فيه إن لم يوجد غيره ثم يتيمم (٨). ص والقول في مسألة الأواني ... إذا نجّس (٩) البعض على المعاني واشتبه الأمر على ذي اللب ... ففرضه الترك وأخذ الترب

стр. 145

أي: إذا اشتبهت آنية الطهور بآنية النجس وجب تركهما ولم يتحر بل يعدل إلى التيمم ذكره الأصحاب. ولو زاد عدد الطهور لأنه قد اشتبهه المباح بالمحظور فيما لا تبيحه (١) الضروروة فلم يجز التحري كما لو اشتبهت أخته بأجنبيات (٢). ولا يشترط للتيمم إراقتهما ولا خلطهما، لكن إن أمكن تطهير أحدهما "بالآخر"، بأن كان الطهور قلتين وعنده إناء يسعهما، وجب خلطهما عند إرادة الطهارة. وإن احتاج للشرب حال الاشتباه تحرى وشرب. فإن لم يغلب على ظنه شيء شرب من أحدهما؛ لأنه حال ضروروة، فإذا شرب من أحدهما أو أكل من المشتبه بالميتة لم يلزمه غسل فمه، لأن الأصل طهارته (٣). وكاشتباه الطهور بالنجس، واشتباه المباح بالمحرم (٤). وأما إذا اشتبه الطهور بالطاهر فإنَّه يتوضأ وضوءًا واحدًا، من هذا غرفة ومن هذا غرفة، يعم بكل غرفة محل الفرض ليكون متطهرًا من الطهور بيقين (٥)، ويجزئه ولو مع طهور بيقين (٦). وإن يكن ذا في ثياب وجدا ... لا يتحرى جاء نصًّا مسندًا أي: إن اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة لم يتحر أيضًا نص عليه الإمام، بخلاف ما لو اشتبهت عليه القبلة؛ لأن القبلة عليها أدلة من النجوم وغيرها،
следующие страницы →