← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6538

المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد

البهوتي

Полный текст (858 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ومن كتاب الصوم والاعتكاف الصيام والصوم مصدر صام وهو لغة الإمساك، يقال: صام النهار إذا وقف سير الشمس، قال تعالى حكايته عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] أي: إمساكًا عن الكلام. وشرعًا: إمساك (١) بنية عن أشياء مخصوصة في زمن معين من شخص مخصوص. وصوم رمضان أحد أركان الإِسلام ومبانيه، فرض في السنة الثانية من الهجرة فصام رسول الله ﷺ تسع رمضانات إجماعًا. وفي الثلاثين من الليالي ... من شهر شعبان عن الهلال إن حال غير في غد يصام ... من رمضان فطره حرام يعني: إن لم ير الهلال ليلة الثلاثين من شعبان وحال دون مطلعه غير أو قتر ونحوهما وجب صيامه حكمًا ظنيًا (٢) احتياطًا بنية رمضان، ويجزيه إن كان من شهر رمضان اختاره الخرقي وأكثر شيوخ أصحابنا، وهو مذهب عمر وابنه وعمرو بن العاص وأبي هريرة وأنس ومعاوية وعائشة وأسماء ابنتي (٣) أبي بكر، وبه قال بكر بن عبد الله المزني وأبو

стр. 317

عثمان النهدي (١) وابن أبي مريم ومطرف (٢) وميمون بن مهران وطاووس ومجاهد. وعن أحمد لا يجب صومه ولا يجزيه (٣) عن رمضان إن صامه وهي (٤) قول أبي حنيفة ومالك والشافعيُّ وكثير من أهل العلم لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم (٥) فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" رواه البخاري (٦) وأيضًا قد صح أن النبي ﷺ نهى عن صوم يوم الشك (٧) و (٨) هذا يوم شك ولأن الأصل بقاء شعبان (٩). ووجه الرواية (١٠) الأولى حديث نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له"، قال نافع: كان عبد الله بن عمر إذا مضى من شعبان تسعة (١١) وعشرون يومًا يبعث (١٢) من ينظر له (١٣) الهلال فإن رأى فذاك وإن لم ير ولم (١٤) يحل دون منظره سحاب ولا قتر

стр. 318

أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائمًا (١). ومعنى اقدروا أي: ضيقوا من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي: ضيق، وقوله تعالى (٢): ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الروم: ٣٧] والتضييق له أن يجعل شعبان تسعة وعشرين يومًا، وقد فسره ابن عمر بفعله وهو راويه (٣) وأعلم بمعناه فيجب الرجوع إلى تفسيره (٤)، كما رجع إليه في تفسير التفرق في خيار المتبايعين (٥)، ولأنه شك في أحد طرفي الشهر لم يظهر فيه أنه من غير رمضان فوجب صومه كالطرف الآخر، قال علي وأبو هريرة وعائشة: (لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان) (٦)، ولأن الصوم يحتاط (٧) له ولذلك (٨) وجب الصوم بخبر الواحد ولم يفطروا إلا بشهادة اثنين. فأما خبر أبي هريرة الذي احتجوا به فإنه يرويه محمد بن زياد (٩)، وقد

стр. 319

خالفه سعيد بن المسيب فرواه عن أبي هريرة: "فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين" (١)، وروايته أولى لإمامته واشتهار ثقته وعدالته وموافقته لرأي: أبي هريرة ومذهبه، ولخبر ابن عمر الذي رويناه ويمكن حمله على ما إذا (٢) غم في طرفي الشهر و (٣) روية ابن عمر: "فاقدروا له ثلاثين" (٤)، مخالفة للرواية الصحيحة المتفق عليها ولمذهب (٥) ابن عمر [﵁] (٦)، ورواية النهي عن صوم يوم الشك محمول على حال الصحو جمعًا بين الأخبار، فإذا لم يكن ليلة الثلاثين من شعبان مانع من الرؤية كره صومه، وقد أطال الأصحاب في المسألة وأفردت بالتأليف (٧). ويصلي التراويح ليلة الثلاثين مع الغيم (٨). ويجب على من لم يبيت

стр. 320

النية الإمساك مع القضاء، وعلى من وطئ فيه الكفارة إذا لم يتبين أنه من شعبان. وإن رأى الهلال أهل بلد ... صام جميع الناس في المجود (١) يعني: إذا ثبت رؤية الهلال ببلد لزم الصوم جميع الناس من رآه ومن لم يره ولو اختلفت (٢) المطالع نصًا، وهذا قول الليث وبعض أصحاب الشافعي (٣). والمشهور عندهم إن كان بين البلدين مسافة تختلف (٤) فيها المطالع فلكل أهل بلد حكم رؤيتهم (٥) لقصة كريب حين رأى الهلال بالشام وقدم المدينة وأخبر ابن عباس وكانوا لم يروه تلك الليلة، فقال ابن عباس: فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه (٦)، فقال له كريب: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه، فقال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ، رواه مسلم (٧). ولنا الإجماع على صوم شهر رمضان، وقد ثبت أن هذا اليوم منه بشهادة الثقات فوجب صومه على جميع المسلمين، ولأن الشهر ما بين الهلالين، وقد ثبت أن هذا اليوم منه في سائر الأحكام من حلول الدين ووقوع الطلاق والعتاق ووجوب النذر وغير ذلك من الأحكام فيجب صيامه بالنص والإجماع (٨).

стр. 321

فأما حديث كريب فإنما دل على أنهم لا يفطرون بقول كريب وحده ونحن نقول به (١)، وإنما محل الخلاف وجوب قضاء اليوم الأول وليس هو في الحديث المذكور. بنية يصح صوم النفل ... بعد زوال الشمس نصا نقلي أي: يصح صوم النفل (٢) بنية من (٣) النهار ولو بعد الزوال هذا ظاهر كلام أحمد والخرقي وهو ظاهر قول ابن مسعود ويروى عن سعيد بن المسيب (٤). واختار القاضي في المجرد أنه لا تجزيه (٥) النية بعد الزوال وفاقًا لأبي حنيفة والمشهور من قولي (٦) الشافعي، لأن معظم النهار مضى بغير نية بخلاف الناوي قبل الزوال فإنه أدرك معظم العبادة، ولهذا لو أدرك الإِمام في الركوع اعتد بالركعة بخلاف ما لو أدركه بعده (٧). ولنا أنه نوى (٨) في جزء من النهار أشبه ما لو نوى في أوله، ولأن

стр. 322

جميع الليل وقت لنية الفرض فكذلك النهار وقت لنية النفل ولأن صوم النفل (١)، إنما جوزناه بنية من النهار طلبًا لتكثيره وهذا أبلغ في التكثير وتعليلهم يبطل بما لو نوى قبل الزوال بلحظة فيصح مع أن الأكثر خلا عن النية في الأصل فإن ما بين طلوع الفجر والزوال يزيد على ما بين الزوال والغروب بما بين طلوع الفجر والشمس (٢). وعند مالك وداود: النفل كالفرض لا يصح إلا بنية من الليل (٣) وعند أبي حنيفة يصح الفرض (٤) بالنية (٥) قبل الزوال كالنفل ودليلهم والجواب عنه مذكور في المطولات. ليس من البر الصيام في سفر (٦) ... وفطره أفضل أخذًا بالأثر أي: الفطر في السفر المبيح للقصر أفضل من الصوم وهو مذهب ابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي والأوزاعي (٧). وقال أبو حنيفة ومالك والشافعيُّ: الصوم أفضل لمن قوى عليه (٨)، ويروى عن أنس وعثمان بن أبي العاص لقوله ﵇ من كانت له حمولة يأوي إلى شبع فليصم رمضان حيث أدركه .. رواه أبو داود (٩).

стр. 323

ولنا قول النبي ﷺ : "ليس من البر الصيام (١) في السفر". متفق عليه (٢)، ولأنه ﵇ أفطر في السفر فلما بلغه أن قومًا صاموا قال: "أولئك العصاة". رواه مسلم (٣). بل قيل: إن الصوم في السفر لا يجزئ لظاهر الأحاديث السابقة وغيرها قال ابن عبد البر: هذا قول يروى عن عبد الرحمن (٤) بن عوف هجره الفقهاء كلهم (٥)، والسنة ترده، قال أنس: كنا نسافر مع رسول الله ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. متفق عليه (٦) والأحاديث السابقة محمولة على تفضيل الفطر على الصيام وقوله: "أولئك العصاة" يحتمل أنهم اعتقدوا عدم حل الفطر أو نحوه. ومن نوى الصيام وهو حاضر ... في يومه يفطر إذ يسافر يعني: إذا أنشا الحاضر السفر في أثناء يوم من رمضان فله الفطر في ذلك اليوم إذا فارق بيوت قريته العامرة وهذا قول عمرو بن شرحبيل والشعبي وإسحاق وأبي (٧) داود وابن المنذر (٨). وعنه: لا يباح له فطر ذلك (اليوم) (٩) وهو قول مكحول والزهري

стр. 324

ويحيى الأنصاري وأصحاب الرأي ومالك والشافعيُّ، لأن الصوم عبادة تختلف (١) بالحضر والسفر فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة (٢). ولنا ما روى عبيد بن جبر (٣) قال: ركبت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في شهر رمضان فدفع ثم قرب غداءه فلم يجاوز البيوت حتى دعا (٤) بالسفرة ثم قال: أقترب قلت: ألست ترى البيوت قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ . رواه أبو داود (٥)، وكالمرض، والصوم أشق فلا يقاس على الصلاة. قل أفطر الحاجم والمحجوم ... بذا أتى (٦) النص عداك اللوم أي: يفطر الحاجم والمحجوم بالحجامة إن (٧) ظهر بها (٨) دم، وبه قال: إسحاق وابن المنذر ومحمَّد بن إسحاق بن خزيمة وعطاء وعبد الرحمن بن مهدي. وكان مسروق والحسن وابن سيرين لا يرون للصائم أن يحتجم. وكان جماعة من الصحابة يحتجمون ليلًا في الصوم منهم ابن عمر وابن عباس وأبو موسى وأنس بن (٩) مالك.

стр. 325

ورخص فيها أبو سعيد الخدري وابن مسعود وأم سلمة وعروة وسعيد ابن جبير، وقال أبو حنيفة والثوري ومالك والشافعيُّ: يجوز للصائم أن يحتجم ولا يفطر لما روى البخاري (١) عن ابن عباس أن النبي ﷺ (احتجم وهو صائم) (٢)، ولأنه دم (٣) خارج من البدن أشبه القصد (٤) (٥). ولنا: قول النبي ﷺ أفطر الحاجم والمحجوم: رواه عن النبي ﷺ أحد عشر نفسًا قال أحمد: حديث شداد بن أوس من أصح حديث يروى في هذا الباب، وإسناد حديث رافع إسناد جيد، وقال: حديث ثوبان وشداد صحيحان، وقال علي بن المديني: أصح شيء في هذا الباب حديث شداد وثوبان (٦). وحديثهم منسوخ بحديثنا [بدليل حديث ابن عباس قال احتجم رسول الله ﷺ بالقاحة (٧) بقرن وناب] (٨) وهو محرم صائم .. فوجد لذلك ضعفًا شديدًا فنهى رسول الله ﷺ أن يحتجم الصائم. رواه أبو إسحاق الجوزجاني في المترجم (٩)، وعن الحكم قال: احتجم رسول الله ﷺ فضعف

стр. 326

ثم كرهت الحجامة للصائم (١)، وكان ابن عباس وهو راوي حديثهم يعد الحجام والمحاجم فإذا غابت الشمس احتجم .. كذلك رواه الجوزجاني (٢). فإن قيل: فقد روى أن النبي ﷺ رأى الحاجم والمحجوم يغتابان فقال: ذلك (٣) أجيب بأنه لم تثبت صحة (٤) هذه الرواية مع أن عموم اللفظ يقدم على خصوص السبب (و) لا يقال: معنى أفطر الحاجم والمحجوم أي: قربا من الفطر لأنه تأويل يحتاج إلى دليل (٥). ومن غدا في صومه مستنشقا ... ممضمضا (٦) لحلقه الما سبقا فليس ذا للصوم (٧) قالوا: أبطلا (٨) ... حتى ولو بالغ فيما فعلا (٩) يعني: إذا تمضمض الصائم أو استنشق (١٠) فدخل الماء حلقه بغير قصده لم يفسد صومه، وهذا قول الأوزاعي وإسحاق والشافعيُّ في أحد قوليه (١١)، وروي ذلك عن ابن عباس. وقال أبو حنيفة ومالك: يفطر لأنه أوصل (١٢) الماء إلى حلقه ذاكرًا لصومه فأفطر كما لو تعمد شربه (١٣).

стр. 327

ولنا: أنه وصل إلى حلقه من غير قصد أشبه ما لو طارت ذبابة إلى حلقه وبهذا فارق المتعمد. فإن بالغ الصائم في المضمضة أو الاستنشاق فقد فعل مكروهًا لقول النبي ﷺ للقيط بن صبرة (١) وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا (٢)، فإن دخل الماء حلقه فقال أحمد: يعجبني أن يعيد صومه. والصحيح من المذهب أنه لا يفطر بذلك كما ذكر الناظم، لأنه وصل من غير قصد أشبه غبار الطريق (٣) إذا دخل حلقه، وكذلك (٤) لو زاد على الثلاث في المضمضة لغير طهارة، إن كانت لحاجة كغسل (٥) فمه (٦) عند الحاجة إليه ونحوه فحكمها حكم المضمضة للطهارة، وإن كان عبثًا أو تمضمض من أجل العطش كره، وسئل أحمد عن الصائم يعطش فيتمضمض ثم يمجه قال: يرش على صدره أحب إلي فإن فعل فوصل الماء إلى حلقه أو أنزل (٧) الماء في فيه عابثًا أو تبردًا (٨) فالحكم فيه كالحكم في الزائد على الثلاث لأنه مكروه. وواطيء في الصوم إذ يكفر ... وعاد كفارته تكرر يعني: إذا جامع في يوم وكفر ثم عاد فجامع فيه ثانيًا فعليه كفارة ثانية نص عليه. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعيُّ: لا شيء عليه للجماع الثاني،

стр. 328

لأنه لم يصادف الصوم ولم يمنع صحته فلم يوجب شيئًا كالجماع في الليل (١). ولنا: أنها عبادة تجب الكفارة بالجماع فيها فتكررت بتكرار (٢) الوطء إذا كان بعد التكفير (٣) كالحج، (ولأنه وطء محرم بحرمة رمضان فأوجب الكفارة كالأول وفارق الوطء في الليل لأنه مباح) (٤)، وهكذا كل من لزمه الإمساك إذا جامع في نهار رمضان وجبت عليه الكفارة وإن جامع في يوم ثم أعاده فيه قبل التكفير فكفارة واحدة بغير خلاف، وإن جامع في يومين أو أكثر (٥) فلكل يوم كفارة سواء كفر للأول أم (٦) لا. كذاك (٦) إن ظن غروب الشمس ... أو ظن أن الليل باق ممسي وظهر الأمر بالانعكاس ... كفارة وهكذا في الناسي يعني: إذا وطئ يظن (٧) أن الشمس غربت ولم (٨) تكن كذلك أو وطئ يظن أن الفجر لم يطلع وكان قد طلع أو ناسيًا فعليه الكفارة (٩)، وكذا لو

стр. 329

وطئ مكرهًا (١) لأن النبي ﷺ أمر الذي قال: وقعت على امرأتي بالكفارة ولم يستفصله، ولو اختلف الحال لسأل واستفصل، لأنه لا يجوز تأخير البيان عن (٢) وقت الحاجة. فإن قيل: ففي السؤال ما يدل على العمد وهو قوله هلكت أو احترقت (٣). أجيب: بأنه يجوز أن يخبر بهلكته لما يعتقده (٤) في الجماع مع النسيان وخوفه من غير ذلك (٥). والمرأة إذا طاوعت غير جاهلة أو ناسية كالرجل، فإن عذرت فالقضاء فقط. والنزع عندنا جماع يذكر ... مذ بان فجر معه يكفر يعني: إذا طلع عليه الفجر وهو يجامع فنزع في الحال مع أول طلوع الفجر فعليه القضاء والكفارة على الصحيح من المذهب، لأن النزع جماع (عندنا) (٦) يتلذذ به أشبه الإيلاج (٧). وقال أبو حفص، لا قضاء عليه ولا كفارة، وهو قول أبي حنيفة

стр. 330

والشافعيُّ، لأنه ترك الجماع فلا يتعلق به ما يتعلق (١) بالجماع كما لو حلف لا يدخل دارًا وهو فيها فخرج منها (٢). وقال مالك: لا يبطل (٣) صومه ولا كفارة عليه، لأنه (٤) لا يقدر على أكثر مما (٥) فعله من ترك الجماع (٦). وقال الشيخ الموفق: وهذه المسألة تقرب من الاستحالة (٧)، إذ (٨) لا يكاد يعلم بطلوع الفجر على وجه يتعقبه النزع من غير أن يكون قبله شيء من الجماع فلا حاجة إلى فرضها والكلام فيها (٩). وليلة القدر فقل (١٠) أرجاها ... سبع وعشرون فقم تلقاها ليلة القدر ليلة شريفة مباركة معظمة مفضلة قال الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] أي: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وقال (١١) النبي ﷺ :"من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". متفق عليه (١٢)، سميت ليلة القدر لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة من خير ورزق وبركة وغيرها، يروى عن ابن عباس (١٣)، وقيل غير ذلك،

стр. 331

وتختص برمضان، وتطلب في العشر الأخيرة منه وأوتاره آكد، وأرجاها ليلة سبع وعشرين، قال أبي بن كعب وابن عباس: هي (١) ليلة سبع وعشرين (قال زر بن حبيش: قلت لأبي بن كعب: أنَّى (٢) علمت (٣) أبا المنذر أنها ليلة سبع وعشرين؟) (٤) قال: أخبرنا رسول الله ﷺ أنها ليلة صبيحتها تطلع الشمس ليس لها شعاع فعددنا وحفظنا، والله لقد علم ابن مسعود أنها في رمضان وأنها ليلة سبع وعشرين، ولكنه كره أن يخبركم فتتكلوا (٥)، قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٦) وحكي عن ابن عباس أنه قال: سورة القدر (٧) ثلاثون كلمة السابع والعشرون (٨) منها هي (٩)، وروى أبو داود بإسناده عن معاوية عن النبي (١٠) في ليلة القدر قال (١١): "ليلة سبع وعشرين" (١٢) وفيها أقوال أخر (١٣) وأحاديث، وهي متنقلة في ليالي العشر. قال أبو قلابة (١٤): إن النبي ﷺ كان يجيب (١٥) على حسب ما

стр. 332

يسأل (١)، فعلى هذا كانت في السنة التي رأى أبو سعيد أن النبي ﷺ سجد (٢) في الماء والطين ليلة إحدى عشرين (٣) وفي السنة التي أمر عبد الله بن أنيس ليلة ثلاث وعشرين (٤)، وفي السنة التي رأى أبي بن كعب علامتها ليلة (٥) سبع وعشرين، وهد ترى علامتها في غير هذه الليالي. قال بعض أهل العلم: أبهم الله هذه الليلة على الأمة ليجتهدوا في طلبها، ويجدوا في العبادة في الشهر كله طمعًا في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة ليكثروا من الدعاء في اليوم كله، وأخفى اسمه الأعظم في الأسماء ورضاه في الطاعات ليجتهدوا (٦) في جميعها، وأخفى الأجل وقيام الساعة ليجد الناس في العمل حذرًا منها، والله أعلم. والاعتكاف لا تجز إيقاعه ... في المسجد العاري عن الجماعة الاعتكاف لغة: لزوم الشيء وحبس النفس عليه برًا كان أو غيره (٧) منه قوله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ (٨). وشرعًا: لزوم المسجد لطاعة الله على وجه مخصوص. وهو مشروع بالكتاب (٩) والسنة قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على

стр. 333

أن الاعتكاف لا يجب على الناس فرضًا إلا أن ينذر المرء على نفسه الاعتكاف فيجب عليه (١). ولا يصح إلا في المسجد لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فلو صح في غيرها لم تختص بتحريم المباشرة، إذ هي محرمة في الاعتكاف مطلقا، ولأنه ﵇ كان لا يدخل البيت في اعتكافه إلا لحاجة، ولا يصح ممّن تلزمه الجماعة إلا بمسجد تقام فيه (٢) لما روى الدارقطني بإسناده عن الزهري عن عروة وسعيد ابن المسيب عن عائشة أن السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لحاجة الإنسان، ولا اعتكاف (٣) إلا في مسجد جماعة (٤)، وهو ينصرف إلى سنة رسول الله ﷺ ، ولئلا يلزم ترك الجماعة أو (٥) تكرر الخروج المنافي للاعتكاف، بخلاف الجمعة لأنها لا تتكرر. ويصح اعتكاف المرأة ومن لا تلزمه الجماعة كالعبد والمسافر بكل (٦) مسجد، ولا يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، لأنه ليس بمسجد حقيقة.

стр. 334

كفارة الوطئ (١) في الاعتكاف ... تلزم والشيخان بالخلاف يعني: تجب الكفارة بالوطء في الاعتكاف المنذور، واختاره أبو بكر والقاضي وأصحابه قال في المستوعب: هذا أصح الروايات وقدمه في الخلاصة والرعايتين والحاويين وغيرهم. وعنه: لا كفارة مطلقًا وهو الصحيح من المذهب واختاره الموفق والشارح والمجد وصاحب الفائق وغيرهم وقطع به في التنقيح والإقناع والمنتهى وغيرها لكن عليه الكفارة لإفساد النذر قال (٢) في الفروع: ومراد أبي بكر ما اختاره صاحب المغني والمحرر والمستوعب وغيرهم أنه أفسد المنذور بالوطء فهو كما لو أفسده بالخروج لما له منه بد على ما سبق (٣) وهذا معنى كلام القاضي (في الجامع الصغير) (٤). وقال ابن عقيل في الفصول: يجب في التطوع في أصح الروايتين، قال المجد في شرحه: لا وجه له، قال: (لم يذكرها القاضي ولا وقفت على لفظ يدل عليها عن (٥) أحمد، وهي في المستوعب. وحيث أوجبنا الكفارة بالوطء فهي كفارة يمين وقال القاضي (٦) في الخلاف: كفارة الظهار، قدمه في النظم والفائق والرعاية الصغرى والحاويين. وقيل: كفارة رمضان، واختاره في الرعاية الكبرى قال في الهداية: وهو ظاهر كلام أحمد في رواية حنبل (٧).

стр. 335

نذر اعتكاف يقضى بعد الموت ... كنذر صوم جاءنا (١) للفوت يعني: إذا مات بعد أن نذر اعتكافًا (٢) وتمكن (٣) من فعله فإنه يقضى عنه، فيفعله وليه أو (٤) غيره بإذنه وبدونه قياسًا على الصوم (٥). ولأن الكفارة تجب بتركه في الجملة أشبه الصوم، وكذا الحج والعمرة ونذر الطواف والوضوء ونحوه لعموم قوله ﵇: "فدين الله أحق بالوفاء" (٦). وأما صلاة الفرض وقضاء رمضان فلا يقضى عنه، لكن يطعم في قضاء رمضان إن لم يكن تركه لعذر عن كل يوم طعام مسكين، وكذا صوم متعة وكفارة لوجوبه بأصل الشرع بخلاف النذر.

стр. 336

ومن كتاب الحج بفتح الحاء لا بكسرها في الأشهر وعكسه شهر الحجة. وهو لغة: القصد إلى من تعظمه. وشرعًا قصد مكة لعمل (١) مخصوص، وهو أحد أركان الإِسلام ومبانيه، فرض سنة تسع عند الأكثر، ولم يحج النبي ﷺ بعد هجرته سوى حجة الوداع، وكانت سنة عشر، وفرضيته بالكتاب والسنة والإجماع (٢). وأفضل الأنساك فالتمتع ... لا مفردًا أو (٣) قارنًا فاستمعوا (٤) التمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم به في عامه بعد فراغه منها. والإفراد: أن يحرم بالحج وحده، فإذا فرغ منه اعتمر عمرة الإِسلام إن كانت باقية عليه. والقران: أن يحرم بهما معًا، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل الشروع في طوافها، ويصح ممّن معه هدي ولو بعد السعي (٥).

стр. 337

ومن أراد الإحرام فهو مخير بين هذه الثلاثة، ذكره جماعة إجماعًا لقول عائشة خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال: "من أراد منكم أن يهل [بحج فليفعل، ومن أراد أن يهل] (١) بحج (٢) وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل" قالت: وأهل بالحج؛ وأهل به ناس معه، وأهل معه ناس بالعمرة والحج، وأهل ناس بالعمرة، وكنت فيمن أهل بعمرة. متفق عليه (٣). وذهب طائفة من السلف والخلف أنه لا يجوز إلا التمتع وقاله (٤) ابن عباس (٥) وكره التمتع عمر وعثمان ومعاوية وابن الزبير (٦). وبعضهم القران (٧) روى الشافعي عن ابن مسعود أنه كان يكرهه (٨). وأفضل الأنساك التمتع نص عليه في رواية صالح وعبد الله وهو قول ابن عمر وابن عباس وعائشة والحسن وعطاء وطاووس ومجاهد وجابر بن زيد وسالم والقاسم وعكرمة (٩). وذهب الثوري وأصحاب الرأي: إلى اختيار القران لما روى أنس

стр. 338

قال: سمعت رسول الله ﷺ أهل بهما جميعًا: "لبيك عمرة وحجا؛ لبيك عمرة وحجًا) متفق عليه (١) (٢). وذهب مالك وأبو ثور إلى اختيار الإفراد وهو ظاهر مذهب الشافعي، وروي ذلك عن (٣) عمر وعثمان وابن عمر وجابر وعائشة، لما روت عائشة وجابر أن النبي ﷺ (أفرد الحج) متفق (٤) عليه ولأنه يأتي بالحج تامًا غير جبر فكان أولى (٥). ولنا: أن التمتع آخر ما أمر به النبي ﷺ (٦) احتج به أحمد، قال إسحاق بن إبراهيم: كان اختيار أبي عبد الله الدخول بعمرة لقوله ﵇: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولأحللت معكم" (٧)، وفي الصحيحين: أنه أمر أصحابه لما طافوا وسعوا أن يجعلوها عمرة إلا من ساق هديًا، وثبت على إحرامه لسوقه الهدي، وتأسف (٨) ولا ينقلهم إلا إلى الأفضل، ولا يتأسف إلا عليه، ولأن التمتع منصوص عليه في كتاب الله (٩) دون سائر الأنساك، ولأنه يجتمع فيه الحج والعمرة في أشهر الحج مع كمالها (١٠) على وجه اليسر والسهولة مع زيادة نسك فكان أولى (وأما القران فإنما يؤتى فيه بأفعال الحج وتدخل فيه أفعال العمرة والمفرد يعتمر بعد الحج من أدنى الحل وقد اختلف في إجزائها عن عمرة التمتع

стр. 339

فكان أولى) (١). فإن قيل: أمرهم بالفسخ ليس لفضل التمتع، وإنما هو لاعتقادهم عدم جواز العمرة في أشهر الحج (٢). أجيب: بأنهم لم يعتقدوه (٣) ثم لو كان لم يخص (٤) به من لم يسق الهدي، لأنهم سواء في الاعتقاد، ثم لو كان لم يتأسف لاعتقاده جوازها فيها وجعل العلة فيه (٥) سوق الهدي. وعنه فالقران إذ يساق ... الهدى (٦) إذ قال به إسحاق أي: وعن الإِمام إن ساق (٧) الهدي فالقران أفضل له رواه المروذي، وهي قول إسحاق (٨) واختارها الشيخ تقي الدين، وقال: هو المذهب، وقال: إن اعتمر وحج في سفرتين أو (٩) اعتمر قبل أشهر (١٠) الحج، فالإفراد أفضل باتفاق الأئمة الأربعة (١١) (١٢) نص عليه أحمد في الصورة الأولى وذكره

стр. 340

القاضي في الخلاف وغيره، وهي (١) أفضل من الثانية نص عليه، واختاره صاحب الفائق في الصورة الأولى. ووجه هذه الرواية ما روي أن النبي ﷺ قرن حين ساق الهدي، ومنع كل من ساق الهدي من الحل حتى ينحر هديه (٢)، وأجيب عن الاحتجاج بفعله ﷺ بأجوبة منها: أن أكثر الروايات أنه ﷺ كان متمتعًا (٣)، روي ذلك عن عمر وعثمان وسعد بن أبي وقاص وابن عباس وابن عمر ومعاوية وأبي موسى وجابر وعائشة وحفصة بأحاديث صحاح (٤)، وأخبر ﵇ عن نفسه بالمتعة في حديث حفصة (٥) فلا يعارض خبر (٦) غيره.

стр. 341

ويمكن الجمع بين الأحاديث بأن يكون أحرم بالعمرة ثم لم يحل منها لأجل هديه حتى أحرم بالحج فصار قارنًا، وسماه من سماه مفردًا لاشتغاله (١) بأفعال الحج وحدها بعد فراغه من أفعال العمرة، والجمع بين الأحاديث مهما أمكن أولى من حملها على التعارض. [تنبيه: إسحاق المذكور في كلامه هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد (٢) أبو يعقوب المعروف بابن راهويه أحد أئمة الإسلام جمع بين الحديث والفقه والورع سمع ابن عيينة ومن في طبقته، وسمع منه البخاري ومسلمٌ والترمذيُّ ولد سنة ست وستين ومائة ومات سنة ثلاث وأربعين ومائتين على ما ذكره القاضي أبو الحسين (٣) في طبقاته، (٤). والحج والعمرة إن لم يقعا ... في أشهر الحج فما تمتعا يعني: إن أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج لم يكن متمتعًا ولم يلزمه دم (٥) تمتع، سواء وقعت أفعالها في أشهر الحج أو في غيره (٦) قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سئل عمن أهل بعمرة في غير أشهر الحج ثم قدم في شوال أيحل من عمرته في شوال أم يكون متمتعًا؟ قال: لا يكون متمتعًا، واحتج بحديث جابر وذكر إسناده عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله سئل عن امرأة تجعل على نفسها عمرة في شهر مسمى، ثم يخلو (٧) إلا ليلة

стр. 342

واحدة، ثم تحيض، قال: لتخرج ثم لتهل بعمرة ثم لتنتظر (١) حتى تطهر ثم لتطف بالبيت (٢). من لم يسق هديًا ففسخ حجه ... بعمرة جوز لمن يرجه بل جاءنا منصوصه بندبه ... حيث النبي آمر لصحبه (٣) يعني: من أحرم مفردًا أو قارنًا ولم يسق هديًا يجوز له (٤) بل يندب أن (٥) يفسخ نية الحج ويجعلها عمرة مفردة، فيقصر ويحلّ من إحرامه ليصير متمتعًا إن لم يكن وقف بعرفة، وهذا قول الحسن ومجاهد وداود. وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يجوز لأن الحج أحد النسكين فلم يجز فسخة كالعمرة (٦) (٧).

стр. 343

ولنا: أنه قد (١) قد ثبت عن النبي ﷺ أنه أمر أصحابه في حجة الوداع الذين أفردوا الحج وقرنوا أن يحلوا كلهم ويجعلوها (٢) عمرة إلا من كان معه الهدي. في أحاديث كثيرة متفق عليها بحيث تقرب من التواتر، ولم يختلف في صحة ذلك وثبته عن النبي ﷺ أحد من أهل العلم علمناه، وعن إبراهيم الحربي (٣) قال: (قال (٤)) سلمة بن شبيب لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، كل شيء منك حسن جميل إلا خصلة واحدة فقال: ما هي؟ قال: تقول بفسخ الحج، فقال أحمد: قد كنت أرى أن لك عقلًا، عندي ثمانية عشر حديثًا صحاحًا جيادًا كلها في فسخ الحج أتركها لقولك؟. وقد روى فسخ الحج إلى العمرة ابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة وأحاديثهم متفق عليها، ورواه غيرهم من وجوه صحاح. وأما ما روى (٥) من (٦) أن ذلك رخصة خاصة بأصحابه ﵇ فلم يثبت بدليل صحيح (٧).

стр. 344

مسافة القصر لدى الأسفار ... ما بينما الحج والاعتمار به دم المتعة والقران ... سقوطه فواضح البرهان يعني: إذا أحرم بالعمرة وحل منها ثم سافر فأحرم بالحج من مسافة قصر فأكثر من مكة سقط عنه دم التمتع، وروي ذلك عن عطاء والمغيرة وابن المديني (١) وإسحاق. (وقال) (٢) الشافعي: إن رجع إلى الميقات فلا دم عليه (٣). وقال أصحاب الرأي: إن رجع إلى مصره بطلت متعته وإلا فلا (٤) (وقال مالك: إن رجع إلى مصره أو إلى غيره أبعد من مصره بطلت متعته وإلا فلا) (٥). وقال الحسن: هو متمتع وإن رجع إلى بلده، واختاره ابن المنذر لعموم (قوله تعالى): (٦) ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ولنا: قول عمر إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع، فإن خرج ورجع فليس بمتمتع (٧)، وعن ابن عمر نحو ذلك (٨)، ولأنه إذا رجع إلى الميقات أو ما دونه لزمه الإحرام منه، فإذا كان بعيدًا فقد أنشأ سفرًا بعيدًا لحجه فلم يترفه بترك أحد المسفرين. وأما سقوط دم القران بالسفر المذكور فهو القياس، ولكن كلامهم

стр. 345

يقتضي لزومه، لأن اسم القرآن باق بعد السفر بخلاف التمتع قاله في الفروع (١)، والصحيح أن اسم التمتع باقٍ أيضًا. ويلزم الورّاث (٢) أن يحججوا (٣) ... من أصل مال الميت عنه يخرجوا هذا وإن لم تك (٤) بالوصية ... حتى ولا تجزئ (٥) ميقاتيه يعني: من وجب عليه الحج ومات ولم يحج لزم ورثته أن يخرجوا من جميع ماله ما يحج به ويعتمر من حيث وجبا سواء فاته بتفريطه أو بغيره ولا تجزئ الاستنابة عنه من الميقات. وقال أبو حنيفة ومالك: يسقط (٦) عنه بالموت، فإن وصى (٧) فمن الثلث، لأنه عبادة بدنية فسقط بالموت كالصلاة (٨) (٩). وقال الشافعي فيمن مات وعليه حجة الإِسلام يستناب عنه من الميقات، لأن الإحرام لا يجب من دونه (١٠). ولنا: على عدم السقوط (١١) ما روى ابن عباس أن امرأة سألت النبي ﷺ عن أبيها مات ولم يحج قال: "حجي عن أبيك،، وعنه: أن امرأة نذرت أن تحج فماتت فأتى أخوها النبي ﷺ فسأله عن ذلك، فقال:، أرأيت لو كان على أختك دين أكنت قاضيه؟ "، قال: نعم قال:

стр. 346

"فاقضوا (١) الله فهو أحق بالقضاء"، رواهما النسائي (٢) ولأنه حق تدخله النيابة فلم يسقط بالموت كالدين بخلاف الصلاة (٣). وأما كونه من حيث وجب فلأن القضاء يكون على صفة الأداء في الصلاة والصوم، فإن كان له وطنان جازت الاستنابه من أقربهما. نفقة الحج على الصبي ... مثل الضحايا لا على الولي أي: نفقه الحج في مال الصبي كالأضحية لا على وليه في رواية اختارها جماعة منهم القاضي في خلافه، وقدمها في الهداية والخلاصة والرعايتين والحاويين والفائق (٤) وإدراك الغاية، لأن الحج له فنفقته (٥) عليه كالبالغ، ولأن له فيه مصلحة بتحصيل الثواب له ويتمرن عليه فصار كأجر (٦) المعلم والطبيب. والصحيح من المذهب أن ما زاد على نفقة الحضر في مال وليه إن أنشأ (٧) السفر به تمرينًا له على الطاعة، وكذا الكفارة لأن الحج لا يجب في العمر إلا مرة فلا حاجة إلى التمرن عليه، ولأنه قد لا يجب فلا يجوز تكليفه بذل ماله من غير حاجة إليه. وامنع من الحج بغير محرم ... لامرأة لو في جوار الحرم أي: يشترط لوجوب الحج على المرأة وجود محرم لها، ولا يجوز لها السفر بدونه ولو كانت جوار الحرم أي (٨) ليس بينها وبينه مسافة

стр. 347

قصر (١)، قال أبو داود: قلت لأحمد: امرأة موسرة لم يكن (٢) لها محرم هل وجب عليها الحج؟ قال: لا، وقال: المحرم من السبيل، وهذا قول الحسن والنخعي وإسحاق وأصحاب (٣) الرأي: وابن المنذر (٤). وقال ابن سيرين ومالك والأوزاعي والشافعيُّ: ليس المحرم شرطاً في حجها بحال، وقال ابن سيرين، تخرج مع رجل من المسلمين لا بأس به، وقال مالك: تخرج مع جماعة النساء، وقال الشافعي: تخرج مع حرة ثقة (٥). ولنا: حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لامرأة (٦) تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة (٧) يوم إلا ومعها ذو (٨) محرم"، وفي حديث ابن عباس مرفوعًا: "ولا تسافر امرأة إلا ومعها ذو (٩) محرم"، متفق (١٠) عليهما، قال أبو عبد الله (١١): أما أبو هريرة فيقول: يوم وليلة

стр. 348

ويروى (١) عن أبي هريرة: لا تسافر سفرًا أيضًا، وأما حديث أبي سعيد فيقول: ثلاثة أيام (٢)، قلت: ما تقول أنت؟ قال: لا تسافر سفرًا قليلًا ولا كثيرًا إلا مع ذي محرم. وروى الدارقطني (٣) بإسناده عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لا تحجن امرأة إلا ومعها ذو (٤) محرم". وكافر فلا يكون (٥) محرمًا ... لامرأة حتى يكون مسلمًا أي: الكافر ليس بمحرم للمسلمة وإن كانت ابنته قال أحمد في يهودي أو نصراني أسلمت ابنته: لا يزوجها ولا يسافر بها ليس هو (٦) لها بمحرم. وقال أبو حنيفة والشافعيُّ: هو محرم لها؛ لأنها محرمة عليه على التأبيد (٧) ولنا: أن إثبات (٨) المحرمية يقتضي الخلوة بها فوجب أن لا يثبت لكافر على مسلمة كالحضانة للطفل، ولأنه لا يؤمن عليها أن يفتنها عن دينها كالطفل وما ذكروه يبطل (٩) بالتحريم باللعان (١٠). من أحرمت زوجته تطوعًا ... أو (١١) عبده من غير إذن سمعًا ليس له في الأشهر التحليل ... والشيخ كالجمهور لا يميل

стр. 349

يعني: ليس للمرأة أن تحرم بتطوع بغير إذن زوجها، ولا للعبد (١) أن يحرم بغير إذن سيده؛ لأنهما يفوتان حقوق الزوج والسيد الواجبة بالتزام ما ليس بواجب، فإن أحرم كذلك انعقد صحيحًا، لأنه عبادة بدنية فأشبه الصلاة والصيام، وليس للزوج ولا للسيد تحليلهما (٢) في رواية نقلها الجماعة واختارها أبو بكر والقاضي وابنه وقدمها في المحرر. وعنه: لهما تحليلهما وفاقًا لجمهور العلماء (٣) وهي (٤) المذهب، وقطع بها (٥) الشيخ الموفق في المقنع، وكذا صاحب الوجيز والمنور وابن منجا في شرحه واختارها ابن حامد والشارح وغيرهما، وجزم بها في التنقيح والإقناع والمنتهى وغيرها؛ لأنّ في بقائهما على الإحرام تفويتًا لحق الزوج والسيد بغير إذنهما فجاز لهما تحليلهما (٦)، تداركًا لدفع الضرر عنهما كالصوم (٧) المضر ببدنهما. ومن ينسب لاثنين (٨) في حجهما ... كان (٩) له حيث نوى وأبهما (١٠) يعني: لو استنابه اثنان (١١) في نسك وأحرم به عن أحدهما لا بعينه وقع عن نفسه؛ لأنّ أحدهما ليس أولى به من الآخر أشبه ما لو أحرم عنهما (١٢).

стр. 350

وقال أبو الخطاب: يصح ويصرفه إلى أيهما شاء، كما لو أحرم بنسك ولم يعينه (١). وإن أحرم عن أحدهما بعينه صح، ثم يحج عن الآخر، وإن أحرم به عنهما أو (٢) عن نفسه وأحدهما (٣) وقع عن نفسه؛ لأنه لا يمكن وقوعه عنهما، وليس أحدهما أولى به (٤) من الآخر. إذا استناب العاجز المعضوب ... ولو تعافى سقط الوجوب يعني: إذا استناب العاجز عن الحج لمرض لا يرجى برؤه ونحوه ويسمى (٥) المعضوب فحج النائب ثم عوفي المستنيب لم يجب عليه حج آخر وهذا قول إسحاق. وقال الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر: يلزمه؛ لأنّ هذا بدل إياس فإذا برئ تبينا أنه لم يكن مأيوسًا منه فلزمه الأصل، كالآيسة تعتد بالشهور ثم تحيض يلزمها العدة بالحيض (٦). ولنا: أنه (٧) أتى بما أمر به فخرج من (٨) العهدة كما لو (٩) لم يبرأ

стр. 351

نقول أدى حجة الإِسلام بأمر الشارع فلم يلزمه حج ثان، كما لو حج عن نفسه، ولأن هذا يفضي إلى إيجاب حجتين عليه ولم يوجب الله عليه (١) إلا حجة واحدة. وأما الآيسة فلا يتصور عود حيضها حتى ولو رأت دمًا (٢) فليس بحيض ولا يبطل به اعتدادها، وكذلك (٣) الحكم لو عوفي بعد إحرام نائبه قبل أن يتممه (٤). فأما إن عوفي قبل إحرام النائب لم يجزه (٥) بحال فيقع للنائب "قلت" ويلزمه رد النفقة. وعادم النعلين في الإحرام ... يلبس خفين على التمام (٦) من غير قطع لهما كلا ولا ... فدية في هذا على من فعلا (٧) يعني: إذا عدم المحرم النعلين حال الإحرام جاز له لبس الخفين من غير قطع ولا فدية عليه، روي عن علي بن أبي طالب وبه قال عطاء وعكرمة.

стр. 352

وقال عروة بن الزبير ومالك والثوري والشافعيُّ وإسحاق وأصحاب الرأي: وابن المنذر: يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين، لما روى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "فمن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين" متفق (١) عليه، وهو متضمن لزيادة على حديث (٢) ابن عباس وجابر، والزيادة من الثقة مقبولة (٣). قال الخطابي: العجب من أحمد في هذا فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه وقلت سنة لم تبلغه (٤). ولنا: حديث ابن عباس وجابر: "من لم يجد نعلين فليلبس خفين (٥) مع قول علي: (قطع الخفين فساد يلبسهما كما هما) (٦) مع موافقة القياس فإنه ملبوس أبيح لعدم غيره أشبه السراويل، ولأن قطعه لا يخرجه عن حالة الحظر (٧)، فإن لبس المقطوع محرم مع القدرة على النعلين كلبس الصحيح، وفيه إتلاف ماليته وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعته. وأما حديث ابن عمر فزيادة القطع لم يذكرها جماعة، وروي أنها من قول نافع (٨)، ولو سلم صحة رفعها فهي (٩) بالمدينة، وخبر ابن عباس

стр. 353

بعرفات (١)، فلو كان القطع واجبًا لبينه للجمع العظيم الذي لم يحضر كثير منهم كلامه في المدينة في موضع البيان ووقت الحاجة، ولا يقال: اكتفى بما سبق، لأنه يقال: فلم ذكر لبسهما؟ والمفهوم من إطلاقه لبسهما بلا قطع. وقول المخالف (٢) المقيد (٣) يقضي على المطلق محله إذا لم يمكن تأويله وعن قوله حديث (٤) ابن عمر فيه زيادة لفظ، بأن خبر ابن عباس وجابر فيهما زيادة حكم هو (٥) جواز اللبس بلا قطع يعني: أن هذا الحكم لم (٦) يشرع بالمدينة (٧) وهذا أولى من دعوى النسخ، وبهذا يجاب عن قول الخطابي السابق. وقوله: فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، فيه شيء، فإنه قد يخالف لمعارض (٨) راجح كما هو عادة المجتهدين ﵏ في الجمع بين الأخبار. قال الموفق: والأولى قطعهما عملًا بالحديث الصحيح، وخروجًا من الخلاف وأخذًا بالاحتياط (٩) قال الشارح والذي قاله صحيح (١٠). وحالق شعرين مثل البدن ... والرأس فديتان (١١) فيما قد عني

стр. 354

يعني: لكل واحد من شعر البدن وشعر الرأس حكم منفرد (١)، فلو حلقهما ففديتان، في رواية نقلها الجماعة واختارها القاضي في التعليق وغيره وابن عقيل وجماعة وجزم بها في المبهج (٢). وعنه: شعر الرأس والبدن واحد، وهو الصحيح من المذهب اختاره أبو الخطاب والموفق والشارح، وجزم به في الهادي والمنور وقدمه في الخلاصة والمحرر والرعايتين والحاويين والفائق وشرح ابن رزين والنظم، وجزم به في المنتهى والإقناع وهذا قول أكثر الفقهاء (٣)؛ لأنّ الشعر كله جنس واحد فلم تتعدد الفدية فيه باختلاف مواضعه كما لو لبس قميصًا وسراويل. ومحرم (٤) فإن يدل محرمًا ... على اصطياد فالجزا عليهما يعني: إذا (٥) دلّ محرم محرمًا على صيد فقتله فالجزاء بينهما، وبه قال عطاء وحماد بن أبي سليمان. وقال الشعبي وسعيد بن جبير وأصحاب الرأي: على كل واحد جزاء، لأنّ كل واحد يستقل بالجزاء إذا انفرد فكذلك عند الاجتماع (٦) ولنا: أن الواجب جزاء المتلف وهو واحد فيكون الجزاء واحدًا. وقال مالك والشافعيُّ: لا شيء على الدال (٧).

стр. 355

ولنا: حديث أبي قتادة لما صاد الحمار الوحشي وأصحابه محرمون قال النبي ﷺ : "هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو (١) أشار إليها؟ " (٢) فإنه يدلّ على تعلق التحريم بذلك لو وجد منهم، ولأنه سبب (٣) يتوصل به إلى إتلاف الصيد فتعلق به الضمان كما لو نصب أحبوله (٤). وهكذا الحلال للحلال ... في حرم صاد ولم يبال يعني: إذا دلَّ حلال حلالًا على صيد الحرم فقتله فالجزاء بينهما كالمحرمين؛ لأنّ صيد الحرم مضمون على الحلال والمحرم فاشتركا فيه. ورجعة النكاح في الإحرام ... قولان في الصحة عن إمامي فابن عقيل لا (٥) على المشهور ... والشيخ بالصحة كالجمهور يعني: في الرجعة في الإحرام روايتان، إحداهما: لا تصح وهي اختيار ابن عقيل لأنها عقد وضع لإباحة البضع أشبه النكاح (٦). والثانية: تصح وهي قول الجمهور (٧)، واختيار (٨) الخرقي والموفق وغيرهما وقطع بها في (٩) التنقيح والإقناع والمنتهى لأنها إمساك للزوجة لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١، وفي الطلاق من آية: ٢] (١٠)، ولأنها
следующие страницы →