← Акыда

Акыда · id 6554

فضائح الباطنية

أبو حامد الغزالي

Полный текст (226 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وَذَلِكَ مُمكن فَلم يكن الانشقاق أمرا دَائِما زَمَانا طَويلا فَلَيْسَ يمْتَنع أَن يخْتَص بمشاهدته من حدق إِلَيْهِ بَصَره مِمَّن كَانَ حول رَسُول الله ﷺ حَيْثُ احْتج على قُرَيْش بانشقاق الْقَمَر وَقَالَ قَائِلُونَ أَيْضا يحْتَمل أَن يكون الله تَعَالَى خصص بِرُؤْيَة ذَلِك من حَاج النَّبِي ﷺ فِي تِلْكَ السَّاعَة وناظره حَيْثُ قَالَ ﷺ آيتي أَنكُمْ ترفعون روؤسكم فترون الْقَمَر منشقا وحجب الله أبصار سَائِر الْخلق عَن رُؤْيَته بحجاب اَوْ سَحَاب اَوْ تسليط عقله وَصرف دَاعِيَة النّظر لمصْلحَة الْخلق فِيهِ حَتَّى لَا يتحدى لنَفسِهِ بعض الْكَذَّابين فِي الْأَمْصَار فيستدل بِهِ على صدق نَفسه اَوْ يكون معْجزَة للنَّبِي ﷺ من وَجْهَيْن خارقين للْعَادَة احدهما إِظْهَاره لَهُم وَالْآخر اخفاؤه عَن غَيرهم وَهَذِه الِاحْتِمَالَات ذكرهَا الْعلمَاء حَتَّى قَالَ بَعضهم ان انْشِقَاق الْقَمَر ثَبت بِالْقُرْآنِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر﴾ وَالْكَلَام فِيهِ طَوِيل وعَلى الْأَحْوَال كلهَا فَمَا بلغ حد التَّوَاتُر لَا يتَصَوَّر التشكك فِيهِ هَذِه قَاعِدَة مَعْلُومَة عَلَيْهَا تبنى جَمِيع قَوَاعِد الدّين ولولاه لما حصلت الثِّقَة بأخبار التَّوَاتُر وَلما عرفنَا شَيْئا من أَقْوَال رَسُول الله ﷺ إِلَّا بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْكَلَام فِي هَذَا يحْتَمل الإطناب وَلكنه بعيد عَن مَقْصُود الْكتاب فَرَأَيْت الإيجاز فِيهِ أولى

стр. 142

الْفَصْل الثَّانِي فِي إبِْطَال قَوْلهم إِن الامام لَا بُد أَن يكون مَعْصُوما من الْخَطَأ والزلل والصغائر والكبائر فَنَقُول لَهُم وبماذا عَرَفْتُمْ صِحَة كَونه مَعْصُوما وَوُجُود عصمته أبضرورة الْعقل اَوْ بنظره اَوْ سَماع خبر متواتر عَن رَسُول الله ﷺ يُورث الْعلم الضَّرُورِيّ وَلَا سَبِيل الى دَعْوَى الضَّرُورَة وَلَا إِلَى دَعْوَى الْخَبَر الْمُتَوَاتر الْمُفِيد للْعلم الضَّرُورِيّ لَان كَافَّة الْخلق تشترك فِي دركه وَكَيف يَدعِي ذَلِك وأصل وجود الْأَمَام لَا يعرف ضَرُورَة بل نَازع منازعون فِيهِ فَكيف تعلم عصمته ضَرُورَة وان ادعيتم ذَلِك بِنَظَر الْعقل فَنظر الْعقل عنْدكُمْ بَاطِل وان سَمِعْتُمْ من قَول إمامكم أَن الْعِصْمَة وَاجِبَة للْإِمَام فَلم صدقتموه قبل معرفَة عصمته بِدَلِيل آخر وَكَيف يجوز أَن تعرف إِمَامَته وعصمته بِمُجَرَّد قَوْله على أَن نقُول أَي نظر عرفكم وجوب عصمَة الْأَمَام فَلَا بُد من الْكَشْف عَنهُ فَإِن قيل الدَّلِيل عَلَيْهِ وجوب الِاتِّفَاق على كَون النَّبِي ﷺ مَعْصُوما وَلم نحكم بِوُجُوب عصمته إِلَّا لأَنا بواسطته نَعْرِف الْحق وَمِنْه نتلقفه ونستفيده وَلَو جَوَّزنَا عَلَيْهِ الْخَطَأ وَالْمَعْصِيَة سَقَطت الثِّقَة بقوله فَمَا من قَول يصدر عَنهُ إِلَّا ونتصور أَن يُقَال لَعَلَّه أَخطَأ فِيهِ اَوْ تعتمد الْكَذِب فَإِن الْمعْصِيَة لَيست مستحلية عَلَيْهِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا وَجه لَهُ فَكَذَلِك الإِمَام مِنْهُ نَلْتَقِي الْحق واليه نرْجِع فِي المشكلات كَمَا كُنَّا نرْجِع الى رَسُول الله ﷺ فانه خَلِيفَته وَبِه نستضئ فِي مشكلات التَّأْوِيل والتنزيل وأحوال الْقِيَامَة والحشر والنشر

стр. 143

فَإِن لم تثبت عصمته فَكيف يوثق بِهِ قُلْنَا مثار غلطكم ظنكم أَنا نحتاج الى الإِمَام لنستفيد مِنْهُ الْعُلُوم ونصدقه فِيهَا وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن الْعُلُوم منقسمة الى عقلية وسمعية أما الْعَقْلِيَّة فتنقسم ألى قَطْعِيَّة وظنية وَلكُل وَاحِد من الْقطع وَالظَّن مَسْلَك يُفْضِي اليه وَيدل عَلَيْهِ وَتعلم ذَلِك مِمَّن يُعلمهُ وَلَو من افسق الْخلق مُمكن فانه لَا تَقْلِيد فِيهِ وانما المتبع وَجه الدَّلِيل وَأما السمعيات فمسندها سَماع اما متواتر وَإِمَّا آحَاد والمتواتر تشترك الكافة فِي دركه وَلَا فرق بَين الإِمَام وَبَين غَيره والآحاد لَا تفِيد إِلَّا ظنا سَوَاء كَانَ الْمبلغ إِلَيْهِ اَوْ الْمبلغ الإِمَام أَو غَيره وَالْعَمَل بِالظَّنِّ فِيمَا يتَعَلَّق بالعمليات وَاجِب شرعا والوصول الى الْعلم فِيهِ لَيْسَ بِشَرْط وَلذَلِك يجب عِنْدهم تَصْدِيق الدعاة المنتشرين فِي أقطار الأَرْض مَعَ أَنه لَا عصمَة لَهُم أصلا وَكَذَلِكَ كَانَ وُلَاة رَسُول الله ﷺ فِي زَمَانه فَإِذا لَا حَاجَة إِلَى عصمَة الإِمَام فَإِن الْعُلُوم يشْتَرك فِي تَحْصِيلهَا الْكل وَالْإِمَام لَا يُولد عَالما وَلَا يوحي اليه وَلكنه متعلم وَطَرِيق تعلم غَيره كتعلمه من غير فرق فَإِن قيل فلماذا نحتاج إِلَى الإِمَام إِذْ كَانَ يسْتَغْنى عَنهُ فِي التَّعْلِيم قُلْنَا ولماذا يحْتَاج فِي كل بلد الى قَاض وَهل يدل الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ

стр. 144

على أَنه لَا بُد أَن يكون مَعْصُوما فَيَقُولُونَ انما نحتاج اليه لدفع الْخُصُومَات وَجمع شتات الْأُمُور وَجزم القَوْل فِي المجتهدات وَإِقَامَة حُدُود الله تَعَالَى وَاسْتِيفَاء حُقُوقه وصرفها الى مستحقيها إِذْ لَا سَبِيل الى تعطيلها وَلَا سَبِيل إِلَى تفويضها الى كَافَّة الْخلق فيتزاحمون عَلَيْهَا متقاتلين ويتكاسلون عَنْهَا متواكلين ومتخاذلين فتعطل الْأُمُور فجملة الدُّنْيَا فِي حق الإِمَام كبلدة وَاحِدَة فِي حق القَاضِي فَكَمَا يسْتَغْنى عَن عصمَة القَاضِي فِي الْبَلَد وَيحْتَاج الى قَضَائِهِ فَكَذَلِك يسْتَغْنى عَن عصمَة الامام وَيحْتَاج إِلَيْهِ كَمَا يحْتَاج الى الْقُضَاة ولأمور أخر كُلية سياسية من حراسة الْإِسْلَام والذب عَن بيضته والنضال دون حوزته وحشد العساكر والجنود الى اهل الطغيان والعناد وتطهير وَجه الأَرْض عَن الطغاة والبغاة والساعين فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ وملاحظة أَطْرَاف الْبِلَاد بِالْعينِ الكالئة حَتَّى إِذا ثارت فتْنَة بَادر إِلَى الْأَمر بتطفئتها وَإِذا نبغت نَابِغَة تقدم عى الْفَوْر بإزالتها قبل أَن تسحكم غائلتها وتستطير فِي الأَرْض نائرتها هَذَا وَمَا يجْرِي مجْرَاه هُوَ الَّذِي يُرَاد لاجله الإِمَام وَذَلِكَ يحْتَاج الى عَدَالَة وَعلم ونجدة وكفاية وصرامة وشرائط آخر سنذكرها فِي الْبَاب التَّاسِع

стр. 145

فَأَما الْعِصْمَة فيستغنى عَنْهَا كَمَا فِي حق الْقُضَاة والولاة فَإِن منعُوا وإدعوا الْعِصْمَة للقضاة والولاة وكل مترشح لإمر من الْأُمُور من جِهَة الإِمَام وَهَذَا مَا اعتقده الإمامية حَتَّى اورد عَلَيْهِم الحارس والمتعسس والبواب ويرتبط بِكُل وَاحِد مِنْهُم امْر فَأَجَابُوا بِأَن هَذِه الْأُمُور إِنَّا كَانَت امورا دينية شرطت الْعِصْمَة فِي المتكفلين بهَا والمنتصب لَهَا بِنصب الامام لَا يكون إِلَّا مَعْصُوما ونعوذ بِاللَّه من اعْتِقَاد مَذْهَب يضْطَر ناصره والذاب عَنهُ إِلَى ان يجاحد مَا يُشَاهِدهُ ويدركه على البديهة والضرورة فالظلم على طَبَقَات النَّاس مشَاهد من أَحْوَال المتصبين من جِهَة إمَامهمْ وَلَا يَنْفَكّ أورع متدين مِنْهُم عَن استحلال الْأَمْوَال الْمَغْصُوبَة باسم الْخراج والضريبة من اموال الْمُسلمين الْعلم بِتَحْرِيمِهِ وَمهما انْتهى كَلَام الْخصم الى مجاحدة الضَّرُورَة فَلَا وَجه الا الْكَفّ عَنهُ والاقتصار على تعزيته فِيمَا اصيب بِهِ من عقله الْبَاب الثَّامِن

стр. 146

فِي الْكَشْف عَن فَتْوَى الشَّرْع فِي حَقهم من التفكير وَسَفك الدَّم ومضمون هَذَا الْبَاب فَتَاوَى فقهية ونحصر مَقْصُوده فِي فُصُول أَرْبَعَة الْفَصْل الأول فِي تكفيرهم أَو تضليلهم أَو تخطئتهم وَمهما سئلنا عَن وَاحِد مِنْهُم أَو عَن جَمَاعَتهمْ وَقيل لنا هَل تحكمون بكفرهم لم نتسارع إِلَى التَّكْفِير إِلَّا بعد السُّؤَال عَن معتقدهم ومقالتهم ونراجع الْمَحْكُوم عَلَيْهِ أَو نكشف عَن معتقدهم بقول عدُول يجوز الِاعْتِمَاد على شَهَادَتهم فَإِذا عرفنَا حَقِيقَة الْحَال حكمنَا بِمُوجبِه ولمقالتهم مرتبتان إِحْدَاهمَا توجب التخطئة والتضليل والتبديع وَالْأُخْرَى توجب التَّكْفِير والتبري فالمرتبة الأولى وَهِي الَّتِي توجب التخطئة والتضليل والتبديع هِيَ أَن تصادف عاميا يعْتَقد أَن اسْتِحْقَاق الْإِمَامَة فِي أصل الْبَيْت وَأَن الْمُسْتَحق الْيَوْم المتصدي لَهَا مِنْهُم وَأَن الْمُسْتَحق لَهَا فِي الْعَصْر الأول كَأَن هُوَ على رضى الله عَنهُ فَدفع عَنْهَا بِغَيْر اسْتِحْقَاق وَزعم مَعَ ذَلِك أَن الإِمَام مَعْصُوم عَن الْخَطَأ والزلل فانه لَا بُد أَن يكون مَعْصُوما وَمَعَ ذَلِك فَلَا يسْتَحل سفك دمائنا

стр. 147

وَلَا يعْتَقد كفرنا وَلكنه يعْتَقد فِينَا أَنا أهل البغى زلت بصائرنا عَن دَرك الْحق خطأ إِذْ عدلنا عَن اتِّبَاعه عنادا ونكدا فَهَذَا الشَّخْص لَا يستباح سفك دَمه وَلَا يحكم بِكُفْرِهِ لهَذِهِ الاقاويل بل يحكم بِكَوْنِهِ ضَالًّا مبتدعا فيزجر عَن ضلاله وبدعته بِمَا يَقْتَضِيهِ رَأْي الإِمَام فَأَما أَن يحكم بِكُفْرِهِ ويستباح دَمه بِهَذِهِ المقالات فَلَا وَهَذَا انما يقْتَصر على تضليله وتبديعه إِذْ لم يعْتَقد شَيْئا مِمَّا حكينا من مَذْهَبهم فِي الالهيات وَفِي امور الْحَشْر والنشر وَلكنه لم يعْتَقد فِي جَمِيع ذَلِك إِلَّا مَا نعتقده وانما تميز عَنَّا بالقدرالذي حكيناه الْآن فَأن قيل هلا كفر تموهم بقَوْلهمْ أَن مُسْتَحقّ الْإِمَامَة فِي الصَّدْر الاول كَانَ عليا دون أبي بكر وَعمر وَمن بعده وَأَنه دفع بِالْبَاطِلِ وَفِي ذَلِك خرق الْإِجْمَاع أهل الدّين قُلْنَا لَا ننكر مَا فِيهِ من القحوم على خرق الْإِجْمَاع وَلذَلِك ترقينا من التخطئة الْمُجَرَّدَة (الَّتِي نطلقها ونقتصر عَلَيْهَا فِي الْفُرُوع فِي بعض الْمسَائِل) إِلَى التضليل والتفسيق والتبديع وَلَكِن لَا تَنْتَهِي إِلَى

стр. 148

التَّكْفِير فَلم يبن لنا أَن خارق الْإِجْمَاع كَافِر بل الْخلاف قَائِم بَين الْمُسلمين فِي أَن الْحجَّة هَل تقوم بِمُجَرَّد الْإِجْمَاع (وَقد ذهب النظام وطائفته إِلَى إِنْكَار الْإِجْمَاع وَأَنه لَا تقوم بِهِ حجَّة أصلا) فَمن الْتبس عَلَيْهِ هَذَا الْأَمر لم نكفره بِسَبَبِهِ واقتصرنا على تخطئته وتضليله فَأن قيل وهلا كفرتموهم لقَولهم أَن الإِمَام مَعْصُوم والعصمة عَن الْخَطَأ والزلل وصغير المآثم وكبيرها من خاصية النُّبُوَّة فكأنهم أثبتوا خاصية النُّبُوَّة لغير النَّبِي ﷺ قُلْنَا هَذَا لَا يُوجب الْكفْر وَإِنَّمَا الْمُوجب لَهُ أَن يثبت النُّبُوَّة لغيره بعده وَقد ثَبت أَنه خَاتم النَّبِيين أَو يثبت لغيره منصب النّسخ لشريعته فَأَما الْعِصْمَة فَلَيْسَتْ خاصية النُّبُوَّة وَلَا إِثْبَاتهَا كإثبات النُّبُوَّة فَلَقَد قَالَت طوائف من أَصْحَابنَا الْعِصْمَة لَا تثبت للنَّبِي من الصَّغَائِر وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بقوله تعالي ٨٨ وَعصى آدم ربه فغوى ٨٨ وبجملة من حكايات الْأَنْبِيَاء فَمن يعْتَقد فِي فَاسق أَنه مُطِيع ومعصوم عَن الْفسق لَا يزِيد على من يعْتَقد فِي مُطِيع أَنه فَاسق ومنهمك فِي الْفساد وَلَو اعْتقد إِنْسَان فِي عدل أَنه فَاسق لم يزدْ على تخطئة من اعْتقد فِي غير مَعْصُوم أَنه مَعْصُوم كَيفَ يحكم بِكُفْرِهِ نعم يحكم بحماقته واعتقاده أمرا يكَاد يُخَالف الْمشَاهد من الْأَحْوَال وأمرا لَا يدل عَلَيْهِ نظر الْعقل وَلَا ضَرُورَته

стр. 149

فَأن قيل فَلَو اعْتقد مُعْتَقد فسق أبي بكر وَعمر ﵄ وَطَائِفَة من الصَّحَابَة فَلم يعْتَقد كفرهم فَهَل تحكمون بِكُفْرِهِ قُلْنَا لَا نحكم بِكُفْرِهِ وَإِنَّمَا نحكم بِفِسْقِهِ وضلاله ومخالفته لإِجْمَاع الْأمة وَكَيف نحكم بِكُفْرِهِ وَنحن نعلم أَن الله تَعَالَى لم يُوجب على من قذف مُحصنا بِالزِّنَا إِلَّا ثَمَانِينَ جلدَة ونعلم أَن هَذَا الحكم يشْتَمل كَافَّة الْخلق ويعمهم على وتيرة وَاحِدَة وَأَنه لَو قذف قَاذف أَبَا بكر وَعمر ﵄ بِالزِّنَا لما زَاده على إِقَامَة حد الله الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِي كِتَابه وَلم يدعوا لأَنْفُسِهِمْ التَّمْيِيز بخاصية فِي الْخُرُوج عَن مُقْتَضى الْعُمُوم فَإِن قيل فَلَو صرح مُصَرح بِكفْر أبي بكر وَعمر ﵄ يَنْبَغِي أَن ينزل منزلَة من لَو كفر شخصا آخر من آحَاد الْمُسلمين أَو الْقُضَاة وَالْأَئِمَّة من بعدهمْ قُلْنَا هَكَذَا نقُول فَلَا يُفَارق تكفيرهم تَكْفِير غَيرهم من آحَاد الْأمة والقضاة بل أَفْرَاد الْمُسلمين المعروفين بِالْإِسْلَامِ إلافي شئين أَحدهمَا فِي مُخَالفَة الْإِجْمَاع وخرقه فَأن مكفر غَيرهم رُبمَا لَا يكون خارقا لإِجْمَاع مُعْتَد بِهِ الثَّانِي أَنه ورد فِي حَقهم من الْوَعْد بِالْجنَّةِ وَالثنَاء عَلَيْهِم وَالْحكم بِصِحَّة دينهم وثبات يقينهم وتقدمهم على سَائِر الْخلق أَخْبَار كَثِيرَة فَقَائِل ذَلِك إِن بلغته الْأَخْبَار واعتقد مَعَ ذَلِك كفرهم فَهُوَ كَافِر لَا بتكفيره إيَّاهُم وَلَكِن بتكذيبه رَسُول الله ﷺ فَمن كذبه بِكَلِمَة من أقاويله فَهُوَ كَافِر بِالْإِجْمَاع وَمهما قطع النّظر عَن التَّكْذِيب فِي هَذِه الْأَخْبَار وَعَن خرق

стр. 150

الْإِجْمَاع نزل تكفيرهم منزله سَائِر الْقُضَاة وَالْأَئِمَّة وآحاد الْمُسلمين فَأن قيل فَمَا قَوْلكُم فِيمَن يكفر مُسلما أهوَ كَافِر أم لَا قُلْنَا إِن كَانَ بعرف أَن معتقده التَّوْحِيد وتصديق الرَّسُول ﷺ إِلَى سَائِر المعتقدات الصَّحِيحَة فمهما كفره بِهَذِهِ المعتقدات فَهُوَ كَافِر لِأَنَّهُ رأى الدّين الْحق كفرا وباطلا فَأَما إِذا ظن أَنه يعْتَقد تَكْذِيب الرَّسُول أَو نفى الصَّانِع أَو تثنيته أَو شَيْئا مِمَّا يُوجب التفكير فكفره بِنَاء على هَذَا الظَّن فَهُوَ مُخطئ فِي ظَنّه الْمَخْصُوص بالشخص صَادِق فِي تَكْفِير من يعْتَقد مَا يظنّ أَنه مُعْتَقد هَذَا الشَّخْص وَظن الْكفْر بِمُسلم لَيْسَ بِكفْر كَمَا أنظن الْإِسْلَام بِكَافِر لَيْسَ بِكفْر فَمثل هَذِه الظنون قد تخطئ وتصيب وَهُوَ جهل بِحَال شخص من الاشخاص وَلَيْسَ من شَرط دين الرجل أَن يعرف إِسْلَام كل مُسلم وَكفر كل كَافِر بل مَا من شخص يفْرض الا وَلَو جَهله لم يضرّهُ فِي دينه بل إِذا آمن شخص بِاللَّه وَرَسُوله وواظب على الْعِبَادَات وَلم يسمع باسم أبي بكر وَعمر وَمَات قبل السماع مَاتَ مُسلما فَلَيْسَ الايمأن بهما من أركأن الدّين حَتَّى يكون الْغَلَط فِي صفاتهما مُوجبا للانسلاخ من الدّين وَعند هَذَا ينبغى أنيقبض عنان الْكَلَام فَإِن الغوص فِي هَذِه المغاصة

стр. 151

يفضى إِلَى إشكالات وإثارة تعصبات وَرُبمَا لَا تذعن جَمِيع الأذهان لقبُول الْحق الْمُؤَيد بالبرهان لشدَّة مَا يرسخ فِيهَا من المعتقدات المألوفة الَّتِي وَقع النشوء عَلَيْهَا والتحق بِحكم اسْتِمْرَار الاعتياد بالأخلاق الغريزية الَّتِي يتَعَذَّر إِزَالَتهَا وَبِالْجُمْلَةِ لقَوْل فِيمَا يُوجب الْكفْر والتبرى وَمَا لَا يُوجِبهُ لايمكن اسْتِيفَاؤهُ فِي اقل من مجلدة وَذَلِكَ عِنْد إِيثَار الِاخْتِصَار فِيهِ فلنقتصر فِي هَذَا الْكتاب على الْغَرَض المهم الْمرتبَة الثَّانِيَة المقالات الْمُوجبَة للتكفير وهى أَن يعْتَقد مَا ذَكرْنَاهُ وَيزِيد عَلَيْهِ فيعتقد كفرنا واستباحة أَمْوَالنَا وَسَفك دمائنا فَهَذَا يُوجب التَّكْفِير لَا محَالة لأَنهم عرفُوا أننا نعتقد أَن للْعَالم صانعا وَاحِدًا قَادِرًا عَالما مرِيدا متكلما سميعا بَصيرًا حَيا لَيْسَ كمثله شيءوأن رَسُوله مُحَمَّد بن عبد الله ﷺ صَادِق فِي كل مَا جَاءَ بِهِ من الْحَشْر والنشر وَالْقِيَامَة وَالْجنَّة وَالنَّار وَهَذِه الاعتقادات هِيَ الَّتِي تَدور عَلَيْهَا صِحَة الدّين فَمن رَآهَا كفرا فَهُوَ كَافِر لَا محَالة فَإِن أَنْصَاف إِلَى هَذَا شَيْء مِمَّا حكى من معتقداتهم من إِثْبَات إِلَهَيْنِ وإنكار الْحَشْر والنشر وجحود الْجنَّة وَالنَّار وَالْقِيَامَة فَكل وَاحِد من هَذِه المعتقدات مُوجب للتكفير صدر مِنْهُم أومن غَيرهم فَأن قيل لَو اعْتقد مُعْتَقد وحدانية الْإِلَه وَنفى الشّرك وَلكنه تصرف فِي أَحْوَال النشر والحشر

стр. 152

وَالْجنَّة وَالنَّار بطرِيق التَّأْوِيل للتفصيل دون إِنْكَار الأَصْل بل اعْترف بِأَن الطَّاعَة وموافقة الشَّرْع وكف النَّفس عَن الْمُحرمَات والهوى سَبَب يُفْضِي إِلَى السَّعَادَة وَأَنا لاسترسال على الْهوى وَمُخَالفَة الشَّرْع فِيمَا أَمر وَنهى يَسُوق صَاحبه إِلَى الشقاوة وَلكنه زعم أَنا لسعادة عبارَة عَن لَذَّة روحانية تزيد لذتها على اللَّذَّة الجسمانية الْحَاصِلَة من الْمطعم والمنكح اللَّذين تشترك فيهمَا الْبَهَائِم وتتعالى عَنْهُمَا رُتْبَة الملكية وانما تِلْكَ السَّعَادَة اتِّصَال بالجواهر الْعَقْلِيَّة الملكية وابتهاج بنيل ذَلِك الْكَمَال وَاللَّذَّات الجسمانية محتقرة بِالْإِضَافَة إِلَيْهَا وَأَنا لشقاوة عبارَة عَن كَون الشَّخْص محجوبا عَن ذَلِك الْكَمَال الْعَظِيم مَحَله الرفيع شَأْنه مَعَ التشوق إِلَيْهِ والشغف بِهِ وَأَن ألم ذَلِك يستحقر مَعَه ألم النَّار الجسمانية وَأَن مَا ورد فِي الْقُرْآن مثله ضرب لعوام الْحلق لما قصر فهمهم عَن دَرك تِلْكَ اللَّذَّات فانه لَو تعدى النَّبِي فِي ترغيبه وترهيبه إِلَى مَا ألفوه وتشوقوا إِلَيْهِ وفزعوا مِنْهُ لم تنبعث دواعيهم للطلب والهرب فَذكر من اللَّذَّات أشرفها عِنْدهم وهى المدركات بالحواس من الْحور والقصور إِذْ تحظى بهَا حاسة الْبَصَر وَمن المطاعم والمناكح اذ لحظى بهَا الْقُوَّة الشهوانية وَمَا عِنْد الله لِعِبَادِهِ الصَّالِحين خير من جَمِيع مَا اعربت عَنهُ الْعبارَات ونبهت عَلَيْهِ وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى فِيمَا حكى عَنهُ النَّبِي ﷺ أَعدَدْت لعبادي الصَّالِحين مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر وكل مَا يدْرك من الجسمانيات فقد خطر على قلب بشر أَو يُمكن إخطاره بِالْقَلْبِ وَزعم هَذَا الْقَائِل أَن الْمصلحَة الداعية إِلَى التَّمْثِيل للذات والآلام بالمالوف مِنْهَا عِنْد الْعَوام كالمصلحة فِي الْأَلْفَاظ الدَّالَّة على التَّشْبِيه فِي صِفَات الله تَعَالَى وَأَنه لَو كشف لَهُم الغطاء وَوصف لَهُم جلال الله الَّذِي لَا تحيط بِهِ الصِّفَات والاسماء وَقيل لَهُم صانع الْعَالم مَوْجُود لَيْسَ بجوهر وَلَا عرض وَلَا جسم وَلَا هُوَ مُتَّصِل بالعالم وَلَا هُوَ مُنْفَصِل عَنهُ وَلَا هُوَ دَاخل فِيهِ وَلَا خَارج عَنهُ وَأَن الْجِهَات محصورة فِي سِتّ وأنسائر الْجِهَات فارغة مِنْهُ وَلَيْسَ شاغلا لوَاحِد مِنْهَا فَلَا دَاخل الْعَالم بِهِ مَشْغُول وَلَا خَارج الْعَالم عَنهُ مَشْغُول لبادر الْخلق إِلَى انكار وجود فَإِن عُقُولهمْ لَا تقوى على التَّصْدِيق بِوُجُود مَوْجُود ترده الاوهام والحواس فَذكر لَهُم مَا يُشِير إِلَى ضروب التَّمْثِيل ليرسخ فِي نُفُوسهم التَّصْدِيق باصل الْوُجُود فيسارعون إِلَى امْتِثَال الاوامر تَعْظِيمًا لَهُ إِلَى الانزجار عَن المعاصى مهابة مِنْهُ فِيمَن هَذَا منهاجه

стр. 153

قُلْنَا اما القَوْل بالهين فَكفر صَرِيح لَا يتَوَقَّف فِيهِ واما هَذَا فَرُبمَا يتَوَقَّف فِيهِ النَّاظر وَيَقُول إِذا اعْتَرَفُوا باصل السَّعَادَة والشقاوة وَكَون الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة سَبِيلا اليهما فالنزاع فِي التَّفْصِيل كالنزاع فِي مقادير الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَذَلِكَ لَا يُوجب تكفيرا فَكَذَلِك النزاع فِي التَّفْصِيل وَالَّذِي نختاره ونقطع بِهِ انه لَا يجوز التَّوَقُّف فِي تَكْفِير من يعْتَقد شَيْئا من ذَلِك لانه تَكْذِيب صَرِيح لصَاحب الشَّرْع وَلِجَمِيعِ كَلِمَات القرأن من اولها إِلَى اخرها فوصف الْجنَّة وَالنَّار لم يتَّفق ذكره مرّة وَاحِدَة اَوْ مرَّتَيْنِ وَلَا جرى بطرِيق كِنَايَة اَوْ توسع وَتجوز بل بالفاظ صَرِيحَة لَا يتمارى فِيهَا وَلَا يستراب

стр. 154

وَأَن صَاحب الشَّرْع اراد بهَا الْمَفْهُوم من ظَاهرهَا فالمصير إِلَى مَا أَشَارَ اليه هَذَا الْقَائِل تَكْذِيب وَلَيْسَ بتاويل فَهُوَ كفر صَرِيح لَا يتَوَقَّف فِيهِ اصلا وَلذَلِك نعلم على الْقطع انه لَو صرح مُصَرح بانكار الْجنَّة وَالنَّار والحور والقصور فِيمَا بَين الصَّحَابَة لبادروا إِلَى قَتله واعتقدوا ذَلِك مِنْهُ تَكْذِيبًا لله وَلِرَسُولِهِ فَإِن قيل لَعَلَّهُم كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك ويبالغون فِيهِ حسما لباب التَّصْرِيح بِهِ اذ مصلحَة الْعَامَّة تَقْتَضِي أَن لَا يجرى الْخطاب مَعَهم الا بِمَا يَلِيق بافهامهم ويؤثر فِي نُفُوسهم واثارة دواعيهم وَإِذا رفعت عَن نُفُوسهم هَذِه الظَّوَاهِر وَقصرت عُقُولهمْ عَن دَرك اللَّذَّات الْعَقْلِيَّة انكروا الاصل وجحدوا الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَسقط عِنْدهم تَمْيِيز الطَّاعَة عَن الْعِصْيَان وَالْكفْر عَن الايمأن قُلْنَا فقد اعْترفت باجماع الصَّحَابَة على تَكْفِير هَذَا الرجل وَقَتله لانه مُصَرح بِهِ وَنحن لم نزرد على أَن الْمُصَرّح بِهِ كَافِر نجب قَتله وَقد وَقع الِاتِّفَاق عَلَيْهِ وبقى قَوْلكُم أَن سَبَب تكفيرهم مُرَاعَاة مصلحَة الْعَوام وَهَذَا وهم وَظن مَحْض لَا يعْنى عَن الْحق شَيْئا بل نعلم قطعا انهم كَانُوا يَعْتَقِدُونَ ذَلِك تَكْذِيبًا لله تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ وردا لما ورد بِهِ الشَّرْع وَلم يَدْفَعهُ الْعقل فان قيل فَهَلا سلكتم هَذَا المسلك فِي التمثيلات الْوَارِدَة فِي صِفَات الله تَعَالَى من اية الاسْتوَاء وَحَدِيث النُّزُول وَلَفظ الْقدَم وَوضع الْجَبَّار قدمه فِي النَّار وَلَفظ الصُّورَة فِي قَوْله ﵇ أَن الله خلق ادم ﵇ على صورته إِلَى غير ذَلِك من اخبار لَعَلَّهَا تزيد على الف وانتم تعلمُونَ أَن السّلف الصَّالِحين مَا كَانُوا يؤولون هَذِه الظَّوَاهِر بل كَانُوا يجرونها على الظَّاهِر ثمَّ انكم لم تكفرُوا مُنكر الظَّوَاهِر ومؤولها بل اعتقدتم التَّأْوِيل وصرحتم بِهِ قُلْنَا كَيفَ

стр. 155

تستتب هَذِه الموازنة والقرأن مُصَرح بانه ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ والاخبار الدَّالَّة عَلَيْهِ اكثر من أَن تحصى وَنحن نعلم انه لَو صرح مُصَرح فِيمَا بَين الصَّحَابَة بِأَن الله تَعَالَى لَا يحويه مَكَان وَلَا يحده زمَان وَلَا يماس جسما وَلَا ينْفَصل عَنهُ بمسافة مقدرَة وَغير مقدرَة وَلَا يعرض لَهُ انْتِقَال وجيئة وَذَهَاب وَحُضُور وأفول وَأَنه يَسْتَحِيل أَن يكون من الآفلين والمنتقلين والمتمكنين ألى غير ذَلِك من نفي صِفَات التَّشْبِيه لرأوا ذَلِك عين التَّوْحِيد والتنزيل ولوأنكر الْحور والقصور والأنهار وَالْأَشْجَار والزبانية وَالنَّار لعد ذَلِك من أَنْوَاع الْكَذِب وَالْإِنْكَار وَلَا مُسَاوَاة بَين الدرجتين وَقد نبهنا على الْفرق فِي بَاب الرَّد عَلَيْهِم فِي مَذْهَبهم بِوَجْهَيْنِ آخَرين أَحدهمَا أنالألفاظ الْوَارِدَة فِي الْحَشْر والنشر وَالْجنَّة وَالنَّار صَرِيحَة لَا تَأْوِيل لَهَا وَلَا معدل عَنْهَا إِلَّا بتعطيلها وتكذيبها والألفاظ الْوَارِدَة فِي مثل الاسْتوَاء وَالصُّورَة وَغَيرهمَا كتايات وتوسعات على اللِّسَان تحْتَمل التَّأْوِيل فِي وَصفه وَالْآخر ان الْبَرَاهِين العقليه يدْفع اعْتِقَاد التَّشْبِيه وَالنُّزُول والحركه والتمكن من الْمَكَان وتدل على استحالتها دلاله لَا يتمارى فِيهَا وَدَلِيل الْعقل لَا يحِيل وُقُوع مَا وعد بِهِ من الجنه وَالنَّار فِي الْآخِرَه بل القدره الأزليه محيطه بهَا مستوليه عَلَيْهَا وَهِي أُمُور ممكنه فِي نَفسهَا وَلَا تتقاصر الْقُدْرَة الأزلية عَمَّا لَهُ نعت الْإِمْكَان فِي ذَاته فَكيف يشبه هَذَا بِمَا ورد من صِفَات الله تعالي ومساق هَذَا الْكَلَام يتقاضى بَث جملَة من أسرار الدّين أَن شرعنا فِي استقصائها ورغبنا فِي كشف غطائها وَإِذ ورد ذَلِك مُعْتَرضًا فِي سِيَاق الْكَلَام غير مَقْصُود فِي نَفسه فلنقتصر على هَذَا الْقدر الَّذِي انطوى فِي هَذَا الْفَصْل ولنشتغل بِمَا هُوَ الأهم من مَقَاصِد هَذَا الْكتاب وَقد بَينا فِي هَذَا الْفَصْل من يكفر مِنْهُم وَمن لَا يكفر وَمن يضل وَمن لَا يضل

стр. 156

الْفَصْل الثَّانِي فِي أَحْكَام من قضى بِكُفْرِهِ مِنْهُم وَالْقَوْل الْوَجِيز فِيهِ أَنه يسْلك مَسْلَك الْمُرْتَدين فِي النّظر فِي الدَّم وَالْمَال وَالنِّكَاح والذبيحة ونفوذالأقضية وَقَضَاء الْعِبَادَات أما الْأَرْوَاح فَلَا يسْلك بهم مَسْلَك الْكَافِر الْأَصْلِيّ إِذْ يتَخَيَّر الإِمَام فِي الْكَافِر الْأَصْلِيّ بَين أَربع خِصَال بَين الْمَنّ وَالْفِدَاء والاسترقاق وَالْقَتْل وَلَا يتَخَيَّر فِي حق الْمُرْتَد بل لَا سَبِيل إِلَى استرقاقهم وَلَا إِلَى قبُول الْجِزْيَة مِنْهُم وَلَا إِلَى الْمَنّ وَالْفِدَاء وَإِنَّمَا الْوَاجِب قَتلهمْ وتطهير وَجه الأَرْض مِنْهُم هَذَا حكم الَّذين يحكم بكفرهم من الباطنية وَلَيْسَ يخْتَص جَوَاز قَتلهمْ وَلَا وُجُوبه بِحَالَة قِتَالهمْ بل نغتالهم ونسفك دِمَاءَهُمْ فَإِنَّهُم مهما اشتغلوا بِالْقِتَالِ جَازَ قَتلهمْ وَأَن كَانُوا من الْفرْقَة الأولى الَّتِي لم يحكم فيهم بالْكفْر وَهُوَ أَنهم عِنْد الْقِتَال يلتحقون بِأَهْل الْبَغي والباغي يقتل مَا دَامَ مُقبلا على الْقِتَال وأنكان مُسلما إِلَّا أَنه إِذا أدبر وَولى لم يتبع مدبرهم وَلم يُوقف على جريحهم أما من حكمنَا بكفرهم فَلَا يتَوَقَّف فِي قَتلهمْ إِلَى تظاهرهم بِالْقِتَالِ وتظاهرهم على النضال فان قيل هَل يقتل صبيانهم وَنِسَاؤُهُمْ قُلْنَا أما الصّبيان فَلَا فَإِنَّهُ لَا يُؤَاخذ الصَّبِي وَسَيَأْتِي حكمهم وَأما النسوان فَإنَّا نقتلهم مهما صرحن بالاعتقاد الَّذِي هُوَ كفر على مُقْتَضى مَا قَرَّرْنَاهُ فَإِن الْمُرْتَدَّة مقتولة عندنَا بِعُمُوم قَوْله ﷺ من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ نعم للْإِمَام أَن يتبع فِيهِ مُوجب اجْتِهَاده فَإِن رأى أَن يسْلك فيهم مَسْلَك أبي حنيفَة ويكف عَن قتل النِّسَاء فَالْمَسْأَلَة فِي مَحل الِاجْتِهَاد وَمهما بلغ صبيانهم عرضنَا

стр. 157

الْإِسْلَام عَلَيْهِم فَأن قبلو قبل إسْلَامهمْ وَردت السيوف عَن رقابهم إِلَى قربهَا وَأَن أصروا على كفرهم متبعين فِيهِ آبَاءَهُم مددنا سيوف الْحق إِلَى رقابهم وسلكنا بهم مَسْلَك الْمُرْتَدين وَأما الْأَمْوَال فَحكمهَا حكم أَمْوَال الْمُرْتَدين فَمَا وَقع الظفر بِهِ من غير إيجَاف الْخَيل والركاب فَهُوَ فَيْء كَمَال الْمُرْتَد فيصرفه إِمَام الْحق على مصارف الْفَيْء على التَّفْصِيل الَّذِي اشْتَمَل عَلَيْهِ قَوْله تعالي ٨٨ مَا أَفَاء الله على رَسُوله من أهل الْقرى فَللَّه وَلِلرَّسُولِ ٨٨ الْآيَة وَمَا استولينا عَلَيْهِ بِإِيجَاف خيل وركاب فَلَا يبعد أَن يسْلك بِهِ مَسْلَك الْغَنَائِم حَتَّى يصرف إِلَى مصارفها كَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ قَوْله تعالي ٨٨ وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه ٨٨ الْآيَة وَهَذَا أحد مسالك الْفُقَهَاء فِي الْمُرْتَدين وَهُوَ أولى مَا يقْضى بِهِ فِي حق هؤلاءوأن كَانَت الْأَقَاوِيل مضطربة فِيهِ وَمِمَّا يتَعَلَّق بِالْمَالِ أَنهم إِذا مَاتُوا لَا يتوارثون فَلَا يَرث بَعضهم بَعْضًا وَلَا يَرِثُونَ من المحقين وَلَا يَرث المحق مَا لَهُم إِذا كَانَ بَينهم قرَابَة بل ولَايَة الوراثة مُنْقَطِعَة بَين الْكفَّار وَالْمُسْلِمين وَأما أبضاع نِسَائِهِم فَإِنَّهَا مُحرمَة فَكَمَا لَا يحل نِكَاح مرتدة لَا يحل نِكَاح باطنية معتقدة لما حكمنَا بالتكفير بِسَبَبِهِ من المقالات الشنيعة الَّتِي فصلناها وَلَو كَانَت متدينة ثمَّ تلقفت مَذْهَبهم انْفَسَخ النِّكَاح فِي الْحَال أَن كَانَ قبل الْمَسِيس وَيُوقف على انْقِضَاء الْعدة بعد الْمَسِيس فان عَادَتْ إِلَى الدّين الْحق وانسلخت عَن المعتقد الْبَاطِل قبل تصرم الْعدة بِقَضَاء مدَّتهَا اسْتمرّ النِّكَاح على وَجهه وَأَن اصرت واستمرت حَتَّى

стр. 158

انْقَضتْ الْمدَّة وتصرمت الْعدة تبين انْفِسَاخ النِّكَاح من وَقت الرِّدَّة وَمهما تزوج الباطنى الْمَحْكُوم بِكُفْرِهِ بامراة من اهل الْحق اَوْ من اهل دينه فَالنِّكَاح بَاطِل غير مُنْعَقد بل تصرفه فِي مَاله بِالْبيعِ وَسَائِر الْعُقُود مَرْدُود فَإِن الَّذِي اخترناه فِي الْفَتْوَى الحكم بِزَوَال ملك الْمُرْتَدين بِالرّدَّةِ ويتصل بِتَحْرِيم المناكحة تَحْرِيم الذَّبَائِح فَلَا تحل ذَبِيحَة وَاحِد مِنْهُم كَمَا لَا تحل ذَبِيحَة الْمَجُوسِيّ والزنديق فان الذَّبِيحَة والمناكحة تتحاذيان فهمامحرمتان فِي حق سَائِر اصناف الْكفَّار الا الْيَهُود وَالنَّصَارَى لِأَن ذَلِك تَخْفيف فِي حَقهم لانهم اهل كتاب انزله الله تعالي على نَبِي صَادِق ظَاهر الصدْق مَشْهُور الْكتاب واما اقضية حكامهم فباطلة غير نَافِذَة وشهادتهم مَرْدُودَة فَإِن هَذِه امور يشْتَرط الْإِسْلَام فِي جَمِيعهَا فَمن حكم بِكُفْرِهِ من جُمْلَتهمْ لم تصح مِنْهُ هَذِه الامور بل لَا تصح عِبَادَتهم وَلَا ينْعَقد صِيَامهمْ وصلاتهم وَلَا يتَأَدَّى حجهم وزكاتهم وَمهما تَابُوا وتبرءوا عَن معتقداتهم وحكمنا بِصِحَّة تَوْبَتهمْ وَجب عَلَيْهِم قَضَاء جَمِيع الْعِبَادَات الَّتِي فَاتَت وَالَّتِي اديت فِي حَالَة الْكفْر كَمَا يجب ذَلِك على الْمُرْتَد فَهَذَا هُوَ الْقدر الَّذِي اردنا أَن ننبه عَلَيْهِ من جملَة احكامهم فَإِن قيل

стр. 159

ولماذا حكمتم بإلحاقهم بالمرتدين وَالْمُرْتَدّ من الْتزم بِالدّينِ الْحق وتطوقه ثمَّ نزع عَنهُ مُرْتَدا ومنكرا لَهُ وَهَؤُلَاء لم يلزموا الْحق قطّ بل وَقع نشوؤهم على هَذَا المعتقد فَهَلا ألحقتموهم بالكافر الاصلي قُلْنَا مَا ذَكرْنَاهُ وَاضح فِي الَّذين انتحلوا أديانهم وتحولوا اليها معتقدين لَهَا بعد اعْتِقَاد نقيضها أَو بعد الانفكاك عَنْهَا وَأما الَّذين نشئوا على هَذَا المعتقد سَمَاعا من آبَائِهِم فهم أَوْلَاد الْمُرْتَدين لِأَن آبَاءَهُم وآباء آبَائِهِم لابد أَن يفْرض فِي حَقهم تنْحَل هَذَا الدّين بعد الانفكاك عَنهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ مُعْتَقدًا يسْتَند إِلَى نَبِي وَكتاب منزل كاعتقاد الْيَهُود وَالنَّصَارَى بل هِيَ الْبدع المحدثة من جِهَة طوائف من الملحدة والزنادقة فِي هَذِه الاعصار الْقَرِيبَة المتراخية وَحكم الزنديق أَيْضا حكم الْمُرْتَد لَا يُفَارِقهُ فِي شَيْء أصلا وانما يبْقى النّظر فِي أَوْلَاد الْمُرْتَدين وَقد قيل فيهم إِنَّهُم أَتبَاع فِي الرِّدَّة كأولاد الْكفَّار من أهل الْحَرْب وَأهل الذِّمَّة وعَلى هَذَا فَأن بلغ طُولِبَ بِالْإِسْلَامِ وَإِلَّا قتل وَلم يرض مِنْهُ بالجزية وَلَا الرّقّ وَقيل إِنَّهُم كالكفار الأصليين إِذْ ولدُوا على الْكفْر فَإِذا بلغُوا وآثروا الِاسْتِمْرَار على كفر آبَائِهِم جَازَ تقريرهم بالجزية وَضرب الرّقّ عَلَيْهِم وَقيل إِنَّه يحكم بِإِسْلَامِهِمْ لِأَن الْمُرْتَد مؤاخذ بعلائق الْإِسْلَام فَإِذا بلغ ساكتا فَحكم الْإِسْلَام يستمرإلى أَن يعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام فَأن نطق بِهِ فَذَاك وَأَن أظهر كفر أَبَوَيْهِ عِنْد ذَلِك حكمنَا بردته فِي الْحَال وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَار عندنَا فِي صبيان الباطنية فَإِن علقَة من علائق الْإِسْلَام كَافِيَة للْحكم بِإِسْلَام الصّبيان وعلقة الْإِسْلَام بَاقِيَة على كل مُرْتَد فَإِنَّهُ مؤاخذ بِأَحْكَام الْإِسْلَام فِي حَال ردته وَقد قَالَ ﷺ كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه

стр. 160

فَيحكم بِإِسْلَام هَؤُلَاءِ ثمَّ إِذا بلغُوا كشف لَهُم عَن وَجه الْحق ونهوا عَن فضائح مَذْهَب الباطنية وَذَلِكَ بكشف للمصغى إِلَيْهِ فِي أوحى مَا يقدر وأسرع مَا ينْتَظر فأنأبى إِلَّا دين آبَائِهِ فَعِنْدَ ذَلِك يحكم بردته من وقته ويسلك بِهِ مَسْلَك الْمُرْتَدين الْفَصْل الثَّالِث فِي قبُول تَوْبَتهمْ وردهَا وَقد ألحقنا هَؤُلَاءِ بالمرتدين فِي سَائِر الْأَحْكَام وَقبُول التوبه من الْمُرْتَد لابد مِنْهُ بل الأول أَلا يُبَادر إِلَى قَتله إِلَّا بعد استتابته وَعرض الإسلامعليه وترغيبه فِيهِ وَأما تَوْبَة الباطنية وكل زنديق مستتر بالْكفْر يرى التقية دينا ويعتقد النِّفَاق واظهار خلاف المعتقد عِنْد استشعار الْخَوْف حَقًا فَفِي هَذَا خلاف بَين الْعلمَاء ذهب ذاهبون إِلَى قبُولهَا لقَوْله ﷺ امرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا اله الا الله فَإِذا قالوها عصموا منى دِمَاءَهُمْ واموالهم الا بِحَقِّهَا وَلِأَن الشَّرْع إِنَّمَا بنى الدّين على الظَّاهِر فَنحْن لَا نحكم إِلَّا بِالظَّاهِرِ وَالله يتَوَلَّى السرائر وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الْمُكْره إِذا اسْلَمْ تَحت ظلال السيوف وَهُوَ خَائِف على روحه نعلم بِقَرِينَة حَاله انه مُضْمر غير مَا يظهره فنحكم بِإِسْلَامِهِ وَلَا نلتفت إِلَى الْمَعْلُوم بالقرائن من سَرِيرَته وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا ماروى أَن أُسَامَة قتل كَافِرًا فسل عَلَيْهِ السَّيْف بعد أنتلفظ بِكَلِمَة الْإِسْلَام فَاشْتَدَّ ذَلِك على رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أُسَامَة

стр. 161

إِنَّمَا فعل ذَلِك فرقا من السَّيْف فَقَالَ ﷺ هلا شققت عَن قلبه منبها بِهِ على أَن البواطن لَا تطلع عَلَيْهَا الْخَلَائق وَإِنَّمَا منَاط التَّكْلِيف الْأُمُور الظَّاهِرَة وَيدل عَلَيْهِ ايضا أَن هَذَا صنف من اصناف الْكفَّار وَسَائِر أَصْنَاف الْكفَّار لَا يسد عَلَيْهِم طَرِيق التَّوْبَة وَالرُّجُوع إِلَى الْحق فَكَذَلِك هَاهُنَا وَذهب ذاهبون إِلَى انه لَا تقبل تَوْبَته وَزَعَمُوا أَن هَذَا الْبَاب لَو فتح لم يُمكن حسم مادتهم وقمع غائلتهم فَإِن من سر عقيدتهم التدين بالتقية والاستسرار بالْكفْر عِنْد استشعار الْخَوْف فَلَو سلكنا هَذَا المسلك لم يعْجزُوا عَن النُّطْق بِكَلِمَة الْحق واظهار التَّوْبَة عِنْد الظفر بهم فيلهجون بذلك مظهرين ويستهزئون بِأَهْل الْحق مضمرين وَأما الْخَبَر فانما ورد فِي اصناف من الْكفَّار دينهم انه لايجوز التَّصْرِيح بِمَا يُخَالِفهُ وَأَن من الْتِزَام الْإِسْلَام ظَاهرا صَار تَارِكًا للتهود والتنصر هَذَا معتقدهم وَلذَلِك تراهم يقطعون اربا اربا بِالسُّيُوفِ وهم مصرون على كفرهم وَلَا يسمحون فِي مُوَافقَة الْمُسلمين بِكَلِمَة فاما من كَانَ دينه أَن النُّطْق بِكَلِمَة الْإِسْلَام غير ترك لدينِهِ بل دينه أَن ذَلِك عين دينه فَكيف نعتقد بتوبته مِمَّا هُوَ عين دينه وَالتَّصْرِيح بِهِ وَفَاء لشرط دينه كَيفَ يكون تركا للدّين هَذَا مَا ذكر من الْخلاف فِي قبُول تَوْبَتهمْ وَقد استقصينا ذَلِك فِي كتاب شِفَاء العليل فِي اصول الْفِقْه وَنحن الْآن نقتصر على ذكر مَا نختاره فِي هَذِه الْفرْقَة الَّتِي فيهم الْكَلَام فَنَقُول للنائب من هَذِه الضَّلَالَة أَحْوَال الْحَالة الاولى أَن يتسارع إِلَى اظهار التَّوْبَة وَاحِد مِنْهُم من غير قتال وَلَا ارهاق واضطرار وَلَكِن على سَبِيل الايثار

стр. 162

وَالِاخْتِيَار مُتَبَرعا بِهِ ابْتِدَاء من غير خوف واستشعار هَذَا يَنْبَغِي أَن يقطع بِقبُول تَوْبَته فَإنَّا أَن نَظرنَا إِلَى ظَاهر كَلمته صدقناها مُوَافقَة لعين الْإِسْلَام وَأَن نَظرنَا إِلَى سَرِيرَته كَانَ الْغَالِب أَنَّهَا على مُطَابقَة اللِّسَان وموافقته فَإنَّا لم نَعْرِف الْآن لَهُ باعثا على التقية وَإِنَّمَا الْمُبَاح عِنْدهم إِظْهَار نقيض المعتقد تقية عِنْد تَحْقِيق الْخَوْف فَأَما فِي حَالَة الِاخْتِيَار فَهُوَ من أفحش الْكَبَائِر ويعضد ذَلِك بِأَمْر كلي وَهُوَ أَنه لَا سَبِيل إِلَى حسم بَاب الرشد عَلَيْهِم فكم من عَامي ينخدع بتخيل بَاطِل ويغتر بِرَأْي قَائِل ثمَّ ينتبه من نَفسه أَو ينبهه مُنَبّه لما هُوَ الْحق فيؤثر الرُّجُوع اليه والشروع فِيهِ بعد النُّزُوع عَنهُ فَلَا سَبِيل إِلَى حسم مَسْلَك الرشاد على ذَوي الضلال والعناد الْحَالة الثَّانِيَة الَّذِي يسلم تَحت ظلال السيوف وَلكنه من جملَة عوامهم وجهالهم لَا من جملَة دعاتهم وضلالهم فَهَذَا أَيْضا تقبل تَوْبَته فَمن لم يكن مترشحا للدعوة فضرر كفره مَقْصُور عَلَيْهِ فِي نَفسه وَمهما أظهر الدّين احْتمل كَونه صَادِقا فِي إسراره وإظهاره ولعامي الْجَاهِل يظنّ أَن التلبيس بالأديان والعقائد مثل المواصلات والمعاقدات الاختبارية فيصلها مُدَّة بِحكم الْمصلحَة ويقطعها أُخْرَى وباطنه يُوَافق الظَّاهِر فِيمَا يتعاطاه من الْتِزَام وإعراض وَلذَلِك ترى من يسبي من العبيد وَالْإِمَاء من بِلَاد الْكفْر إِلَى دارالإسلام يدينون بدينهم معتقدين وشاكرين لله على مَا أتاح لَهُم من الرشد ورحض عَنْهُم من وضر الْكفْر والغي وَلَو سئلوا عَن السَّبَب فِي تَبْدِيل الدّين وإيثار الْحق الْمُبين على الْبَاطِل لم يعرفوا لَهُ سَببا إِلَّا مُوَافقَة السَّادة على وفْق مصلحَة الْحَال ثمَّ ذَلِك يُؤثر فِي بَاطِن عقائدهم كَمَا نرى ونشاهد فَإِذا عرف أَن الْعَاميّ سريع التقلب فنصدقه فِي انقلابه إِلَى الْحق كَمَا نصدقه فِي إضرابه عَنهُ إِذا ظهر من معتقده خلاف الْحق فَإنَّا بَين أَن نغضى عَن كَافِر مستسر وَلَا نَقْتُلهُ بل نتعامى عَنهُ

стр. 163

أَو نهجم على قتل مُسلم ظَاهرا أَو بَاطِنا أَن كَانَ مضمرا لما يظْهر وَلَيْسَ فِي التغاضي عَن كفر كَافِر لَيست لَهُ دَعوه تَنْتَشِر وَلَيْسَ فِيهِ شَرّ يتَعَدَّى كَبِير مَحْظُور فكم مننا على الْكفَّار وأغضينا عَنْهُم ببذل الدِّينَار فَلَيْسَ ذَلِك مُمْتَنعا أما اقتحام الْخطر فِي قتل من هُوَ مُسلم ظَاهرا وَيحْتَمل ان يكون مُسلما بَاطِنا احْتِمَالا قَوِيا فمحظور الحاله الثالثه أَن نَنْظُر بِوَاحِد من دعاتهم مِمَّن يعرف مِنْهُ أَنه يعْتَقد بطلَان مذْهبه وَلكنه يَنْتَحِلهُ غير مُعْتَقد لَهُ ليتوصل إِلَى استمالة الْخلق وَصرف وُجُوههم إِلَى نَفسه طلبا للرياسة وَطَمَعًا فِي حطام الدُّنْيَا هَذَا هُوَ الَّذِي يَتَّقِي شَره وَالْأَمر فِيهِ مَنُوط بِرَأْي الإِمَام ليلاحظ قَرَائِن أَحْوَاله ويتفرس من ظَاهره فِي بَاطِنه ويستبين أَن مَا ذكره يكون إذعانا للحق واعترافا بِهِ بعد التحقق والكشف أَو هُوَ نفاق وتقية وَفِي قَرَائِن الْأَحْوَال مَا يدل عَلَيْهِ وَالْأولَى أَلا يُوجب على الإِمَام قَتله لَا محَالة وَلَا أنيحرم قَتله بل يُفَوض إِلَى اجْتِهَاده فَأن غلب على ظَنّه أَنه سالك مَنْهَج التقية فِيمَا أَدَّاهُ قَتله وَأَن غلب على ظَنّه أَنه تنبه للحق وَظهر لَهُ فَسَاد الْأَقَاوِيل المزخرفة الَّتِي كَانَ يَدْعُو اليها قبل توبنه وأغضى عَنهُ فِي الْحَال وَأَن بقيت بِهِ رِيبَة وكل بِهِ من يراقب أَحْوَاله ويتفقده فِي بواطن أمره وَيحكم فِيهِ بِمُوجب مَا يَتَّضِح لَهُ مِنْهُ فَهَذَا هُوَ المسلك الْقَصْد الْقَرِيب من الْإِنْصَاف والبعيد من التعصب والاعتساف

стр. 164

الْفَصْل الرَّابِع فِي حِيلَة الْخُرُوج عَن إِيمَانهم وعهودهم إِذا عقدوها على المستجيب فَإِن قَالَ لنا قَائِل مَا قَوْلكُم فِي عهودهم ومواثيقهم وَأَيْمَانهمْ المعقودة على المستجيبين هَل تَنْعَقِد وَهل يجوز الْحِنْث فِيهَا أم يجب الْحِنْث أَو يحرم وَأَن حنث الْحَالِف يلْزمه بِسَبَبِهِ مَعْصِيّة وَكَفَّارَة أم لَا يلْزم وَكم من شخص عقد عَلَيْهِ الْعَهْد وأكدت عَلَيْهِ الْيَمين فتطوقه اغْتِرَارًا بتخيلهم ثمَّ لما انْكَشَفَ لَهُ ضلالهم تمنى افتضاحهم والكشف عَن عَوْرَاتهمْ وَلَكِن منعته الْأَيْمَان الْمُغَلَّظَة الْمُؤَكّدَة عَلَيْهِ فالحاجة ماسة إِلَى تَعْلِيم الْحِيلَة فِي الْخُرُوج عَن تِلْكَ الْأَيْمَان فَنَقُول الْخَلَاص من تِلْكَ الْأَيْمَان مُمكن وَلها طرق تخْتَلف باخْتلَاف الْأَحْوَال والألفاظ الأول أَن يكون الْحَالِف قد تنبه لخطر الْيَمين وَإِمْكَان اشتماله على تلبيس وخداع فَذكر فِي نَفسه عقيب ذَلِك الِاسْتِثْنَاء وَهُوَ قَوْله أَن شَاءَ الله فَلَا ينْعَقد وَلَا يمْتَنع عَلَيْهِ الْحِنْث وَإِذا حنث لم يلْزمه بِالْحِنْثِ حكم أصلا وَهَذَا حكم كل يَمِين أرْدف بِكَلِمَة الِاسْتِثْنَاء كَقَوْلِه وَالله لَأَفْعَلَنَّ كَذَا أَن شَاءَ الله وَكَقَوْلِه أَن فعلت كَذَا فزوجتي طَالِق أَن شَاءَ الله وَمَا جرى مجْرَاه الثَّانِي أَن يُؤدى فِي يَمِينه أمرا وَيَنْوِي خلاف مَا يلْتَمس مِنْهُ ويضمر خلاف مَا يظْهر وَيكون الْإِضْمَار على وَجه يحْتَملهُ اللَّفْظ فيدبر بَينه وَبَين الله فَلهُ أَن يُخَالف ظَاهر كَلَامه وَيتبع فِيهِ مُوجب ضَمِيره وَنِيَّته فَإِن قيل الِاعْتِمَاد فِي الْيَمين على نِيَّة المستحلف إِذْ لَو عول على نِيَّة الْحَالِف واستثنائه لبطلت الْأَيْمَان فِي مجَالِس الْقُضَاة وَلم يعجز المحلف بَين أَيْديهم عَن إِضْمَار نِيَّة وإسرار اسْتثِْنَاء وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى إبِْطَال الْحُقُوق

стр. 165

قُلْنَا الْقيَاس أَن يكون التعويل على نِيَّة الْحَالِف واستثنائه فَإِنَّهُ الْحَالِف والمحلف عَارض عَلَيْهِ الْيَمين وَلكنه حكم بِاتِّبَاع نِيَّة المستحلف مُرَاعَاة للحقوق وصيانة لَهَا بِحكم الضَّرُورَة الداعية إِلَيْهِ وَذَلِكَ فِي المحق فِي التَّحْلِيف الْمُوَافق للشَّرْع وموارد التَّوْقِيف فِيهِ فَأَما الْمُكْره ظلما والمخادع عُدْوانًا وغشما فَلَا وَيعْتَبر أَمر الْحَالِف مَعَه فِي القانون القياسي فِي الِاعْتِبَار بِجَانِب الْحَالِف لِأَن سَبَب الْعُدُول إِلَى اعْتِبَار جَانب المستحلف شدَّة الْحَاجة وَأي حَاجَة بِنَا إِلَى تسليط الظلمَة على تَأْكِيد الْيَمين على ضعفاء الْمُسلمين بأنواع الخداع والتلبيس فَيجب الرُّجُوع فِيهِ إِلَى القانون الثَّالِث أَن ينظر إِلَى لفظ الْحلف فَإِن قَالَ عَلَيْك عهد الله وميثاقه وَمَا أَخذ على النَّبِيين وَالصديقين من العهود وَأَن أظهرت السِّرّ فَأَنت بَرِيء من الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين أَو كَافِر بِاللَّه رب الْعَالمين أَو جَمِيع أموالك صَدَقَة لَا ينْعَقد بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ يَمِين أصلا فَإِنَّهُ أَن قَالَ أَن فعلت كَذَا فَأَنا بَرِيء من الْإِسْلَام وَمن الله وَرَسُوله لم تكن هَذِه يَمِينا لقَوْله ﷺ من حلف فليحلف بِاللَّه أَو فليصمت الْحلف بِاللَّه أَن يَقُول تالله وَوَاللَّه وَمَا يجْرِي مجْرَاه وَقد استقصينا صَرِيح الْإِيمَان فِي فن الْفِقْه وَهَذِه الْأَلْفَاظ لَيست من جُمْلَتهَا وَكَذَا قَوْله على عهد الله وميثاقه وَمَا أَخذه الله على النَّبِيين فَإِنَّهُ إِذا لم يَأْخُذ الله ميثاقهم وَعَهده ر ينْعَقد ذَلِك بقول غَيره وَالله تَعَالَى لم يَأْخُذ ميثاقهم على كتمان سر الْكفَّار والضلال وَلَا هَذَا الْعَهْد مماثل عهد الله فَلَا يلْزم بِهِ شَيْء وَكَذَلِكَ لَو قَالَ الْإِنْسَان أَن فعلت كَذَا فأموالي صَدَقَة لَا يلْزمه شَيْء إِلَّا أَن يَقُول فَللَّه على إِن أَتصدق بِمَالي وَهُوَ يَمِين الْغَضَب واللجاج وَيُخَلِّصهُ على الرَّأْي الْمُخْتَار كَفَّارَة يَمِين

стр. 166

الرَّابِع أَن ينظر إِلَى الْمَحْلُوف عَلَيْهِ فَإِن كَانَ لفظ المخلف فِيهِ مَا حكيناه فِي نُسْخَة عهودهم وَهُوَ قَوْلهم تكْتم سر ولى الله وتنصره وَلَا تخَالفه فليظهر السِّرّ مهما اراد وَلَا يكون حانثا لانه حلف على كتمان سر ولى الله تَعَالَى وَقد كتمه وانما الَّذِي افشاه سر عَدو الله وَكَذَا قَوْلهم تنصر اقاربه واتباعه فَكل ذَلِك يرجع إِلَى ولى الله وَلَا يرجع إِلَى من قَصده المحلف لانه عَدو الله لَا وليه فاما إِذا عين شخصا بالاشارة اَوْ عرفه باسمه الَّذِي يعرف بِهِ قَالَ تكْتم سرى اَوْ قَالَ تكْتم سر فلَان ولى الله اَوْ سر هَذَا الشَّخْص الَّذِي هُوَ ولى الله فقد قَالَ قَائِل لَا يَحْنَث عِنْد افشاء السِّرّ نظرا إِلَى الصّفة واعراضا عَن الاشارة وَقَالُوا هُوَ كَمَا لَو قَالَ بِعْت مِنْك هَذِه النعجة والمشار اليه رمكة فَإِنَّهُ لَا يَصح وَالْمُخْتَار عندنَا أَن الْحِنْث يحصل والاشارة الْمعرفَة الْمعينَة الَّتِي لَا يتَطَرَّق اليها الْكَذِب بِحَال اعلى واغلب من الْوَصْف الْمَذْكُور كذبا على وَجه الفضول مَعَ الِاسْتِغْنَاء وَلَيْسَ هَذَا كَمَا لَو قَالَ وَالله لأشربن مَاء هَذِه الْإِدَاوَة وَلَا مَاء فِيهَا أَن الْيَمين لَا تعنقد لانه لَا وجود لمتعلق الْيَمين وَكَذَلِكَ لَو ترك الاضافة إِلَى الاداوة وَذكر قَوْله هَذَا المَاء واشار بِالْيَدِ لم ينْعَقد لفقد الْمُتَعَلّق هَا هُنَا وَلَو اقْتصر على قَوْله لَا يفشى سر هَذَا الشَّخْص اَوْ سر زيد انْعَقَد وَأَن سكت عَن قَوْله انه ولى الله وَمهما انْعَقَدت الْيَمين على هَذَا الْوَجْه فَيُبَاح افشاء السِّرّ بل يجب افشاء السِّرّ ثمَّ تلْزم الْكَفَّارَة كَفَّارَة يَمِين ويكفيه أنيطعم عشرَة مَسَاكِين كل مِسْكين مدا من الطَّعَام فَإِن عجز عَن هَذَا صَامَ ثَلَاثَة ايام وَمَا اهون الْخطب فِي ذَلِك وَلَا حَاجَة إِلَى التانق فِي طلب الْحِيلَة للخلاص

стр. 167

من هَذَا الْقدر فانه قريب مُحْتَمل ثمَّ لايعصى بِالْحِنْثِ لقَوْله ﷺ من حلف على يَمِين فراى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليات الَّذِي هُوَ خير وليكفر عَن يَمِينه وَمن حلق أَن يَزْنِي وَلَا يصلى وَجب عَلَيْهِ الْحِنْث وَلَزِمتهُ الْكَفَّارَة فَهَذَا جَار مجْرى ذَلِك الْخَامِس إِذا ترك االحالف النِّيَّة وَالِاسْتِثْنَاء وَترك المحلف لفظ الْعَهْد والميثاق وَلَفظ ولى الله واتى بايمان صَرِيحَة بِاللَّه وبتعليق الطَّلَاق وَالْعتاق فِي مماليكه الْمَوْجُودين وزوجاته وَفِيمَا سيملك من بعد إِلَى اخر عمره وعلق بِالْحِنْثِ لُزُوم مائَة حجَّة وَصِيَام مائَة سنة وَصَلَاة الف الف رَكْعَة وَالتَّصَدُّق بالف دِينَار وَمَا جرى هَذَا المجرى فطريقه فِي الْيَمين بِاللَّه أَن يطعم عشرَة مَسَاكِين اَوْ يَصُوم عِنْد الْعَجز كَمَا سبق وَهَذَا ايضا يخلصه عَن تَعْلِيق الصَّدَقَة وَالْحج وَالصِّيَام وَالصَّلَاة بِالْحِنْثِ لأنذلك يَمِين غضب ولحاج لَا يلْزم الْوَفَاء بِمُوجبِه واما تَعْلِيق الطَّلَاق وَالْعِتْق فِيمَا سيملك من النِّسَاء وَالْعَبِيد والاماء فَبَاطِل غير مُنْعَقد فيلحنث ولينكح من شَاءَ مَتى شَاءَ اذ لَا طَلَاق قبل نِكَاح وَلَا عتاق فَبل ملك وَإِن كَانَ فِي ملكه رَقِيق وَخَافَ من عُنُقه فطريقه أَن بَيْعه من اهله اَوْ من وَلَده اَوْ من صديقه ثمَّ يفشى السِّرّ ثمَّ يستعيده إِلَى ملكه بِالشِّرَاءِ اَوْ الاستيهاب اَوْ بِمَا شَاءَ وَلَا يعجز اُحْدُ عَن صديق يَثِق بصداقته وامانته فيبيعه مِنْهُ ثمَّ يردهُ عَلَيْهِ مهما اراد واما زَوجته إِن حلف بِطَلَاقِهَا فيخالعها بدرهم مَعهَا اَوْ مَعَ اجنبي ويفشى السِّرّ ثمَّ يجدد نِكَاحهَا فيا لُحُوق الطَّلَاق بعده فَإِن قبل إِن كَانَ قد

стр. 168

طلق قبل ذَلِك تَطْلِيقَتَيْنِ وَلم تبْق لَهُ الا طَلْقَة وَاحِدَة وَفِي الْخلْع مَا يحرمها عَلَيْهِ إِلَى أَن تنْكح زوجا غَيره فَمَا سَبيله قُلْنَا سَبيله أَن يَقُول مهما وَقع عَلَيْك طَلَاقي فانت طَالِق قبله ثلا ثا فمهما حنث لَا يَقع طَلَاقه وَهَذِه هِيَ الْيَمين الدائرة الَّتِي تخلص من الْحِنْث وتمنع وُقُوع الطَّلَاق فَإِن قيل فقد اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك وَرُبمَا لَا يرتضى المتورع اقتحام شُبْهَة الطَّلَاق قُلْنَا السَّائِل إِن كَانَ مُقَلدًا فَعَلَيهِ تَقْلِيد الْمُفْتى ومتابعته وعهدة الطَّلَاق يخْتَص بتطوقها الْمُفْتى دون الْمُقَلّد وَأَن كَانَ الْمُفْتى مُجْتَهدا فَعَلَيهِ مُوجب اجْتِهَاده فَإِن أدّى اجْتِهَاده إِلَى ذَلِك لم يمْنَع وُقُوع الطَّلَاق فَهُوَ مُخَيّر بَين أَن يسْتَبْدل بهَا غَيرهَا أَو يسكت عَن إفشاء سرهم فَيتْرك معتقدهم وَلَيْسَ فِي السُّكُوت عَن إفشاء مَا قَالُوهُ مُوَافقَة لَهُم فِي الدّين بل الْمُوَافقَة فِي أَن يعْتَقد مَا اعتقدوه وَأَن يعرب عَن اعْتِقَاده وَيَدْعُو إِلَيْهِ فَأن صرف ضلالهم ظَاهرا وَبَاطنا فَلَيْسَ يلْزمه أَن ينْطق بِمَا سَمعه مِنْهُم إِذْ لَيْسَ يتَعَيَّن حِكَايَة الْكفْر عَن كل كَافِر فَهَذِهِ طرق الْحِيَل فِي الْخُرُوج عَن الْيَمين وَذهب بعض الخائضين فِي هَذَا الْفَنّ إِلَى أَن الْأَيْمَان الصادرة مِنْهُم لَا تَنْعَقِد بِحَال وَهُوَ كَلَام يصدر عَن قلَّة البصيرة بِالْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّة وَإِنَّمَا الْمُوَافق لتصرف الفقة وَأَحْكَام الشَّرْع الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَالسَّلَام

стр. 169

الْبَاب التَّاسِع فِي إِقَامَة الْبَرَاهِين الشَّرْعِيَّة على أَن الإِمَام الْقَائِم بِالْحَقِّ الْوَاجِب على الْخلق طَاعَته فِي عصرنا هَذَا هُوَ الإِمَام المستظهر بِاللَّه حرس الله ضلاله وَالْمَقْصُود من هَذَا الْبَاب بَيَان إِمَامَته على وفْق الشَّرْع وَأَنه يجب على كَافَّة عُلَمَاء الدَّهْر الْفَتْوَى على الْبَتّ وَالْقطع بِوُجُوب طَاعَته على الْخلق ونفوذ أقضيته بمنهج الْحق وَصِحَّة تَوليته للولاة وتقليده للقضاة وَبَرَاءَة ذمَّة الْمُكَلّفين عِنْد صرف حُقُوق الله تَعَالَى إِلَيْهِ وَأَنه خَليفَة الله على الْخلق وَأَن طَاعَته على كَافَّة الْخلق فرض فَهَذَا بَاب يتَعَيَّن من حَيْثُ الدّين صرف الْعِنَايَة إِلَى تَحْقِيقه وَإِقَامَة الْبُرْهَان على مَنْهَج الْحق وَطَرِيقه فَإِن الَّذِي يسير إِلَيْهِ الْكَلَام أَكثر المصنفين فِي الْإِمَامَة يَقْتَضِي أَلا نعتقد فِي عصرنا هَذَا وَفِي أعصار منقضية خَليفَة غير مستجمع لشرائط الْإِمَامَة متصف بصفاتهم فَتبقى الْإِمَامَة معطلة لَا قَائِم بهَا وَيبقى المتصدي لهامتعدياعن شُرُوط الْإِمَامَة غير مُسْتَحقّ لَهَا وَلَا متصف بهَا وَهَذَا هجوم عَظِيم على الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وتصريح بتعطيلها وإهمالها ويتداعى إِلَى التَّصْرِيح بِفساد جَمِيع الولايات وَبطلَان قَضَاء الْقُضَاة وضياع حُقُوق الله تَعَالَى وحدوده وإهدار الدِّمَاء والفروج وَالْأَمْوَال وَالْحكم بِبُطْلَان الْأَنْكِحَة الصادرة من الْقُضَاة فِي اقطار الأَرْض وَبَقَاء حُقُوق الله تَعَالَى فِي ذمم الْخلق فَإِن جَمِيع ذَلِك لَا يتَأَدَّى على وفْق الشَّرْع إِلَّا إِذا صدر استيفاؤها

стр. 170

من الْقُضَاة ومصدر الْقُضَاة تَوْلِيَة الإِمَام فَإِن بطلت الْإِمَامَة بطلت التَّوْلِيَة وانحلت ولَايَة الْقُضَاة والتحقوا بآحاد الْخلق وامتنعت التَّصَرُّفَات فِي النُّفُوس والدماء والفروج وَالْأَمْوَال وانطوى بِسَاط الشَّرْع بِالْكُلِّيَّةِ فِي هَذِه الْمُهِمَّات الْعَظِيمَة فالكشف عَن فَسَاد كل مَذْهَب يتداعى إِلَى هَذِه العظائم من مهمات الدّين وفرائضه الا أَن تَقْرِير ذَلِك متوعر وترتيبه مَعَ الِاحْتِرَاز عَن التهدف للاشكالات والاعتراضات متعسر وَنحن بِتَوْفِيق الله نكشف الغطاء عَنهُ فَنَقُول ندعى أَن الإِمَام المستظهر بِاللَّه حرس الله ايامه هُوَ الإِمَام الْحق الْوَاجِب الطَّاعَة فَإِن طولنا باقامة الْبُرْهَان عَلَيْهِ تدرجنا فِي تَحْقِيقه وتلطفنا فِي تفهيمه إِلَى أَن يعْتَرف المستريب فِيهِ بِالْحَقِّ ويلوح لَهُ وَجه الصَّوَاب والصدق ونقول لابد من امام فِي كل عصر وَلَا مترشح للامامة سواهُ فَهُوَ الإِمَام الْحق إِذا فَهَذِهِ نتيجة بنيناها على مقدمتين احداهما قَوْلنَا لَا بُد من الإِمَام والاخرى قَوْلنَا لَا يترشح للامامة سواهُ فَفِي ايهما النزاع فَإِن قيل بِمَ تنكرون على من لَا يسلم انه لَا بُد من امام بل يَقُول لنا غنية عَنهُ قُلْنَا هَذَا سُؤال اتفقنا نَحن والباطنية وَسَائِر اصناف الْمُسلمين على بُطْلَانه فَإِنَّهُم أَجمعُوا وتطابقوا على أَنه لَا بُد من إِمَام وَإِنَّمَا نزاعهم فِي التَّعْيِين لَا فِي الأَصْل وَلم يذهب أحد إِلَى أَن الْأَمَام لَا يجب نَصبه وَأَنه يسْتَغْنى عَنهُ إِلَّا رجل يعرف بِعَبْد الرَّحْمَن بن كيسَان وَلَا يستريب مُحَصل فِي بطلَان مذْهبه وَفَسَاد معتقده وكأننا ننبه المسترشد بمسكين الاول هُوَ ان ابْن كيسَان مسوق فِيمَا يَدعِيهِ باجماع الامة قاطبة وَلَقَد هجم بِمَا انتحل من الْمَذْهَب على خرق الاجماع

стр. 171

وتضمخ برذيلة الْعُدُول عَن سنَن الِاتِّبَاع فليلاحظ الْعَصْر الاول كَيفَ تسارع الصَّحَابَة بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ الى نصب الامام وَعقد الْبيعَة وَكَيف اعتقدوا ذَلِك فرضا محتوما وَحقا وَاجِبا على الْفَوْر والبدار وَكَيف اجتنبوا فِيهِ التوانى والاستئخار حَتَّى تركُوا بِسَبَب الِاشْتِغَال بِهِ تجهيز رَسُول الله ﷺ وَعَلمُوا انه لَو تصرم عَلَيْهِم لَحْظَة لاامام لَهُم فَرُبمَا هجم عَلَيْهِم حَادِثَة ملمة وارتكبوا فِي حَادِثَة عَظِيمَة تتشتت فِيهَا الآراء وتختلف متبوعا مُطَاعًا يجمع شتات الآراء لَا نخرم النظام وَبَطل العصام وتداعت بالانفصام عرى الاحكام فلاجل ذَلِك اثروا البدار اليه وَلم يعرجوا فِي الْحَال الا عَلَيْهِ وَهَذَا قَاطع فِي ان نصب الامام امْر ضَرُورِيّ فِي حفظ الْإِسْلَام المسلك الثَّانِي هُوَ ان نقُول لَا يتمارى متدين فِي أَن الذب عَن حوزة الدّين والنضال دون بيضته والانتداب لنصرته وحراسته بالمحافظة على نظام امور جند الْإِسْلَام وعدته امْر ضَرُورِيّ وَاجِب لابد مِنْهُ وان النظام لَا يسْتَمر على الدَّوَام الا بمترصد يكلا الْخلق بِالْعينِ الساهرة فمهما شرابت فِئَة للثوران وكشرت عَن نابها واشرفت على الاستحكام بَادر إِلَى تطفئتها وحسم غائلتها فانها لَو تركت حَتَّى اذا ثارت اشْتغل بتطفئتها الْعَوام والطغام والافراد والاحاد لأفضى ذَلِك الى التعادي والتضاد وَصَارَت الامور شُورَى وَبَقِي النَّاس فوضى مهملين سدى متهافتين على ورطات الردى مقتحمين فِيهِ مسالك الْهوى ومناهج المنى وَعند ذَلِك تتناقض الارادات وتتنازع الشَّهَوَات وتفضي بالاخرة الى اسْتِيلَاء الرذائل على الْفَضَائِل وتوثب الطغام عُلَمَاء الاسلام والاماثل وتمتد الْأَيْدِي

стр. 172

إِلَى الْأَمْوَال والفروج وأصبحت الْأَيْدِي السافلة عالية وَلَيْسَ يخفى مَا فِي ذَلِك من حل عِصَام الْأُمُور الدِّينِيَّة والدنيوية فيتبين بِهَذَا للنَّاظِر الْبَصِير أَن الإِمَام ضَرُورَة الْخلق لَا غنية لَهُم عَنهُ فِي دفع الْبَاطِل وَتَقْرِير الْحق فقد ثبتَتْ هَذِه الْمُقدمَة وَهِي أَن الإِمَام لَا بُد مِنْهُ فَإِن قيل وَبِمَ تنكرون على من يُنَازع فِي الْمُقدمَة الثَّانِيَة وَهِي قَوْلكُم لَا يترشح للْإِمَامَة سواهُ فَإِن الباطنية يدعونَ الْخلق الى مترشح لَهَا غير مَا اليه دعوتكم فَكيف تستنب لكم هَذِه الدَّعْوَى قُلْنَا لَا تنكر دَعْوَى بعض المدعين للامامة بِغَيْر اسْتِحْقَاق وَلَكنَّا نقُول اذا بَطل مَا تدعيه الباطنية تعيّنت الامامة لم يدعيهاوحصل مَا نرومه ونبتغيه فانه اذا لم يكن بُد من امام وفَاقا وَثَبت ان الامامة لَا تعدو شَخْصَيْنِ وَثَبت بطلَان الامامة فِي حق وَاحِد لم تبْق رِيبَة فِي ثُبُوتهَا للثَّانِي والمسالك الدَّالَّة على ابطال الامامة الَّتِي تدعيها الباطنية وترجيح الامامة الَّتِي ندعيها اكثر من ان تدخل تَحت الْحصْر فلسنا نسلك فِيهِ مَسْلَك الِاسْتِقْصَاء وَلَكنَّا نقتصر على دَلِيلين واقعين قاطعين تقربهما كل عين ويشترك فِي دركهما الفطن والغبي والمحنك وَالصَّبِيّ والمعاند وَالْمنصف والمقتصد والمتعسف الاول هُوَ أَن عِصَام شَرَائِط صِحَة العقيدة وسلامة الدّين وَلَقَد حكينا عَن مَذْهَب الباطنية وصاحبهم مَا اقْتضى ادنى درجاته التبديع والتضليل واعلاه التَّكْفِير والتبرى وَذَلِكَ فِي اثباتهم الهين قديمين على مَا اطبق عَلَيْهِ جَمِيع فرقهم وَالثَّانِي فِي انكارهم الْحَشْر والنشر وَالْجنَّة وَالنَّار وَجُمْلَة مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ

стр. 173

وعد الْقرَان ووعيده بفنون من التاويلات بَاطِلَة وَذَلِكَ مِمَّا نعلم انه لَو ذكر شَيْء مِنْهُ فِي زمَان رَسُول الله ﷺ وعصر الصَّحَابَة بعده لبادروا إِلَى حز الرَّقَبَة وَلم يتماروا انه صَرِيح التَّكْذِيب لله وَرَسُوله فَمن كذب الله فِي وحدانيته وَلم يصدق بالايات الْوَارِدَة فِي التَّوْحِيد وَلم يصدق بالقيامة والبعث والنشور كَيفَ يصلح ان ينْتَصب منصب الامامة وان يناط بِهِ عرى الاسلام وَهَذَا المسلك يتحققه النَّاظر اذا تصفح ثمَّ رَجَعَ الى مذاهبهم الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي ابطالها فَيصح لَهُ بِمَجْمُوع النظرين مَا ذَكرْنَاهُ من اختلال الدّين وَفَسَاد العقيدة واني يصلح للامامة من فِيهِ مثل هَذِه الرذيلة المسلك الثَّانِي ان نسلم جدلا على سَبِيل التَّبَرُّع والتقرير لمورد هَذَا السُّؤَال ان صَاحب الباطنية صَالح للامامة بصفاء الِاعْتِقَاد وَصِحَّة الدّين وَحُصُول سَائِر الشُّرُوط فمسلك التَّرْجِيح غير منحسم فان الامامة الَّتِي ندعيها اجْمَعْ عَلَيْهَا ائمة الْعَصْر وعلماء الدَّهْر بل جَمَاهِير الْخلق واقاليم الارض فِي اقصى الْمشرق وَفِي أقْصَى الْمغرب حَتَّى تطوق الطَّاعَة لَهُ والانقيادلامره كل من على بسيط الارض الاشر ذمَّة الباطنية وَلَو جمع قضهم وقضيضهم وصغيرهم وَكَبِيرهمْ لم يبلغ عَددهمْ عدد اهل بَلْدَة وَاحِدَة من متبعي الامامة العباسية فَكيف اذا قيسوا بَاهل نَاحيَة اَوْ بَاهل اقليم اَوْ بكافة من على وَجه الارض من منتحلى الامام افيتمارى الْمنصف فِي ان الغلاة من الباطنية على اهل الْحق لَو جمع مِنْهُم الصَّغِير وَالْكَبِير لم يبلغ عشر العشير من ناصري هَذِه الدولة الْقَاهِرَة ومتبعي هَذِه الْعِصَابَة المحقة واذا كَانَت الامامة تقوم بِالشَّوْكَةِ وانما تقوى الشَّوْكَة بالمظاهرة والمناصرة وَالْكَثْرَة فِي الِاتِّبَاع والاشياع وتناصر اهل الِاتِّفَاق والاجتماع فَهَذَا اقوى

стр. 174

مَسْلَك من مسالك التَّرْجِيح وَهَذَا بعد ان اعطيناهم بطرِيق الْمُسَامحَة والتبرع صِحَة دينهم وَوُجُود شُرُوط الامامة فِي صَاحبهمْ فَإِن قيل لَيْسَ يُنكر مُنكر كَثْرَة هَذِه الْعِصَابَة بالاضافة اليهم وَلَكِن الْحق لَا يتبع الْكَثْرَة فان الْحق خفى لَا يسْتَقلّ بدركه إِلَّا الاقلون وَالْبَاطِل جلى يُبَادر الى الانقياد لَهُ الاكثرون وانتم فقد بنيم التَّرْجِيح على قيام الشَّوْكَة بِكَثْرَة الانصار والاشباع وَهَذَا انما يَسْتَقِيم لَو كَانَت الامامة فِي اصلها تَنْعَقِد باجتماع الْخلق على الطَّاعَة فان ذَلِك لايرجح عِنْد التجويز وَالِاخْتِلَاف بِالْكَثْرَةِ وَلَيْسَ الامر كَذَلِك بل الامامة انما تَنْعَقِد عِنْد الباطنية بِالنَّصِّ وَالْمَنْصُوص عَلَيْهِ محق بُويِعَ اَوْ لم يُبَايع قل مبايعوه اَوْ كَثُرُوا والمخالف لَهُ مُبْطل ساعدته دولته فَكثر بِسَبَبِهَا اتِّبَاعه اَوْ لم تساعده فَمن أَي وَجه يَصح الِاسْتِدْلَال بِكَثْرَة الِاتِّبَاع قُلْنَا انما يستبين وَجه دلَالَة الْكَثْرَة من فهم ماخذ الامامة وَقد بَان انها لَيست ماخوذة من النَّص كَمَا قدرناه فِي الْبَاب السَّابِع وَنَبَّهنَا على حَمَاقَة من يدعى تَوَاتر النَّص من كل وَاحِد مِنْهُم على وَلَده بل بَينا جهل من يدعى ذَلِك فِي على رضى الله عَنهُ فان ذَلِك لَو كَانَ لاستدل بِهِ على وَلم يعجز عَن اظهاره وَلَا رضى بِهِ فخو الَّذِي جر العساكر والجنود فِي زمَان مُعَاوِيَة حَتَّى قتل من ابطال الاسلام فِي تِلْكَ المعارك الوف وَلم يكترث بِقَتْلِهِم فَمَا الَّذِي كَانَ نَزعه واشياعه عَن الِاسْتِدْلَال بِنَصّ رَسُول الله ﷺ وَقد بَينا ان ذَلِك يُقَابله دَعْوَى البكرية فِي النَّص على ابي بكر رضى الله عَنهُ وَدَعوى الروندية

стр. 175

فِي النَّص على الْعَبَّاس رضى الله عَنهُ فاذا بَطل تلقى الامامة من النَّص لم يبْق الا الِاخْتِيَار من اهل الاسلام والاتفاق على التَّقْدِيم والانقياد وَعند ذَلِك يبين انه مهما وَقع الِاتِّفَاق على نصب وَاحِد كَمَا اتَّفقُوا فِي بداية امامة العباسية فَمن طمح الى طلبَهَا لنَفسِهِ كَانَ بَاغِيا فانهم لَو اخْتلفُوا فِي مبدأ الامر وَجب التَّرْجِيح بِالْكَثْرَةِ فِي ذَلِك عِنْد تقَابل الْعدَد وتقاربهم فَكيف اذا اطبق كل من شَرقَتْ عَلَيْهِم الشَّمْس شارقة وغاربة لم يخالفهم الا فِئَة مَعْدُودَة وشرذمة يسيرَة لَا يؤبه وَلَا يعبأ بهم لشذوذهم بالاضافة الى الْخلق الْكثير والجم الْغَفِير الَّذين هم فِي مقابلتهم (وَلَا عشر الْعشْر من أعشارهم وَمَا هم الا كالحسوة فِي الْبَحْر الزاخر والموج المتلاطم) فان قيل وَبِمَ تنكرون على من يَقُول لَا ماخذ للامامة الا لنَصّ اَوْ الِاخْتِيَار فاذا بَطل الِاخْتِيَار ثَبت النَّص وَيدل على بطلَان الِاخْتِيَار انه لايخلو اما ان يعْتَبر فِيهِ اجماع كَافَّة الْخلق اَوْ اجماع كافه اهل الْحل وَالْعقد من جملَة الْخلق فِي جَمِيع أقطار الأَرْض أَو يعْتَبر إِجْمَاع أهل الْبَلَد الَّذِي يسكنهُ الامام وَيقدر باجماع عشرَة اَوْ خَمْسَة اَوْ عدد مَخْصُوص اَوْ يَكْتَفِي بمبايعة شخص وَاحِد وباطل ان يعْتَبر فِيهِ اجماع كَافَّة الْخلق فِي جَمِيع اقطار الارض فان ذَلِك غير مكن وَلَا مَقْدُور لَاحَدَّ من الائمة وَلَا فرض ذَلِك ايضا فِي الاعصار الخالية للائمة الماضين وباطل ان تعْتَبر اجماع جَمِيع اهل الْحل وَالْعقد فِي جَمِيع افطار الارض لَان ذَلِك مِمَّا يمْتَنع اَوْ يتَعَذَّر تعذرا يفْتَقر فِيهِ الى انْتِظَار مُدَّة عساها تزيد على عمر الامام فَتبقى الامور

стр. 176

فِي مُدَّة الِانْتِظَار مُهْملَة ولانه لما عقدت الْبيعَة لابي بكر رضى الله عَنهُ لم ينْتَظر انتشار الاخبار إِلَى سَائِر الامصار وَلَا تَوَاتر كنب الْبيعَة من اقاصي الاقطار بل اشْتغل بالامامة وخاض فِي الْقيام بِمُوجب الزعامة محتكما فِي اوامره ونواهيه على الْخَاصَّة والعامة واذا بَطل اشْتِرَاط اجماع كَافَّة الْخلق وكافة اهل الْحل وَالْعقد فالتخصيص بعد ذَلِك تحكم اذ لَيْسَ من يشْتَرط بِاتِّفَاق أهل بَلْدَة بِأولى مِمَّن يَكْتَفِي بِأَهْل محلّة أَو قَرْيَة أَو لم يشْتَرط اتِّفَاق اهل نَاحيَة اَوْ اقليم وَمن لَا يشْتَرط اجماع اربعين اَوْ خَمْسَة اَوْ اربعة اَوْ اثْنَيْنِ بِأولى من غَيره من الاعداد وَهَذِه المقدرات قد ذهب إِلَى التحكم بهَا ذاهبون بِمُجَرَّد التشهى من غير مُسْتَند فَلَا يبْقى إِلَّا الِاكْتِفَاء ببيعة شخص وَاحِد وَفِي الاشخاص كَثْرَة واحوالهم متعارضة وَلَا يتَرَجَّح شخص على شخص الا بالعصمة فَيجب ان يكون اذا مولى الْعَهْد وَاحِد وَليكن ذَلِك الشَّخْص مَعْصُوما وَهُوَ معتقدنا وَعند هَذَا لَا تَنْفَع الْكَثْرَة فِي الْمُخَالفين لذَلِك الْوَاحِد المتميز بخاصية عَن غَيره فاذا لَا معتصم فِي الْكَثْرَة الَّتِي تعلقتم بهَا قُلْنَا نعم لَا ماخذ للامامة الا النَّص اَوْ الِاخْتِيَار وَنحن نقُول مهما بَطل النَّص ثَبت الِاخْتِيَار وَقَوْلهمْ ان الِاخْتِيَار بَاطِل لانه لايمكن اعْتِبَار كَافَّة الْخلق وَلَا الِاكْتِفَاء بِوَاحِد وَلَا التحكم بِتَقْدِير عدد معِين بَين الْوَاحِد وَالْكل فَهَذَا جهل بمذهبنا الَّذِي نختاره وَنُقِيم الْبُرْهَان على صِحَّته وَالَّذِي نختاره انه يَكْتَفِي بشخص وَاحِد يعْقد الْبيعَة للامام مهما كَانَ ذَلِك الْوَاحِد مُطَاعًا ذَا شَوْكَة لَا تطال وَمهما كَانَ مَال الى جَانب

стр. 177

مَال بِسَبَبِهِ الجماهير وَلم يُخَالِفهُ الا من لَا يكرث بمخالفته فالشخص الْوَاحِد الْمَتْبُوع المطاع الْمَوْصُوف بِهَذِهِ الصّفة اذا بَايع كفى اذ فِي مُوَافَقَته الجماهير فان لم يحصل هَذَا الْغَرَض الا لشخصين اَوْ ثَلَاثَة فلابد من اتِّفَاقهم وَلَيْسَ الْمَقْصُود اعيان الْمُبَايِعين وانما الْغَرَض قيام شَوْكَة الامام بالاتباع والاشياع وَذَلِكَ يحصل بِكُل مستول مُطَاع وَنحن نقُول لما بَايع عمر ابا بكر رضى الله عَنْهُمَا انْعَقَدت الامامة لَهُ بِمُجَرَّد بيعَته وَلَكِن لتتابع الايدي الى الْبيعَة بِسَبَب مبادرته وَلَو لم يبايعه غير عمر وبقى كَافَّة الْخلق مخالفين اَوْ انقسموا انقساما متكافئا لَا يتَمَيَّز فِيهِ غَالب عَن مغلوب لما انْعَقَدت الامامة فان شَرط ابْتِدَاء الِانْعِقَاد قيام الشَّوْكَة وانصراف الْقُلُوب الى المشايعة ومطابقة البواطن والظواهر على الْمُبَايعَة فان الْمَقْصُود الَّذِي طلبنا لَهُ الامام جمع شتات الاراء فِي مصطدم تعَارض الاهواء وَلَا تتفق الارادات المتنافضة والشهوات المتباينة المتنافرة على مُتَابعَة راى وَاحِد الا اذا ظَهرت شوكته وعظمت نجدته وترسخت فِي النُّفُوس رهبته ومهابته ومدار جَمِيع ذَلِك على الشَّوْكَة وَلَا تقوم الشَّوْكَة الا بموافقة الاكثرين من معتبري كل زمَان فاذا بَان أَن هَذَا مَأْخَذ الْإِمَامَة فَلَيْسَ يتمارى فِي أَن الْجِهَة الشَّرِيفَة الَّتِي ننصرها قد صرف الله وُجُوه كَافَّة الْخلق اليها وجبل قُلُوبهم

стр. 178

على حبها وَلذَلِك قَامَت الشَّوْكَة لَهُ فِي اقطار الارض حَتَّى لَو ظهر بَاغ يظْهر خلافًا فِي هَذَا الجناب الْكَرِيم وَلَو بأقصى الصين اَوْ الْمغرب لبادروا إِلَى اختطافه وتطهير وَجه الارض مِنْهُ متقربين إِلَى الله تَعَالَى وَقد لَاحَ لَك الْآن كَيفَ ترقينا من هَذِه المغاصة الْمظْلمَة وَكَيف دفعنَا مَا أشكل على جَمِيع جَمَاهِير النظار من تعْيين الْمِقْدَار فِي عدد أهل الأخيار إِذا لم نعين لَهُ عددا بل اكتفينا بشخص وَاحِد يُبَايع وحكمنا بانعقاد الإمامه عِنْد بيعَته لَا لِتَفَرُّدِهِ فِي عينه وَلَكِن لكَون النُّفُوس محموله على مُتَابعَة ومبايعة من أذعن هُوَ لطاعته وَكَانَ فِي مُتَابَعَته قيام قُوَّة الإِمَام وشوكته وانصراف قُلُوب الْخَلَائق إِلَى شخص وَاحِد أَو شَخْصَيْنِ أَو ثَلَاثَة على مَا تَقْتَضِيه الْحَال فِي كل عصر لَيْسَ أمرا اخْتِيَارا يتَوَصَّل إِلَيْهِ بالحيلة البشرية بل هُوَ رزق إلهي يؤتيه الله من يَشَاء فَكَانَا فِي الظَّاهِر رددنا تعْيين الامامة إِلَى اخْتِيَار شخص وَاحِد وَفِي الْحَقِيقَة رددناها إِلَى اخْتِيَار الله تَعَالَى ونصبه إِلَّا أَنه يظْهر اخْتِيَار الله عقيب مُتَابعَة شخص وَاحِد أَو أشخاص وَإِنَّمَا الْمُصَحح لعقد الْإِمَامَة انصراف قُلُوب الْخلق لطاعته والانقياد لَهُ فِي امْرَهْ وَنَهْيه وَهَذِه نعْمَة وهدية من الله تَعَالَى فاذا أتاحها لعبد من عباده وَصرف إِلَى محبته وُجُوه اكثر خلقه وَكَانَ ذَلِك من الله تَعَالَى لطفا فِي اخْتِيَاره لخلافته وتعيينه للاقتداء بأوامره فِي تفقد عباده وَذَلِكَ أَمر لَا يقدر كل الْبشر على الاحتيال لتحصيله فَلْينْظر النَّاظر إِلَى مرتبَة الْفَرِيقَيْنِ إِذا نسيت الباطنية أَنْفسهَا إِلَى أَن نصب الإِمَام عِنْدهم من الله تَعَالَى وَعند خصومهم من الْعباد ثمَّ لم يقدروا على بَيَان وَجه نِسْبَة ذَلِك إِلَى الله تَعَالَى إِلَّا بِدَعْوَى الاختراع على رَسُوله فِي النَّص على على وَدَعوى بَقَاء ذَلِك فِي ذُريَّته بَقَاء كل خلف لكل وَاحِد وَدَعوى

стр. 179

تنصيصه على أحد أَوْلَاده بعد مَوته إِلَى ضروب من الدَّعَاوَى الْبَاطِلَة وَلما نسبونا إِلَى أَنا ننصب الإِمَام بشهوتنا واختيارنا ونقموا ذَلِك منا كشفنا لَهُم بِالآخِرَة أَنا لسنا نقدم إِلَّا من قدمه الله فان الامامة عندنَا تَنْعَقِد بِالشَّوْكَةِ والشوكة تقوم بالمبايعة والمبايعة لَا تحصل إِلَّا بِصَرْف الله تَعَالَى الْقُلُوب قهرا إِلَى الطَّاعَة والموالاة وَهَذَا لَا يقدر عَلَيْهِ الْبشر ويدلك عَلَيْهِ انه لَو اجْمَعْ خلق كثير لَا يُحْصى عَددهمْ على أَن يصرفوا وُجُوه الْخلق وعقائدهم عَن الْمُوَالَاة للامامة العباسية عُمُوما وَعَن المشايعة للدولة المستظهرية أيدها الله بالدوام خُصُوصا لافنوا اعمارهم فِي الْحِيَل والوسائل وتهيئة الاسباب والوصائل وَلم يحصلوا فِي اخر الامور الا على الخيبة والحرمان فَهَذَا طَرِيق أقامة الْبُرْهَان على أَن الامام الْحق هُوَ أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد المستظهر بِاللَّه حرس الله ظلاله فِي هَذَا الْعَصْر وَلم يبْق الاحسم مطاعن المنكرين فِي دَعوَاهُم اختلال شَرَائِط الامامة وفوات صِفَات الائمة وَهَا نَحن نبين وَجه الْحق فِيهِ فِي معرض سُؤال وَجَوَاب فَإِن قَالَ قَائِل مَا ذكرتموه من التَّرْجِيح وَتَعْيِين هَذِه الْجِهَة الْكَرِيمَة لمن يسْتَحق الامامة انما يستتب إِذا أظهر تمّ وجود شَرَائِط الْإِمَامَة وصفات الْأَئِمَّة وَلها شُرُوط كَثِيرَة لَا تَنْعَقِد دون شُرُوطهَا بل لَو تطرق الْخلَل إِلَى شَرط من شرائطها امْتنع انْعِقَادهَا ففصلوا الشُّرُوط وبينوا تحققها حَتَّى

стр. 180

نسلم لكم ثُبُوت الْإِمَامَة ونبطل مَذْهَب الْقَائِلين بِأَن هَذَا الْعَصْر والأعصار الخالية القربية كَانَت خَالِيَة عَن الإِمَام لفقد شُرُوط الْإِمَامَة فِي المترشحين لَهَا الْجَواب إِن الَّذِي عده عُلَمَاء الْإِسْلَام من صِفَات الْأَئِمَّة وشروط الْإِمَامَة تحصرها عشر صِفَات سِتّ مِنْهَا خلقية لَا تكتسب واربع مِنْهَا تكتسب أَو يُفِيد الِاكْتِسَاب فِيهَا مزيدا فَأَما السِّت الخلقية فَلَا شكّ فِي حُضُورهَا وَلَا تتَصَوَّر المجاحدة فِي وجودهَا الأولى الْبلُوغ فَلَا تَنْعَقِد الْإِمَامَة لصبي لم يبلغ الثَّانِيَة الْعقل فَلَا تَنْعَقِد لمَجْنُون فَإِن التَّكْلِيف ملاك الْأَمر وعصامه وَلَا تَكْلِيف على صبي وَمَجْنُون الثَّالِثَة الْحُرِّيَّة فَلَا تَنْعَقِد الْإِمَامَة لرقيق فَإِن منصب الْإِمَامَة يَسْتَدْعِي استغراق الْأَوْقَات فِي مهمات الْخلق فَكيف ينتدب لَهَا من هُوَ كالمفقود فِي حق نَفسه الْمَوْجُود لمَالِك يتَصَرَّف تَحت تَدْبيره وتسخيره كَيفَ وَفِي اشْتِرَاط نسب قُرَيْش مَا يتَضَمَّن هَذَا الشَّرْط إِذْ لَيْسَ يتَصَوَّر الرّقّ فِي نسب قُرَيْش بِحَال من الاحوال الرَّابِعَة الذكورية فَلَا تَنْعَقِد الْإِمَامَة لامْرَأَة وان اتصفت بِجَمِيعِ خلال الْكَمَال وصفات الِاسْتِقْلَال وَكَيف تترشح امْرَأَة لمنصب الامامة وَلَيْسَ لَهَا منصب الْقَضَاء وَلَا منصب الشَّهَادَة فِي اكثر الحكومات الْخَامِسَة نسب قُرَيْش لَا بُد مِنْهُ لقَوْله ﷺ الْأَئِمَّة من قُرَيْش وَاعْتِبَار هَذَا مَأْخُوذ من التَّوْقِيف وَمن اجماع أهل الاعصار الخالية على أَن الْإِمَامَة لَيست إِلَّا فِي هَذَا النّسَب وَلذَلِك لم يتصد لطلب الامامة غير قرشي فِي عصر من الاعصار مَعَ شغف النَّاس بِالِاسْتِيلَاءِ والاستعلاء وبذلهم
следующие страницы →