Полный текст (410 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
بِهِ عَمْرُو بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِيهِ
قُلْتُ قَدْ رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ الْكُوفِيُّ أَيْضًا عَنْ عَطِيَّة
أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو الْقسم إِسْماعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقسم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحسن بن الْخلال قَالَ أَنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ شِهَابٍ الدَّقَّاقُ النَّفْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ قَالَ ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ قَالَ ثَنَا شُعَيْب ابْن حَرْب قَالَ ثَنَا الْحسن بن عمَارَة قَالَ انا عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
إِنَّ اللَّهَ لَيَحْفَظُ الْمُؤْمِنَ فِي وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِ وَلَدِهِ وَيَحْفَظُ الْمُؤْمِنَ فِي دُوَيْرَتِهِ وَدُوَيْرَةِ جَارِهِ وَدُوَيْرَةِ جَارِ جَارِهِ
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَسْمِ هِبَةُ اللَّهِ بن مُحَمَّد الشَّيْبَانِيّ قَالَ أَنا القَاضِي أبوالقسم عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُّوخِيُّ قَالَ ثَنَا أَبُو بكر أَحْمد ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُلَيْزٍ الدُّورِيُّ قَالَ ثَنَا حَمْزَة بن عبد الْمطلب الْخُزَاعِيّ قَالَ ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْعَبْدي قَالَ ثَنَا مُبَارَكُ أَبُو سُحَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيز عَن صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ
إِنَّ اللَّهَ لَيَحْفَظُ الْعَبْدَ الصَّالِحَ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَالدُّوَيْرَاتِ حَوْلَهُ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ عَنِ التَّنُوخِيِّ
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخَان أَبُو الْقسم بْنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بن هبة اللَّه بن عَبْدِ السَّلَام الْكَاتِب قَالَا أَنا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ قَالَ أَنا عُبْيَدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حبابة قَالَ أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ قَالَ ثَنَا ابْن الْمقري يَعْنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن يزِيد قَالَ ثَنَا سُفْيَانُ
стр. 352
عَنْ ابْنِ سُوقَةَ عَنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ يصلح الله عزوجل بِصَلاحِ الرَّجُلِ وَلَدَهُ وَوَلَدَ وَلَدِهِ وَأَهْلَ دُوَيْرَتِهِ وَدُوَيْرَاتٍ حَوْلَهُمْ فَمَا يَزَالُونَ فِي سِتْرِ اللَّهِ وَحِفْظِهِ
أخبرنَا أَبُو الْقسم زَاهِر بن طَاهِر قَالَ انا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظ قَالَ ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ هُوَ الأَصَمُّ قَالَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ ثَنَا نعيم بن حَمَّاد قَالَ ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ إِن الله عزوجل لَيُصْلِحُ بِصَلاحِ أَبِيهِ وَلَدَهُ وَوَلَدَ وَلَدِهِ وَيُحْفَظُ فِي دُوَيْرَتِهِ وَالدُّوَيْرَاتِ اللاتِي حَوْلَهُ مَا دَامَ فِيهِمْ
فأَبُو مُوسَى جد أَبِي الْحسن وَالتَّاسِع من أجداده كَمَا أَن الرجل الصَّالح الْجد التَّاسِع للغلامين فحفظا لرشاده
وَأما قَوْله وَإِن كَانَ مَا يَدعِيهِ من نسبه زور وبهتان فقد لَعنه النَّبِي ﷺ وَكفى بذلك ذلة وصغارا
فَهَذِهِ قَول طعان فِي الْأَنْسَاب جَاهِل بِمَا فِي ذَلِك من الْإِثْم وَالْعِقَاب وَقد تقدم عَن جمَاعَة ذكر نسبه من وُجُوه تقضي على هَذَا الطعان بكذبه
وَذكر أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن أَبِي بكر السفاقسي أَيْضا قَالَ سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عُثْمَانَ بن مُحَمَّد الإِمَام الْبَغْدَادِيّ يَقُول أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ابْن اسحق بْنِ سَالِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بْنِ بِلالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَبْد اللَّهِ بن قيس الْأَشْعَرِيّ صَاحب رَسُول اللَّه ﷺ فقد وَافق هَذَا القَوْل فِي نسبه مَا تقدم
وَمَا ذكره الْأَهْوَازِي من أَن أَصْحَاب الْأَشْعَرِيّ ينفرون من نسبته إِلَى أَبِي بشر ويفرون من ذَلِك بجهدهم لما يعْرفُونَ من سَبَب تِلْكَ النِّسْبَة كل مفر فزور من قَائِله وهذيان فِي ضمنه قذف وبهتان وَقد تقدم فِي ذكر نسبه عَن
стр. 353
ابْن فورك والخطيب أَبَوي بكر وهما من أعَان أَصْحَابه نسبته إِلَى أَبِي بشر غير أَنَّهُمَا اخْتلفَا فِي أَبِي بشر فَجعله أَحدهمَا أَبَاهُ وَجعله الآخر جده وكل وَاحِد مِنْهُمَا ذكر مَا وَقع إِلَيْهِ من ذَلِك وَصَحَّ عِنْده وَقد يشْتَهر الْإِنْسَان باسمه دون كنيته ويشتهر تَارَة بالكنية وَلَا يعرف إِلَّا بكنيته وَقد يكون مَشْهُورا بالكنية وَالِاسْم وَذَلِكَ لَا يُنكره أحد من أهل الْعلم وَقد اشْتهر جمَاعَة من الصَّحَابَة النجباء بِالنِّسْبَةِ على أَلْسِنَة النَّاس إِلَى كني الْآبَاء كَأبي بكر بن أَبِي قُحَافَة وَعلي بن أَبِي طَالب وعَبْد اللَّهِ بن أَبِي أوفى فانظروا سخافة هَذَا الرجل الخائب الَّتِي لَا تكَاد تخفى
وَأما حكايته النكرَة عَن بعض شُيُوخ الْبَصْرَة من أَن أَبَا بشر كَانَ يَهُودِيّا فَأسلم على يَدي بعض الْأَشْعَرِيين
فحكاية مفتر عَن مَجَاهِيل مفترين مَا حُكيَ أَن أحدا نَفَاهُ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ غير هَذَا الْجَاهِل المتحامل المفتري وَكَيف تجاسر لَا رعاه اللَّه على هَذِهِ الكذبة وَهُوَ لَا يعرف فِي الشرق والغرب إِلَّا بهَذِهِ النِّسْبَة وَقد تقدّمت حِكَايَة بنْدَار بن الْحُسَيْنِ فِي إِنَّه كَانَ يَأْكُل منغلة ضَيْعَة وَقفهَا جده بِلَال فَتبين بِتِلْكَ الْحِكَايَة وَغَيرهَا أَن دَعْوَاهُ فِي نفي نسبه زور أَو ان قَوْله محَال أذلو كَانَ فِي نسبه هَذِهِ الْعلَّة لم يرفع إِلَيْهِ من وقف بِلَال الْغلَّة وَلَو لم يكن أَبُو الْحَسَنِ صَحِيح النّسَب لانتزعت مِنْهُ الضَّيْعَة بذلك السَّبَب
واستشهاده على ذَلِك بِالْبَيْتِ الشّعْر الَّذِي قيل فِي سالف الدَّهْر ... مَا كني عَنْ أَبِيهِ
إِلَّا وثَمَّ سبيب ...
стр. 354
استشهاد يدل على جَهله بالمعاني وَكَيف سكت عَن الْبَيْت الأول وأتى بِالثَّانِي وَإِنَّمَا قيل ... سَأَلته عَنْ أَبِيهِ
فَقَالَ جدي شُعَيْب
وَمَا كني عَنْ أَبِيهِ
إِلَّا وَثمّ سبيب ...
وَمَا كني من نسب الْأَشْعَرِيّ إِلَى إِسْمَاعِيل أَو اسحق عَنْ أَبِي بشر وَلَا عني مَا أَرَادَهُ الْأَهْوَازِي فِي سر وَلَا جهر وَلَكِن اقْتصر مرّة على ذكر الإسم فِيهِ من الغنية وَأتي مرّة أُخْرَى فِي تَعْرِيفه بِذكر الكنية وَمَا هَذَا إِلَّا بِمَنْزِلَة قولنَا أَبُو بكر بن أَبِي قُحَافَة تَارَة وَتارَة عَبْد اللَّهِ بن عُثْمَانَ فقد اتَّضَح جهل الْأَهْوَازِي فِي هَذَا من كل وَجه بِحَمْد اللَّه وَبَان وَأَنه كَانَ غير بَصِير بالأسماء والاصطلاحات حِين لم يفرق بَين الكني وَبَين الكنَايات
وَمَا طعن الخوزي فِي أَنْسَاب الْعَرَب إِلَّا من الْأَمر النَّادر الْعجب وَكَأَنَّهُ فِيمَا أَتَاهُ من نَفْيه من الْأمين عني بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ ... وماذا بِمصْر من المضحكات
وَلكنه ضحك كالبكا
بهَا نبطي من أهل السوَاد
يخلِّص أَنْسَاب أهل الفلا ...
وَلَعَلَّ الْأَهْوَازِي سمع هذَيْن الْبَيْتَيْنِ قَدِيما وَلم يكن بِمُرَاد قَائِلهَا ومقصودة عليما فَظن أَنَّهُمَا قيلا على وَجه الْمَدْح فشرع فِي الطعْن فِي الْأَنْسَاب والقدح وَلم يعرف المُرَاد بِهَذَا الشّعْر كَمَا لم يفكر فِي معني مَا سبق مِنْهُ من الهذر وَهَذَا الْفَصْل فِي منية أَبِي بشر وجد فِي نُسْخَة نجا وَمَا أَدْرَاك من نجا هُوَ الَّذِي لَا يَمْتَد إِلَى إِضَافَته إِلَى ذَوي الْفَهم بِالْعلمِ
стр. 355
رجا ونسخته الَّتِي بِخَطِّهِ لَا يَصح مَا فِيهَا إِذْ لَا حط لَهُ وَلَا هجا وَكَانَ لَهُ إِلَى صُحْبَة الْأَهْوَازِي لما بَينهمَا من المنَاسبة فِي الْجَهْل التجا
وَأما قَوْله وَادّعى أَنه من أهل السّنة
فَلَيْسَ ذَلِك دَعْوَى دجعوى بل حَقِيقَة يشْهد بِصِحَّتِهَا كل ذِي علم وتقوى
وَقَوله فَمَال إِلَيْهِ طَائِفَة جهال
فَذَلِك أَيْضا مِنْهُ كَمَا سبق محَال مَا مَال إِلَى قَوْله إِلَّا الْعلمَاء وَلَا اتبعهُ إِلَّا الْفُقَهَاء فَإِن أَصْحَابه نُجُوم الْأَمْصَار وَأَتْبَاعه أَئِمَّة الْأَعْصَار وَقد تقدم ذكر جمَاعَة من مشاهير أَتْبَاعه وَتَسْمِيَة أَئِمَّة من أَصْحَابه وأشياعه مِمَّن لَا يسابق فِي فضل وَلَا يجارى وَلَا يشك فِي علمه وَلَا يتمارى
وَقَوله فشاع أمره وذاع فِي الْآفَاق ذكره
ينْقض قَوْله فِيمَا بعد أَنه لم يزل مخمولا غير مَقْبُول فِي بِلَاد الْإِسْلَام وتناقض لقَوْل غير مستبدع من مثله من الْجُهَّال الطغام
وَقَوله إِنَّه كَانَ ينصر الْبِدْعَة وَيدخل على النَّاس قَول الْمُعْتَزلَة والزنَادقة
فَمن جنس مَا تقدم ذكرنَا لَهُ من أَقْوَاله السخيفة وتقولاته غير الصادقة فَإِن من وقف على مَا ذكره أَبُو الْحسن فِي تواليفه وَكتبه وَعرف شدَّة بغض الْمُعْتَزلَة والزنَادقة لَهُ ولصحبه تَيَقّن كذب الْأَهْوَازِي فِيمَا قَالَه وَتبين لَهُ تَحَامُله وَتحقّق إِبْطَاله وَمَا زعم أَنه حَكَاهُ عَن أهل الْبَصْرَة فَالَّذِي صدق فِي حكايته فَعَن معتزلة أَو سالمية أَمْثَاله وَمَا لم يكذب هُوَ فِيهِ فَإِنَّمَا رَوَاهُ عَن مجهولين أَو كَذَّابين أشكاله وَمن الْعَجَائِب أَنه اعْتقد الْإِتْيَان بذمه قربَة وَزعم أَنه ذكر مَا ذكر من شَتمه حسبَة وَرغب إِلَى الله عزوجل أَن يَجعله لوجهه خَالِصا وَإِلَى مرضاته واصلا فَتَبَيَّنُوا مَا قَالَ تَجدوا عقله نَاقصا وَقَوله بَاطِلا مَتى تعبدنَا اللَّه بالسب والشتم وَأَيْنَ أمرنَا بالتفرغ
стр. 356
للثلب والذم وَهل سوغ لنَا الِاشْتِغَال باللعن أَو ندبَنَا إِلَى اسْتِعْمَال الْغَيْبَة والطعن أَو أثني فِي كِتَابه على المستعلمين للهمز أَو مدح العيابين المشتغلين باللمز فتأملوا رحمكم اللَّه الْقُرْآن الْعَظِيم وتفهموا الْآيَات وَالذكر الْحَكِيم تَجدوا فِيهِ النَّهْي عَن ذَلِك كُله وَالْأَمر بِالْإِعْرَاضِ عَن أَكْثَره وَأقله وَقد نهى ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام عَن سبّ مَا يعبد من دونه من الْأَصْنَام فَقَالَ ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْر علم﴾ فَمن تفرغ لسب عباد اللَّه فقد عصى اللَّه سَهوا بِغَيْر فهم وَإِذا كَانَ اللَّه قد نهى عَن سبّ الأخشاب والأحجار فَكيف يُبِيح لكم سبّ الْعلمَاء الأخيار
فَإِن قيل إِن الْمَعْنى فِي النَّهْي عَن هَذَا السب لِئَلَّا يكون سَببا لسب الرب فَرُبمَا سمع سبّ الْأَهْوَازِي لهَذَا الإِمَام بعض من يرَاهُ بِعَين الإعظام فيقابل سبه بسب إِمَامه وَيتَكَلَّم فِيهِ عِنْد الْغَضَب بِمثل كَلَامه ويحمله على ذَلِك السب فرط حمية أَو إِظْهَار صلابة فِي معتقده وعصبية ويجتنب مُقَابلَة السَّيئَة بِالْحَسَنَة اقْتِدَاء بقول بعض جهال المتسننة سبوا عليا كَمَا سبوا عتيقكم كفر بِكفْر وإيمان بِإِيمَان فَيكون حِينَئِذٍ سَببا لسب صَاحب مذْهبه لِأَن ذَلِك إِنَّمَا جرى من قَائِله خطأ بتسببه وَهَذِه خطة لَا يرتضيها ذُو عقل وسقطة تنبىء عَن عَظِيم جهل وَقد امْتنع رَسُول رب الْعَالمين صلى اللَّه عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ من لعن مَنْ سُئل فِي لَعنه من الْمُشْركين بِاللَّهِ مَعَ كَونهم بالشرك بِاللَّهِ مُتَمَسِّكِينَ وَذَلِكَ فِيمَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْفُرَاوِيُّ وَأَبُو الْمُظَفَّرِ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيم الْقشيرِي قَالَا أَنا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ
стр. 357
الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَنْزَرُوذِيُّ قَالَ أَنا أَبُو عمر مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ الْحِيرِي ح وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحُسَيْن الْخلال بأصبهان قَالَ أَنا أَبُو الْقسم إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السّلمِيّ قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن عَليّ بن الْمقري قَالَا أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْموصِلِي قَالَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْمَكِّيِّ قَالَ ثَنَا مَرْوَان زَاد ابْن الْمقري ابْن مُعَاوِيَة عَن يُرِيد زَاد ابْن الْمقري ابْن كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قِيلَ وَفِي حَدِيث ابْن حمدَان قلت يارسول اللَّهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَ
إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا إِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ فَإِذا كَأَن رَسُول اللَّه ﷺ لم ير لعن الْمُشْركين فَكيف استجاز الْأَهْوَازِي فِي دينه لعن الْعلمَاء المتنسكين فَلَا بِهَدي اللَّه اهْتَدَى وَلَا بِنَبِيِّهِ ﷺ اقْتدى بل عمي عَن سلوك طَرِيق الْهدى وَألقى نَفسه فِيمَا يفضى بِهِ إِلَى الردى أفتراه حسب أَن يتْرك سدى حِين أَخطَأ فِيمَا قَالَه فِي الْأَشْعَرِيّ واعتدي وَاتبع مُرَاد الشَّيْطَان الرَّجِيم فِي لعن الْمُسلمين حِين تجنب الْكَفّ عَنْهُم والإغضاء قَالَ الله عزوجل فِي كِتَابه الْكَرِيم ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ والبغضاء﴾ فَمن أضلّ سَبِيلا مِمَّن اتبع هَوَاهُ واستفرغ فِي ذمّ الْعلمَاء بِالْبَاطِلِ قواه وَلم يرقب فيهم إِلَّا وَلَا ذمَّة وَلم يرعَ لَهُ محلا وَلَا حُرْمَة ومَنْ أعظم جهلا مِمَّن فرغ نَفسه لِلطَّعْنِ والوقيعة فِي الأكابر والأعيان من عُلَمَاء الشَّرِيعَة وَلَو أنعم فِيمَا قَالَه تفكرا لعلم أَنه أَتَى أمرا مستنكرا وَلَو كَانَ بِأَحْكَام الشَّرِيعَة خَبِيرا لتيقن أَنه
стр. 358
ارْتكب حوبا كَبِيرا وَكَفاهُ تركا للحق أَو اجتنَابا عده مَا ذكره من الْبُهْتَان فِي حَقه احتسابا فَمَا أسعده أَن سلم مِمَّا ذكره رَأْسا بِرَأْس وانفلت مِنْهُ كفافا بِغَيْر بَأْس وَإِنِّي لَهُ بالسلامة وَقد خرج من حد الاسْتقَامَة وَلَو قَالَ بدل وَاصل موصلا لَكَانَ قد ذكر لفظا مُسْتَعْملا لَكِن عجمته تحمله على تجنب الصَّوَاب وجهالته تَقْتَضِي لَهُ تعسفه فِي الْخطاب
وَقَول الْوزان الَّذِي حكى عَنهُ إِنَّه ادّعى أَنه رَجَعَ عَن الاعتزال فَلَا أَدْرِي أصدقه فِي القَوْل الأول أَو الثَّانِي فَقَوْل جَاهِل أَو متجاهل لَا يَصح معنَاه عِنْد أهل الْفَهم بالمعاني لِأَن أحدا من الطوائف لم يكذب أَنه كَانَ معتزليا وَإِنَّمَا يُنكر من لَا يعْتد بإنكاره رُجُوعه بعد الاعتزال سنيا وَقَول الْوزان لم يتَغَيَّر على شَيْء من عقله وَلم يبْعَث اللَّه نَبيا تظهر على يَدَيْهِ المعجزات فيدع الْخلق مَا هم عَلَيْهِ ضَرُورَة
فَقَوْل جَاهِل لم يؤته اللَّه فِي دينه بَصِيرَة لِأَنَّهُ زعم أَن تغير الْعقل سَبَب الرُّجُوع عَن الاعتزال وَهَذَا يشْعر أَن هَذَا الْوزان كَانَ من الْمُعْتَزلَة الضلال ودعواه أَن أحدا لَا يتْرك مَا كَانَ عَلَيْهِ إِلَّا عِنْد ظُهُور المعجز من الْمحَال فكم من متنقل من مَذْهَب إِلَى غَيره لقُوَّة النّظر وَالِاسْتِدْلَال أَو لإرشاد من الْحق سُبْحَانَهُ وإلهام أَو رُؤْيا وعظ بهَا رائيها فِي منَام أَو شدَّة بحث عَن الْحق على ممر الْأَيَّام وهَذِهِ الْمعَانِي كلهَا مَوْجُودَة فِي حق هَذَا الإِمَام وَإِنَّمَا يشك فِي تَوْبَة التائب إِذَا لم يُوجد مِنْهُ غير مُجَرّد الدَّعْوَى وَلم يكن عِنْد اختبار حَاله من أهل الدّين وَلَا من ذَوي التَّقْوَى فَأَما إِذَا اقْترن مِنْهُ بِدَعْوَى التَّوْبَة ظُهُور الأسف على مَا أسلف من الحوبة وَكَانَ
стр. 359
الْمظهر للتَّوْبَة ذَا ديانَة مَوْصُوفا عِنْد الْخلق بِصدق وَأَمَانَة لم يكن للشَّكّ فِي صِحَة تَوْبَته مجَال فَمن قَالَ غير هَذَا فَقَوله محَال وَلَا شكّ أَن دين أَبِي الْحسن ﵀ متين وتبرأه من مَذْهَب الاعتزال ظَاهر مُبين ومنَاظراته لشيخهم الجبائي مَشْهُورَة واستظهاراته عَلَيْهِ فِي الجدل مَذْكُورَة وقمعه لغيره من شيوخم مَعْرُوف شَائِع وقطعه لَهُم فِي المنَاظرة منتشر ذائع وتواليفه فِي الرَّد على أهل التعطيل كَثِيرَة وفضيحة أهل الْأَهْوَاء بِمَا أظهر من عوار مَذْهَبهم كَبِيرَة فَكيف يزْعم أَنه أظهر غير مَا أبطن أَو أضمر ضد مَا أعلن وَمَا حَكَاهُ عَنْ أَبِي مُحَمَّد الْحسن بن مُحَمَّد العسكري فقد بيّنت أَن ذَلِك من منَاقبه ضد مَا تصَوره المفتري وَمَا حَكَاهُ عَنْ أَبِي عَبْد اللَّهِ الحمراني الَّذِي يثني عَلَيْهِ فَمَا لَا يصغي ذُو لب إِلَيْهِ وثنَاؤه على الحمراني غير مَقْبُول وَكَيف يقبل ثنَاء مثله على رجل مَجْهُول وَهُوَ أَنه قَالَ إِن النَّاس اخْتلفُوا فِي سَبَب رُجُوعه فَقَالَ أَصْحَابه بَان لَهُ الْحق فَكَانَ سَبَب نزوعه وَقَالَ آخَرُونَ مَاتَ لَهُ قريب من الذُّكُور أَو الإنَاث فَتَابَ لِئَلَّا يمنعهُ الْحَاكِم من الْمِيرَاث وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّمَا فَارق مَذَاهِب الْمُعْتَزلَة لما لم يظفر عِنْد الْعَامَّة بسمو الْمنزلَة فقد تقدم ذكر تقلل أَبِي الْحسن وزهده وتبلغه باليسير من غلَّة وقف جده فَقَوْل من زعم أَنه رَجَعَ لأخذ الْمِيرَاث بَاطِل من الْجِهَات الثَّلَاث وهب أَنه أبدى ذَلِك فِي حق نَفسه لغَرَض من الْأَغْرَاض أَو لنيل مَا نَاله من حطام الدُّنْيَا من الْأَعْرَاض فَكيف تسخو نَفسه بِرُجُوع من يرجع عَن بدعته الَّتِي هُوَ يسرها ويعتقدها بِالنّظرِ فِي كتبه الَّتِي ألفها على مَذْهَب
стр. 360
أهل السّنة مِمَّن ينظر فِيهَا بعده ويعتمدها وَلَا شكّ أَنه قد استبصر بِمَا ذكر فِيهَا عَالم من النَّاس وزالت عَنْهُم بهَا ظلم الشكوك والالتباس
وَقَول من زعم أَنه أظهر التَّوْبَة ليؤخذ عَنهُ وَيسمع مَا يلقِي إِلَى المتعلمين مِنْهُ وَتَعْلُو مَنْزِلَته عِنْد الْعَامَّة فَذَلِك مَالا يصنعه من يُؤمن بِالْبَعْثِ يَوْم الْقِيَامَة كَيفَ يستجيز مُسلم أَن يظْهر ضد مَا يبطن أَو يضمر خلاف مَا يُبْدِي ويعلن لَا سِيمَا فِيمَا يتَعَلَّق بالاعتقادات وَيرجع إِلَى أصُول الديانَات فَتعين حِينَئِذٍ مَا ذكر الحمراني القَوْل الأول وَبَان أَنه الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْمعول وَهُوَ أَنه لما بَان لَهُ الْحق اتبعهُ وَترك مَا عداهُ وَهُوَ القَوْل الَّذِي نقُول بِهِ فِي هَذَا المعني وَلَا نتعداه
والحكاية الثَّانِيَة الَّتِي حَكَاهَا عَن الحمراني أَيْضا فحكاية مثلهَا مِمَّا لَا يستجاز فِي الشَّرْع وَلَا يرضى مِمَّا عزاهُ إِلَيْهِ من القَوْل عِنْد تلقين الَّذِي أَدخل الْقَبْر لِأَنَّهَا حِكَايَة جمع فِيهَا حاكيها عَنهُ الْكَذِب والهجر وَكَيف يستحسن عَاقل أَن يَقُول مثل هَذَا القَوْل عِنْد دفن آدَمِيّ مثله وَهِي حَالَة شَدِيدَة الهول أم كَيفَ لم يشْغلهُ مَا يرَاهُ من ظلمَة الْقَبْر وضيق اللَّحْد عَن الِاعْتِرَاف بِفساد الدّين وَسُوء العقد وهب أَن الملحد لَا يُؤمن بِالْبَعْثِ أَلَيْسَ يُوقن بالبلاء وَطول الْمكْث وَكَيف يعْتَرف أَنه ولد ملحدا والمعتزلة تَقول إِن كل مَوْلُود يخلق موحدا فهَذِهِ الْحِكَايَة لعمري من الْكَذِب الْبَارِد وإيراد مثلهَا يدل على الْعقل الْفَاسِد وَلأبي الْحسن ﵀ من الرَّد على أصنَاف الْمَلَاحِدَة والنقض لمقَالات أَصْحَاب العقائد الْفَاسِدَة والكشف عَن تمويهات الْفرق الجاحدة مِمَّا تقدم
стр. 361
ذكره مَا يدل على بطلَان هَذِهِ الكذبة الْبَارِدَة وَلَو أَرَادَ اللَّه بِهِ خيرا لم يحك مثل هَذِهِ الْحِكَايَة لِأَن وَجه فَسَادهَا ظَاهر عِنْد أهل الْفَهم والدراية وحاكيها مَجْهُول الْعَدَالَة عِنْد أهل الرِّوَايَة ومزكيه لَا يَكْتَفِي بتزكيته لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهلا للكفاية لتنَاهيه فِي الْعَدَاوَة للأئمة فَوق النِّهَايَة وتجاوزه فِيهَا يظهره من البغض لَهُم للحد والغاية
وَأما إِنْكَار الْأَهْوَازِي قبُول تَوْبَة المبتدعة فَمن الإنكارات الْبَعِيدَة الممتنعة وَقد سبق الْكَلَام فِي ذَلِك فِي أول هَذَا الْكتاب بِمَا فِيهِ غنية لِذَوي الْفَهم وَأولى الْأَلْبَاب واحتجاجه بِالْآيَةِ غير صَحِيح فِي الِاعْتِبَار لِأَنَّهَا إِنَّمَا عني بهَا من ارْتَدَّ وَلحق بالكفار وَلم يخْتم عمله بِعَمَل الْمُؤمنِينَ الْأَبْرَار بل مَاتَ على كفره وَصَارَ إِلَى النَّار وَلَو تَأمل مَا قبلهَا وَبعدهَا من الْآيَات لعرف ذَلِك وَلكنه مِمَّن يكتم مَا أنزل من الْهدى والبينَات قَالَ اللَّه عزوجل ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم من ناصرين﴾ وَقيل إِنَّهَا نزلت فِي الْيَهُود
стр. 362
وَالنَّصَارَى فَلَا يحْتَج بهَا فِي حق موحد إِلَّا الْجُهَّال بالتفسير الحيارى
حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيّ بهَا قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَليّ بن أَيُّوب قَالَ أَنا الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاء مُحَمَّد بن يَعْقُوب الوَاسِطِيّ قَالَ أَنا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْغفار النَّحْوِيّ قَالَ أَنا أَبُو اسحق أَنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ النَّحْوِيّ الزّجاج قَالَ أعلم أَن الله عزوجل لَا يقبل دينا غير دين الْإِسْلَام وَلَا عملا إِلَّا من أَهله فَقَالَ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ يبتغ جزم بِمن وَقَوله فَلَنْ يقبل مِنْهُ الْجَواب ومعني الخاسرين أَي مِمَّن خسر عمله وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْله ﴿الَّذين كفرُوا وصدوا عَن سَبِيل الله أضلّ أَعْمَالهم﴾ وَقَوله عزوجل كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حق يُقَال إِنَّهَا نزلت فِي قوم ارْتَدُّوا ثمَّ أَرَادوا الرُّجُوع إِلَى الْإِسْلَام ونيتهم الْكفْر فَأعْلم اللَّه أَنه لَا جِهَة لهدايتهم لأَنهم قد استحقوا أَن يضلوا بكفرهم لأَنهم قد كفرُوا بعد البينَات الَّتِي هِيَ دليلة على صِحَة أَمر النَّبِي ﷺ وَقيل إِنَّهَا فِي الْيَهُود لأَنهم كفرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ بعد كَانُوا قبل مبعثه مُؤمنين وَكَانُوا يشْهدُونَ لَهُ بالبنبوة فَلَمَّا بعث ﵇ وجاءهم بِالْآيَاتِ المعجزات وأنبأهم بِمَا فِي كتبهمْ مِمَّا لايقدرون على دَفعه وَهُوَ ﵇ أُمِّي كفرُوا بغيا وحسدا فَأعْلم الله عزوجل أَن جزاءهم اللَّعْنَة فَقَالَ ﴿جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ وَمعنى لعن اللَّه لَهُم تبعيده إيَّاهُم من رَحمته وثنَاؤه عَلَيْهِم بكفرهم وَمعنى لعن النَّاس
стр. 363
أَجْمَعِينَ لَهُم أَن بَعضهم يَوْم الْقِيَامَة يلعن بَعْضًا وَمن خالفهم يلعنهم
وَمعنى ﴿خَالِدين فِيهَا﴾ أَي فِيمَا توجبه اللَّعْنَة أَي فِي عَذَاب اللَّعْنَة ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أَي لَا يؤخرون عَن الْوَقْت
وَقَوله ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ مَوضِع الَّذين نصب استثنَاء من قَوْله عَلَيْهِم لعنة اللَّه ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلحُوا﴾ أَي أظهرُوا أَنهم كَانُوا على ضلال وَأَصْلحُوا مَا كَانُوا أفسدوه وغروا بِهِ من تَبِعَهُمْ مِمَّن لَا علم عِنْده ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُور رَحِيم﴾ أعلم اللَّه أَن من سَعَة رَحمته وتفضله أَن يغْفر لمن اجترأ عَلَيْهِ هَذَا الاجتراء لِأَن هَذَا مِمَّن لَا غَايَة بعده وَهُوَ أَنه كفر بعد تبين الْحق
وَقَوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لن تقبل تَوْبَتهمْ﴾ يُقَال فِي التَّفْسِير إِنَّهُم هَؤُلَاءِ النَّفر الَّذِي ارْتَدُّوا بعد إسْلَامهمْ ثمَّ أظهرُوا أَنهم يُرِيدُونَ الرُّجُوع إِلَى الْإِسْلَام فأظهر اللَّه أَمرهم لأَنهم كَانُوا يظهرون أَنهم يرجعُونَ إِلَى الْإِسْلَام وعقدهم الْكفْر وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْله ﴿وَأُولَئِكَ هم الضالون﴾ لأَنهم لَو حققوا التَّوْبَة لكانوا مهتدين وَيدل على ذَلِك قَوْله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ ملْء الأَرْض ذَهَبا﴾ لِأَن الْكَافِر الَّذِي يعْتَقد الْكفْر وَيظْهر الْإِيمَان عِنْد اللَّه كمظهر الْكفْر لِأَن الْإِيمَان التَّصْدِيق والتصديق لَا يكون إِلَّا بِالنِّيَّةِ ومعني ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْض ذَهَبا﴾ أَي لَو عمل الْكفْر وَقدم ملْء الأَرْض ذَهَبا يتَقرَّب بِهِ إِلَى اللَّه لم يَنْفَعهُ ذَلِك مَعَ كفره وَكَذَلِكَ لَو افتدى من الْعَذَاب بملء الأَرْض ذَهَبا لم يقبل مِنْهُ فَأعْلم اللَّه أَنه لَا يثيبهم على أَعْمَالهم بِالْخَيرِ وَلَا يقبل مِنْهُم الْفِدَاء من الْعَذَاب
أَخْبَرَنَا
стр. 364
الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْخُوَارِيُّ الْبَيْهَقِيّ الْفَقِيه بنيسابور قَالَ أَنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَاحِدِيُّ الْمُفَسّر قَالَ قَوْله عزوجل ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بعد بَعْثِهِ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِالإِقَامَةِ عَلَى كُفْرِهِمْ حَتَّى هَلَكَوُا عَلَيْهِ قَالَ قَتَادَةُ إِنَّ الْيَهُودَ كَفَرُوا بِعِيسَى وَالإِنْجِيلِ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَكُتُبِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْقُرْآنِ لَنْ يُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ لأَنَّهُمْ لَا يَتُوبُونَ إِلا عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ
وَقَوْلُهُ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أحدهم ملْء الأَرْض ذَهَبا﴾ ملْء الشَّيْء قدر مَا يملاءه يُقَالُ مِلْءُ الْقَدَحِ وَانْتَصَبَ ذَهَبًا عَلَى التَّفْسِيرِ قَالَ الزَّجَّاجُ الَمْعَنَى لَوْ قَدَّمَ مِلْءَ الأَرْضِ ذَهَبًا يتَقرَّب بِهِ إِلَى اللَّه لم يَنْفَعْهُ ذَلِكَ مَعَ كُفْرِهِ وَلَوِ افتدى من الْعَذَاب بملء الأَرْض ذَهَبًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْعَبَّاسِ عمر بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الأرغياني الْفَقِيه بنيسابور قَالَ ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الواحدي النَّيْسَابُورِي قَالَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ الْآيَة قَالَ الْحسن وَقَتَادَة وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي نزلت فِي الْيَهُود كفرُوا بعِيسَى وَالْإِنْجِيل ثمَّ ازدادوا كفرا بمُحَمَّد وَالْقُرْآن وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة نزلت فِي الْيَهُود النَّصَارَى كفرُوا بمُحَمَّد ﷺ بعدإيمانهم بنعته وَصفته ثمَّ ازدادوا كفرا بإقامتهم على كفرهم
فهَذِهِ أَقْوَال المعتبرين من الْأَئِمَّة الْمُفَسّرين أَنَّهَا نزلت فِي الْمُرْتَدين الحيارى أَو فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى الَّذين تَابُوا بعد الْفَوْت عِنْد حُضُور الْمَوْت فَكيف يحْتَج بِهَذَا
стр. 365
الْأَهْوَازِي فِي حق مُعْتَقد لِلْإِسْلَامِ مُلْتَزم لما ورد فِيهِ من الْأَحْكَام رَجَعَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ اخْتِيَارا وَلم يلجأ إِلَى الرُّجُوع عَنهُ إضطرار فتمسكه بِالْآيَةِ غَايَة الْجَهْل واحتجاجه بهَا نِهَايَة قلَّة الْعقل وَمَا تمسك بِهِ من الْأَخْبَار فِي أَن تَوْبَته لَا تتقبل فَمن الْأَخْبَار الَّتِي لَا تصح عِنْد أَرْبَاب النَّقْل وَلَا تقبل وَهِي متروكة بِإِجْمَاع أهل الْعلم فَلَا يحْتَج بهَا إِلَّا قَلِيل الْفَهم وَقَوله إِن التَّوْبَة لَا تصح من المبتدع حَتَّى يرجع عَن بدعته وَيرجع من ابتدع بابتداعه وَوَافَقَهُ على عقيدته
فَمن أَيْن علم أَن أحدا قَالَ بالإعتزال تقليدا لأبي الْحسن وَذَلِكَ مَذْهَب كَانَ قد انْتَشَر فِي سالف الزَّمن وَلَو سلمنَا لَهُ ذَلِك من طَرِيق الجدل وصححنَا قَوْله على مَا فِيهِ من الخطل فَكيف يُمكنهُ أَن يَقُول إِن من أضلّهُ أَبُو الْحَسَنِ فابتدع لم يرجع إِلَى مَذْهَب أهل السّنة حِين اهْتَدَى هُوَ وَرجع وَهَذَا مِمَّا لَا يقدر أَن يدل عَلَيْهِ وَلَا يُمكنهُ بِوَجْه الْمصير إِلَيْهِ
وَقَوله إِن اعْتِقَاد الْبِدْعَة مَا يُتَاب مِنْهُ وَلَا يتَصَوَّر عِنْده الرُّجُوع عَنهُ وَلَا يعْتَقد البدعي أَنه كَانَ على بَاطِل
فَقَوْل لَا يصدر مثله إِلَّا عَن رجل جَاهِل فَلَو كَانَ اعْتِقَاد الْبِدْعَة لَا يُتَاب مِنْهُ بِحَال كَانَ دُعَاء أَئِمَّة أهل السّنة إِلَيْهَا وحثهم على اجتنَاب الْبدع نوع محَال لأَنهم دعوا إِلَى شَيْء غير مُتَصَوّر وطمعوا فِي حُصُول أَمر مُتَعَذر وَإِنَّمَا لَا نقُول للبدعي أَنْت كنت على بَاطِل مَا دَامَ مبتدعا لَا حِين يفصح بِالرُّجُوعِ وَيصير للسّنة مُتبعا وَقد جَاءَ عَن نعيم بن حَمَّاد المرزوي مَا يدل على بطلَان قَول هَذَا المختزي وَذَلِكَ فِيمَا أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد ابْن عَبْدِ الْمَلِكِ بن خيرون وأَبُو الحيس عَليّ بن الْحُسَيْنِ بْنِ سعيد قَالَ مُحَمَّد
стр. 366
أخبرنَا وَقَالَ عَليّ ثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ ثَابت قَالَ أَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر بن عَلان قَالَ مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ قَالَ سَمِعت صَالح بن مِسْمَار يَقُول سَمِعت نعيم بن حَمَّاد يَقُول أَنا كنت جهميا فَلذَلِك عرفت كَلَامهم فَلَمَّا طلبت الحَدِيث عرفت أَن أَمرهم يرجع إِلَى التعطيل
وَمَا ذكره فِي معني كتاب الْإِبَانَة فَقَوْل بعيد من أَقْوَال أهل الدّيانَة كَيفَ يصنف الْمُسلم كتابا يخلده وَهُوَ لَا يَقُول بِصِحَّة مَا فِيهِ وَلَا يَعْتَقِدهُ
وَقَوله لَا أحسن اللَّه لَهُ رِعَايَة إِن أَصْحَاب الْأَشْعَرِيّ جعلُوا الْإِبَانَة من الحنَابلة وقاية
فَمن جملَة أَقْوَاله الْفَاسِدَة وتقولاته المستبعدة الْبَارِدَة بل هم يَعْتَقِدُونَ مَا فِيهَا أَشد اعْتِقَاد ويعتمدون عَلَيْهَا أَشد اعْتِمَاد فَإِنَّهُم بِحَمْد اللَّه لَيْسُوا معتزلة وَلَا نفاة لصفات اللَّه معطلة لكِنهمْ يثبتون لَهُ سُبْحَانَهُ مَا أثْبته لنَفسِهِ من الصِّفَات ويصفونه بِمَا تصف بِهِ فِي مُحكم الْآيَات وَبِمَا وَصفه بِهِ نبيه ﷺ فِي صَحِيح الرِّوَايَات وينزهونه عَن سمات النَّقْص والآفات فَإِذا وجدوا من يَقُول بالتجسيم أَو التكييف من المجسمة والمشبهة ولقوا من يصفه بِصِفَات المحدثات من الْقَائِلين بالحدود والجهة فَحِينَئِذٍ يسلكون طَرِيق التَّأْوِيل ويثبتون تنزيهه بأوضح الدَّلِيل ويبالغون فِي إِثْبَات التَّقْدِيس لَهُ والتنزيه خوفًا من وُقُوع من لَا يعلم فِي ظلم التَّشْبِيه فَإِذا أمنُوا من ذَلِك رَأَوْا أَن السُّكُوت أسلم وَترك الْخَوْض فِي التَّأْوِيل إِلَّا عِنْد الْحَاجة أحزم وَمَا مثالهم فِي ذَلِك إِلَّا مثل الطَّبِيب الحاذق الَّذِي يداوي كل دَاء من الأدواء بالدواء الْمُوَافق فَإِذا تحقق غَلَبَة الْبُرُودَة على الْمَرِيض داواه بالأدوية الحارة ويعالجه
стр. 367
بالأدوية الْبَارِدَة عِنْد تيقنه مِنْهُ بِغَلَبَة الْحَرَارَة وَمَا هَذَا فِي ضرب الْمِثَال إِلَّا كَمَا رُوِيَ عَن سُفْيَان إِذَا كنت بِالشَّام فَحدث بفضائل عَليّ ﵁ وَإِذا كنت بِالْكُوفَةِ فَحدث بفضائل عُثْمَان ﵁ وَمَا مِثَال المتأول بِالدَّلِيلِ الْوَاضِح إِلَّا مِثَال الرجل السابح فَإِنَّهُ لَا يحْتَاج إِلَى السباحة مَا دَامَ فِي البرفان اتّفق لَهُ فِي بعض الْأَحَايِين ركُوب الْبَحْر وعاين هُوَ لَهُ عِنْد ارتجاجه وَشَاهد مِنْهُ تلاطم أمواجه وعصفت بِهِ الرّيح حَتَّى انْكَسَرَ الْفلك وأحاط بِهِ إِن لم يسْتَعْمل السباحة الهلك فَحِينَئِذٍ يسبح بِجهْدِهِ طلبا للنجاة وَلَا يلْحقهُ فِيهَا تَقْصِير حبا للحياة فَكَذَلِك الموحد مَا دَامَ سالكا محجة التَّنْزِيه آمنا فِي عقده من ركُوب لجة التَّشْبِيه فَهُوَ غير مُحْتَاج إِلَى الْخَوْض فِي التَّأْوِيل لِسَلَامَةِ عقيدته من الشّبَه والأباطيل فَأَما إِذَا تكدر صفاء عقده بكدورة التكييف والتمثيل فَلَا بُد من تصفية قلبه من الكدر بمصفاة التَّأْوِيل وترويق ذهنه براووق الدَّلِيل لتسليم عقيدته من التَّشْبِيه والتعطيل وَلم يزل كتاب الْإِبَانَة مستصوبا عِنْد أهل الدّيانَة وَسمعت الشَّيْخ أَبَا بكر أَحْمد بن مُحَمَّدِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بشار البوشنجي الْمَعْرُوف بالخر كردِي الْفَقِيه الزَّاهِد يَحْكِي عَن بعض شُيُوخه أَن الإِمَام أَبَا عُثْمَان إِسْمَاعِيل بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أَحْمَدَ الصَّابُونِي النَّيْسَابُورِي قَالَ مَا كَانَ يخرج إِلَى مجْلِس درسه إِلَّا وَبِيَدِهِ كتاب الْإِبَانَة لأبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَيظْهر الْإِعْجَاب بِهِ وَيَقُول مَاذَا الَّذِي يُنكر على من هَذَا الْكتاب شرح مذْهبه
فَهَذَا قَول الإِمَام أَبِي عُثْمَانَ وَهُوَ من أَعْيَان أهل الْأَثر بخراسان
وَقَول الْأَهْوَازِي إِن الحنَابلة لم يقبلُوا مِنْهُ مَا أظهره فِي كتاب الْإِبَانَة
стр. 368
وهجروه
فَلَو كَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ لنقلوه عَن أَشْيَاخهم وأظهروه وَلم أزل أسمع مِمَّن يوثق بِهِ أَنه كَانَ صديقا للتميميين سلف أَبِي مُحَمَّد رزق اللَّه ابْن عَبْدِ الْوَهَّاب بن عَبْدِ الْعَزِيزِ بن الْحَرْث وَكَانُوا لَهُ مكرمين وَقد ظهر أثر بركَة تِلْكَ الصُّحْبَة على أَعْقَابهم حَتَّى نسب إِلَى مذْهبه أَبُو الْخطاب الكلوذاني من أَصْحَابهم وَهَذَا تلميذ أَبِي الْخطاب أَحْمد الْحَرْبِيّ يخبر بِصِحَّة مَا ذكرته وينبي وَكَذَلِكَ كَانَ بَينهم وَبَين صَاحبه أَبِي عَبْد اللَّهِ بن مُجَاهِد وَصَاحب صَاحبه أَبِي بكر بن الطّيب من المواصلة والمؤاكلة مَا يدل على كَثْرَة الإختلاق من الْأَهْوَازِي والتكذب
وَقد أَخْبَرنِي الشَّيْخ أَبُو الْفضل بن أَبِي سعد الْبَزَّاز عَنْ أَبِي مُحَمَّد رزق اللَّه بن عَبْدِ الْوَهَّاب بن عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّمِيمِي الْحَنْبَلِيّ قَالَ سَأَلت الشريف أَبَا عَليّ مُحَمَّد بن أَحْمَدَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْهَاشِمِي فَقَالَ حضرت دَار شيخنَا أَبِي الْحسن عبد الْعَزِيزِ بن الْحَرْث التَّمِيمِي سنة سبعين وثلاثمائة فِي دَعْوَة عَملهَا لأَصْحَابه حضرها أَبُو بكر الْأَبْهَرِيّ شيخ المالكيين وَأَبُو الْقسم الداركي شيخ الشافعيين وأَبُو الْحَسَنِ طَاهِر بن الْحَسَنِ شيخ أَصْحَاب الحَدِيث وأَبُو الْحُسَيْنِ بن سمعون شيخ الوعاظ والزهاد وأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُجَاهِد شيخ الْمُتَكَلِّمين وَصَاحبه أَبُو بكر بن الباقلاني فِي دَار شيخنَا أَبِي الْحسن التَّمِيمِي شيخ الحنَابلة قَالَ أَبُو عَليّ لَو سقط السّقف عَلَيْهِم لم يبْق بالعراق من يُفْتِي فِي حَادِثَة يشبه وَاحِدًا مِنْهُم
وحكاية الْأَهْوَازِي عَن البربهاري
стр. 369
مِمَّا يَقع فِي صِحَّته التماري وأدل دَلِيل على بُطْلَانه قَوْله إِنَّه لم يظْهر بِبَغْدَادَ إِلَى أَن خرج مِنْهَا وَهُوَ بعد إِذْ صَار إِلَيْهَا لم يفارقها وَلَا رَحل عَنْهَا فَإِن بهَا كَانَت منيته وفيهَا قَبره وتربته وَلَا يَدعِي أَنه لم يظْهر بهَا إِلَّا مثل هَذَا المختزي وَقد تقدم ذكر جُلُوسه فِي حَلقَة أبي اسحق المرزوي وَأَنه كَانَ يحضرها فِي أَيَّام الْجمع بالجانب الغربي فِي جَامع الْمَنْصُور ووالجمع أَكثر الْأَيَّام جمعا فِي أعظم الْجَوَامِع بهَا فِي حَلقَة ذَلِك الإِمَام الْمَشْهُور
وَقَدْ أَخْبَرَنَا الشَّرِيفُ أَبُو الْقسم عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن الْعَبَّاسِ الْحُسَيْنِي وَأَبُو الْحسن عَليّ ابْن أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ الْغَسَّانِيُّ قَالَ ثَنَا وأَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّد الشَّيْبَانِيّ قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ ثَابِتٍ الْحَافِظُ قَالَ أَخْبَرنِي عَليّ ابْن المحسن القَاضِي قَالَ ثَنَا ابو اسحق إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُعَدَّلِ قَالَ سَمِعت ابا حعفر مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بن عبد الله الْمقري يَقُولُ قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الأَصْبَهَانِيُّ وَهُوَ ابْنُ أُخْتِي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّوْمِ فَقلت يارسول اللَّهِ عَمَّنْ آخُذُ الْقُرْآنَ فَقَالَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ
стр. 370
الأَنْبَارِيِّ فَقُلْتُ فَالْفِقْهَ قَالَ عَنْ أبي اسحق المرزوي وَلَئِن صحّح حِكَايَة البربهاري وَقَالَ بثبوتها فَلَقَد نَعته وطائفته بِالْجَهْلِ
стр. 371
وَهُوَ أخص نعوتها هَل يرد على الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَو الْمَجُوس بقول أَحْمد إِلَّا ذُو اللب المعكوس وَإِن زعم أَن مجادلة أهل الْكتاب لَا تجوز وَلَا تستحسن فقد قَالَ اللَّه تَعَالَى ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ وَهُوَ مَا ذكره أَبُو الْحَسَنِ من الْحجَج وَشَرحه وَبَينه لمن أَرَادَ سلوك طَرِيقه فِيهِ وأوضحه وَلَو احْتج مُحْتَج على مخالفي الْملَّة بمنصوصات أَحْمد بن حَنْبَل لم يَصح لَهُ إِيضَاح الْأَدِلَّة
وَأما قَوْله فِي مسئلة الْإِيمَان
فَمن جنس مَا تقدم مِنْهُ من الْبُهْتَان وأَبُو الْحَسَنِ لَا يَقُول بقدم الْإِيمَان على الْإِطْلَاق وَإِنَّمَا يَقُول بقدم صِفَات الْعَلِيم الخلاق فَمن أَسْمَائِهِ الَّتِي سمى بهَا نَفسه
стр. 372
الْمُؤمن قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن﴾ فَقيل إِنَّه مُشْتَقّ من الْإِيمَان وَقيل بل هُوَ مَأْخُوذ من الْأمان فَمن قَالَ إِنَّه اشتق من الْإِيمَان فَلِأَنَّهُ صدق نَفسه فَقَالَ ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قيلا﴾ وَمن قَالَ إِنَّه مَأْخُوذ من الْأمان فَلِأَنَّهُ من أولياءه من ظلمه فَلَا يظلمهم فتيلا فأَبُو الْحَسَنِ نفى الْخلق عَن الْإِيمَان الَّذِي هُوَ صفة من صِفَات الرَّحْمَن فَأَما الْإِيمَان الَّذِي هُوَ صفة الْإِنْسَان فَالْقَوْل بقدمه عين الْبُهْتَان وَكَيف يكون الْإِنْسَان مُحدثا وَصفته قديمَة وَهل يتَصَوَّر ذَلِك إِلَّا من مسخ بعد الإنسانية بَهِيمَة وَقد وقفت على هَذِه المسئلة من تصنيف أَبِي الْحسن فَوجدت استدلاله فِيهَا يدل على هَذَا التَّفْصِيل الْحسن
وَأما قَوْله إِنَّه قد ثَبت وَصَحَّ بِنَقْل الْفُضَلَاء أَنه كَانَ لَا دين لَهُ
فَغير صَحِيح عِنْد الْعلمَاء والعقلاء فَعِنْدَ من صَحَّ ذَلِك أعند أَمْثَاله من السالمية أم صدق فِيهِ أَقْوَال أعدائه من الْمُعْتَزلَة والجهمية فَإِن أَرَادَ أَنه قد صَحَّ عِنْده فَإِنَّهُ بِحَمْد اللَّه لَا عِنْد لَهُ وَكَيف يصدق مثله عَلَيْهِ وَقد تبينت سوء اعْتِقَاده وخطله
وَأما حكايته عَنْ أَبِي الْحسن الشَّاهِد بالأهواز فَعَن مَجْهُول لم يعرف إِلَّا بِالسقطِ والاحتراز ومقالته خَارجه عَن حد الإعتدال تنبىء عَنهُ أَنه كَانَ من الْقَائِلين بالاعتزال لِأَنَّهُ جعل الْخُرُوج عَن مَذْهَب أهل الاعتزال إلحادا وَكفى بِهَذَا الْقدر من قَوْله فَسَادًا
فَأَما تشبيهه أَبَا الْحسن بِابْن الروندي فَإِنَّهُ فِيهِ غير مُصِيب عِنْدِي فقد ذكرت تَسْمِيَة مَا نقض عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ من تواليفه وَبَين من فَسَاد أَقْوَاله فِي كتبه وتصانيفه فَكيف يقرن بَينهمَا
стр. 373
فِي الْإِلْحَاد مَعَ مَا كَانَ بَينهمَا من الْخلاف والعنَاد
وَأما حكايته عَن أَخِيه أَحْمد بن عَليّ الْأَهْوَازِي فِي بويلة الْعِيد وَأَنه لم يصل عشْرين سنة فَمن الْكَذِب المستنكر الْبعيد فَمن يعرف بِالْعَدَالَةِ أَخَاهُ وَمن ذَا يصدقهُ فِيمَا ذكره أَو حَكَاهُ وَقد تقدم فِي بَاب ذكر اجْتِهَاده فِي الْعِبَادَة مَا يكذبهُ وإياه ويوضح أَن أَحدهمَا اختلق ذَلِك عَلَيْهِ وافتراه وَكَيف يتْرك إِنْسَان الصَّلَاة هَذِهِ الْمدَّة الطَّوِيلَة فِي مثل ذَلِك الزَّمَان وَلَا يقتل أم كَيفَ يعرف ذَاك من حَال رجل ثمَّ لَا يستفيض عَنهُ وينقل وَأي معني فِي تَخْصِيصه بويلة الْعِيد بِأَنَّهَا لَا توثر فِي انْتِقَاض الْوضُوء فقد ظهر أَن الْحَامِل لَهُ على التشنيع عَلَيْهِ بِمثل هَذَا فرط الغلو
وَأما مَا حَكَاهُ عَن ابْن الصعلوكي عَن ابيه فَمَا يقطع بِأَن الْأَهْوَازِي كذب فِيهِ وَأَخْطَأ فِي تَسْمِيَته الصعلوكي فَلم يدر كَيفَ يُسَمِّيه وَهُوَ الإِمَام ابْن الإِمَام الْفَقِيه ابْن الْفَقِيه كَانَ أَبُو الطّيب سهل بن مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَان وأَبُوه
стр. 374
الإِمَام أَبُو سهل الصعلوكيان وختنهما الْقَاضِي أَبُو عمر مُحَمَّد بن الْحُسَيْنِ أَشد أهل خُرَاسَان نصْرَة للمذهبين مَذْهَب الشَّافِعِي وَمذهب الْأَشْعَرِيّ فَكيف خَفِي مثل هَذَا على هَذَا الأبله المفتري فَإِن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة كَانُوا فِي زمانهم القائمين بِالدُّعَاءِ إِلَى مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ ونصرته وَلَا يحْتَاج هَذَا القَوْل إِلَى أَن أدل عَلَيْهِ لشهرته فَلَو كَانَ مَا حَكَاهُ عَنْهُمَا صَحِيحا لَكَانَ انتسابهما إِلَى مذْهبه مِنْهُمَا قبيحا وَكَيف يعْتَقد إِنْسَان تَفْضِيل إِمَام أَو يَقُول بإمامته وَهُوَ مُتَحَقق مِنْهُ مَا يقْضِي بانسلاخه من ديانته وَقد ذكرت مدح أَبِي سهل الصعلوكي للأشعري فِيمَا سبق فَبَان كذب الْأَهْوَازِي فِيمَا تخرص واختلق
وَأما قَوْله إِنَّه أَقَامَ بِالْبَصْرَةِ لَا يخْتَلف إِلَيْهِ أحد من أهل الْعلم لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ من أهل الْعلم
فَقَوْل حمله عَلَيْهِ
стр. 375
رقة الدّين وَقلة الْحيَاء وَعدم الْفَهم وَهل يُنكر علم أَبِي الْحسن ﵀ بشر وَذكره بِالْعلمِ بَين الْعلمَاء الْفُقَهَاء منتشر
وَقَوله إِنَّه لم يكن لَهُ من الْأَصْحَاب الْأَرْبَعَة فَقَوْل يُنكره من الْعلمَاء من سَمعه بل قد صَحبه جمَاعَة أَعْلَام كل مِنْهُم فِي فنه إِمَام تفَرقُوا فِي الأقطار وَعَلمُوا اهل الْأَمْصَار فَكَانَ لِلْخلقِ حوراة وَإِلَى الْحق دعاة وَعند التَّعْلِيم وعاة وَلما يُؤَدِّي إِلَى الْبَاطِل نفاة فاستبصر بتبصيرهم الجم الْغَفِير واهتدى بهديهم الْخلق الْكثير وَقد تقدم ذكر جمَاعَة من مذكوريهم وَشرح أَحْوَالهم الْفُضَلَاء من مشهوريهم بِمَا فِيهِ غنية فِي تَكْذِيب الْأَهْوَازِي فِيمَا أَتَى بِهِ وَإِظْهَار جَهله وَقلة مَعْرفَته بالأشعري وَأَصْحَابه
وَمن جملَة أَقْوَال الْأَهْوَازِي المختلقات الفريات قَوْله إِن ابْن عينون الضراب لم يظْهر بِبَغْدَاد شيأ من الكفريات
فَهَل فِي اعْتِقَاد الْأَشْعَرِيّ كفريات كتمها ابْن عينون وأظهرها غَيره من أَصْحَابه فتمسك بهَا الطاعنون مَا اعْتِقَاد ابْن عينون وَغَيره من الأشعرية إِلَّا أبعد اعْتِقَاد من الْمسَائِل الكفرية وهم المتمسكون بِالْكتاب وَالسّنة التاركون للأسباب الجالبة للفتنة الصَّابِرُونَ على دينهم عِنْد الاختبار والمحنة الظاهرون على عدوهم مَعَ اطراح الِانْتِصَار والإحنة لَا يتركون التَّمَسُّك بِالْقُرْآنِ والحجج الأثرية وَلَا يسلكون فِي المعقولات مسالك المعطلة الْقَدَرِيَّة لكِنهمْ يجمعُونَ فِي مسَائِل الْأُصُول بَين الْأَدِلَّة السمعية وبراهين الْعُقُول ويتجنبون افراط الْمُعْتَزلَة ويتكبون طرق المعطلة ويطرحون تَفْرِيط المجسمة المشبهة ويفضحون بالبراهين عقائد الْفرق المموهة وَيُنْكِرُونَ مَذَاهِب
стр. 376
الْجَهْمِية وينفرون عَن الكرامية والسالمية ويبطلون مقَالات الْقَدَرِيَّة ويرذلون شبه الجبرية ويتبرؤن من الروافض والخوارج ويظهرون المواقفين عَن الْحق وُجُوه المخارج فمذهبهم أَوسط الْمذَاهب وَمَشْرَبهمْ أعذب المشارب ومنصبهم أكْرم المنَاصب ورتبتهم أعظم الْمَرَاتِب فَلَا يُؤثر فيهم قدح قَادِح وَلَا يظْهر فيهم جرح جارح وَقد ذكرت فِيمَا تقدم شرح اعْتِقَادهم فَلَا يطعن فيهم إِلَّا الَّذين عموا عَن رشادهم
وَأما عده فِي أَصْحَابه الْأَرْبَعَة القلانسي فَإِنَّهُ جهل فِي قَوْله أَو نسي أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمد ابْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن خَالِد القلانسي الرَّازِيّ من معاصري أَبِي الْحسن ﵀ لَا من تلامذته كَمَا قَالَ الْأَهْوَازِي وَهُوَ من جملَة الْعلمَاء الْكِبَار الْأَثْبَات واعتقاده مُوَافق لاعْتِقَاده فِي الْإِثْبَات
وَمَا ذكره فِي حق صَاحبه أَبِي عَبْد اللَّهِ بن مُجَاهِد فَفِيمَا ذكر أَبُو بكر الْخَطِيب من حَاله على تَكْذِيبه أكبر شَاهد
وَمَا ذكره فِي حق الْقَاضِي أَبِي بكر بن الباقلاني
стр. 377
رَحمَه اللَّه من أَنه كَانَ أجِير الفامي وَأَنه إِنَّمَا ارْتَفع قدره بمداخلة السلاطين لَا بِالْعلمِ فعين الْجَهْل والتعامي وَهل يُنكر فضل الْقَاضِي أَبِي بكر فِي الْعلم والفهم من شم أدنى شمة من الْعلم وتصانيفه فِي الْخلق مبثوثة وعلومه عَنهُ مستفادة موروثة وَقد كَانَ يدرس الْمدَّة الطَّوِيلَة فِي دَار السَّلَام ويصنف الْكتب الجليلة فِي قَوَاعِد الْإِسْلَام وَيُؤْخَذ عَنهُ علم الْفِقْه على مَذْهَب مَالك بن أنس وَينْتَفع بدروسه فِي أصُول الدّين وَالْفِقْه كل مقتبس والرحلة إِلَيْهِ من الشرق والغرب فَقَوله فِي حَقه قَول من لَا يتحاشى من الْكَذِب
وَقَوله إِن أَبَا الْحسن الطَّبَرِيّ رَفِيق أَبِي بكر بن الباقلاني لم يظْهر بالْكلَام قطّ
فَقَوْل جَاهِل بِالرِّجَالِ قَلِيل الِاحْتِرَاز فِيمَا يحكيه بالتحفظ فِيهِ والضبط فَإِن أَبَا الْحسن عَليّ بن مُحَمَّدِ بْنِ مهْدي الطَّبَرِيّ مبرز فِي علم الْكَلَام مَذْكُور وَكتابه فِي الْكَلَام على الْمُتَشَابه من الْآيَات وَأَحَادِيث الصِّفَات مَشْهُور وَلَيْسَ هُوَ رَفِيق الْقَاضِي أَبِي بكر بن الباقلاني وأعجب من خطأه الأول فِيهِ خطأه الثَّانِي وَإِنَّمَا هُوَ تلميذ أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَمِنْه تعلم وَله صحب بُرْهَة من الزَّمَان وَبِه
стр. 378
تفهم وَقد ذكر أَبُو حَيَّان عَليّ بن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس التوحيدي قَالَ ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّبَرِيّ قَالَ رَأَيْت أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَهُوَ ينَاظر الخالدي وَأنْشد فِي آخر كَلَامه ... جنونك مَجْنُون فلست بواجد
طَبِيبا يداوي من جُنُون جُنُون ...
وَأما قَوْله لم يظْهر بالْكلَام فَلفظ مختل المعني والنظام فَلَو قَالَ لم يظْهر الْكَلَام أَو لم يتظاهر وَلكنه غير بَصِير فِي قَوْله بِوَجْه الانتظام
وَأما قَوْله لم تكن للأشعري منزلَة فِي الْعلم وَالْقُرْآن وَالْفِقْه والْحَدِيث
فكذب معاد قد كثر تكراره وترداده من هَذَا الْجَاهِل الْخَبيث
أما علم الْقُرْآن فقد صنف فِيهِ التَّفْسِير الَّذِي لَا يخْتَلف فِي جلالة قدره
وَأما الْعلم بالأصول فَكَانَ فِيهِ بِإِجْمَاع الْعلمَاء أوحد عصره
وَأما علم الْفِقْه فقد كَانَ يذهب فِيهِ مَذْهَب الشَّافِعِي أَو مَذْهَب مَالك وَأهل الْمَدِينَة وصنف فِي أُصُوله كتبا شحنها بالأدلة المبينة
وَأما علم الحَدِيث فقد سمع مِنْهُ قدر مَا تَدعُوهُ الْحَاجة إِلَيْهِ وَحصل مِنْهُ مَا يسع الِاعْتِمَاد فِي الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ وَقد روى فِي تَفْسِيره حَدِيثا كثيرا عَن سهل بن نوح الْبَصْرِيّ ومُحَمَّد بن يَعْقُوبَ الْمقري وعَبْد الرَّحْمَنِ بن خلف الضَّبِّيّ وَأبي خَليفَة الْفضل بن الْحباب الجُمَحِي وَأبي يَحْيَى زَكَرِيَّا بن يَحْيَى السَّاجِي وَغَيرهم وَإِنَّمَا لم ينشر عَنهُ الحَدِيث بالرواية لِأَنَّهُ كَانَ قد قصر همته على الدِّرَايَة وصرفها إِلَى مَا تقوى بِهِ الْأُصُول فَلهَذَا عز إِلَى حَدِيثه الْوُصُول وليت شعري مَا معني تفرقته بَين الْعلم وَمَا ذكر بعده كَأَن الْقُرْآن وَالْفِقْه والْحَدِيث غير الْعلم عِنْده وَقد كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول فِي الْعلم
стр. 379
بِالْقُرْآنِ والْحَدِيث وَالْفِقْه حَتَّى يكون كَلَامه صَحِيحا قد أَتَى بِهِ على الْوَجْه
وَأما قَوْله إِن أَصْحَاب الْكَلَام لَا تجدهم إِلَّا فِي الصَّدْر مَعَ الفلاسفة والهندسة والمنطق والزندقة
فَمن جنس مَا تقدم مِنْهُ من الْكَذِب والبهتان والتمويه والمخرقة كَيفَ يكون الْأَمر كَمَا قَالَ وهم الَّذين يردون عَلَيْهِم ويحذرون النَّاس من الْميل إِلَيْهِم ويهتكون بالأدلة جَمِيع أستارهم ويظهرون مَا يكتمون من أسرارهم ويبدون لِلْخلقِ عوارهم ويبينون بعدهمْ من الْحق ونفارهم وَمَا أعجب قَول هَذَا الْجَاهِل السَّفِيه مَعَ الفلاسفة والهندسة كَأَنَّهُ لَا يفرق بَين الصّفة وَبَين الْمَنْسُوب إِلَيْهَا لغَلَبَة الْجَهْل عَلَيْهِ والوسوسة
وَقَوله وَمَعَ من يَقُول بالْكفْر والإلحاد
فَقَوْل مِنْهُ ظَاهر الْفساد كَيفَ يكونُونَ مَعَهم وهم الَّذين يبينون كفرهم وبدعتهم وَكَيف يظنون مِنْهُم وهم الَّذين ينفرون عَنْهُم أم كَيفَ يضافون إِلَيْهِم وهم الرادون عَلَيْهِم وَلَو كَانَ الْأَهْوَازِي متدينًا مُسلما لم يكفر إِمَامًا مقدما فقد جَاءَ عَنِ النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لأِخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا
وَقَدْ أَخْبَرَنَا الشَّيْخَانِ أَبُو الْقسم إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بن هبة اللَّه بن عَبْدِ السَّلامِ الْكَاتِبُ بِبَغْدَادَ قَالا أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَطِيبُ الصريفيني قَالَ أَنا ابو الْقسم عُبْيَدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اسحق الْبَزَّاز قَالَ ثَنَا عبد الله بن مُحَمَّد ابْن عبد الْعَزِيز قَالَ ثَنَا عَليّ بن الْجَعْد قَالَ أَنا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ
إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ أَوْ أَنْتَ كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلا رَجَعَتْ
стр. 380
إِلَى الأَوَّلِ أَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ غسماعيل ابْن أَبِي أُوَيْسٍ الْمَدَنِيِّ عَنْ خَالِهِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عبد الله بن الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأَدِيبُ بأصبهان قَالَ انا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودِ الأديب قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ العاصمي قَالَ ثَنَا نَاعِمُ بْنُ السَّرِيِّ بِطَرْسُوسَ قَالَ ثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ عَبْدُ اللَّهِ بن سعيد الْكِنْدِيّ قَالَ ثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَقَبَةَ يَعْنِي ابْنَ مَصْقَلَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
مَنْ قَالَ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا إِلا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ هَذَا صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْمُظَفَّرِ عبد الْمُنعم ابْن الْأُسْتَاذ أبي الْقسم عَبْدِ الْكَرِيم بن هوَازن الْقشيرِي قَالَ أَنا أَبِي قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدِ الْمَلِكِ بن الْحَسَنِ بن مُحَمَّد بن اسحق بن أَزْهَر الْأَزْهَرِي قَالَ انا أَبُو عوَانَة يَعْقُوب بن اسحق الإسفرايني قَالَ ثَنَا عَليّ بن حَرْب قَالَ ثَنَا وهب بن جرير قَالَ ثَنَا هِشَامُ الدُّسْتُوَائِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ
مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِالْكُفْرِ فَهُوَ كَقَتْلِهِ وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ وَلَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَمَنْ حَلَفَ أَنَّهُ بَرِيء مِنَ الإِسْلامِ فَهُوَ كَمَا قَالَ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغَسَّانِيُّ الْفَقِيهُ قَالَ أَنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ ابْن عُثْمَان السّلمِيّ قَالَ أَنا جَدِّي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ
стр. 381
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ العسكري قَالَ ثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ الدوري قَالَ ثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرو الْمنْقري قَالَ ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ قَالَ ثَنَا حُسَيْنُ بْنُ ذَكْوَانَ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ أَنَّ أَبَا الْأسود الدئلي حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ
لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلا بِالْفِسْقِ وَلا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إِلا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ
وَأَخْبَرَنَا الشُّيُوخُ أَبُو سَعْدٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمد بن عَبْدِ الْمَلِكِ النَّيْسَابُورِي الْمَعْرُوفُ بِالْكِرْمَانِيِّ الْفَقِيهُ بِبَغْدَادَ وَأَبُو الْمُظَفَّرِ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيم بن هوَازن وَأَبُو الْقسم زَاهِرُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّحَّامِيُّ بِنَيْسَابُورَ قَالُوا أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ خلف القيرواني قَالَ أَنا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بن مُحَمَّد بن اسحق بن خُزَيْمَة قَالَ ثَنَا جَدِّي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ اسحق قَالَ ثَنَا رَجَاء بن مُحَمَّد العذري ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ البرْسَانِي قَالَ ثَنَا الصَّلْت بن مهْرَان قَالَ ثَنَا الْحسن قَالَ ثَنَا جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجْلِيُّ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي رجل قَرَأَ كتاب الله عزوجل حَتَّى إِذَا رُؤِيَتْ عَلَيْهِ بَهْجَتُهُ وَكَانَ رِدْءًا للإِسْلامِ اغْتَرَّهُ ذَلِكَ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ فَانْسَلَخَ مِنْهُ وَخَرَجَ عَلَى جَارِهِ بِالسَّيْفِ وَشهد عَلَيْهِ بالشرك قُلْنَا يارسول اللَّهِ مَنْ أَوْلَى بِهَا الْمَرْمِيُّ أَوِ الرَّامِي قَالَ بَلِ الرَّامِي
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخَانِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَحْمَدَ الْفُرَاوِيُّ وَأَبُو الْمُظَفَّرِ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ هَوَازِنَ النيسابوريان بهَا قَالَا أَنا أَبُو سَعِيدٍ
стр. 382
مُحَمَّدٍ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الصوُّفِيُّ الْمَعْرُوف بالخشاب قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا الجوزقي قَالَ انا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن ابْن مُحَمَّد الدغولي قَالَ أَنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَرْبٍ النَّيْسَابُورِي قَالَ ثَنَا يزِيد بن هَارُون قَالَ ثَنَا جُهَيْرُ بْنُ يَزِيدَ الْعَبْدِيُّ عَنْ خِدَاشِ بْنِ عَيَّاشٍ قَالَ كُنْتُ فِي حَلقَة بِالْكُوفَةِ إِذا رَجُلٌ يُحَدِّثُ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمَرَّ فَتَى فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْحَلْقَةِ هَذَا كَافِرٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَامَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَتَّى أَتَى الْفَتَى فَقَالَ من انت انا فلَان بن فلَان رَحِمَ اللَّهُ أَبَاكَ قَالَ فَجَعَلَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ فَقَالَ إِلامَ تَلْتَفِتُ قَالَ لَمْ أُصَلِّ قَالَ وَتُصَلِّي فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ فَقَالَ وَتَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله قَالَ وَتَقُولُ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فَقَالَ مَا أُرِيدُ أَنِّي تَرَكْتُ الصَّلاةَ وَأَنَّ لِي مَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ قَالَ رَحِمَكَ اللَّهُ رَحِمَكَ اللَّهُ ثُمَّ جَاءَ حَتَّى أَخَذَ مَجْلِسَهُ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ
مَنْ شَهِدَ عَلَى مُسْلِمٍ بِشَهَادَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقسم إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّمَرْقَنْدِيِّ قَالَ أَنا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ النَّقُّورِ قَالَ ثَنَا أَبُو الْقسم عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى الْوَزير إملاء قَالَ ثَنَا أَبُو الْقسم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ حَدَّثَنَا زَيْدُ بن أخزم قَالَ ثَنَا أَبُو قُتَيْبَة قَالَ ثَنَا مَنْصُورُ بْنُ دِينَارٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلا قَالَ لابْنِ عُمَرَ إِنَّ لِي جَارًا يَشْهَدُ عَلَيَّ بِالشِّرْكِ فَقَالَ قُلْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ تُكَذِّبُهُ
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْفرج سعيد بن أَبِي الرَّجَاء بن أَبِي مَنْصُور الصَّيْرَفِي بأصبهان قَالَ أَنا أَبُو الْفَتْحِ مَنْصُور بن الْحُسَيْنِ بن عَليّ بن الْقسم بْنِ الرَّوَّادِ
стр. 383
الْكَاتِب وأَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ أَحْمَدَ الثَّقَفِيُّ الأَدِيبُ قَالَا أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمِ بْنِ الْمقري قَالَ ثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ الزبعي قَالَ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ قَالَ ثَنَا النَّضر بن مُحَمَّد قَالَ ثَنَا عِكْرِمَةُ يَعْنِي ابْنَ عَمَّارٍ قَالَ ثَنَا سَوَّارُ بْنُ شَبِيبٍ الأَعْرَجِيُّ قَالَ كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا ابْنَ عُمَرَ إِنَّ أَقْوَامًا يَشْهَدُونَ عَلَيْنَا بِالْكُفْرِ وَالشِّرْكِ فَقَالَ وَيْلَكَ أَفَلا قُلْتَ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ قَالَ فَقَالَ أَهْلُ الْبَيْتِ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ حَتَّى ارْتَجَّ الْبَيْتُ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْفَضْلِ الْفُضَيْلِيُّ قَالَ أَنا ابو الْقسم أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الخليلي ببلخ قَالَ أَنا ابو الْقسم عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بن الْحسن الْخُزَاعِيّ قَالَ أَنا أَبُو سَعِيدٍ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ الشَّاشِي قَالَ ثَنَا ابْن عَفَّان العامري قَالَ ثَنَا ابْن نمير قَالَ ثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَكَانَ مُجَاوِرًا بِمَكَّةَ وَكَانَ نَازِلا فِي بَنِي فِهْرٍ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ هَلْ كُنْتُمْ تَدْعُونَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مُشْرِكًا قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ وَفَزِعَ لِذَلِكَ قَالَ هَلْ كُنْتُمْ أَظُنُّهُ تَدْعُونَهُ كَافِرًا قَالَ لَا
فهَذِهِ الْأَخْبَار تمنع من تَكْفِير الْمُسلمين فَمن أقدم على التَّكْفِير فقد عصى سيد الْمُرْسلين وَإِنَّمَا اقتدي الْأَهْوَازِي فِي تكفيره إِيَّاه وتهمته بالضلال بقول من كفره من الْقَائِلين بمذاهب أهل الاعتزال وَقد قَرَأت بِخَط عَليّ بن بَقَاء الْوراق الْمُحدث الْمصْرِيّ رِسَالَة كتب بهَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زيد القيرواني الْفَقِيه الْمَالِكِي وَكَانَ مقدم أَصْحَاب مَالك ﵀ بالمغرب فِي زَمَانه إِلَى عَليّ بن أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبَغْدَادِيّ المعتزلي جَوَابا عَن رِسَالَة كتب بهَا إِلَى المالكين من أهل القيروان
стр. 384
يظْهر نصيحتهم بِمَا يدخلهم بِهِ أقاويل أهل الاعتزال فَذكر الرسَالَة بِطُولِهَا فِي جُزْء وَهِي مَعْرُوفَة فَمن جملَة جَوَاب ابْن أَبِي زيد لَهُ أَن قَالَ ونسبت ابْن كلاب إِلَى الْبِدْعَة ثمَّ لم تحك عَنهُ قولا يعرف أَنه بِدعَة فيوسم بِهَذَا الِاسْم وَمَا علمنَا مَنْ نسبَ إِلَى ابْن كلاب الْبِدْعَة وَالَّذِي بلغنَا أَنه يتقلد السّنة ويتولى الرَّد على الْجَهْمِية وَغَيرهم من أهل الْبدع يَعْنِي عَبْد اللَّهِ بن سعيد بن كلاب وذكرتَ الْأَشْعَرِيّ فنسبته إِلَى الْكفْر وقلتَ إِنَّه كَانَ مَشْهُورا بالْكفْر وَهَذَا مَا علمنَا أَن أحدا رَمَاه
стр. 385
بالْكفْر غَيْرك وَلم تذكر الَّذِي كفر بِهِ وَكَيف يكون مَشْهُورا بالْكفْر من لم ينْسب هَذَا إِلَيْهِ أحد علمنَاه فِي عصره وَلَا بعد عصره وقلتَ إِنَّه قدم بَغْدَاد وَلم يقرب أحدا من المالكيين وَلَا من آل حَمَّاد بن زيد لعلمه أَنهم يَعْتَقِدُونَ أَنه كَافِر وَلم تذكر مَا الَّذِي كفروه بِهِ ثمَّ ذكر ابْن أَبِي زيد تشنيع عَليّ بن أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيّ على الْأَشْعَرِيّ فِي مسئلة اللَّفْظ ثمَّ قَالَ ابْن أَبِي زيد فِي الرَّد على الْبَغْدَادِيّ والقارىء إِذَا تَلا كتاب اللَّه لَو جَازَ أَن يُقَال إِن كَلَام هَذَا لقارىء كَلَام اللَّه على الْحَقِيقَة لفسد هَذَا لِأَن كَلَام القارىء مُحدث ويفني كَلَامه وَيَزُول وَكَلَام اللَّه لَيْسَ بمحدث وَلَا يفني وَهُوَ صفة من صِفَاته وَصفته لَا تكون صفة لغيره وَهَذَا قَول مُحَمَّد بن اسمعيل البُخَارِيّ وَدَاوُد الْأَصْبَهَانِيّ وَغَيرهمَا مِمَّن تكلم فِي هَذَا وَكَلَام مُحَمَّد بن سَحْنُون إِمَام الْمغرب وَكَلَام سعيد بن مُحَمَّدِ بْنِ الْحداد وَكَانَ من الْمُتَكَلِّمين من أهل السّنة وَمِمَّنْ يرد على الْجَهْمِية ثمَّ ذكر حِكَايَة أَحْمد ابْن حَنْبَل ﵀ مَعَ أَبِي طَالب الَّتِي أَخْبَرَنَا بهَا الشَّيْخَانِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَحْمَدَ الْفُرَاوِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ عبيد اللَّه بن مُحَمَّدِ بن احْمَد الْبَيْهَقِيّ قَالَا أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بن عَليّ الْبَيْهَقِيّ قَالَ أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ وَأَبُو سعيد بن أَبِي عمر قَالا ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن اسحق يَقُول سَمِعت أَبَا مُحَمَّد فوران يَقُول جَاءَنِي صَالح بن أَحْمَدَ وأَبُو بكر المروروذي عِنْدِي فدعاني إِلَى أَبِي عَبْد اللَّهِ وَقَالَ لي إِنَّه قد بلغ أَن أَبَا طَالب قد حكى عَنهُ أَنه يَقُول لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غير مَخْلُوق فَقومُوا إِلَيْهِ فَقُمْت واتبعني صَالح وأَبُو بكر
стр. 386
فدار صَالح من بَابه فدخلنَا على أَبِي عَبْد اللَّهِ ووافانَا صَالح من بَابه فَإِذا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ غَضْبَان شَدِيد الْغَضَب يتَبَيَّن الْغَضَب فِي وَجهه فَقَالَ لأبي بكر اذْهَبْ جئني بِأبي طَالب فجَاء أَبُو طَالب وَجعلت أسكن أَبَا عَبْد اللَّهِ قبل مَجِيء أَبِي طَالب وَأَقُول لَهُ حُرْمَة فَقعدَ بَين يَدَيْهِ وَهُوَ يرعد متغير الْوَجْه فَقَالَ لَهُ أَبُو عبد الله حكيت عني أَنِّي قلت لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غير مَخْلُوق قَالَ إِنَّمَا حكيت عَن نَفسِي فَقَالَ لَهُ لَا تحك هَذَا عَنْك وَلَا عني فَمَا سَمِعت عَالما يَقُول هَذَا وَقَالَ لَهُ الْقُرْآن كَلَام اللَّه غير مَخْلُوق حَيْثُ تصرف فَقلت لأبي طَالب وَأَبُو عبد الله يسمح إِن كنت حكيت هَذَا لأحد فَاذْهَبْ حَتَّى تخبره أَن أَبَا عَبْد اللَّهِ قد نهى عَن هَذَا قَالَ ابْن أَبِي زيد وأَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمد بن مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ بِهِ يقْتَدى وَقد أنكر هَذَا وَمَا أنكر أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أنكرنَاه فَكيف يسعك أَن تكفر رجلا مُسلما بِهَذَا وَلَا سِيمَا رجل مَشْهُور أَنه يرد على أهل الْبدع وعَلى الْقَدَرِيَّة الْجَهْمِية متمسك بالسنن مَعَ قَول من قَالَه مَعَه من البُخَارِيّ وَغَيره فَلَو ذكرت أمرا يجب تَكْفِير قَائِله عِنْد أهل السّنة كَانَ لَك ذَلِك لأَنا لَا تعتقد أَنا نقلد فِي معني التَّوْحِيد والاعتقادات الْأَشْعَرِيّ خَاصَّة وَلَكِن لَا يحل لنَا أَن نكفره أَو نبدعه إِلَّا بِأَمْر لَا شكّ فِيهِ عِنْد الْعلمَاء وَإِذا رأينَا من فروع أقاويله شَيْئا ينْفَرد بِهِ تركنَاه وَلَا نهجم بالتضليل والتبديع بِمَا فِيهِ الريب وكل قَائِل مسؤل عَن قَوْله
وَمَا مِثَال تشنيع هَذَا المعتزلي الغليظ الْفظ على أَبِي الْحسن ﵀ فِي مسئلة اللَّفْظ إِلَّا كتشنيع رَافِضِي على رجل من أهل السّنة بتنقصه لمروان وَهُوَ يستجيز لنَفسِهِ لعَنَ أَبِي بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ لِأَن
стр. 387
هَذَا المعتزلي وَأهل مذْهبه يدينون بِخلق الْقُرْآن فَكيف يشنع على من يرى خلق الْأَلْفَاظ بِهِ والألحان وَلكنه لما لم يتجاسر عَليّ إِظْهَار مَا كَانَ يضمره وَيَدْعُو إِلَيْهِ مِنْهُ موّه على أهل الْمغرب بِمَا ظَنّه يكون سَببا لنفورهم عَنهُ فَلم يلتفتوا للاستضلاعهم بِالْعلمِ إِلَى تمويهه ووجهوا قَول الْأَشْعَرِيّ فِي اللَّفْظ على أحسن وجوهه فَإِن قلد الْأَهْوَازِي الْمُعْتَزلَة وَأطلق القَوْل بتكفيره لشدَّة جَهله فَإِن الْأَشْعَرِيّ كَانَ لَا يرى تكفيره وَلَا تَكْفِير أحد من أهل الْقبْلَة لسعة فَضله وَقد تقدّمت عَنهُ فِي ذَلِك حِكَايَة زَاهِر بن أَحْمَدَ وَهِي الْحِكَايَة الَّتِي يَنْبَغِي أَن يُصَار إِلَيْهَا فِي التَّكْفِير ويعمد لِأَنَّهُ القَوْل الْأَخير الَّذِي مَاتَ عَلَيْهِ وَأكْثر الْمُحَقِّقين من أَصْحَابه ذهب إِلَيْهِ
فَأَما الْأَصْحَاب فَإِنَّهُم مَعَ اخْتلَافهمْ فِي بعض الْمسَائِل مجمعون على ترك تَكْفِير بَعضهم بَعْضًا بِخِلَاف من عداهم من سَائِر الطوائف وَجَمِيع الْفرق فَإِنَّهُم حِين اخْتلفت بهم مستشنعات الْأَهْوَاء والطرق كفر بَعضهم بَعْضًا وَرَأى تبريه مِمَّن خَالفه فرضا وَظَهَرت مِنْهُم أَمَارَات المعاداة والتباغض كَمَا عرف من فرق الْمُعْتَزلَة والخوارج وَالرَّوَافِض وَمَا ذَلِك إِلَّا من أَمر الله عزوجل عَلَيْهِم وإحسانه فِي الائتلاف مَعَ وجود الِاخْتِلَاف إِلَيْهِم
وَأما تهمته إيَّاهُم بترك الْكتاب والأثر وتعييرهم بركوب الْقيَاس والخطر فكذب مِنْهُ وزور وَدَعوى بَاطِلَة وغرور هَل تمسكهم إِلَّا بِالْكتاب الْمُبين وَهل تعلقهم إِلَّا بِالْحَدِيثِ المتين وهم الَّذين يستنبطون الْمعَانِي من النُّصُوص ويبينون وَجه الْعُمُوم وَالْخُصُوص ويكشفون عَن الْأَحَادِيث بالتنقيب عَنهُ والتصحيح
стр. 388
وَيَأْخُذُونَ فِي الْمُخْتَلف مِنْهَا بأنواع التَّرْجِيح ويتبعون مِمَّا اخْتلف من الرِّوَايَات رِوَايَة الثِّقَات من الْمُحدثين الْأَثْبَات لَا كالأهوازي الَّذِي إِن جمع فخاطب ليل وَإِن تكلم فَكَلَامه لغثاثته كغثاء سيل حَتَّى لقد احْتج فِي صِفَات الرَّحْمَن بِمَا لَا يحْتَج بِمثلِهِ لضَعْفه فِي حيض النسوان
وَأما قَوْله لم يزل قَول الْأَشْعَرِيّ مَهْجُورًا
فقد جَاءَ فِي قَوْله ظلما وزورا كَيفَ يكون مَهْجُورًا وَأكْثر الْعلمَاء فِي جَمِيع الأقطار عَلَيْهِ وأئمة الْأَمْصَار فِي سَائِر الْأَعْصَار يدعونَ إِلَيْهِ ومنتحلوه هم الَّذين عَلَيْهِم مدَار الْأَحْكَام وإليهم يرجع فِي معرفَة الْحَلَال وَالْحرَام وهم الَّذين يفتون النَّاس فِي صعاب الْمسَائِل ويعتمد عَلَيْهِم الْخلق فِي إِيضَاح المشكلات والنوازل وَهل من الْفُقَهَاء من الحنيفية والمالكية وَالشَّافِعِيَّة إِلَّا مُوَافق لَهُ أَو منتسب إِلَيْهِ أَو رَاض بحميد سَعْيه فِي دين اللَّه أَو مثن بِكَثْرَة الْعلم عَلَيْهِ غير شرذمة يسيرَة تضمر التَّشْبِيه وتعادي كل موحد يعْتَقد التَّنْزِيه وتضاهي أَقْوَال أهل الاعتزال فِي ذمه وتباهي بِإِظْهَار جهلها بقدرة سَعَة علمه
وَقَوله إِن مذ قوي ذَلِك أقل من ثَلَاثِينَ سنة
فلعمري أَنه إِنَّمَا اشتهرت هَذِهِ النِّسْبَة من الْأَزْمِنَة فِي عصر الْقَاضِي أَبِي بكر بن الباقلاني ذِي التصانيف المستحسنة وانتشرت بِبَغْدَادَ وَغَيرهَا من الْبلدَانِ والأمكنة وَقد ذكرت فِيمَا تقدم أَن الإنتساب إِلَى غير الاعتزال كَانَ فاشيا منتشرا وكل من كَانَ متسننًا كَانَ متخفيا مستترا إِلَى أَن قَامَ الْقَاضِي أَبُو بكر بنصرة الْمَذْهَب وانتشر عَنهُ فِي الْمشرق وَالْمغْرب وَكَانَ يظهره فِي دَار السَّلَام الَّتِي هِيَ قبَّة الْإِسْلَام فَلم يظْهر لذاك تَغْيِير من الإِمَام وَلَا نَكِير من
стр. 389
السوقة الْعَوام بل كَانَ الْكل يتقلدون مِنْهُ الْملَّة من الْعَوام وَالْأَئِمَّة ويلقبونه بأجمعهم سيف السّنة لِسَان الْأمة وَكَانَ بَينه وَبَين جمَاعَة من الحنَابلة مُخَالطَة ومؤانسة واجتماع فِي سَماع الحَدِيث وَرِوَايَته ومجالسه وَقد رَأَيْت سَمَاعه فِي عدَّة من الْأَجْزَاء والمجالس بِخَط الْحَافِظ أَبِي الْفَتْح بن أَبِي الفوارس وقبره فِي مَقْبرَة الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل ﵀ ظَاهر وَذكره فِي جَمِيع الْآفَاق مشتهر سَائِر
وَأما قَوْله إِن اللَّه لَا يخلي كل قطر مِمَّن يدحض قَوْلهم وَيبين فضيحتهم ويدمغ كلمتهم
فَلَو عكس مَا قَالَه فِي ذَلِك لصدق قَوْله وَلم يتهم لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو كل قطر من قَائِم مِنْهُم بِالْحجَّةِ موضح للنَّاس سَبِيل المحجة مُبين لِلْخلقِ تمويهات المموهة محذر من مَذَاهِب المعطلة والمشبهة وَإِن كَانَ كل عصر لَا يَخْلُو من قَائِل بِغَيْر علم ومتكلم بِغَيْر إِصَابَة وَلَا فهم مُشْتَمل على أَنْوَاع من المعايب مقتد بِفِعْلِهِ فِي تصنيف المثالب غير أَنه لَا يضر بِمَا يتقول من الْبُهْتَان إِلَّا خَاصَّة نَفسه وَلَا يعز إِلَّا أَغْمَارًا إِذَا اعتبرتهم وَجَدتهمْ من جنسه
وَأما قَوْله وَلم يزل الْأَشْعَرِيّ يسير فِي الْبِلَاد وَلَا يقبل قَوْله وَلَا يرْتَفع حَاله وَهُوَ مخمول غير مَقْبُول فِي بِلَاد الْإِسْلَام لَا يرى فِي كنف الْمُسلمين عزا وَلَا فِي الْعلمَاء إقبالا عَلَيْهِ حَتَّى لحق بِبَلَد إِلَّا حسا بلد لَا يدْخلهُ مُؤمن وَلَا يقر فِيهِ مُسلم وَإِنَّمَا يدْخلهُ الفسقة الْفجار وأولياء القرامطة الْكفَّار
فَمن الْأَقَاوِيل الْمُخْتَلفَة والأكاذيب الْكِبَار الَّتِي لَا يتجاسر على حِكَايَة مثله غير الأوقاح الأغمار مَا علمت أَبَا الْحسن دخل من الْبِلَاد غير الْبَصْرَة وبغداد فَمن وَصفه بالتطواف وَالسير فِي الْآفَاق غير هَذَا الْجَاهِل
стр. 390
الظَّاهِر الاختلاق الَّذِي لَا يشبه قبح اختلاقه وَوَضعه إِلَّا بغثاثة أَلْفَاظه وسجعه لِأَنَّهُ مَتى تَأتي لَهُ فِي اللَّفْظ وَجه السجع تكلم بِهِ وَلم ينظر إِلَى فَسَاد الْوَضع وَإِنَّمَا جَاءَ بِلَفْظَة المخمول لما تَأتي لَهُ غير مَقْبُول فانظروا إِلَى هَذَا الْعَالم الْفَاضِل الَّذِي أَتَى بِلَفْظَة المخمول مَوضِع الخامل وَلَعَلَّه لما سمع بأجوبة أَبِي الْحسن الَّتِي سَمَّاهَا الْأَجْوِبَة الخراسانية والأجوبة البغدادية وَجَوَاب الطبريين وَجَوَاب المصريين والدمشقيين والواسطيين والسيرافيين والرامهرمزيين والعمانيين والأرجانيين والجرجانيين ظن لبلادته أَنه طَاف هَذِهِ النواحي والبلدان فَتَقول عَلَيْهِ مَا حكينَاه عَنهُ من الزُّور والبهتان وَإِنَّمَا تِلْكَ مسَائِل وَردت عَلَيْهِ من الْآفَاق وَسَأَلَهُ إيضاحها من كتب بهَا إِلَيْهِ من أهل الْخلاف لَهُ أَو الْوِفَاق فَأجَاب عَنْهَا بأوضح الْجَواب وَبَين لمن سَأَلَهُ فِيهِ وَجه الصَّوَاب وَفِي ذَلِك أوفى تَكْذِيب لقَوْله إِنَّه كَانَ خامل الذّكر لَا يرى من الْعلمَاء إقبالا عَلَيْهِ لوضاعة الْقدر إِذْ لَو لم يكن مَعْرُوفا بَين الْعلمَاء مَشْهُورا لما كَانَ فِيمَا بعد عَنهُ من الْبلدَانِ مَذْكُورا حَتَّى يُكَاتب من هَذِهِ الْجِهَات النَّائيات وَيسْأل عَن الْمسَائِل المشكلات وَمَا أَتَى الْأَهْوَازِي لَا رعاه اللَّه فِيمَا أَتَى بِهِ من الطامة الْكُبْرَى إِلَّا لما أَرَادَ اللَّه من هتك ستره وقضاه من كشف أمره فِيمَا حكى فِي الْحِكَايَة الْأُخْرَى وَإِنَّمَا قدر اللَّه لَهُ أَن يخْتم كِتَابه بِمثل ذَلِك الْكَذِب الشنيع ليقطع بكذبه لَا حاطه اللَّه فِي الْجَمِيع وَكَفاهُ من التَّكْذِيب لَهُ والإخساء دَعْوَاهُ أَن أَبَا الْحسن ﵀ مَاتَ بالإحساء وَلَا خلاف بَين النَّاس أَنه مَاتَ بِبَغْدَادَ فَمن قَالَ غير ذَلِك فقدأربى على كل كَذَّاب وَزَاد
وَقد ذكرت ذَلِك فِيمَا
следующие страницы →