بمعناه في المنتهى والإقناع وغيرهما، وهو مذهب الشافعي (١) , لأن اعتبار الجناية بحال الاستقرار، وقد مات حرًا، ويأخذ السيد من ديته قدر قيمته، فإن فضل شيء كان لورثته، ولو وجب بهذه الجناية قصاص فطلبه لورثته.
إذا جنى المرء على أطرفه ... أو نفسه فذا من انحرافه
فضمن الأطراف للعواقل ... وضمن الوارث (٢) نفس القاتل
وعنه بل يهدر والشيخان ... فقدما ذا يا ذوي العرفان
يعني: جناية الإنسان على طرفه أو نفسه لانحراف طبعه هل هي مضمونه على العاقلة؟ فيها روايتان (٣).
إحداهما: على عاقلته ديته لورثته ودية طرفه لنفسه، إذا كانت الجناية خطأ أو شبه عمد، وقدمه في الهداية والمذهب ومسبوك الذهب والمستوعب والخلاصة، وهو قول الأوزاعي وإسحاق (٤) لما روي أن رجلًا ساق حمارًا فضربه بعصًا فطارت (٥) منه شظية (٦) فأصابت عينه ففقأتها فجعل عمر بن الخطاب ديته على عاقلته وقال: هي يد (٧) من أيدي المسلمين لم يصبها اعتداء على أحد (٨): ولا يعرف له مخالف ولأنه (قتل (٩)) خطأ فكانت ديته على عاقلته كغيره.
والثاني: أنه هدر لا دية فيه، وهذا (١٠) المذهب وعليه الشيخان
стр. 702
وجمهور الأصحاب وهو أصح في القياس، كما لو كانت الجناية عمدًا، ولأن عامر بن الأكوع يوم (١) خيبر رجع سيفه عليه فقتله، ولم ينقل أن النبي ﷺ قضى فيه بدية ولا غيرها (٢) ولو كانت واجبة لبينها النبي ﷺ ولنقل ظاهرًا. ويفارق (٣) ما لو كانت الجناية على غيره، فإنه لو لم تحمله العاقلة لأجحف به وليس على الجاني ها هنا شيء يخفف عنه، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم ربيعة وأصحاب الرأي ومالك والثوري والشافعيُّ (٤).
وقال الناظم: وضمن الوارث يعني: عاقلة القاتل، إذ الروايتان (٥) في عاقلته لا في ورثته كما يعلم بالوقوف على كلام الأصحاب، ولو قال: وضمنهم لدية القاتل لكان أوضح (٦) وعذره ضيق النظم.
والبالغ العاقل من أفزعه ... ولو بصوت منكر روعه
فمات أو منها جنى الفزعان ... في نفسه أو غيره أبانوا
فالمفزع الضمان ليس يخطه ... تحمله عاقلة بشرطه
يعني: من أفزع بالغًا عاقلًا ولو أنه روعه بصوت منكر فجنى بسبب ذلك على نفسه أو غيره فعلى المفزع الضمان، تحمله عاقلته بشرطه بأن يكون ثلث دية فأكثر يثبت (٧) بالبنية دون إقراره وكذا لو أفزع صغيرًا, لأنه (٨) تسبب في جنايته فكان ضمانه (٩) عليه كالمكره (١٠) له على الجناية على نفسه
стр. 703
أو غيره، إذ الجاني إذن كالآلة (١) للمفزع، فاختص الضمان به.
ووافق الشافعي في الصبي، وله في البالغ قولان (٢).
ولنا: أنه تسبب في إتلافه فضمنه كالصبي.
كذاك (٣) من تفزيع أو تبريح ... أحدث قل بغائط أو ريح
في ذاك ثلث دية قد عينوا ... عاقلة الجاني لهذا يضمنوا
يعني: من أفزع إنسانًا أو ضربه فأحدث بغائط أو بول أو ريح فعليه ثلث ديته إن لم يدم، لما روي أن عثمان قضى فيمن ضرب إنسانًا حتى أحدث بثلث الدية (٤)، قال أحمد: لا أعرف شيئًا يدفعه، وقضاء الصحابي بما يخالف القياس يدل على أنه توقيف، وبه قال إسحاق، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعيُّ: لا شيء عليه (٥)، وهو القياس لولا قضاء عثمان ﵁.
فإن (٦) دام الحدث ففيه دية كاملة، وتحمل العاقلة ما وجب بذلك من
стр. 704
الدية أو ثلثها حيث (١) كان الجناية خطأ أو شبه عمد كسائر ما يجب بالجناية.
من كان مضطرًا إلى الطعام ... أبى الرفيق (٢) البذل بالإكرام (٣)
فإن يمت يضمنه بالدية ... إلا إذا كان بذي الضرورة
يعني: من اضطر إلى طعام أو شراب وطلبه من ربه فمنعه حتى مات ضمنه بالدية إن لم يكن مضطرًا إليه. وكذا من أخذ طعام إنسان أو شرابه في برية أو مكان لا يقدر فيه على (٤) طعام وشراب فهلك بذلك أو هلكت بهيمته (٥). فعليه ضمان ما يتلف به, لأنه سبب هلاكه، وروي عن عمر أنه قضى بنحو ذلك (٦)، ولأنه إذا اضطر إليه صار أحق به ممّن هو في يده وله أخذه (٧) قهرًا، فإذا منعه إياه تسبب إلى هلاكه بمنعه ما يستحقه، فلزمه ضمانه كما لو أخذ طعامه وشرابه فهلك بذلك (٨).
وظاهر كلام أحمد أن الدية في ماله, لأنه تعمد هذا الفعل الذي يقتل مثله غالبًا.
وقال القاضي: يكون على عاقلته (٩) , لأن هذا لا يوجب القصاص فيكون شبه عمد.
стр. 705
فإن لم يطلبه منه لم (١) يضمنه, لأنه لم يمنعه ولم يوجد منه (٢) فعل تسبب به إلى هلاكه، وكذا من أمكنه إنجاء معصوم من هلكة فلم ينجه منها مع قدرته على ذلك لم يضمنه, لأنه لم يفعل معه شيئًا يكون سببًا لضمانه، ومثل الأولى من أخذ من إنسان ما يدفع به عن نفسه صائلًا عليه من سبع ونحوه فأهلكه فإنه يضمنه لتسببه بذلك في هلاكه.
وعندنا فاللوث (٣) في القسامة ... في نصه مجرد العداوة
القسامة أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم بينه (٤) وبين المدعى عليه القتل لوث، وهو العداوة الظاهرة فقط (٥) وجد معها أثر قتل أو لا نحو ما كان بين الأنصار وأهل خيبر، وما بين القبائل التي يطلب بعضها بعضًا بثأر وكل من بينه وبين المقتول ضغن يغلب على الظن أنه قتله؛ لأن اللوث إنما ثبت بالعداوة بقضية الأنصاري القتيل بخيبر (٦)، ولا يجوز القياس عليها، لأن الحكم ثبت بالمظنة، ولا يجوز القياس في المظان، ولأن الحكم إنما
стр. 706
يتعدى بتعدي (١) سببه، والقياس في المظان جمع بمجرد الحكمة وغلبة الظنون، والحكم بالظنون يختلف ولا يأتلف (٢) ويتخبط ولا ينضبط، ويختلف باختلاف القرائن والأحوال (٣) والأشخاص فلا يمكن ربط الحكم بها ولا تعديته بتعديتها (٤).
نساؤوهم لا يُدْخَلوا (٥) في الحلف ... في عمد أو في خطأ ذا (٦) قد نفي
إذا وجدت شروط القسامة وتوجهت (٧) الأيمان على ورثة المقتول وفيهم نساء لم (٨) يدخل النساء في الحلف فلا يستحلفن، بل يحلف الذكور خاصة فإذا حلفوا كان الحق في القصاص أو (٩) الدية لجميع الورثة حتى النساء عمدًا كان القتل أو خطأ أو شبه عمد، وبهذا قال ربيعة والثوري والليث والأوزاعي وقال مالك: لهن دخل في قسامة الخطأ دون العمد (١٠).
وقال الشافعي: يقسم كل وارث بالغ, لأنها يمين في دعوى فتشرع في حق النساء كسائر الأيمان (١١)(١٢).
стр. 707
ولنا: قول النبي ﷺ : "يقسم خمسون رجلًا منكم ويستحقون دم صاحبكم" (١)، ولأنها حجة يثبت (٢) بها قتل العمد فلا تسمع من النساء كالشهادة، والخناثى كالنساء.
والجاني (٣) لا يحمل مع عاقلته ... شيئًا ولو ضاقت على (٤) جنايته
أي: لا يحمل القاتل مع عاقلته شيئًا من دية شبه العمد والخطأ بل تكون على العاقلة (٥) وحدها، قال في الشرح (٦): وبهذا (٧) قال مالك والشافعيُّ (٨).
وقال أبو حنيفة: هو كواحد منهم, لأنها وجبت عليهم إعانة له فلا يزيدون عليه فيها (٩).
ولنا: ما روى أبو هريرة "أن النبي ﷺ قضى بدية المرأة على عاقلتها"، متفق عليه (١٠).
وهذا يقتضي أنه قضى عليهم بجميعها, ولأن الكفارة تجب على الجاني في ماله وهي تعدل (١١) قسطه من الدية أو أكثر فلا حاجة إلى إيجاب شيء من الدية عليه.
стр. 708
وقوله: ولو ضاقت على جنايته، أي: ضاقت أموال العاقلة عن حمل ما وجب بسبب (١) جنايته فلا يشاركهم أيضًا لما تقدم.
حديث (٢) من لزبية (٣) قد حضروا ... لأجل صيد أسد قد أضمروا
أي: هذا حديث جماعة حضروا ليصيدوا أسدًا من زبيته وهي (٤) بضم الزاي حفرة (٥) تحفر للأسد شبه البئر في مكان عالٍ.
تزاحموا لينظروا إليه ... فمنهم من ارتمى عليه (٦)
لكنه بواحد تعلقا ... ورام أن ينجو فما تعوقا
وهكذا الثاني لثالث جذب ... وثالث لرابع قضى العجب
وقتل (٧) المجموع ذاك الأسد ... والرهط من فوقهم يعددوا (٨)
يقول بعض منهم لبعض ... صاحبكم قاتلهم لا يغضي (٩)
أي: تزاحم أولئك الجماعة الذين حضروا لصيد الأسد فوقع عليه (١٠) واحد منهم فتعلق بواحد لينجو فلم يقدر فجذب الثاني ثالثًا وجذب الثالث رابعًا وقتل الأسد الأربعة.
والرهط: القوم والقبيلة و (١١) ما دون العشرة من الرجال لا يكون (١٢)
стр. 709
منهم امرأة، وليس له واحد (١) من لفظه قاله (٢) في الصحاح (٣).
وقوله: يعددوا (٤) من العديد وهو النوح.
وقوله: لا يغضي (٥) أي (٦) لا يضم جفنه أي: لا يستحي.
وملخص الأبيات: أن أربعة سقطوا في زبية أسد جذب الأول الثاني والثاني الثالث والثالث الرابع فقتلهم الأسد.
قضى علي بينهم للأول ... ربع وللثاني (٧) فثلث ينجلي
والنصف للثالث في المسألة ... ورابع له تمام الدية
وكلل ذا على الذين ازدحموا ... عواقل القوم بها يلتزموا
ثم أقر المصطفى هذا القضا ... لما إليه رفعوه وارتضى
فهكذا رواه حقًا أحمد ... وقال: لا يدفع (٨) هذا المسند
يشير بذلك إلى ما روى حنش (٩) الصنعاني أن قومًا من أهل اليمن حضروا زبية الأسد فاجتمع الناس على رأسها فهوى فيها واحد فجذب ثانيًا وجذب الثاني ثالثًا ثم جذب الثالث رابعًا فقتلهم الأسد فرفع ذلك إلى علي (١٠) ﵁، فقال للأول: ربع الدية, لأنه هلك فوقه ثلاثه (١١)،
стр. 710
وللثاني: ثلث الدية, لأنه هلك فوقه اثنان، وللثالث: نصف الدية (١) , لأنه هلك (٢) فوقه واحد، وللرابع كمال الدية، وقال: إني أجعل الدية على من حضر رأس البئر فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فقال: "هو كما قال" رواه سعيد بن منصور (٣)، قال أبو الخطاب: فذهب أحمد إلى ذلك توقيفًا (٤) على خلاف القياس قال في الشرح (٥): (وقد (٦) ذكر بعض أهل العلم أن هذا الحديث لا يثبته أهل النقل وأنه ضعيف، والقياس ما قلنا فلا (٧) ننتقل (٨) عنه إلى (٩) ما لا ندري (١٠) ثبوته ولا معناه) انتهى، والذي أشار إليه أنه القياس هو أن دم الأول هدر وعلى عاقلته دية الثاني وعلى عاقلة الثاني دية الثالث وعلى عاقلة الثالث دية الرابع (١١).
стр. 711
وقوله: وكل ذا على الذين ازدحموا عواقل القوم، يعني: أن ما وجب مما تقدم على من حضر رأس الزبية ويكونون بمنزلة عواقل الساقطين فيها كما تقدم في الخبر وقد علمت ما فيه (١).
стр. 712
ومن كتاب الحدود
جمع حد وهو لغةً المنع، وشرعًا: عقوبة مقدرة في معصية لتمنع من الوقوع في مثلها. ومشروعيتها بالكتاب والسنة والإجماع.
من جمع الإحصان والزنا معًا ... فالجلد (١) والرجم له يجتمعا
أي (٢): إذا زنا المحصن جلد مائة ثم رجم في رواية اختارها الخرقي وأبو بكر عبد (٣) العزيز والقاضي ونصرها الشريف وأبو الخطاب في خلافيهما وصححها الشيرازي قال أبو يعلى الصغير: اختارها شيوخ المذهب وجزم بها ابن عقيل في التذكرة (٤) وصاحب الوجيز وقدمها في تجريد العناية وشرح ابن رزين ونهايته وفعله علي ﵁ (٥) وبه قال ابن عباس وأبي بن كعب وأبو ذر ﵁ وبه قال الحسن وداود وابن المنذر (٦)
стр. 713
لقوله ﷺ في حديث عبادة: "والثيب بالثيب الجلد والرجم" رواه مسلم (١)؛ وعنه يرجم ولا يجلد وهي المذهب وبهذا قال النخعي والأوزاعي والزهري ومالك (٢) والشافعيُّ (٣) وأبو ثور وأصحاب الرأي (٤) واختاره أبو إسحاق الجوزجاني وأبو بكر الأثرم ونصراه في سننهما, لأن جابرًا روى أن النبي ﷺ رجم ماعزًا ولم يجلده (٥) ورجم الغامدية ولم يجلدها (٦)، وقال: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" متفق عليه (٧)، ولم يأمره بجلدها قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول في حديث عبادة: إنه أول حد نزل، وإن حديث ماعز بعده رجمه ﷺ ولم يجلده وعمر ﵁ رجم (٨) ولم يجلد (٩) ونقل عنه (١٠) إسماعيل بن سعيد نحو هذا, ولأنه حد فيه قتل فلم يجتمع معه جلد (١١) كالردة.
стр. 714
ووطؤه ذا رحم محرم ... ولو بعقد قتله (١) حتما نمي
أي: إذا وطيء امرأة من محارمه المحرمات عليه أمه واخته بعقد نكاح أو غيره فعليه الحد في قول أكثر أهل العلم خلافًا لأبي حنيفة (٢) والثوري إذا كان بعقد.
وحده القتل بكل حال فيه رواية وبهذا قال جابر بن زيد وإسحاق وأبو أيوب وابن أبي خيثمه لحديث البراء قال: "لقيت عمي (٣) ومعه الراية فقلت: إلى أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل نكح امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه وآخذ ماله" رواه أبو داود والجوزجاني والترمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ (٤).
وعنه: حده (٥) حد الزاني وهو المذهب وبه قال الحسن ومالك والشافعيُّ (٦) لعموم الآية والخبر، وخبر البراء نقل صالح وعبد الله أنه على المستحل.
أخت الرضاع من أتى (٧) بالملك ... أو (٨) نحوها في ذاك حد منكي
أي (٩): إذا ملك أخته من الرضاع أو عمته منه ونحوها فوطئها
стр. 715
لزمه الحد قال القاضي: قال أصحابنا عليه الحد، قال فيه الفروع: وهو أظهر (١) واختاره جماعة منهم الناظم وجزم به في المنور ومنتخب الآدمي وقدمه في الهداية والمذهب والمستوعب والخلاصة الكافية وإدراك الغاية, لأنه فرج لا يستباح بحال فوجب الحد بالوطء فيه كفرج الغلام.
والصحيح من المذهب أنه لا حد فيه وجزم به في المنتهى والإقناع وغيرهما وهو قول أصحاب الرأي (٢) والشافعيُّ (٣)؛ لأنه وطء في فرج مملوك له يملك المعاوضة عنه وأخذ صداقه فلم يجب به الحد كالوطء في الجارية المشتركة.
فأما إن اشترى ذات محرمه بالنسب ممّن تعتق (٤) عليه ووطئها فعليه الحد لا نعلم فيه خلافًا, لأن الملك لا يثبت فيها فلم توجد الشبهة.
ووطئه جارية للزوجة (٥) ... بإذنها مع علمه (٦) بالحرمة
فالرجم منفي ولكن يجلد ... مائة سوط جا حديث مسند
أي: إذا وطئ جارية زوجته بإذنها عالمًا تحريمها فإنه يجلد مائة ولا يرجم إن كان ثيبًا، وإن كان بكرًا لم يغرب (٧)، وإن لم تكن أحلتها له فهو زان حكمه (٨) حكم الزاني بجارية أجنبي.
стр. 716
وعن عمر وعلي (١) وعطاء وقتادة ومالك (٢) والشافعيُّ (٣) أنه كوطء الأجنبية سواء أحلتها له أو لم تحلها, لأنه لا شبهة له فيها فأشبهت (٤) جارية أخته ولأنه (٥) إباحة لوطء محرمة عليه فلم تكن شبهة (٦) كإباحة سائر الملاك.
ولنا: ما رواه أبو داود بإسناده عن حبيب بن سالم "أن رجلًا يقال له (٧): عبد الرحمن بن حسن (٨) وقع على جارية امرأته فرفع إلى النعمان بن بشير وهو أمير على الكوفة فقال: لأقضين فيك بقضية رسول الله ﷺ إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة، فوجدوها أحلتها له، فجلده مائة" (٩).
ويلحقه نسب الولد للشبهة التي درأت الحد، ولا يسقط الحد (١٠) بالإباحة في غير هذا الموضع لعموم النصوص الدالة على وجوب الحد على الزاني، وإنما يسقط (١١) هنا لحديث النعمان (١٢).
ومن أتى بهيمة يحد ... وذاك في المنصوص قوم عدوا
ومنهم القاضي وينصروه ... وغيرهم يقول عزروه
стр. 717
أي: ومن أتى بهيمة فعليه حد اللوطي (١)، وهو رواية منصوصة عن الإمام أحمد وقدمه في الهداية والخلاصة والرعايتين واختاره الشيرازي والشريف وأبو الخطاب في خلافيهما (٢).
وقال الحسن حده: حد الزاني (٣).
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن يقتل هو والبهيمة لقول رسول الله ﷺ : "من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها" رواه أبو داود (٤).
واختار الخرقي وأبو بكر: أنه يعزر فقط وهو المذهب، وروي ذلك عن عباس وعطاء والشعبي والنخعي والحكم ومالك (٥) والثوري وأصحاب الرأي (٦) وإسحاق والشافعيُّ (٧) في أحد قوليه, لأنه لم يصح فيه نص، ولا يصح قياسه على الوطء في فرج الآدمي لأنه لا حرمة لها, وليس بمقصود يحتاج في الزجر عنه إلى الحد فإن النفوس تعافه وعامتها تنفر منه فيبقى على الأصل في انتفاء الحد، والحديث لم يثبته أحمد (٨).
стр. 718
وتقتل البهيمة ولا تؤكل فيغرم قيمتها إن كانت لغيره, لأنه فوتها عليه.
ورجل أكرهه (١) على الزنا ... فذاك لا يسقط حدًا (٢) عندنا
لا فرق إن أكرهه السلطان ... أو غيره من عصبة قد كانوا
أي (٣) إذا أكره الرجل على الزنا (سواء كان الإكراه) (٤) من السلطان أو غيره لم يسقط عنه الحد وبه قال محمد بن (٥) الحسن وأبو ثور, لأن الوطء لا يكون إلا بالانتشار والإكراه ينافيه، فإذا وجد الانتشار انتفى الإكراه فيلزمه (٦) الحد كما لو أُكْرِهَ على غير (٧) الزنا فزنا (٨).
وقال أبو حنيفة: إن أكرهه السلطان فلا حد عليه، وإن أكرهه غيره حد استحسانًا (٩).
وقال الشافعي: لا حد عليه لعموم الخبر، ولأن الحدود تدرأ بالشبهات، والإكراه شبهة فيمنع الحد، وكما لو كانت امرأة فإنه لا حد
стр. 719
عليها في (١) قول عامة أهل العلم (٢) قال فيه الشرح (٣): ولا نعلم فيه مخالفًا (٤).
لمرض فالحد (٥) لا يؤخر ... ولو ترجى (٦) البرء لا ينتظر (٧)
في حالة شقت (٨) به الأسقام ... وفي النفاس هكذا يقام
أي: لا يؤخر (٩) الحد لمرض ولو رجي زواله ولا لنفاس إذا كان جلدًا وبه قال إسحاق وأبو ثور, لأن عمر أقام الحد على قدامة بن مظعون في مرضه ولم يؤخره وانتشر ذلك في الصحابة ولم ينكروه (١٠) فكان إجماعًا، ولأن الحد واجب على الفور فلا يؤخر ما أوجبه الله تعالى بغير حجة فعلى هذا إن خشي من السقوط ضرب بسوط (١١) يؤمن معه التلف فإن خيف من السوط (١٢) أقيم بالعثكول (١٣).
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعيُّ: يؤخر لحديث علي في التي هي حديثة عهد بنفاس وخشى إن جلدها قتلها وذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال:
стр. 720
"أحسنت" رواه مسلم وأبو داود (١)، ولأن في تأخيره إقامة الحد على الكمال من غير إتلاف فكان أولى (٢) وإن كان رجمًا لم يؤخر (٣).
من (٤) وجب الحد عليه فلجا ... للحرم الشريف نعم الملتجا (٥)
ولم (٦) يقم عليه لكن يخرج بترك ... بيع والشرا كي يخرج
على السواء كل الحدود لا شطط ... ووافق النعمان في القتل فقط
ومالك والشافعيُّ تقام (٧) ... جميعها إذ ينتفي الملام
يعني: أن من قتل خارج (٨) حرم مكة ثم لجأ (٩) إليه لم يستوف (١٠) منه فيه هذا قول ابن عباس وعطاء وعبيد بن عمير (١١) والزهري ومجاهد وإسحاق والشعبي وأبي حنيفة وأصحابه (١٢).
وكذا غير القتل من الحدود عندنا فلا تقام عليه حتى يخرج منه،
стр. 721
ولكن لا يبايع ولا يشارى (١) حتى يخرج فيقام عليه (٢).
و (٣) قال مالك والشافعيُّ وابن المنذر: تستوفي (٤) منه كلها لعموم الأمر بالقتل بالنفس وجلد الزاني وقطع السارق من غير تخصيص بمكان في دون مكان وقد أمر النبي ﷺ بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة حديث حسنٌ صحيحٌ (٥)، ولأنه حيوان أبيح قتله لعصيانه فأشبه الكلب العقور (٦).
ولنا: قول الله تعالى (٧): ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] يعني: الحرم بدليل فيه آيات بينات مقام إبراهيم (٨) وهو خبر أريد به الأمر, لأنه لو أريد الخبر لأفضى إلى وقوع الخبر خلاف المخبر عنه (٩)، وقال ﷺ :
стр. 722
إن الله حرّم (١) مكة ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها (٢) دمًا ولا يعضد فيها شجرة" فإن أحدًا ترخص بقتال (٣) رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب (٤).
وهذا يدفع الاستدلال بقتل ابن خطل، والآية مخصصة (٥) لأخبار العموم، والقياس على الكلب العقور لا يصح فإن (٦) طبعه الأذى فلم (٧) يحرمه الحرم، والآدمي الأصل فيه الحرمة وحرمته عظيمة وإنما أبيح لعارض.
وإن فعل ذلك في الحرم استوفي منه فيه (٨) كما روي عن ابن عباس (٩) لئلا تتعطل حدود الله تعالى في حق أهل الحرم.
وأما حرم المدينة فلا يمنع إقامة (١٠) حد ولا قصاص, لأن النص إنما ورد في حرم مكة، وحرم المدينة دونه فلا يصح قياسه عليه وكذا (١١) سائر البقاع.
وهكذا في بلد الغزاة ... إقامة الحد فلا تواتي
стр. 723
بل يضبط الحد إلى ما يرجعوا (١) ... لدار الإسلام به فيوقعوا
أي: من أتى (٢) حدًا من الغزاة أو ما يوجب قصاصًا في أرض الحرب لم يقم (٣) عليه الحد حتى يرجع لدار الإسلام فيقام عليه حده وبهذا قال الأوزاعي وإسحاق (٤)، وقال مالك والشافعيُّ وأبو ثور وابن المنذر (٥): يقام الحد في كل موضع لإطلاق الأوامر إلا أن الشافعي قال: إذا لم يكن أمير الجيش الإمام أو أمير إقليم فليس له إقامته يؤخر حتى يأتي الإمام, لأن إقامة الحدود إليه، وكذلك إن كان بالمسلمين حاجة إلى المحدود أو قوة به أو شغل عنه آخر (٦).
وقال أبو حنيفة: لا حد ولا قصاص في دار الحرب ولا إذا رجع (٧).
ولنا: على وجوب الحد أمر الله تعالى ورسوله ﷺ به وعلى تأخيره ما روى بشير (٨) بن أرطاة أنه أتي برجل في الغزاة قد سرق
стр. 724
بختية (١) فقال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقطع الأيدي في الغزاة لقطعتك" أخرجه أبو داود وغيره (٢)، وروى سعيد (٣) أن عمر كتب إلى الناس أن لا يجلدن أمير جيش (٤) ولا سرية (٥) رجلًا من المسلمين حدًا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلًا لئلا تلحقه (٦) حمية الشيطان فيلحق بالكفار، وعن أبي الدرداء (٧) مثل ذلك (٨).
بتوبة يسقط حد الشرب ... والزاني والسارق من ذا الضرب
أي (٩): من وجب عليه حد لله تعالى كحد الشرب والزنا والسرقة وتاب منه قبل ثبوته عليه عند الحاكم سقط عنه بمجرد التوبة قبل إصلاح العمل لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٣٩] وفي الحديث: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (١٠)، ولأنه خالص حق الله تعالى فسقط بالتوبة كحد المحارب (١١).
ومن باب القطع في السرقة
وهي أخذ مال الغير من حرزه على وجه الاختفاء، وهو ثابت بالإجماع (١) لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ (٢) فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وحديث عائشة قال ﵇: "تقطع اليد في ربع دينار" (٣) إلى غير ذلك (٤) من النصوص.
ومرتان عندنا الإقرار ... من سارق النصاب الاعتبار
يعني: يعتبر لثبوت (٥) السرقة بالإقرار أن يقر بالسرقة مرتين فلا تثبت بمرة روي عن علي وبه قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف وزفر وابن (٦) شبرمة (٧).
وقال (٨) عطاء والثوري وأبو حنيفة والشافعيُّ ومحمَّد بن الحسن: يقطع
стр. 727
باعترافه (١) مرة كحق (٢) الآدمي (٣).
ولنا ما روي عن أبي أمية المخزومي أن النبي ﷺ أتي بلص (٤) قد اعترف قال: "ما إخالك (٥) سرقت؟ " قال: بلى، قال: فأعاد عليه مرتين قال: بلى، فأمر به فقطع رواه أبو داود (٦)، وعن علي أنه قال لسارق: "سرقت؟ (قال نعم) (٧) قال: فشهد على نفسه (مرتين) (٨) فقطع"، رواه الجوزجاني (٩) ولأنه (١٠) يتضمن اتلافًا فكان من شرطه (١١) التكرار (١٢) كحد الزاني، ويعتبر أيضًا أن يذكر في إقراره شروط (١٣) السرقة (١٤) من النصاب والحرز (١٥) وغير ذلك (١٦).
تتمة: قطع الطريق كالسرقة فلا يثبت بالإقرار إلا إذا أقر به مرتين:
стр. 728
والقوم (١) في النصاب حيث اجتمعوا ... وسرقوه حدهم أن يقطعوا
إن جمعوا في الأخذ أو تفرقوا ... أصحابنا في ذاك لم يفرقوا
يعني: إذا اشترك جماعة في سرقة نصاب قطعوا سواء أخرجوه جملة أو أخرج كل واحد جزءًا وبه قال أبو ثور.
وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعيُّ وإسحاق (٢): لا قطع عليهم إلا أن تبلغ حصة كل واحد منهم نصابًا, لأن كل واحد لم يسرق نصابًا فلم يجب عليهم قطع كما لو انفرد بدون النصاب (٣).
وقال مالك: إن انفرد كل واحد منهم بجزء لم يقطع واحد منهم كما لو انفرد كل واحد من قاطعي اليد بقطع جزء منها لم يجب القصاص (٤).
ولنا: أنهم اشتركوا في هتك الحرز وإخراج النصاب فلزمهم القطع كما لو كان ثقيلًا فحملوه، وفارق القصاص فإنه يعتمد المماثله (ولا توجد المماثلة) (٥) إلا أن توجد أفعال لهم (٦) في جميع أجزاء اليد، وفي مسألتنا القصد الزجر (٧) من غير اعتبار مماثلته (٨)، والحاجة إلى الزجر عن سرقة المال موجودة فوجب القطع، ونصاب السرقة ربع دينار أو ثلاثة دراهم فضة خالصة أو ما يبلغ (٩) قيمة ذلك.
стр. 729
وعندنا فجاحد العارية ... يقطع كالسارق بالسوية
بنصه (١) جزمًا فقوم (٢) صرحوا ... والشيخ في جمع فلا قد صححوا
أي: يقطع جاحد العارية كالسارق، جزم (٣) به جماعة من الأصحاب وهو المذهب قطع به في التنقيح والإقناع والمنتهى وغيرها وهو قول إسحاق (٤).
وصحح الشيخ الموفق والشارح وجماعة لا قطع عليه وهو قول الخرقي وأبي إسحاق بن شاقلا وأبي الخطاب وسائر الفقهاء لقوله ﷺ : "لا قطع على الخائن" (٥)، ولأن الواجب قطع السارق، والخائن ليس بسارق فأشبه جاحد الوديعة وغيرها من الأمانات.
ولنا حديث عائشة: كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي ﷺ بقطع يدها، فأتى أهلها أسامة فكلموه فكلم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "لا (٦) أراك تكلمني في حد من حدود الله"، ثم قام النبي ﷺ خطيبًا فقال: "إنما هلك (٧) من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها"، قالت: فقطع يدها متفق (٨) عليه، قال أحمد: لا أعرف شيئًا يدفعه.
стр. 730
والجواب عنه: بأنها قطعت بسرقتها لا بجحدها لا يلائم (١) سياق الخبر، وأما قوله: إذا سرق فيهم الشريف إلخ .. فلأنه أجرى فعلها مجرى السرقة.
وسارق الثمار من أشجار ... ضمانها بالقيمتين (٢) جاري
كذلك النص أتى في الزرع ... مأخذ هذا فانتفاء القطع (٣)
كذاك في الماشية (٤) الضمان ... من كير حرز أخذها عدوان (٥)
يعني: من سرق ثمرًا من رؤوس شجره (٦) لم يقطع ولو كان عليه حائط وحافظ وهذا قول أكثر الفقهاء، ويضمن عوضه مرتين، وكذا (٧) الكثر وهو الجمار، وبه قال إسحاق لحديث رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: "لا قطع في ثمر ولا كثر" ورواه أحمد وأبو داود والترمذيُّ (٨). وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل النبي عن الثمر المعلق فقال (٩): "من أصاب منه بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة (١٠) فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء فعليه غرامة مثليه" (١١) ولأن الثمار في العادة تسبق اليد إليها فجاز أن تغلظ (١٢) قيمتها على سارقها ردعًا له وزجرًا حيث فاته القطع كما أشار إليه في النظم.
стр. 731
وقوله في الحديث: "غير متخذٍ خبنة" بالخاء المعجمة ثم باء موحدة ثم نون أي: غير متخذ في حجره (١).
وكذا الماشية تسرق من المرعى من غير أن تكون محرزة تضمن بمثلي (٢) قيمتها ولا قطع نص عليه، واحتج بأن عمر أغرم حاطب بن أبي بلتعة (٣) حين نحر غلمانه ناقة رجل من مزينة مثلي قيمتها رواه الأثرم (٤)، وكذا الزرع إذا سرق قبل حصاده فيضمن بعوضه مرتين ولا قطع قياسًا على الثمر والماشية (٥).
والصحيح من المذهب أن (٦) غير (٧) الشجر والنخل والماشية إذا سرقه (٨) من غير حرزه فلا يضمن عوضه إلا مرة واحدة, لأن التضعيف فيها على خلاف القياس للنص (٩). فلا يتجاوز به محل (١٠) النص، ومن سرق نصابًا من الثمر بعد إيوائه الحرز كجرين (١١) ونحوه أو سرق من شجرة في دار محرزة (١٢) قطع ولا تضعيف.
стр. 732
وقال أكثر الفقهاء: الواجب عوضه مرة في الجميع (١) مطلقًا (٢)، واعتذر بعض الشافعية عن الخبر بأنه كان حين كانت العقوبة بالأموال ثم نسخ (٣) وهذه دعوى لا دليل عليها ينهض.
وفرقه من صحبنا (٤) قد ألحقوا ... جميع ما من غير حرز يسرق
أي: ألحق جماعة من أصحابنا بالثمر والماشية جميع ما سرق من غير حرزه في أنه يضمن بقيمته مرتين، اختاره أبو بكر والشيخ تقي الدين (٥)، وجزم (٦) به في الحاوي الصغير وقدمه في المحرر والنظم والقواعد الفقهية، وقالوا (٧) نص عليه قياسًا على الثمر والماشية وتقدم الجواب عنه.
стр. 733
ومن باب التعزير والمرتد والمحاربين
التعزير لغة: المنع ومنه التعزير بمعنى النصرة, لأنه منع لعدوه من أذاه، وشرعًا: التأديب (١) سمي تعزيرًا, لأنه منع (٢) من الجناية.
والمرتد: اسم فاعل من الردة وهي لغة: الرجوع، واصطلاحًا: الكفر بعد الإسلام.
المحاربون: جمع محارب والمراد به قاطع الطريق.
بالضرب فالتعزير (٣) حيث يشرع ... فواجب إيقاعه لا يدفع
معنى البيت: أنه حيث جاء الشرع بالتعزير بالضرب وجب أن (٤) يكون بالضرب وذلك كوطء جارية زوجته حيث أحلتها له كما تقدم، ومن شرب
стр. 734
مسكرًا (١)، في نهار رمضان فإنه يعزر بعشرين سوطًا مع الحد كما روي عن علي (٢)، ومن وطئ أمة مشتركة بينه وبين غيره فإنه يعزر بمائة إلا واحدة (٣)، فيكون التعزير في هذه كما ورد للأخبار (٤).
وأما ما عداها فقال في الشرح وغيره (٥): والتعزير يكون بالضرب (٦) والحبس والتوبيخ، ولا يجوز قطع شيء منه ولا جرحه ولا أخذ شيء من ماله، لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يقتدى به، ولأن الواجب أدبه (٧) والتأديب لا يكون بالإتلاف؛ وإن رأى الإمام العفو عنه جاز.
ما ولد المرتد في ردته ... يرق للقبيح من فعلته
في دار حرب كان أو إسلام ... فالنص فيه عدم الملام
يعني: يجوز استرقاق من ولد بين الزوجين المرتدين سواء كان في دار الإسلام أو الحرب، ويجوز أيضًا إبقاؤه (٨) بجزية (٩) , لأنه تولد بين أبوين كافرين وليس مرتدًا (١٠).
стр. 735
وقال الشافعي: لا يجوز استرقاقهم كآبائهم.
وقال أبو حنيفة: إن ولدوا (١) في "دار الإسلام لم يجز استرقاقهم وفي دار الحرب يجوز (٢).
ولنا: أنه لم يثبت لهم حكم الإسلام فجاز استرقاقهم كولد الحربيين بخلاف آبائهم.
(تنبيه) ظاهر النظم أنه لو كان قبل الردة حملا أن (٣) حكمه حكم ما لو حملت به بعد الردة وهو أحد وجهين (٤)، وظاهر كلام الخرقي واختاره في المغني والشرح وجزم به في الوجيز وغيره وقدمه في الرعايتين والحاوي الصغير.
والصحيح من المذهب: أنه لا يسترق من كان قبل الرده حملًا، لأنه (٥) محكوم بإسلامه تبعًا لأبويه (٦) ولا يتبعهما في الرده, لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه وجزم به في الكافي وقدمه في الفروع وهو ظاهر ما جزم به في المحرر.
نفي المحاربين حيث يشرع ... في بلد إذا أقاموا يمنعوا
تشريدهم (٧) في سائر البلاد ... والحبس لا يفيء بالمراد
يعني: أن المحارب إن لم يقتل ولم يأخذ مالًا نُفي وشرد ولو قِنًا فلا يترك يأوي إلى بلد حتى تظهر توبته ولا يكفي حبسه وتنفى (٨) الجماعة متفرقين (٩) وهو قول النخعي وقتادة وعطاء الخراساني.
стр. 736
وقال مالك: يحبس في البلد الذي نفي إليه كقوله في الزاني.
وقال أبو حنيفة: نفيه حبسه حتى يحدث توبة (١).
وقال الشافعي (٢): يعزرهم الإمام وإن رأى أن يحبسهم حبسهم (٣)(٤).
ولنا: قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] والنفي هو التشريد (٥).
стр. 737
من باب الأشربة والأطعمة
الأشربه: جمع شراب واشتهر إطلاقه على ما يحرم منه والأطعمة: جمع طعام وهو ما يؤكل ويشرب، والأصل فيها الحل لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وقوله تعالى (١): ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
على العصير إن مضت أيام ... ثلاثة فشربه (٢) حرام
لو لم يكن يسكر أو لم يغل ... كذا النبيذ مثله في النقل
إذا غلى العصير كغليان القدر وقذف (٣) بزبده (٤) فلا خلاف في تحريمه وإن لم تأت (٥) عليه ثلاثة أيام، وإن لم يغل وأتت عليه ثلاثة أيام بلياليهن (٦) فهو حرام، قال أحمد: اشربه ثلاثة (٧) ما لم يغل فإذا (٨) أتت عليه أكثر من ثلاثة أيام فلا تشربه.
стр. 738
وأكثر أهل العلم يقولون: إنه مباح ما لم يغل ويسكر لقول رسول الله ﷺ :"اشربوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرًا" رواه أبو داود (١)، ولأن علة تحريمه الشدة المطربة وإنما هي في المسكر (٢) خاصة.
ولنا: ما روى الشالنجي (٣) بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: "اشربوا العصير ثلاثًا ما لم يغل" (٤) وقال ابن عمر: اشربه ما لم يأخذه شيطانه قيل: وفي كم يأخذه شيطانه؟ قال في ثلاث: (٥) ولأن الشدة تحصل في الثلاث (٦) غالبًا وهي خفية (٧) تحتاج إلى ضابط فجاز جعل الثلاث ضابطًا لها.
والنبيذ:- ماء يلقى فيه تمر أو زبيب أو نحوهما ليحلو به الماء وتذهب ملوحته كالعصير فلا بأس به ما لم يغل أو (٨) تأت عليه ثلاثة أيام لما روي عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ كان ينبذ الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة ثم يأمر به فيسقى الخدم أو يهراق"، رواه أبو داود (٩)
стр. 739
فإن غلا أو أتى عليه ثلاثة أيام بلياليهن (١) حرم لما تقدم.
وشرب خمر مطلقًا محرم ... لا لدوا أو عطش (٢) ما سلموا
أي: لا يجوز شرب الخمر للذة ولا لتداو ولا لعطش (٣) ولا لغيره إلا أن يضطر إليه لدفع لقمة غص بها فيجوز إن لم يجد غيره (٤).
وقال أبو حنيفة: يباح شربها للتداوي والعطش (٥).
وللشافعي فيه (٦) وجهان كالمذهبين، وله وجه ثالث تباح (٧) للتداوي دون العطش (٨) , لأنها حال ضرورة فأبيح فيها كدفع الغصة (٩).
ولنا: ما روى أحمد بإسناده عن طارق بن سويد أنه سأل النبي ﷺ وقال: إنما أصنعها (١٠) للدواء (١١)، فقال: "إنه ليس بدواء ولكنه داء" (١٢)، وبإسناده إلى أم سلمة أنه ﵇ قال: "إن الله لم يجعل فيما حرم عليكم شفاء" (١٣)، ولأنه
стр. 740
محرم لعينه فلم يبح للتداوي كلحم (١) الخنزير، والعطش لا يندفع به فلم يبح بخلاف ماء نجس (٢) فإن فيه رطوبة تدفعه.
جلالة من سائر الأجناس (٣) ... تنجس أو تصد (٤) بالأحباس
ولحمها يحرم شرب (٥) اللبن ... كذاك والبيض فأيضًا قد عني
أي: تحرم الجلالة وهي التي أكثر علفها النجاسة وكذا لبنها وبيضها ما لم تحبس ثلاثًا وتطعم الطاهر وتمنع من النجاسة طائرًا كانت أو بهيمة (٦)(٧).
وقال الشافعي: هي مكروهة غير محرمة.
وكره أبو حنيفة لحومها والعمل (٨) عليها حتى تحبس (٩).
ورخص الحسن في لحومها وألبانها, لأن الحيوان لا ينجس بأكل النجاسات بدليل أن شارب الخمر لا نحكم (١٠) بتنجس (١١) أعضائه، والكافر