← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6549

تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري

أبو القاسم ابن عساكر

Полный текст (410 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ذكر بعض الْمَشْهُورين من الطَّبَقَة الرَّابِعَة المستبصرين بتبصيره وإيضاحه فِي الِاقْتِدَاء والمتابعة فَمنهمْ أَبُو بكر الببغدادي الْحَافِظ الْمَعْرُوف بالخطيب ﵀ قَرَأت على الشَّيْخ أَبِي مُحَمَّد عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ الْخضر السّلمِيّ بِدِمَشْقَ عَنْ أَبِي نصر عَليّ بن هِبَة اللَّهِ بن عَلِيِّ بْنِ جَعْفَر الْحَافِظ الْمَعْرُوف بابْن مَاكُولَا قَالَ إِن أَبَا بكر أَحْمد بن عَليّ بْنِ ثَابت الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ كَانَ أحد الْأَعْيَان مِمَّن شاهدنَاه معرفَة وإتقانَا وحفظا وضبطا لحَدِيث رَسُول اللَّهِ ﷺ وتفننًا فِي علله وَأَسَانِيده وخبرة برواته ونَاقليه وعلما بصحيحه وغريبه وفرده ومنكره وسقيمه ومطروحه وَلم يكن للبغداديين بعد أَبِي الْحسن عَليّ بن عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيّ من يجْرِي مجْرَاه وَلَا قَامَ بعده مِنْهُم بِهَذَا الشَّأْن سواهُ وَقد استفدنَا كثيرا من هَذَا الْيَسِير الَّذِي نحسنه بِهِ وَعنهُ وتعلمنَا شطرا من هَذَا الْقَلِيل الَّذِي نعرفه بتنبيهه وَمِنْه فجزاه اللَّه تَعَالَى عنَّا الْخَيْر ولقاه الْحسنى وَلِجَمِيعِ مشايخنَا وأئمتنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين أنبأنَا الشَّيْخ أَبُو الْفرج بن أَبِي الْحسن ابْن الأرمنازي قَالَ ثَنَا أَبُو الْفرج الاسفرايني قَالَ كَانَ الشَّيْخ أَبُو بكر الْخَطِيب معنَا فِي طَرِيق الْحَج فَكَانَ يخْتم كل يَوْم ختمة إِلَى قرب الغياب قِرَاءَة بترتيل ثمَّ يجْتَمع عَلَيْهِ النَّاس وَهُوَ رَاكب يَقُولُونَ حَدَّثَنَا فيحدثهم أَو كَمَا قَالَ وَقَالَ أَبُو الْفرج أَيْضا قَالَ ابو الْقسم مكي بن عَبْدِ السَّلَام الْمَقْدِسِي كنت نَائما فِي منزل الشَّيْخ أَبِي الْحسن بن الزَّعْفَرَانِي

стр. 247

بِبَغْدَادَ لَيْلَة الْأَحَد الثَّانِي عشر من شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة فَرَأَيْت فِي المنَام عِنْد السحر كأنا اجتمعنَا عِنْد الشَّيْخ الإِمَام أَبِي بكر الْخَطِيب فِي منزله بِبَاب الْمَرَاتِب لقِرَاءَة التَّارِيخ على الْعَادة فَكَأَن الشَّيْخ الإِمَام أَبَا بكر جَالس وَالشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو الْفَتْحِ نصر بن إِبْرَاهِيمَ عَن يَمِينه وَعَن يَمِين الْفَقِيه نصر رجل جَالس لم أعرفهُ فَسَأَلت عَنهُ فَقلت من هَذَا الرجل الَّذِي لم تجر عَادَته بالحضور معنَا فَقيل لي هَذَا رَسُول اللَّه ﷺ جَاءَ ليسمع التَّارِيخ فَقلت فِي نَفسِي هَذِهِ جلالة للشَّيْخ أَبِي بكر إِذْ يحضر النَّبِي ﷺ مَجْلِسه وَقلت فِي نَفسِي وَهَذَا أَيْضا رد لقَوْل من يعيب بالتاريخ وَيذكر أَن فِيهِ تحاملا على أَقوام وشغلني التفكر فِي هَذَا عَن النهوض إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ وسؤاله عَن أَشْيَاء كنت قد قلت فِي نَفسِي أسأله عَنْهَا فانتبهت فِي الْحَال وَلم ُأكَلِّمهُ ﷺ قَرَأت بِخَط الشَّيْخ الْأمين أَبِي الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خيرون الباقلاني بَغْدَاد سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة مَاتَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابت بن أَحْمَدَ بْنِ مهْدي الْخَطِيب الْحَافِظ ضحوة نَهَار يَوْم الِاثْنَيْنِ وَدفن يَوْم الثُّلَاثَاء من ذِي الْحجَّة بِبَاب حَرْب إِلَى جنب بشر بن الْحَرْث وَصلى عَلَيْهِ فِي جَامع الْمَنْصُور وَصلى عَلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ وَتصدق بِجَمِيعِ مَاله وَهُوَ مايتا دينَار وَفرق ذَلِك على أَصْحَاب الحَدِيث وَالْفُقَهَاء والفقراء فِي مَرضه ووصى أَن يتَصَدَّق بِجَمِيعِ مَا يخلفه من ثِيَاب وَغَيرهَا وأوقف جَمِيع كتبه على الْمُسلمين وأخرجت جنَازته من حجرَة تلِي الْمدرسَة

стр. 248

النظامية من نهر مُعلى وَتَبعهُ الْفُقَهَاء والخلق الْعَظِيم وحملت الجنَازة وَعبر بهَا على الجسر وحملت إِلَى جَامع الْمَنْصُور وَكَانَ بَين يَدي الجنَازة جمَاعَة ينَادون هَذَا الَّذِي كَانَ يذب عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ هَذَا الَّذِي كَانَ يَنْفِي الْكَذِب عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذَا الَّذِي كَانَ يحفظ حَدِيث رَسُول اللَّه ﷺ وَعبر بالجنَازة فِي الكرخ وَمَعَهَا الْخلق الْعَظِيم وَكَانَ اجْتِمَاع النَّاس فِي جَامع الْمَنْصُور وَحضر جَمِيع الْفُقَهَاء وَأهل الْعلم ونقيب النُّقَبَاء وَتبع الجنَازة خلق عَظِيم إِلَى بَاب حَرْب وَختم على الْقَبْر ختمات ﵁ وَغفر لَهُ وألحقه بعباده الصَّالِحين فَلَقَد انتهي إِلَيْهِ علم الحَدِيث وَحفظه لَهُ سِتّ وَخَمْسُونَ مصنفا فِي علم الحَدِيث فَمِنْهَا تَارِيخ بَغْدَاد مائَة وَسِتَّة أَجزَاء ولد سنة إِحْدَى وَتِسْعين وثلاثمائة أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ ألامين أَبُو مُحَمَّد هِبَة اللَّهِ بن أَحْمَدَ الْأَكْفَانِيِّ قَالَ ثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الكتاني الْحَافِظ قَالَ وَردت كتب جمَاعَة من بَغْدَاد إِلَى دمشق كل وَاحِد يذكر فِي كِتَابَة أَن الإِمَام الْحَافِظ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابت بن أَحْمَدَ بْنِ مهْدي الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ ﵀ توفّي يَوْم الِاثْنَيْنِ ضحى نَهَار السَّابِع من ذِي الْحجَّة من سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ واربعمائة وَحمل يَوْم الثُّلَاثَاء الى جَانب الغربي وَدفن بِالْقربِ من قبر أَحْمد بن حَنْبَل عِنْد قبر بشر بن الْحَرْث رحمهمَا اللَّه وَكَانَ أحد من حمل جنَازته الْفَقِيه الإِمَام أَبُو اسحق إِبْرَاهِيم ابْن عَليّ الشِّيرَازِيّ وَأَنه كَانَ مَعَه مايتا دينَار فَتصدق بهَا فِي علته فَانْتهى فراغها بِمَوْتِهِ وَكَانَ ﵀ يذكر أَنه ولد يَوْم الْخَمِيس لست بَقينَ من

стр. 249

جمادي الْآخِرَة من سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وثلاثمائة وَأَنه أسمع الحَدِيث وَهُوَ ابْن عشْرين سنة وَكتب عَنهُ شَيْخه أَبُو الْقسم الْأَزْهَرِي عبيد الله ابْن أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَكتب عَنهُ شَيْخه أَبُو بكر أَحْمد ابْن مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ غَالب البرقاني الْخَوَارِزْمِيّ الْحَافِظ فِي سنة تسع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ قد علق الْفِقْه عَن الْقَاضِي أَبِي الطّيب طَاهِر بن عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيّ وَأبي نصر بن الصّباغ وَكَانَ يذهب إِلَى مَذْهَب أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ ﵀ زادنَا أَبُو مُحَمَّد بن الْأَكْفَانِيِّ وَكَانَ قد رَحل إِلَى نيسابور وأصبهان وَالْبَصْرَة وَغَيرهَا وَكَانَ مكثرا من الحَدِيث عانيا بجمعه ثِقَة حَافِظًا متقنًا متيقظا متحمدا مصنفا ﵀ وَرَضي عَنهُ وَمِنْهُم الْأُسْتَاذ أَبُو الْقسم الْقشيرِي النَّيْسَابُورِي ثمَّ الاستوائي أخبرنَا الشَّيْخَانِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُور وأَبُو مَنْصُور مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَسَنِ قَالا قَالَ لنَا الشَّيْخ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظ عبد الْكَرِيم بن هوَازن بن عَبْدِ الْمَلِكِ بن طَلْحَة بن مُحَمَّد أَبُو الْقسم الْقشيرِي النَّيْسَابُورِي سمع أَحْمد بن مُحَمَّدِ بْنِ عمر الْخفاف ومُحَمَّد بن أَحْمد ابْن عَبدُوس الْمُزَكي وَأَبا نعيم عبد الْملك بن الْحسن الإسفرايني وَعبد الرَّحِيم بن إِبْرَاهِيمَ بن مُحَمَّد الْمُزَكي ومُحَمَّد بن الْحَسَنِ بن فورك وَالْحَاكِم أَبَا عَبْد الله بن البيع ومُحَمَّد بن الْحَسَنِ الْعلوِي وَأَبا عَبْد الرَّحْمَنِ السّلمِيّ وَقدم علينَا فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَحدث بِبَغْدَادَ وكتبْنَا عَنهُ وَكَانَ يعظ وَكَانَ حسن الموعظة مليح الْإِشَارَة وَكَانَ يعرف الْأُصُول

стр. 250

على مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ وَالْفُرُوع على مَذْهَب الشَّافِعِي سَأَلت الْقشيرِي عَن مولده فَقَالَ فِي ربيع الأول من سنة سِتّ وَسبعين وثلاثماية كَانَ يَنْبَغِي أَن يكون فِي الطَّبَقَة الثَّالِثَة وَإِنَّمَا أَخَّرته لتأخر وَفَاته كتب إِلَى الشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ عبد الغافر بن إِسْمَاعِيلَ الْفَارِسِي قَالَ عبد الْكَرِيم بن هوَازن بن عَبْدِ الْمَلِكِ بن طَلْحَة بن مُحَمَّد الْقشيرِي أَبُو الْقسم الإِمَام مُطلقًا الْفَقِيه الْمُتَكَلّم الأصولي الْمُفَسّر الأديب النَّحْوِيّ الْكَاتِب الشَّاعِر لِسَان عصره وَسيد وقته وسر اللَّه بَين خلقه شيخ الْمَشَايِخ وأستاذ الْجَمَاعَة ومقدم الطَّائِفَة ومقصود سالكي الطَّرِيقَة وَبُنْدَار الْحَقِيقَة وَعين السَّعَادَة وقطب السِّيَادَة وَحَقِيقَة الملاحة لم ير مثل نَفسه وَلَا رأى الرأوون مثله فِي كَمَاله وبراعته جمع من علم الشَّرِيعَة والحقيقة وَشرح أحسن الشَّرْح أصُول الطَّرِيقَة أَصله من نَاحية استوا من الْعَرَب الَّذين وردوا خُرَاسَان وَسَكنُوا النواحي فَهُوَ قشيري الْأَب سلمي الْأُم وخاله أَبُو عقيل السّلمِيّ من وُجُوه دهاقين نَاحية استوا توفى أَبُوه وَهُوَ طِفْل فَوَقع الى ابي الْقسم الأليماني فَقَرَأَ الْأَدَب والعربية عَلَيْهِ بِسَبَب اتِّصَاله بهم وَقَرَأَ على غَيره وَحضر الْبَلَد وَاتفقَ حُضُوره مجْلِس الْأُسْتَاذ الشَّهِيد أَبِي عَليّ الْحسن بن عَليّ الدقاق وَكَانَ لِسَان وقته فَاسْتحْسن كَلَامه وسلك طَرِيق الْإِرَادَة فَقبله الْأُسْتَاذ وَأَشَارَ عَلَيْهِ بتَعَلُّم الْعلم فَخرج إِلَى درس الشَّيْخ الإِمَام أَبِي بكر مُحَمَّد بن بكر الطوسي وَشرع فِي الْفِقْه حَتَّى فرغ من التَّعْلِيق ثمَّ اخْتلف بإشارته إِلَى الْأُسْتَاذ الإِمَام أبي بكر ابْن فورك وَكَانَ الْمُقدم فِي الْأُصُول حَتَّى حصلها وبرع فِيهَا وَصَارَ من

стр. 251

أوجه تلامذته وأشدهم تَحْقِيقا وضبطا وَقَرَأَ عَلَيْهِ أصُول الْفِقْه وَفرغ مِنْهُ وَبعد وَفَاة الْأُسْتَاذ أَبِي بكر اخْتلف إِلَى الْأُسْتَاذ أَبِي اسحق الإسفرايني وَقعد يسمع جَمِيع دروسه وأتى عَلَيْهِ أَيَّام فَقَالَ لَهُ الْأُسْتَاذ هَذَا الْعلم لَا يحصل بلسماع وَمَا توهم فِيهِ ضبط مَا يسمع فَأَعَادَ عِنْده مَا سَمعه مِنْهُ وَقَررهُ أحسن تَقْرِير من غير إخلال بِشَيْء فتعجب مِنْهُ وَعرف مَحَله وأكرمه وَقَالَ مَا كنت أدرى أَنَّك بلغت هَذَا الْمحل فلست تحْتَاج إِلَى درسي بل يَكْفِيك أَن تطالع مصنفاتي وَتنظر فِي طريقي وَإِن شكل عَلَيْك شَيْء طالعتني بِهِ فَفعل ذَلِك وَجمع بَين طَرِيقَته وَطَرِيقَة ابْن فورك ثمَّ نظر بعد ذَلِك فِي كتب الْقَاضِي أَبِي بكر بن الطّيب وَهُوَ مَعَ ذَلِك يحضر مجْلِس الْأُسْتَاذ أَبِي عَليّ إِلَى أَن اخْتَارَهُ لكريمته فَزَوجهَا مِنْهُ وَبعد وَفَاة الْأُسْتَاذ عَاشر أَبَا عَبْد الرَّحْمَنِ السّلمِيّ إِلَى أَن صَار أستاذ خُرَاسَان وَأخذ فِي التصنيف فصنف التَّفْسِير الْكَبِير قبل الْعشْر وَأَرْبَعمِائَة ورتب الْمجَالِس وَخرج إِلَى الْحَج فِي رفْقَة فِيهَا الإِمَام أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَالشَّيْخ أَحْمد الْبَيْهَقِيّ وَجَمَاعَة من الْمَشَاهِير فَسمع مَعَهم الحَدِيث بِبَغْدَادَ والحجاز من مَشَايِخ عصره وَكَانَ فِي علم الفروسية وَاسْتِعْمَال السِّلَاح وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من أَفْرَاد الْعَصْر وَله فِي ذَلِك الْفَنّ دقائق وعلوم انْفَرد بهَا وَأما الْمجَالِس فِي التَّذْكِير وَالْقعُود فِيمَا بَين المريدين وأسئلتهم عَن الوقايع وخوضه فِي الْأَجْوِبَة وجريان الْأَحْوَال العجيبة فَكلهَا مِنْهُ وَإِلَيْهِ أجمع أهل الْعَصْر على أَنه عديم النظير فِيهَا غير مشارك فِي أساليب الْكَلَام على الْمسَائِل وتطييب الْقُلُوب والإشارات اللطيفة المستنبطة من

стр. 252

الْآيَات وَالْأَخْبَار من كَلَام الْمَشَايِخ والرموز الدقيقة وتصانيفه فِيهَا الْمَشْهُورَة إِلَى غير ذَلِك من نظم الْأَشْعَار اللطيفة على لِسَان الطَّرِيقَة وَلَقَد عقد لنَفسِهِ مجْلِس الْإِمْلَاء فِي الحَدِيث سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة فَكَانَ يملي إِلَى خمس وَسِتِّينَ يذّنب أَمَالِيهِ بأبياته وَرُبمَا يتَكَلَّم على الحَدِيث بإشاراته ولطائفه وَله فِي الْكِتَابَة طَريقَة أنيقة رشيقة تبز على النّظم وَلَقَد قَرَأت فصلا ذكره عَليّ بن الْحَسَنِ فِي دمية الْقصر وَهُوَ أَن قَالَ الإِمَام زين الْإِسْلَام أَبُو الْقسم جَامع لأنواع المحاسن تنقاد لَهُ صعابها ذلل المراسن وَلَو قرع الصخر بِسَوْط تحذيره لذاب وَلَو ربط إِبْلِيس فِي مجْلِس تذكيره لتاب وَله فصل الْخطاب فِي فضل الْمنطق المستطاب ماهر فِي التَّكَلُّم على مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ خَارج فِي إحاطته بالعلوم عَن الْحَد البشري كَلِمَاته للمستفيدين فرائد وفوائد وعتبات منبره للعارفين وسائد وَله شعر يتتوج بِهِ رُؤُوس معاليه إِذَا ختمت بِهِ أذنَاب أَمَالِيهِ قَالَ عبد الغافر وَقد أَخذ طَرِيق التصوف من الْأُسْتَاذ أَبِي عَليّ الدقاق وَأَخذهَا أَبُو على عَن أبي الْقسم النَّصْر أباذي والنصر أباذي عَن الشبلي والشبلي عَن الْجُنَيْد والجنيد عَن السّري السَّقطِي وَالسري عَن مَعْرُوف الْكَرْخِي ومعروف عَن دَاوُد الطَّائِي وَدَاوُد لَقِي التَّابِعين هَكَذَا كَانَ يذكر إسنَاد طَرِيقَته وَمن جملَة أَحْوَاله مَا خص بِهِ من المحنة فِي الدّين والاعتقاد وَظُهُور التعصب بَين الْفَرِيقَيْنِ فِي عشر سنة أَرْبَعِينَ إِلَى خمس وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وميل بعض الْوُلَاة إِلَى الْأَهْوَاء وسعي بعض الرؤساء والقضاة إِلَيْهِ بالتخليط حَتَّى أدّى ذَلِك إِلَى رفع الْمجَالِس وتفرق شَمل

стр. 253

الْأَصْحَاب وَكَانَ هُوَ الْمَقْصُود من بَينهم حسدا حَتَّى اضطرته الْحَال إِلَى مُفَارقَة الأوطان وامتد فِي أثنَاء ذَلِك إِلَى بَغْدَاد وَورد على أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَائِم بِأَمْر اللَّه وَلَقي فِيهَا قبولا وَعقد لَهُ الْمجْلس فِي منَازله المختصة بِهِ وَكَانَ ذَلِك بِمحضر ومرأى مِنْهُ وَوَقع كَلَامه من مَجْلِسه الْموقع وَخرج الْأَمر بإعزازه وإكرامه وَعَاد إِلَى نيسابور وَكَانَ يخْتَلف مِنْهَا إِلَى طوس بأَهْله وَبَعض أَوْلَاده حَتَّى طلع صبح النّوبَة الْمُبَارَكَة دولة السُّلْطَان ألب أرسلان فِي سنة خمس وَخمسين وأربعماية فَبَقيَ عشر سِنِين فِي آخر عمره مرفها مُحْتَرما مُطَاعًا مُعظما وَأكْثر صَفوه فِي آخر أَيَّامه الَّتِي شاهدنَاه فِيهَا أخيرا إِلَى أَن يقْرَأ عَلَيْهِ كتبه وَالْأَحَادِيث المسموعة لَهُ وَمَا يؤول إِلَى نصْرَة الْمَذْهَب بلغ المنتمون إلية آلافا ملؤا بِذكرِهِ وتصانيفه أطرافا وَمن نثره الْكَرم أَطَالَ اللَّه بَقَاء الشَّيْخ يهدي المتوسم إِلَى صَاحبه وَيَقْضِي للمؤمل بنجح مطالبه وَإِنِّي أجلت صواعد قصدي فِي كل قطر أَشْيَم برق الْحُرِّيَّة وأعملت قواصد فكري فِي كل نَحْو استنشق نسيم الفتوة فَمَا فاح إِلَّا من بَابه نشره ومالاح إِلَّا من جنَابه بشره فتعرفت إِلَيْهِ بِأَنِّي مِمَّن هداه إِلَى وده بَقَاء عَهده وحداه على قَصده ضِيَاء مجده وَأَرْجُو أَنه إِذَا عجم عود ولائي أستصلبه وَإِذا قيد قلبِي بإحسانه مَا سيبه وَالله عزوجل يديم تَمْكِينه ويحرس عَن الْغَيْر نعْمَته دينه بمنه إِن وجد الشَّيْخ فِي مجْلِس العميد فراغا وللمنطق مساغا طالعه بِأَن فلَانا إِلَى الْبَاب مُتَرَدّد وبإقامة رسم الزِّيَارَة مستعد وَلَيْسَ يشكو تحمله خجلة الْحجاب وَلكنه يشكو تجمله بِحُضُور الْبَاب وَالسَّلَام توفّي صَبِيحَة يَوْم الْأَحَد قبل طُلُوع

стр. 254

الشَّمْس السَّادِس عشر من شهر ربيع الآخر سنة خمس وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَدفن فِي الْمدرسَة بِجنب الْأُسْتَاذ أَبِي على الدقاق وَمِنْهُم أَبُو عَليّ بن أبي حريصة الهمذاني الدِّمَشْقِي الْفَقِيه ﵀ قَالَ لي الشَّيْخ الْأمين أَبُو مُحَمَّد هِبَة اللَّهِ بن أَحْمَدَ الْأَكْفَانِيِّ توفى أَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن أَحْمَدَ بْنِ المظفر بن أَحْمَدَ بن سُلَيْمَان بن المتَوَكل بن أَبِي حريصة الْهَمدَانِي ﵀ يَوْم الثُّلَاثَاء السَّادِس وَالْعِشْرين من الْمحرم من سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ قد كتب الْكثير وَحدث باليسير وَكَانَ فَقِيها على مَذْهَب مَالك وَيذْهب مَذْهَب أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَمِنْهُم أَبُو المظفر الإسفرايني الْفَقِيه ﵀ كتب إِلَيَّ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ عبد الغافر بن إِسْمَاعِيلَ الْفَارِسِي قَالَ شاهفور بن طَاهِر بن مُحَمَّد الإسفرايني أَبُو المظفر الإِمَام الْكَامِل الْفَقِيه الأصولي الْمُفَسّر ارتبطه نظام الْملك بطوس وَتوفى سنة إِحْدَى وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَمِنْهُم الشَّيْخ أَبُو اسحق إِبْرَاهِيم بن عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ الشِّيرَازِيّ ثمَّ الفيروز أباذي الْفَقِيه الزَّاهِد والنَّاسك العابد ذُو التصانيف الْحَسَنَة والتواليف المستحسنة سكن بَغْدَاد وَسمع الحَدِيث بهَا من أَبِي عَليّ ابْن شَاذان وَأبي بكر البرقاني وَغَيرهمَا وتفقه على جمَاعَة مِنْهُم الْقَاضِي أَبُو

стр. 255

الطّيب الطَّبَرِيّ وأَبُو أَحْمد عبد الْوَهَّاب بن مُحَمَّدِ بْنِ عمر بن مُحَمَّدِ بْنِ رامين وأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْبَيْضَاوِيّ وأَبُو الْقسم مَنْصُور بن عُمَرَ الْكَرْخِي البغداديون وَأَبُو حَاتِم مَحْمُود بن الْحَسَنِ الطَّبَرِيّ وأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عمر الشِّيرَازِيّ وَغَيرهم درس بِبَغْدَادَ بِالْمَدْرَسَةِ النظامية وَهُوَ صَاحب كتاب الْمُهَذّب وَكتاب التَّنْبِيه فِي الْمَذْهَب والنكت فِي الْخلاف واللمع فِي أصُول الْفِقْه وَغير ذَلِك من الْكتب وَكَانَ يَظُن بِهِ بعض من لَا يفهم أَنه مُخَالف للأشعري لقَوْله فِي كِتَابه فِي أصُول الْفِقْه وَقَالَت الأشعرية أَن الْأَمر لَا صِيغَة لَهُ وَلَيْسَ ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يعْتَقد اعْتِقَاده وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ خَالفه فِي هَذِه المسئلة بِعَينهَا كَمَا خَالفه غَيره من الْفُقَهَاء فِيهَا فَأَرَادَ أَن يبين فِيهَا ان هَذِه المسئلة مِمَّا انْفَرد بهَا أَبُو الْحَسَنِ وَقد ذكرنَا فِي كتابنَا هَذَا عَنهُ فتواه فِيمَن خَالف الأشعرية واعتقد تبديعهم وَذَلِكَ أوفى دَلِيل على أَنه مِنْهُم وجدت بِخَط أخي أَبِي الْحُسَيْن هِبَة اللَّهِ بْنُ الْحسن بن هبة اللَّه للرئيس أَبِي الْخطاب عَليّ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عِيسَى بن عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بن دَاوُد بن الْجراح الْكَاتِب الْبَغْدَادِيّ فِي الشَّيْخ أبي اسحق إِبْرَاهِيم بن عَليّ الشِّيرَازِيّ ﵀ ... سقيا لمن ألف التَّنْبِيه مُخْتَصرا أَلْفَاظه الغر واستقصى معانيهِ إِن الإِمَام أَبَا اسحق صنفه لِلَّه وَالدّين لَا للكبر والتيه رأى علوما عَن الأفهام شاردة فحازها ابْن عَليّ كلهَا فِيهِ لازلت للشَّرْع إِبْرَاهِيم منتصرا تذود عَنهُ أعاديه وتحميه ...

стр. 256

أنشدنا أَبُو الْقسم إِسْمَاعِيل بن أَحْمد السَّمَرْقَنْدِيِّ بِبَغْدَادَ قَالَ أنشدنَا الشَّيْخ الإِمَام أَبُو اسحق الشِّيرَازِيّ لنَفسِهِ ... سألتُ النَّاس عَن خل وَفِي فقَالُوا مَا إِلَى هَذَا سَبِيل تمسك إِن ظَفرت بود حر فَإِن الْحر فِي الدُّنْيَا قَلِيل ... أَخْبَرنِي أَبُو مُحَمَّدٍ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَحْمد بن الْأَكْفَانِيِّ قَالَ توفى الإِمَام أَبُو إِسْحَق إِبْرَاهِيم عَليّ بن يُوسُف الفيروز أباذي الشَّافِعِي ﵀ فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَقَالَ فِي مَوضِع آخر فِي لَيْلَة الْأَحَد الْحَادِي وَعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة وَمِنْهُم الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ النَّيْسَابُورِي ﵀ أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أبي عبد الله بن أبي الْحُسَيْن الأديب فِي كِتَابه قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الْجُوَيْنِيّ أَبُو الْمَعَالِي ابْن ركن الْإِسْلَام أَبِي مُحَمَّد إِمَام الْحَرَمَيْنِ فَخر الْإِسْلَام إِمَام الْأَئِمَّة على الْإِطْلَاق حبر الشَّرِيعَة الْمجمع على إِمَامَته شرقا وغربا الْمقر بفضله السراة والحراة عجما وعربا من لم تَرَ الْعُيُون مثله قبله وَلَا ترى بعده رباه حجر الْإِمَامَة وحرك ساعد السَّعَادَة مهده وأرضعه ثدي الْعلم والورع إِلَى أَن ترعرع فِيهِ ويفع أَخذ من الْعَرَبيَّة وَمَا يتَعَلَّق بهَا أوفر حَظّ وَنصِيب فَزَاد فِيهَا على كل أديب ورزق من التَّوَسُّع فِي الْعبارَة وعلوها مَا لم يعْهَد من غَيره حَتَّى أنسى ذكر سحبان وفَاق فِيهَا الأقران وَحمل الْقُرْآن وأعجز الفصحاء

стр. 257

اللد وَجَاوَزَ الْوَصْف وَالْحَد وكل من سمع خَبره أَو رأى أَثَره فَإِذا شَاهده أقرّ بِأَن خَبره يزِيد كثيرا على الْخَبَر ويبز على مَا عهد من الْأَثر وَكَانَ يذكر دورسا يَقع كل وَاحِد مِنْهَا فِي أطباق وأوراق لَا يتلعثم فِي كلمة وَلَا يحْتَاج إِلَى إستدراك عَثْرَة مرًّا فِيهَا كالبرق الخاطف بِصَوْت مُطَابق كالرعد القاصف ينزف فِيهِ المبرزون وَلَا يدْرك شأوه المتشدقون المتعمقون وَمَا يُوجد مِنْهُ فِي كتبه من الْعبارَات الْبَالِغَة كنه الفصاحة غيض من فيض مَا كَانَ على لِسَانه وغرفة من أمواج مَا كَانَ يعْهَد من بَيَانه تفقه فِي صباه على وَالِده ركن الْإِسْلَام فَكَانَ يزهي بطلعه وتحصيله وجودة قريحته وكياسة غريزته لما يرى فِيهِ من المخايل فخلفه فِيهِ من بعد وَفَاته وأتى على جَمِيع مصنفاته فقلبها ظهرا لبطن وَتصرف فِيهَا وَخرج الْمسَائِل بَعْضهَا على بعض ودرس سِنِين وَلم يرض فِي شبابه بتقليد وَالِده وَأَصْحَابه حَتَّى أَخذ فِي التَّحْقِيق وجد واجتهد فِي الْمَذْهَب وَالْخلاف ومجالس النّظر حَتَّى ظَهرت نجابته ولاح على إيامه همة أَبِيه وفراسته وسلك طَرِيق المباحثة وَجمع الطّرق بالمطالعة والمنَاظرة والمنَاقشة حَتَّى أربي على الْمُتَقَدِّمين وأنسى تَصَرُّفَات الْأَوَّلين وسعى فِي دين اللَّه سعيا يبقي أَثَره إِلَى يَوْم الدّين وَمن إبتداء أمره أَنه لما توفى أَبُوه كَانَ سنه دون الْعشْرين أَو قَرِيبا مِنْهُ فَأقْعدَ مَكَانَهُ للتدريس فَكَانَ يُقيم الرَّسْم فِي درسه وَيقوم مِنْهُ وَيخرج إِلَى مدرسة الْبَيْهَقِيّ حَتَّى حصل الْأُصُول وأصول الْفِقْه على الْأُسْتَاذ الإِمَام أبي الْقسم الإسكاف الإسفرايني وَكَانَ يواظب على مَجْلِسه وَقد سمعته يَقُول فِي أثنَاء كَلَامه كنت علقت عَلَيْهِ

стр. 258

فِي الْأُصُول أَجزَاء مَعْدُودَة وطالعت فِي نَفسِي مائَة مجلدة وَكَانَ يصل اللَّيْل بِالنَّهَارِ فِي التَّحْصِيل حَتَّى فرغ مِنْهُ ويبكر كل يَوْم قبل الِاشْتِغَال بدرس نَفسه إِلَى مَسْجِد الْأُسْتَاذ أَبِي عَبْد اللَّهِ الْخَبَّازِي يقْرَأ عَلَيْهِ الْقُرْآن ويقتبس من كل نوع من الْعُلُوم مَا يُمكنهُ مَعَ مواظبته على التدريس وَينْفق مَا وَرثهُ وَمَا كَانَ لَهُ من الدخل على أجراء المتفقهة ويجتهد فِي ذَلِك ويواظب على المناظرة إِلَى أَن ظهر التعصب بَين الْفَرِيقَيْنِ واضطربت الْأَحْوَال والأمور فاضطر إِلَى السّفر وَالْخُرُوج عَن الْبَلَد فَخرج مَعَ الْمَشَايِخ إِلَى المعسكر وَخرج إِلَى بَغْدَاد يطوف مَعَ المعسكر ويلتقي بالأكابر من الْعلمَاء ويدارسهم وينَاظرهم حَتَّى تهذب فِي النّظر وشاع ذكره ثمَّ خرج إِلَى الْحجاز وجاور بِمَكَّة أَربع سِنِين يدرس ويفتي وَيجمع طرق الْمَذْهَب وَيقبل على التَّحْصِيل إِلَى أَن اتّفق رُجُوعه بعد مُضِيّ نوبَة التعصب فَعَاد إِلَى نيسابور وَقد ظهر نوبَة ولَايَة السُّلْطَان البارسلان وتزين وَجه الْملك بِإِشَارَة نظام الْملك واستقرت أُمُور الْفَرِيقَيْنِ وَانْقطع التعصب فَعَاد إِلَى التدريس وَكَانَ بَالغا فِي الْعلم نهايته مستجمعا أَسبَابه فبنيت الْمدرسَة الميمونة النظامية وأقعد للتدريس فِيهَا واستقامت أُمُور الطّلبَة وَبَقِي على ذَلِك قَرِيبا من ثَلَاثِينَ سنة غير مُزَاحم وَلَا مدافع مُسلم لَهُ الْمِحْرَاب والمنبر والخطابة والتدليس ومجلس التَّذْكِير يَوْم الْجُمُعَة والمنَاظرة وهجرت لَهُ الْمجَالِس وانغمر غَيره من الْفُقَهَاء بِعِلْمِهِ وتسلطه وَكسرت الْأَسْوَاق فِي جنبه ونفق سوق الْمُحَقِّقين من خواصه وتلامذته وَظَهَرت تصانيفه وَحضر درسه الأكابر وَالْجمع الْعَظِيم من

стр. 259

الطّلبَة وَكَانَ يقْعد بَين يَدَيْهِ كل يَوْم نَحْو من ثلاثماية رجل من الْأَئِمَّة وَمن الطّلبَة وَتخرج بِهِ جمَاعَة من الْأَئِمَّة والفحول وَأَوْلَاد الصُّدُور حَتَّى بلغُوا مَحل التدريس فِي زَمَانه وانتظم بإقباله على الْعلم ومواظبته على التدريس والمنَاظرة والمباحثة أَسبَاب ومحافل ومجامع وإمعان فِي طلب الْعلم وسوق نَافقة لأَهله لم يعْهَد قبله واتصل بِهِ مَا يَلِيق بمنصبه من الْقبُول عِنْد السُّلْطَان والوزير والأركان ووفور الحشمة عِنْدهم بِحَيْثُ لَا يذكر غَيره فَكَانَ الْمُخَاطب والمشار إِلَيْهِ والمقبول من قبله والمهجور من هجره والمصدر فِي الْمجَالِس من ينتمي إِلَى خدمته والمنظور إِلَيْهِ من يغترف فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع من طَرِيقَته وَاتفقَ مِنْهُ تصانيف برسم الحضرة النظامية مثل النظامي والغياثي وأنفادها إِلَى الحضرة ووقوعها موقع الْقبُول ومقابلتها بِمَا يَلِيق بهَا من الشُّكْر والرضى وَالْخلْع الفائقة والمراكب المثمنة والهدايا والمرسومات وَكَذَلِكَ إِلَى أَن قلد زعامة الْأَصْحَاب ورياسة الطَّائِفَة وفوض إِلَيْهِ أُمُور الْأَوْقَاف وَصَارَت حشمته وزر الْعلمَاء وَالْأَئِمَّة والقضاة وَقَوله فِي الْفَتْوَى مرجع العظماء والأكابر والولاة واتفقت لَهُ نهضة فِي أَعلَى مَا كَانَ من أَيَّامه إِلَى أَصْبَهَان لسَبَب مُخَالفَة بعض الْأَصْحَاب فلقي بهَا من الْمجْلس النظامي مَا كَانَ من اللَّائِق بمنصبه من الاستبشار والإعزاز وَالْإِكْرَام بأنواع المبار وَأجِيب بِمَا كَانَ فَوق مَطْلُوبه وَعَاد مكرما إِلَى نيسابور وَصَارَ أَكثر عنَايته مصروفا إِلَى تصنيف الْمَذْهَب الْكَبِير الْمُسَمّى نِهَايَة الْمطلب فِي دراية الْمَذْهَب حَتَّى حَرَّره وأملاه وَأتي فِيهِ من الْبَحْث وَالتَّقْدِير والسبك والتقير والتدقيق

стр. 260

وَالتَّحْقِيق بِمَا شفى الغليل وأوضح السَّبِيل وَنبهَ على قدره وَمحله فِي علم الشَّرِيعَة ودرس ذَلِك للخواص من التلامذة وَفرغ مِنْهُ وَمن إِتْمَامه فعقد مَجْلِسا لتتمة الْكتاب حَضَره الْأَئِمَّة والكبار وَختم الْكتاب على رسم الْإِمْلَاء والاستملاء وتبجح الْجَمَاعَة بذلك ودعوا لَهُ وأثنوا عَلَيْهِ وَكَانَ من الْمُعْتَدِينَ بإتمام ذَلِك الشَّاكِرِينَ لِلَّه عَلَيْهِ فَمَا صنف فِي الْإِسْلَام قبله مثله وَلَا اتّفق لأحد مَا اتّفق لَهُ وَمن قَاس طَرِيقَته بطريقة الْمُتَقَدِّمين فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وأنصف أقرّ بعلو منصبه ووفور تَعبه ونصبه فِي الدّين وَكَثْرَة سهره فِي استنباط الغوامض وَتَحْقِيق الْمسَائِل وترتيب الدَّلَائِل وَلَقَد قَرَأت فصلا ذكره عَليّ بن الْحَسَنِ بن أَبِي الطّيب الباخرزي فِي كتاب دمية الْقصر مُشْتَمِلًا على حَاله وَهُوَ فقد كَانَ فِي عصر الشَّبَاب غير مُسْتَكْمل مَا عهدنَاه عَلَيْهِ من اتساق الْأَسْبَاب وَهُوَ إِن قَالَ فَتى الفتيان وَمن أَنْجَب بِهِ الفتيان وَلم يخرج مثله المفتيان عنيت النُّعْمَان بن ثَابت ومُحَمَّد بن إِدْرِيس فالفقه فقه الشَّافِعِي وَالْأَدب أدب الْأَصْمَعِي وَحسن بَصَره بالوعظ لِلْحسنِ الْبَصْرِيّ وَكَيف مَا هُوَ فَهُوَ إِمَام كل إِمَام والمستعلي بهمته على كل همام والفائز بالظفر على إرغام كل ضرغام إِذَا تصدر للفقه فالمزني من مزنته قطره وَإِذا تكلم فالأشعري من وفرته شعره وَإِذا خطب ألْجم الفصحاء بالعي شقاشقه الهادرة ولثم البلغاء بِالصَّمْتِ حقائقه الْبَارِدَة وَلَوْلَا سَده مَكَان أَبِيه بسده الَّذِي أفرغ على قَطْرَة قطر تأبيه لَا صبح مَذْهَب الحَدِيث حَدِيثا وَلم يجد المستغيث مِنْهُم مغيثا قَالَ أَبُو الْحسن هَذَا وَهُوَ وَحقّ الْحق فَوق مَا ذكره وَأَعْلَى مِمَّا وَصفه فكم من

стр. 261

فصل مُشْتَمل على الْعبارَات الفصيحة الْعلية والنكت البديعة النَّادرة فِي المحافل مِنْهُ سمعنَاه وَكم من مسَائِل فِي النّظر شهدنَاه ورأينَا مِنْهُ إفحام الْخُصُوم وعهدنَاه وَكم من مجْلِس فِي التَّذْكِير للعوام مسلسل الْمسَائِل مشحون بالنكت المستنبطة من مسَائِل الْفِقْه مُشْتَمِلَة على حقائق الْأُصُول مبكية فِي التحذير مفرحة فِي التبشير مختومة بالدعوات وفنون المنَاجاة حضرنَاه وَكم من مجمع للتدريس حاو للكبار من الْأَئِمَّة وإلقاء الْمسَائِل عَلَيْهِم والمباحثة فِي غورها رأينَاه وحصلنَا بعض مَا أمكننَا مِنْهُ وعلقنَاه وَلم نقدر مَا كُنَّا فِيهِ من نَضرة أَيَّامه وزهرة شهوره وأعوامه حق قدره وَلم نشكر اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ حق شكره حَتَّى فقدنَاه وسلبْنَاه وسمعته فِي أثنَاء كَلَام يَقُول أنَا لَا أنَام وَلَا آكل عَادَة وَإِنَّمَا أنَام إِذَا غلبَنِي النّوم لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارا وآكل إِذَا اشْتهيت الطَّعَام أَي وَقت كَانَ كَانَ لذته ولهوه وتنزهه فِي مذاكرة الْعلم وَطلب الْفَائِدَة من أَي نوع كَانَ وَلَقَد سَمِعت الشَّيْخ أَبَا الْحسن عَليّ بن فضال بن عَليّ الْمُجَاشِعِي النَّحْوِيّ القادم علينا سنة تسع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة يَقُول وَقد قبله الإِمَام فَخر الْإِسْلَام وقابله بالإكرام وَأخذ فِي قِرَاءَة النَّحْو عَلَيْهِ والتلمذة لَهُ بعد أَن كَانَ إِمَام الْأَئِمَّة فِي وقته وَكَانَ يحملهُ كل يَوْم إِلَى دَاره يقْرَأ عَلَيْهِ كتاب أكسير الذَّهَب فِي صنَاعة الْأَدَب من تصنيفه فَكَانَ يَحْكِي يَوْمًا وَيَقُول مَا رَأَيْت عَاشِقًا للْعلم أَي نوع كَانَ مثل هَذَا الإِمَام فَإِنَّهُ يطْلب الْعلم للْعلم وَكَانَ كَذَلِك وَمن حميد سيرته أَنه مَا كَانَ يستصغر أحدا حَتَّى يسمع كَلَامه شاديا كَانَ أَو متنَاهيا فَإِن أصَاب كياسة فِي طبع أَو جَريا

стр. 262

على منهاج الْحَقِيقَة اسْتَفَادَ مِنْهُ صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا وَلَا يستنكف أَن يُعزي الْفَائِدَة المستفادة إِلَى قَائِلهَا وَيَقُول إِن هَذِهِ الْفَائِدَة مِمَّا استفدته من فلَان وَلَا يحابي أَيْضا فِي التزييف إِذَا لم يرض كلَاما وَلَو كَانَ أَبَاهُ أَو أحدا من الْأَئِمَّة الْمَشْهُورين وَكَانَ من التَّوَاضُع لكل أحد بِمحل يتخيل مِنْهُ الِاسْتِهْزَاء لمبالغته فِيهِ وَمن رقة الْقلب بِحَيْثُ يبكى إِذَا سمع بَيْتا أَو تفكر فِي نَفسه سَاعَة وَإِذا شرع فِي حِكَايَة الْأَحْوَال وخاض فِي عُلُوم الصُّوفِيَّة فِي فُصُول مجالسه بالغدوات أبكى الْحَاضِرين ببكائه وقطر الدِّمَاء من الجفون بزعقاته ونعراته وإشاراته لاحتراقه فِي نَفسه وتحققه بِمَا يجْرِي من دقائق الْأَسْرَار هَذِهِ الْجُمْلَة نبذ مِمَّا عهدناه مِنْهُ إِلَى انْتِهَاء أَجله فأدركه قَضَاء اللَّه الَّذِي لَا بُد مِنْهُ بعد مَا مرض قبل ذَلِك مرض اليرقان وَبَقِي فِيهِ أَيَّامًا ثمَّ برأَ مِنْهُ وَعَاد إِلَى الدَّرْس والمجلس وَأظْهر النَّاس من الْخَواص والعوام السرُور بِصِحَّتِهِ وإقباله من علته فَبعد ذَلِك بِعَهْد قريب مرض المرضة الَّتِي توفّي مِنْهَا وَبَقِي فِيهَا أَيَّامًا وغلبت عَلَيْهِ الْحَرَارَة الَّتِي كَانَت تزور فِي طبعه إِلَى أَن ضعف وَحمل إِلَى نستيقان لاعتدال الْهَوَاء وخفة المَاء فَزَاد الضعْف وبدت مخايل الْمَوْت وَتوفى لَيْلَة الْأَرْبَعَاء بعد صَلَاة الْعَتَمَة الْخَامِس وَالْعِشْرين من شهر ربيع الآخر من سنة ثَمَان وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَنقل فِي اللَّيْلَة إِلَى الْبَلَد وَقَامَ الصياح من كل جَانب وجزع الْفرق عَلَيْهِ جزعا لم يعْهَد مثله وَحمل بَين الصَّلَاتَيْنِ من يَوْم الْأَرْبَعَاء إِلَى ميدان الْحُسَيْن وَلم تفتح الأَبواب فِي الْبَلَد وَوضعت المنَاديل عَن الرؤس عَاما بِحَيْثُ مَا اجترأ أحد على ستر رَأسه من الرؤس

стр. 263

والكبار وَصلى عَلَيْهِ ابْنه الإِمَام أَبُو الْقسم بعد جهد جهيد حَتَّى حمل إِلَى دَاره شدَّة الزحمة وَقت التطفيل وَدفن فِي دَاره وَبعد سِنِين نقل إِلَى مَقْبرَة الْحُسَيْن وَكسر منبره فِي الْجَامِع المنيعي وَقعد النَّاس للعزاء أَيَّامًا عزاءً عَاما وَأكْثر الشُّعَرَاء المراثي فِيهِ وَكَانَ الطّلبَة قَرِيبا من أَرْبَعمِائَة نفر يطوفون فِي الْبَلَد نَائحين عَلَيْهِ مكسرين المحابر والأقلام مبالغين فِي الصياح والجزع وَكَانَ مولده ثامن عشر الْمحرم سنة تسع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَتُوفِّي وَهُوَ ابْن تسع وَخمسين سنة ﵀ سمع الحَدِيث الْكثير فِي صباه من مَشَايِخ مثل الشَّيْخ أَبِي حسان وَأبي سعد عَلَيْك وَأبي سعد النضروي وَمَنْصُور بن رامش وَجمع لَهُ كتاب الْأَرْبَعين فسمعناه مِنْهُ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ وَقد سمع سنَن الدَّارَقُطْنِيّ من أبي سعد بن عَلَيْك وَكَانَ يعْتَمد تِلْكَ الْأَحَادِيث فِي مسَائِل الْخلاف وَيذكر الْجرْح وَالتَّعْدِيل مِنْهَا فِي الروَاة وظني أَن آثَار جده واجتهاده فِي دين اللَّه يَدُوم إِلَى قيام السَّاعَة وان انْقَطع نَسْله من جِهَة الذُّكُور ظَاهرا فنشر علمه يقوم مقَام كل نسب ويغنيه عَن كل نشب مكتسب واللَّه تَعَالَى يسْقِي فِي كل لَحْظَة جَدِيدَة تِلْكَ الرَّوْضَة الشَّرِيفَة عزالي رَحمته وَيزِيد فِي ألطافه وكرامته بفضله ومنته إِنَّه ولى كل خير وَمِمَّا قيل عِنْد وَفَاته ... قُلُوب الْعَالمين على المقالي وَأَيَّام الورى شبه اللَّيَالِي أيثمر غُصْن أهل الْفضل يَوْمًا وَقد مَاتَ الْأَمَام أَبُو الْمَعَالِي ...

стр. 264

وَمِنْهُم الْفَقِيه أَبُو الْفَتْحِ نصر بن إِبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِي ﵀ مُتَأَخّر الْوَفَاة أدركنَا جمَاعَة مِمَّن أدْركهُ وتفقه بِهِ وَكَانَ قد تفقه عِنْد أَبِي الْفَتْح سليم بن أَيُّوب الرَّازِيّ بصور ثمَّ رَحل إِلَى ديار بكر وتفقه عِنْد أَبِي عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن بَيَان الكازروني الْفَقِيه وَسمع الحَدِيث بِدِمَشْقَ وَغَيرهَا من جمَاعَة ودرس الْعلم بِبَيْت الْمُقَدّس مُدَّة ثمَّ انْتقل إِلَى صور فَأَقَامَ بهَا عشر سِنِين ينشر الْعلم بهَا مَعَ كَثْرَة الْمُخَالفين لَهُ من الرافضة ثمَّ انْتقل مِنْهَا إِلَى دمشق فَأَقَامَ بهَا تسع سِنِين يحدث ويدرس ويفتي على طَريقَة وَاحِدَة من الزّهْد فِي الدُّنْيَا والتنزه عَن الدنَايا والجري على منهاج السّلف من التقشف وتجنب السلاطين وَرفع الطمع والاجتزاء باليسير مِمَّا يصل إِلَيْهِ من غلَّة أَرض كَانَت لَهُ بنابلس يَأْتِيهِ مِنْهَا مَا يقتاته وَلَا يقبل من أحد شَيْئا سَمِعت من يَحْكِي أَن تَاج الدولة تتش بن البارسلان زَارَهُ يَوْمًا فَلم يقم لَهُ وَسَأَلَهُ عَن أحل الْأَمْوَال الَّتِي يتَصَرَّف فِيهَا السُّلْطَان فَقَالَ الْفَقِيه أحلهَا أَمْوَال الْجِزْيَة فَخرج من عِنْده وَأرْسل إِلَيْهِ بمبلغ من المَال وَقَالَ هَذَا من مَال الْجِزْيَة ففرقه على الْأَصْحَاب وَلم يقبله وَقَالَ لَا حَاجَة بنَا إِلَيْهِ فَلَمَّا ذهب الرَّسُول لامه الْفَقِيهُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ اللَّهِ بن مُحَمَّد وَقَالَ لَهُ لقد علمت حاجتنَا إِلَيْهِ فَلَو كنت قبلته وفرقته فينَا فَقَالَ لَهُ لَا تجزع من فَوته فَسَوف يَأْتِيك من الدُّنْيَا مَا يَكْفِيك فِيمَا بعدفكان كَمَا تفرس فِيهِ رَحْمَة اللَّه وَسمعت بعض من صَحبه يَقُول لَو كَانَ الْفَقِيه أَبُو الْفَتْحِ فِي السّلف لم تقصر دَرَجَته عَن وَاحِد مِنْهُم

стр. 265

لكِنهمْ فاتوه بِالسَّبقِ وَكَانَت أوقاته كلهَا مستغرقة فِي عمل الْخَيْر إِمَّا فِي نشر علم وَإِمَّا فِي إصْلَاح عمل وَحكى عَن بعض أهل الْعلم أَنه قَالَ صَحِبت إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَبَا الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ بخراسان ثمَّ قدمت الْعرَاق فصحبت الشَّيْخ أَبَا اسحق الشِّيرَازِيّ فَكَانَت طَرِيقَته عِنْدِي أفضل من طَريقَة أَبِي الْمَعَالِي ثمَّ قدمت الشَّام فَرَأَيْت الْفَقِيه أَبَا الْفَتْح فَكَانَت طَرِيقَته أحسن من طريقتيهما جَمِيعًا سَمِعت الشَّيْخ الْفَقِيه أَبَا الْفَتْحِ نَصْرُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْقوي المصِّيصِي يَقُول توفّي الْفَقِيه أَبُو الْفَتْحِ نصر بن إِبْرَاهِيمَ فِي يَوْم الثُّلَاثَاء التَّاسِع من الْمحرم سنة تسعين وَأَرْبَعمِائَة بِدِمَشْقَ وخرجنَا بجنَازته بعد صَلَاة الظّهْر فَلم يمكنا دَفنه إِلَى قريب الْمغرب لِأَن النَّاس حالوا بيننَا وَبَينه وَكَانَ الْخلق متوفرا ذكر الدمشقيون أَنهم لم يرَوا جنَازة مثلهَا وأقمنَا على قَبره سبع لَيَال نَقْرَأ كل لَيْلَة عشْرين ختمة ﵀ ونضر وَجهه وَمِنْهُم أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيّ نزيل مَكَّة ﵀ كتب إليَّ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ عبد الغافر بن إِسْمَاعِيل قَالَ الْحُسَيْن ابْن عَليّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيّ الإِمَام نزيل مَكَّة تفقه على الشريف نَاصِر ابْن الْحُسَيْن الْعمريّ المرزوي بِنَيْسَابُورَ وَتخرج وَأقَام بِنَيْسَابُورَ مُدَّة ثمَّ خرج إِلَى مَكَّة وجاءنَا نعيه سنة تسع وَتِسْعين وَذكر أَنه توفى فِي شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ يُفْتِي ويدرس ويروى الحَدِيث بِمَكَّة وَله بهَا عقب

стр. 266

ذكر بعض الْمَشْهُورين من الطَّبَقَة الْخَامِسَة الَّتِي أدركتُ بَعْضهَا بالمعاصرة وَبَعضهَا بِالرُّؤْيَةِ والمجالسة فَمنهمْ أَبُو المظفر الخوافي النَّيْسَابُورِي ﵀ أَخْبَرنِي أَبُو الْحَسَنِ بن أَبِي عَبْد اللَّهِ الْفَارِسِي فِي كِتَابه قَالَ أَحْمد بن مُحَمَّدِ بْنِ المظفر أَبُو المظفر الخوافي الإِمَام الْمَشْهُور أنظر أهل عصره وأعرفهم بطرِيق الجدل فِي الْفِقْه لَهُ الْعبارَة الرشيقة المهذبة والتضييق فِي المنَاظرة على الْخصم والإرهاق إِلَى الِانْقِطَاع تفقه على الشَّيْخ أَبِي إِبْرَاهِيم الضَّرِير وَكَانَ مبارك النَّفس وَهَذَا الإِمَام أَحْمد كيس الطَّبْع فَتخرج بِهِ بعض التخرج ثمَّ وَقع بعده إِلَى خدمَة إِمَام الْحَرَمَيْنِ وصحبته وبرع عِنْده حَتَّى صَار من أوحد تلامذته وَأَصْحَابه القدماء وَكَانَ من جملَة منَادميه بالليالي وَالْأَيَّام بطول صحبته ولاعتداد الإِمَام بمكانه وَكَانَ معجبا بِهِ وبكلامه ثمَّ ترفع عَن الْإِعَادَة فِي درسه فَكَانَ يدرس بِنَفسِهِ وتختلف إِلَيْهِ طَائِفَة توفّي بطوس سنة خَمْسمِائَة وَكَانَ حسن العقيدة ورع النَّفس مَا عهد مِنْهُ هنَّات قطّ كَمَا عهد من غَيره وَمِنْهُم الإِمَام أَبُو الْحَسَنِ الطَّبَرِيّ الْمَعْرُوف بالكيا ﵀ كتب إليّ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ عبد الغافر بن إِسْمَاعِيلَ قَالَ عَليّ بن مُحَمَّدِ بْنِ عَليّ الكيا الهراسي أَبُو الْحَسَنِ الإِمَام الْبَالِغ فِي النّظر مبلغ الفحول ورد نيسابور فِي شبابه وَقد تفقه وَكَانَ حسن الْوَجْه مُطَابق

стр. 267

الصَّوْت للنَّظَر مليح الْكَلَام فَحصل طَريقَة إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَتخرج بِهِ فِيهَا وَصَارَ من وُجُوه الْأَصْحَاب ورؤس المعيدين فِي الدَّرْس وَكَانَ ثَانِي الْغَزالِيّ بل أَمْلَح وَأطيب فِي النّظر وَالصَّوْت وَأبين فِي الْعبارَة والتقرير مِنْهُ وَإِن كَانَ الْغَزالِيّ أحد وأصوب خاطرا وأسرع بَيَانا وَعبارَة مِنْهُ وَهَذَا كَانَ يُعِيد الدَّرْس على جمَاعَة حَتَّى تخْرجُوا بِهِ وَكَانَ مواظبا على الإفادة والاستفادة ثمَّ اتَّصل بعد موت إِمَام الْحَرَمَيْنِ بمجد الْمُلك فِي زمَان بركيارق وحظى عِنْده ثمَّ خرج إِلَى الْعرَاق وَأقَام مُدَّة يدرس بِبَغْدَادَ فِي الْمدرسَة النظامية إِلَى أَن توفّي فِيهَا وَذكر شيخنَا الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بن الْأَكْفَانِيِّ وَلم أسمعهُ مِنْهُ قَالَ توفّي الإِمَام شمس الْإِسْلَام أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ الطَّبَرِيّ الشَّافِعِي الْمَعْرُوف بالكيا الهراسي بِبَغْدَادَ يَوْم الْخَمِيس مستهل الْمحرم سنة أَربع وَخَمْسمِائة سَمِعت الشَّيْخ أَبَا الْفضل مُحَمَّد بْنِ مُحَمَّدِ بن عطاف الْموصِلِي الْفَقِيه بِبَغْدَادَ يَقُول شهِدت دفن الكيا ﵀ فِي تربة الشَّيْخ أبي اسحق الشِّيرَازِيّ ﵀ وَحضر دَفنه الشريف أَبُو طَالب الزَّيْنَبِي وقاضي الْقُضَاة أَبُو الْحَسَنِ بن الدَّامغَانِي وكانَا مقدمي أَصْحَاب أَبِي حنيفَة ﵀ وَكَانَ بَينه وَبَينهمَا منَافسة فِي حَال حَيَاته فَوقف أَحدهمَا عِنْد رَأس قَبره وَالْآخر عِنْد رجلَيْهِ فَقَالَ ابْن الدَّامغَانِي متمثلا ... وَمَا تغني النوادب والبواكي وَقد أَصبَحت مثل حَدِيث أمس ... وَأنْشد الزَّيْنَبِي متمثلا ... عقم النِّسَاء فَمَا يلدن شبيهه إِن النِّسَاء بِمثلِهِ عقم ...

стр. 268

أنشدنَا الشَّيْخ أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن عَبْدِ الْعَزِيزِ بن عَليّ اللَّخْمِيّ الميورقي الأندلسي الْفَقِيه الْمَالِكِي بِدِمَشْقَ قَالَ أنشدنَا أَبُو مُحَمَّد المرندي الْخَطِيب يرثي الإِمَام السعيد شمس الْإِسْلَام علم الْهدى أَبَا الْحسن عَليّ ابْن مُحَمَّد الطَّبَرِيّ ﵀ ... قف بالديار مسائلا أطلالها مستعلما عَن رسمها أحوالها إِن كَانَ يعلم مَا يَقُول معاهد درست وخيمت الخطوب خلالها وَعَفا معارفها وَغير رسمها ريح تجر على الثرى أذيالها طورا وطورا عَارض متهلل كمداعي لما رَأَتْ ترحالها مَا للمنَازل لَا تكلم دَاعيا مَا حَالهَا مَاذَا عراها مَالهَا أَتَرَى لفقد إمامنَا علم الْهدى صمت فَمَا إِن جاوبت سؤالها يَا للمكارم والفضائل بعده يَا للعلوم وللشرائع يالها يَا للمحاسن والمحاضر والندا سلب المنَايا شمسها وجمالها رفعت بِهِ رايات دين مُحَمَّد فَالْآن صرف الحادثات أمالها بلوا الخدود بأدمع منهلة إِن الرزية أفجعت عذالها ومصيبة حلت وَعم وُقُوعهَا زمر الأنَام نساءها ورجالها يَا محنة صدع الْقُلُوب هجومها واستنزلت من علوها آجالها دكت لمصرعه الْجبَال وزعزعت وَالْأَرْض مِنْهُ زلزلت زِلْزَالهَا لهفي على الْإِسْلَام غَابَتْ شمسه بعد الشروق فواصلت آصالها أَيْن الَّذِي سَاد الْبَريَّة كلهَا وَهدى إِلَى سبل الْهدى ضلالها ...

стр. 269

. نصر الشَّرِيعَة بَعْدَمَا نشر الورى للمنكرات على الْبَسِيط ظلالها فاليوم تبلى فِي التُّرَاب محَاسِن لم تلف فِي كل الورى أَمْثَالهَا وشمائل رقت فحاكت رقة قطر السحائب مازجت جريالها أَنِّي لأعجب كَيفَ وارت تربة بحرا وَلم يغرق بِهِ من هالها أم كَيفَ يدْفن فِي الثرى شمس الضُّحَى وَالشَّمْس يحرق حرهَا مَنْ نَالها مَاذَا يُقَال لمعشر هجروا الْكرَى وتجاوزوا عفر الزبا ورمالها وتحققت نيل الرَّجَاء نُفُوسهم فأبي الزَّمَان مخيبا آمالها من مبلغ عَنهُ إِلَيْهِ تَحِيَّة تبقي فَلَا يخْشَى الزَّمَان زيالها ومخبر أَن النُّفُوس بأسرها شوقا إِلَيْهِ تشْتَهي آجالها نقضي بأوراد الدُّعَاء حُقُوقه مَا قابلت ريح لجنوب شمالها ونعود الصَّبْر الْجَمِيل نفوسنَا إِن الرضى بِقَضَائِهِ أولى لَهَا ... وَمِنْهُم الإِمَام أَبُو حَامِد الطوسي الْغَزالِيّ ﵀ أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عبد الغافر بن إِسْمَاعِيلَ الْفارسي فِي كِتَابه قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ حجَّة الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين إِمَام أَئِمَّة الدّين من لم تَرَ الْعُيُون مثله لِسَانا وبيانًا ونطقا وخاطرا وذكاءً وطبعا شذا طرفا فِي صباه بطوس من الْفِقْه على الإِمَام أَحْمد الراذكاني ثمَّ قدم نيسابور مُخْتَلفا إِلَى درس إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي طَائِفَة من الشبَّان من طوس وجد واجتهد حَتَّى تخرج عَن مُدَّة قريبَة وبز الأقران وجمل الْقُرْآن

стр. 270

وَصَارَ أنظر أهل زَمَانه وَوَاحِد أقرانه فِي أَيَّام إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَكَانَ الطّلبَة يستفدزن مِنْهُ ويدرس لَهُم ويرشدهم ويجتهد فِي نَفسه وَبلغ الْأَمر بِهِ إِلَى أَن أَخذ فِي التصنيف وَكَانَ الإِمَام مَعَ علو دَرَجَته وسمو عِبَارَته وَسُرْعَة جريه فِي النُّطْق وَالْكَلَام لَا يصغي نظره الى الغزالى سترا لأناقته عَلَيْهِ فِي سرعَة الْعبارَة وَقُوَّة الطَّبْع وَلَا يطيب لَهُ تصديه للتصانيف وَإِن كَانَ متخرجا بِهِ منتسبا إِلَيْهِ كَمَا لَا يخفى من طبع الْبشر وَلكنه يظْهر التبجح بِهِ والاعتداد بمكانه ظَاهرا خلاف مَا يضمره ثمَّ بَقِي كَذَلِك إِلَى انْقِضَاء أَيَّام الإِمَام فَخرج من نيسابور وَصَارَ إِلَى المعسكر واحتل من مجْلِس نظام الْملك مَحل الْقبُول وَأَقْبل عَلَيْهِ الصاحب لعلو دَرَجَته وَظُهُور اسْمه وَحسن منَاظرته وجري عِبَارَته وَكَانَت تِلْكَ الحضرة محط رحال الْعلمَاء ومقصد الْأَئِمَّة والفصحاء فَوَقَعت للغزالي اتفاقات حَسَنَة من الاحتكاك بالأئمة وملاقاة الْخُصُوم اللد ومنَاظرة الفحول ومنَاقرة الْكِبَار وَظهر اسْمه فِي الْآفَاق وارتفق بذلك أكمل الارتفاق حَتَّى أدَّت الْحَال بِهِ إِلَى أَن رسم للمصير إِلَى بَغْدَاد للْقِيَام بتدريس الْمدرسَة الميمونة النظامية بهَا فَصَارَ إِلَيْهَا وأعجب الْكل بتدريسه ومنَاظرته وَمَا لَقِي مثل نَفسه وَصَارَ بعد إِمَامَة خُرَاسَان إِمَام الْعرَاق ثمَّ نظر فِي علم الْأُصُول وَكَانَ قد أحكمها فصنف فِيهِ تصانيف وجدد الْمَذْهَب فِي الْفِقْه فصنف فِيهِ تصانيف وسبك الْخلاف فحرر فِيهِ أَيْضا تصانيف وعلت حشمته ودرجته فِي بَغْدَاد حَتَّى كَانَ تغلب حشمته الأكابر والأمراء وَدَار الْخلَافَة فَانْقَلَبَ الْأَمر من وَجه آخر وَظهر عَلَيْهِ بعد مطالعة للعلوم الدقيقة

стр. 271

وممارسة الْكتب المصنفة فِيهَا وسلك طَرِيق التزهد والتأله وَترك الحشمة وَطرح مَا نَال من الدرجَة والاشتغال بِأَسْبَاب التَّقْوَى وَزَاد الْآخِرَة فَخرج عَمَّا كَانَ فِيهِ وَقصد بَيت اللَّه تَعَالَى وَحج ثمَّ دخل الشَّام وَأقَام فِي تِلْكَ الديار قَرِيبا من عشر سِنِين يطوف ويزور الْمشَاهد المعظمة وَأخذ فِي التصانيف الْمَشْهُورَة الَّتِي لم يسْبق إِلَيْهَا مثل إحْيَاء عُلُوم الدّين والكتب المختصرة مِنْهَا مثل الْأَرْبَعين وَغَيرهَا من الرسائل الَّتِي من تأملها علم مَحل الرجل من فنون الْعلم وَأخذ فِي مجاهدة النَّفس وتغيير الْأَخْلَاق وتحسين الشَّمَائِل وتهذيب المعاش فَانْقَلَبَ شَيْطَان الرعونة وَطلب الرياسة والجاه والتخلق بالأخلاق الذميمة إِلَى سُكُون النَّفس وكرم الْأَخْلَاق والفراغ عَن الرسوم والتزيينَات والتزيي بزِي الصَّالِحين وَقصر الأمل ووقف الْأَوْقَات على هِدَايَة الْخلق ودعائهم إِلَى مَا يعنيهم من أَمر الْآخِرَة وتبغيض الدُّنْيَا والاشتغال بهَا على السالكين والاستعداد للرحيل إِلَى الدَّار الْبَاقِية والانقياد لكل من يتوسم فِيهِ أَو يشم مِنْهُ رَائِحَة الْمعرفَة والتيقظ لشَيْء من أنوار الْمُشَاهدَة حَتَّى مرن على ذَلِك وألان ثمَّ عَاد إِلَى وَطنه لَازِما بَيته مشتغلا بالتفكر ملازما للْوَقْت مَقْصُودا نفيسًا وذخرا للقلوب وَلكُل من يَقْصِدهُ وَيدخل عَلَيْهِ إِلَى أَن أَتَى على ذَلِك مُدَّة وَظَهَرت التصانيف وفشت الْكتب وَلم تبد فِي أَيَّامه منَاقضة لما كَانَ فِيهِ وَلَا اعْتِرَاض لأحد على مَا أَثَره حَتَّى انْتَهَت نوبَة الوزارة إِلَى الْأَجَل فَخر الْملك جمال الشُّهَدَاء تغمده اللَّه برحمته وتزينت خُرَاسَان بحشمته ودولته وَقد سمع وَتحقّق بمَكَان الْغَزالِيّ ودرجته وَكَمَال

стр. 272

فَضله وحالته وصفاء عقيدته ونقاء سيرته فتبرك بِهِ وحضره وَسمع كَلَامه فاستدعى مِنْهُ أَن لَا يبقي أنفاسه وفوائده عقيمة لَا استفادة مِنْهَا وَلَا اقتباس من أنوارها وألح عَلَيْهِ كل الإلحاح وتشدد فِي الاقتراح إِلَى أَن أجَاب إِلَى الْخُرُوج وَحمل إِلَى نيسابور وَكَانَ اللَّيْث غَائِبا عَن عرينه وَالْأَمر خافيا فِي مَسْتُور قَضَاء اللَّه ومكنونه فأشير عَلَيْهِ بالتدريس فِي الْمدرسَة الميمونة النظامية عَمرها اللَّه فَلم يجد بدا من الإذعان للولاة وَنوى بِإِظْهَار مَا اشْتغل بِهِ هِدَايَة الشذة وإفادة القاصدين دون الرُّجُوع إِلَى مَا انخلع عَنهُ وتحرر عَن رقّه من طلب الجاه ومماراة الأقران ومكابرة المعاندين وَكم قرع عَصَاهُ بِالْخِلَافِ والوقوع فِيهِ والطعن فِيمَا يذره ويأتيه والسعاية بِهِ والتشنيع عَلَيْهِ فَمَا تأثر بِهِ وَلَا اشْتغل بِجَوَاب الطاعنين وَلَا أظهر استيحاشا بغميزة المخلطين وَلَقَد زرته مرَارًا وَمَا كنت أحدس فِي نَفسِي مَعَ مَا عهدته فِي سالف الزَّمَان عَلَيْهِ من الزعارة وإيحاش النَّاس والنظرإليهم بِعَين الازدراء وَالِاسْتِخْفَاف بهم كبرا وخيلاء اعتزازا بِمَا رزق من البسطة فِي النُّطْق والخاطر والعبارة وَطلب الجاه والعلو فِي الْمنزلَة أَنه صَار على الضِّدّ وتصفى عَن تِلْكَ الكدورات وَكنت أَظن أَنه متلفع بجلباب التَّكَلُّف متنمس بِمَا صَار إِلَيْهِ فتحققت بعد السبر والتنقير أَن الْأَمر على خلاف المظنون وَأَن الرجل أَفَاق بعد الْجُنُون وَحكى لنا فِي لَيَال كَيْفيَّة أَحْوَاله من ابْتِدَاء مَا ظهر لَهُ سلوك طَرِيق التأله وغلبت الْحَال عَلَيْهِ بعد تبحره فِي الْعُلُوم واستطالته على الْكل بِكَلَامِهِ والاستعداد الَّذِي خصّه اللَّه بِهِ فِي تَحْصِيل أَنْوَاع الْعُلُوم وتمكنه

стр. 273

من الْبَحْث وَالنَّظَر حَتَّى تبرم من الِاشْتِغَال بالعلوم الْعَرَبيَّة عَن الْمُعَامَلَة وتفكر فِي الْعَاقِبَة وَمَا يجْرِي وينفع فِي الْآخِرَة فابتدأ بِصُحْبَة الفارمذي وَأخذ مِنْهُ استفتاح الطَّرِيقَة وامتثل مَا كَانَ يُشِير بِهِ عَلَيْهِ من الْقيام بوظائف الْعِبَادَات والإمعان فِي النَّوَافِل واستدامة الْأَذْكَار وَالْجد وَالِاجْتِهَاد طلبا للنجاة إِلَى أَن جَازَ تِلْكَ العقبات وتكلف تِلْكَ المشاق مَا تحصل على مَا كَانَ يَطْلُبهُ من مَقْصُوده ثمَّ حكى أَنه رَاجع الْعُلُوم وخاض فِي الْفُنُون وعاود الْجد وَالِاجْتِهَاد فِي كتب الْعُلُوم الدقيقة والتقي بأربابها حَتَّى انْفَتح لَهُ أَبوابها وَبَقِي مُدَّة فِي الوقائع وتكافىء الْأَدِلَّة وأطراف الْمسَائِل ثمَّ حكى أَنه فتح عَلَيْهِ بَاب من الْخَوْف بِحَيْثُ شغله عَن كل شَيْء وَحمله على الْإِعْرَاض عَمَّا سواهُ حَتَّى سهل ذَلِك وَهَكَذَا هَكَذَا إِلَى أَن ارتاض كل الرياضة وَظَهَرت لَهُ الْحَقَائِق وَصَارَ مَا كُنَّا نظن بِهِ نَاموسا وتخلقا طبعا وتحققا وَأَن ذَلِك أثر السَّعَادَة الْمقدرَة لَهُ من اللَّه تَعَالَى ثمَّ سألنَاه عَن كَيْفيَّة رغبته فِي الْخُرُوج من بَيته وَالرُّجُوع إِلَى مَا دعِي إِلَيْهِ من أَمر نيسابور فَقَالَ معتذرا عَنهُ مَا كنت أجوز فِي ديني أَن أَقف عَن الدعْوَة وَمَنْفَعَة الطالبين بالإفادة وَقد حق على أَن أَبُوح بِالْحَقِّ وأنطق بِهِ وأدعو إِلَيْهِ وَكَانَ صَادِقا فِي ذَلِك ثمَّ ترك ذَلِك قبل أَن يتْرك وَعَاد إِلَى بَيته وَاتخذ فِي جواره مدرسة لطلبة الْعلم وخانقاه للصوفية وَكَانَ قد وزع أوقاته على وظائف الْحَاضِرين من ختم الْقُرْآن ومجالسة أهل الْقُلُوب وَالْقعُود للتدريس بِحَيْثُ لَا تَخْلُو لَحْظَة من لحظاته ولحظات من مَعَه عَن فَائِدَة إِلَى أَن أَصَابَهُ عين الزَّمَان وضن الأنَام بِهِ على أهل عصره

стр. 274

فنقله اللَّه إِلَى كريم جواره بعد مقاساة أَنْوَاع من الْقَصْد والمنَاوأة من الْخُصُوم وَالسَّعْي بِهِ إِلَى الْمُلُوك وكفاية اللَّه تَعَالَى وَحفظه وصيانته عَن ان تنوشه أَيدي النكبات أَو ينهتك ستر دينه بِشَيْء من الزلات وَكَانَت خَاتِمَة أمره إقباله على حَدِيث الْمُصْطَفى ﷺ ومجالسة أَهله ومطالعة الصَّحِيحَيْنِ البُخَارِيّ وَمُسلم اللَّذين هما حجَّة الْإِسْلَام وَلَو عَاشَ لسبق الْكل فِي ذَلِك الْفَنّ بِيَسِير من الْأَيَّام يستفرغه فِي تَحْصِيله وَلَا شكّ أَنه سمع الْأَحَادِيث فِي الْأَيَّام الْمَاضِيَة واشتغل فِي آخر عمره بسماعها وَلم تتفق لَهُ الرِّوَايَة وَلَا ضَرَر فِيمَا خَلفه من الْكتب المصنفة فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وَسَائِر الْأَنْوَاع يخلد ذكره ويقرر عِنْد المطالعين المنصفين المستفيدين مِنْهَا أَنه لم يخلف مثله بعده وَمضى إِلَى رَحْمَة اللَّه تَعَالَى يَوْم الِاثْنَيْنِ الرَّابِع عشر من جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَخَمْسمِائة وَدفن بِظَاهِر قَصَبَة طابران واللَّه تَعَالَى يَخُصُّهُ بأنواع الْكَرَامَة فِي آخرته كَمَا خصّه بفنون الْعلم فِي دُنْيَاهُ بمنه وَلم يعقب إِلَّا البَنَات وَكَانَ لَهُ من الْأَسْبَاب إِرْثا وكسبا مَا يقوم بكفايته وَنَفَقَة أَهله وَأَوْلَاده فَمَا كَانَ يباسط أحدا فِي الْأُمُور الدُّنْيَوِيَّة وَقد عرضت عَلَيْهِ أَمْوَال فَمَا قبلهَا وَأعْرض عَنْهَا واكتفي بِالْقدرِ الَّذِي يصون بِهِ دينه وَلَا يحْتَاج مَعَه إِلَى التَّعَرُّض لسؤال ومنَال من غَيره سَمِعت الشَّيْخ الْفَقِيه الإِمَام أَبَا الْقسم سعد ابْن عَليّ بن أبي الْقسم بن أبي هُرَيْرَة الإسفرايني الصُّوفِي الشَّافِعِي بِدِمَشْقَ

стр. 275

قَالَ سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام الأوحد زين الْقُرَّاء جمال الْحرم أَبَا الْفَتْح عَامر بن نحام بن عَامر الْعَرَبِيّ الساوي بِمَكَّة حرسها اللَّه يَقُول دخلت الْمَسْجِد الْحَرَام يَوْم الْأَحَد فِيمَا بَين الظّهْر وَالْعصر الرَّابِع عشر من شَوَّال سنة خمس وَأَرْبَعين وخمسماية وَكَانَ بِي نوع تكسر ودوران رَأس بِحَيْثُ أَنِّي لَا أقدر أَن أَقف أَو أَجْلِس لشدَّة مَا بِي وَكنت أطلب موضعا أستريح فِيهِ سَاعَة على جَنْبي فَرَأَيْت بَاب بَيت الْجَمَاعَة للرباط الرامشتي عِنْد بَاب العزورة مَفْتُوحًا فقصدته وَدخلت فِيهِ وَوَقعت على جَنْبي الْأَيْمن بحذاء الْكَعْبَة المشرفة مفترشا يَدي تَحت خدي لكيلا يأخذني النّوم فتنتقض طهارتي فَإِذا بِرَجُل من أهل الْبِدْعَة مَعْرُوف بهَا جَاءَ وَنشر مُصَلَّاهُ على بَاب ذَلِك الْبَيْت وَأخرج لويحا من جيبه أَظُنهُ كَانَ من الْحجر وَعَلِيهِ كِتَابَة فَقبله وَوَضعه بَين يَدَيْهِ وَصلى صَلَاة طَوِيلَة مُرْسلا يَدَيْهِ فِيهَا على عَادَتهم وَكَانَ يسْجد على ذَلِك اللويح فِي كل مرّة فَإِذا فرغ من صلَاته سجد عَلَيْهِ وَأطَال فِيهِ وَكَانَ يمعك خَدّه من الْجَانِبَيْنِ عَلَيْهِ ويتضرع فِي الدُّعَاء ثمَّ فرغ من صلَاته سجد عَلَيْهِ وَأطَال فِيهِ وَكَانَ يمعك خَدّه من الْجَانِبَيْنِ عَلَيْهِ ويتضرع فِي الدُّعَاء ثمَّ رفع رَأسه وَقَبله وَوَضعه على عَيْنَيْهِ ثمَّ قبله ثَانِيًا وَأدْخلهُ فِي جيبه كَمَا كَانَ قَالَ قَلما رَأَيْت ذَلِك كرهته وَاسْتَوْحَشْت مِنْهُ ذَلِك وَقلت فِي نَفسِي لَيْت كَأَن رَسُول اللَّه ﷺ حَيا فِيمَا بيننَا ليخبرهم بِسوء صنيعهم وَمَا هم عَلَيْهِ من الْبِدْعَة وَمَعَ هَذَا

стр. 276

التفكر كنت أطْرد النّوم عَن نَفسِي كَيْلا يأخذني فتفسد طهارتي فبينَا أنَا كَذَلِك إِذْ طَرَأَ عَليّ النعاس وغلبَنِي فَكَأَنِّي بَين الْيَقَظَة والمنَام فَرَأَيْت عَرصَة وَاسِعَة فِيهَا نَاس كَثِيرُونَ واقفين وَفِي يَد كل وَاحِد مِنْهُم كتاب مُجَلد قد تحلقوا كلهم على شخص فَسَأَلت النَّاس عَن حَالهم وَعَمن فِي الْحلقَة قَالُوا هُوَ رَسُول اللَّه ﷺ وَهَؤُلَاء أَصْحَاب الْمذَاهب يُرِيدُونَ أَن يقرؤا مذاهبهم واعتقادهم من كتبهمْ على رَسُول اللَّه ﷺ ويصححوه عَلَيْهِ قَالَ فبينَا أنَا كَذَلِك أنظر إِلَى الْقَوْم إِذْ جَاءَ وَاحِد من أهل الْحلقَة وَبِيَدِهِ كتاب قيل إِن هَذَا الشَّافِعِي ﵁ فَدخل فِي وسط الْحلقَة وَسلم على رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ فَرَأَيْت رَسُول اللَّه ﷺ فِي جماله وكماله متلبسا بالثياب الْبيض المغسولة النظيفة من الْعِمَامَة والقميص وَسَائِر الثِّيَاب على زِيّ أهل التصوف فَرد عَلَيْهِ الْجَواب ورحب بِهِ وَقعد الشَّافِعِي بَين يَدَيْهِ وَقَرَأَ من الْكتاب مذْهبه واعتقاده عَلَيْهِ وَبعد ذَلِك جَاءَ شخص آخر قيل هُوَ أَبُو حنيفَة ﵁ وَبِيَدِهِ كتاب فَسلم وَقعد بِجنب الشَّافِعِي وَقَرَأَ من الْكتاب مذْهبه واعتقاده ثمَّ أَتَى بعده كل صَاحب مَذْهَب إِلَى أَن لم يبْق إِلَّا الْقَلِيل وكل من يقْرَأ يقْعد بِجنب الآخر فَلَمَّا فرغوا إِذَا وَاحِد من المبتدعة الملقبة بالرافضة قد جَاءَ وَفِي يَده كراريس غير مجلدة فِيهَا ذكر عقائدهم الْبَاطِلَة وهم أَن يدْخل الْحلقَة ويقرأها على رَسُول اللَّه ﷺ فَخرج وَاحِد مِمَّن كَانَ مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ إِلَيْهِ وزجره وَأخذ الكراريس من يَده ورماها إِلَى خَارج الْحلقَة

стр. 277

وطرده وأهانه قَالَ فَلَمَّا رَأَيْت أَن الْقَوْم قد فرغوا وَمَا بَقِي أحد يقْرَأ عَلَيْهِ شَيْئا تقدّمت قَلِيلا وَكَانَ فِي يَدي كتاب مُجَلد فنَاديت وَقلت يارسول اللَّهِ هَذَا الْكتاب معتقدي ومعتقد أهل السّنة لَو أَذِنت لي حَتَّى أقرأه عَلَيْك فَقَالَ ﷺ وايش ذَاك قلت يارسول اللَّهِ هُوَ قَوَاعِد العقائد الَّذِي صنفه الْغَزالِيّ فَأذن لي فِي القرأة فَقَعَدت وابتدأت بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم كتاب قَوَاعِد العقايد وَفِيه أَرْبَعَة فُصُول الْفَصْل الأول فِي تَرْجَمَة عقيدة أهل السّنة فِي كلمتي الشَّهَادَة الَّتِي هِيَ أحد مباني الْإِسْلَام فَنَقُول وبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْحَمد لله المبدىء المعيد الفعال لما يُرِيد ذِي الْعَرْش الْمجِيد والبطش الشَّديد الْهَادِي صفوة العبيد إِلَى النهج الرشيد والمسلك السديد الْمُنعم عَلَيْهِم بعد شَهَادَة التَّوْحِيد بحراسة عقائدهم عَن ظلمات التشكيك والترديد السَّابِق بهم إِلَى إتباع رَسُوله الْمُصْطَفى ﷺ واقتفاء صَحبه الأكرمين بالتأييد والتسديد المتجلي لَهُم فِي ذَاته وأفعاله بمحاسن أَوْصَافه الَّتِي لَا يُدْرِكهَا إِلَّا من ألقِي السّمع وَهُوَ شَهِيد الْمُعَرّف إيَّاهُم فِي ذَاته أَنه وَاحِد لَا شريك لَهُ فَرد لَا مثل لَهُ صَمد لَا ضد لَهُ مُنْفَرد لَا ند لَهُ وَأَنه قديم لَا أول لَهُ أزلي لَا بداية لَهُ مُسْتَمر الْوُجُود لَا آخر لَهُ أبدي لَا نِهَايَة لَهُ قيوم لَا انْقِطَاع لَهُ دَائِم لَا انصرام لَهُ لم يزل وَلَا يزَال مَوْصُوفا بنعوت الْجلَال لَا يقْضِي عَلَيْهِ بالانقضاء تصرم الآباد وانقراض الْآجَال بل هُوَ الأول وَالْآخر وَالْبَاطِن وَالظَّاهِر التَّنْزِيه وَأَنه لَيْسَ بجسم مُصَور وَلَا جَوْهَر مَحْدُود مُقَدّر وَأَنه لَا يماثل الْأَجْسَام لَا فِي التَّقْدِير وَلَا فِي قبُول الانقسام وَأَنه

стр. 278

لَيْسَ بجوهر وَلَا تحله الْجَوَاهِر وَلَا بِعرْض وَلَا تحله الْأَعْرَاض بل لَا يماثل مَوْجُودا وَلَا يماثله مَوْجُود وَلَيْسَ كمثله شَيْء وَلَا هُوَ مثل شَيْء وَأَنه لَا يحده الْمِقْدَار وَلَا تحويه الأقطار وَلَا تحيط بِهِ الْجِهَات وَلَا تكتنفه الأرضون وَالسَّمَوَات وَأَنه اسْتَوَى على الْعَرْش على الْوَجْه الَّذِي قَالَه وبالمعني الَّذِي أَرَادَهُ اسْتِوَاء منزها عَن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لَا يحملهُ الْعَرْش بل الْعَرْش وَحَمَلته محمولون بلطف قدرته ومقهورون فِي قَبضته وَهُوَ فَوق الْعَرْش وَفَوق كل شَيْء إِلَى تخوم الثرى فوقية لَا تزيده قربا إِلَى الْعَرْش والسمابل هُوَ رفيع الدَّرَجَات عَن الْعَرْش كَمَا أَنه رفيع الدَّرَجَات عَن الثرى وَهُوَ مَعَ ذَلِك قريب من كل مَوْجُود وَهُوَ أقرب إِلَى العبيد من حَبل الوريد وَهُوَ على كل شَيْء شَهِيد إِذ لَا يماثل قربه قرب الْأَجْسَام كَمَا لَا تماثل ذَاته ذَات الْأَجْسَام وَأَنه لَا يحل فِي شَيْء وَلَا يحل فِيهِ شَيْء تَعَالَى عَن أَن يحويه مَكَان كَمَا تقدس عَن أَن يحده زمَان كَمَا قبل أَن خلق الزَّمَان وَالْمَكَان وَهُوَ الْآن على مَا عَلَيْهِ كَانَ وَأَنه بَائِن من خلقه بصفاته وَلَيْسَ فِي ذَاته سواهُ وَلَا فِي سواهُ ذَاته وَأَنه مقدس عَن التَّغَيُّر والانتقال لَا تحله الْحَوَادِث وَلَا تعتريه الْعَوَارِض بل لَا يزَال فِي نعوت جَلَاله منزها عَن الزَّوَال وَفِي صِفَات كَمَاله مستغنيا عَن زِيَادَة الاستكمال وَأَنه فِي ذَاته مَعْلُوم الْوُجُود بالعقول مرئي الذَّات بالأبصار نعْمَة مِنْهُ ولطفا بالأبرار فِي دَار الْقَرار وإتماما للنعيم بِالنّظرِ إِلَى وَجهه الْكَرِيم الْقُدْرَة وَأَنه حَيّ قَادر جَبَّار قاهر لَا يَعْتَرِيه قُصُور وَلَا عجز وَلَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم وَلَا يُعَارضهُ فنَاء وَلَا موت وَأَنه ذُو الْملك

стр. 279

والملكوت والعزة والجبروت لَهُ السُّلْطَان والقهر والخلق وَالْأَمر السَّمَوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ وَالْخَلَائِق مقهورون فِي قَبضته وَأَنه الْمُنْفَرد بالخلق والاختراع المتوحد بالإيجاد والإبداع خلق الْخلق وأعمالهم وَقدر أَرْزَاقهم وآجالهم لَا يشذ عَن قَبضته مَقْدُور وَلَا يعزب عَن قدرته تصاريف الْأُمُور وَلَا تحصى مقدوراته وَلَا تتناهى معلوماته الْعلم وَأَنه عَالم بِجَمِيعِ المعلومات مُحِيط علمه بِمَا يجْرِي فِي تخوم الْأَرْضين إِلَى أَعلَى السَّمَوَات لَا يعزب عَن علمه مِثْقَال ذرة فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء بل يعلم ذبيب النملة السَّوْدَاء على الصَّخْرَة الصماء فِي اللَّيْلَة الظلماء وَيدْرك حَرَكَة الذَّر فِي جو الْهَوَاء وَيعلم السِّرّ وأخفى ويطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر وخفيات السرائر بِعلم قديم أزلي لم يزل مَوْصُوفا فِي أزل الآزال لَا بِعلم مُجَدد حَاصِل فِي ذَاته بالحلول والإنتقال الْإِرَادَة وَأَنه مُرِيد الكائنَات مُدبر الحادثات وَلَا يجْرِي فِي الْملك والملكوت قَلِيل أَو كثير صَغِير أَو كَبِير خير أَو شَرّ نفع أَو ضرّ إِيمَان أَو كفر عرفان أَو نكر فوز أَو خسر زِيَادَة أَو نُقْصَان طَاعَة أَو عصيان كفر أَو إِيمَان إِلَّا بِقَضَائِهِ وَقدره وَحكمه ومشيئته فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن لَا يخرج عَن مَشِيئَته لفتة نَاظر وَلَا فلتة خاطر بل هُوَ المبدىء المعيد الفعال لما يُرِيد لَا راد لحكمه وَلَا معقب لقضائه وَلَا مهرب لعبد عَن مَعْصِيَته إِلَّا بتوفيقه وَرَحمته وَلَا قُوَّة على طَاعَته إِلَّا بمحبته وإرادته لَو اجْتمع الْإِنْس وَالْجِنّ وَالْمَلَائِكَة وَالشَّيَاطِين على أَن يحركوا فِي الْعَالم ذرة أَو يسكنوها دون إراداته ومشيئته عجزوا عَنهُ وَإِن إِرَادَته قَائِمَة بِذَاتِهِ فِي

стр. 280

جملَة صِفَاته لم يزل كَذَلِك مَوْصُوفا فِيهَا مرِيدا فِي أزله لوُجُود الْأَشْيَاء فِي أَوْقَاتهَا الَّتِي قدرهَا فَوجدت فِي أَوْقَاتهَا كَمَا أَرَادَهُ فِي أزله من غير تقدم وَتَأَخر بل وَقعت على وفْق علمه وإرادته من غير تبدل وَتغَير دبر الْأُمُور لَا بترتيب أفكار وتربص زمَان فَلذَلِك لم يشْغلهُ شان عَن شان السّمع وَالْبَصَر وَأَنه تَعَالَى سميع بَصِير يسمع وَيرى لَا يعزب عَن سَمعه مسموع وَإِن خفى وَلَا يغيب عَن رُؤْيَته مرئي وَإِن دق لَا يحجب سَمعه بُعد وَلَا يدْفع رُؤْيَته ظلام يرى من غير حدقة وأجفان وَيسمع من غير أَصْمِخَة وآذان كَمَا يعلم بِغَيْر قلب ويبطش بِغَيْر جارحة ويخلق بِغَيْر آلَة إِذْ لَا يشبه صِفَاته صِفَات الْخلق كَمَا لَا يشبه ذَاته ذَات الْخلق الْكَلَام وَأَنه مُتَكَلم آمُر نَاهٍ وَاعد متوعد بِكَلَام أزلي قديم قَائِم بِذَاتِهِ لَا يشبه كَلَام الْخلق فَلَيْسَ بِصَوْت يحدث من انسلال هَوَاء واصطكاك أجرام وَلَا بِحرف يَنْقَطِع بإطباق شفة أَو تَحْرِيك لِسَان وَأَن الْقُرْآن والتوارة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور كتبه الْمنزلَة على رسله وَأَن الْقُرْآن مقروء بالألسنة مَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف مَحْفُوظ فِي الْقُلُوب وَأَنه مَعَ ذَلِك قديم قَائِم بِذَات اللَّه تَعَالَى لَا يقبل الِانْفِصَال والفراق بالانتقال إِلَى الْقُلُوب والأوراق وَأَن مُوسَى ﵇ سمع كَلَام اللَّه بِغَيْر صَوت وَلَا حرف كَمَا يرى الْأَبْرَار ذَات اللَّه تَعَالَى من غير جَوْهَر وَلَا عرض وَإِذ كَانَت لَهُ هَذِهِ الصِّفَات كَانَ حَيا عَالما قَادِرًا مرِيدا سميعا بَصيرًا متكلما بِالْحَيَاةِ وَالْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام لَا بِمُجَرَّد الذَّات الْأَفْعَال وَأَنه لَا مَوْجُود سواهُ إِلَّا وَهُوَ حَادث بِفِعْلِهِ وفائض

стр. 281

من عدله على أحسن الْوُجُوه وأكملها وأتمها وأعدلها وَأَنه حَكِيم فِي أَفعاله وعادل فِي أقضيته وَلَا يُقَاس عدله بِعدْل الْعباد إِذْ العَبْد يتَصَوَّر مِنْهُ الظُّلم بتصرفه فِي ملك غَيره وَلَا يتَصَوَّر الظُّلم من اللَّه تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يُصَادف لغيره ملكا حَتَّى يكون تصرفه فِيهِ ظلما فَكل مَا سواهُ من جن وإنس وَشَيْطَان وَملك وسماء وَأَرْض وحيوان ونبات وجوهر وَعرض ومدرك ومحسوس حَادث اخترعه بقدرته بعد الْعَدَم اختراعا وإنشاءً بعد أَن لم يكن شَيْئا إِذْ كَانَ فِي الْأَزَل مَوْجُودا وَحده وَلم يكن مَعَه غَيره فأحدث الْخلق بعدُ إِظْهَارًا لقدرته وتحقيقا لما سبق من إِرَادَته وَحقّ فِي الْأَزَل من كَلمته لَا لافتقاره إِلَيْهِ وَحَاجته وَأَنه تَعَالَى متفضل بالخلق والاختراع والتكليف لَا عَن وجوب ومتطول بالإنعام والإصلاح لَا عَن لُزُوم فَلهُ الْفضل وَالْإِحْسَان وَالنعْمَة والامتنَان إِذْ كَانَ قَادِرًا على أَن نصب على عبَادَة أَنْوَاع الْعَذَاب ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب وَلَو فعل ذَلِك لَكَانَ مِنْهُ عدلا وَلم يكن قبيحا وَلَا ظلما وَأَنه يثيب عباده على الطَّاعَات بِحكم الْكَرم والوعد لَا بِحكم الِاسْتِحْقَاق واللزوم إِذْ لَا يجب عَلَيْهِ فعل وَلَا يتَصَوَّر مِنْهُ ظلم وَلَا يجب عَلَيْهِ حق وَأَن حَقه فِي الطَّاعَات وَجب على الْخلق بإيجابه على لِسَان أنبيائه لَا بِمُجَرَّد الْعقل وَلكنه بعث الرُّسُل وَأظْهر صدقهم بالمعجزات الظَّاهِرَة فبلغوا أمره وَنَهْيه ووعده ووعيده فَوَجَبَ على الْخلق تصديقهم فِيمَا جاؤا بِهِ معني الْكَلِمَة الثَّانِيَة وَهِي شَهَادَة الرَّسُول ﷺ أَنه تَعَالَى بعث النَّبِي الْأُمِّي الْقرشِي مُحَمَّدا ﷺ برسالته إِلَى

стр. 282

كَافَّة الْعَرَب والعجم وَالْجِنّ وَالْإِنْس قَالَ فَلَمَّا بلغت إِلَى هَذَا رَأَيْت البشاشة والتبسم فِي وَجهه ﷺ إِذْ انْتَهَيْت إِلَى نَعته وَصفته فَالْتَفت إليَّ وَقَالَ أَيْن الْغَزالِيّ فَإِذا بالغزالي كَأَنَّهُ كَانَ وَاقِفًا على الْحلقَة بَين يَدَيْهِ فَقَالَ هأنا ذَا يارسول اللَّهِ وَتقدم وَسلم على رَسُول اللَّهِ ﷺ فَرد عَلَيْهِ الْجَواب ونَاوله يَده العزيزة وَالْغَزالِيّ يقبل يَده وَيَضَع خديه عَلَيْهَا تبركا بِهِ وَبِيَدِهِ العزيزة الْمُبَارَكَة ثمَّ قعد قَالَ فَمَا رَأَيْت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَكثر اشتبشارا بِقِرَاءَة أحد مثل مَا كَانَ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَوَاعِد العقائد ثمَّ انْتَبَهت من النّوم وعَلى عَيْني أثر الدمع مِمَّا رَأَيْت من تِلْكَ الْأَحْوَال والمشاهدات والكرامات فَإِنَّهَا كَانَت نعْمَة جسيمة من اللَّه تَعَالَى سِيمَا فِي آخر الزَّمَان مَعَ كَثْرَة الْأَهْوَاء فنسأل اللَّه تَعَالَى أَن يثبتنَا على عقيدة أهل الْحق ويحيينَا ويميتنَا عَلَيْهَا ويحشرنَا مَعَهم وَمَعَ الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا فَإِنَّهُ بِالْفَضْلِ جدير وعَلى مَا يَشَاء قدير قَالَ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو الْقسم الإسفرايني هَذَا معنى مَا حكى لي أَبُو الْفَتْحِ الساوي أَنه رَآهُ فِي المنَام لِأَنَّهُ حَكَاهُ لي بِالْفَارِسِيَّةِ وترجمته أنَا بِالْعَرَبِيَّةِ وتتمة الْفَصْل الأول من فُصُول قَوَاعِد العقائد الَّذِي يتم بِهِ الِاعْتِقَاد وَلم يتَّفق قِرَاءَته إِيَّاه على رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمن الْمصلحَة إثْبَاته ليَكُون الِاعْتِقَاد تَاما فِي نَفسه غير نَاقص لمن أَرَادَ تَحْصِيله وَحفظه بعد قَوْله وَأَنه تَعَالَى بعث النَّبِي الْأُمِّي الْقرشِي مُحَمَّدا ﷺ برسالته إِلَى كَافَّة الْعَرَب والعجم وَالْجِنّ وَالْإِنْس فنسخ بشرعه الشَّرَائِع إِلَّا مَا قرر وفضله

стр. 283

على سَائِر الْأَنْبِيَاء وَجعله سيد الْبشر وَمنع كَمَال الْإِيمَان بِشَهَادَة التَّوْحِيد وَهُوَ قَول لَا إِلَه إِلَّا اللَّه مَا لم يقْتَرن بِهِ شَهَادَة الرَّسُول وَهُوَ قَول مُحَمَّد رَسُول اللَّه فألزم الْخلق تَصْدِيقه فِي جَمِيع مَا أخبر عَنهُ من الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأَنه لَا يتَقَبَّل إِيمَان عبد حَتَّى يُوقن بِمَا أخبر عَنهُ بعد الْمَوْت وأوله سُؤال مُنكر وَنَكِير وهما شخصان مهيبان هائلان يقعدان العَبْد فِي قَبره سويا ذَا روح وجسد فيسألانه عَن التَّوْحِيد والرسالة ويقولان من رَبك وَمَا دينك وَمن نبيك وهما فتانَا الْقَبْر وسؤالهما أول فتْنَة الْقَبْر بعد الْمَوْت وَأَن يُؤمن بِعَذَاب الْقَبْر وَأَنه حق وَحِكْمَة وَعدل على الْجِسْم وَالروح على مَا يَشَاء ويؤمن بالميزان ذِي الكفتين وَاللِّسَان وَصفته فِي الْعظم مثل أَنه مثل طباق السَّمَوَات وَالْأَرْض توزن فِيهِ الْأَعْمَال بقدرة اللَّه تَعَالَى والسنج يَوْمئِذٍ مَثَاقِيل الذَّر والخردل تَحْقِيقا لتَمام الْعدْل وتطرح صَحَائِف الحسنَات فِي صُورَة حَسَنَة فِي كفة النُّور فيثقل بهَا الْمِيزَان على قدر درجاتها عِنْد اللَّه بِفضل اللَّه تَعَالَى وتطرح صَحَائِف السيآت فِي كفة الظلمَة فيخف بهَا الْمِيزَان بِعدْل اللَّه تَعَالَى وَأَن يُؤمن بِأَن الصِّرَاط حق وَهُوَ جسر مَمْدُود على متن جَهَنَّم أحد من السَّيْف وأدق من الشّعْر تزل عَلَيْهِ أَقْدَام الْكَافرين بِحكم اللَّه تَعَالَى فَيهْوِي بههم إِلَى النَّار وَيثبت عَلَيْهِ أَقْدَام الْمُؤمنِينَ فيساقون إِلَى دَار الْقَرار وَأَن نؤمن بالحوض المرود حَوْض مُحَمَّد ﷺ يشرب مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ قبل دُخُول الْجنَّة وَبعد جَوَاز الصِّرَاط من شرب مِنْهُ شربة لم يظمأ بعْدهَا أبدا عرضه مسيرَة شهر مَاؤُهُ أَشد بَيَاضًا من اللَّبن وَأحلى من الْعَسَل حوله

стр. 284

أَبَارِيق عَددهَا عدد نُجُوم السَّمَاء فِيهِ مِيزَابَانِ يصبَّانِ من الْكَوْثَر ويؤمن بِيَوْم الْحساب وتفاوت الْخلق فِيهِ إِلَى منَاقش فِي الْحساب وَإِلَى مسامح فِيهِ إِلَى من يدْخل الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وهم المقربون فَيسْأَل من شَاءَ من الْأَنْبِيَاء عَن تَبْلِيغ الرسَالَة وَمن شَاءَ من الْكفَّار تَكْذِيب الْمُرْسلين وَيسْأل المبتدعة عَن السّنة وَيسْأل الْمُسلمين عَن الْأَعْمَال ويؤمن بِإِخْرَاج الْمُوَحِّدين من النَّار بعد الانتقام حَتَّى لَا يبقي فِي جَهَنَّم موحد بِفضل اللَّه تَعَالَى ويؤمن بشفاعة الْأَنْبِيَاء ثمَّ الْعلمَاء ثمَّ الشُّهَدَاء ثمَّ سَائِر الْمُؤمنِينَ كل على حسب جاهه ونزلته وَمن بَقِي من الْمُؤمنِينَ وَلم يكن لَهُ شَفِيع أخرج بِفضل اللَّه تَعَالَى وَلَا يخلد فِي النَّار مُؤمن بل يخرج مِنْهَا من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من الْإِيمَان وَأَن يعْتَقد فضل الصَّحَابَة وترتيبهم وَأَن أفضل النَّاس بعد رَسُول اللَّه ﷺ أَبُو بكر ثمَّ عمر ثمَّ عُثْمَان ثمَّ عَليّ ﵃ وَأَن يحسن الظَّن بِجَمِيعِ الصَّحَابَة ويثني عَلَيْهِم كَمَا أثنى اللَّه تَعَالَى وَرَسُوله ﵈ وَعَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فَكل ذَلِك مِمَّا وَردت بِهِ الْأَخْبَار وَشهِدت بِهِ الْآثَار فَمن اعْتقد جَمِيع ذَلِك موقنَا بِهِ كَانَ من أهل الْحق وعصابة السّنة وَفَارق رَهْط الضلال والبدعة فنسأل اللَّه تَعَالَى كَمَال الْيَقِين والثبات فِي الدّين لنَا ولكافة الْمُسلمين إِنَّه أرْحم الرَّاحِمِينَ وَصلى اللَّه على مُحَمَّد وَآله أَجْمَعِينَ وَمِنْهُم الإِمَام أَبُو بكر الشَّاشِي ﵀ واسْمه مُحَمَّد بن أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ تفقه على الشَّيْخ أَبِي إِسْحَاق

стр. 285

الشِّيرَازِيّ وَغَيره وَكَانَ معيدا لَهُ وَولي التدريس بِالْمَدْرَسَةِ النظامية وَغَيرهَا بِبَغْدَادَ وَله تصانيف كَثِيرَة حَسَنَة وتفقه بِهِ جمَاعَة أَئِمَّة كالْقَاضِي الإِمَام أَبِي الْعَبَّاس بن الرطبي وابْنه أَبِي المظفر وَأبي مُحَمَّد ابْني أَبِي بكر وَغَيرهم وَذكر شيخنَا الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بن الْأَكْفَانِيِّ أَنه مَاتَ فِي يَوْم السبت الْخَامِس وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة سبع وَسبعين وَخَمْسمِائة قَالَ وَإِلَيْهِ انْتَهَت الرياسة لأَصْحَاب الشَّافِعِي رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِ بِبَغْدَاد وَمِنْهُم الإِمَام أَبُو الْقسم الْأنْصَارِيّ النَّيْسَابُورِي ﵀ سَمِعت الشَّيْخ أَبَا بكر مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حبيب الْفَقِيه العامري بِبَغْدَاد وثنا عَنهُ بِحَدِيث يحسن عَلَيْهِ الثنَاء وَيَقُول كَانَ عَالما إِمَامًا فِي التَّفْسِير وَالْأُصُول وَذكر الشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ عبد الغافر بن إِسْمَاعِيلَ فِيمَا كتب إِلَى قَالَ سلمَان بن نَاصر بن عُمَرَان بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن اسحق بن يزِيد ابْن زِيَاد أَبُو الْقسم الْأنْصَارِيّ الإِمَام الدّين الْوَرع الزَّاهِد فريد عصره فِي فنه وَكَانَ لَهُ معرفَة بالطريقة وَقدم فِي التصوف وَنظر دَقِيق وفكر فِي الْمُعَامَلَة وتصاون فِي النَّفس وعفاف فِي الطّعْم وَكَانَ حسن الطَّرِيقَة دَقِيق النّظر وَاقِفًا على مسالك الْأَئِمَّة وطرقهم فِي علم الْكَلَام بَصيرًا بمواعظ الْإِشْكَال مَعَ قُصُور فِي تَقْرِير لِسَانه وَكَانَت مَعْرفَته فَوق نطقه ومعنَاه أوفر من ظَاهره وفحواه وعاش عَيْش الْأَبْرَار على سيرة السّلف الصَّالِحين وَتُوفِّي صَبِيحَة يَوْم الْخَمِيس الثَّانِي وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَخَمْسمِائة
следующие страницы →