← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6538

المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد

البهوتي

Полный текст (858 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وقال أبو حنيفة ومالك: تعتبر القيمة يوم المحاكمة (١) وهو وجه للشافعية، لأن القيمة لا تنتقل إلى الذمة إلا بحكم الحاكم (٢)، وقال أبو يوسف: يوم الغصب (٣). ولنا: أن الأصل هو المثل فاعتبرت (٤) بيوم فقده كاعتبارها فيما (٥) لا مثل له بيوم التلف. وإن يكن كالثوب مثل منتفي ... ضمنه بالقيمة يوم التلف أي: وإن يكن المغصوب متقومًا كالثياب ونحوها وتلف أو أتلف فعلى الغاصب ضمانه بقيمته يوم التلف. وقال أبو حنيفة ومالك: تعتبر قيمته يوم الغصب (٦)؛ لأنه الموجب للضمان فتقديره بحال وجوده كالإتلاف (٧). وقال الشافعي: يجب أقصى القيم من يوم الغصب (إلى يوم التلف؛ لأنها حالة الزيادة واجبة الرد فوجب) (٨) حينئذ كون الزيادة مضمونة (٩).

стр. 492

ولنا: أن القيمة منتفية الوجوب قبل التلف إذ العين قائمة ووجوب رد (١) القيمة والعين لا يجتمعان فلا اعتبار لها بما قبله، وكما (٢) في الإتلاف من غير غصب. والمهر إن ضمُنّه المغرور (٣) ... على الذي غَرَّ فقل يحور (٤) ويفد أولادًا له بالمثل ... من العبيد في صحيح النقل يعني: إذا باع الغاصب الأمة المغصوبة أو وهبها ونحوه ولم يعلم من انتقلت إليه بالحال فوطئها ثم غرمه المالك مهر مثلها كان له الرجوع به على الغاصب (٥). وقال أبو حنيفة والشافعيُّ في الجديد: لا رجوع له؛ لأنه استوفى بدل الغرم فإذا رجع به جمع بين العوض والمعوض (٦). ولنا: أنه لم يدخل مع الغاصب على الضمان فوجب أن يثبت له الرجوع لحصول التغرير (٧). وإن ولدت الأمة والحال هذه فأولادها أحرار لاعتقاد الواطىء الحرية ويلزمه فداء أولاده، لأنه فوت رقهم على مالك أمهم باعتقاده الحرية. وممن قال بوجوب (٨): الفداء في الجملة الأئمة الثلاثة (٩) والثوري

стр. 493

وإسحاق وأبو ثور لقضاء (١) عمر وعلي وابن عباس بذلك (٢). ويكون الفداء بالمثل من العبيد نص عليه في رواية إسحاق بن منصور وغيره وهو اختيار الخرقي وأبي بكر في التنبيه والقاضيين أبي يعلى ويعقوب بن إبراهيم في تعليقهما وأبي الخطاب في رؤوس مسائله والشريف أبي القاسم الزبدي وغيرهم قال القاضي أبو الحسين والشريف أبو جعفر وأبو الحسن بن بكروس (٣): هي أصح لقضاء عمر (٤). وعنه: يفديهم (٥) بالقيمة اختاره ابن الراغوني وصاحب التلخيص قال القاضي في المجرد: هو أشبه بقوله، لأنه نص على أن الحيوان لا مثل له، وبه قال الأئمة الثلاثة (٦) وهو المذهب؛ لأنه ضمان وجب لفوت الرق فاعتبر بالقيمة كما في نصيب شريكه إذا سرى العتق إليه. وتعتبر القيمة يوم الولادة، وهو قول الشافعي؛ لأنه أول أوقات إمكان

стр. 494

تقويمه (١) وقال أبو حنيفة يوم المحاكمة (٢) لما تقدم عنه في المثل (٣) إذا أعوز (٤). بالاحترام أحكم لزرع (٥) الغاصب ... وليس كالباني أو كالناصب (٦) إن شاء رب الأرض ترك الزرع ... بأجرة المثل فوجه مرعى أو ملكه إن شاء بالإنفاق ... أو قيمة للزرع بالوفاق يعني: إذا غصب أرضًا وزرعها فزرعه محترم (٧) ليس للمالك قلعه بخلاف البناء والغراس، لأنه يتلف بالقلع ومدته لا تطول بخلافهما، ثم إن أدركه (٨) رب الأرض بعد حصاده فلس له إلا (٩) أجرة الأرض وإن أدركه قبل الحصاد فإن شاء تركه إلى الحصاد بأجرة (١٠) مثله وإن شاء تملكه بمثل نفقته (١١) وهي مثل البذر وعوض لواحقه لحديث رافع ابن خديج أن رسول الله ﷺ قال: "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته" وفي لفظ لابن ماجة: "ويرد عليه (١٢) نفقته" (١٣).

стр. 495

وعن الإمام رواية أنه يتملك الزرع بقيمته، وحملها بعضهم على أن المراد بها نفقته (١) فلا خلاف بين الروايتين. وقال الأئمة الثلاثة وغيرهم: يجبر الغاصب على قلع زرعه كغراسه وتقدمت الإشارة إلى الفرق بينهما (٢). إن صنع الغاصب بابًا بالخشب ... أو ضرب الفضة أو صك الذهب أو حاك غزلًا أو لثوب قصرا ... بزائد شارك (٣) نصًا ظهرًا رجحه (٤) الأكثر في الخلاف ... ونصر الشيخان للمنافي (٥) أي: إذا غصب خشبًا فنجره بابًا أو غصب فضة أو ذهبًا فضربه دراهم أو دنانير أو حليًا مباحًا أو غصب ثوبًا فقصره ونحوه فزادت (٦) قيمة المغصوب (بذلك فالغاصب شريك للمغصوب) (٧) منه بالزيادة، لأنها أثر فعله، رجحه أكثر الأصحاب في كتب الخلاف، قال أبو الخطاب: هو الصحيح من المذهب واختاره القاضي في الجامع الصغير والقاضي يعقوب بن إبراهيم وابن عقيل في التذكرة وأبو الحسن بن بكروس، لأن الزيادة (٨) لا أثر للمالك في حدوثها فلا تكون داخلة في ملكه لانتفاء سببه. والصحيح من المذهب ما نصره الشيخان أن الزيادة للمالك مجانًا قال

стр. 496

ابن عقيل: هو أقيس بأصولنا وأشبه بها اختاره القاضي في المجرد (١) وأبو علي بن شهاب وابن عقيل في الفصول وصاحب التلخيص وبه قال الشافعي (٢)، لأنها أثر فعل عدواني فكانت للمالك كما لو زرع المغصوب في أرض مالكه أو علَّف الحيوان فسمن (٣) (٤). لا يبر في المغصوب بالإطعام ... لمالك إن ظن (٥) بالإعلام أي: لا يبرأ الغاصب بإطعام المغصوب لمالكه إذا لم يعلم أنه طعامه (٦) ولم يعلمه الغاصب بذلك. وقال الحسن وأبو حنيفة يبرأ (٧) وللشافعي قولان (٨). ولنا: أنه لم يعده إلى تصرفه التام وسلطانه المطلق إذ لا يتمكن من بيعه (٩) ولا هبته ولا إطعامه (١٠) لغيره، ولأنه تسبب (١١) إلى اتلافه بالتغرير (١٢) إذ لو علم ربما باعه ولم يأكله.

стр. 497

وبالنقود غاصب إن تجرا (١) ... والشيخ بالعروض أيضًا قررا (٢) فالربح بالمالك قد يختص ... فيه وفي المودع (٣) جاء بالنص بالعين أو في ذمة (٤) كان الشرا ... مع نقدها في (٥) أشهر قد حررا حتى بذاجز ما كثير نقلوا ... وذا على الأصول فرع مشكل يعني: إذا اتجر الغاصب بالنقود المغصوبة قال الشيخ الموفق وكثير من الأصحاب: أو بالعروض بأن باعها واتجر بثمنها وحصل ربح فهو للمالك يختص به دون الغاصب (٦)، ونص عليه أحمد في المودع بفتح الدال إذا اتجر بالوديعة، وسواء كان الشراء بعين المال المغصوب أو المودع أو في ذمته ثم نقده منه كما جزم به أكثر الأصحاب. وقال مالك والليث وأبو يوسف: الربح للغاصب ونحوه عن أبي حنيفة وزفر ومحمَّد بن الحسن لكن قالوا: يتصدق به؛ لأنه غير طيب (٧) استدلوا بحديث الخراج بالضمان (٨). ولنا حديث عروة بن الجعد (٩): حيث أعطى النبي ﷺ رأس (١٠) المال والربح (١١) احتج به أحمد وروى الأثرم عن رباح بن عبيدة أن رجلًا دفع

стр. 498

إلى رجل دراهم ليبلغها (١) أهله فاشترى بها ناقة فباعها فسأل (٢) ابن عمر عن ذلك قال: ادفع إليه دراهمه بنتاجها (٣)، ولأنه (٤) نماء ملكه فكان تابعًا لأصله كالسمن. وهذا الفرع على أصول المذهب مشكل كما قال الحارثي والناظم وغيرهما، لأن الشراء إن كان بعينها فهو باطل لا يصلح (٥) لإفادة الملك فلا يكون المرتب عليه مملوكًا فيرد كل مال إلى ربه، وإن (٦) كان الشراء في ذمته ثم أنقد الثمن من المغصوب فالعقد صحيح (والإقباض فاسد وإن كان العقد صحيحًا) (٧) لكونه واقعًا في ذمة العاقد فكيف يحصل لمن لم يقع في ذمته، وإذا لم يحصل له العقد فكيف يستحق ربحه وفي المسألة كلام طويل لا يليق بهذا المختصر (٨).

стр. 499

وآلة اللهو فكالطنبور ... تكسر لا ضمان في المشهور أي: يجوز كسر آلة اللهو (١) من (٢) غير ضمان في المشهور في المذهب، كالطنبور بضم الطاء المزمار، والجنك (٣)، والعود وغير ذلك. وكذا النرد (٤) والشطرنج، وبه قال أبو يوسف ومحمَّد بن الحسن وإسحاق والظاهرية وطائفة من السلف ونحوه عن شريح. وحكى الأصحاب الضمان عن أبي حنيفة (٥) والشافعيُّ (٦). ولنا حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله أرسلني رحمة للعالمين وهدى للعالمين، وأمرني بمحق المعازف والمزامير والأوثان والصلب (٧) وأمر الجاهلية" رواه أحمد والطبرانيُّ في معجمه الكبير واللفظ له (٨)، والمحق نهاية الإتلاف، ولسقوط حرمة ذلك، لأنه منكر.

стр. 500

ومن باب الشفعة بسكون الفاء من شفعت (١) الشيء إذا ضممته (٢) وثنيته؛ إذ هي ضم نصيب إلى نصيب ومنه شفع الأذان، أو من الشفاعة (٣) بمعنى الزيادة والتقوية. وهي: استحقاق الإنسان انتزع شقص شريكه ممّن انتقل إليه بعوض مالي إن كان مثله أو دونه (٤). وهي ثابته بالسنة والإجماع (٥)، ومنها حديث جابر: (قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم (٦) فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) أخرجه البخاريُّ (٧) والحكمة دفع ضرر الشركة.

стр. 501

ليس على المسلم للذمي ... بشفعة أخذًا على المرضي أي: إذا كان المشتري مسلمًا والشريك ذميًا فليس للذمي على المسلم شفعة على المذهب نص عليه (١)، وهو وقول الحسن والشعبي وابن أبي ليلى وإحدى الروايتين عن شريح. وقال أكثر الفقهاء: تثبت له كغيره لعموم الأخبار وكالرد بالعيب (٢) (٣). ولنا: حديث أنس مرفوعًا: "لا شفعة لنصراني" رواه الدارقطني في كتاب العلل وفي إسناده بابل (٤) بن نجيح وقد ضعفه الدارقطني ووثقه يزيد بن سنان البصري وقال: كان أصحابنا يكتبون عنه (٥)، ولأن حرمة المسلم ليست (٦) كحرمة (٧) الكافر فانتفى تقديمه، ولأن الشفعة معنى يختص (٨) بالعقار فأشبه تعلية البناء (٩). ومشتر للشقص (١٠) إن قد وقفا ... لا حيله بعد (١١) الطلاب (١٢) بالوفا

стр. 502

يبطل حق شفعة كذا الهبة ... وصدقات للفقير ذاهبة جمهور الأصحاب على هذا النمط ... والقاضي قال: النص في الوقف فقط (١) يعني: إذا وقف المشتري الشقص المشفوع أو وهبه أو تصدق به أو جعله صداقًا ونحوه من كل ما لا تثبت به شفعة ابتداء (٢)، وكان ذلك قبل طلب الشفيع بالشفعة بطلت الشفعة بذلك (٣) هذا الصحيح من المذهب وعليه (٤) جماهير الأصحاب (٥). وقال أبو بكر: للشفيع فسخ (٦) ذلك وأخذه بالثمن الذي وقع به البيع، وهذا قول مالك والشافعيُّ وأصحاب الرأي؛ لأن الشفيع يملك فسخ البيع الثاني والثالث مع إمكان الأخذ (٧) بهما فلأن يملك فسخ عقد لا يملك الأخذ به أولى، ولأن حق الشفيع أسبق وجنبته (٨) أقوى فلم يملك المشتري تصرفًا يبطل حقه (٩). ولنا: أن الشفعة ها هنا إضرار بالموهوب له والموقوف عليه؛ لأن ملكه يزول عنه بغير عوض ولا يزال الضرر (١٠) بالضرر بخلاف البيع فإنه إذا فسخ (١١) البيع الثاني رجع المشتري الثاني بالثمن الذي أخذ منه فلا يلحقه

стр. 503

ضرر، ولأن ثبوت الشفعة هنا يوجب (١) رد العوض إلى غير المالك وسلبه عن المالك وفي ذلك ضرر فيكون منفيًا. أما لو وقع ذلك حيلة (٢) على إسقاط الشفعة لم تسقط كما صرح به في الفائق، وقال في القواعد: إنه الأظهر (٣)، واقتصر عليه في الإنصاف (٤). وإن وقع التصرف من المشتري بعد طلب الشفيع بالشفعة لم ينفذ تصرفه مطلقًا؛ لأن الشفيع قد ملك الشقص بالطلب على المذهب وعلى القول بأنه لا يملك امتنع عليه التصرف بالطلب فلم ينفذ تصرفه، فمعنى قوله (٥) لا حيلة بعد الطلاب (٦) بالوفاء أي: لا إن وقع تصرفه حيلة فإنه لا يسقط حق الشفيع ولا إن وقع تصرفه بعد الطلب بالشفعة فإنه لا يصح تصرفه. وقوله والقاضي قال: النص (٧) ... إلخ أي: أن القاضي قصر نص الإِمام على الوقف وجمهور الأصحاب عمموا (٨) الحكم في الوقف والهبة ونحوهما مما تقدم لعدم (٩) الفارق.

стр. 504

شقصين في أرضين من قد اشترى ... في صفقة (١) فللشفيع (٢) ما يرى فواحد إن شا بقسط يأخذ ... وآخر لمشتريه (٣) بنبذ أي: لو اشترى شقصين في أرضين صفقة واحدة من واحد فللشفيع أخذهما معًا كما هو معلوم وله أخذ أحدهما وترك الآخر للمشتري .. قال الحارثي: وهو نص الشافعي وقول زفر (٤). وقال أبو حنيفة ومالك والشافعية (٥) في وجه: إما إن يأخذ الشقصين (٦) أو يترك فإن أراد أحدهما (٧) فقط سقطت الشفعة فيهما لترك (٨) البعض مع إمكان أخذ الكل واتحاد الصفقة (٩). ولنا: أنه يستحق كل واحد منهما بسبب غير الآخر فجرى مجرى الشريكين (١٠)، ولأنه لو جرى مجرى الشقص الواحد لوجب -إذا كانا شريكين فترك أحدهما شفعته- أن يكون للآخر أخذ الكل والأمر بخلافه.

стр. 505

ومن باب اللقطة وإحياء الموات قال في القاموس: اللقطة محركة وكحُزْمَة وهُمَزة وثُمَامَة ما التقط انتهى (١)، وشرعًا: مال أو مختص (٢) ضائع أو (ما) في معناه (٣) لغير حربي (٤). والأصل فيها (٥) السنة ومنها حديث زيد بن خالد الجهني قال: سئل رسول الله ﷺ عن لقطة الذهب والورق فقال: "اعرف وكاءها وعفاصها (٦) ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها (٧) ولتكن (٨) وديعة عندك فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فادفعها إليه" وسأله عن ضالة (٩) الإبل فقال: "مالك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها" وسأله

стр. 506

عن الشاة فقال: "خذها فإنما هي لك أو لإخيك أو للذئب" متفق عليه (١)، والموات: قال في القاموس: كغُراب الموت وكسَحَاب ما لا روح فيه، وأرض لا مالك (٢) لها. والموتان بالتحريك خلاف الحيوان أو (٣) أرض لم تحي بعد وبالضم موت يقع في الماشية ويفتح. انتهى (٤). وشرعًا: الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم، والأصل في إحيائها حديث جابر مرفوعًا: "من أحيى أرضًا ميتة فهي له" قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٥)، وفي الباب غيره، قال في المغني والشرح: وعامة فقهاء الأمصار على أن الموات يملك بالإحياء وإن اختلفوا في شروطه (٦). وعندنا الأفضل ترك اللقطة ... وإن يخف عاد عليها (٧) شططه أي: الأفضل ترك اللقطة وإن خاف عليها (٨) التلف بتركها، قال أحمد: الأفضل تركها، وروي معنى ذلك عن ابن عباس وابن عمر (٩)، وبه قال جابر بن زيد والربيع بن خيثم وعطاء.

стр. 507

وقال (١) الشافعي إذا وجدها بمضيعة وأمن نفسه عليها فالأفضل أخذها، وممن رأى أخذها سعيد بن المسيب والحسن بن صالح وأبو حنيفة (٢) وأخذها أبي بن كعب وسويد بن غفلة (٣)، وقال مالك: إن كان شيئًا له (٤) بال يأخذه (٥) أحب إليَّّ ويعرفه، ولأن فيه حفظ مال المسلم عليه فكان أولى (٦). ولنا: قول (٧) ابن عمر وابن عباس ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة، ولأنه يعرض (٨) نفسه لأكل الحرام وتضييع الواجب من تعريفها وأداء الأمانة فيها فكان تركها أولى وأسلم كولاية مال اليتيم. وإن تقف بهيمة بمهلكه (٩) ... وربها يظنها (١٠) في هلكه (١١) فآخذ يملك لا بالرد ... نقول (١٢) فرق بينهما والعبد

стр. 508

يعني: إذا وقفت (١) دابة بمهلكة (٢) وتركها ربها لعجزها أو عجزه عن نفقتها (٣) ترك إياس ملكها آخذها بذلك، وبه قال الليث والحسن بن صالح وإسحاق إلا أن يكون تركها ليرجع إليها أو ضلت منه. وقال مالك: هي لمالكها ويغرم ما أنفق عليها (٤). وقال ابن المنذر: هي لمالكها والآخذ متبرع بالنفقة، لأنه أنفق على مال غيره بغير إذنه. ولنا: ما روى الشعبي أن رسول الله ﷺ قال: "من وجد دابة قد (٥) عجز عنها أهلها فسيبوها فأخذها فأحياها فهي له"، قال عبد الله (٦) بن حميد بن عبد الرحمن: فقلت يعني: للشعبي: من حدثك بهذا قال: غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ (رواه أبو داود (٧) وفي لفظ عن الشعبي عن النبي ﷺ (٨) أنه قال: "من ترك دابة بمهلكة فأحياها رجل فهي لمن أحياها"، ولأن في الحكم بملكها (٩) إحياءً لها وإنقاذًا من الهلاك ومحافظة على حرمة الحيوان. فأما إن ترك عبدًا لم يملكه آخذه؛ لأنه في العادة (١٠) يمكنه

стр. 509

التخلص إلى الأماكن التي يعيش بها بخلاف البهيمة، وكذا إن ترك متاعًا فخلصه إنسان لم يملكه؛ لأنه لا حرمة له في نفسه ولا يخشى عليه التلف كالخشية على الحيوان، وما يلقى في البحر عند الخوف والغرق يملك بأخذه كالمنبوذ رغبة عنه، واختار جمع لا يملكه آخذه. ملتقط (١) الأثمان مد عرفها ... حولًا فقهرًا ذو الغنى يملكها أي: إذا عرف الملتقط الأثمان حولًا ملكها -وإن كان غنيًا قهرًا، وروي نحو ذلك عن (٢) عمر وابن مسعود وعائشة (٣). وقال مالك والحسن بن صالح والثوري وأصحاب الرأي: يتصدق بها وإذا جاءه (٤) صاحبها (٥) خُيَّر بين الأجر والغرم، قالوا (٦): وليس له أن يتملكها إلا أن أبا حنيفة قال: له ذلك إن كان فقيرًا من غير ذوي القربى (٧). واختلف أصحاب الشافعي فمنهم من قال كقولنا ومنهم من قال:

стр. 510

يملكها بالنية، ومنهم من قال: يملكها بقوله اخترت ملكها، ومنهم من قال: لا يملكها إلا بقوله والتصرف فيها (١). ولنا: قول النبي ﷺ في حديث زيد بن خالد: "فإن (٢) لم تعرف فاستنفقها" (٣) وفي لفظ: "وإلا فهي كسبيل (٤) مالك" وفي لفظ: "ثم كلها" وفي لفظ: "فانتفع بها" وفي لفظ: "فشأنك بها" (٥) وفي حديث أبي بن كعب: "فاستنفقها" (٦) وفي لفظ: "فاستمتع بها" وهو (٧) حديث صحيح (٨) وهذه الألفاظ كلها تدل على الملك، ولأن الالتقاط والتعريف سبب للتملك (٩) فإذا تم وجب أن يثبت به الملك حكمًا كالإحياء والاصطياد، ولأنه سبب (١٠) يملك به فلم يقف الملك بعده على قوله واختياره، ولم يفرق فيه (١١) بين الغني والفقير. وحكم العروض كالأثمان على الصحيح من المذهب.

стр. 511

وقال أكثر أصحابنا: لا يملك العروض بالتعريف، وقال القاضي: نص عليه أحمد في رواية الجماعة. والشاة في الحال ولو في العصر (١) ... تملك بالضمان إن لم يبر يعني: إذا التقط شاة ونحوها مما لا يمتنع من صغار السباع خير بين أكلها وعليه قيمتها إذا جاء ربها إن لم يبره من الضمان، وبين بيعها وحفظ ثمنها، وبين حفظها مع الإنفاق عليها (٢)، وسواء كان في الحضر أو الصحراء. وقال مالك وأبو عبيد وابن المنذر وأصحاب الشافعي: ليس له أكلها في المصر، لأنه يمكنه بيعها بخلاف الصحراء (٣). ولنا: قوله ﵇: "هي لك أو لأخيك أو للذئب" جعلها له في الحال وسوى بينه وبين الذئب (٤) والذئب لا يؤخر أكلها في الحال. وقال مالك: كلها ولا غرم عليك لصاحبها ولا تعريف (٥) لظاهر الخبر (٦)، قال ابن عبد البر: لم يوافق مالكًا أحد من العلماء على قوله (٧)،

стр. 512

وقول النبي ﷺ في حديث عبد الله بن عمر: "ورد على أخيك ضالته" (١)، دليل على أن الشاة على ملك صاحبها وكغيرها مما تتبعه الهمة وما جاز أكله في الصحراء جاز أكله في المصر كسائر المأكولات. بحفر بئر في موات يملك ... حريمها (٢) معها بذرع (٣) يسلك فخمسة تملك والعشرونا ... وإن تكن عادية خمسونا يعني: إذا حفر بئرًا في موات للتملك ووصل ماءها ملكها وملك حريمها وهو خمسة وعشرون ذراعًا إن لم تكن عادية، وخمسون ذراعًا إن كانت عادية من كل جانب فيها. والعادية بتشديد الياء: القديمة منسوبة إلى عاد ولم يرد (٤) عادا بعينها لكن لما كانت عاد في الزمن الأول ولها آثار في الأرض نسب إليها كل قديم. وقال أبو حنيفة: حريم البئر أربعون ذراعًا: وحريم العين خمسمائة ذراع (٥) لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "حريم البئر أربعون ذراعًا (٦) لأعطان الإبل والغنم" (٧) وعن الشعبي مثله رواه أبو (٨) عبيد (٩). ولنا: ما روى الدارقطني والخلال (١٠) بإسنادهما عن النبي ﷺ أنه

стр. 513

قال: "حريم البئر البدي خمسة وعشرون ذراعًا وحريم البئر العادي خمسون ذراعًا وهذا نص، وروى أبو عبيد بإسناده عن يحيى بن سعيد (١) الأنصاري أنه قال: (السنة في حريم البئر العادي خمسون ذراعًا والبدي خمسة (٢) وعشرون ذراعًا من نواحيها كلها وحريم بئر (٣) الزرع ثلاثمائة ذراع من نواحيها كلها وحريم البئر العادية خمسون ذراعًا من نواحيها كلها) (٤)، وقال في الشرح (٥): فأما حديث أبي حنيفة فحديثنا أصح منه وراويهما أبو (٦) هريرة فيدل (٧) على ضعفه (٨).

стр. 514

ومن باب الوقف وهو مصدر وقف وأما أوقف فلغة قليلة، وهو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة (١)، وهو ثابت بالسنة فمنها حديث عمر: أنه أصاب أرضًا بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها فقال للنبي ﷺ : "إني أصبت مالًا بخيبر (٢) لم أصب مالًا قط هو أنفس عندي منه فما تأمرني فيه؟ فقال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها غير أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع (٣) ولا يوهب ولا يورث"، قال ابن عمر: فتصدق بها عمر في الفقراء وذوي (٤) القربى والرقاب (٥) وابن السبيل والضيف (٦) لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقًا غير متأثل فيه أو متمول فيه (٧)، متفق (٨) عليه قال جابر: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ذا مقدرة إلا وقف (٩).

стр. 515

والملك في الوقف فقل: ينتقل ... إلى من الوقف عليه جعلوا (١) يعني: إذا وقف على معين كولده أو ولد زيد انتقل الملك في الموقوف للموقوف عليه، قال أحمد: إذا وقف داره على ولد أخيه صارت لهم (٢). وقال أبو حنيفة: لا ينتقل الملك في الوقف اللازم إليه بل يكون حقًا لله تعالى كالعتق، لأنه أزال ملكه عن العين والمنفعة على وجه القربة (٣). ولنا: أنه سبب يزيل ملك الواقف وحده إلى من يصح تمليكه على وجه لم يخرج المال عن ماليته فوجب أن ينتقل الملك إليه كالبيع والهبة، ولأنه لو كان تمليك (٤) المنفعة المجردة لم يلزم كالعارية (٥)، ولم يزل ملك الواقف عنه كالعارية، ويفارق العتق فإنه أخرجه عن المالية، وامتناع التصرف في الرقبة لا يمنع الملك كأم الولد. والوقف إن يستثن منه الواقف ... نفقة (٦) عليه لا تواقف (٧)

стр. 516

أي: إذا استثنى الواقف النفقة على نفسه فالوقف والاستثناء صحيح نص عليه، قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: اشترط في الوقف (١) أني أنفق على نفسي وأهلي قال: نعم: واحتج قال: سمعت ابن عيينة عن ابن طاووس عن أبيه عن حجر المدري (٢) أن في صدقة رسول الله ﷺ : (أن يأكل منها أهله بالمعروف غير المنكر (٣)) وبذلك قال ابن أبي ليلى وابن شبرمه وأبو يوسف والزهري (٤) وابن (٥) شريح (٦). وقال مالك والشافعيُّ ومحمَّد بن الحسن: لا يصح الوقف، لأنه أزال (٧) الملك فلم يجز اشتراط نفعه (٨) لنفسه كالبيع والهبة، وكما لو أعتق عبدًا واشترط أن يخدمه (٩). ولنا: الخبر الذي احتج به الإِمام وأن (١٠) عمر لما وقف قال: (لا بأس على من وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقًا غير متمول فيه) (١١) وكان

стр. 517

الوقف في يده إلى أن مات (١)، ولأنه إذا وقف وقفًا عامًا كالمساجد والسقايات والمقابر كان له الانتفاع به فكذلك ها هنا. ولا فرق بين أن يشترط لنفسه الانتفاع به مدة حياته أو مدة معينة معلومة، وسواء قدر ما يأكل منه أو أطلقه، فإن عمر لم يقدر ما يأكل الوالي ويطعم إلا بقوله بالمعروف، وإذا اشترطه مدة معينة ومات في أثنائها انتقل ما بقي من المدة لورثته كالبيع. وبالخراب إن زال الانتفاع ... وقيل أو معظمه يباع بشرط (٢) أن لا يرتجى التعمير ... ويشتري بالثمن النظير (٣) يعني: إذا تعطلت منافع الوقف بالكلية كدار انهدمت أو أرض خربت (٤) وعادت مواتًا لا يمكن (٥) عمارتها أو مسجد انتقل أهل القرية (٦) عنه وصار لا يصلى (٧) فيه أو ضاق بأهله ولم يمكن توسعته في موضعه ولم يمكن الانتفاع بشيء منه بيع جميعه واشتري بثمنه مثله .. نص عليه (٨) ..

стр. 518

وقال رواية صالح: يحول (١) المسجد خوفًا من (٢) اللصوص، وإذا كان موضعه قذرًا، قال القاضي: إذا كان ذلك يمنع الصلاة فيه. وقال محمَّد بن الحسن: إذا خرب المسجد أو الوقف عاد إلى ملك واقفه، لأن الوقف إنما هو تسبيل (٣) المنفعة فإذا زالت منفعته زال حق الموقوف عليه منه (٤)، وقال مالك والشافعيُّ: لا يجوز بيع شيء من ذلك لقول رسول الله ﷺ : "لا يباع أصلها ولا يبتاع (٥) ولا توهب ولا تورث" (٦)، ولأن ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه لا يجوز بيعه مع تعطلها (٧) كالعتق (٨). ولنا: ما روي أن عمر كتب إلى سعد لما بلغه أنه قد نقب بيت المال الذي بالكوفة: أن انقل (٩) المسجد الذي بالتمارين واجعل بيت المال في قبلة المسجد فإنه لن يزال في المسجد مصل (١٠)، وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه فكان إجماعًا، ولأن فيما ذكرناه استبقاء الوقف بمعناه عند تعذر إبقائه بصورته فوجب ذلك كما لو استولد الجارية الموقوفة أو قتلها هو أو غيره قال ابن عقيل: الوقف مؤبد فإن (١١) لم يمكن تأبيده

стр. 519

على وجه تخصيصه استبقينا الغرض وهو الانتفاع على الدوام في عين (١) أخرى، واتصال (٢) الأبدال جرى مجرى الأعيان (٣)، وجمودنا (٤) على العين مع تعطلها (٥) تضييع للغرض، ويقرب هذا من الهدي إذا عطب فإنه يذبح في الحال وإن كان يختص بموضع فلما تعذر الغرض بالكلية استوفي منه ما أمكن وترك مراعات المحل الخاص عند تعذره، لأن مراعاته مع (٦) تعذره تفضي (٧) إلى فوات الانتفاع بالكلية وهكذا الوقف المعطل المنافع، فإن لم تتعطل منافعه لم يجز بيعه للأخبار، لكن قيل إذا تعذر معظم منافعه جاز بيعه تنزيلًا للمعظم منزلة الكل (٨)، وله نظائر. على ذوي إرث فمن (٩) قد وقفا ... في مرض الموت إذا الثلث وفا يصح ذا وليس كالإيصاء (١٠) ... أجيز أو رد (١١) على السواء (١٢) يعني: إذا وقف شيئًا على ورثته في مرض موته المخوف أو على بعضهم صح ولم يكن بمنزلة الوصية فلا يتوقف على إجازة الورثة بل ينفذ سواء أجازوه أو ردوه لما روى ابن عمر (١٣) أن عمر (١٤) كتب في وصيته:

стр. 520

(بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصي به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث الموت أن ثمغًا وصرمة (١) ابن الأكوع والعبد الذي فيه والمائة سهم التي له (٢) بخيبر ورقيقه الذي فيه والمائة وسق الذي أطعمه محمَّد ﷺ بالوادي تليه حفصة ما عاشت ثم يليه ذوو (٣) الرأي: من أهلها لا يباع ولا يشترى ينفقه (٤) حيث يرى من السائل والمحروم وذوي القربى لا حرج على من وليه إن أكل أو اشترى رقيقًا منه) رواه أبو داود (٥) وفيه دليل على تخصيص حفصة بالأكل (٦) دون إخوتها (٧) قال أحمد: الوقف غير الوصية؛ لأنه لا يباع ولا يورث ولا يصير ملكًا للورثة بل ينتفعون بغلته، وذهب الشافعي وجمع إلى عدم جوازه كالعطية (٨).

стр. 521

ومن باب الهبة مصدر وهب يهب وهي تمليك في الحياة بغير عوض قال ﷺ : "تهادوا تحابوا" رواه أبو يعلى (١). عطية الأولاد جا (٢) في الأثر ... للأنثيين مثل حظ (٣) الذكر وبينهم فيحرم التفضيل ... وليس يمضي إذ به يميل (٤) يعني: إذا أعطى أولاده أعطاهم على قدر ميراثهم منه فيعطي الذكر مثل حظ الأنثيين، ويحرم التفضيل والتخصيص، فإن فعل وجب عليه التسوية إما برد ما فضل به البعض أو إعطاء الآخر حتى يستووا (٥). قال طاووس: لا يجوز ذلك ولا رغيف محترق، وبه قال ابن المبارك (٦) وروي

стр. 522

معناه عن مجاهد وعروة، وكان الحسن يكرهه (١) ويجيزه في القضاء. وقال مالك والليث والثوري والشافعيُّ وأصحاب الرأي: يجوز ذلك، لأن أبا بكر نحل عائشة ابنته جذاذ عشرين وسقًا دون سائر (٢) ولده (٣) واحتج الشافعي بقول النبي ﷺ في حديث النعمان بن بشير: "أشهد على هذا غيري" (٤) أمره (٥) بتأكيدها دون الرجوع فيها، ولأنها عطية تلزم بموت الأب فكانت جائزة كما لو سوى بينهم (٦). ولنا: ما روى النعمان بن بشير قال: تصدق علي (٧) أبي ببعض ماله فقالت أمي عمرة (٨) بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليها (٩) رسول الله فجاء أبي إلى رسول الله ﷺ ليشهده (١٠) على صدقتي فقال: (أكُلَّ ولدك أعطيت مثله؟ " قال: لا. قال: "فاتقوا الله واعدلوا في أولادكم" قال: فرجع أبي فرد (١١) تلك الصدقة، وفي لفظ قال: "فاردده"، وفي لفظ: "فارجعه"، وفي لفظ: "لا تشهدني على جور"، وفي لفظ: "أشهد على هذا غيري"، وفي لفظ: "سوِّ (١٢) بينهم" متفق عليه (١٣)، وهو

стр. 523

دليل على التحريم، لأنه سماه جورًا (١) وأمره برده وامتنع من الشهادة عليه ولأن تفضيل بعضهم يورث بينهم العداوة وقطيعة الرحم فمنع منه كتزويج المرأة على عمتها. وقول أبي بكر يحتمل أنه خصها لعجزها عن الكسب ونحوه أو عازمًا على التسوية بعد. وقوله ﵇: "أشهد على هذا غيري"، ليس بأمر (٢)، لأن (٣) أدنى أحواله الاستحباب ولا خلاف في كراهة هذا وكيف يأمره بتأكيده مع أمره برده وتسميته جورًا (٤)، ولو كان أمرًا لامتثله بشير ولم يرده وإنما هو تهديد فيفيد (٥) ما أفاده النهي عن إتمامه. وقول الناظم: وليس يمضي (٦) إذ به يميل (٧)، أي: ليس تفضيل الأب لبعض أولاده ماضيًا، لأنه ميل فيرجع فيه ما دام حيًّا وإن مات قبله فللباقين الرجوع اختاره أبو عبد الله ابن بطة وأبو حفص العكبري وهو قول عروة بن الزبير وإسحاق. والتصحيح من المذهب أنه إن مات قبل الرجوع والتسوية ثبتت العطية للآخذ (٨) فلا رجوع للباقين عليه (٩) نص عليه، وهو قول مالك والشافعيُّ وأصحاب الرأي: وأكثر أهل العلم لقول أبي بكر لعائشة لما نحلها نحلًا وددت أنك كنت حزتيه (١٠) فيدل على أنها لو كانت حازته لم يكن لهم

стр. 524

الرجوع، ولأنها عطية لولده فلزمت بالموت كما لو انفرد (١). وسائر الورّاث كالأولاد ... في ذاك بالعدل وبالسداد يعني: أن سائر الورثة (٢) من الأقارب كالإخوة والأعمام وبنيهم والأم والجدة ونحوهم (٣) حكمهم في التخصيص (٤) والتفضيل في العطية كالأولاد بجامع القرابة فعليه أن يسوي بينهم على قدر ميراثهم منه سواء كانوا (٥) من جهة واحدة أو من جهات فإن خالف فعليه أن يعطي الباقي حتى يستووا أو يرجع إن كانت قبل القبض، لأنهم في معنى الأولاد فثبت فيهم حكمهم، فإن مات قبل ذلك استقرت (٦) للآخذ على الصحيح كما تقدم في الأولاد، وهذا بخلاف من يرث بنكاح أو ولاء، فلا يجب التعديل بينهم في العطية، لأنهم غير منصوص عليهم ولا هم في معنى المنصوص عليه. من مال ولد جاز أخذ الوالد ... بقدر ما يحتاج أو بالزائد إلا إذا ما حصل الإجحاف ... حينئذ لا يثبت (٧) الخلاف أي: يجوز للأب خاصة أن يتملك من مال ولده ما شاء مع الحاجة وعدمها في صغره (٨) وكبره إذا لم تتعلق (٩) حاجة الإبن به ولم يجحف بالولد ولم يكن ليعطيه لولد آخر ولا بمرض موت أحدهما (١٠).

стр. 525

وقال أبو حنيفة ومالك والشافعيُّ ليس للوالد (١) أن يأخذ من مال ولده إلا بقدر حاجته لقوله ﵇: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" متفق عليه (٢)، وروى الحسن أن النبي ﷺ قال: "كل أحد أحق بكسبه من ولده ووالده والناس (٣) أجمعين" رواه سعيد في سننه (٤) (٥)، وعنه ﵇: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" رواه الدارقطني (٦) (٧). ولنا: حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم" رواه سعيد والترمذيُّ وحسنه (٨)، وعن (٩) عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أبي اجتاح (١٠) مالي فقال: "أنت ومالك لأبيك" رواه الطبراني في معجمه مطولًا (١١) ورواه غيره وزاد: "وإن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم" وروى محمَّد بن المنكدر والمطلب بن

стр. 526

حنطب قال (١): جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن لي مالًا وعيالًا ولأبي مالًا وعيالًا وأبي يريد أخذ (٢) مالي فقال النبي ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" رواه سعيد في (٣) سننه، ولأن الله تعالى جعل الولد موهوبًا لأبيه فقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [الأنبياء: ٧٢] وقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: ٩٠] وقال زكريا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥]، وقال إبراهيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، وما كان موهوبًا له كان له أخذ ماله كعبده. وأما أحاديثهم فأحاديثنا تخصها وتفسرها، وحديث الحسن مرسل ثم هو يدل على ترجيح حقه على حق أبيه (لا على نفي الحق) (٤) بالكلية، والولد أحق من الوالد فيما تعلقت (٥) به حاجته. لا يملك ابن لأب مطالبه ... ديونه حتى القروض ذاهبه (٦) أي: ليس للابن مطالبة أبيه بدين قرض (٧) أو غيره ولا قيمة متلف ولا أرش جناية ولا غير ذلك وبه قال الزبير بن بكار وهو مقتضى قول سفيان وابن عيينة. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعيُّ: له ذلك لأنه دين ثابت فجازت المطالبة (٨) به كغيره (٩). ولنا: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ بأبيه يقتضيه دينًا عليه فقال: "أنت

стр. 527

ومالك لأبيك" رواه الخلال بإسناده (١)، ولأن المال أحد نوعي الحقوق فلم يملك مطالبة أبيه به كحوق الأبدان، ويفارق (٢) الأب غيره بما ثبت (٣) له من الحقوق (٤) على ولده، فإن مات الابن فانتقل الدين إلى ورثته لم يملكوا مطالبة الأب، لأن مورثهم لم يكن له المطالبة فهم أولى فإن مات الأب رجع الابن بدينه في تركته، لأن دينه عليه لم يسقط عن الأب وإنما تأخرت المطالب، وللولد طلبه بعين ماله ونفقته الواجبة، قال في الوجيز: وحبسه عليها (٥).

стр. 528

ومن كتاب الوصايا جمع وصية كالعطايا جمع عطية وهي لغة: الأمر قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] (١). واصطلاحًا: الأمر بالتصرف بعد الموت، وبمال التبرع به بعده (٢) وهي مشروعة بالإجماع لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، ولقوله ﷺ : "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا و (٣) وصيته مكتوبة عنده" متفق عليه (٤). من يوص للقرب قل لا يدخل ... منهم سوى من في (٥) الحياة يصل فإن تكن صلاته (٦) منقطعة ... قرابة (٧) الأم إذًا ممتنعة وعمم الباقي من الأقارب ... من جهة الآبا ولا توارب يعني: إذا وصى لقريبه أو قرابته ونحوه دخل فيه من كان يصلهم في

стр. 529

حياته من قرابة الأب والأم، لأن صلته إياهم في حياته قرينة دالة على صلتهم بوصيته (١) فإن لم تكن له صلة لهم في حياته خرج منهم قرابة الأم وعم (٢) الباقين من قرابة الأب. والمذهب أنه يصرف للذكر والأنثى من أولاده وأولاد أبيه وأولاد جده وأولاد جد أبيه ويسوى بين الذكر والأنثى منهم وكذا الوقف. وقال مالك: يقسم على الأقرب فالأقرب بالاجتهاد (٣). وقال الشافعي: يعطى كل من يعرف بقرابته من قبل أبيه وأمه الذين ينتسبون إلى الأب الأدنى، لأنهم قرابته فيتناولهم الاسم ويدخلون في عمومه (٤). ولنا: أن النبي ﷺ أعطى من سهم ذوي القربى أولاده وأولاد (٥) عبد المطلب وأولاد هاشم ذكرهم وإناثهم ولم يعط من هو أبعد منهم كبني عبد شمس وبني نوفل شيئًا إلا أنه أعطى بني المطلب بن عبد مناف وعلل عطيتهم بأنهم لم يفارقوا بني هاشم في جاهلية ولا إسلام (٦)، ولم يعط قرابة أمه وهم بنو زهرة شيئًا، فحمل مطلق كلام الموصي والواقف على ما حمل عليه مطلق كلام الله (٧) وفسر بما فسر به وصار بمنزلة ماله عرف في الشرع فيجب حمله عليه وتقديمه على العرف اللغوي كالوضوء (٨).

стр. 530

وفي القريب كافر لا يدخل ... وعن أهيل قربة ينعزل يعني: إذا أوصى لقراباته أو أهل قريته (١) أو وقف عليهم وفيهم كافر لم يدخل معهم. وقال الشافعي: يدخل لأن اللفظ يتناوله بعمومه (٢). ولنا: أنهم لا يدخلون (٣) في آية المواريث في لفظ القرآن مع عمومه فلم يدخلوا في لفظ الموصي والواقف، ولأن ظاهر حاله أنه لا يريد الكفار لما بينه وبينهم من عداوة الدين وعدم الوصلة المانع من الميراث، ووجوب النفقة ولذلك خرجوا من عموم اللفظ في الأولاد والإخوة والأزواج وسائر الألفاظ العامة في الميراث فكذا ها هنا. لكن لو (٤) أن أقاربه أو أهل قريته كلهم كفار دخلوا؛ لأنه لا يمكن تخصيصهم (٥) إذ في إخراجهم رفع للفظ بالكلية. من قال في الإيصا لزيد سهم ... فالسدس يعطي حيث كان القسم (٦) أي: لو أوصى لزيد بسهم من ماله فله سدس (٧) بمنزلة سدس مفروض، إن لم تكمل فروض المسألة أو كانوا عصبة أعطي سدسًا كاملًا، وإن كملت فروضها أعيلت به وإن عالت أُعيل معها، وروي ذلك عن علي وابن مسعود وبه قال الحسن وإياس بن معاوية والثوري (٨).
следующие страницы →