Полный текст (410 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
يَتَجَادَلُونَ فِي الْقَدَرِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمَشِيئَةُ لَهُ دُونَ خَلْقِهِ وَالْمَشِيئَةُ إِرَادَةُ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ فَأعْلم عزوجل أَنَّ الْمَشِيئَةَ لَهُ وَكَانَ يُثْبِتُ الْقَدَرَ
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْأَعَز بن الأسعد قَالَ أَنا الْحَسَنُ بْنُ عَليّ أَبُو مُحَمَّد قَالَ أَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ أَنا عَبْدُ الرَّحْمَن بن أَبِي حَاتِم قَالَ ثَنَا الرّبيع بن سُلَيْمَان قَالَ حضرت الشَّافِعِي وَكَلمه رجل فِي الْمَسْجِد الْجَامِع فِي مسئلة فطال منَاظرته إِيَّاه فَخرج الرجل إِلَى شَيْء من الْكَلَام فَقَالَ لَهُ دع هَذَا فَإِن هَذَا من الْكَلَام
قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي حَاتِم قَالَ الْحسن بن عَبْدِ الْعَزِيزِ الجروي كَانَ الشَّافِعِي ينْهَى النَّهْي الشَّديد عَن الْكَلَام فِي الْأَهْوَاء وَيَقُول أحدهم إِذا خَالفه صَاحبه قَالَ كفرت وَالْعلم إِنَّمَا يُقَال فِيهِ أَخْطَأت وَلَعَلَّ الشَّافِعِي ﵀ أَرَادَ أَن صَاحب الْكَلَام لَا يفلح فِي غَالب مظنونه إِذَا لم يتَعَلَّم من علم الْفِقْه مَا يصلح بِهِ أَمر دينه كَمَا أَرَادَ الزنْجِي بقوله لَهُ حِين رَآهُ ينظر فِي جُزْء مَعَه يشْتَمل على حَدِيث وجده فِيهِ أَو سَمعه وَذَلِكَ فِيمَا أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْفرج سعيد بن أبي الرجا بن أَبِي مَنْصُور الصَّيْرَفِي بأصبهان قَالَ أَنا أَبُو الْفَتْحِ مَنْصُور بن الْحُسَيْنِ بن عَليّ بن الْقسم الْكَاتِب وأَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُود بن أَحْمَدَ الأديب قَالا أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن الْمقري قَالَ ثَنَا حُسَيْن بن مُحَمَّدِ بْنِ غوث الدِّمَشْقِي قَالَ سَمِعت الْمُزنِيّ يَقُول سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول مر بِي مُسلم بن خَالِد وأنَا أنظر فِي كتاب فَقَالَ مَا هَذَا يَا أَبَا عَبْد اللَّهِ قلت حَدِيث قَالَ لَيْسَ تفلح أبدا
وَإِنَّمَا أَرَادَ مُسلم الزنْجِي أَن صَاحب الحَدِيث إِذَا كَانَ يسمعهُ أَو يرويهِ وَهُوَ لَا يعرف
стр. 317
ناسخه من منسخوه وَلَا يقف على مَعَانِيه لعدم مَعْرفَته بِأَمْر دينه وَالْفِقْه فِيهِ فَهُوَ بعيد من الْفَلاح فِيمَا يذره مِنْهُ أَو يَأْتِيهِ وَالْكَلَام المذموم كَلَام أَصْحَاب الأهوية وَمَا يزخرفه أَرْبَاب الْبدع المردية فَأَما الْكَلَام الْمُوَافق للْكتاب وَالسّنة الموضح لحقائق الْأُصُول عِنْد ظُهُور الْفِتْنَة فَهُوَ مَحْمُود عِنْد الْعلمَاء وَمن يُعلمهُ وَقد كَانَ الشَّافِعِي يُحسنهُ ويفهمه وَقد تكلم مَعَ غير وَاحِد مِمَّن ابتدع وَأقَام الْحجَّة عَلَيْهِ حَتَّى انْقَطع
وَقد أَخْبَرَنَا الشَّيْخَان الْفَقِيه أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْفُرَاوِيُّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ عبيد اللَّه بن مُحَمَّدِ بن أَحْمد الْبَيْهَقِيّ قَالَا أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيّ قَالَ أَنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السّلمِيّ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زِيَاد يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن اسحق بن خُزَيْمَة يَقُول سَمِعت الرّبيع يَقُول لما كلم الشَّافِعِي حَفْص الْفَرد فَقَالَ حَفْص الْقُرْآن مَخْلُوق فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِي ﵀ كفرت بِاللَّهِ الْعَظِيم
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الأَعَزِّ قَرَاتَكِينُ بْنُ الأَسْعَدِ قَالَ أَنا الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي قَالَ أَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مردك قَالَ أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَن بن أَبِي حَاتِم قَالَ فِي كتابي عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان قَالَ حضرت الشَّافِعِي وحَدَّثَنِي أَبُو سعيد إِلَّا أَنِّي أعلم أَنه حضر عبد الله بن عبد الْحَكِيم ويوسف بن عَمْرو بن يزِيد وَحَفْص الْفَرد وَكَانَ الشَّافِعِي يُسَمِّيه الْمُنْفَرد فَسَأَلَ حَفْص عَبْد اللَّهِ بن عَبْدِ الحكم فَقَالَ مَا تَقول فِي الْقُرْآن فَأبى أَن يجِيبه فَسَأَلَ يُوسُف بن عَمْرو بن يزِيد فَلم يجبهُ فكلاهما أَشَارَ إِلَى أَن الشَّافِعِي فَسَأَلَ الشَّافِعِي فاحتج عَلَيْهِ الشَّافِعِي فطالت فِيهِ المنَاظرة فَقَامَ الشَّافِعِي بِالْحجَّةِ عَلَيْهِ بِأَن الْقُرْآن كَلَام اللَّه غير
стр. 318
مَخْلُوق وَكفر حَفْص الْفَرد قَالَ الرّبيع فَلَقِيت حفصا فِي الْمَسْجِد بعدُ فَقَالَ أَرَادَ الشَّافِعِي قَتْلِي
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْفَتْحِ نصر اللَّه بن مُحَمَّد الشَّافِعِي قَالَ أَنا أَبُو الْبَرَكَاتِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الله الْمقري قَالَ انا أَبُو الْقسم عبيد اللَّه بن أَحْمَدَ الصَّيْرَفِي قَالَ أَنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ حَمْكَانَ قَالَ حَدَّثَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْد اللَّهِ بن مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن اسحق الْخفاف قَالَ سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس الْبَغْدَادِيّ يَقُول سَمِعت الْحسن بن عَبْدِ الْعَزِيزِ الجروي يَقُول سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول ماناظرت أحدا أَحْبَبْت أَن يخطىء إِلَّا صَاحب بِدعَة فَإِنِّي أحب أَن ينْكَشف أمره للنَّاس
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمد بن قبيس قَالَ ثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ ثَابت الْخَطِيب قَالَ حَدَّثَنِي عبيد اللَّه بن أَبِي الْفَتْح قَالَ أَنا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ الهمذاني الْفَقِيه قَالَ حَدَّثَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عِيسَى يُوسُف بن يَعْقُوبَ بن مهْرَان الْأنمَاطِي بِبَغْدَاد قَالَ ثَنَا أَبُو سُلَيْمَان دَاوُد بن عَليّ الْأَصْبَهَانِيّ قَالَ حَدثنِي الْحَرْث بن سُرَيج النقال قَالَ دخلت على الشَّافِعِي يَوْمًا وَعِنْده أَحْمد بن حَنْبَل وَالْحُسَيْن الفلاس وَكَانَ الْحُسَيْن أحد تلاميذ الشَّافِعِي المقدمين فِي حفظ الحَدِيث وَعِنْده جمَاعَة من أهل الحَدِيث وَالْبَيْت غاص بالنَّاس وَبَين يَدَيْهِ إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيلَ بن علية وَهُوَ يكلمهُ فِي خبر الْوَاحِد فَقلت يَا أَبَا عَبْد اللَّهِ عنْدك وُجُوه النَّاس وَقد أَقبلت على هَذَا المبتدع تكَلمه فَقَالَ لي وَهُوَ يبتسم كَلَامي لهَذَا بحضرتهم أَنْفَع لَهُم من كَلَامي لَهُم قَالَ فقَالُوا صدق قَالَ فَأقبل عَلَيْهِ الشَّافِعِي فَقَالَ أَلَسْت تزْعم أَن الْحجَّة هِيَ الْإِجْمَاع
стр. 319
قَالَ فَقَالَ نعم فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِي خبرني عَن خبر الْوَاحِد الْعدْل أَبَا جماع دَفعته أم بِغَيْر إِجْمَاع قَالَ فَانْقَطع إِبْرَاهِيم وَلم يجب وسر الْقَوْم بذلك
كَتَبَ إِلَيَّ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ فُطَيْمَةَ الْبَيْهَقِيُّ قَاضِي خسروجرد قَالَ انا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ إِنَّمَا أَرَادَ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِهَذَا كَلامَ حَفْصٍ وَأَمْثَالِهِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَهَكَذَا مُرَادُهُ بِكُلِّ مَا حُكِيَ عَنْهُ فِي ذَمِّ الْكَلامِ وَذَمِّ أَهْلِهِ غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ أَطْلَقَهُ وَبَعْضَهُمْ قَيَّدَهُ وَفِي تَقْيِيد من قَيده دَلِيل على مُرَاده قَالَ الْبَيْهَقِيّ أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظ قَالَ أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّان قَالَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَاد قَالَ سَمِعت أَبَا الْوَلِيد بن الْجَارُود يَقُول دخل حَفْص الْفَرد على الشَّافِعِي فَقَالَ لنَا لِأَن يلقِي اللَّه العَبْد بذنوب مثل جبال تهَامَة خير لَهُ نم أَن يلقاه باعتقاد حرف مِمَّا عَلَيْهِ هَذَا الرجل وَأَصْحَابه وَكَانَ يَقُول بِخلق الْقُرْآن
فهَذِهِ الرِّوَايَات تدل على مُرَاده بِمَا أطلق عَنهُ فِيمَا تقدم وَفِيمَا لم يذكر ههنَا وَكَيف يكون كَلَام أهل السّنة وَالْجَمَاعَة مذموما عِنْده وَقد تكلم فِيهِ ونَاظر من نَاظره وكشف عَن تمويه من ألْقى إِلَى سمع بعض أَصْحَابه من أهل الْهَوَاء شَيْئا مِمَّا هم فِيهِ وَقد ذكرنَا قبل هَذَا منَاظرته مَعَ حَفْص فِي زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه وَذكر الْحميدِي أحسن مَا يحْتَج بِهِ على أهل الأرجاء وَذكر لابْن هرم مَا يحْتَج بِهِ على من أنكر الرُّؤْيَة وقرأت فِي كتاب أَبِي نُعَيْمِ الأَصْبَهَانِيِّ حِكَايَةً عَنِ الصَّاحِبِ بْنِ عَبَّادٍ أَنَّهُ ذَكَر فِي كِتَابِهِ بِإِسْنَادِهِ عَن اسحق أَنَّه قَالَ قَالَ أَبِي كَلَّمَ الشَّافِعِيُّ يَوْمًا بَعْضَ الْفُقَهَاءِ فَدَقَّقَ عَلَيْهِ وَحَقَّقَ وَطَالَبَ
стр. 320
وَضَيَّقَ فَقُلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ هَذَا لأَهْلِ الْكَلامِ لَا لأَهْلِ الْحَلالِ وَالْحَرَامِ فَقَالَ أَحْكَمْنَا ذَلِكَ قَبْلَ هَذَا وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْضَ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ الْفَقِيهُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّد قَالَ انا أَبُو الْبَرَكَاتِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الله قَالَ أَنا ابو الْقسم عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَمْكَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو أَحْمَدَ عُبَيْدُ اللَّهُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْعَطَّارُ الْجَرْبَاذَقَانِيُّ بِجَرْبَاذَقَانَ قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبَانَ الطَّبَرِيّ القَاضِي قَالَ ثَنَا أَبُو يحيى السَّاجِي قَالَ ثَنَا الْمُزَنِيُّ قَالَ لَمَّا وَافَى الشَّافِعِيُّ مِصْرَ قُلْتُ فِي نَفْسِي إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُخْرِجُ مَا فِي ضَمِيرِي وَتَعَلَّقَ بِهِ خَاطِرِي مِنْ أَمْرِ التَّوْحِيدِ فَهُوَ فَصِرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَسْجِدِ مِصْرَ فَلَمَّا جَثَوْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ لَهُ إِنَّه قد هجز فِي ضميري مسئلة فِي التَّوْحِيدِ فَعَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا لَا يَعْلَمُ عِلْمَكَ فَمَا الَّذِي عِنْدَكَ فَغَضِبَ ثُمَّ قَالَ لِي أَتَدْرِي أَيْنَ أَنْتَ جَالِسٌ قُلْتُ نَعَمْ أَنَا جَالِسٌ بِفُسَطَاطِ مِصْرَ فِي مَسْجِدِهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِيِّ قَالَ هَيْهَاتَ إِنَّكَ بِثَارَانَ وَجَنْبَلانُ يَضْرِبُكَ تَيَّارُهُ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ وَهَذَا هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي غَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ أَبَلَغَكَ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِالسُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ فَقُلْتُ لَا فَقَالَ هَلْ تَكَلَّمَ فِيهِ الصَّحَابَةُ فَقُلْتُ لَا فَقَالَ لِي تَدْرِي كَمْ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ فَقُلْتُ لَا قَالَ فَكَوْكَبٌ مِنْ هَذِهِ الْكَوَاكِبُ الَّذِي تَرَاهُ تَعْرِفُ جِنْسَيَّتَهُ طُلُوعَهُ وَأُفُولَهُ مِمَّا خَلَقَ قُلْتُ لَا قَالَ فَشَيْءٌ تَرَاهُ بِعَيْنِكَ خَلْقٌ ضَعِيفٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لَسْتَ تَعْرِفُهُ تَتَكَلَّمُ فِي عِلْمِ خَالِقِهِ ثُمَّ سَأَلَنِي عَن مسئلة فِي الْوُضُوءِ فَأَخْطَأْتُ فِيهَا فَفَرَّعَهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ فَلَمْ أُصِبْ فِي شَيْءٍ مِنْهِ ثُمَّ قَالَ لِي شَيْءٌ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِرَارًا خَمْسَةً تَدَعُ تَعَلُّمَهُ
стр. 321
وَتَتَكَلَّفُ عِلْمَ الْخَالِقِ إِذَا هَجَسَ فِي ضميرك فَارْجِعْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى قَوْله عزوجل ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ الْآيَة فاستدل بالمخلوق على الْخَالِق وَلَا تتكلف علم مَالا يَبْلُغُهُ عَقْلُكَ فَقُلْتُ فَقَدْ تُبْتُ إِنْ عُدْتُ فِي ذَلِكَ وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِيهَا وَلأَنْ يُبْتَلَى الْعَبْدُ بِكُلِّ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ مَضَارِّهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُبْتَلَى بِالْكَلامِ
قَالَ الْبَيْهَقِيّ ثاران فِي بَحر القلزم يُقَال فِيهَا غرق فِرْعَوْن وَقَومه فَشبه الشَّافِعِي الْمُزنِيّ فِيمَا أورد عَلَيْهِ بعض أهل الْإِلْحَاد وَلم يكن عِنْده جَوَاب بِمن ركب الْبَحْر فِي الْموضع الَّذِي أغرق فِيهِ فِرْعَوْن وَقَومه وأشرف على الْهَلَاك ثمَّ علمه جَوَاب مَا أورد عَلَيْهِ حَتَّى زَالَت عَنهُ تِلْكَ الشُّبْهَة وَفِي ذَلِك دلَالَة على حسن مَعْرفَته بذلك وَأَنه يجب الْكَشْف عَن تمويهات أهل الْإِلْحَاد عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ وَأَرَادَ بالْكلَام مَا وَقع فِيهِ أهل الْإِلْحَاد من الْإِلْحَاد وَأهل الْبدع من الْبدع واللَّه أعلم
فَأَما اسْتِحْبَابه ترك الْحَوْض فِيهِ والإعراض عَن المنَاظرة فِيهِ مَعَ مَعْرفَته بِهِ فأخبرنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظ قَالَ سَمِعت أَبَا الْفضل الْحسن ابْن يَعْقُوب الْعدْل سَمِعت أَبَا أَحْمد مُحَمَّد بن روح يَقُول كنَّا على بَاب الشَّافِعِي نتنَاظر فِي الْكَلَام فَخرج إلينَا الشَّافِعِي فَسمع بعض مَا كنَّا فِيهِ فَرجع عنَّا فَمَا خرج إلينَا إِلَّا بعد سَبْعَة أَيَّام ثمَّ خرج فَقَالَ مَا مَنَعَنِي من الْخُرُوج إِلَيْكُم عِلّة عرضت وَلَكِن لما سمعتكم تتنَاظرون فِيهِ أتظنون أَنِّي لَا أحْسنه لقد دخلت فِيهِ حَتَّى بلغت مِنْهُ مبلغا وَمَا تعاطيت شَيْئا إِلَّا وَبَلغت فِيهِ مبلغا حَتَّى الرَّمْي كنت أرمي
стр. 322
بَين الغرضين فأصيب من عشرَة تِسْعَة وَلَكِن الْكَلَام لَا غَايَة لَهُ تنَاظروا فِي شَيْء إِن أخطأتم فِيهِ يُقَال لكم أخطأتم لَا تنَاظروا فِي شَيْء إِن أخطأتم فِيهِ يُقَال لكم كَفرْتُمْ
قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَفِي حِكَايَة الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي دلَالَة على أَنه كَانَ قد تعلم الْكَلَام وَبَالغ فِيهِ ثمَّ اسْتحبَّ ترك المنَاظرة فِيهِ عِنْد الاستغنَاء عَنْهَا وَإِنَّمَا ذمّ مَذْهَب الْقَدَرِيَّة أَلا ترَاهُ قَالَ
بِشَيْء من هَذِهِ الْأَهْوَاء وَاسْتحبَّ ترك الْجِدَال فِيهِ وَكَأَنَّهُ تبع مَا روينَاه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ وَلا تُفَاتِحُوهُمْ الحَدِيث أَو غير ذَلِك من الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي معنَاه وعَلى مثل ذَلِك جرى أئمتنَا فِي قديم الدَّهْر عِنْد الاستغنَاء عَن الْكَلَام فِيهِ فَإِذا احتاجواإليه أجابوا بِمَا فِي كتاب اللَّه عزوجل ثمَّ فِي سنة رَسُول اللَّه ﷺ مَنْ الدّلَالَة على إِثْبَات الْقدر لِلَّه عزوجل وَأَنه لَا يجْرِي فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض شَيْء إِلَّا بِحكم اللَّه وَتَقْدِيره وإرادته وَكَذَلِكَ فِي سَائِر مسَائِل الْكَلَام اكتفوا بِمَا فيهمَا من الدّلَالَة على صِحَة قَوْلهم حَتَّى حدثت طَائِفَة سموا مَا فِي كتاب اللَّه من الْحجَّة عَلَيْهِم متشابها وقَالُوا نَتْرُك القَوْل بالأخبار أصلا وَزَعَمُوا أَن الْأَخْبَار الَّتِي حملت عَلَيْهِم لَا تصح فِي عُقُولهمْ فَقَامَ جمَاعَة من أئمتنَا ﵏ بِهَذَا الْعلم وبينوا لمن وفْق للصَّوَاب ورزق الْفَهم أَن جَمِيع مَا ورد فِي تِلْكَ الْأَخْبَار صَحِيح فِي الْعُقُول وَمَا ادعوهُ فِي الْكتاب من التشابه بَاطِل فِي الْعُقُول وَحين أظهرُوا بدعهم وَذكروا مَا اغْترَّ بِهِ أهل الضعْف من شبههم أجابوهم فكشفوا عَنْهَا
стр. 323
بِمَا هُوَ حجَّة عِنْدهم كَمَا فعل الشَّافِعِي فِيمَا حكينَا عَنهُ لوُجُوب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَمَا فِي ترك إِنْكَار الْمُنكر وَالسُّكُوت عَلَيْهِ من الْفساد والتعدي وَكَانُوا فِي الْقَدِيم إِنَّمَا يعْرفُونَ بالْكلَام أهل الْأَهْوَاء فَأَما أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فمعولهم فِيمَا يَعْتَقِدُونَ الْكتاب وَالسّنة فَكَانُوا لَا يسمون بتسميتهم وَإِنَّمَا يَعْنِي واللَّه أعلم بقوله يَعْنِي من ارتدى بالْكلَام لم يفلح كَلَام أهل الْهَوَاء الَّذين تركُوا الْكتاب وَالسّنة وَجعلُوا معولهم عُقُولهمْ وَأخذُوا فِي تَسْوِيَة الْكتاب عَلَيْهَا وَحين حملت عَلَيْهِم السّنة بِزِيَادَة بَيَان لنقض أقاويلهم اتهموا رواتها وأعرضوا عَنْهَا فَأَما أهل السّنة فمذهبهم فِي الْأُصُول مَبْنِيّ على الْكتاب وَالسّنة وَإِنَّمَا أَخذ من أَخذ مِنْهُم فِي الْعقل إبطالا لمَذْهَب من زعم أَنه غير مُسْتَقِيم على الْعقل وبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ الْبَيْهَقِيّ ولاستحباب الشَّافِعِي وَمن كَانَ فِي عصره من أئمتنَا ترك الْخَوْض فِي الْكَلَام وَترك الاشتهار بِهِ عِنْد الاستغنَاء عَنهُ معني آخر وَهُوَ أَن الشَّافِعِي حِين قدم الْعرَاق فِي خلَافَة الرشيد كَانَ قد دخل على الْمَأْمُون باستدعائه دُخُوله عَلَيْهِ وَرَأى تقريبه بشرا المريسي وَأَمْثَاله من أهل الْبدع وَحين عَاد إِلَى الْعرَاق فِي
стр. 324
خلَافَة الْمَأْمُون شَاهد غَلَبَة أهل الْأَهْوَاء على مَجْلِسه وأحس بِبَعْض مَا رأى أهل السّنة من غَلَبَة أهل الْأَهْوَاء فِي عصره ثمَّ بِمَا أَصَابَهُم من المحنة فِي أَيَّام المعتصم والواثق فحين شَاهد الشَّافِعِي أَمْثَال ذَلِك وأحس بِبَعْض مَا كَانَ وَرَاء ذَلِك مَعَ كراهيته وكراهية أَمْثَاله من أهل الْوَرع
стр. 325
الدُّخُول على السلاطين والاختلاط بهم اسْتحبَّ لأَصْحَابه ترك الْخَوْض فِيهِ لِئَلَّا يدعوا إِلَى مجالستهم للمنَاظرة فِيهِ وَلِئَلَّا يكون ذَلِك سَببا لمحنتهم وَلِهَذَا قَالَ لأبي يَعْقُوب الْبُوَيْطِيّ ﵀ يَعْنِي مَا أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْفَقِيه أَبُو الْحَسَنِ عَليّ بن الْمُسلم قَالَ أَنا أَبُو نصر الْحُسَيْن بن مُحَمَّدِ الْخَطِيب قَالَ أَنا
стр. 326
مُحَمَّد بن أَحْمد السّلمِيّ قَالَ انا مُحَمَّدُ بْنُ بشر العكري قَالَ سَمِعت الرّبيع يَقُول كنت عِنْد الشَّافِعِي أنَا والمزني وأَبُو يَعْقُوب الْبُوَيْطِيّ فَنظر إلينَا فَقَالَ لي أَنْت تَمُوت فِي الحَدِيث وَقَالَ للمزني هَذَا لَو نَاظره الشَّيْطَان قطعه أَو جدله وَقَالَ للبويطي أَنْت تَمُوت فِي الْحَدِيد
قَالَ الرّبيع فَدخلت على الْبُوَيْطِيّ أَيَّام المحنة فرأيته مُقَيّدا إِلَى أَنْصَاف سَاقيه مغلولة يَعْنِي يَده إِلَى عُنُقه
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فَكَانَ كَمَا تفرس وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ شَدِيدا على أهل الْبدع ذابا بالْكلَام على أهل السّنة فدعي فِي أَيَّام الواثق إِلَى القَوْل بِخلق الْقُرْآن فَامْتنعَ مِنْهُ فَحمل مُقَيّدا من مصر إِلَى الْعرَاق حَتَّى مَاتَ فِي أقياده مَحْبُوسًا ثَابتا على دينه صَابِرًا على مَا أَصَابَهُ من الْأَذَى رَحْمَة اللَّه
стр. 327
ورضوانه عَلَيْهِ ومشهور عِنْد أهل الْعلم مَا أصَاب أَحْمد بن حَنْبَل ﵀ فِي أَيَّام المعتصم من الْحَبْس وَالضَّرْب وَمَا أصَاب أَحْمد بن نصر الْخُزَاعِيّ فِي أَيَّام الواثق من الْقَتْل والصلب وَمَا أصَاب غَيرهمَا من المحنة الْعَظِيمَة حَتَّى أجَاب بَعضهم إِلَى مَا دعِي إِلَيْهِ خوفًا على نَفسه أعاذنَا اللَّه من أَمْثَالهَا وَالَّذِي يبين هَذَا مَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ سَمِعْتُ
стр. 328
عَبْد اللَّهِ بن مُحَمَّد الخواري يَقُول سَمِعت أَبَا نعيم يَعْنِي عبد الْملك بن مُحَمَّد الاستراباذي يَقُول سَمِعت ابا الْقسم الْأنمَاطِي يَعْنِي عُثْمَان ين سعيد بن بشار أستاذ ابْن سُرَيج يَقُول جالست الْمُزنِيّ عشر سِنِين فَلَمَّا كَانَ بآخرة اجتمعنَا فِي جنَازة بعض أَصْحَابه فقلنَا يتحدثون بِمذهب الْمُزنِيّ وينسبونه إِلَى إِنَّه يتَكَلَّم فِي الْقُرْآن وَيَقُول بالمخلوق فَلَو سألنَاه قَالَ فتقدمنَا إِلَيْهِ فقلنَا يَا أَبَا إِبْرَاهِيم أَنَّا لنسمع مِنْك هَذَا الْعلم ونحب أَن يُؤْخَذ عنَّا مَا نسْمع مِنْك وَالنَّاس يذكرونك أَنَّك سَاكِت عَن القَوْل بِمَا يَقُول أهل الحَدِيث فِي الْقُرْآن وَنحن نعلم أَنَّك تَقول بِالسنةِ وعَلى مَذْهَب أهل الحَدِيث فَلَو أظهرت لنَا مَا تعتقده فأجابنَا فَقَالَ أنَا لم أعتقد قطّ إِلَّا إِن الْقُرْآن كَلَام اللَّه غير مَخْلُوق وَلَكِنِّي كرهت الْخَوْض فِي هَذَا مَخَافَة أَن يكثر عليَّ وأطالب بِالنّظرِ فِي هَذَا وأشتغل عَن الْفِقْه فَلَمَّا كَانَ من الْغَد
стр. 329
بعث إِلَيْهِ رَئِيس رُؤَسَاء الْجَهْمِية يُقَال لَهُ ابْن الْأَصْبَغ رَسُولا فَقَالَ يَا أَبَا إِبْرَاهِيم بَعَثَنِي إِلَيْك فلَان وَهُوَ يَقُول لم تزل تمسك عَن الْخَوْض فِي الْقُرْآن وَالْكَلَام فِيهِ فَمَا الَّذِي بدا لَك الْآن وَقد بَلغنِي أَنَّك أجبْت بِكَذَا وَكَذَا فَمَا حجتك فِيمَا أجبْت أَن الْقُرْآن غير مَخْلُوق فَنظر إلينَا وَقَالَ ألم أقل لكم أَنِّي كنت أمتنع من أجل أَنِّي أطالب بِمثل هَذَا قَالَ أَبُو الْقسم فَقلت أنَا أتولى عَنْك جَوَابه قَالَ شَأْنك فمضيت إِلَيْهِ فَقلت لَهُ إِن رَسُولك جَاءَ إِلَى أَبِي إِبْرَاهِيم بِكَذَا وَكَذَا فَجئْت لأتولى عَنهُ الْجَواب وأنَا أحد من تحمل عَنهُ الْعلم فَقَالَ مَا حجتك فَقلت لَهُ أَقُول الْقُرْآن غير مَخْلُوق وأدل عَلَيْهِ بِكِتَاب اللَّه وَسنة رَسُول اللَّه ﷺ وَإِجْمَاع أمته وَمن حجج الْعُقُول الَّتِي ركبهَا اللَّه فِي عباده قَالَ فأوردت عَلَيْهِ ذَلِك فَبَقيَ متحيرا قَالَ الْبَيْهَقِيّ فالمزني ﵀ كَانَ رجلا ورعا زاهدا يتَجَنَّب السلاطين فَامْتنعَ من الْكَلَام مَخَافَة أَن يبتلى بِالدُّخُولِ عَلَيْهِم مَعَ مَا شَاهد من محنة الْبُوَيْطِيّ وَأَمْثَاله من أهل السّنة فِي أَيَّام المعتصم والواثق وَفِي كل ذَلِك دلَالَة على أَن اسْتِحْبَاب من اسْتحبَّ من أئمتنَا ترك الْخَوْض فِي الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ للمعني الَّذِي أشرنَا إِلَيْهِ وَأَن الْكَلَام المذموم إِنَّمَا هُوَ كَلَام أهل الْبدع الَّذِي يُخَالف الْكتاب وَالسّنة فَأَما الْكَلَام الَّذِي يُوَافق الْكتاب وَالسّنة وَيبين بِالْعقلِ وَالْعبْرَة فَإِنَّهُ مَحْمُود مَرْغُوب فِيهِ عِنْد الْحَاجة تكلم فِيهِ الشَّافِعِي وَغَيره من أئمتنَا ﵃ عِنْد الْحَاجة كَمَا سبق ذكرنَا لَهُ وَقد كَانَ عَبْد اللَّهِ بن يزِيد بن هُرْمُز الْمدنِي شيخ مَالك بن أنس أستاذ الشَّافِعِي ﵏ بَصيرًا بالْكلَام وَالرَّدّ على
стр. 330
أهل الْأَهْوَاء كَمَا أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقسم إِسْماعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ السَّمرقَنْدِي قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ هِبَة اللَّهِ الطَّبَرِيّ قَالَ أَنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْن بن الْفضل الْقطَّان قَالَ انا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَر النَّحْوِيّ قَالَ ثَنَا أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بن سُفْيَان الْفَارِسِي قَالَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي زُكَيْرٍ قَالَ انا ابْن وهب قَالَ قَالَ مَالك كَانَ ابْن هُرْمُز رجلا كنت أحب أَن أقتدي بِهِ وَكَانَ قَلِيل الْكَلَام قَلِيل الْفتيا شَدِيد التحفظ وَكَانَ كثيرا مَا يُفْتِي الرجل ثمَّ يبْعَث فِي أَثَره فَيردهُ إِلَيْهِ حَتَّى يُخبرهُ بِغَيْر مَا أفتاه قَالَ وَكَانَ بَصيرًا بالْكلَام وَكَانَ يرد على أهل الْأَهْوَاء قَالَ وَكَانَ من أعلم النَّاس بِمَا اخْتلف النَّاس فِيهِ من هَذَا الاهوا
قَالَ وَحدثنَا يَعْقُوب قَالَ ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمد بن أَبِي الْحوَاري قَالَ سَمِعت مَرْوَان يَعْنِي ابْن مُحَمَّد عَن مَالك قَالَ جَلَست إِلَى ابْن هُرْمُز ثَلَاث عشرَة سنة قَالَ وَكنت فِي الشتَاء قد اتَّخذت سَرَاوِيل محشوا كنَا نجلس مَعَه فِي الصحن فِي الشتَاء قَالَ فاستحلفني أَن لَا أذكر اسْمه فِي الحَدِيث وَقد اشْتهر غير وَاحِد من عُلَمَاء الْإِسْلَام وَمن أهل السّنة قَدِيما بِعلم الْكَلَام
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو نصر عبد الرَّحِيم بن عَبْدِ الْكَرِيم بن هوَازن إجَازَة قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ابْن عَليّ الْحَافِظ قَالَ أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الْحَفِيد من أصل كِتَابه يَقُول سَمِعت الْحُسَيْن بن الْفَضْلِ البَجلِيّ ﵀ يَقُول دخلت على زُهَيْر بن حَرْب بعد مَا قدم من عِنْد الْمَأْمُون وَقد امتحنه فَأجَاب إِلَى مَا سَأَلَهُ فَكَانَ أول مَا قَالَ لي يَا أَبَا عَليّ تكْتب عَن الْمُرْتَدين فَقلت معَاذ اللَّه مَا أَنْت بمرتد وَقد قَالَ اللَّه
стр. 331
تبَارك وَتَعَالَى ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان﴾ فَوضع اللَّه عَن الْمُكْره مَا يسمعهُ فِي الْقُرْآن ثمَّ سَأَلته عَن أَشْيَاء يطول ذكرهَا فَقَالَ أَشدّهَا علينَا أَن قَالَ لنَا مَا تَقولُونَ فِي عِيسَى ﷺ قُلْنَا من عِيسَى ياأمير الْمُؤمنِينَ قَالَ ابْن مَرْيَم قلنَا رَسُول اللَّه قَالَ وكلمته قلنَا نعم قَالَ فَمَا تَقولُونَ فِيمَن قَالَ لَيْسَ عِيسَى كلمة اللَّه قُلْنَا كَافِر ياأمير الْمُؤمنِينَ قَالَ فَقَالَ لنا أَلَيْسَ عِيسَى كلمة اللَّه قلنَا بلَى قَالَ فمخلوق أم غير مَخْلُوق قلنَا مَخْلُوق قَالَ فَمن زعم أَنه غير مَخْلُوق قلنَا كَافِر ياأمير الْمُؤمنِينَ قَالَ فَمَا تَقولُونَ فِي الْقُرْآن قُلْنَا كَلَام الله عزوجل قَالَ مَخْلُوق أم غير مَخْلُوق قلنَا غير مَخْلُوق قَالَ فَمن زعم أَن عِيسَى غير مَخْلُوق وَهُوَ كلمة اللَّه قلنَا كَافِر قَالَ يَا سُبْحَانَ الله عِيسَى كلمة الله ومنفى الْخلق عَنهُ كَافِر وَالْقُرْآن كلمة اللَّه وَمن يثبت الْخلق عَلَيْهِ كَافِر قَالَ الْحُسَيْن فأعلمته مَا يجب من القَوْل وَقلت لَهُ قد كَانَ الْمَكِّيّ يخْتَلف إِلَيْكُم وَيَقُول لكم إِنِّي أعلم من هَذَا الْبَاب مَا لاتعلمون فتعلموا ذَلِك مني فتحملكم الرياسة على ترك ذَلِك وَيَقُول لكم يكون لكم مَا تعلمتوه مني عدَّة تعتدونها لأعدائكم فَإِن هجموا يَوْمًا لم تحتاجوا إِلَى طلب الْعدة فَإِن احْتَجُّوا بعد ذَلِك عَلَيْكُم وَلم يحضركم الْأَعْدَاء لم يضركم الإعداد للعدة فتأبون ذَلِك وَالْحجّة فِي هَذَا الْبَاب كَيْت وَكَيْت فَقَالَ واللَّه لَوَدِدْت أَنِّي كنت أعلم هَذَا كَمَا نعلمهُ يَوْم دخلت على الْمَأْمُون وَأَن ثلث روايتي سَاقِطَة عني ثمَّ نظر إِلَى يَحْيَى بن معِين وَهُوَ مَعَه فَقَالَ لَهُ وأنَا أَقُول كَمَا تَقول فَقَالَ لي زُهَيْر فعلّم ابْني فَإِنَّهُ حدث فخلوت بِهِ فِي الْمَسْجِد فعلمته
стр. 332
ذَلِك ثمَّ انصرفت قَالَ مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِم الْحُسَيْن بن الْفَضْلِ البَجلِيّ صَاحب عبد الْعَزِيزِ الْمَكِّيّ الْمُقدم فِي معرفَة الْكَلَام
أَخْبرنِي الشَّيْخ أَبُو الْقسم نصر بن نصر الْوَاعِظ فِي كِتَابه عَن الْقَاضِي أَبِي الْمَعَالِي بن عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ من اعْتقد أَن السّلف الصَّالح ﵃ نهوا عَن معرفَة الْأُصُول وتجنبوها أَو تغافلوا عَنْهَا وأهملوها فقد اعْتقد فيهم عَجزا وأساء بهم ظنا لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل فِي الْعقل وَالدّين عِنْد كل من أنصف من نَفسه أَن الْوَاحِد مِنْهُم يتَكَلَّم فِي مسئلة الْعَوْل وقضايا الجَدّ وكمية الْحُدُود وَكَيْفِيَّة الْقصاص بفصول ويباهل عَلَيْهَا ويلاعن ويجاثي فِيهَا ويبالغ وَيذكر فِي إِزَالَة النَّجَاسَات عشْرين دَلِيلا لنَفسِهِ وللمخالف ويشقق الشّعْر فِي النّظر فِيهَا ثمَّ لَا يعرف ربه الْآمِر خلقه بالتحليل وَالتَّحْرِيم والمكلف عباده للترك والتعظيم فهيهات أَن يكون ذَلِك وَإِنَّمَا أهملوا تَحْرِير أدلته وَإِقْرَار أسئلته وأجوبته فَإِن اللَّه بعث نبينَا مُحَمَّدا صلوَات اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَامه فأيده بِالْآيَاتِ الباهرة والمعجزات الْقَاهِرَة حَتَّى أوضح الشَّرِيعَة وَبَينهَا وعلمهم مواقيتها وعينها فَلم يتْرك لَهُم أصلا من الْأُصُول إِلَّا بنَاه وشيده وَلَا حكما من الْأَحْكَام إِلَّا أوضحه ومهده لقَوْله ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ولعلهم يتفكرون﴾ فاطمأنت قُلُوب الصَّحَابَة لما عاينوا من عجائب الرَّسُول وشاهدوا من صدق التَّنْزِيل ببدائة الْعُقُول والشريعة غضة طرية متداولة بَينهم فِي مواسمهم ومجالسهم يعْرفُونَ التَّوْحِيد مُشَاهدَة بِالْوَحْي وَالسَّمَاع ويتكلمون فِي أَدِلَّة الوحدانية بالطباع مستغنين
стр. 333
عَن تَحْرِير أدلتها وتقويم حجتها وعللها كَمَا أَنهم كَانُوا يعْرفُونَ تَفْسِير الْقُرْآن ومعاني الشّعْر وَالْبَيَان وترتيب النَّحْو وَالْعرُوض وفتاوى النَّوَافِل والفروض من غير تَحْرِير الْعلَّة وَلَا تَقْوِيم الْأَدِلَّة ثمَّ لما انقرضت أيامهم وتغيرت طباع من بعدهمْ وَكَلَامهم وخالطهم من غير جنسهم وَطَالَ بالسلف الصَّالح وَالْعرب العرباء عَهدهم أشكل عَلَيْهِم تَفْسِير الْقُرْآن ومرن عَلَيْهِم غلط اللِّسَان وَكثر المخالفون فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع واضطروا إِلَى جمع الْعرُوض والنحو وتمييز الْمَرَاسِيل من المسانيد والآحاد عَن التَّوَاتُر وصنفوا التَّفْسِير وَالتَّعْلِيق وبينوا التدقيق وَالتَّحْقِيق وَلم يقل قَائِل إِن هَذِهِ كلهَا بدع ظَهرت أَو أَنَّهَا محالات جمعت ودونت بل هُوَ الشَّرْع الصَّحِيح والرأي الصَّرِيح وَكَذَلِكَ هَذِهِ الطَّائِفَة كثر اللَّه عَددهمْ وَقَوي عَددهمْ بل هَذِهِ الْعُلُوم أولى بجمعها لحُرْمَة معلومها فَإِن مَرَاتِب الْعُلُوم تترتب على حسب معلوماتها والصنَائع تكرم على قدر مصنوعاتها فَهِيَ من فَرَائض الْأَعْيَان وَغَيرهَا إِمَّا من فَرَائض الكفايات أَو كالمندوب وَالْمُسْتَحب فَإِن من جهل صفة من صِفَات معلومه لم يعرف الْمَعْلُوم على مَا هُوَ بِهِ وَمن لم يعرف الْبَارِي سُبْحَانَهُ على مَا هُوَ بِهِ لم يسْتَحق اسْم الْإِيمَان وَلَا الْخُرُوج يَوْم الْقِيَامَة من النيرَان
أَخْبَرَنَا الشَّيْخ أَبُو الْقسم عَبْد الرَّحْمَنِ بن الْحَسَنِ بن أَحْمَدَ الْجِرْجَانِيّ الصُّوفِي الْمَعْرُوف بالشعر بِنَيْسَابُورَ قَالَ سَمِعت أَبَا الْحسن عَليّ بن أَحْمَدَ الْمَدِينِيّ يَقُول سَمِعت الإِمَام أَبَا مُحَمَّد عَبْد اللَّهِ بن يُوسُفَ الْجُوَيْنِيّ يَقُول رَأَيْت إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ فِي المنَام فَأَهْوَيْت لِأَن أقبل رجلَيْهِ فَمَنَعَنِي من
стр. 334
ذَلِك تكرما لي فاستدبرت فَقبلت عَقِبَيْهِ فأولت الرّفْعَة وَالْبركَة تبقي فِي عَقبي ثمَّ قلت يَا خَلِيل اللَّه مَا تَقول فِي علم الْكَلَام فَقَالَ يدْفع بِهِ الشّبَه والأباطيل
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإِمَام أَبُو نصر عبد الرَّحِيم بن عبد الْكَرِيم ابْن هوَازن إجَازَة قَالَ سُئِلَ أَبِي لأستاذ ابو الْقسم الْقشيرِي ﵀ فَقيل لَهُ أَرْبَاب التَّوْحِيد هَل يتفاوتون فِيهِ فَقَالَ إِن فرقت بَين مصل ومصل وَعلمت أَن هَذَا يُصَلِّي قلبه مشحون بالغفلات وَذَاكَ يُصَلِّي وَقَلبه حَاضر فَفرق بَين عَالم وعالم هَذَا لَو طرأت عَلَيْهِ مشكلة لم يُمكنهُ الْخُرُوج مِنْهَا وَهَذَا يُقَاوم كل عَدو لِلْإِسْلَامِ وَيحل كل معضلة تعز فِي مقَام الْخِصَام وَهَذَا هُوَ الْجِهَاد الْأَكْبَر فَإِن الْجِهَاد فِي الظَّاهِر مَعَ أَقوام مُعينين وَهَذَا جِهَاد مَعَ جَمِيع أَعدَاء الدّين وَهُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعلم وللخراج فِي الْبَلَد قانون مَعْرُوف إِذَا أشكل خراج بقْعَة رَجَعَ النَّاس إِلَى ذَلِك القانون وقانون الْعلم بِاللَّهِ قُلُوب العارفين بِهِ فَرُواة الْأَخْبَار خزان الشَّرْع والقراء من الْخَواص وَالْفُقَهَاء حفظَة الشَّرْع وعلماء الْأُصُول هم الَّذين يعْرفُونَ مَا يجب ويستحيل وَيجوز فِي حق الصَّانِع وهم الأقلون الْيَوْم ... رمى الدَّهْر بالفتيان حَتَّى كَأَنَّهُمْ
بأكنَاف أَطْرَاف السَّمَاء نُجُوم
وَقد كنَّا نعدهم قَلِيلا
فقد صَارُوا أقل من الْقَلِيل ...
قَلَّت عنَاية النَّاس بِعلم الْأُصُول إِذْ لَيْسَ فِيهِ وقف ورفق يَأْكُلُونَهُ فميلهم إِلَى مَا يقربهُمْ من الدُّنْيَا ويوليهم الْأَوْقَاف وَالْقَضَاء وَالطَّرِيق أَيْضا
стр. 335
مُشكل فَهُوَ علم عَزِيز وَالطَّرِيق إِلَى الأعزة عَزِيز وَقد يرى بعض الْجَوَاهِر أثبت لَهُ درة من الْعِزّ فَلَا تُوجد إِلَّا عِنْد الْخَواص فَهُوَ وَإِن كَانَ حجرا غير مبتذل فَمَا الظَّن بجوهر الْمعرفَة
أخبرنَا الشريف أَبُو الْقسم عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْعلوِي وأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْغَسَّانِيُّ قَالَا ثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ بن ثَابت الْخَطِيب قَالَ أَنا أَبُو طَالب عمر بن إِبْرَاهِيمَ الْفَقِيه الزُّهْرِيّ قَالَ ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ الشَّافِعِي الهمذاني قَالَ أَنْشدني أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بن مُجَاهِد الْمُتَكَلّم لبَعْضهِم ... أَيهَا الْمُقْتَدِي ليطلب علما
كل علم عبد لعلم الْكَلَام
تطلب الْفِقْه كي تصحح حكما
ثمَّ أغفلت منزل الْأَحْكَام ...
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الفراوي قَالَ قَالَ لنَا الْأُسْتَاذ أَبُو الْقسم عَبْدِ الْكَرِيم بن هوَازن الْقشيرِي أَن الْأَشْعَرِيّ لَا يشرط فِي صِحَة الْإِيمَان مَا قَالُوهُ يَعْنِي من شنع عَلَيْهِ أَن أغمار الْعَوام عِنْده غير مُؤمنين لأَنهم خليون عَن علم الْكَلَام بل هُوَ وَجَمِيع أهل التَّحْصِيل من أهل الْقبْلَة يَقُولُونَ يجب على الْمُكَلف أَن يعرف الصَّانِع المعبود بدلائله الَّتِي نصبها على توحيده واستحقاقه نعوت الربوبية وَلَيْسَ الْمَقْصُود اسْتِعْمَال أَلْفَاظ الْمُتَكَلِّمين من لفظ الْجَوْهَر وَالْعرض وَإِنَّمَا الْمَقْصُود حُصُول النّظر وَالِاسْتِدْلَال الْمُؤَدِّي إِلَى معرفَة اللَّه وَإِنَّمَا اسْتعْمل المتكلمون هَذِهِ الْأَلْفَاظ على سَبِيل التَّقْرِيب والتسهيل على المتعلمين وَالسَّلَف الصَّالح وَإِن لم يستعملوا هَذِهِ الْأَلْفَاظ فَلم يكن فِي معارفهم خلل والخَلَف الَّذين
стр. 336
استعملوا هَذِهِ الْأَلْفَاظ لم يكن ذَلِك مِنْهُم لطريق الْحق مباينة وَلَا فِي الدّين بِدعَة كَمَا أَن الْمُتَأَخِّرين من الْفُقَهَاء عَن زمَان الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لم يستعملوا أَلْفَاظ الْفُقَهَاء من لفظ الْعلَّة والمعلول وَالْقِيَاس وَغَيره ثمَّ لم يكن استعمالهم بذلك بِدعَة وَلَا خلو السّلف عَن ذَلِك كَانَ لَهُم نقصا وَكَذَلِكَ شَأْن النَّحْوِيين والتصريفيين ونقلة الْأَخْبَار فِي أَلْفَاظ تخْتَص بهَا كل فرقة مِنْهُم فَإِن قَالُوا إِن الِاشْتِغَال بِعلم الْكَلَام بِدعَة وَمُخَالفَة لطريقة السّلف قيل لَا يخْتَص بِهَذَا السُّؤَال الْأَشْعَرِيّ دون غَيره من متكلمي أهل الْقبْلَة ثمَّ الاسترواح إِلَى مثل هَذَا الْكَلَام صفة الحشوية الَّذين لَا تَحْصِيل لَهُم وَكَيف يظنّ بسلف الْأمة أَنهم لم يسلكوا سَبِيل النّظر وَأَنَّهُمْ اتصفوا بالتقليد حاش لِلَّه أَن يكون ذَلِك وَصفهم وَلَقَد كَانَ السّلف من الصَّحَابَة مستقلين بِمَا عرفُوا من الْحق وسمعوا من الرَّسُول صلوَات اللَّه عَلَيْهِ من أَوْصَاف المعبود وتأملوه من الْأَدِلَّة المنصوبة فِي الْقُرْآن وأخبار الرَّسُول ﵇ فِي مسَائِل التَّوْحِيد وَكَذَلِكَ التابعون وَأَتْبَاع التَّابِعين لقرب عَهدهم من الرَّسُول ﵇ فَلَمَّا ظهر أهل الْأَهْوَاء وَكثر أهل الْبدع من الْخَوَارِج والجهمية والمعتزلة والقدرية وأوردوا الشّبَه انتدب أَئِمَّة أهل السّنة لمخالفتهم والإيصاء للْمُسلمين بمباينة طريقتهم فَلَمَّا أشفقوا على الْقُلُوب أَن يخامرها شبههم شرعوا فِي الرَّد عَلَيْهِم وكشف شبههم وأجابوهم عَن أسئلتهم وحاموا عَن دين اللَّه بإيضاح الْحجَج وَلما قَالَ اللَّه تَعَالَى ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ تأدبوا بآدابه سُبْحَانَهُ وَلم يَقُولُوا فِي مسَائِل التَّوْحِيد إِلَّا بِمَا نبههم اللَّه
стр. 337
سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ فِي مُحكم التَّنْزِيل وَالْعجب مِمَّن يَقُول لَيْسَ فِي الْقُرْآن علم الْكَلَام والآيات الَّتِي هِيَ فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة نجدها محصورة والآيات المنبهة على علم الْأُصُول نجدها تُوفِي على ذَلِك وتربي بِكَثِير
وَفِي الْجُمْلَة لَا يجْحَد علم الْكَلَام إِلَّا أحد رجلَيْنِ جَاهِل ركن إِلَى التَّقْلِيد وشق عَلَيْهِ سلوك طرق أهل التَّحْصِيل وخلا عَن طرق أهل النّظر والنَّاس أَعدَاء مَا جهلوا فَلَمَّا انْتهى عَن التحقق بِهَذَا الْعلم نهى النَّاس ليضل كَمَا ضل أَو رجل يعْتَقد مَذَاهِب فَاسِدَة فينطوي على بدع خُفْيَة يلبس على النَّاس عوار مذْهبه ويعمي عَلَيْهِم فضائح عقيدته وَيعلم أَن أهل التَّحْصِيل من أهل النّظر هم الَّذين يهتكون السّتْر عَن بدعهم ويظهرون للنَاس قبح مقَالاتهم والقلاب لَا يحب من يُمَيّز النُّقُود والخلل فِيمَا فِي يَده من النُّقُود الْفَاسِدَة كالصراف ذِي التَّمْيِيز والبصيرة وَقد قَالَ اللَّه تَعَالَى ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ﴾
فَهَذَا مَا حضرني من مدح الْكَلَام والمتكلمين وَذكر بعض من كَانَ نعلمهُ من عُلَمَاء الْمُسلمين
فَإِن قَالَ بعض الْجُهَّال من البتدعة لسنَا نَعْرِف غير الْمذَاهب الْأَرْبَعَة فَمن أَيْن أَتَى هَذَا الْمَذْهَب الْخَامِس الَّذِي اخترعتموه وَلم رَضِيتُمْ لأنفسكم بالانتساب إِلَى الْأَشْعَرِيّ الَّذِي اتبعتموه وهلا اقتنعتم بالانتساب إِلَى الإِمَام الألمعي أَبِي عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي فَإِنَّهُ أولى بالانتساب إِلَيْهِ مِمَّن سواهُ وأحق بالانتماء إِلَى مذْهبه مِمَّن عداهُ قلنَا هَذَا قَول عري عَن الصدْق وقائله بعيد عَن الْحق فَمن ذَا الَّذِي حصر الْمذَاهب بِالْعدَدِ الَّذِي حصرتم وَمن يصحح لكم من قَوْلكُم ماذكرتم بل الْمذَاهب
стр. 338
أَكْثَرهَا لَا ينْحَصر بِهَذَا الْعدَد الَّذِي عددتم وَلَو كَانَت منحصرة بِهِ لم يحصل لكم بذلك مَا قصدتم وكأنكم لم تسمعوا بِمذهب اللَّيْث بن سعد الْمصْرِيّ وَعُثْمَان بن سُلَيْمَان البتي الْبَصْرِيّ واسحق بن رَاهَوَيْه الْخُرَاسَانِي وَدَاوُد ابْن عَليّ الْأَصْبَهَانِيّ وَغَيرهم من عُلَمَاء الْإِسْلَام الَّذين اخْتلفُوا فِي الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَام لَا فِي أصُول الدّين المبنية على الْقطع وَالْيَقِين وَلَيْسَ انْقِرَاض أَرْبَاب هَذِهِ الْمذَاهب الَّتِي سمينَا يصحح لهَذَا الْجَاهِل هَذِهِ الْمقَالة الَّتِي عَنهُ حكينَا ولسنَا نسلم أَن أَبَا الْحسن اخترع مذهبا خَامِسًا
стр. 339
وَإِنَّمَا أَقَامَ من مَذَاهِب أهل السّنة مَا صَار عِنْد المبتدعة دارسا وأوضح من أَقْوَال من تقدمه من الْأَرْبَعَة وَغَيرهم مَا غَدَا ملتبسا وجدد من
стр. 340
معالم الشَّرِيعَة مَا أصبح بتكذيب من اعْتدى منطمسا ولسنَا ننتسب بمذهبنَا فِي التَّوْحِيد إِلَيْهِ على معنى أنَا نقلده فِيهِ ونعتمد عَلَيْهِ ولكنَا نوافقه على مَا صَار إِلَيْهِ من التَّوْحِيد لقِيَام الْأَدِلَّة على صِحَّته لَا لمُجَرّد التَّقْلِيد وَإِنَّمَا ينتسب مِنَّا من انتسب إِلَى مذْهبه ليتميز عَن المبتدعة الَّذين لَا يَقُولُونَ بِهِ من أصنَاف الْمُعْتَزلَة والجهمية المعطلة والمجسمة والكرامية والمشبهة السالمية وَغَيرهم من سَائِر طوائف المبتدعة وَأَصْحَاب المقَالات الْفَاسِدَة المخترعة لِأَن الْأَشْعَرِيّ هُوَ الَّذِي انتدب للرَّدّ عَلَيْهِم حَتَّى قمعهم وَأظْهر لمن لم يعرف الْبدع بدعهم ولسنَا نرى الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة الَّذين عنيتم فِي أصُول الدّين مُخْتَلفين بل نراهم فِي القَوْل بتوحيد اللَّه وتنزيهه فِي ذَاته مؤتلفين وعَلى نفي التَّشْبِيه عَن الْقَدِيم مُجْتَمعين والأشعري ﵀ فِي الْأُصُول على منهاجهم أَجْمَعِينَ فَمَا على من انتسب إِلَيْهِ على هَذَا الْوَجْه جنَاح وَلَا يُرْجَى لمن تَبرأ من عقيدته الصَّحِيحَة فلاح فَإِن عددتهم القَوْل بالتنزيه وَترك التَّشْبِيه تمشعرا فالموحدون بأسرهم أشعرية وَلَا يضر عِصَابَة انتمت إِلَى موحد مُجَرّد التشنيع عَلَيْهَا بِمَا هِيَ مِنْهُ بَريَّة وَهَذَا كَقَوْل إمامنَا الشَّافِعِي المطلبي ابْن عَم الْمُصْطَفى النَّبِي ﷺ فِيمَا أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَسْمِ هِبَةُ اللَّه بن عَبْدِ اللَّهِ بن أَحْمد الوَاسِطِيّ بِبَغْدَاد قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ بن ثَابت الْخَطِيب قَالَ انا أَبُو سعد إِسْمَاعِيل ابْن عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ بنْدَار بن الْمُثَنَّى الإستراباذي بِبَيْت الْمُقَدّس قَالَ
стр. 341
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بن حيويه الدَّامغَانِي قَالَ أَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَث ثَنَا الرّبيع هُوَ ابْن سُلَيْمَان قَالَ أنشدنا الشَّافِعِي ﵀ ... ياراكبا قف بالمحصب من مني
واهتف بقاطن خيفها والنَّاهض
سحرًا إِذَا فاض الحجيج إِلَى مني
فيضا كملتطم الْفُرَات الفائض
إِن كَانَ رفضا حب آل مُحَمَّد
فليشهد الثَّقَلَان أَنِّي رَافِضِي ...
وأنشدت لبَعْضهِم فِي المعني الْمُتَقَدّم ... إِن اعْتِقَاد الْأَشْعَرِيّ مُسَدّد
لَا يمتري فِي الْحق إِلَّا ممتري
وَبِه يَقُول العَالِمُون بأسرهم
من بَين ذِي قلم وَصَاحب مِنْبَر
والمدعون عَلَيْهِ غير مقاله
مَا فيهم إِلَّا جهول مفتري
فذر التعامي واعتصم بمقاله
وَاعْلَم يقينَا أَنه القَوْل السّري
وَارْفض ملامة من نهاك بجهله
عَمَّا يرَاهُ لِأَنَّهُ لم يشْعر
وَإِذا لحاك العاذلون فَقل لَهُم
قَول امرىء فِي دينه مستبصر
إِن كَانَ من يَنْفِي النقائص كلهَا
عَن ربه ترمونه بتمشعر
وترونه ذَا بِدعَة فِي عقله
فليشهد الثَّقَلَان أَنِّي أشعري ...
قَرَأت بِخَط الشَّيْخ أبي الْحسن عَليّ بن سُلَيْمَان الْقُرْطُبِيّ سَمِعت بعض الثِّقَات من أهل بلدنَا يَحْكِي عَن الْقَاضِي الإِمَام الْعَالم الرباني مُحَمَّد بن يَحْيَى بن الْفراء قَاضِي المرية بِبِلَاد الأندلس تغمده اللَّه برضوانه قَالَ سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام الزَّاهِد أَبَا عمر بن يمنا لش يَقُول وَقَالَ لَهُ بعض مَا حَضَره إِن النَّاس يَقُولُونَ إِنَّك أشعري فَقَالَ يَا لَهَا من نعْمَة لَو صحت
стр. 342
فَأَما مَا ذكره ذُو المعايب والمخازي أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْأَهْوَازِي
فمما لَا يعرج عَلَيْهِ لَبِيب وَلَا يرعيه سَمعه مُصِيب لِأَنَّهُ رجل قد تبينت عداوته لأهل الْحق وشنآنه وَيَكْفِيك من كِتَابه تَرْجَمته وعنوانه وَلَو كَانَ من ذَوي الديانَات لم يتفرغ لذكر المثالب وَلَو أَنه من أولي المروآت لاستحيا من تتبع المعايب وَلَوْلَا أَنه وجدهَا كَثِيرَة فِي نَفسه لما اختلقها لمن لَيْسَ هُوَ من أبْنَاء جنسه
وَقد أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَسْمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بن الْحصين الشَّيْبَانِيّ بِبَغْدَادَ قَالَ أَنا القَاضِي أَبُو الْقسم عَلِيُّ بْنُ المحسن بن عَليّ التنوخي قَالَ ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ السّري من لَفظه قَالَ أَنا أَبُو بكر بن دُرَيْد قَالَ أَنا أَبُو حَاتِم يَعْنِي السجسْتانِي عَن الْعُتْبِي قَالَ سَمِعت أَعْرَابِيًا من تنوخ يَقُول لآخر وسَمعه يعيب قوما قد استدللت على كَثْرَة عيوبك بِكَثْرَة ذكرك النَّاس فَإِن الطَّالِب لَهَا يطْلبهَا بِقدر مَا فِيهِ مِنْهَا ثمَّ أنْشدهُ ... وأجرأ مَا رَأَيْت بِظهْر غيب
على ذكر الْعُيُوب ذَوُو الْعُيُوب ...
وروى غَيره على عيب الرِّجَال ذَوُو الْعُيُوب
فَأَما قَوْله قد رَأَيْت الْأَمر فِي الدّين منعكسا بضده والتفريط فِيهِ خَارِجا عَن حَده وَصَارَت الرؤوس أعجازا والإكثار من الْبَاطِل إيجازا وَكثر السُّفَهَاء وَقل الْعلمَاء
فَإِنَّهُ قد أصَاب فِي اللَّفْظ وَإِن كَانَ أَخطَأ فِي
стр. 343
القصيد وَجَهل قدر نَفسه حِين غمض الْعلمَاء حَتَّى خرج فِي ذَلِك عَن الْحَد وَلَوْلَا أَن الْأَمر صَار منعكسا وَالْحق عِنْد الْجُهَّال عَاد مندرسا لما كَانَ أعجمي من أهل الأهواز لَا يفرق بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وَلَا يعرف مَا معنى الإيجاز ينزل الرؤوس بِمَنْزِلَة الأعجاز وَيحمل الْجُهَّال السُّفَهَاء على أَن يذموا الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء وَلَوْلَا تفريطه فِي طلب الْعلم وَالْحكمَة لترك إفراطه فِي ذمّ الْعلمَاء وَالْأَئِمَّة وَلما جهل من اشْتهر بِالْعلمِ بَين الْخلق وضلل من عرف بنصرة الْحق وَلَوْلَا كَثْرَة أعوانه السُّفَهَاء كَمَا زعم لكف عَن غلوائه فِي قَوْله وَإِن رغم وَلم يسمع قَول خوزي غبي فِي حق عَالم أحوزي عَرَبِيّ وَلَوْلَا قلَّة الْعلمَاء فِي عصره كَمَا ذكر لما أهمل كشف أمره حَتَّى انْتَشَر وَإِلَّا فَالْفرق بَينه وَبَين شيخنَا أَبِي الْحسن من الْحَال الْوَاضِح وَالْأَمر الْبَين وَفضل أَبِي الْحسن رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِ عِنْد أولى النَّهْي كفضل الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر على السَّهْمِي وَمَتى كَانَ حوز الأهواز يعيبون عرب الْبَصْرَة وَكَيف يتهم أَوْلَاد الْمَجُوس بالإلحاد والزندقة أبْنَاء ذَوي الْهِجْرَة وَلَا شكّ أَن الأهواز من جملَة الْبلدَانِ الَّتِي افتتحها أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ جد هَذَا الإِمَام وَكَذَلِكَ أَصْبَهَان وَغَيرهَا مِمَّا افْتتح على يَدَيْهِ ﵀ من الْفتُوح الْعِظَام وَاخْتلف فِي كَيْفيَّة اسْتِيلَاء أَبِي مُوسَى على الأهواز فتحا فَقيل افتتحها بِالسَّيْفِ عنْوَة وَقيل بل افتتحها صلحا وَالأَصَح قَول من قَالَ إِنَّهَا افتتحت على وَجه العنوة وَذَلِكَ السَّبَب عِنْدِي هُوَ الْمُوجب لهَذِهِ الحفوة والمورث للغلطة على وَلَده وَالْقَسْوَة والمؤثر فِي شدَّة النفور عَن معتقده والنبوة لِأَنَّهُ أَدخل على أسلاف الْأَهْوَازِي من الْمَجُوس بلية
стр. 344
ومحنة أورثث قلبه لنسله عَدَاوَة وإحنة فَلهَذَا استفرغ جهده فِي الإزراء على أَبِي الْحسن والتشنيع ورماه بِكُل مَا أمكنه ذكره من الْأَمر الشنيع لِأَن البغض يتوارث والود يتوارث فَلذَلِك تجَاوز فِي عداوته الْحَد لِأَنَّهُ لما لم يتجاسر على أَن يطعن فِي أَبِي مُوسَى ويعيب أمره شفى بِمَا ذكره فِي وَلَده أَبِي الْحسن ﵀ صَدره
وَأما قَوْله واندرس الكاشفون للشبه فلولا قلتهم لم يعْتَقد مَا كَانَ عَلَيْهِ من الِاعْتِقَاد المشتبه
وَأما قَوْله وَعز الطالبون للسّنة إِلَّا من أدْركهُ اللَّه بالعصمة وَخَصه بالتوفيق وَقَلِيل مَا هم
فَكيف يَسْتَقِيم لَهُ هَذَا القَوْل وَهُوَ يزْعم أَن الجم الْغَفِير على مثل مذْهبه واليسير من عداهم
وَأما قَوْله أَن الله عزوجل لَا يخلي الأَرْض من قَائِل عليم وعالم حَكِيم يَقُول الْحق وَيدْفَع الْبَاطِل وَلَا يدع لذِي بِدعَة قولا يَعْلُو وَلَا أمرا يسمو
فقد صدق وَلَكِن لَيْسَ هُوَ مِمَّن وَصفه بهَذِهِ الصّفة إِذْ لم يتَحَقَّق كَونه من أهل الْعلم وَلَا من ذَوي الْمعرفَة وَلَكِن هم الْعلمَاء الَّذين بَالغ فِي ذمهم وَأغْرقَ لفرط جَهله وَسُوء عقده فِي شتمهم
وَأما قَوْله لَا مَعْرُوف أفضل من السّنة وَلَا مُنكر أَشد من الْبِدْعَة
فانظروا بِعَين التَّحْقِيق إِلَى مقَالَة هَذَا القَرَعَة لِتَعْلَمُوا أهوَ أَشد تسننَا وَأقوى فِي الْعلم تمكنَا أم من اشتهرت ردوده على جَمِيع المبتدعة من أصنَاف الْخَوَارِج وَطَوَائِف المتشيعة وانتشرت تصانيفه فِي الْإِبْطَال لمذاهب الْمُعْتَزلَة الْقَدَرِيَّة وَالْإِنْكَار على من يَقُول بأقوال المفوضة الجبرية والاصطلام لحجج المعطلة الْجَهْمِية والمحق لتعلقات المشبهة الجسمية من الكرامية والسالمية بالحجج السمعية
стр. 345
والبراهين الْعَقْلِيَّة فَإِن اعْتقد أَن الرَّد على أَصْحَاب الْبدع بِدعَة فقد تحقق كل ذِي لب تسميتي إِيَّاه قرعَة وَإِن اعْتقد أَن الْبِدْعَة اعْتِقَاد التَّنْزِيه والتوحيد وَالسّنة القَوْل بالتشبيه والميل إِلَى التَّقْلِيد فبئس مَا اعْتقد وويل لَهُ مِمَّا تقلد وَإِن كَانَ يبدع الْأَشْعَرِيّ ﵀ فِي بعض الْمسَائِل إِلَّا قلَّة فليذكر مَا ابتدع فِيهِ حَتَّى نسْمع مَا عِنْده عَلَيْهِ من الْأَدِلَّة
وَأما قَوْله وَقد تفضل اللَّه وَأظْهر لكل طَائِفَة من المبتدعة مَا نفر عَنْهُم قُلُوب الْعَامَّة
فأنعموا النّظر فِي مقاله لِتَعْلَمُوا أَن كَلَامه كَلَام من لَا يخَاف هول يَوْم الطامة فياليت شعري مَاذَا الَّذِي تنفر مِنْهُ الْقُلُوب عَنْهُم أم مَاذَا ينقم أَرْبَاب الْبدع مِنْهُم أغزارة الْعلم أم رجاحة الْفَهم أم اعْتِقَاد التَّوْحِيد والتنزيه أم اجتنَاب القَوْل بالتجسيم والتشبيه أم القَوْل بِإِثْبَات الصِّفَات أم تقديس الرب عَن الْأَعْضَاء والأدوات أم تثبيت الْمَشِيئَة لِلَّه وَالْقدر أم وَصفه عزوجل بِالسَّمْعِ وَالْبَصَر أم القَوْل بقدم الْعلم وَالْكَلَام أم تنزيههم الْقَدِيم عَن صِفَات الْأَجْسَام
وَأما قَوْله وبعدهم عَن التَّعْلِيم الثَّلَاث الَّذِي هُوَ أصل الشَّرِيعَة وقوام الْملَّة
فانظروا رحمكم اللَّه هَذِهِ الْعبارَة الرَّكِيكَة والألفاظ المختلة لِتَعْلَمُوا أَن هَذَا الْكَلَام لَا يصدر إِلَّا عَن جهل شَدِيد وَفهم عَن إِدْرَاك الصَّوَاب بعيد وفرط لكنة وعي وَتكذب مشوب بغي فَلَو كَانَ كَمَا قَالَ وبعدهم عَن تعلم ثَلَاث هن أصل الشَّرِيعَة أَو عَن الْعُلُوم الثَّلَاثَة اللواتي هن أصل الشَّرِيعَة لَكَانَ قد تخلص عَن هَذِهِ الْعبارَة الرَّديئَة والألفاظ الشنيعة
وَأما دَعْوَاهُ أَن أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ كَانَ بهَذِهِ الصّفة وَأَنه لم يكن من أهل الْعلم والمعرفة وَكَذَلِكَ جَمِيع
стр. 346
نظرائه من الْمُتَكَلِّمين
فَقَوْل مثله من الأوقاح الْكَذَّابين الَّذين لَا يستحيون مِمَّا فعلوا وَلَا يبالون مَا قَالُوا وَلَا مَا تَقولُوا وَلَيْسَ مِثَاله فِي دَعْوَاهُ هَذِهِ الَّتِي وهت واعتلت إِلَّا كَمَا قيل فِي الْمثل رمتني بدائها وانسلت فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي هَذِهِ صفته وَمن تَأمل حَاله تبينت لَهُ مَعْرفَته وَمن وقف على خطه عرف قلَّة تَحْصِيله وَضَبطه فَقل تصنيف لَهُ صنفه فِي الحَدِيث وأتقنه إِلَّا وجد الْخَطَأ فِيهِ من تَأمله وتبينه فَلَا يَخْلُو كتاب لَهُ من خطأ وَوهم وتحريف فِي متن أَو تَصْحِيف فِي اسْم وَأما علم الْفِقْه فَكَانَ عريا مِنْهُ بَعيدا من كل وَجه عَنهُ خَالِيا عَن علم الْعَرَبيَّة جَاهِلا بالعلوم الأدبية
سَمِعت الشَّيْخ الْفَقِيه أباالحسن عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ قبيس يَحْكِي عَنْ أَبِيهِ أَنه سَمعه يعْتَرف بِأَنَّهُ لَا يعرف النَّحْو وكل مَا صنفه فِي الحَدِيث يسْتَحق عِنْد أهل الْمعرفَة بِهِ المحو وَإِنَّمَا كَانَ قد سمع قِطْعَة كَبِيرَة من الحَدِيث فَكَانَ يجمع مِنْهُ مَا يكون ظَاهره مقويا لعقده الْخَبيث وَكَانَ فِيمَا يجمعه فِيهِ بَعيدا من التَّوْفِيق قَلِيل التثقيف لما يُورِدهُ مِنْهُ وَالتَّحْقِيق غير أَنه كَانَ عَالما بالقراآت مكثرا فِيهَا للروايات على أَنه قد كذب فِي بعض مَا كَانَ يَدعِيهِ حَتَّى رَجَعَ عَن بعض مَا كَانَ يقريء بِهِ وَيَرْوِيه
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْأمين أَبُو مُحَمَّدٍ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَحْمد الْأَكْفَانِيِّ قَالَ ثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الكتاني قَالَ اجْتمعت بهِبَة اللَّهِ بن الْحَسَنِ بن مَنْصُور الطَّبَرِيّ الْحَافِظ يَعْنِي اللالكائي بِبَغْدَادَ فَسَأَلَنِي عَمَّن بِدِمَشْقَ من أهل الْعلم فَذكرت لَهُ جمَاعَة مِنْهُم الْحسن بن عَليّ الْأَهْوَازِي الْمقري فَقَالَ لَو سلم من الرِّوَايَات فِي القراآت فَأَما الْمعرفَة
стр. 347
بِعلم التَّأْوِيل وَالتَّفْسِير فَمَا يرجع مِنْهَا إِلَى قَلِيل وَلَا كثير
فَأَما أَبُو الْحَسَنِ ﵀ فقد تقدم وصف الْعلمَاء لَهُ بِالْعلمِ وثنَاؤهم عَلَيْهِ وشهادتهم لَهُ بالمعرفة والفهم وَذكر عدد تصانيفه وتفصيل أَسمَاء تواليفه وَلَو لم يصنف كتابا غير التَّفْسِير لكفاه فأغض اللَّه الْأَهْوَازِي بريقه وفض فَاه فَإِنَّهُ كَانَ فِي اعْتِقَاده سالميا مشبها مجسما حشويا وَمن وقف على كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ كتاب الْبَيَان فِي شرح عُقُود أهل الْإِيمَان الَّذِي صنفه فِي أَحَادِيث الصِّفَات واطلع على مَا فِيهِ من الْآفَات وَرَأى مَا فِيهِ من الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة وَالرِّوَايَات المستنكرة المدفوعة وَالْأَخْبَار الْوَاهِيَة الضعيفة والمعاني المتنَافية السخيفة كَحَدِيث ركُوب الْجمل وعرق الْخَيل قضى عَلَيْهِ فِي إعتقاده بِالْوَيْلِ وَبَعض هَذَا الْكتاب
стр. 348
مَوْجُود بِدِمَشْقَ بِخَط يَده فَمن أَرَادَ الْوُقُوف عَلَيْهِ فليقف ليتَحَقَّق سوء معتقده وَمَا كَانَ منطويا عَلَيْهِ من سوء الِاعْتِقَاد هُوَ الَّذِي حمله على
стр. 349
مَا ذكره فِي الْأَشْعَرِيّ للعنَاد فَمن تَأمل مَا ذكره بِعَين الانتقاد تبين لَهُ وَجه الْكَذِب فِيهِ وَالْفساد وإنَّا بِمَشِيئَة اللَّه وَحسن معونته أنقض مَا ذكره وأوضح كذبه فِيهِ لمن تَأمله بِعَين الْإِنْصَاف وتدبره
فَأَما قَوْله إِن انتماء أَبِي الْحسن إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ لَيْسَ بنَافعه فِي دينه لِأَن الْأَنْبِيَاء وَالصديقين ولدُوا الْكفَّار والمنَافقين
فلعمري إِن مُجَرّد الانتساب لَا ينفع إِذَا عري المنتسب عَن فعل الْخَيْر والاكتساب وَهَذَا مِمَّا لَا يدْفع إِلَّا أَن الأَصْل إِذَا طَابَ وسما زكى الْفَرْع الْمَنْسُوب إِلَيْهِ ونما لَا سِيمَا إِذَا كَانَ الْفَرْع طيبا فِي نَفسه مُمَيّزا بِالصِّفَاتِ الحميدة عَن أبنَاء جنسه مشهودا لَهُ بالزكاء فِي نبته وغرسه مَشْهُورا بِحسن فهمه وَصِحَّة حسه وَقد سبق ذكر مَا عرف من علم أَبِي الْحسن وَدينه وَسلف وَصفه بِقُوَّة إيمَانه وَشدَّة
стр. 350
يقينه وَقد صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْله
النَّاس معادن خيارهم فِي الْجَاهِلِيَّة خيارهم فِي الْإِسْلَام إِذَا فقهوا وَلَيْسَ يُنكر فضل أبي الْحُسَيْن ﵀ إِلَّا الَّذين تعاموا عَن الْحق وسفهوا أَو لَا شكّ أَن بركَة صَلَاح الْآبَاء مبشرة بفلاح من نسلوه من الأبْنَاء وَلَو لم يعْتَبر ذَلِك إِلَّا بِقصَّة الْعَبْدَيْنِ الكريمين حِين اخْتلفَا فِي إِقَامَة جِدَار الغلامين اليتيمين فَإِن الله عزوجل إِنَّمَا حاطهما ورعاهما لأجل أَنه وصف بالصلاح أباهما وحفظهما إِلَى حِين بُلُوغ أشدهما ليستخرجا كنزهما ببركة جدهما وَقد جَاءَ عَن بعض أهل التَّفْسِير شَائِعا أَن ذَلِك الْجد كَانَ تاسعا أَو سابعا
كتب إِلَى الشَّيْخ الإِمَام أَبُو نصر عبد الرَّحِيم بن الْأُسْتَاذ أبي الْقسم الْقشيرِي رحمهمَا اللَّه قَالَ سَمِعت أَبِي يَقُول وَقيل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَانَ أَبوهُمَا صَالحا﴾ كَانَ هَذَا إِشَارَة إِلَى الْجد التَّاسِع أَو السَّابِع وَهُوَ الَّذِي دفن ذَلِك الْكَنْز فأقيم الْخضر لخدمتهما لحُرْمَة ذَلِك وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث
إِن الله عزوجل لَيَحْفَظُ الْمُؤْمِنَ فِي وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِ وَلَدِهِ أَخْبَرَنَاهُ أَبُو غَالب أَحْمد بن الْحَسَنِ بن الْبناء قَالَ أَنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الأَبَنُوسِيِّ الصَّيْرَفِيُّ قَالَ انا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَهْدِيٍّ الدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَارِسْتَانِيُّ قَالَ ثَنَا الْقسم بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ ثَنَا عبد الْعَزِيز ابْن النُّعْمَانِ الْمَوْصِلِيُّ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ ثَنَا عَمْرُو بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
إِنَّ اللَّهَ لَيَحْفَظُ الْمُؤْمِنَ فِي وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَجَارِهِ وَجَارِ جَارِهِ وَتِسْعِ أَدْوُرٍ حَوْلَهُ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَفَرَّدَ
стр. 351
بِهِ عَمْرُو بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِيهِ
قُلْتُ قَدْ رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ الْكُوفِيُّ أَيْضًا عَنْ عَطِيَّة
أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو الْقسم إِسْماعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقسم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحسن بن الْخلال قَالَ أَنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ شِهَابٍ الدَّقَّاقُ النَّفْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ قَالَ ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ قَالَ ثَنَا شُعَيْب ابْن حَرْب قَالَ ثَنَا الْحسن بن عمَارَة قَالَ انا عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
إِنَّ اللَّهَ لَيَحْفَظُ الْمُؤْمِنَ فِي وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِ وَلَدِهِ وَيَحْفَظُ الْمُؤْمِنَ فِي دُوَيْرَتِهِ وَدُوَيْرَةِ جَارِهِ وَدُوَيْرَةِ جَارِ جَارِهِ
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَسْمِ هِبَةُ اللَّهِ بن مُحَمَّد الشَّيْبَانِيّ قَالَ أَنا القَاضِي أبوالقسم عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُّوخِيُّ قَالَ ثَنَا أَبُو بكر أَحْمد ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُلَيْزٍ الدُّورِيُّ قَالَ ثَنَا حَمْزَة بن عبد الْمطلب الْخُزَاعِيّ قَالَ ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْعَبْدي قَالَ ثَنَا مُبَارَكُ أَبُو سُحَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيز عَن صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ
إِنَّ اللَّهَ لَيَحْفَظُ الْعَبْدَ الصَّالِحَ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَالدُّوَيْرَاتِ حَوْلَهُ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ عَنِ التَّنُوخِيِّ
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخَان أَبُو الْقسم بْنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بن هبة اللَّه بن عَبْدِ السَّلَام الْكَاتِب قَالَا أَنا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ قَالَ أَنا عُبْيَدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حبابة قَالَ أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ قَالَ ثَنَا ابْن الْمقري يَعْنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن يزِيد قَالَ ثَنَا سُفْيَانُ
стр. 352
عَنْ ابْنِ سُوقَةَ عَنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ يصلح الله عزوجل بِصَلاحِ الرَّجُلِ وَلَدَهُ وَوَلَدَ وَلَدِهِ وَأَهْلَ دُوَيْرَتِهِ وَدُوَيْرَاتٍ حَوْلَهُمْ فَمَا يَزَالُونَ فِي سِتْرِ اللَّهِ وَحِفْظِهِ
أخبرنَا أَبُو الْقسم زَاهِر بن طَاهِر قَالَ انا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظ قَالَ ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ هُوَ الأَصَمُّ قَالَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ ثَنَا نعيم بن حَمَّاد قَالَ ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ إِن الله عزوجل لَيُصْلِحُ بِصَلاحِ أَبِيهِ وَلَدَهُ وَوَلَدَ وَلَدِهِ وَيُحْفَظُ فِي دُوَيْرَتِهِ وَالدُّوَيْرَاتِ اللاتِي حَوْلَهُ مَا دَامَ فِيهِمْ
فأَبُو مُوسَى جد أَبِي الْحسن وَالتَّاسِع من أجداده كَمَا أَن الرجل الصَّالح الْجد التَّاسِع للغلامين فحفظا لرشاده
وَأما قَوْله وَإِن كَانَ مَا يَدعِيهِ من نسبه زور وبهتان فقد لَعنه النَّبِي ﷺ وَكفى بذلك ذلة وصغارا
فَهَذِهِ قَول طعان فِي الْأَنْسَاب جَاهِل بِمَا فِي ذَلِك من الْإِثْم وَالْعِقَاب وَقد تقدم عَن جمَاعَة ذكر نسبه من وُجُوه تقضي على هَذَا الطعان بكذبه
وَذكر أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن أَبِي بكر السفاقسي أَيْضا قَالَ سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عُثْمَانَ بن مُحَمَّد الإِمَام الْبَغْدَادِيّ يَقُول أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ابْن اسحق بْنِ سَالِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بْنِ بِلالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَبْد اللَّهِ بن قيس الْأَشْعَرِيّ صَاحب رَسُول اللَّه ﷺ فقد وَافق هَذَا القَوْل فِي نسبه مَا تقدم
وَمَا ذكره الْأَهْوَازِي من أَن أَصْحَاب الْأَشْعَرِيّ ينفرون من نسبته إِلَى أَبِي بشر ويفرون من ذَلِك بجهدهم لما يعْرفُونَ من سَبَب تِلْكَ النِّسْبَة كل مفر فزور من قَائِله وهذيان فِي ضمنه قذف وبهتان وَقد تقدم فِي ذكر نسبه عَن
стр. 353
ابْن فورك والخطيب أَبَوي بكر وهما من أعَان أَصْحَابه نسبته إِلَى أَبِي بشر غير أَنَّهُمَا اخْتلفَا فِي أَبِي بشر فَجعله أَحدهمَا أَبَاهُ وَجعله الآخر جده وكل وَاحِد مِنْهُمَا ذكر مَا وَقع إِلَيْهِ من ذَلِك وَصَحَّ عِنْده وَقد يشْتَهر الْإِنْسَان باسمه دون كنيته ويشتهر تَارَة بالكنية وَلَا يعرف إِلَّا بكنيته وَقد يكون مَشْهُورا بالكنية وَالِاسْم وَذَلِكَ لَا يُنكره أحد من أهل الْعلم وَقد اشْتهر جمَاعَة من الصَّحَابَة النجباء بِالنِّسْبَةِ على أَلْسِنَة النَّاس إِلَى كني الْآبَاء كَأبي بكر بن أَبِي قُحَافَة وَعلي بن أَبِي طَالب وعَبْد اللَّهِ بن أَبِي أوفى فانظروا سخافة هَذَا الرجل الخائب الَّتِي لَا تكَاد تخفى
وَأما حكايته النكرَة عَن بعض شُيُوخ الْبَصْرَة من أَن أَبَا بشر كَانَ يَهُودِيّا فَأسلم على يَدي بعض الْأَشْعَرِيين
فحكاية مفتر عَن مَجَاهِيل مفترين مَا حُكيَ أَن أحدا نَفَاهُ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ غير هَذَا الْجَاهِل المتحامل المفتري وَكَيف تجاسر لَا رعاه اللَّه على هَذِهِ الكذبة وَهُوَ لَا يعرف فِي الشرق والغرب إِلَّا بهَذِهِ النِّسْبَة وَقد تقدّمت حِكَايَة بنْدَار بن الْحُسَيْنِ فِي إِنَّه كَانَ يَأْكُل منغلة ضَيْعَة وَقفهَا جده بِلَال فَتبين بِتِلْكَ الْحِكَايَة وَغَيرهَا أَن دَعْوَاهُ فِي نفي نسبه زور أَو ان قَوْله محَال أذلو كَانَ فِي نسبه هَذِهِ الْعلَّة لم يرفع إِلَيْهِ من وقف بِلَال الْغلَّة وَلَو لم يكن أَبُو الْحَسَنِ صَحِيح النّسَب لانتزعت مِنْهُ الضَّيْعَة بذلك السَّبَب
واستشهاده على ذَلِك بِالْبَيْتِ الشّعْر الَّذِي قيل فِي سالف الدَّهْر ... مَا كني عَنْ أَبِيهِ
إِلَّا وثَمَّ سبيب ...
стр. 354
استشهاد يدل على جَهله بالمعاني وَكَيف سكت عَن الْبَيْت الأول وأتى بِالثَّانِي وَإِنَّمَا قيل ... سَأَلته عَنْ أَبِيهِ
فَقَالَ جدي شُعَيْب
وَمَا كني عَنْ أَبِيهِ
إِلَّا وَثمّ سبيب ...
وَمَا كني من نسب الْأَشْعَرِيّ إِلَى إِسْمَاعِيل أَو اسحق عَنْ أَبِي بشر وَلَا عني مَا أَرَادَهُ الْأَهْوَازِي فِي سر وَلَا جهر وَلَكِن اقْتصر مرّة على ذكر الإسم فِيهِ من الغنية وَأتي مرّة أُخْرَى فِي تَعْرِيفه بِذكر الكنية وَمَا هَذَا إِلَّا بِمَنْزِلَة قولنَا أَبُو بكر بن أَبِي قُحَافَة تَارَة وَتارَة عَبْد اللَّهِ بن عُثْمَانَ فقد اتَّضَح جهل الْأَهْوَازِي فِي هَذَا من كل وَجه بِحَمْد اللَّه وَبَان وَأَنه كَانَ غير بَصِير بالأسماء والاصطلاحات حِين لم يفرق بَين الكني وَبَين الكنَايات
وَمَا طعن الخوزي فِي أَنْسَاب الْعَرَب إِلَّا من الْأَمر النَّادر الْعجب وَكَأَنَّهُ فِيمَا أَتَاهُ من نَفْيه من الْأمين عني بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ ... وماذا بِمصْر من المضحكات
وَلكنه ضحك كالبكا
بهَا نبطي من أهل السوَاد
يخلِّص أَنْسَاب أهل الفلا ...
وَلَعَلَّ الْأَهْوَازِي سمع هذَيْن الْبَيْتَيْنِ قَدِيما وَلم يكن بِمُرَاد قَائِلهَا ومقصودة عليما فَظن أَنَّهُمَا قيلا على وَجه الْمَدْح فشرع فِي الطعْن فِي الْأَنْسَاب والقدح وَلم يعرف المُرَاد بِهَذَا الشّعْر كَمَا لم يفكر فِي معني مَا سبق مِنْهُ من الهذر وَهَذَا الْفَصْل فِي منية أَبِي بشر وجد فِي نُسْخَة نجا وَمَا أَدْرَاك من نجا هُوَ الَّذِي لَا يَمْتَد إِلَى إِضَافَته إِلَى ذَوي الْفَهم بِالْعلمِ
стр. 355
رجا ونسخته الَّتِي بِخَطِّهِ لَا يَصح مَا فِيهَا إِذْ لَا حط لَهُ وَلَا هجا وَكَانَ لَهُ إِلَى صُحْبَة الْأَهْوَازِي لما بَينهمَا من المنَاسبة فِي الْجَهْل التجا
وَأما قَوْله وَادّعى أَنه من أهل السّنة
فَلَيْسَ ذَلِك دَعْوَى دجعوى بل حَقِيقَة يشْهد بِصِحَّتِهَا كل ذِي علم وتقوى
وَقَوله فَمَال إِلَيْهِ طَائِفَة جهال
فَذَلِك أَيْضا مِنْهُ كَمَا سبق محَال مَا مَال إِلَى قَوْله إِلَّا الْعلمَاء وَلَا اتبعهُ إِلَّا الْفُقَهَاء فَإِن أَصْحَابه نُجُوم الْأَمْصَار وَأَتْبَاعه أَئِمَّة الْأَعْصَار وَقد تقدم ذكر جمَاعَة من مشاهير أَتْبَاعه وَتَسْمِيَة أَئِمَّة من أَصْحَابه وأشياعه مِمَّن لَا يسابق فِي فضل وَلَا يجارى وَلَا يشك فِي علمه وَلَا يتمارى
وَقَوله فشاع أمره وذاع فِي الْآفَاق ذكره
ينْقض قَوْله فِيمَا بعد أَنه لم يزل مخمولا غير مَقْبُول فِي بِلَاد الْإِسْلَام وتناقض لقَوْل غير مستبدع من مثله من الْجُهَّال الطغام
وَقَوله إِنَّه كَانَ ينصر الْبِدْعَة وَيدخل على النَّاس قَول الْمُعْتَزلَة والزنَادقة
فَمن جنس مَا تقدم ذكرنَا لَهُ من أَقْوَاله السخيفة وتقولاته غير الصادقة فَإِن من وقف على مَا ذكره أَبُو الْحسن فِي تواليفه وَكتبه وَعرف شدَّة بغض الْمُعْتَزلَة والزنَادقة لَهُ ولصحبه تَيَقّن كذب الْأَهْوَازِي فِيمَا قَالَه وَتبين لَهُ تَحَامُله وَتحقّق إِبْطَاله وَمَا زعم أَنه حَكَاهُ عَن أهل الْبَصْرَة فَالَّذِي صدق فِي حكايته فَعَن معتزلة أَو سالمية أَمْثَاله وَمَا لم يكذب هُوَ فِيهِ فَإِنَّمَا رَوَاهُ عَن مجهولين أَو كَذَّابين أشكاله وَمن الْعَجَائِب أَنه اعْتقد الْإِتْيَان بذمه قربَة وَزعم أَنه ذكر مَا ذكر من شَتمه حسبَة وَرغب إِلَى الله عزوجل أَن يَجعله لوجهه خَالِصا وَإِلَى مرضاته واصلا فَتَبَيَّنُوا مَا قَالَ تَجدوا عقله نَاقصا وَقَوله بَاطِلا مَتى تعبدنَا اللَّه بالسب والشتم وَأَيْنَ أمرنَا بالتفرغ
следующие страницы →