← Акыда

Акыда · id 6554

فضائح الباطنية

أبو حامد الغزالي

Полный текст (226 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَبِهَذَا يستبين انه لَا يجب بعث نَبِي وَلَا نصب امام فقد بَطل قَوْلهم انه لَا بُد أَن يشْتَمل الْعَالم عَلَيْهِ وَأما الْمُقدمَة السَّادِسَة وَهِي قَوْلهم إِذا ثَبت ان الْمَعْصُوم مَوْجُود فِي الْعَالم فَلَا يَخْلُو إِمَّا ان يُصَرح بِالدَّعْوَى وَيَدعِي الْعِصْمَة اَوْ يخفيه وباطل اخفاؤه لِأَن ذَلِك وَاجِب عَلَيْهِ والكتمان مَعْصِيّة تنَاقض الْعِصْمَة فَلَا بُد أَن يُصَرح بهَا فَهَذِهِ مُقَدّمَة فَاسِدَة لانه لَا يبعد الا يُصَرح بِهِ لكَونه محفوفا بالأعداء مستششعرا فِي نَفسه خَائفًا على روحه فيخفي ذَلِك تقية وَذَلِكَ مِمَّا اتَّفقُوا على جَوَازه واليه ذهبت الإمامية باجمعهم وَزَعَمُوا ان الإِمَام حَيّ قَائِم مَوْجُود والعصمة حَاصِلَة لَهُ وَلكنه يتربص تصرم دولة الْبَاطِل وانقراض شَوْكَة الاعداء وَإِنَّمَا هُوَ الْآن متحصن بجلباب الخفاء حارس نَفسه عَن الْهَلَاك لصيانة السِّرّ عَن الإفشاء الى ان يحضر أَوَانه وينقرض امام الْبَاطِل وزمانه فَمَا جَوَاب هَؤُلَاءِ الباطنية عَن مَذْهَب الإمامية وَمَا الَّذِي يمْنَع احْتِمَال ذَلِك فانهم ساعدوهم على جَمِيع مقدماتهم الا على هَذِه الْمُقدمَة وَذَلِكَ لما شاهدوا من اختلال حَال من وسمه هَؤُلَاءِ بالعصمة وتحققوا من الاسباب المناقضة للورع والصيانة فاستحيوا من دَعْوَى الْعِصْمَة لمن يشاهدون من احواله نقيضها فزعموا ان الْمَعْصُوم مختف وانا نَنْتَظِر ظُهُوره فِي اوانه

стр. 107

وَعند هَذَا نقُول بِمَ عرفت الباطنية بطلَان مَذْهَب الإمامية فِي هَذِه الْقَضِيَّة فان عرفوها ضَرُورَة فَكيف قَامَ الْخلاف فِي الضروريات وان عرفوها نظرا فَمَا الَّذِي اوجب صِحَة نظرهم دون نظر خصومهم وتزكية عُقُولهمْ دون عُقُولهمْ أيعرف ذَلِك بطول اللحى اَوْ ببياض الْوَجْه وهلم جرا الى عين المسلك الَّذِي نهجوه وَهَذَا لَا محيص عَنهُ بِحَال من الْأَحْوَال وَأما الْمُقدمَة السَّابِعَة وَهِي قَوْلهم إِذا ثَبت ان الْمَعْصُوم لَا بُد أَن يُصَرح فَإِذا لم يكن فِي الْعَالم الا مُصَرح وَاحِد كَانَ هُوَ ذَلِك الْمَعْصُوم لانه لَا خصم لَهُ وَلَا ثَانِي لَهُ فِي الدَّعْوَى حَتَّى يعسر التَّمْيِيز فَهَذِهِ فَاسِدَة من وَجْهَيْن احدهما انهم بِمَاذَا عرفُوا انه لَا مدعي للعصمة وَلَا مُصَرح بهَا فِي اقطار الْعَالم سوى شخص وَاحِد فَلَعَلَّ فِي اقصى الصين اَوْ فِي أَطْرَاف الْمغرب من يَدعِي شَيْئا من ذَلِك وَانْتِفَاء ذَلِك مِمَّا لَا يعرف ضَرُورَة وَلَا نظرا فان قيل يعرف ذَلِك ضَرُورَة إِذْ لَو كَانَ لانتشر لَان مثل هَذَا تتوافر الدَّوَاعِي على نَقله قُلْنَا يحْتَمل انه كَانَ وَلم ينتشر الى بِلَادنَا مَعَ بعد الْمسَافَة لَان الْمُدَّعِي لَهُ لَيْسَ يتَمَكَّن من ذكره الا مَعَ سوسه وَصَاحب سره وَحَوله جمَاعَة من اعدائه فَيفزع من إِظْهَار السِّرّ وإفشائه وَيرى الْمصلحَة فِي اخفائه أَو هُوَ مفش لَهُ وَلَكِن المستمعين لَهُ ممنوعون عَن الانتشار فِي الْبِلَاد واخبار الْعباد بِهِ لانهم محاصرون من جِهَة الاعداء مضطرون الى مُلَازمَة الوطن خوفًا من نكاية المستولين عَلَيْهِم فَمَا الَّذِي يبطل هَذَا الِاحْتِمَال وَهُوَ امْر قدر قَرِيبا اَوْ بَعيدا فَهُوَ مُمكن لَيْسَ من قبيل المحالات وانتم تدعون الْقطع فِيمَا توردون فَكيف يصفو الْقطع مَعَ هَذَا الِاحْتِمَال الْوَجْه الثَّانِي فِي إِفْسَاد هَذِه الْمُقدمَة هُوَ أَنكُمْ ظننتم أَنه لَا يدعى

стр. 108

الْعِصْمَة فِي الْعَالم سوى شخص وَاحِد وَهُوَ خطأ فَإنَّا بالتواتر نتسامع بمدعيين احدهما فِي جيلان فانها لَا تنفك قطّ عَن رجل يلقب نَفسه بناصر الْحق ويدعى لنَفسِهِ الْعِصْمَة وانه نَازل منزلَة الرَّسُول ويستعبد الحمقى من سكان ذَلِك الْقطر الى حد يقطعهم جَوَانِب الْجنَّة مُقَدرا بالمساحة ويضايق فِي بَعضهم الى حد لَا يَبِيع دراعا من الْجنَّة لَا بِمِائَة دِينَار وهم يحملون إِلَيْهِ ذخائر الْأَمْوَال ويشترون مِنْهُ مسَاكِن فِي الْجنَّة فَهَذَا اُحْدُ الدعاة فَبِمَ عَرَفْتُمْ انه مُبْطل وَإِذ قد تعدد الْمُدَّعِي وَلَا مُرَجّح إِذْ لَا معْجزَة فَلَا تظنوا ان الحماقة مَقْصُورَة عَلَيْكُم وان هَذِه الْكَلِمَة لَا ينْطق بهَا لِسَان غَيْركُمْ بل التَّعَجُّب من ظنكم ان هَذِه الحماقة مَقْصُورَة عَلَيْكُم فِي الْحَال اكثر من الْعجب فِي أصل هَذِه الحماقة فَأَما الْمُدَّعِي الثَّانِي فَرجل فِي جزائر الْبَصْرَة يَدعِي الربوبيه وَقد شرع دِينَار ورتب قُرْآنًا وَنصب رجلا يُقَال لَهُ على بن كحلا وَزعم انه بِمَنْزِلَة مُحَمَّد ﷺ وانه رَسُوله الى الْخلق وَقد احدق بِهِ طَائِفَة من الحمقى زهاء عشرَة الاف نفس وَلَعَلَّه يزِيد عَددهمْ على عددكم وَهُوَ يدعى لنَفسِهِ الْعِصْمَة وَمَا فَوْقهَا فَمَا جوابكم عَن رجل من الشاباسية يَسُوق هَذِه الْمُقدمَات الى هَذِه الْمُقدمَة ثمَّ

стр. 109

يَقُول اذا لم يكن بُد من معلم مَعْصُوم وَلَا معْجزَة للمعصوم وانما يعرف بِالدَّعْوَى وَصَاحب الباطنية لَا يَدعِي الربوبيه كَيفَ وَصَاحب الشاباسية يَدعِي الربوبيه فأتباعه اولى فان قُلْتُمْ من يَدعِي الربوبيه يعرف بطلَان قَوْله ضَرُورَة فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه إِنَّمَا يدعى ذَلِك بطرِيق الْحُلُول وَيَزْعُم ان ذَلِك توارث فِي نسبهم وَقد اسْتمرّ ذَلِك فِي بَيتهمْ عصرا طَويلا وَالْمُدَّعِي الْآن كَانَ جده مُدعيًا لذَلِك والحلول قد ذهب اليه طوائف كَثِيرَة فَلَيْسَ بطلَان مَذْهَب الحلولية ضَرُورِيًّا فَكيف يكون ضَرُورِيًّا وَفِيه من الْخلاف الْمَشْهُور مَا لَا يكَاد يخفى حَتَّى مَال الى ذَلِك طَائِفَة كَبِيرَة من محققي الصوفيه وَجَمَاعَة من الفلاسفة واليه اشار الْحُسَيْن بن مَنْصُور الحلاج الَّذِي صلب بِبَغْدَاد حَيْثُ كَانَ يَقُول أَنا الْحق أَنا احق وَكَانَ يقْرَأ فِي وَقت الصلب وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه وَلَكِن شبه لَهُم واليه أَشَارَ أبوزيد البسطامي بقوله سبحاني سبحاني مَا أعظم شأني وَقد سَمِعت انا شَيخا من مَشَايِخ الصُّوفِيَّة تعقد عَلَيْهِ الخناصر ويشار اليه بالأصابع فِي متانة دين وغزارة علم حكى لي عَن شَيْخه المرموق فِي الدّين والورع انه قَالَ مَا تسمعه من أَسمَاء الله الْحسنى الَّتِي هِيَ تِسْعَة وَتسْعُونَ كلهَا يصير وَصفا للصوفي السالك بطريقه الى الله وَهُوَ

стр. 110

يعد من جملَة السائرين الى الله لَا من زمرة الواصلين وَكَيف يُنكر هَذَا وَعَلِيهِ مَذْهَب النَّصَارَى فِي اتِّحَاد اللاهوت بناسوت عِيسَى ﵇ حَتَّى سَمَّاهُ بَعضهم إِلَهًا وَبَعْضهمْ ابْن الْإِلَه وَبَعْضهمْ قَالُوا هُوَ نصف الْإِلَه وَاتَّفَقُوا على انه لما قتل انما قتل مِنْهُ الناسوت دون اللاهوت كَيفَ وَقد تخيل جمَاعَة من الروافض ذَلِك فِي عَليّ ﵁ وَزَعَمُوا أَنه الْإِلَه وَكَانَ ذَلِك فِي زَمَانه حَتَّى امْر باحراقهم بالنَّار فَلم يرجِعوا وَقَالُوا بِهَذَا يبين صدقنا فِي قَوْلنَا أَنه الْإِلَه لِأَن رَسُول الله صلى الله عيه وَسلم قَالَ لَا يعذب بالنَّار إِلَّا رَبهَا فَبِهَذَا يبين ان بطلَان هَذَا الْمَذْهَب لَيْسَ بضروري وَلكنه ضرب من الحماقة وَيعرف بُطْلَانه بِالنّظرِ الْعقلِيّ كَمَا يعرف بطلَان مَذْهَبهم فَإِذا قد بَطل قَوْلهم لَا مدعي للعصمة سوى صاحبنا بل قد ظهر من يَدعِي الْعِصْمَة وَزِيَادَة الْوَجْه الثَّانِي فِي الْجَواب عَن قَوْلهم ان بطلَان مَذْهَبهم مَعْلُوم ضَرُورَة وَلَا فرق بَين مَا يعرف بُطْلَانه ضَرُورَة وَبَين مَا يعرف بُطْلَانه

стр. 111

مُشَاهدَة اَوْ تواترا وَعدم الْعِصْمَة فِيمَن ادعيتم عصمته مَعْلُوم بمشاهدة مَا يُنَاقض الشَّرْع من وُجُوه اولها جمع الاموال واخذ الضرائب والمواصير واستئداء الخراجات الْبَاطِلَة وَهُوَ الامر الْمُتَوَاتر فِي جَمِيع الاقطار ثمَّ الترفه فِي الْعَيْش والإستكثار من أَسبَاب الزِّينَة والإسراف فِي وُجُوه التجمل وَاسْتِعْمَال الثِّيَاب الفاخرة من الإبريسم وَغَيرهَا وعدالة الشَّهَادَة فَتحرم بِعشر عشر ذَلِك فَكيف الْعِصْمَة فان انكروا هَذِه الاحوال انكروا مَا شَاهده خلق كثير من تِلْكَ الاقطار وتواتر على سانهم الى سَائِر الْأَمْصَار وَلذَلِك لَا ترى لَاحَدَّ من أهل تِلْكَ الْبِلَاد اغْتِرَارًا وانخداعا بِهَذِهِ التلبيسات لمشاهدتهم مَا يناقضها وَمن وُجُوه حيلهم أَنهم لَا يبثون الدعْوَة الا فِي بِلَاد نائية يحْتَاج المستجيب الى قطع مَسَافَة شاسعة لَو اعترضت لَهُ رِيبَة فِيهَا حَتَّى تَدْفَعهُ الْعَوَائِق عَن النهضه والرحلة فَإِنَّهُم لَو شاهدوا لانكشف لَهُم عوار تِلْكَ التلبيسات المزخرفة والحيل الملفقة أما الْمُقدمَة الثَّانِيَة وَهِي قَوْلهم إِذا بَان ان الْمُدعى للعصمة مهما كَانَ وَاحِدًا وَقع الِاسْتِغْنَاء عَن الِاسْتِدْلَال على كَونه مَعْصُوما فصاحبنا اذا هُوَ الْمُدعى للعصمة وَحده فَإِذا هُوَ الإِمَام الْمَعْصُوم فَهَذِهِ مُقَدّمَة نكذبهم فِيهَا وَلَا نسلم ان صَاحبهمْ يدعى لنَفسِهِ الْعِصْمَة فانا لم نَسْمَعهُ البته وَلم يتواتر الينا من لِسَان من سَمعه مِنْهُ بل انما سمع ذَلِك من آحَاد دعاتهم وَلَيْسوا معصومين ولاهم بالغون حد التَّوَاتُر وَلَو انهم بلغُوا حد التَّوَاتُر فَلَا يحصل الْعلم بقَوْلهمْ وخبرهم لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا ان المشافهين لهَذِهِ الدعْوَة من جِهَة صَاحبهمْ قَلِيل فانه محتجب لَا يظْهر إِلَّا

стр. 112

للخواص ثمَّ لَا يشافه بِالْخِطَابِ الا خَواص الْخَواص ثمَّ لَا يفشي هَذِه الدعْوَة الا مَعَ خَاص من جملَة خَواص الْخَواص فَالَّذِينَ يسمعُونَ عَنهُ لَا يبلغون عدد التَّوَاتُر وان بلغُوا فكلهم إِن انتشروا لم يكن فِي بَلْدَة مِنْهُم الا وَاحِد وَأكْثر الْبِلَاد أَيْضا يَخْلُو عَن آحادهم الْوَجْه الثَّانِي أَنهم وَإِن بلغُوا حد التَّوَاتُر فقد فقد شَرط التَّوَاتُر فِي خبرهم إِذْ شَرط ذَلِك الْخَبَر الا يتَعَلَّق بواقعة ينتشر التواطؤ فِيهَا من طَائِفَة كَبِيرَة لمصْلحَة جَامِعَة لَهُم كَمَا يتَعَلَّق بالسياسات فان اهل معسكر وَاحِد قد يجمعهُمْ غَرَض وَاحِد فيحدثون على التطابق بشئ وَاحِد وَلَا يُورث ذَلِك الْعلم وَرب وَاحِد اَوْ اثْنَيْنِ يخبر عَن امْر فَيعلم أَنه لَا يجمعهما غَرَض فَيحصل لَهُ الْعلم وَهَؤُلَاء الدعاة لَعَلَّهُم قد تواطئوا على هَذَا الاختراع ليتوصلوا بِهِ الى استتباع الْعَوام واستباحة اموالهم فيتوصلون بهَا الى أمالهم وعَلى الْجُمْلَة فَحسن الظَّن بِصَاحِبِهِمْ يَقْتَضِي تكذيبهم فَإِنَّهُم لَو حدثوا بذلك عَن مَرِيض فِي دَار المرضى لاعتقدنا كذبه الا ان يعْتَقد الْجُنُون فِي ذَلِك الْمَرِيض إِذْ لَا يَدعِي عَاقل الْعِصْمَة عَن الْمُحرمَات وَتَنَاول الْمَحْظُورَات مَعَ مُشَاهدَة اهل الْعلم تنَاوله لَهَا ومباشرته لَهَا فاقل آثَار الْعقل الْحيَاء عَن فضيحة الاجتراء وَمن تحلى بِغَيْر مَا هُوَ فِيهِ وَكَانَ ذَلِك جليا ظَاهرا لمن يتَأَمَّل فِيهِ اسْتدلَّ بِهِ على اختلال عقله فَإِذا لَيْسَ يبين لنا صدقهم فِي نسبتهم هَذِه الدعْوَة الى صَاحبهمْ وَهِي مقدمتهم الاخيرة فَإِن قيل لَو أنكر النَّاس فِي أَطْرَاف الْعَالم فِي عصر رَسُول الله ﷺ صدق الدعاة من رَسُول الله وَقَالُوا لانصدقكم فِي قَوْلكُم إِن مُحَمَّدًا يَدعِي الرسَالَة بل لَا يظنّ بعقله ذَلِك مَاذَا كَانَ يُقَال لَهُم قُلْنَا بئس مَا شبهتم الْمَلَائِكَة بالحدادين إِذْ لامساواة فَإِنَّهُ صلى

стр. 113

الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ ظَاهرا بِنَفسِهِ وأشياعه مبرزا لِلْقِتَالِ مترددا فِي الأقطار مظْهرا للدعوة على مَلأ من النَّاس غير محتجب وَلَا متسستر ثمَّ كَانَ يظْهر المعجزات الخارقة للْعَادَة فانتشرت دَعوته لانتشار خُرُوجه ومقاتلته وانتتشار وجوده وَلَيْسَ الْآن فِي صَاحبكُم كَذَلِك نعم تَوَاتر وجوده وترشحه مَعَ آبَائِهِ للخلافة ودواعهم انهم اولى بهَا من غَيرهم اما دَعْوَاهُ وَدَعوى من سبق من آبَائِهِ الْعِصْمَة على الْمعاصِي وَعَن الْخَطَأ والزلل والسهو وَمَعْرِفَة الْحق فِي جَمِيع اسرار العقليات والشرعيات فَلم يظْهر ذَلِك لنا بل لم تظهر دَعْوَاهُ الْعلم اصلا بفن من الْفُنُون كالفقه اَوْ الْكَلَام اَوْ الفلسفة على الْوَجْه الَّذِي يَدعِيهِ آحَاد الْعلمَاء فِي الْبِلَاد فَكيف ظَهرت دَعْوَاهُ معرفَة اسرار النُّبُوَّة والاطلاع على عُلُوم الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَهَذَا مَا تواطأ على اختراعه توصلا الى اسْتِدْرَاج المستجيب وخداعه هَذَا تَمام الرَّد عَلَيْهِم فيالمقدمات تَفْصِيلًا مَعَ أَن فِي الْمنْهَج الأول المنطوي على الرَّد عيهم جملَة كَافِيَة ومقنعا وَلم يبْق الا القَوْل فِي إِفْسَاد أدلتهم الْمَذْكُورَة لابطال النّظر ٢ أما الدّلَالَة الأولى وَهِي قَوْلهم من صدق عقله فقد كذبه اذ صدق عقل خصم ٢ هـ وخصمه يُصَرح بتكذيبه فَنَقُول هَذَا تخييل بَاطِل من وُجُوه الاول الْمُعَارضَة بمثال وَهُوَ أَنا نقُول نَحن صدقنا الْعُقُول فِي نظرياتها وانتم صدقتموها فِي ضرورياتها وخصومكم من السوفسطائية يكذبونكم فِيهَا فَإِن إقتضى ذَلِك لُزُوم الِاعْتِرَاف بكذب الْعُلُوم الضرورية لزمنا من خلافكم الِاعْتِرَاف بكذب الْعُلُوم النظرية فان الْعقل إِن صدق

стр. 114

فِي الضروريات فَمَا بَال عقل السوفسطائية كذب وَمَا الْفرق بَين عقلكم وعقلهم أفتقولون ان ذَلِك مِنْهُم حَمَاقَة وَسُوء مزاج قُلْنَا وَكَذَلِكَ حالكم فِي انكار النظريات وَهُوَ كمن يُنكر الحسابيات من الْعُلُوم فانه لَا يشككنا فِي الْبَرَاهِين الحسابية وان كَانَ البليد لَا يفهم ومنكر النّظر اصلا يجحده وَلَكِن طريقنا مَعَه أَن نورد عَلَيْهِ الْمُقدمَات وَهِي ضَرُورِيَّة فَإِذا أدْركهَا اِدَّرَكَ النتيجة فَكَذَلِك خصمنا إِذا كذبنَا فِي مَسْأَلَة من الْمسَائِل كإنكار ثُبُوت وَاجِب الْوُجُود عرضنَا عَلَيْهِ مُقَدمَات الْقيَاس الدَّالَّة عَلَيْهِ وَقُلْنَا أتماري فِي قَوْلنَا لَا شكّ فِي أصل الْوُجُود اَوْ فِي قَوْلنَا ان كل مَوْجُود إِمَّا جَائِز واما وَاجِب ام فِي قَوْلنَا ان كَانَ وَاجِبا فقد ثَبت وَاجِب الْوُجُود ام فِي قَوْلنَا إِن كَانَ جَائِزا فَكل جَائِز مُسْتَند الى وَاجِب الْوُجُود فِي آخر الْأَمر لَا محَالة وَإِذا لم يُمكنهُ التشكك فِي الْمُقدمَات لم يُمكنهُ التشكك فِي النتيجة وانما يخْتَلف النَّاس فِيهَا لَان الْفطْرَة غير كَافِيَة فِي تَعْرِيف التَّرْتِيب لهَذِهِ الْمُقدمَات بل لَا بُد من تعلمهَا من الافاضل وَذَلِكَ الْفَاضِل لَا بُد ان يكون تعلم أَكْثَرهَا اَوْ إستأثر باستنباط بَعْضهَا وَهَكَذَا حَتَّى يَنْتَهِي الامر الى معلم مَعْصُوم هُوَ نَبِي موحى ايه من جِهَة الله تَعَالَى هَكَذَا تكون الْعُلُوم كلهَا فان زَعَمُوا أَنكُمْ اعترفتم بِالْحَاجةِ الى الْمعلم وَمن لم يعْتَرف فَهُوَ معاند للمشاهدة فالافتقار اليه معترف بِهِ وَلكنه كالافتقار اليه فِي علم الْحساب فانه لَا يحْتَاج فِيهِ الى مَعْصُوم اذ لَا تَقْلِيد فِيهِ وَلَكِن يحْتَاج الى حاسب يُنَبه على طَرِيق النّظر فَإِذا تننبه الْمعلم سَاوَى الْمعلم فِي الْعلم الضَّرُورِيّ الْمُسْتَفَاد من الْمُقدمَات بَعْضهَا على بعض وَلَا شكّ فِي أَن معلم الْحساب أَيْضا يعلم أَكثر مِمَّا يعلم وان اسْتَقل باستنباط تَرْتِيب الْبَعْض وَكَذَا القَوْل فِي معلم الْمعلم الى ان يَنْتَهِي مبدأ الْعلم الحسابي الى نَبِي من الانبياء مؤيد بِالْوَحْي والمعجزة وَلَكِن بعد إفَاضَة الله علم الْحساب فِيمَا بَين الْخلق اسْتغنى فِي تعلمه عَن معلم مَعْصُوم فَكَذَلِك الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة النظرية وَلَا فرق

стр. 115

الِاعْتِرَاض الثَّانِي ان يُقَال لَهُم انكرتم من خصومكم تَصْدِيق الْعقل فِي نظره واخترتم تَكْذِيبه فبماذا تعرفُون الْحق وتميزون بَينه وَبَين الْبَاطِل أبضرورة الْعقل وَلَا سَبِيل الى دَعْوَاهَا اَوْ بنظره فتضطرون الى الرُّجُوع الى النّظر فقد صدقتموه إِذا بعد تَكْذِيبه فتناقض كلامكم فان قُلْتُمْ نَحن نَأْخُذهُ من الامام الْمَعْصُوم قُلْنَا وَبِمَ تعرفُون صدقه فان قُلْتُمْ لانه مَعْصُوم قُلْنَا وَبِمَ تعرفُون عصمته فان قُلْتُمْ بضرورة الْعقل لم يخف عَلَيْكُم خزيكم وعرفتم فِي الْبَاطِن من انفسكم خلاف مَا أظهرتم فان عصمَة رَسُول الله ﷺ مَعَ معجزته لم تعرف بضرورة الْعقل حَتَّى انكر رسَالَته طوائف بل انكر بعثة الرُّسُل جَمِيع البراهمة وانكر الاكثرون من الْمُسلمين عصمَة الانبياء وَاسْتَدَلُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَعصى آدم ربه فغوى﴾ إِلَى غير ذَلِك مِمَّا اشْتَمَل الْقُرْآن على حكايته من أَحْوَال الانبياء فاذا لم تعرف عصمَة صَاحب المعجزة ضَرُورَة فَكيف تعرف عصمَة صَاحبكُم ضَرُورَة فان قيل نَحن نعرفه بِالنّظرِ وَلَكِن النّظر تعلم مِنْهُ وَالنَّظَر يَنْقَسِم الى صَحِيح وفاسد وتمييز صَحِيحه على فاسده مُمْتَنع عَن كَافَّة الْخلق الا على الامام الْحق فَهَذَا الْمِيزَان الموضح للفرقان بَين الشبهه والبرهان فقد عرفنَا صِحَة النّظر الَّذِي استفدنا مِنْهُ فاطمأنت نفوسنا اليه بتزكيته وتعليمه قُلْنَا وَالنَّظَر الَّذِي علمكموه هَل افتقرتم فِي فهمه ألى تَأمل ام هُوَ مدرك على البديهة فان ادعيتم البديهة فَمَا أَشد جهلكم إِذْ يرجع حَاصله الى أَن معرفَة عصمته عرفت بالبديهة وَهُوَ كذب صَرِيح وان افتقرتم الى التَّأَمُّل فَذَلِك التَّأَمُّل يعرف بِالْعقلِ ام لَا وَلَا بُد أَن يُقَال إِنَّه بِالْعقلِ فَنَقُول وَالْعقل إِذا قضى عِنْد التَّأَمُّل بقضية فَهُوَ صَادِق ام لَا فان قَالُوا لَا فَلم صدقوه وان قَالُوا نعم هُوَ صَادِق فقد ابطلوا اصل مَذْهَبهم وَهُوَ قَوْلهم ان الْعُقُول لَا سَبِيل الى تصديقها فان قيل

стр. 116

الإِمَام يعرف من بواطن أسرار الله امورا اذا ذكرهَا حصل للمتعلم عِنْد سماعهَا علم بديهي ضَرُورِيّ بِصَدقَة ويستغنى بِهِ عَن تدقيق النّظر والتأمل فَنَقُول وَرَسُول الله ﷺ هَل عرف ذَلِك ام لَا فان قُلْتُمْ لَا فقد فضلْتُمْ الْخَلِيفَة على الاصل وان قُلْتُمْ نعم فَلم اخفاها وهلا اظهرها وافشاها حَتَّى كَانَت الْعُقُول تضطر على البديهة الى ذكرهَا وَكَانَت تتسارع الى التَّصْدِيق لَهُ فِي دعاويه وَلم ترك طوائف الْخلق مضطربين فِي مغاصات الشّبَه متعثرين فِي أذيال الضلالات مجاهدين باموالهم وانفسهم فِي نصْرَة الخيالات الْبَاطِلَة كَيفَ وانتم إِذا تعلمتم من إمامكم ذَلِك وقدرتم على ذكره حَتَّى يعرف بالبديهة صدقه فَتلك الدقيقة لماذا اخفيت ولأي يَوْم أجلت وكتمان الدّين من أكبر الْكَبَائِر ثمَّ كَيفَ انقسم المستمعون فنون ضلالكم الى قَائِل مستمع وراد ومنخدع ومنتبهه وهلا اسلك الْكل فِي ربقة التَّصْدِيق والانقياد وعَلى الْجُمْلَة فدعوى مثل هَذَا الْكَلَام لَا تدل الا على الوقاحة وَقلة الْحيَاء والا فَنحْن بِالضَّرُورَةِ نعلم انكم على البديهة لم تدركوا صدق امامكم وعصمته وَلَكِنَّكُمْ رُبمَا تضطرون فِي تمشية التلبيس الى خلع جِلْبَاب الْحيَاء وَكَذَلِكَ يفعل الله بذوي الضلال والامراء فنعوذ بِاللَّه من سقطة الأغبياء فَمَا هَذِه الكذبة الصادرة مِنْكُم قولة تتقال اَوْ عَثْرَة تقال اَوْ خدعة يسْبق اليها الْجُهَّال فضلا عَن أفاضل الرِّجَال الِاعْتِرَاض الثَّالِث وَهُوَ ان نقُول للمسترشد مثلا إِذا شكّ فِي صِحَة النّظر وَاسْتدلَّ بالإختلاف الْمُجْمل يَنْبَغِي ان تعين الْمَسْأَلَة الَّتِي تشك فِيهَا فان الْمسَائِل منقسمة الى مَا لَا يُمكن ان يعلم بِنَظَر الْعقل والى مَا يُمكن ان يعلم علما ظنيا والى مَا يعلم علما يقينيا وَلَا معنى لقبُول السُّؤَال

стр. 117

الْمُجْمل بل لَا بُد من تعْيين الْمَسْأَلَة الَّتِي فِيهَا الاشكال حَتَّى يكْشف الغطاء عَنْهَا وينبه السَّائِل على ان الْمُخَالف فِيهَا جهل وَجه تَرْتِيب الْمُقدمَات المنتجة لَهُ وَنحن لَا ندعي الان الْمعرفَة الا فِي مسئلتين احداهما وجودالصانع الْوَاجِب الْوُجُود المستغني عَن الصَّانِع وَالْمُدبر وَالثَّانيَِة صدق الرَّسُول وَيَكْفِينَا فِي بَاقِي الْمسَائِل ان نتلقاها تقليدا من الرَّسُول ﷺ فَهَذَا الْقدر الَّذِي لَا بُد مِنْهُ فِي الدّين وَبَاقِي الْعُلُوم لَا يتَعَيَّن تحصليها بل الْخلق مستغنون عَنْهَا وان كَانَ ذَلِك مُمكنا كالعلوم الحسابية والطبية والنجومية والفلسفية وَهَاتَانِ المسألتان نعرفهما يَقِينا اما ثُبُوت وَاجِب الْوُجُود فبالمقدمات الَّتِي عرفناها واما صدق الرَّسُول فبمقدمات تماثلها وَمن احاط بهَا لم يشك فِيهَا وَعلم غلط الْمُخَالف مِنْهَا كَمَا يعلم غلط المحاسب فِي الْحساب وخصومنا أَيْضا مضطرون أى معرفَة هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ بِالنّظرِ والا فَقَوْل النَّبِي لَا يُغني فيهمَا فيكف يُغني فيهمَا قَول الْمَعْصُوم فَإِن قيل معرفَة صِفَات الله وَمَعْرِفَة الشَّرَائِع وَمَعْرِفَة الْحَشْر والنشر كل ذَلِك لَا بُد مِنْهُ فَمن ايْنَ يعرف قُلْنَا يتَعَلَّم من النَّبِي ﷺ الْمَعْصُوم الْمُؤَيد بالمعجزة ونصدقه فِيمَا يخبر عَنهُ كَمَا تقلدون انتم صَاحبكُم الَّذِي لَا عصمَة لَهُ وَلَا معْجزَة فان قيل وَبِمَ تفهمون كَلَامه قُلْنَا بِمَا نفهم بِهِ كلامكم هَذَا فِي اسئلتكم وتفهمون كلامنا فِي اجوبتنا وَهُوَ معرفَة اللُّغَة وموضوع الالفاظ كَمَا تفهمون انتم من الْمَعْصُوم عنْدكُمْ فان قيل فَفِي كَلَام الرَّسُول وَفِي الْقُرْآن المشكلات والمجملات كحروف أَوَائِل السُّور والمتشابه كأمر الْقِيَامَة فَمن يطلعكم على تَأْوِيله وَالْعقل لَا يدل عَلَيْهِ قُلْنَا للآلفاظ الشَّرْعِيَّة ثَلَاثَة اقسام أَلْفَاظ صَرِيحَة لَا يتَطَرَّق اليها الِاحْتِمَال فَلَا حَاجَة فِيهَا إِلَى معلم بل نفهمها كَمَا تفهمون أَنْتُم كَلَام الْمعلم الْمَعْصُوم إِذْ لَو إقتصر صَرِيح كَلَام الشَّارِع أى معلم ومؤول لاقتصر

стр. 118

صَرِيح كَلَام الْمعلم الْمَعْصُوم ألى مؤول ومعلم آخر ولتسلسل الى غير نِهَايَة الثَّانِي أَلْفَاظ مجملة ومتشابهة كحرووف اوائل السُّور فمعانيها لَا يُمكن ان تدْرك بِالْعقلِ إِذْ اللُّغَات تعرف بالاصطلاح وَلم يسْبق اصْطِلَاح من الْخلق على حُرُوف التهجي وان الر وحم عسق عبارَة عماذا فالمعصوم ايضا لايفهمه وانما يفهم ذَلِك من الله تَعَالَى اذا بَين المُرَاد بِهِ على لِسَان رَسُوله فيفهم ذَلِك سَمَاعا وَذَلِكَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن لم يذكرهُ الرَّسُول لانه لَا حَاجَة ألى مَعْرفَته وَلم يُكَلف الْخلق بِهِ فالمعصوم شريك فِي انه لَا يعرفهُ إِذْ لم يسمعهُ من الرَّسُول وان عرفه وَذكره فقد ذكر مَا بالخلق مندوحة عَن مَعْرفَته فانهم لن يكلفوه وان ذكره الرَّسُول فقد اشْترك فِي مَعْرفَته من بلغه الْخَبَر متواترا كَانَ اَوْ آحادا وَفِيه عَن ابْن عَبَّاس وَجَمَاعَة من الْمُفَسّرين نقل فَإِن كَانَ متواترا افاد علما وَإِلَّا افاد ظنا وَالظَّن فِيهِ كَاف بل لَا حَاجَة الى مَعْرفَته فانه لَا تَكْلِيف فِيهِ واما وَقت الْقِيَامَة فَلم يذكرهُ الله تَعَالَى وَلَا ذكره رسلوه ﵇ وانما يجب التَّصْدِيق بِأَصْل الْقِيَامَة وولا يجب معرفَة وَقتهَا بل مصلحَة الْخلق فِي إخفائها عَنْهُم وَلذَلِك طوى مِنْهُم فالمعصوم من أَيْن عرف ذَلِك الْكَلَام وَلم يذكرهُ الله وَلَا رَسُوله وَلَا مجَال لضَرُورَة الْعقل وَلَا لنظره فِي تعْيين الْوَقْت ثمَّ لنقدر انه عرف ذَلِك وَزعم انه ﷺ ذكره سرا مَعَ عَليّ بن ابي طَالب ﵁ وَذكره كل امام مَعَ سوسه فَأَي فَائِدَة لِلْخلقِ فِيهِ وَهُوَ سر لَا يجوز ان يذكر الا مَعَ الْأَئِمَّة فَإِن ذكره معصومكم وَأفْشى هَذَا السِّرّ الَّذِي امْر الله تَعَالَى بكتمانه إِذْ قَالَ تَعَالَى أكاد اخفيها كَانَ معاندا لله وَرَسُوله وان كَانَ لَا يفشيه فَكيف يتَعَلَّم مِنْهُ مَا لَا يجوز تَعْلِيمه فَدلَّ على ان الامور الْعَقْلِيَّة محتاجة الى التَّعْلِيم وَلَكِن الْمعلم ان كَانَ يُنَبه على طَرِيق النّظر فِيهِ فَلَا يشْتَرط عصمته وان كَانَ يُقَلّد من غير دَلِيل فَلَا بُد أَن تعرف بالمعجزة عصمته وَهُوَ النَّبِي وناهيك بِهِ معلما فَلَا حَاجَة الى غَيره

стр. 119

الْقسم الثَّالِث الالفاظ الَّتِي لَيست مجملة وَلَا صَرِيحَة وَلكنهَا ظَاهِرَة فانها تثير ظنا ويكتفى بِالظَّنِّ فِي ذَلِك الْقَبِيل والفن وَسَوَاء كَانَ ذَلِك فِي الفقهيات وَأُمُور الْآخِرَة أَو صِفَات الله فَلَيْسَ يجب على الْخلق إِلَّا أَن يعتقدوا التَّوْحِيد والألفاظ فِيهِ صَرِيحَة وَأَن يعتقدوا أَنه قَادر عليم سميع بَصِير لَيْسَ كمثله شَيْء وكل ذَلِك اشْتَمَل الْقُرْآن عَلَيْهِ وَهُوَ مُصَرح بِهِ أما النّظر فِي كَيْفيَّة هَذِه الصِّفَات وحقيقتها وَأَنَّهَا تَسَاوِي قدرتنا وَعلمنَا وبصرنا أم لَا فَقَوله لَيْسَ كمثله شَيْء دَال على نفي الْمُمَاثلَة لسَائِر الموجودات وَهَذَا قد اكْتفى من الْخلق بِهِ فَلَا حَاجَة بهم إِلَى مَعْصُوم نعم النَّاظر فِيهِ والمستدل عَلَيْهِ بالأدلة الْعَقْلِيَّة قد يتَوَصَّل إِلَى الْيَقِين فِي بعض مَا ينظر فِيهِ وَإِلَى الظَّن فِي بعضه وَيخْتَلف ذَلِك باخْتلَاف الذكاء والفطنة وَاخْتِلَاف الْعَوَائِق والبواعث ومساعدة التَّوْفِيق فِي النّظر والعارف يَذُوق الْيَقِين وَإِذا تَيَقّن لم يتمار فِيهِ وَلم يشككه قُصُور غَيره عَن الدَّرك وَرُبمَا تضعف نَفسه ويشككه خلاف غَيره ز كل ذَلِك لَا مضرَّة لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَأْمُورا بِهِ والمعصوم لَا يغنى عَنهُ شَيْئا لَو تَابعه فَإِن مَحْض التَّقْلِيد لَا يَكْفِيهِ وَإِن ذكر وَجه الدَّلِيل فَذَلِك لَا يخْتَلف صدوره عَن مَعْصُوم أَو غَيره كَمَا سبق وَأما الدّلَالَة الثَّانِيَة وَهِي قو لَهُم إِذا جَاءَكُم مسترشد متحير وسألكم عَن الْعُلُوم الدِّينِيَّة أفتحيلونه على عقله ليستقل بِالنّظرِ وَهُوَ عَاجز

стр. 120

أَو تأمرونه باتباعكم فِي مذهبكم وينازعكم المعتزلى والفلسفي وَكَذَا سَائِر الْفرق فبماذا يتَمَيَّز مَذْهَب عَن مَذْهَب وَفرْقَة عَن فرقة فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن الأول هُوَ أَنا نقُول لَهُم لَو جَاءَكُم متحير فِي أصل وجود الصَّانِع وَصدق الْأَنْبِيَاء انْقَلب عَلَيْكُم هَذَا الْإِشْكَال فَمَاذَا تَقولُونَ إِن ذكرْتُمْ دَلِيلا عقليا لم نثق بنظره وَإِن رددتموه إِلَى عقله فكمثل فعساكم تشفون غليله بالحوالة على الْمَعْصُوم فَمَا أبرد هَذَا الشِّفَاء فَإِنَّهُ يَقُول قدروني قد جِئْت مسترشدا فِي زمَان مُحَمَّد بن عبد الله وَمَعَهُ معجزته فمعصومكم لَا يقدر على معْجزَة أَو قدرُوا إِنِّي شاهدت معصومكم قلب الْعَصَا ثعبانا أَو أَحْيَا الْمَوْتَى أَو أَبْرَأ الأكمة والأبرص وَأَنا أشاهده فَلَا يبين لي صدقه بضرورة الْعقل وَلَا أَثِق بِالنّظرِ وَكم من أَصْنَاف الْخَلَائق شاهدوا ذَلِك وأنكروه فَحَمله بَعضهم على السحر والمخرقة وَبَعْضهمْ على غَيره فلعلكم تشبعون غصته بَان تَقولُوا لَهُ قلد الامام الْمَعْصُوم وَلَا تسْأَل عَن السَّبَب فَيَقُول وَلم لَا اقلد الْمُخَالفين لكم فِي إِنْكَار النُّبُوَّة والعصمة وَهل بَينهمَا فرق من طول لحية اَوْ بَيَاض وَجه الى غير ذَلِك مِمَّا هذوا بِهِ وَهَذَا قلب لَو اجْتمع اولهم مَعَ آخِرهم على الْخَلَاص مِنْهُ دون الامر بالتفكر وَالنَّظَر فِي الدَّلِيل لم يَجدوا اليه سَبِيلا الْجَواب الثَّانِي وَهُوَ التَّحْقِيق هُوَ أَنا نقُول للمسترشد مَاذَا تطلب فَإِن كنت تطلب الْعُلُوم كلهَا فَمَا اشد فضولك واعظم خَطبك وأطول أملك فاشتغل من الْعُلُوم مَا يهمك وان قَالَ اريد مَا يهمني قُلْنَا وَلَا مُهِمّ الا معرفَة الله وَرَسُوله وَهَذَا معنى قَوْله لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله فهاتان مَسْأَلَتَانِ يسهل علينا تعليمك اياهما وَعند ذَلِك

стр. 121

ذكر لَهُ الْمُقدمَات الضرورية الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي إِثْبَات وَاجِب الْوُجُود ثمَّ مثلهَا فِي دلَالَة المعجزة على صدق الرَّسُول فَإِن زعم أَن خلاف الْمُخَالفين هُوَ الَّذِي يشككني فِي هَذِه الْمعرفَة أفأتبعكم أَو أتبع مخالفيكم فَنَقُول لَهُ لَا تتبعنا وَلَا تتبع مخالفينا فان تعلم طَرِيق التَّقْلِيد مُبَاح والتقليد فِي النتيجة غير موثوق بِهِ فشكك فِي أَي مُقَدّمَة من مقدماتنا أَفِي قَوْلنَا إِن أصل الْوُجُود معترف بِهِ فان كَانَ كَذَلِك فعلاجك فِي دَار المرضى فَإِن هَذَا من سوء المزاج فان من شكّ فِي أصل الْوُجُود فقد شكّ اولا فِي وجود نَفسه وَإِن قلت لَا أَشك فِي هَذَا بِخِلَاف السوفسطائية قُلْنَا فقد تيقنت مُقَدّمَة وَاحِدَة فَهَل تشك فِي الثَّانِيَة وَهِي قَوْلنَا ان كَانَ هَذَا الْوُجُود وَاجِبا فقد ثَبت وَاجِب الْوُجُود فَنَقُول هَذَا ايضا ضَرُورِيّ قُلْنَا فَهَل تشك فِي قَوْلنَا إِن كَانَ جَائِزا فَلَا يتخصص أحد طرفِي الْجَوَاز من الطّرف المماثل لَهُ إِلَّا بمخصص فَهَذِهِ أَيْضا مُقَدّمَة ضَرُورِيَّة عِنْد من يدْرك معنى اللَّفْظ وَإِن كَانَ فِيهِ توقف فالتوقف فِي دَرك مُرَاد الْمُتَكَلّم من لَفظه فان قَالَ نعم لَا شكّ فِيهِ قُلْنَا فَذَلِك الْمُخَصّص المفتقر اليه إِن كَانَ جَائِزا فَالْقَوْل فِي ذَلِك لَا كالقول فِيهِ فيفتقر الى مُخَصص غير جَائِز وَهُوَ المُرَاد بِوَاجِب الْوُجُود ففيماذا تتشكك فَإِن قَالَ قد بَقِي لي شكّ عرف بِهِ بلادته وَسُوء فهمه وَقطع الطمع عَن رشده وَلَيْسَ هَذَا بِأول بليد لَا يدْرك الْحَقَائِق فنخليه وَهُوَ كمن يطْلب علم الْحساب فَذَكرنَا لَهُ الغوامض من مُقَدمَات الْحساب من الشكل (القطاع)

стр. 122

الَّذِي هُوَ فِي آخر كتاب إقليدس فَلم يفهمهُ لبلادته بل فِي الشكل الأول الَّذِي مضمونه إِقَامَة الْبَرَاهِين على مثلث متساوي الأضلاع فَلم يُدْرِكهُ عرفنَا ان مزاجه لَيْسَ يحْتَمل هَذَا الْعلم الدَّقِيق فَلَيْسَ كل خلقه يحْتَمل الْعُلُوم بل الصناعات والحرف فَهَذَا لَا يدل على فَسَاد هَذَا الأَصْل فَإِن قَالَ المسترشد لست أَشك فِي هَذِه الْمُقدمَات وَلَا فِي النتيجة وَلَكِن لم يخالفكم من يخالفكم قُلْنَا لجهله تَرْتِيب هَذِه الْمُقدمَات اَوْ لعناده أولبلادته وينكشف الغطاء بِأَن نشافه وَاحِدًا مِنْهُم يمِيل إِلَى الْإِنْصَاف ونراجعه فِي هَذِه الْمُقدمَات حَتَّى يتَبَيَّن لَك أَنه بَين أَن يفهم ويصف ويعترف اَوْ لَا يفهم لبلادته أَو يمنعهُ التعصب والتقليد عَن حسن الإصغاء إِلَيْهِ فَلَا يُدْرِكهُ وَعند ذَلِك يطلع على خطئه وَكَذَلِكَ يصنع بِهِ فِي كل مَسْأَلَة وَينظر فِيهِ إِلَى مَا تحتمله حَاله ويقبله ذكاؤه وفطنته وَلَا يحملهُ مَالا يطيقه بل رُبمَا يقنعه بِمَا يُورث لَهُ إعتقادا فِي الْحق مصمما فَإِن أَكثر عوام الْخلق قنع مِنْهُم الشَّرْع بذلك وَلَا يكْشف لَهُ عَن وَجه الْبَرَاهِين فَرُبمَا لَا يفهمها وَأما الدّلَالَة الثَّالِثَة وَهِي قَوْلهم الْوحدَة دَلِيل الْحق وَالْكَثْرَة دَلِيل الْبَاطِل وَمذهب التَّعْلِيم تلْزمهُ الْوحدَة ومذهبكم تلْزمهُ الْكَثْرَة إِذْ لَا تزَال الْفرْقَة الْمُخَالفَة للتعليم يكثر اخْتلَافهمْ وَلَا تزَال الْفرْقَة الْقَابِلَة للتعليم يتحد طريقهم فَالْجَوَاب من وُجُوه أَحدهَا المعارضه والاخر الْإِبْطَال وَالثَّالِث التَّحْقِيق أما الْمُعَارضَة فَتَقول والصائرون إِلَى الافتقار إِلَى معلم مَعْصُوم اخْتلفُوا فِي ذَلِك الْمَعْصُوم فَقَالَت الإمامية إِنَّه لَيْسَ بِظَاهِر وَلَيْسَ يعرف عينه وَلَكِن أخْفى نَفسه تقية وَقَالَ آخَرُونَ لَيْسَ مَوْجُودا وَلكنه منتظر الْوُجُود وسيوجد إِذا احْتمل الزَّمَان إِظْهَار الْحق وَلَو

стр. 123

كَانَ يحْتَمل الزَّمَان إِظْهَاره لوجد فانه لَا فَائِدَة فِي كَونه مَوْجُودا مَعَ تعذر الْإِظْهَار للتقية وَقَالَ آخَرُونَ فِي بعض الْخُلَفَاء الَّذين مضوا لسبيلهم إِنَّهُم أَحيَاء وسيظهرون فِي أَوَانه وَاخْتلفُوا فِي تَعْيِينه حَتَّى اعْتقد فريق ان الملقب بالحاكم هُوَ حَيّ بعد وَقَالَ آخَرُونَ ذَلِك فِي غَيره الى نوع من الْخبط طَوِيل فان قيل هَؤُلَاءِ جمَاعَة من الحمقى غير معدودين فِي زمرتنا فَإِذا ضممتموهم الينا وجمعتم بَيْننَا وَبينهمْ تطرقت الْكَثْرَة الينا فَلم تجمعون الينا من يخالفنا كَمَا يخالفكم بل الْإِنْصَاف أَن تنظروا الينا وحدنا وَنحن لَا تخْتَلف كلمتنا اصلا قُلْنَا وَنحن أَيْضا إِذا إعتبرنا وحدنا فَنحْن لَا نخالف انفسنا وَقد يرد هَذَا الِاعْتِرَاض لَا محَالة من يعْتَقد مذهبا فِي جَمِيع الْمسَائِل لَا يُخَالف نَفسه وَمَعَهُ جمَاعَة من الْخلق يوافقونه فِي معتقده فِي الْجَمِيع فَإِذا اعتبرتموه مَعَ فرقته وَلم تجمعُوا اليهم من يخالفهم فبالحماقة والبلادة وقصور النّظر ألفيت كلمتهم متحده فَلَا يدل على أَن الْحق فيهم فَإِن قُلْتُمْ وَبِمَ عَرَفْتُمْ حَمَاقَة مخالفيكم انْقَلب ذَلِك عَلَيْكُم من مخالفتكم الْقَائِلين بِوُجُوب التَّعْلِيم من الْمَعْصُوم وَإِن زعمتم ان الْقَائِلين بِأَن النّظر صَحِيح فرقة وَاحِدَة وَإِن اخْتلفُوا فِي تفاصيل الْمَذْهَب قُلْنَا والقائلون بِأَن الامام الْمَعْصُوم لَا بُد مِنْهُ فرقة وَاحِدَة وَإِن اخْتلفُوا فِي التَّفْصِيل هَذَا وَلَا محيص عَنهُ أَبَد الدَّهْر الْجَواب الثَّانِي وَهُوَ أَنا نقُول قَوْلكُم الْوحدَة أَمارَة الْحق وَالْكَثْرَة أَمارَة الْبَاطِل بَاطِل فِي الطَّرفَيْنِ فَرب وَاحِد بَاطِل وَرب كثير

стр. 124

لَا يَنْفَكّ عَن الْحق فإناإذا قُلْنَا الْعَالم حَادث أَو قديم فالحادث وَاحِد وَالْقَدِيم وَاحِد فقد اشْتَركَا فِي لُزُوم الْوحدَة وانقسما فِي الْحق وَالْبَاطِل وَإِذا قُلْنَا الْخَمْسَة والخمسة عشرَة ام لَا فقولنا لَا نفي وَاحِد كَقَوْلِنَا عشرَة إِثْبَات وَاحِد ثمَّ اخْتلفَا فَكَانَ احدهما حَقًا وَالْآخر بَاطِلا فَإِن قُلْتُمْ إِن قَوْلكُم عشرَة لَا يمكنكم ان تقسم وتفصل الا بِوَاحِد وقولكم لَا يفصل بالتسعة والسبعة وَسَائِر الاعداد فَفِيهِ الْكَثْرَة قُلْنَا وَلُزُوم الْكَثْرَة فِي مثل هَذَا التَّفْصِيل لَا يدل على الْبطلَان فَإنَّا إِذا عمدنا الى جسمين متقاربين قُلْنَا إنَّهُمَا متساويان ام لَا فقولنا متساويان وَاحِد وَهُوَ بَاطِل وَلَا يُمكن ان يفصل الا بِوَاحِد وَقَوْلنَا لَا إِذْ قُلْنَا متفاوتان حق وَهُوَ وَاحِد وَيقبل التَّفْصِيل بِمَا يَنْقَسِم الى الْحق وَالْبَاطِل إِذْ يُقَال هَذَا الْجِسْم مفاوت لذَلِك الْجِسْم أَي هُوَ أكبر اَوْ يُفَسر بِأَنَّهُ أَصْغَر وَالْحق أَحدهمَا وَالْبَاطِل يُقَابله فِي كَونه وَاحِدًا وَفِي مشاركته فِي الاندراج تَحت لفظ وَاحِد هُوَ حق يدل على أَن مَا ذَكرُوهُ تلبيس الْجَواب الثَّالِث عَن قَوْلهم إِن الْكَثْرَة أَمارَة الْبَاطِل فمذهبنا وَاحِد لَا كَثْرَة فِيهِ وانما الْكَثْرَة فِي الاشخاص الَّذين اجْتَمعُوا على مَسْأَلَة ثمَّ افْتَرَقُوا فِي مسَائِل فَلم قابلوا هَذَا بِكَثْرَة فِي جَوَاب الْمَسْأَلَة وَهُوَ فِي قَوْلنَا كم الْخَمْسَة والخمسة بل ورأيه فِي الْمَذْهَب أَن يُفْتِي فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة بفتاوي كَثِيرَة متناقضة فَعِنْدَ ذَلِك يُقَال الْكَثْرَة دَلِيل الْبَاطِل ولسنا نفتي فِي كل مَسْأَلَة الا بِوَاحِد فَإنَّا نقُول الله وَاحِد وَمُحَمّد ﷺ رَسُوله وَهُوَ صَادِق ومؤيد بالمعجزة فَهَذِهِ فَتْوَى وَاحِدَة فلتكن حَقًا وان كَانَ بَاطِلا فَهُوَ مُوَافق لمذهبهم وَقَوْلنَا ان نظر الْعقل طَرِيق يُوصل الى دَرك مَا لَا يدْرك اضطرارا مَذْهَب وَاحِد لَا كَثْرَة فِيهِ فَلْيَكُن حَقًا كَمَا أَن قَوْلنَا الْعُلُوم الحسابية عُلُوم صَادِقَة قَول وَاحِد وَكَانَ حَقًا وليتعجب من ابعادهم فِي التلبيس إِذْ أخذُوا لَفْظَة الْكَثْرَة وَهِي لَفْظَة

стр. 125

مُضَافَة مُشْتَركَة تَارَة يُرَاد بهَا الْكَثْرَة فِي الْأَجْوِبَة عَن مَسْأَلَة وَاحِدَة كالجواب عَن الْخَمْسَة والخمسة والسبعة والستة وَغَيرهَا وَتارَة تطلق وَيُرَاد كَثْرَة الْأَشْخَاص المتفقين فِي مَذْهَب والمختلفين فِيهِ فَرَأَوْا مُفَارقَة الْبَاطِل للكثرة المضافة الى عدد الاجوبة فِي مَسْأَلَة واجدة فاستدلوا بِهِ على بطلَان قَول وَاحِد فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة اجْتمع عَلَيْهَا جمَاعَة كَثِيرَة اخْتلفت كلمتهم فِي مسَائِل سوى تِلْكَ المشكلة لَكِن هَذَا وان كَانَ تلبيسا بَعيدا عَن المحصل فمقصود وَاضعه التلبيس على الْعَوام وَذَلِكَ مِمَّا يتَوَقَّع رواجه فَالْحِيلَةُ على الْعَوام فِي استدراجهم لَيست ممتنعة على جمَاعَة من الحمقى قد ادعوا الربوبيه فَكيف تتعسر عَن غَيرهَا واما قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ فَهُوَ من هَذَا الطّراز فِي التلبيس فَإِن المُرَاد بِهِ تنَاقض الْكَلِمَات فِي الْمُتَكَلّم الْوَاحِد إِذا تنَاقض كَلَامه فسد وَنحن لم يتناقض كَلَام الْوَاحِد منا فِي مَسْأَلَة بل اجْتمع طَائِفَة على مَسْأَلَة وَهِي اثبات النّظر كَمَا اجْتمع طَائِفَة على التَّعْلِيم واثباته ثمَّ اخْتلفُوا فِي مسَائِل اخرى فَأَيْنَ هَذَا من اخْتِلَاف الْكَلَام الْوَاحِد فَإِن قيل المتعلمون إِذا اجْمَعُوا على التَّعْلِيم وعَلى معلم وَاحِد وأصغوا بأجمعهم إِلَيْهِ لم يكن بَينهم خلاف وَإِن كَانُوا ألف ألف قُلْنَا والناظرون إِن اجْمَعُوا على النّظر فِي الدَّلِيل وعَلى تعْيين دَلِيل وَاحِد فِي كل مَسْأَلَة ووقفوا عَلَيْهَا لم يتَصَوَّر بَينهم خلاف فَإِن قُلْتُمْ فكم من نَاظر فِي ذَلِك الدَّلِيل بِعَيْنِه قد خَالف قُلْنَا وَكم من مصغ الى معلمكم وَقد خَالف فان قُلْتُمْ لانه لم يصدقهُ فِي كَونه مَعْصُوما قُلْنَا وَلِأَن النَّاظر لم يعرف هَذَا وَجه دلَالَة الدَّلِيل فان قُلْتُمْ رُبمَا يعرف وَجه الدّلَالَة ثمَّ يُنكر قُلْنَا هَذَا لَا يتَصَوَّر إِلَّا عنادا كَمَا يعْتَقد وَاحِد كَون الامام الْمَعْصُوم حَقًا ثمَّ يُخَالِفهُ فَلَا يكون ذَلِك الا عَن عناد وَلَا فرق بَين المسلكين وَأما الدّلَالَة الرابعه وَهِي قَوْلهم ان كَانَ لَا يدْرك النَّاظر المساواه

стр. 126

بَينه وَبَين خَصمه فِي الِاعْتِقَاد فَلم يدْرك المساواه بَين حالتيه وَكم من مَسْأَلَة اعتقدها نظرا ثمَّ تغير اعْتِقَاده فيمَ يعرف ان الثَّانِي لَيْسَ كَالْأولِ قُلْنَا يعرف ذَلِك معرفَة ضَرُورِيَّة لايتمارى فِيهَا وَهَذَا معتقدكم أَيْضا فِي مثالين وَلَا كَلَام أقوى من الْقلب والمعارضه فِي مثل هَذِه المقالات فان عَادَتهم مد يَد الِاعْتِصَام الى إشكالات لَا تخْتَص بِمذهب فريق فيحيرون عقول الْعَوام بِهِ ويخيلون انه من خَاصَّة مَذْهَب مخالفيهم والعامي الْمِسْكِين مَتى ينتبه لانقلاب ذَلِك عَلَيْهِ فِي مذْهبه فَنَقُول هَذَا الْقَائِل اعْتقد مَذْهَب التَّعْلِيم وَإِبْطَال النّظر تتقليدا سَمَاعا من أَبَوَيْهِ اَوْ سمع من الْأَبَوَيْنِ مذهبا ثمَّ تنبه بعد ذَلِك لبطلانه فَإِن قَالَ اعتقدته سَمَاعا من الْأَبَوَيْنِ قُلْنَا وَأَوْلَاد النَّصَارَى وَالْيَهُود الْمَجُوس وَأَوْلَاد مخالفيكم فِي مَسْأَلَة النّظر وَقع نشوؤهم على خلاف معتقدكم فبماذا تفرقون بِهِ بَين انفسكم وَبينهمْ أبطول اللحى اَوْ سَواد الْوُجُوه أم بِسَبَب غَيره والتقليد شَامِل وَإِن قُلْتُمْ لَا بل اعتقدنا مذهبكم ثمَّ تركنَا التَّقْلِيد وتنبهنا لصِحَّة مَذْهَب التَّعْلِيم قُلْنَا تنبهتم لبُطْلَان مَذْهَبنَا على البديهة اَوْ بِنَظَر الْعقل فَإِن كَانَ على البديهة فَكيف خَفِي عَلَيْكُم البديهي فِي اول امركم وعَلى أبائكم وعلينا وَنحن الْعُقَلَاء وَقد طبقنا وَجه الارض ذَات الطول وَالْعرض وان عَرَفْتُمْ ذَلِك بنظركم فَلم وثقتم بِالنّظرِ وَلَعَلَّ حالكم اللاحقة كالحال السَّابِقَة فَمَا الْفَارِق فَإِن قُلْتُمْ عرفنَا من الْمعلم قُلْنَا إِن كَانَ تقليدا فَمَا الْفرق بَين التَّقْلِيد للأخير والتقليد للْأولِ وَبَين تقليدكم وتقليد طوائف الْمُخَالفين من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَالْمُسْلِمين وان فهمتم بِالنّظرِ فَمَا الْفرق بَيْنكُم وَبَين سَائِر النظار وَهَذَا مِمَّا لَا جَوَاب عَنهُ إِلَّا أَن يُقَال بِالضَّرُورَةِ ندرك التَّفْرِقَة بَين ماعلم يَقِينا لَا يُمكن فِيهِ الْخَطَأ وَبَين مَا يُمكن فَهَكَذَا جَوَابنَا الْمِثَال الثَّانِي إِن من غلط فِي مَسْأَلَة حسابية ثمَّ تنبه لَهَا هَل يتَصَوَّر ان يَزُول شكه بعد التَّنْبِيه نجيب يعلم انه لَيْسَ مخطئا وَأَن الْخَطَأ غير جَائِز

стр. 127

عَلَيْهِ وانما كَانَ الْخَطَأ فِيمَا تقدم لمقدمة شذت عَنهُ فَإِن قُلْتُمْ لَا فقد أنكرتم الْمُشَاهدَة وَإِن قُلْتُمْ نعم فبماذا تدْرك التَّفْرِقَة إِلَّا بِالضَّرُورَةِ وَقد انْقَلب الْإِشْكَال بِعَيْنِه وَكَيف تنكر ذَلِك وَقد رَأَيْت من يَدعِي الذكاء والفطنه فِي علم الْحساب حكم بِأَن التَّيَامُن فِي الْقبْلَة وَاجِب بِبَلَد نيسابور وَأَنه لَا بُد من الْميل عَن مِحْرَابهَا الْمُتَّفق عَلَيْهِ الى الْيَمين وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بمقدمة مسلمة وَهِي ان الشَّمْس تقف وسط السَّمَاء على سمت الرَّأْس بِمَكَّة فِي اطول النَّهَار وَقت الزَّوَال ثمَّ قَالَ ترى الشَّمْس فِي اطول النَّهَار وَقت الزَّوَال بنيسابور مائلة قَلِيلا الى يَمِين الْمُسْتَقْبل فِي محاربها فَيعلم انه على سمت رَأس الْوَاقِف بِمَكَّة وان مَكَّة مائلة الى الْيَمين فتابعه على ذَلِك جمَاعَة من الْحساب واعتقدوا ان ذَلِك هُوَ الْوَاجِب بِحكم هَذَا الدَّلِيل حَتَّى تنبهوا على مَحل الْغَلَط فِيهِ وإحلالهم بمقدمة اخرى وَهِي أَن ذَلِك انما يلْزمه لَو كَانَ وَقت الزَّوَال بنيسابور هُوَ وَقت الزَّوَال بِمَكَّة وَلَيْسَ كَذَلِك بل يَقع بعد سَاعَة وَتَكون الشَّمْس قد أخذت الى صوب الْمغرب فِي جَانب الْيمن عرضا فَيرى وَقت الزَّوَال مائلا عَن قبْلَة نيسابور لانه لَيْسَ وَقت الزَّوَال والغروب فِي جَمِيع الْمَوَاضِع مُتَّفقا وَيعرف ذَلِك باخْتلَاف ارْتِفَاع القطبين وانخفاضهما بل باستتارهما وانكشافهما فِي الْبِقَاع الْمُخْتَلفَة فَهَذَا الْغَلَط وامثاله فِي الْحساب أفيدل ذَلِك على أَن النّظر فِي الْحساب لَيْسَ طَرِيقا موصلا الى معرفَة الْحق أَو يتشكك المتنبه بعْدهَا فَيَقُول لَعَلَّه شذت

стр. 128

عني مُقَدّمَة أُخْرَى وَأَنا غافل عَنْهَا كَمَا فِي الأول هَذَا لَو فتح بَابه فَهُوَ السفسطة الْمَحْضَة وندعو ذَلِك ألى بطلَان الْعُلُوم والاعتقادات كلهَا فَكيف يبْقى مَعَه وجوب التَّعَلُّم وَمَعْرِفَة الْعِصْمَة وَمَعْرِفَة إبِْطَال النّظر أما الدّلَالَة الْخَامِسَة وَهِي قَوْلهم ان صَاحب الشَّرْع ﷺ قَالَ النَّاجِي من الْفرق وَاحِدَة وهم اهل السّنة وَالْجَمَاعَة ثمَّ قَالَ مَا أَنا الْآن عَلَيْهِ وأصحابي فَهَذَا من عَجِيب الاستدلالات فانهم انكروا النّظر فِي الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة لاحْتِمَال الْخَطَأ فِيهِ وَأخذُوا يتمسكون بأخبار الْآحَاد والزيادات الشاذة فِيهَا فَأصل الْخَبَر من قبيل الْآحَاد وَهَذِه الزِّيَادَة شَاذَّة فَهُوَ ظن على ظن ثمَّ هُوَ لفظ مُحْتَمل من وُجُوه التَّأْوِيل مَالا حصر لَهُ فَإِن مَا كَانَ عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابه إِن اشْترط جَمِيعه فِي الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال والحركات والصناعات كَانَ محالا وَإِن أَخذ بعضه فَذَلِك الْبَعْض من يُعينهُ ويقدره وَكَيف يدْرك ضَبطه وَهل يتَصَوَّر ذَلِك إِلَّا بِظَنّ ضَعِيف وَرُبمَا لَا يرتضى مثله فِي الفقهيات مَعَ خفَّة امرها فَكيف يسْتَدلّ على القطعيات بِمِثْلِهَا على أَنا نقُول هم كَانُوا على اتِّبَاع نَبِي مؤيد بالمعجزة فلستم إِذن من الْفرْقَة النَّاجِية فَإِنَّكُم اتبعتم من لَيْسَ هُوَ نَبيا وَلَا مؤيدا بالمعجزة فسيقولون لَيْسَ تجب مساواته من كل وَجه قُلْنَا فَنحْن على مساواتهم من كل وَجه فَإنَّا نأمر بِاتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة وَالِاجْتِهَاد عِنْد الْعَجز عَن التَّمَسُّك بهما كَمَا أَمر معذا بِهِ وكما اسْتمرّ عَلَيْهِ الصَّحَابَة بعد وَفَاته من الْمُشَاورَة وَالِاجْتِهَاد فِي الْأُمُور فَالْحَدِيث قَاض لنا بالنجاة وَلكم بِالْهَلَاكِ فَإِنَّكُم إنحرفتم عَن اتِّبَاع النَّبِي الْمَعْصُوم الى غَيره فان قيل ومعاني الْكتاب وَالسّنة

стр. 129

كَيفَ تفهمونها قُلْنَا قد بَينا أَنَّهَا ثَلَاثَة اقسام صَرِيحَة وظاهرة ومجملة وَبينا لِأَن معرفتنا لَهَا كمعرفة سَائِر الصَّحَابَة وكمعرفة من تدعون لَهُ الْعِصْمَة من غير فرق فان قيل وانتم تدعون الى نظر الْعقل وَمَا كَانَ هَذَا من دأب الصَّحَابَة قُلْنَا هَيْهَات فَإنَّا نَدْعُو إِلَى الِاتِّبَاع وَإِلَى تَصْدِيق رَسُول الله ﷺ فِي قَول لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله فَمن صدق بذلك سبقا إِلَيْهِ من غير مُنَازعَة ومجادلة قنعنا مِنْهُ كَمَا يقنع رَسُول الله ﷺ بِهِ من أجلاف الْعَرَب وَالنَّاس على ثَلَاثَة أَقسَام قسم هم الْعَوام المقلدون نشئوا على اعْتِقَاد الْحق سَمَاعا من آبَائِهِم فهم مقرون عَلَيْهِ بِصِحَّة اسلامهم الثَّانِي الْكفَّار الَّذين نشئوا على ضد الْحق سَمَاعا عَن آبَائِهِم وتقليدا فهم مدعوون عندنَا إِلَى تَقْلِيد النَّبِي الْمَعْصُوم الْمُؤَيد بالمعجزة وَاتِّبَاع سنته وَكتابه وَأَنْتُم تَدعُونَهُ إِلَى معصومكم فليت شعري أَيّنَا أشبه بصحابة رَسُول الله ﷺ أَمن يَدْعُو إِلَى النَّبِي الْمُؤَيد بالمعجزة أم من يَدْعُو إِلَى من يدعى الْعِصْمَة بشهوته من غير معْجزَة الْقسم الثَّالِث من فَارق حيّز المقلدين وَعرف ان فِي التَّقْلِيد خطر الْخَطَأ فَصَارَ لَا يقنع بِهِ فَنحْن نَدْعُوهُ الى النّظر فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض ليعرف بِهِ الصَّانِع والى التفكر فِي معجزات النَّبِي ﷺ ليعرف بِهِ صَدَقَة وانتم تَدعُونَهُ الى تَقْلِيد الْمَعْصُوم وتكذبون نظر الْعقل وتزخرفونه فليت شعري أَي الدعوتين اوفق لدَعْوَة اصحاب رَسُول الله ﷺ فَمَتَى قَالُوا للمسترشد المتشكك إياك وَنظر الْعقل وتأمله فَإِن فِيهِ خطر الْخَطَأ وَلذَلِك اخْتلف الناظرون

стр. 130

بل عَلَيْك ان تقلد مَا تسمعه منا من غير بَصِيرَة وَتَأمل هَذَا لَو صدر من مَجْنُون لضحك مِنْهُ ولقيل لَهُ لم نقلدك وَلَا نقلد من يكذبك فَإِذا طوى بِسَاط الدَّلِيل المفرق بطرِيق النّظر بَيْنك وَبَين خصمك وَلم يُمكن دَرك التَّفْرِقَة بِالضَّرُورَةِ فَبِمَ تميز عَن مخالفك المكذب فليت شعري من فتح بَاب النّظر الَّذِي يَسُوق الى معرفَة الْحق مُتبعا فِيهِ مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الْقُرْآن من الْحَث على التدبر والتفكر فِي الايات وَفِي الْقُرْآن وَعجز الْخلق عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ واستدلاله بِهِ هُوَ أقرب إِلَى مُوَافقَة الصَّحَابَة وَأهل السّنة وَالْجَمَاعَة اَوْ من يؤيس الْخلق عَن النّظر فِي الْأَدِلَّة بالتكذيب حَتَّى لَا يبْقى للدّين عِصَام يتَمَسَّك بنه إِلَّا الدعاوي المتعارضه وَهل هَذَا الا صنع من يُرِيد ان يُطْفِئ نور الله ويغطي شرع رَسُول الله صلى اللهس عَلَيْهِ وَسلم بسد طَرِيقه المفضى اليه فان قيل فنراكم تميلون تَارَة الى الِاتِّبَاع وَتارَة الى النّظر قلت هَكَذَا تعتقده وَلكنه فِي حق شَخْصَيْنِ فَالَّذِينَ سعدوا بِالْولادَةِ بَين الْمُسلمين فَأخذُوا الْحق تقليدا مستغنون عَن النّظر وَكَذَا الْكفَّار إِذا تيَسّر لَهُم تَصْدِيق رَسُول الله ﷺ تقليدا كَمَا كَانَ يَتَيَسَّر لاجلاف الْعَرَب وَالَّذِي يتشكك وَيعرف غرر التَّقْلِيد فَلَا بُد لَهُ من معرفَة صدقنا فِي قَوْلنَا لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله ثمَّ بعد هَذَا قدر على اتِّبَاع رَسُول الله ﷺ وَلنْ يعرف التَّوْحِيد والنبوة إِلَّا بِالنّظرِ فِي دَلِيله الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الصَّحَابَة ودعا الرَّسُول الْخلق بِهِ فانه مَا دعاهم بالتحكم الْمَحْض والقهر الْمُجَرّد بل بكشف سبل الْأَدِلَّة ٤ فَهَذَا صُورَة القَوْل مَعَ كل متشكك وَإِلَّا فليبرز الباطني معتقده فِي حَقه وانه كَيفَ ينجو عَن شكه إِذا حسم عَلَيْهِ بَاب التَّأَمُّل وَالنَّظَر

стр. 131

فَهَذَا حل هَذِه الشُّبُهَات وَهِي أرك عِنْد المحصل من أَن يفْتَقر فِي حلهَا الى كل هَذَا الاطناب وَلَكِن اغترار بعض الْخلق بِهِ وَظُهُور التلبيس فِي هَذَا الزَّمَان يتقاضى هَذَا الْكَشْف والإيضاح وَالله تَعَالَى يوفقنا للْعلم وَالْعَمَل والرشد والإرشاد بمنه ولطفه

стр. 132

الْبَاب السَّابِع فِي إبِْطَال تمسكهم بِالنَّصِّ فِي اثبات الْإِمَامَة والعصمة وَفِيه فصلان الْفَصْل الاول فِي تمسكهم بِالنَّصِّ على الْإِمَامَة وَقد عجزت طَائِفَة مِنْهُم عَن التَّمَسُّك بطرِيق النّظر لمناقضة ذَلِك مسلكهم فِي إبِْطَال نظر الْعقل وَإِيجَاب الإتباع فعدلوا الى مَنْهَج الإمامية بِحَيْثُ استدلوا على إِمَامَة عَليّ ﵁ بِالنَّصِّ وَزَعَمُوا أَنَّهَا مطردَة فِي عترته فطمع هَؤُلَاءِ فِي التَّمَسُّك بِالنَّصِّ مَعَ مُخَالفَة مَذْهَبهم مَذْهَب الإمامية فزعموا انه ﵇ نَص على عَليّ وَنَصّ عَليّ على وَلَده حَتَّى انْتهى الى الَّذِي هُوَ الان متصد للْإِمَامَة بِكَوْنِهِ مَنْصُوصا عَلَيْهِ مِمَّن كَانَ قبله وَهَذَا غير مُمكن لهَذِهِ الْفرْقَة فَإِنَّهُم بَين التَّعَلُّق فِيهِ بأخبار آحَاد لَا تورث الْعلم وَلَا تفِيد الْيَقِين وثلج الصَّدْر بل يحْتَمل فِيهِ تعمد الْكَذِب تَارَة والغلط فِيهِ اخرى

стр. 133

ولمنهج هَؤُلَاءِ اجتووا طرق النّظر فِي العقليات احْتِرَازًا عَمَّا فِيهَا من الْخَطَأ فَكيف يستتب لَهُم التَّمَسُّك بأخبار الْآحَاد فيضطرون الى دَعْوَى خبر متواتر فِيهِ من صَاحب الشَّرْع صلوَات الله عَلَيْهِ تجْرِي فِي الوضوح مجْرى الْخَبَر الْمُتَوَاتر فِي بعثته ودعوته وتحديه بِالنُّبُوَّةِ وشرعه الصَّلَوَات الْخمس وَالْحج وَالصَّوْم وَسَائِر الوقائع المستفيضة وَمهما رَاجع الْعَاقِل بصيرته اسْتغنى فِي معرفَة اسْتِحَالَة هَذِه الدَّعْوَى عَن مرشد يرشده ويسدد منهجه على وَجه الاستحالة كَيفَ وَقد استحالت هَذِه الدَّعْوَى وتعذرت على الامامية فِي دَعْوَى إِمَامَة عَليّ فَقَط فَكيف تستتب لهَؤُلَاء دَعْوَى إِمَامَة صَاحبهمْ مَعَ تضَاعف الشّغل عَلَيْهِم وَكَثْرَة دعاويهم إِلَى أَن ينساقوا إِلَى إِثْبَات الْإِمَامَة لمن إعتقدوا إِمَامَته الْيَوْم وَلَكنَّا مَعَ الِاسْتِغْنَاء عَن الايضاح لفساد دَعوَاهُم ننبه على مَا فِيهِ من الْعسر والاستحالة ونقول مدعي الْإِمَامَة الْيَوْم لشخص معِين من عترة رَسُول الله ﷺ يفْتَقر الى نَص متواتر عَن رَسُول الله على عَليّ ﵁ يَنْتَهِي فِي الوضوح الى حد الْخَبَر الْمُتَوَاتر عَن وجود عَليّ وَمُعَاوِيَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ فَإنَّا بالتواتر عرفنَا وجودهم وَمهما ادّعى تَوَاتر هَذَا الْخَبَر فِي زمَان رَسُول الله ﷺ افْتقر الى حد التَّوَاتُر بعده فِي كل عصر ينقرض حَتَّى

стр. 134

لَا يزَال النَّقْل متواترا على تناسخ الْأَعْصَار وانقراض الْقُرُون بِحَيْثُ يَسْتَوِي فِي بُلُوغ المخبرين حد التَّوَاتُر طرف الْخَبَر وواسطته وَهَذَا مُمْتَنع يفْتَقر فِي كل وَاحِد من عَليّ وَأَوْلَاده ﵁ إِلَى يَوْمنَا هَذَا أَرْبَعَة أُمُور الاول أَن يثبت أَنه مَاتَ عَن وَلَده وَلم يمت أَبتر لَا ولد لَهُ حَتَّى يعرف وَلَده كَمَا عرف عَليّ ﵁ وتعرف صِحَة انسابهم كَمَا عرف صِحَة انساب عَليّ الثَّانِي أَن يثبت أَن كل وَاحِد مِنْهُم نَص على وَلَده قبل وَفَاته وَجعله ولي عَهده وعينه من بَين سَائِر أَوْلَاده فانتصب للْإِمَامَة بتوليته وَلم يمت وَاحِد إِلَّا بعد التَّنْصِيص وَالتَّعْيِين على ولي عَهده الثَّالِث ان ينْقل أَيْضا خَبرا متواترا انه ﷺ جعل نَص جَمِيع اولاده بِمَنْزِلَة نَصه فِي وجوب الطَّاعَة ومصادفته لمنظنة الِاسْتِحْقَاق ووقوعه على الْمُسْتَحق للمنصب من جِهَة الله تَعَالَى حَتَّى لَا يتَصَوَّر وُقُوع الْخَطَأ لوَاحِد مِنْهُم فِي التَّعْيِين الرَّابِع أَن ينْقل أَيْضا بَقَاء الْعِصْمَة وَالصَّلَاح للْإِمَامَة من وَقت نَصه على من نَص عَلَيْهِ إِلَى ان توفّي هُوَ بعد نَصه على غَيره فَلَو انخرمت رُتْبَة من هَذِه الرتب لم تستمر دعاويهم وَلَو اثبتوا تَوَاتر نَص كل وَاحِد مِنْهُم وَوُجُود وَلَده فِي الْعَصْر الأول فَلَا يغنيهم حَتَّى يثبتوا تواتره كَذَلِك فِي سَائِر الْأَعْصَار المتوالية بعده عصرا بعد عصر وَهَذِه أُمُور لَو ثَبت التَّوَاتُر فِيهَا لعَلِمت كَمَا يعلم وجود الانبياء وَوُجُود الاقطار الَّتِي لم تشاهد كالصين وقيروان الْمغرب وَوُجُود الوقائع كحرب بدر وصفين وَلَا يشْتَرك النَّاس فِي دركه حَتَّى كَانَ لَا يقدر اُحْدُ على ان يشكك فِيهِ نَفسه وَلَيْسَ يخفى أَن الْأَمر فِي هَذِه الدَّعَاوَى بالضد إِذْ لَو كلف الْإِنْسَان ان يَتَّسِع لتجويز مَا قَالُوهُ وإمكانه لم يتَمَكَّن بل علم قطعا خِلَافه فَكيف يتَصَوَّر الطمع فِي اثباته وَكَيف يتواقحون على دَعْوَاهُ وَقد اخْتلف الْقَائِلُونَ بِوُجُوب الإِمَام الْمَعْصُوم

стр. 135

فِي جمَاعَة من الْأَئِمَّة بزعمهم انه خلف ولدا اَوْ لم يخلف وَاخْتلفُوا فِي تعْيين الْإِمَامَة فِي بَعضهم وَاخْتلفُوا فِي ظُهُوره فَقَالَ قَائِلُونَ الإِمَام مَوْجُود وَلكنه لَيْسَ يظْهر تقية وَقَالَ آخَرُونَ هوظاهر فَكيف خالفهم اصحابهم وان كَانُوا قد عرفُوا ذَلِك بِنَصّ متواتر فَكيف قبلوه من الْآحَاد ان لم يكن متواتر وَقَول الْآحَاد لَا يُورث إِلَّا الظَّن فاستبان ان مَا ذَكرُوهُ طمع فِي غير مطمع وفزع الى غير مفزع ومثالهم فِي الْفِرَار من مَسْلَك النّظر الى مَسْلَك النَّص مِثَال من يمِيل من البلل الى الْغَرق فَإِن المسلك الأول أقرب إِلَى التلبيس من هَذَا المسلك فَإِن قَالَ قَائِل قد طولتم الْأَمر عَلَيْهِم وأحرجتموهم إِلَى اثبات النَّص على عَليّ ثمَّ إِثْبَات النَّص من كل وَاحِد من أعقابه ولدا ولدا ثمَّ صِحَة نسبه ثمَّ استفاضة هَذِه الْأَخْبَار اولا ووسطا وآخرا وهم يستغنون عَن جَمِيع ذَلِك بِخَبَر وَاحِد وَهُوَ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الْإِمَامَة بعدِي لعَلي وَبعده لأولاده لَا تخرج من نسبي وَلَا يَنْقَطِع نسبي أصلا وَلَا يَمُوت وَاحِد مِنْهُم قبل تَوليته الْعَهْد لوَلَده وَهَذَا الْقدر يكفيهم قُلْنَا نعم يكفيهم هَذَا الْقدر إِن كَانَ كل مَا يخْطر بالبال ويوافق شَهْوَة الضلال يُمكن اختراعه وَنَقله متواترا وَلَكِن هَذَا على

стр. 136

هَذَا الْوَجْه لم يَقع وَلَا نقل وَلَا إدعى مُدع وُقُوعه مُعْتَقدًا بِالْبَاطِلِ وَلَا على سَبِيل العناد فضلا عَن أَن ينْطق بِهِ عَن الإعتقاد وَنقل هَذَا النَّص وَدَعوى التَّوَاتُر فِيهِ كدعوى من نقل مضاده وَهُوَ ان الْإِمَامَة لَيست لعَلي بعدِي وَإِنَّمَا هِيَ لابي بكر وانما تكون بعده بِالِاخْتِيَارِ والشورى وان من ادّعى النَّص اَوْ اخْتِصَاص الْإِمَامَة بأولاده من سَائِر قُرَيْش فَهُوَ كَاذِب مُبْطل فَكَمَا نعلم ان هَذَا الْخَبَر لم يكن وَلم ينْقل لاآحادا وَلَا تواترا نعلم ذَلِك فَمَا يناقضه وَمهما فتح بَاب الاختراع اشْترك فِي الاقتدار عَلَيْهِ كل من يحاول اللجاج والنزاع وَذَلِكَ مِمَّا لَا يستحله ذَوُو الدّين أصلا فَإِن قَالَ قَائِل هَذِه الدعاوي لَا تستتب لهَؤُلَاء فَهَل تستتب للإمامية فِي دَعْوَى النَّص على عَليّ ﵁ قُلْنَا لَا انما الَّذِي يستتب لَهُم دَعْوَى الفاظ مُحْتَملَة نقلهَا الْآحَاد فَأَما اللَّفْظ الَّذِي هُوَ نَص صَرِيح فَلَا وَدَعوى التَّوَاتُر أَيْضا لَا يُمكن وتيك الالفاظ كَمَا رووا أَنه قَالَ من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ وَقَوله أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى الى غير ذَلِك من الْأَلْفَاظ المحتملة لَا تجْرِي مجْرى النُّصُوص الصَّرِيحَة فَأَما دَعْوَى النَّص الصَّرِيح الْمُتَوَاتر فمحال من وُجُوه مَوضِع استقصائها فِي كتاب الْإِمَامَة من علم الْكَلَام وَلَيْسَ من غرضنا الْآن وَلَكنَّا نذْكر استحالته بمسلكين احدهما انه لَو كَانَ ذَلِك متواتر لما شككنا فِيهِ كَمَا لم يشك فِي وجود عَليّ ﵁ وَلَا فِي انتصابه للخلافة بعد رَسُول الله ﷺ وَلَا فِي امْر

стр. 137

رَسُول الله ﷺ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَام وَالزَّكَاة وَالْحج فان قَوْله ﵇ فِي التَّنْصِيص على الْخلَافَة بعده على مَلأ من النَّاس لَيْسَ قولا يستحقر فَيسْتر وَلَا يتساهل فِي سَمَاعه فيهمل بل تتوفر الدَّوَاعِي على اشاعته وَلَا تسمح النُّفُوس بإخفائه وَالسُّكُوت عَنهُ وَلم تسمح بِالسُّكُوتِ عَن أَخْبَار وأحوال تقع دون ذَلِك فِي الرُّتْبَة فَهَذَا قَاطع فِي بطلَان دَعوَاهُم الْخَبَر الْمُتَوَاتر وعَلى هَذِه الْجُمْلَة فَلَا تتَمَيَّز دَعوَاهُم عَن دَعْوَى البكرية حَيْثُ قَالُوا إِن النَّبِي ﷺ نَص على أبي بكر ﵁ نصا صَرِيحًا متواترا وَلَا عَن دَعْوَى الروندية إِذْ قَالُوا إِنَّه نَص على الْعَبَّاس نصا متواترا وَهَذِه الاقاويل متعارضة لانها لم تعرف وَلم تظهر بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ عِنْد الْخَوْض فِي الْإِمَامَة فَلَا تبقى بعد ذَلِك رِيبَة فِي بطلَان هَذِه الدَّعْوَى المسلك الثَّانِي أَن الَّذين نازعوا فِي إِمَامَة أبي بكر وتصدوا للنضال عَن عَليّ ﵄ تمسكوا فِي نصرته بِأَلْفَاظ مُحْتَملَة نقلهَا آحَاد كَقَوْلِه ﵇ من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ وَقَوله أَنْت مني

стр. 138

بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى وَكَيف سكتوا عَن النَّص الْمُتَوَاتر الَّذِي لايتطرق التَّأْوِيل الى مَتنه والطعن على سَنَده وَمَعْلُوم ان النُّفُوس فِي مثل هَذِه المثارات تضطرب بأقصى الْإِمْكَان ولاتتعلق بالشبه إِلَّا عِنْد الْعَجز عَن الْبُرْهَان فَهَذَا أَيْضا يعرف الْمنصف ضَرُورَة كذب المخترعين لهَذِهِ الْأُمُور وَإِنَّمَا هدَاهُم إِلَى اختراع دَعْوَى النَّص الْمُتَوَاتر طَائِفَة من الْمُلْحِدِينَ أَرَادو الطعْن على الدّين وهم الَّذين لقنوا الْيَهُود أَن ينقلوا عَن مُوسَى نصا بانه خَاتم النبين وانه قَالَ للْيَهُود عَلَيْكُم بالسبت مَا دَامَت السَّمَوَات والارضون وَكَانَ سسبيلنا فِي الرَّد عَلَيْهِم ان الْيَهُود مَعَ مَا جرى عَلَيْهِم من الذل والإرقاق والسبى للذراري وَالْأَوْلَاد وتخريب الْبِلَاد وَسَفك الدِّمَاء فِي طول زمَان رَسُول الله ﷺ كَانُوا يحتالون بِكُل حِيلَة فِي طمس شَرِيعَته وتطفئة نوره وَدفع استيلائه فَلم لم ينقلوا عَن مُوسَى ﵇ ذَلِك وَلم لم يَقُولُوا لَهُ مَا جِئْت إِلَّا بِتَصْدِيق مُوسَى وانه قَالَ أَنا خَاتم النبين وَمَعْلُوم ان الدَّوَاعِي تتوافر على نقل مثل ذَلِك توافرا لَا يُطَاق السُّكُوت مَعَه وَقد كَانَ فيهم الْأَحْبَار والمتقدمون وَكلهمْ كَانُوا مضطرين تَحت الْقَهْر والذل متعطشين إِلَى دفع حجَّته بأقصى الْجد وَهَذَا بِعَيْنِه هُوَ الَّذِي يكْشف عَن

стр. 139

اختراع هَؤُلَاءِ وتهجمهم على الإختلاق والتخرص فَإِن قيل لَعَلَّه تمسك بِهِ المتمسكون إِلَّا أَنه اندرس وَلم ينْقل إِلَيْنَا قُلْنَا كَيفَ نقل إِلَيْنَا التَّمَسُّك بالألفاظ الظَّاهِرَة وَنقل الْمُنَازعَة فِي الْإِمَامَة من الْأَنْصَار وَقَول قَائِلهمْ أَنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب والدواعي على نقل النَّص أوفر وَلَو جَازَ فتح هَذَا الْبَاب لجَاز لكل ملحد إِذا احتججنا عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ وَعجز الْخلق عَن معارضته وَبينا بِهِ صدق مُحَمَّد ﷺ أَن يَقُول لَعَلَّه عورض وَلكنه لم ينْقل وتعاطي الْمُسلمُونَ إخفاءه فَإِن قيل أَنْتُم مضطرون الى معرفَة هَذَا الْخَبَر الْمُتَوَاتر وَلَكِنَّكُمْ تعاندون فِي إخفائه تعصبا قُلْنَا وَلم تنكرون على من يقلب عَلَيْكُم وَيَقُول انتم تعرفُون بطلَان مَا ينقلون ضَرُورَة وَلَكِنَّكُمْ تعاندون فِي الإختراع وَبِمَ تنفصلون عَن البكرية والروندية إِذا ادعوا ذَلِك فِي النَّص على ابي بكر وَالْعَبَّاس ﵄ فَإِن قيل ألستم تدعون فِي معجزات الرَّسُول ﷺ انْشِقَاق الْقَمَر وَكَلَام الذِّئْب وحنين الْجذع وتكثير الطَّعَام الْقَلِيل إِلَى غير ذَلِك مِمَّا أنكرهُ كَافَّة الْكفَّار وَطَوَائِف من الْمُسلمين وَلم يكن خلافهم

стр. 140

مَانِعا لكم من دَعْوَى التَّوَاتُر قُلْنَا نَحن لَا ندعي التَّوَاتُر الَّذِي يُوجب الْعلم الضَّرُورِيّ إِلَّا فِي الْقُرْآن أما مَا عداهُ من هَذِه المعجزات فَلَو نقلهَا خلق كثير بلغُوا حد التَّوَاتُر لما تصوروا الشَّك فِيهَا وانما نقلهَا جمَاعَة دون تِلْكَ الْكَثْرَة يعرف صدقهم بضروب من الْأَدِلَّة النظرية وَالِاسْتِدْلَال بالقرائن الخالية من رواتيهم ذَلِك وسكوت الآخرين عَن الْإِنْكَار الى غير ذَلِك من الامور الَّتِي يتَوَصَّل إِلَى استفادة الْعلم مِنْهَا عِنْد إمعان النّظر فِيهَا بدقيق الْفِكر وَمن أعرض عَن النّظر فِي تيك الدَّلَائِل والقرائن وَلم يَتَأَمَّلهَا حق التَّأَمُّل لم يحصل لَهُ الْعلم وَأما انتم فَلَا تقنعون فِي خبركم بِالنَّقْلِ من عدد دون عدد التَّوَاتُر وَلَا بِالْحَاجةِ فِيهِ الى النّظر وَالِاسْتِدْلَال والتأمل فانكم تبطلون طرق النّظر فَلَا تستقيم هَذِه الْمُقَابلَة مِنْكُم فان قيل انْشِقَاق الْقَمَر من الْآيَات العلوية والبراهين السماوية فَكيف يتَصَوَّر ان يخْتَص بمشاهدته عدد دون عدد التَّوَاتُر قُلْنَا وَلَو شَاهده عدد التَّوَاتُر كَيفَ كَانَ يتَصَوَّر التَّرَدُّد فِيهِ وَالْإِنْكَار لَهُ وَهل ترى احدا يتَرَدَّد فِي وجود مَكَّة وَوُجُود أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَسَائِر الْمَشْهُورين وَهِي من الْأُمُور الأرضية وَهل ترى أَن أحدا يتَرَدَّد فِي أَن الشَّمْس كَانَت تطلع فِي أَيَّام نوح ﵇ ضربا للمثل فَإِن ذَلِك لما كَانَ من الْأُمُور المتواترة لم تتَصَوَّر الاسترابة فِيهِ يبْقى قَوْلكُم إِنَّه كَيفَ اخْتصَّ بمشاهدة انْشِقَاق الْقَمَر طَائِفَة فقد قَالَ الْعلمَاء الأصوليون المنكرون لالتباس مَا يتواتر من الْأَخْبَار هَذِه آيَة ليلية فِي وَقت كَانَ النَّاس فِيهِ نياما أَو كَانُوا تَحت السقوف والظلال والأستار والمصحرون مِنْهُم المنتبهون لَا تستحيل عَلَيْهِم الْغَفْلَة فِي لَحْظَة فَيكون ذَلِك مثل انقضاض كَوْكَب تخْتَص بمشاهدته شرذمة قَليلَة

стр. 141

وَذَلِكَ مُمكن فَلم يكن الانشقاق أمرا دَائِما زَمَانا طَويلا فَلَيْسَ يمْتَنع أَن يخْتَص بمشاهدته من حدق إِلَيْهِ بَصَره مِمَّن كَانَ حول رَسُول الله ﷺ حَيْثُ احْتج على قُرَيْش بانشقاق الْقَمَر وَقَالَ قَائِلُونَ أَيْضا يحْتَمل أَن يكون الله تَعَالَى خصص بِرُؤْيَة ذَلِك من حَاج النَّبِي ﷺ فِي تِلْكَ السَّاعَة وناظره حَيْثُ قَالَ ﷺ آيتي أَنكُمْ ترفعون روؤسكم فترون الْقَمَر منشقا وحجب الله أبصار سَائِر الْخلق عَن رُؤْيَته بحجاب اَوْ سَحَاب اَوْ تسليط عقله وَصرف دَاعِيَة النّظر لمصْلحَة الْخلق فِيهِ حَتَّى لَا يتحدى لنَفسِهِ بعض الْكَذَّابين فِي الْأَمْصَار فيستدل بِهِ على صدق نَفسه اَوْ يكون معْجزَة للنَّبِي ﷺ من وَجْهَيْن خارقين للْعَادَة احدهما إِظْهَاره لَهُم وَالْآخر اخفاؤه عَن غَيرهم وَهَذِه الِاحْتِمَالَات ذكرهَا الْعلمَاء حَتَّى قَالَ بَعضهم ان انْشِقَاق الْقَمَر ثَبت بِالْقُرْآنِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر﴾ وَالْكَلَام فِيهِ طَوِيل وعَلى الْأَحْوَال كلهَا فَمَا بلغ حد التَّوَاتُر لَا يتَصَوَّر التشكك فِيهِ هَذِه قَاعِدَة مَعْلُومَة عَلَيْهَا تبنى جَمِيع قَوَاعِد الدّين ولولاه لما حصلت الثِّقَة بأخبار التَّوَاتُر وَلما عرفنَا شَيْئا من أَقْوَال رَسُول الله ﷺ إِلَّا بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْكَلَام فِي هَذَا يحْتَمل الإطناب وَلكنه بعيد عَن مَقْصُود الْكتاب فَرَأَيْت الإيجاز فِيهِ أولى

стр. 142

الْفَصْل الثَّانِي فِي إبِْطَال قَوْلهم إِن الامام لَا بُد أَن يكون مَعْصُوما من الْخَطَأ والزلل والصغائر والكبائر فَنَقُول لَهُم وبماذا عَرَفْتُمْ صِحَة كَونه مَعْصُوما وَوُجُود عصمته أبضرورة الْعقل اَوْ بنظره اَوْ سَماع خبر متواتر عَن رَسُول الله ﷺ يُورث الْعلم الضَّرُورِيّ وَلَا سَبِيل الى دَعْوَى الضَّرُورَة وَلَا إِلَى دَعْوَى الْخَبَر الْمُتَوَاتر الْمُفِيد للْعلم الضَّرُورِيّ لَان كَافَّة الْخلق تشترك فِي دركه وَكَيف يَدعِي ذَلِك وأصل وجود الْأَمَام لَا يعرف ضَرُورَة بل نَازع منازعون فِيهِ فَكيف تعلم عصمته ضَرُورَة وان ادعيتم ذَلِك بِنَظَر الْعقل فَنظر الْعقل عنْدكُمْ بَاطِل وان سَمِعْتُمْ من قَول إمامكم أَن الْعِصْمَة وَاجِبَة للْإِمَام فَلم صدقتموه قبل معرفَة عصمته بِدَلِيل آخر وَكَيف يجوز أَن تعرف إِمَامَته وعصمته بِمُجَرَّد قَوْله على أَن نقُول أَي نظر عرفكم وجوب عصمَة الْأَمَام فَلَا بُد من الْكَشْف عَنهُ فَإِن قيل الدَّلِيل عَلَيْهِ وجوب الِاتِّفَاق على كَون النَّبِي ﷺ مَعْصُوما وَلم نحكم بِوُجُوب عصمته إِلَّا لأَنا بواسطته نَعْرِف الْحق وَمِنْه نتلقفه ونستفيده وَلَو جَوَّزنَا عَلَيْهِ الْخَطَأ وَالْمَعْصِيَة سَقَطت الثِّقَة بقوله فَمَا من قَول يصدر عَنهُ إِلَّا ونتصور أَن يُقَال لَعَلَّه أَخطَأ فِيهِ اَوْ تعتمد الْكَذِب فَإِن الْمعْصِيَة لَيست مستحلية عَلَيْهِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا وَجه لَهُ فَكَذَلِك الإِمَام مِنْهُ نَلْتَقِي الْحق واليه نرْجِع فِي المشكلات كَمَا كُنَّا نرْجِع الى رَسُول الله ﷺ فانه خَلِيفَته وَبِه نستضئ فِي مشكلات التَّأْوِيل والتنزيل وأحوال الْقِيَامَة والحشر والنشر

стр. 143

فَإِن لم تثبت عصمته فَكيف يوثق بِهِ قُلْنَا مثار غلطكم ظنكم أَنا نحتاج الى الإِمَام لنستفيد مِنْهُ الْعُلُوم ونصدقه فِيهَا وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن الْعُلُوم منقسمة الى عقلية وسمعية أما الْعَقْلِيَّة فتنقسم ألى قَطْعِيَّة وظنية وَلكُل وَاحِد من الْقطع وَالظَّن مَسْلَك يُفْضِي اليه وَيدل عَلَيْهِ وَتعلم ذَلِك مِمَّن يُعلمهُ وَلَو من افسق الْخلق مُمكن فانه لَا تَقْلِيد فِيهِ وانما المتبع وَجه الدَّلِيل وَأما السمعيات فمسندها سَماع اما متواتر وَإِمَّا آحَاد والمتواتر تشترك الكافة فِي دركه وَلَا فرق بَين الإِمَام وَبَين غَيره والآحاد لَا تفِيد إِلَّا ظنا سَوَاء كَانَ الْمبلغ إِلَيْهِ اَوْ الْمبلغ الإِمَام أَو غَيره وَالْعَمَل بِالظَّنِّ فِيمَا يتَعَلَّق بالعمليات وَاجِب شرعا والوصول الى الْعلم فِيهِ لَيْسَ بِشَرْط وَلذَلِك يجب عِنْدهم تَصْدِيق الدعاة المنتشرين فِي أقطار الأَرْض مَعَ أَنه لَا عصمَة لَهُم أصلا وَكَذَلِكَ كَانَ وُلَاة رَسُول الله ﷺ فِي زَمَانه فَإِذا لَا حَاجَة إِلَى عصمَة الإِمَام فَإِن الْعُلُوم يشْتَرك فِي تَحْصِيلهَا الْكل وَالْإِمَام لَا يُولد عَالما وَلَا يوحي اليه وَلكنه متعلم وَطَرِيق تعلم غَيره كتعلمه من غير فرق فَإِن قيل فلماذا نحتاج إِلَى الإِمَام إِذْ كَانَ يسْتَغْنى عَنهُ فِي التَّعْلِيم قُلْنَا ولماذا يحْتَاج فِي كل بلد الى قَاض وَهل يدل الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ

стр. 144

على أَنه لَا بُد أَن يكون مَعْصُوما فَيَقُولُونَ انما نحتاج اليه لدفع الْخُصُومَات وَجمع شتات الْأُمُور وَجزم القَوْل فِي المجتهدات وَإِقَامَة حُدُود الله تَعَالَى وَاسْتِيفَاء حُقُوقه وصرفها الى مستحقيها إِذْ لَا سَبِيل الى تعطيلها وَلَا سَبِيل إِلَى تفويضها الى كَافَّة الْخلق فيتزاحمون عَلَيْهَا متقاتلين ويتكاسلون عَنْهَا متواكلين ومتخاذلين فتعطل الْأُمُور فجملة الدُّنْيَا فِي حق الإِمَام كبلدة وَاحِدَة فِي حق القَاضِي فَكَمَا يسْتَغْنى عَن عصمَة القَاضِي فِي الْبَلَد وَيحْتَاج الى قَضَائِهِ فَكَذَلِك يسْتَغْنى عَن عصمَة الامام وَيحْتَاج إِلَيْهِ كَمَا يحْتَاج الى الْقُضَاة ولأمور أخر كُلية سياسية من حراسة الْإِسْلَام والذب عَن بيضته والنضال دون حوزته وحشد العساكر والجنود الى اهل الطغيان والعناد وتطهير وَجه الأَرْض عَن الطغاة والبغاة والساعين فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ وملاحظة أَطْرَاف الْبِلَاد بِالْعينِ الكالئة حَتَّى إِذا ثارت فتْنَة بَادر إِلَى الْأَمر بتطفئتها وَإِذا نبغت نَابِغَة تقدم عى الْفَوْر بإزالتها قبل أَن تسحكم غائلتها وتستطير فِي الأَرْض نائرتها هَذَا وَمَا يجْرِي مجْرَاه هُوَ الَّذِي يُرَاد لاجله الإِمَام وَذَلِكَ يحْتَاج الى عَدَالَة وَعلم ونجدة وكفاية وصرامة وشرائط آخر سنذكرها فِي الْبَاب التَّاسِع

стр. 145

فَأَما الْعِصْمَة فيستغنى عَنْهَا كَمَا فِي حق الْقُضَاة والولاة فَإِن منعُوا وإدعوا الْعِصْمَة للقضاة والولاة وكل مترشح لإمر من الْأُمُور من جِهَة الإِمَام وَهَذَا مَا اعتقده الإمامية حَتَّى اورد عَلَيْهِم الحارس والمتعسس والبواب ويرتبط بِكُل وَاحِد مِنْهُم امْر فَأَجَابُوا بِأَن هَذِه الْأُمُور إِنَّا كَانَت امورا دينية شرطت الْعِصْمَة فِي المتكفلين بهَا والمنتصب لَهَا بِنصب الامام لَا يكون إِلَّا مَعْصُوما ونعوذ بِاللَّه من اعْتِقَاد مَذْهَب يضْطَر ناصره والذاب عَنهُ إِلَى ان يجاحد مَا يُشَاهِدهُ ويدركه على البديهة والضرورة فالظلم على طَبَقَات النَّاس مشَاهد من أَحْوَال المتصبين من جِهَة إمَامهمْ وَلَا يَنْفَكّ أورع متدين مِنْهُم عَن استحلال الْأَمْوَال الْمَغْصُوبَة باسم الْخراج والضريبة من اموال الْمُسلمين الْعلم بِتَحْرِيمِهِ وَمهما انْتهى كَلَام الْخصم الى مجاحدة الضَّرُورَة فَلَا وَجه الا الْكَفّ عَنهُ والاقتصار على تعزيته فِيمَا اصيب بِهِ من عقله الْبَاب الثَّامِن
следующие страницы →