← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6538

المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد

البهوتي

Полный текст (858 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر:٦] (١)، ولأنه حيوان تجوز (٢) المسابقة عليه (٣) فيسهم له كالفرس. واختار أبو الخطاب والشيخان وغيرهم وأكثر الفقهاء لا يسهم له وقطع به في التنقيح والإقناع والمنتهى، قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن (٤) من غزا على بعير فله سهم راجل (٥)، كذلك قال الحسن ومكحول والثوري والشافعيّ وأصحاب الرأي (٦)، لأنّ النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه أسهم لغير الخيل من البهائم، وقد كان معه يوم بدر سبعون بعيرًا (٧)، ولم تخل غزاة من غزواته من الإبل، بل هي غالب دوابهم وكذا خلفاؤه من بعده وغيرهم مع كثرة غزواتهم، ولم ينقل عن أحد منهم فيما علمناه أنه أسهم لبعير، ولو أسهموا لم يخف، ولأنه لا يمكن صاحبه الكر والفر فهو كالبغل. وبالغ القاضي في الأحكام ... قال: كذاك الفيل في الإسهام أي قال القاضي أبو يعلى في الأحكام السلطانية: إن الفيلة حكمها حكم الهجين (٨) لها سهم. والمذهب خلافه؛ لأنّ النبي ﷺ لم يسهم لها ولا أحد من خلفائه؛ ولأنها لا تجوز المسابقة عليها بعوض فلم يسهم لها كالبقر (٩).

стр. 387

والفرس المعار والمغتصبة ... بسهمها المالك يقضي أربه (١) يعني: أن سهم الفرس المعار والمغصوب لمالكه دون المستعير والغاصب (٢)؛ لأنه من نمائه فأشبه ولده (٣)، ولأن النبي ﷺ جعل للفرس سهمين (٤) وما كان للفرس فهو لمالكه وهذا في المعار رواية. والصحيح من المذهب أن سهمه للمستعير قطع به في الإقناع والمنتهى وغيرهما، لأن سهم الفرس مستحق بمنفعته وهي (٥) للمستعير بإذن المالك فيها فهو كالمستأجر. وفارق النماء فإنه غير مأذون له (٦) فيه، وإن استعاره لغير الغزو فغزا به فهو كالمغضوب. تنبيه: اسم الجنس يذكر ويؤنث قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وفي أخرى ﴿خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، وقد اجتمعا (٧) في قول الناظم معار ومغتصبة. وفرس السيد إن غزا بها ... مملوكه فارضخ له وأسهم لها

стр. 388

أي: إن غزا العبد على فرس سيده. رضخ للعبد فيعطيه الإمام باجتهاده شيئًا غير مقدر (١)، ويسهم للفرس إن لم يكن مع سيده فرسان سواها (٢) نص عليه. (و) (٣) قال أبو حنيفة والشافعيُّ: لا يسهم للفرس لأنها تحت من لا يسهم له، فلم يسهم له كما لو كان (٤) تحت مخذل (٥). ولنا: أنه فرس حضر الوقعة وقوتل عليه فأسهم له كما لو كان السيد راكبه (٦) وسهم الفرس ورضخ العبد للسيد لأنه مالكه ومالك فرسه. وسواء حضر السيد القتال أو غاب عنه، وفارق فرس المخذل لأنّ الفرس له، فإذا لم يستحق شيئًا بحضوره فلئلا (٧) يستحق بحضور فرسه أولى. يجوز للإمام بعد الخمس ... تنفيله (٨) بثلث أو سدس أي: يجوز للإمام أو نائبه إذا دخل دار الحرب غازيًا بعث سرية تغير على العدو ويجعل لهم الربع فأقل بعد الخمس، وإذا رجع بعث سرية تغير ويجعل لهم الثلث فأقل بعد الخمس (٩)، فما قدمت به السرية أخرج خمسه

стр. 389

ثم أعطى السرية ما جعله لها ثم قسم سائره في الجيش والسرية معه وبهذا قال حبيب بن مسلمة (١)، والحسن والأوزاعي وجماعة من أهل العلم (٢) (٣). وقال سعيد بن المسيّب ومالك: لا نفل إلا من الخمس (٤). وقال الشافعي: يخرج من خمس الخمس لما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ بعث سرية فيها عبد الله بن عمر فغنموا إبلًا كثيرًا فكانت سهمانهم اثني (٥) عشر بعيرًا، ونفلوا بعيرًا بعيرًا، متفق (٦) عليه؛ ولو أعطاهم من الأربعة الأخماس (٧) التي هي لهم لم تكن نفلًا وكانت (٨) من سهمانهم (٩). ولنا: ما روى حبيب بن مسلمة (١٠) الفهري قال: شهدت رسول الله ﷺ نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة، وفي لفظ: أن رسول الله ﷺ ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس إذا قفل. رواهما أبو داود (١١). وعن عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ كان ينفل (١٢) في البدأة الربع وفي القفول

стр. 390

الثلث (١). رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ غريب (٢)، وما ثبت للنبي- ﷺ ثبت للأئمة بعده ما لم يقم على تخصيصه به دليل. وأما حديث ابن عمر فهو حجة عليهم فإن بعيرًا على اثني عشر بعيرًا يكون جزءًا من ثلاثة عشر وخمس الخمس جزء من خمسة وعشرين وجزء من ثلاثة عشر أكثر، فلا يتصور أخذ الشيء من أقل منه فيتعين أن يكون (٣) من غيره، على أن ما رويناه صحيح (٤) صريح في الحكم فلا يعارض بشيء مستنبط يحتمل غير ما حمّله من استنبطه. ولا يجوز أن ينفل (٥) أكثر من الثلث لأنّ نفله ﵇ انتهى إليه فينبغي أن لا يتجاوزه (٦). من غل من غنيمة لذلّه ... عقابه إحراق كل رحله إلَّا سلاحًا حيوانًا مصحفًا ... ...................... الغال: الذي يكتم ما أخذه (٧) من الغنيمة أو بعضه ولو قل فلا يطلع الإمام عليه ولا يطرحه في الغنيمة فحكمه أن يحرق رحله كله إلا ما استثني، وبه قال الحسن وفقهاء الشام منهم مكحول والأوزاعي والوليد بن هشام ويزيد بن يزيد بن جابر (٨). وأتي سعيد بن عبد الملك بغال فجمع ماله وأحرقه وعمر بن

стр. 391

عبد العزيز حاضر فلم يعبه، وقال يزيد بن يزيد بن جابر: السنة في الذي يغل أن يحرق رحله رواهما سعيد في سننه (١). وقال أبو حنيفة ومالك والليث والشافعيُّ: لا يحرق (٢)؛ لأنّ النبي ﷺ لم يحرق في خبر رواه أبو داود (٣)، ولأن إحراق المتاع إضاعة له (٤) وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال (٥). ولنا: ما روى صالح بن محمَّد بن زائدة قال: دخلت مع مسلمة أرض الروم فأتي برجل قد غل فسأل سالمًا عنه فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطّاب عن النبي ﷺ قال: "إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه"، قال (٦): فوجدنا في متاعه مصحفًا فسأل سالمًا عنه فقال: "بعه وتصدق بثمنه"، رواه سعيد وأبو داود والأثرم (٧)، وروى عمرو بن

стр. 392

شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر أحرقوا متاع الغال (١). وأما حديثهم فلا حجة لهم فيه فإن الرجل يعترف أنه أخذ ما أخذه على وجه الغلول وما أخذه لنفسه، وإنما توانى في المجيء به، وليس الخلاف فيه، ولأن الرجل جاء به من عند نفسه تائبًا معتذرًا، والتوبة تجب (٢) ما قبلها. وأما النهي عن إتلاف المال فمقيد (٣) بعدم المصلحة. ولا يحرق السلاح لأنه يحتاج (٤) إليه في القتال، ولا الحيوان لحرمته، ولا المصحف لحرمته أيضًا ولا نفقته، ولا ثيابه التي عليه ولا آلة دابته، ولا كتب علم، ولا ما لا تأكله النار، ويكون ذلك كله للغال، ويؤخذ ما غله للمغنم، فإن تاب بعد القسمة رد (٥) خمسه للإمام وتصدق بالباقي نص عليه. ...................... ... وسهمه يحرمه (٦) عند الوفا أي: يحرم الغال سهمه فلا يعطاه عقوبة له اختاره الآجري. والصحيح من المذهب أنه يعطى سهمه قدمه في المغني والشرح ونصراه (وقدمه) (٧) في الفروع وصححه في النظم وقطع به في الإقناع والمنتهى؛ لأنّ سبب الاستحقاق (٨) موجود (٩) ولم يثبت حرمان سهمه في

стр. 393

خبر ولا دلّ عليه قياس، ولا يحرق سهمه لأنه ليس من رحله. إن (١) أدرك المسلم عين ماله ... بعد اقتسام الغنم وانفصاله إن بيع (٢) فهو أولى به بالثمن ... وليس بالقيمة خذ بالأحسن إذا أخذ أهل الحرب أموال المسلمين ثم أخذها المسلمون منهم قهرًا وأدركها أربابها بعد القسمة فهم (٣) أحق بها بثمنها، وكذا لو أخذ (ها) (٤) أحد الرعية بثمن فصاحبها أحق بها بثمنها وهذا قول الثوري والأوزاعي (٥). وقال أبو حنيفة ومالك: يأخذ (ها) (٦) بالقيمة (٧) (٨). وقال الشافعي وابن المنذر: يأخذها صاحبها ويعطى (٩) مشتريها ثمنها من خمس المصالح، لأنه لم يزل عن ملك صاحبه فوجب أن يستحق أخذه بغير شيء كما قبل القسمة (١٠). ولنا: ما روي أن عمر كتب إلى السائب أيّما رجل من المسلمين أصاب رقيقه و (١١) متاعه بعينه فهو أحق به من غيره، وإن أصابه في أيدي التجار بعد ما اقتسم فلا سبيل إليه. وقال سلمان بن ربيعة: إذا قسم فلا

стр. 394

حق له فيه، رواهما سعيد (١) في سننه، ولأنه إجماع قال أحمد: إنما قال الناس فيها قولين، إذا اقتسم فلا شيء له وقال قوم: إذا اقتسم فهو له بالثمن، فأما أن يكون له بعد القسمة بغير ذلك فلم يقله أحد، متى انقسم أهل (٢) العصر في حكم (٣) على قولين لم يجز إحداث قول ثالث لمخالفته الإجماع. وقولهم: لم يزل ملك صاحبه عنه ممنوع بل يملك أهل الحرب ما لنا بالقهر. إذا أخذت من نصارى تغلب ... مثلي زكاة مسلم بالنصب فخذ من الصبي والمجنون ... كنسوة وأضرب عن المجنون بنو تغلب بن وائل من العرب من ولد ربيعة بن نزار انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية فدعاهم عمر إلى بذل الجزية (٤) فأبوا وأنفوا (٥) وقالوا: نحن عرب خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض باسم الصدقة، فقال عمر: لا آخذ من مشرك صدقة، فلحق بعضهم بالروم، فقال النعمان بن زرعة: يا أمير المؤمنين، إن القوم لهم بأس وشدة وهم عرب يأنفون من الجزية فلا تعن عليك عدوك بهم، وخذ منهم الجزية باسم الصدقة، فبعث عمر في طلبهم فردهم وضعف عليهم من الإبل من كل خمس شاتين، ومن كل ثلاثين بقرة تبيعين (٦) ومن كل عشرين دينارًا دينارًا، ومن كل مأتي درهم

стр. 395

عشرة دراهم، وفيما سقت السماء الخمس، وفيما سقي بنضح (١) أو غرب (٢) أو دولاب (٣) العشر (٤)، فاستقر ذلك من قول عمر، ولم يخالفه أحد من الصحابة فصار إجماعًا، وفي معناهم من تهود أو تنصر أو تمجس من العرب، فيؤخذ مثل ذلك من مال من تؤخذ منه الزكاة كما لو كان مسلمًا، وبه قال أبو حنيفة وأبو عبيد (٥) وذكر أنه قول أهل الحجاز (٦): فتؤخذ من نسائهم وصبيانهم ومجانينهم ومكافيفهم (٧) وشيوخهم إلا (٨) أن أبا حنيفة لا يوجب الزكاة في مال صبي ولا مجنون إلا من الأرض خاصة فكذا في صبيانهم ومجانينهم (٩). وقال الشافعي: (لا يؤخذ ممّن لا جزية عليه كالنساء والصبيان والمجانين لأنه جزية لا زكاة (١٠)، قال الموفق (١١): وهذا أقيس (١٢)، وحجة أصحابنا أنهم سألوا عمر أن يأخذ منهم ما يأخذ بعضكم (١٣) من بعض

стр. 396

فأجابهم عمر إليه بعد الامتناع منه، والذي يأخذه بعضنا من بعض هو الزكاة من أي: مال زكوي (١) لأي مسلم كان صغير وكبير وصحيح ومريض (٢) كذلك المأخوذ من بني تغلب ولأن نساءهم وصبيانهم صينوا عن السبي بهذا الصلح ودخلوا في حكمه فجاز أن يدخلوا في الواجب به كالرجال العقلاء) ولا يؤخذ ذلك من غير زكوي كالرقيق والدور ... وتغلب بفتح التاء المثناة فوق وكسر اللام اسم قبيلة، والمجون: اللعب، ومصرف ما يؤخذ منهم كجزية (٣)؛ لأنه (٤) جزية مسماة بالصدقة، قال عمر: هؤلاء حمقى (٥) رضوا بالمعنى وأبو الاسم (٦) (٧) يحققه أن الزكاة طهرة وهؤلاء لا طهرة لهم. والكافر التاجر إن مر على ... عاشرنا يأخذ عشرًا انجلًا (٨) حتى ولو لم ذا عليهم شرطًا ... أو لم يبيعوا عندنا ما سقطا (٩) أو لم يكونوا يفعلوا ذاك بنا ... هذا هو الصحيح في (١٠) مذهبنا يعني: إذا اعتبر الكافر إلينا أخذ منه العشر مطلقًا جزم به في الواضح. والصحيح من المذهب أن الحربي يؤخذ منه العشر، والذمي (١١) يوخذ

стр. 397

منه نصف العشر سواء شرط عليهم أم لا، باعوا عندنا أم لا، فعلوا ذلك بنا إذا اتجرنا (١) إليهم أم لا. وقال أبو حنيفة: لا يؤخذ منه شيء إلا أن يكونوا يأخذون منا شيئًا فنأخذ منهم مثله (٢) لما روي عن أبي مجلز قال: قالوا لعمر: كيف (٣) نأخذ من أهل الحرب إذا قدموا علينا؟ قال (٤): كيف يأخذون منكم إذا دخلتم إليهم؟ قالوا: العشر، قال: فكذلك خذوا منهم (٥). وقال الشافعي في الحربي: إذا دخل إلينا لتجارة لا يحتاج إليها المسلمون لم (٦) يأذن له الإمام إلا بعوض يشرطه، وما شرطه جاز. ويستحب أن يشترط (٧) العشر ليوافق فعل عمر، فإن أذن من غير شرط لم يأخذ شيئًا (٨)، لأنه أمان من غير شرط فلم يستحق به شيئًا كالهدنة. وقال في الذمي: ليس عليه إلا الجزية، إلا أن يدخل أرض الحجاز فينظر في حاله فإن كان لرسالة أو نقل (٩) ميرة أذن له بغير شيء، وإن كان بتجارة لا حاجة بأهل الحجاز إليها لم يأذن له إلا أن يشترط عليه عوضًا بحسب ما يراه، والأولى أن يشترط نصف العشر لفعل عمر (١٠). ولنا: ما روى أبو داود (١١) أن النبي ﷺ قال: "ليس على المسلمين

стр. 398

عشور إنما العشور على اليهود والنصارى". وروى أبو عبيد في كتاب الأموال (١) بإسناده عن لاحق بن حميد: "أن عمر بعث عثمان بن حنيف إلى الكوفة فجعل (٢) على أهل الذمة في أموالهم الذين (٣) يختلفون فيها في كل عشرين درهمًا درهمًا"، وهذا كان بالعراق واشتهر ذلك فيما بين الصحابة وعمل به الخلفاء بعده والأئمة في كل عصر فأي إجماع أقوى من هذا، ولم ينقل أنه شرط عليهم ذلك عند دخولهم ولا يثبت بالظن من غير نقل، ولم يأت تخصيص الحجاز بنصف العشر في شيء من الأحاديث. وأما سؤال عمر عما يأخذون منا فإنما كان لأنهم سألوا عن كيفية الأخذ ومقداره، ثم استمر الأخذ من غير سؤال، ولو تقيد أخذنا منهم بأخذهم منا لوجب أن يسأل عنه في كل وقت (٤). ولا فرق في ذلك بين التغلبي وغيره ولا بين الرجل والمرأة، والكبير والصغير، ويمنعه الدين كزكاة، ولا يؤخذ من غير مال التجارة (٥) ولا من أقل من عشرة دنانير ولا أكثر من مرة كل عام. والأرضون عنوة إن (٦) فتحت ... فللإمام خيرة ما (٧) رجحت من قسمها مع (٨) جملة الغنيمة ... أو (٩) وقفها فذاك لا ظليمة (١٠) أرض العنوة: هي ما أجلي (١١) عنها أهلها بالسيف، فيخير الإمام بين

стр. 399

قسمها ووقفها على المسلمين، ويضرب عليها خراجًا مستمرًا يؤخذ ممّن هي في يده يكون أجرة لها في كل عام (١)، وتقر في أيدي أربابها يتوارثونها ما داموا يؤدون خراجها مسلمين كانوا أو من أهل الذمة، ولا يسقط خراجها بإسلام أربابها ولا بانتقالها إلى مسلم، لأنه بمنزلة أجرتها، قال في الشرح (٢): ولم نعلم أن شيئًا مما (٣) فتح عنوة قسم بين الغانمين إلا خيبر، فإن رسول الله ﷺ قسم نصفها فصار لأهله لا خراج عليه، وسائر ما فتح عنوة مما فتحه عمر ومن بعده كأرض الشام والعراق ومصر وغيرها لم يقسم منه شيء. فروى أبو عبيد (٤) في كتاب الأموال أن عمر قدم الجابية (٥) فأراد (٦) قسم الأرضين بين المسلمين فقال له معاذ: والله إذن ليكونن ما تكره إنك إن قسمتها اليوم صار الريع العظيم في أيدي القوم ثم يبيدون (٧) ويصير ذلك إلى الرجل الواحد والمرأة، ثم يأتي من بعدهم قوم يسدون من الإِسلام مسدًا، وهم لا يجدون شيئًا فانظر أمرًا يسع (٨) أولهم وآخرهم فصار عمر إلى قول معاذ (٩). وروى أيضًا قال: قال الماجشون: قال بلال: لعمر بن الخطّاب في

стр. 400

القرى التي افتتحها عنوة اقسمها بيننا وخذ خمسها، فقال عمر: لا هذا عين المال، ولكني (١) أحبسه فيئًا يجري عليهم وعلى المسلمين، فقال بلال وأصحابه: أقسمها بيننا، فقال عمر: اللَّهم اكفني بلالًا وذويه قال: فما حال الحول ومنهم عين تطرف (٢). وروى أيضًا أن عمرو بن العاص كتب إلى عمر ﵄ في أرض مصر فكتب إليه عمر أن دعها حتى يغزو منها حبل الحبلة (٣). وقال مالك وأبو ثور: يجب قسمها لأنّ النبي ﷺ فعل ذلك، وفعله أولى من فعل غيره (٤). وأجيب بأن عمر وقفها مع علمه بفعل النبي ﷺ فدلّ على أن فعله ذلك لم يكن متعينًا كيف والنبي ﷺ قد (٥) وقف نصف خيبر (٦)، ولو كانت (٧) للغانمين لم يكن له وقفها، وهذا قول الثوري وأبي عبيد (٨).

стр. 401

ومثل أرض العنوة في ذلك ما جلا عنها أهلها خوفًا منا، وما صولحوا على أنها لنا ونقرها معهم بالخراج على ما في التنقيح والمنتهى وصحح في الإنصاف وغيره (١) أنها تكون وقفًا بمجرد ذلك، وتبعه في الإقناع وغيره (٢). كنيسه مذ هدمت يمتنع (٣) ... بناؤها الحق إليه يرجع أي: إذا هدمت كنيسة أو نحوها ولو ظلمًا لم يعد بناؤها وهو قول بعض الشافعية (٤). وقال أبو حنيفة والشافعيُّ: يجوز كرّم (٥) شعثها (٦)، ولأن استدامتها جائزة، وبناؤها كاستدامتها (٧). ووجه قولنا: أن في كتاب أهل الجزيرة (٨) لعياض (٩) بن غنم ولا نجدد ما خرب من كنائسنا (١٠)، وروى كثير بن مره قال: سمعت عمر بن الخطّاب يقول: قال رسول الله ﷺ :"لا تبنى الكنيسة في الإِسلام ولا يجدد ما خرب منها" (١١)، ولأنه بناء كنيسة في الإِسلام فلم

стр. 402

يجز كما لو ابتدئ بناؤها وفارق رَمّ (١) ما تشعث فإنه إبقاء واستدامة وهذا إحداث.

стр. 403

ومن كتاب البيوع وهي جمع بيع وهو لغة: دفع عوض وأخذ معوض عنه، واشتقاقه عند الأكثر من الباع؛ لأنّ كل واحد منهما يمد باعه للأخذ منه. قال (١) الزركشي: ورد من جهة الصناعة (٢) أي: لأنّ البيع يائي والباع واوي، ويجاب بأن المراد الاشتقاق الأكبر المعتبر فيه (٣) الموافقة في أكثر الحروف. وقيل: هو مشتق من البيعة لأنّ كل واحد منهما يبايع صاحبه أي: يصافقه (٤) عند البيع ولذلك يسمى البيع صفقه قال الزركشي: وفيه نظر لأنّ المصدر لا يشتق من المصدر. وقال في الفائق: هو مشتق من المبايعة بمعنى المطاوعة لا من الباع (٥)، وشرعًا: مبادلة عين أو منفعة مباحة مطلقًا بأحدهما أو بمال في الذمة على التأبيد (٦) غير ربا وقرض، وينعقد بالإيجاب والقبول وبالمعاطاة (٧).

стр. 404

فوق ثلاث يشرط (١) الخيار ... في البيع قالوا مطلقًا واختاروا أي: يجوز شرط الخيار ما يتفقان عليه من المدة المعلومة قَلَّت مدته أو كثرت وبذلك قال أبو يوسف ومحمَّد (٢) وابن المنذر وحكي عن ابن أبي ليلى وإسحاق وأبي ثور (٣). وأجازه مالك فيما زاد على الثلاث بقدر الحاجة مثل قرية لا يصل إليها في أقل من أربعة أيام (٤). وقال أبو حنيفة والشافعيُّ (٥)، لا يجوز أكثر من ثلاث (٦) لقول عمر: ما أجد (٧) لكم أوسع مما جعل رسول الله ﷺ لحبان جعل له الخيار ثلاثة أيام إن رضي أخذ وإن سخط ترك (٨). (٩). ولنا: أنه حق يعتمد (١٠) الشرط فرجع في تقديره إلى مشترطه كالأجل قال في المغني (١١): ولا يثبت عندنا ما روي عن (١٢) وعمر وقد روي عن

стр. 405

أنس خلافه (١) ... وتقدير مالك (٢) بالحاجة يرده أن الحاجة لا يمكن ربط الحكم بها لخفائها واختلافها وإنما يربط بمظنتها وهو الإقدام. في مدة الخيار إن (٣) تصرفا ... من باع في المبيع لو (٤) قد وقفا فاردد ولا تقل بفسخ العقد ... وهكذا في الحكم عتق العبد يعني: إذا تصرف البائع في المبيع في مدة الخيار ولو بوقف أو عتق فتصرفه مردود لبطلانه ولا يكون (٥) فسخًا للبيع. وقال الشافعي: يصح لأنه إما أن يكون على ملكه (٦) فيملك العقد عليه أو على ملك المشتري فللبائع فسخه (٧). ولنا: أنه تصرف في ملك غيره بغير ولاية شرعية فلم يصح كما بعد الخيار (٨)، وقولهم: يملك الفسخ. قلنا: إلا أن ابتداء التصرف لم يصادف ملكه فلم يصح كتصرف الأب فيما وهبه لولده قبل استرجاعه وتصرف الشفيع في الشقص قبل أخذه. من ذاك وطء أمة قد عدوا ... وعالم تحريمه يحد

стр. 406

يعني: ليس للبائع وطء الأمة التي باعها بشرط الخيار فإن (١) وطيء عالمًا تحريمه وأن ملكه قد زال ولا ينفسخ بالوطء فعليه الحد نص عليه، لأنّ وطأه لم يصادف ملكًا ولا شبهة ملك، فإن أتت بولد فهو رقيق ولا يلحقه نسبه. واختار الشيخ الموفق وغيره لا حدّ عليه لاختلاف العلماء في حل الوطء له وزوال ملكه (٢)، وإن لم يعلم فلا حدّ عليه، وولده حر يفديه بقيمته يوم ولادته، ولا تصير أم ولده لأنه وطئها في غير ملكه. والمشتري إن جاد بالإعتاق ... ينفذ بالنص (٣) على الإطلاق يعني: إن أعتق المشتري في مدة الخيار الرقيق الذي اشتراه بشرط الخيار نفذ (٤) عتقه سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما؛ لأنه عتق من مالك جائز التصرف فنفذ كما بعد المدة. وقول النبي ﷺ : "لا عتق فيما لا يملك ابن أدم" (٥) يدلّ بمفهومه على أنه ينفذ في الملك، وملك البائع الفسخ لا يمنع نفوذ العتق. كما لو باع عبدًا بجارية معيبة فإن مشتري العبد ينفذ عتقه فيه مع أن للبايع الفسخ، وكعتق ابن عبدًا (٦) وهبه له أبوه مع ملك أبيه الرجوع فيه.

стр. 407

إن سبق القبول للإيجاب ... في البيع لا يصح في جوابي حتى ولو كابتعت لم يفرقوا ... والشيخ للفرق غدا يحقق أي: إن تقدم القبول على الإيجاب لم يصح البيع ولو بلفظ الطلب أو (١) الماضي المجرد عن الاستفهام ونحوه في رواية اختارها أكثر الأصحاب قاله في الفروع (٢) كالنكاح، قال في النكت: نصره القاضي وأصحابه وجزم بها في المبهج وغيره وصححه في الخلاصة وغيرها؛ لأنّ القبول مبني على الإيجاب فإذا لم يتقدم الإيجاب (٣) فقد أتى بالقبول في غير محله فوجوده كالعدم. وعنه: يصح إن تقدم بلفظ الطلب أو الماضي المجرد عن الاستفهام ونحوه، كقوله بعني أو ملكني ثوبك ونحوه بكذا أو ابتعته أو قبلته بكذا وهو المذهب (٤) قطع به التنقيح والإقناع والمنتهى وغيرها (٥). وهذا معنى قوله: والشيخ للفرق غدا (٦) يحقق، وذلك لأنّ لفظ الإيجاب والقبول وجد منهما على وجه تحصل منه الدلالة على تراضيهما فصح كما لو تقدم الإيجاب (٧). والفرق بين البيع والنكاح واضح ولذلك ينعقد البيع بالمعاطاة بخلافه (٨).

стр. 408

خيار غبن المشتري المسترسل ... إن زاد عما اعتيد فاثبت تعدل (١) يعني: يثبت خيار الغبن للمسترسل (٢) إذا غبن غبنًا يخرج عن العادة بائعًا كان أو مشتريًا فيثبت (٣) له الخيار بين الفسخ والإمساك بكل الثمن (٤) لأنه غبن لجهله بالمبيع (٥) فثبت له الخيار كتلقي (٦) الركبان وكذا حكم إجاره. والمسترسل: اسم فاعل من استرسل بمعنى اطمأن وهو الذي يجهل القيمة ولا يحسن يماكس. فأما من له خبرة بسعر المبيع ويدخل على بصيرة بالغبن [أو يغبن] (٧) لاستعجاله في البيع (٨) ولو توقف ولم يستعجل لم يغبن فلا خيار له لعدم التغرير. أيضًا له رد معيب حققا ... أولًا (٩) وأخذ الأرش إن شا مطلقا (١٠) يعني: إذا اشترى شيئًا ولم يعلم عيبه (١١) حالة العقد ولا قبله ثم (١٢)

стр. 409

تحقق عيبه (١) فإن شاء فسخ البيع ورد المبيع وإن شاء أمسك ولم يفسخ وأخذ الأرش إن لم يفض إلى ربا، وهذا المذهب مطلقًا أي: سواء تعذر رده أو لا هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب وهو قول إسحاق. وقال أبو حنيفة والشافعيُّ: إن اختار الإمساك لا أرش إلا أن يتعذر رد المبيع (٢)؛ لأنّ النبي ﷺ جعل لمشتري المصراة الخيار بين الإمساك من غير أرش أو الرد (٣). ولنا: أنه ظهر على (٤) عيب لم يعلمه فكان له الأرش كما لو تعيب (٥) عنده، ولأنه فاته جزء من المبيع فكان له الطلب بعوضه كما لو اشترى عشرة أقفزة فبانت تسعة، وأما مشتري المصراة فثبت (٦) له الخيار للتدليس (٧) لا لفوات جزء من البيع، ولذلك لا أرش له ولو (٨) تعذر عليه الرد. وقول الناظم أولًا. أي: ولا رد بل يمسك. كذلك مأجور قياس المذهب ... قد قاله الشيخان فافهم مطلبي يعني: لو استأجر عينًا ثم علم بها عيبًا وهو ما يظهر به تفاوت الأجرة فالمذهب أن له الفسخ أو (٩) الإمساك مجانًا. وقال الشيخان: قياس المذهب أن له الأرش إن اختار الإمساك

стр. 410

كالبيع (١)، قال ابن نصر الله: قد تعبنا في الفرق بينهما فلم نعثر عليه والله تعالى أعلم. والخلف في العيب مع احتماله ... هل كان عند بائع في ماله أو حادث بعد الشرا في النظر ... فالقول باليمين قول المشتري يعني: إذا اختلف البائع والمشتري في العيب فقال المشتري: كان قبل البيع فلي الخيار، وقال البائع: بل حدث بعده فلا خيار، وكان العيب مما يحتمل قول كل واحد منهما كالخرق (٢) في الثوب والرفو فالقول قول المشتري بيمينه، فيحلف بالله أنه اشتراه وبه هذا العيب أو أنه ما حدث عنده ويكون له الخيار؛ لأنّ الأصل عدم القبض في الجزء الفائت واستحقاق ما يقابله من الثمن فكان القول قوله كما لو اختلفا في قبض المبيع. وقال أبو حنيفة والشافعيُّ: القول قول البائع (٣) لأنّ الأصل سلامة المبيع وصحة العقد (٤).

стр. 411

فإن لم يحتمل إلا قول أحدهما كالإصبع الزائدة والشجة المندملة التي لا يمكن حدوث مثلها والجرح الطري الذي لا يمكن كونه قديمًا فالقول قول (١) من يدعي ذلك بغير يمين؛ لأنا نعلم صدقه وكذب خصمه. من باع عبدًا مستحقًا دمه ... والمشتري فذاك لا يعلمه فقتلوه مشتريه ينثني ... بأرشه لا بجميع الثمن يعني: من باع عبدًا مستحق (٢) الدم بقصاص أو غيره ولم يعلم به المشتري حتى قتل فله الأرش لتعذر الرد وهو (٣): قسط ما بين قيمته جانيًا وغير جان، ولا يبطل البيع من أصله وبه قال بعض أصحاب الشافعي (٤). وقال أبو حنيفة والشافعيُّ: يرجع بجميع الثمن لأنّ تلفه كان (بمعنى) (٥) استحق عند البائع فجرى مجرى إتلافه إياه (٦). ولنا: أنه (٧) تلف عند المشتري بالعيب الذي كان (٨) فيه فلم يوجب

стр. 412

الرجوع بجميع الثمن كما لو كان مريضًا فمات بدائه أو مرتدًا فقتل بردته وبهذا ينقض (١) ما ذكروه، ولا (٢) يصح قياسهم على إتلافه لأنه لم يتلفه. حمل المبيع كالإما يستثنى ... ...................... أي: يصح استثناء (٣) حمل المبيع فإذا باع حاملًا صح استثناء حملها في رواية نقلها ابن قاسم وسندي وبه قال الحسن والنخعي وإسحاق (٤) وأبو ثور لما روى نافع أن ابن عمر باع جارية واستثنى ما في بطنها (٥)، ولأنه يصح استثناؤه في العتق فصح في البيع قياسًا عليه. وعنه: لا يصح استثناؤه وهو المذهب وعليه الأصحاب وهو قول أبي حنيفة ومالك والثوري والشافعيُّ (٦)؛ لأنّ النبي ﷺ : (نهى عن الثنيا إلا أن تعلم) (٧)، ولأنه مجهول لا يصح إفراده بالبيع فلم يصح استثناؤه كشحم (٨) الحيوان. ...................... ... أطراف شاة هكذا في المعنى يعني: إذا باع حيوانا مأكولًا شاة أو غيرها واستثنى رأسه وجلده وأطرافه صح نص عليه أحمد (٩).

стр. 413

وقال مالك: يصح في السفر دون الحضر لأنّ المسافر لا يمكنه الانتفاع بذلك فجوز له شراء اللحم دونها (١). وقال أبو حنيفة والشافعيُّ (٢): (لا يجوز لأنه لا يجوز إفراده بالبيع ولنا: أن النبي ﷺ نهى عن الثنيا إلا أن تعلم) وهذه معلومة وروي أن النبي ﷺ لما (٣) هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر وعامر (٤) بن فهيرة، مروا براعي غنم فذهب أبو بكر وعامر فاشتريا منه شاة وشرطا (٥) له سلبها (٦). وكونه لا يجوز إفراده بالبيع لا يمنع صحة استثنائه كالثمرة قبل التأبير لا يجوز إفرادها بالبيع بشرط التبقية ويجوز استثناؤها فإن امتنع المشتري من ذبحها لم يجبر عليه إن لم يكن شرط وعليه قيمة ذلك على التقريب نص عليه، وله الفسخ بعيب يختص المستثنى (٧). وبايع يستثني في المبيع ... نفعًا به يصح في التفريع إن كان معلومًا كسكنى الدار ... حولًا ولو أكثر في المقدار يعني: إذا باع شيئًا واستثنى نفعه المباح المعلوم غير الوطء ودواعيه بأن باع الدار واستثنى سكناها حولًا فأكثر أو أقل وحملان البعير إلى محلّ معين صح. وهذا قول الأوزاعى وإسحاق وأبى ثور (٨) وابن المنذر لحديث

стр. 414

جابر أنه كان يسير على جمل قد أعيا فضربه النبي ﷺ فسار سيرًا لم يسر مثله فقال (١): بعنيه فبعته واستثنيت حملانه إلى أهلي، متفق (٢) عليه. وأيضًا فهو ﵇ نهى عن الثنيا إلا أن تعلم، وهذه معلومة. وقال الشافعي وأصحاب الرأي: لا يصح الشرط (٣) لنهي النبي ﷺ عن بيع وشرط (٤)، ولأنه ينافي مقتضى البيع فأشبه ما لو شرط أنه يسلمه. وأجيب بأنّه لم يصح نهي النبي ﷺ عن بيع وشرط (٥) وإنما نهى عن شرطين في بيع (٦) فمفهومه إباحة الشرط الواحد قال أحمد: إنما النهي عن الشرطين (٧) في بيع أما الشرط الواحد فلا بأس به وتأخير التسليم مدة معلومه لا ينافي البيع كالدار المؤجرة. وهكذا فالمشتري في المذهب (٨) ... إن شرط النفع كحمل الحطب يعني: يصح شرط المشتري نفع البائع في المبيع كحمل (٩) الحطب أو

стр. 415

تكسيره وخياطة الثوب أو تفصيله ونحوه نص عليه أحمد في رواية مهنا (١) وغيره. واحتج أحمد بأن (٢) محمَّد بن سلمة (٣) اشترى من نبطي جرزه (٤) حطب وشارطه على حملها (٥) وبه قال إسحاق وأبو عبيد، ولأن غايته أنه بيع وإجارة وتقدم الجواب (٦) عن حديث النهي عن بيع وشرط، فإن لم يكن النفع معلومًا بأن شرط حمل البائع للحطب إلى منزله وهو لا يعرفه لم يصح للجهالة. وإن جمع في البيع (٧) بين شرطين كحمل (٨) الحطب وتكسيره وخياطة الثوب وتفصيله لم يصح البيع لما تقدم، ما لم يكن الشرطان من مقتضى العقد أو مصلحته فلا يؤثران في بطلان البيع. وما سوى المبهم قبل القبض ... فمن ضمان مشتر ذا يمضي المبيع إما متميز أو مبهم (٩) فالمتميز قسمان: أ- ما يتعلق به حق توفية: [كبعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم أو القطيع كل شاة بدرهم ونحوه. ب- وما لا يتعلق به حق توفية:] (١٠) كالعبد والدار ونحوهما والصبرة ونحوها من الجزافيات (١١).

стр. 416

والمبهم أيضًا قسمان: أ- ما تعلق به حق توفيته كقفيز من صبره ونحوه. ب- و (١) ما لا (٢) يتعلق به حق توفيته كنصف عبد ونحوه (٣). فما تعلق به حق توفية (٤) منهما فهو من ضمان البايع حتى يقبضه المشتري. وما لا يتعلق به حق توفيته فهو من ضمان المشتري بمجرد العقد؛ لحديث "الخراج بالضمان" (٥)، والمبيع نفعه للمشتري (٦) فيكون (٧) ضمانه عليه، خص منه ما يحتاج لحق توفية (٨) لما سيأتي من أنه ليس له بيعه حتى يستوفيه، ولو دخل في ضمان المشتري لجاز له بيعه والتصرف فيه كما بعد قبضه. وفيه قبل القبض إن تصرفا ... جاز على الإطلاق نصًا (٩) عرفًا أي: إن (١٠) تصرف المشتري فيما سوى المبهم والمراد به سوى ما بيع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع قبل القبض صح تصرفه لحديث أن النبي ﷺ "نهى عن بيع الطعام قبل قبضه"، وقوله ﵇: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه" متفق (١١) عليهما، وخص منه ما أبيع جزافًا لما روى الأوزاعي عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر أنه سمع عبد الله بن

стр. 417

عمر يقول: (مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيًا (١) مجموعًا فهو من مال المبتاع) رواه البخاري (٢) تعليقًا، وقول الصحابي مضت السنة يقتضي سنة النبي ﷺ ، ولأن المبيع المعين لا يتعلق به توفية (٣) فكان من ضمان المشتري وصح تصرفه فيه (٤). ونقل عن أحمد أن المطعوم لا يجوز (بيعه) (٥) قبل قبضه سواء كان مكيلًا أو موزونًا أو لم يكن لحديث ابن عمر قال: "رأيت (٦) الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول الله ﷺ أن يبيعوه حتى يؤوه (٧) إلى رحالهم (٨)، وروى مسلم (٩) عن ابن عمر قال: "كنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه" (١٠). (تنبيه): حكم المبيع بصفة (١١) أو رؤية متقدمة حكم المكيل لا يصح تصرفه فيه قبل قبضه، وإن تلف قبل القبض فمن مال بائع والثمر على الشجر إذا تلف بجائحة من مال بائع لكن للمشتري التصرف فيه بشرطه (١٢).

стр. 418

جزافًا الموزون والمكيل (١) ... بعضًا ببعض لا تبع تميل (٢) ومالك وافقنا في النقد ... والفلس بالفلسين قل (٣) بالرد يعني: إذا بيع الموزون بالموزون (٤) جزافًا أو بيع المكيل بالمكيل جزافًا فإن اتحد الجنس لم يصح إجماعًا حكاه ابن المنذر (٥). إن اختلف الجنس ففيه عن أحمد روايتان إحداهما: هي التي أشار إليها الناظم أنه لا يجوز قال في رواية محمَّد بن الحكم: أكره ذلك قال ابن أبي موسى: لا خير فيما يكال بما يكال جزافًا ولا فيما يوزن بما يوزن جزافًا اتفقت الأجناس أو (٦) اختلفت، واختاره جماعة منهم أبو بكر والقاضي في المجرد والخلاف والشريف أبو جعفر، قال في الرعاية: وهو أظهر، قالوا: لأنّ النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام بالطعام مجازفة (٧) وقياسًا على الجنس الواحد. والرواية الثانية: يجوز وهي المذهب وعليها (٨) جمهور الأصحاب والعلماء لقوله ﵇: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد" (٩)، ولأنه يجوز التفاضل فيه فجاز جزافًا كالمكيل بالموزون،

стр. 419

والحديث أريد به الجنس الواحد (١)؛ والقياس لا يصح لأنّ الجنس الواحد يجب التماثل فيه فمنع من بيعه مجازفة لفوات المماثلة بخلاف (٢) الجنسين. وقوله: ومالك وافقنا [في النقد أي: أنه لا يجوز بيع بعضه ببعض جزافًا وإن اختلف الجنس] (٣) (٤). وقوله: والفلس بالفلسين قل بالرد. أي: لا يجوز بيع فلس بفلسين (٥) نص عليه في رواية جماعة وقدمه في الحاوي والمستوعب، وعنه يجوز وجزم به في الإقناع قال: ولو نافقة (٦).

стр. 420

(ومن باب البيع الفاسد والباطل (١)) بيع العصير أبطله من (٢) خمار ... والعبد لو كافر من كفار أي: لا يصح بيع العصير لمن يتخذه خمرًا وكذا كل ما (٣) قصد به الحرام (٤) كالعنب والزبيب لمن يتخذه خمرًا ولو ذميًا، ولا بيع سلاح ونحوه في فتنة أو لأهل حرب أو قطاع طريق إذا علم البائع ذلك ولو بقرائن وكذا بيع مأكول ومشروب ومشموم (٥) لمن يشرب عليه مسكرًا، ولا بيع أقداح ونحوها لمن يشرب (٦) بها، ولا بيض وجوز ونحوهما لقمّار، ولا بيع غلام (٧) وأمة لمن عرف بوطء دبر أو غناء وكذا إجارتهما (٨) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] وهذا نهي يقتضي التحريم، ولأنه عقد على عين لمعصية الله فلم يصح كإجارة الأمة للزنا (٩).

стр. 421

ولا يصح أيضًا بيع عبد ولو كافرًا دخل في ملك مسلم لكافر وهذا قول الحسن (١) قال أحمد: ليس لأهل الذمة أن يشتروا مما سبى المسلمون قال: وكتب عمر بن الخطّاب ينهى (٢) عنه أمراء الأمصار هكذا حكى أهل الشام (٣) ولأن فيه تفويتًا لإسلامه الذي يظهر وجوده؛ لأنه إذا بقي رقيقًا للمسلمين فالظاهر أنه يسلم. قبيل عقد البيع إن يتفقا (٤) ... أن لا يكون ماضيًا محققًا

стр. 422

وعقداه فهو بيع تلجئه ... فاردده تحظ (١) بالخصال المنجيه وكان ذا في نصه بالرد ... كصورة اقتران ذا بالعقد يعني: إذا خشي إنسان أن يأخذ السلطان أو غيره ملكه فواطأ (٢) رجلًا على أن يظهر أنه اشتراه منه ليحتمي بذلك ولا يريد (٣) بيعًا حقيقةً، فهذا يسمى بيع تلجئة ولا يصح، وبه قال أبو يوسف ومحمَّد (٤). وقال أبو حنيفة والشافعيُّ: هو صحيح؛ لأنّ البيع تم بأركانه وشروطه خاليًا عن مقارنة مفسد فصح كما لو اتفقا على شرط فاسد ثم عقدا (٥) البيع بغير شرط (٦). ولنا: أنهما ما (٧) قصدا البيع فلم يصح منهما كالهازلين، وكما لو اقترن ذلك الشرط بالعقد، فإن لم يواطئه حال العقد ولا قبله فالبيع صحيح لازم لصدوره من أهله في محله ولا إكراه. ومثله إذا أسر (٨) ثمنًا ... وعقدا بفوقه وأعلنا بالسر خذلًا كالنكاح (٩) الآتي ... لنصه السابق ذا مواتي يعني: إذا اتفقا سرًا على ثمن وعقدا (١٠) البيع بأكثر منه علانية فالثمن

стр. 423

هو ما اتفقا عليه سرًا، لأنّ المشتري إنما دخل عليه فقط فلم (١) يلزمه الزائد (٢) بخلاف النكاح فإنه يؤخذ فيه (٣) بالزائد وهذا المذكور في البيع هو (٤) الموافق لنصه السابق في بيع التلجئه. فإن عقداه سرًا بثمن ثم علانية بآخر فالثمن الأوّل مطلقًا على ما في الإقناع (٥) كما لو اتفقا عليه بلا عقد وأولى، وقال الحلواني: كنكاح، وفي التنقيح: الأظهر أن الثمن هو الثاني إن كان في (٦) مدة خيار وإلا فالأول (٧). ويكره الرهن وبيع المصحف ... وعنه بل يحرم جا عن سلف أي: يكره رهن المصحف وبيعه، صححه (٨) في البيع في التصحيح ومسبوك الذهب والخلاصة وجزم به في المنور وإدراك الغاية ومنتخب الآدمي، قال في الرعاية الكبرى: وهو أظهر وقدمه في الهداية والمستوعب والهادي والمحرر والرعاية الصغرى والحاويين والفائق (٩). وعنه يحرم قال في الإنصاف (١٠): وهو المذهب على ما اصطلحناه

стр. 424

وجزم به في الوجيز واختاره الموفق والشارح وقدمه في المغني والشرح والرعاية الكبرى والنظم والكافي وابن رزين في شرحه ونصره، وقطع به في الإقناع والمنتهى. قال أحمد: لا أعلم في بيع المصحف رخصه، ورخص في شرائه وقال: الشراء أهون. وممن كره بيعه (١) ابن عمر وابن عباس وأبو موسى وسعيد بن جبير وإسحاق (٢) قال ابن عمر: وددت أن الأيدي تقطع في بيعها (٣) ورخص في بيعها (٤) الحسن والحكم وعكرمة والشافعيُّ وأصحاب الرأي (٥)؛ لأنّ البيع يقع على الورق والجلد وبيعه مباح (٦). ولنا: قول من تقدم من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم، والخلاف في رهنه كبيعه؛ لأنه وسيلة إليه. والحاضر القاصد بيع (٧) البادي ... إذا أتى بسلعة للنادي وقصده البيع بسعر (٨) اليوم ... مع جهله بسعرها يا قومي وحاجة الناس إليها عندنا ... فلا يصح البيع نصًا متقنًا البادي ها هنا: من يدخل البلد من غير أهلها سواء كان بدويًا أو من قرية أو بلدة أخرى. والنادي: مجلس القوم ومتحدثهم كالنديّ والندوة.

стр. 425

ولا يجوز أن يبيع الحاضر (١) للبادي (٢) لقول ابن عباس نهى النبي ﷺ أن نتلقى الركبان وأن يبيع حاضر لباد قال: فقلت (٣) لابن عباس: ما قوله حاضر لباد؟ قال: (لا يكون سمسارًا (٤)) متفق عليه (٥) (٦) وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يبيع حاضر لبادي دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" رواه مسلم (٧)، والمعنى في ذلك أنه متى ترك البدوي يبيع سلعته اشتراها الناس برخص ويوسع عليهم السعر، وإذا تولى الحاضر بيعها يمتنع من بيعها إلا بسعر (٨) البلد فيضيق على أهل البلد. وممن (٩) كره بيع الحاضر للبادي طلحة بن عبيد الله (١٠) وابن عمر وأبو هريرة وأنس وعمر بن عبد العزيز ومالك والليث والشافعيُّ (١١) وإذا باع الحاضر للبادي واجتمعت الشروط الخمسة التي أشار إليها الناظم لم يصح البيع. وقال الشافعي وغيره: البيع صحيح، لأنّ النهي لمعنى في غير المنهي عنه فلم يبطل كتلقي الركبان (١٢).
следующие страницы →