← Акыда

Акыда · id 6554

فضائح الباطنية

أبو حامد الغزالي

Полный текст (226 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فِي مُدَّة الِانْتِظَار مُهْملَة ولانه لما عقدت الْبيعَة لابي بكر رضى الله عَنهُ لم ينْتَظر انتشار الاخبار إِلَى سَائِر الامصار وَلَا تَوَاتر كنب الْبيعَة من اقاصي الاقطار بل اشْتغل بالامامة وخاض فِي الْقيام بِمُوجب الزعامة محتكما فِي اوامره ونواهيه على الْخَاصَّة والعامة واذا بَطل اشْتِرَاط اجماع كَافَّة الْخلق وكافة اهل الْحل وَالْعقد فالتخصيص بعد ذَلِك تحكم اذ لَيْسَ من يشْتَرط بِاتِّفَاق أهل بَلْدَة بِأولى مِمَّن يَكْتَفِي بِأَهْل محلّة أَو قَرْيَة أَو لم يشْتَرط اتِّفَاق اهل نَاحيَة اَوْ اقليم وَمن لَا يشْتَرط اجماع اربعين اَوْ خَمْسَة اَوْ اربعة اَوْ اثْنَيْنِ بِأولى من غَيره من الاعداد وَهَذِه المقدرات قد ذهب إِلَى التحكم بهَا ذاهبون بِمُجَرَّد التشهى من غير مُسْتَند فَلَا يبْقى إِلَّا الِاكْتِفَاء ببيعة شخص وَاحِد وَفِي الاشخاص كَثْرَة واحوالهم متعارضة وَلَا يتَرَجَّح شخص على شخص الا بالعصمة فَيجب ان يكون اذا مولى الْعَهْد وَاحِد وَليكن ذَلِك الشَّخْص مَعْصُوما وَهُوَ معتقدنا وَعند هَذَا لَا تَنْفَع الْكَثْرَة فِي الْمُخَالفين لذَلِك الْوَاحِد المتميز بخاصية عَن غَيره فاذا لَا معتصم فِي الْكَثْرَة الَّتِي تعلقتم بهَا قُلْنَا نعم لَا ماخذ للامامة الا النَّص اَوْ الِاخْتِيَار وَنحن نقُول مهما بَطل النَّص ثَبت الِاخْتِيَار وَقَوْلهمْ ان الِاخْتِيَار بَاطِل لانه لايمكن اعْتِبَار كَافَّة الْخلق وَلَا الِاكْتِفَاء بِوَاحِد وَلَا التحكم بِتَقْدِير عدد معِين بَين الْوَاحِد وَالْكل فَهَذَا جهل بمذهبنا الَّذِي نختاره وَنُقِيم الْبُرْهَان على صِحَّته وَالَّذِي نختاره انه يَكْتَفِي بشخص وَاحِد يعْقد الْبيعَة للامام مهما كَانَ ذَلِك الْوَاحِد مُطَاعًا ذَا شَوْكَة لَا تطال وَمهما كَانَ مَال الى جَانب

стр. 177

مَال بِسَبَبِهِ الجماهير وَلم يُخَالِفهُ الا من لَا يكرث بمخالفته فالشخص الْوَاحِد الْمَتْبُوع المطاع الْمَوْصُوف بِهَذِهِ الصّفة اذا بَايع كفى اذ فِي مُوَافَقَته الجماهير فان لم يحصل هَذَا الْغَرَض الا لشخصين اَوْ ثَلَاثَة فلابد من اتِّفَاقهم وَلَيْسَ الْمَقْصُود اعيان الْمُبَايِعين وانما الْغَرَض قيام شَوْكَة الامام بالاتباع والاشياع وَذَلِكَ يحصل بِكُل مستول مُطَاع وَنحن نقُول لما بَايع عمر ابا بكر رضى الله عَنْهُمَا انْعَقَدت الامامة لَهُ بِمُجَرَّد بيعَته وَلَكِن لتتابع الايدي الى الْبيعَة بِسَبَب مبادرته وَلَو لم يبايعه غير عمر وبقى كَافَّة الْخلق مخالفين اَوْ انقسموا انقساما متكافئا لَا يتَمَيَّز فِيهِ غَالب عَن مغلوب لما انْعَقَدت الامامة فان شَرط ابْتِدَاء الِانْعِقَاد قيام الشَّوْكَة وانصراف الْقُلُوب الى المشايعة ومطابقة البواطن والظواهر على الْمُبَايعَة فان الْمَقْصُود الَّذِي طلبنا لَهُ الامام جمع شتات الاراء فِي مصطدم تعَارض الاهواء وَلَا تتفق الارادات المتنافضة والشهوات المتباينة المتنافرة على مُتَابعَة راى وَاحِد الا اذا ظَهرت شوكته وعظمت نجدته وترسخت فِي النُّفُوس رهبته ومهابته ومدار جَمِيع ذَلِك على الشَّوْكَة وَلَا تقوم الشَّوْكَة الا بموافقة الاكثرين من معتبري كل زمَان فاذا بَان أَن هَذَا مَأْخَذ الْإِمَامَة فَلَيْسَ يتمارى فِي أَن الْجِهَة الشَّرِيفَة الَّتِي ننصرها قد صرف الله وُجُوه كَافَّة الْخلق اليها وجبل قُلُوبهم

стр. 178

على حبها وَلذَلِك قَامَت الشَّوْكَة لَهُ فِي اقطار الارض حَتَّى لَو ظهر بَاغ يظْهر خلافًا فِي هَذَا الجناب الْكَرِيم وَلَو بأقصى الصين اَوْ الْمغرب لبادروا إِلَى اختطافه وتطهير وَجه الارض مِنْهُ متقربين إِلَى الله تَعَالَى وَقد لَاحَ لَك الْآن كَيفَ ترقينا من هَذِه المغاصة الْمظْلمَة وَكَيف دفعنَا مَا أشكل على جَمِيع جَمَاهِير النظار من تعْيين الْمِقْدَار فِي عدد أهل الأخيار إِذا لم نعين لَهُ عددا بل اكتفينا بشخص وَاحِد يُبَايع وحكمنا بانعقاد الإمامه عِنْد بيعَته لَا لِتَفَرُّدِهِ فِي عينه وَلَكِن لكَون النُّفُوس محموله على مُتَابعَة ومبايعة من أذعن هُوَ لطاعته وَكَانَ فِي مُتَابَعَته قيام قُوَّة الإِمَام وشوكته وانصراف قُلُوب الْخَلَائق إِلَى شخص وَاحِد أَو شَخْصَيْنِ أَو ثَلَاثَة على مَا تَقْتَضِيه الْحَال فِي كل عصر لَيْسَ أمرا اخْتِيَارا يتَوَصَّل إِلَيْهِ بالحيلة البشرية بل هُوَ رزق إلهي يؤتيه الله من يَشَاء فَكَانَا فِي الظَّاهِر رددنا تعْيين الامامة إِلَى اخْتِيَار شخص وَاحِد وَفِي الْحَقِيقَة رددناها إِلَى اخْتِيَار الله تَعَالَى ونصبه إِلَّا أَنه يظْهر اخْتِيَار الله عقيب مُتَابعَة شخص وَاحِد أَو أشخاص وَإِنَّمَا الْمُصَحح لعقد الْإِمَامَة انصراف قُلُوب الْخلق لطاعته والانقياد لَهُ فِي امْرَهْ وَنَهْيه وَهَذِه نعْمَة وهدية من الله تَعَالَى فاذا أتاحها لعبد من عباده وَصرف إِلَى محبته وُجُوه اكثر خلقه وَكَانَ ذَلِك من الله تَعَالَى لطفا فِي اخْتِيَاره لخلافته وتعيينه للاقتداء بأوامره فِي تفقد عباده وَذَلِكَ أَمر لَا يقدر كل الْبشر على الاحتيال لتحصيله فَلْينْظر النَّاظر إِلَى مرتبَة الْفَرِيقَيْنِ إِذا نسيت الباطنية أَنْفسهَا إِلَى أَن نصب الإِمَام عِنْدهم من الله تَعَالَى وَعند خصومهم من الْعباد ثمَّ لم يقدروا على بَيَان وَجه نِسْبَة ذَلِك إِلَى الله تَعَالَى إِلَّا بِدَعْوَى الاختراع على رَسُوله فِي النَّص على على وَدَعوى بَقَاء ذَلِك فِي ذُريَّته بَقَاء كل خلف لكل وَاحِد وَدَعوى

стр. 179

تنصيصه على أحد أَوْلَاده بعد مَوته إِلَى ضروب من الدَّعَاوَى الْبَاطِلَة وَلما نسبونا إِلَى أَنا ننصب الإِمَام بشهوتنا واختيارنا ونقموا ذَلِك منا كشفنا لَهُم بِالآخِرَة أَنا لسنا نقدم إِلَّا من قدمه الله فان الامامة عندنَا تَنْعَقِد بِالشَّوْكَةِ والشوكة تقوم بالمبايعة والمبايعة لَا تحصل إِلَّا بِصَرْف الله تَعَالَى الْقُلُوب قهرا إِلَى الطَّاعَة والموالاة وَهَذَا لَا يقدر عَلَيْهِ الْبشر ويدلك عَلَيْهِ انه لَو اجْمَعْ خلق كثير لَا يُحْصى عَددهمْ على أَن يصرفوا وُجُوه الْخلق وعقائدهم عَن الْمُوَالَاة للامامة العباسية عُمُوما وَعَن المشايعة للدولة المستظهرية أيدها الله بالدوام خُصُوصا لافنوا اعمارهم فِي الْحِيَل والوسائل وتهيئة الاسباب والوصائل وَلم يحصلوا فِي اخر الامور الا على الخيبة والحرمان فَهَذَا طَرِيق أقامة الْبُرْهَان على أَن الامام الْحق هُوَ أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد المستظهر بِاللَّه حرس الله ظلاله فِي هَذَا الْعَصْر وَلم يبْق الاحسم مطاعن المنكرين فِي دَعوَاهُم اختلال شَرَائِط الامامة وفوات صِفَات الائمة وَهَا نَحن نبين وَجه الْحق فِيهِ فِي معرض سُؤال وَجَوَاب فَإِن قَالَ قَائِل مَا ذكرتموه من التَّرْجِيح وَتَعْيِين هَذِه الْجِهَة الْكَرِيمَة لمن يسْتَحق الامامة انما يستتب إِذا أظهر تمّ وجود شَرَائِط الْإِمَامَة وصفات الْأَئِمَّة وَلها شُرُوط كَثِيرَة لَا تَنْعَقِد دون شُرُوطهَا بل لَو تطرق الْخلَل إِلَى شَرط من شرائطها امْتنع انْعِقَادهَا ففصلوا الشُّرُوط وبينوا تحققها حَتَّى

стр. 180

نسلم لكم ثُبُوت الْإِمَامَة ونبطل مَذْهَب الْقَائِلين بِأَن هَذَا الْعَصْر والأعصار الخالية القربية كَانَت خَالِيَة عَن الإِمَام لفقد شُرُوط الْإِمَامَة فِي المترشحين لَهَا الْجَواب إِن الَّذِي عده عُلَمَاء الْإِسْلَام من صِفَات الْأَئِمَّة وشروط الْإِمَامَة تحصرها عشر صِفَات سِتّ مِنْهَا خلقية لَا تكتسب واربع مِنْهَا تكتسب أَو يُفِيد الِاكْتِسَاب فِيهَا مزيدا فَأَما السِّت الخلقية فَلَا شكّ فِي حُضُورهَا وَلَا تتَصَوَّر المجاحدة فِي وجودهَا الأولى الْبلُوغ فَلَا تَنْعَقِد الْإِمَامَة لصبي لم يبلغ الثَّانِيَة الْعقل فَلَا تَنْعَقِد لمَجْنُون فَإِن التَّكْلِيف ملاك الْأَمر وعصامه وَلَا تَكْلِيف على صبي وَمَجْنُون الثَّالِثَة الْحُرِّيَّة فَلَا تَنْعَقِد الْإِمَامَة لرقيق فَإِن منصب الْإِمَامَة يَسْتَدْعِي استغراق الْأَوْقَات فِي مهمات الْخلق فَكيف ينتدب لَهَا من هُوَ كالمفقود فِي حق نَفسه الْمَوْجُود لمَالِك يتَصَرَّف تَحت تَدْبيره وتسخيره كَيفَ وَفِي اشْتِرَاط نسب قُرَيْش مَا يتَضَمَّن هَذَا الشَّرْط إِذْ لَيْسَ يتَصَوَّر الرّقّ فِي نسب قُرَيْش بِحَال من الاحوال الرَّابِعَة الذكورية فَلَا تَنْعَقِد الْإِمَامَة لامْرَأَة وان اتصفت بِجَمِيعِ خلال الْكَمَال وصفات الِاسْتِقْلَال وَكَيف تترشح امْرَأَة لمنصب الامامة وَلَيْسَ لَهَا منصب الْقَضَاء وَلَا منصب الشَّهَادَة فِي اكثر الحكومات الْخَامِسَة نسب قُرَيْش لَا بُد مِنْهُ لقَوْله ﷺ الْأَئِمَّة من قُرَيْش وَاعْتِبَار هَذَا مَأْخُوذ من التَّوْقِيف وَمن اجماع أهل الاعصار الخالية على أَن الْإِمَامَة لَيست إِلَّا فِي هَذَا النّسَب وَلذَلِك لم يتصد لطلب الامامة غير قرشي فِي عصر من الاعصار مَعَ شغف النَّاس بِالِاسْتِيلَاءِ والاستعلاء وبذلهم

стр. 181

غَايَة الْجهد والطاقة فِي الترقي إِلَى منصب الْعلَا وَلذَلِك لما هم المخالفون بِمصْر لطلب هَذَا الامر ادعوا أَولا لانفسهم الاعتزاء الى هَذَا النّسَب علما مِنْهُم بَان الْخلق متطابقون على اعْتِقَادهم لانحصار الامامة فيهم السَّادِسَة سَلامَة حاسة السّمع وَالْبَصَر اذ لَا يتَمَكَّن الاعمى والاصم من تَدْبِير نَفسه فَكيف يتقلد عُهْدَة الْعَالم وَلذَلِك لم يستصلحا لمنصب الْقَضَاء واضاف مصنفون إِلَى هَذَا اشْتِرَاط السَّلامَة من البرص والجذام والزمانة وَقطع الاطراف وَسَائِر الْعُيُوب الْفَاحِشَة المنفرة وانكره منكرون وَقَالُوا لَا حَاجَة الى وجود السَّلامَة من هَذِه الامراض فان التكفل بامور الْخلق وَالْقِيَام بمصالحهم لَا تستدعيها وَلم يرد من الشَّارِع تَوْقِيف وَتعبد فِيهَا وَلَيْسَ من غرضنا بَيَان الصَّحِيح من المذهبين وانما الْمَقْصُود ان هَذِه الصِّفَات السِّت غريزية لَا يُمكن اكتسابها وهى بجملتها حَاضِرَة حَاصِلَة فَلَا تثور مِنْهَا شُبْهَة المعاندة أما الصِّفَات الاربع المكتسبة وهى النجدة والكفاية وَالْعلم والورع فقد اتَّفقُوا على اعْتِبَارهَا وَنحن نبين وجود الْقدر الْمَشْرُوط لصِحَّة الامامة فِي الامام المستظهر بِاللَّه امير الْمُؤمنِينَ ثَبت الله دولته وان امامته على وفْق الشَّرْع وانه يجب على كل مفت من عُلَمَاء الدَّهْر ان يفني على الْقطع بِوُجُوب طَاعَته على الْخلق ونفوذ اقضيته

стр. 182

بِالْحَقِّ وبصحة تَوليته للولاة وتقليده للقضاة وَصرف حُقُوق الله اليه ليصرفها إِلَى مصارفها وبوجهها إِلَى مظانها ومواقعها ونتكلم فِي هَذِه الصِّفَات الاربع على التَّرْتِيب القَوْل فِي الصّفة الأولى وَهِي النجدة فَنَقُول مُرَاد الائمة بالنجدة ظُهُور الشَّوْكَة وموفور الْعدة والاستظهار بالجنود وَعقد الالوية والبنود والاستمكان بتضافر الاشياع والاتباع من قمع الْبُغَاة والطغاة ومجاهدة الْكَفَرَة والعتاة وتطفئة نائرة الْفِتَن وحسم مواد المحن قبل أَن يستظهر شررها وينتشر ضررها هَذَا هُوَ المُرَاد بالنجدة وَهِي حَاصِلَة لهَذِهِ الْجِهَة المقدسة فالشوكة فِي عصرنا هَذَا من اصناف الْخَلَائق للترك وَقد اسعدهم الله تَعَالَى بموالاته ومحبته حَتَّى انهم يَتَقَرَّبُون الى الله بنصرته وقمع اعداء دولته ويتدينون باعتقاد خِلَافَته وامامته وَوُجُوب طَاعَته كَمَا يندينون بِوُجُوب اوامر الله وبتصديق رسله فِي رسَالَته فَهَذِهِ نجدة لم يثبت مثلهَا لغيره فَكيف يتمارى فِي نجدته فَإِن قيل كَيفَ تحصل نجدته بهم وانا نراهم يتهجمون على مُخَالفَة اوامره ونواهيه ويتعدون الْحُدُود المرسومة لَهُم فِيهِ وانما تحصل الشَّوْكَة بِمن يتَرَدَّد تَحت الطَّاعَة على حسب الِاسْتِطَاعَة وهولاء فِي حركاتهم

стр. 183

لَا يَتَرَدَّدُونَ الا خلف شهواتهم واذا هاج لَهُم غضب أَو حركتهم شَهْوَة أَو أوغر صُدُورهمْ ضغينة لم يبالوا بالاتباع وَلم يعرفوا الا الرُّجُوع الى مَا جبلوا عَلَيْهِ من طباع السبَاع فَكيف تقوم الشَّوْكَة بهم قُلْنَا هَذَا سُؤال فِي غَايَة الركاكة فَإِن الطَّاعَة الْمَشْرُوطَة فِي حق الْخلق لقِيَام شَوْكَة الامام لَا تزيد على الطَّاعَة الْمَشْرُوطَة على الارقاء وَالْعَبِيد فِي حق ساداتهم وَلَا على الطَّاعَة الْمَفْرُوضَة على الْمُكَلّفين لله وَرَسُوله واحوال العبيد فِي طَاعَة سيدهم وأحوال الْعباد فِي طَاعَة رَبهم لَا تنفك عَن الانقسام إِلَى مُوَافقَة وَمُخَالفَة فَلَمَّا انقسم المكلفون إِلَى المطيعين والعصاة وَلم ينسلخوا بِهِ عَن اهاب الاسلام وَلَا انسلوا بِهِ عَن ربقته مَا داموا معتقدين ان الطَّاعَة لله مَفْرُوضَة وان الْمُخَالفَة مُحرمَة ومكروهة فَهَذَا حَال الْجد فِي الطَّاعَة لصَاحب الامر فانهم وان خالفوا امرا من الاوامر الْوَاجِبَة الطَّاعَة اعتقدوا الْمُخَالفَة اساءة والموافقة حَسَنَة وَلذَلِك تراهم لَا يغيرون العقيدة عَن الْمُوَالَاة وَلَو قطعُوا إربا وَمَا من شخص يقدر مُخَالفَته فِي أَمر من الْأُمُور إِلَّا وَهُوَ بِعَيْنِه إِذا انْتهى إِلَى العتبة الشَّرِيفَة صفع الأَرْض خاضعا وعفر خَدّه فِي التُّرَاب متواضعا ووقف وقُوف أذلّ العبيد على بَابه وانتهض مائلا على رجلَيْهِ عِنْد سَماع خطابه وَلَو نبغت نَابِغَة فِي طرف من أَطْرَاف الأَرْض على معاداة هَذِه الدولة الزاهرة لم يكن فيهم أحد إِلَّا وَيرى النضال دون حوزتها جهادا فِي سَبِيل الله نازلا منزلَة جِهَاد الْكفَّار فأية طَاعَة فِي عَالم الله تزيد على هَذِه الطَّاعَة وأية شَوْكَة فِي الدُّنْيَا تقَابل هَذِه الشَّوْكَة وليت شعري لم لَا يتَذَكَّر الباطنية عِنْد إِيرَاد هَذَا السُّؤَال مَا جرى لعَلي ﵁ من اضْطِرَاب الاحوال وتخلف أشياعه عَنهُ فِي الْقِتَال ومخالفتهم لاستصوابه فِي أَكثر الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال حَتَّى كَانَ لَا تنفك خطْبَة من خطبه عَن شكايتهم فِي الْإِعْرَاض عَنهُ والاستبداد برأيهم حَتَّى كَانَ يَقُول

стр. 184

لَا رأى لمن لَا يطاع فاذا كَانَت تقوم شوكته بِاتِّبَاع الاكثر من اتِّبَاعه من انتصاب من انتصب لمُخَالفَته فَكيف لَا تقوم الشَّوْكَة فِي زَمَاننَا هَذَا وَالْحَال على مَا ذكرنَا فان قيل كَانَ عَليّ رضى الله عَنهُ يتَوَلَّى الامر بِنَفسِهِ ويباشر الحروب ويتبرج لِلْخلقِ وَلَا يحتجب عَنْهُم قُلْنَا وَمن الَّذِي شَرط فِي الْإِمَامَة مُبَاشرَة الْأُمُور وتعاطيها بِنَفسِهِ نعم لَا حرج عَلَيْهِ لَو بَاشر بِنَفسِهِ فَإِذا اسْتغنى بجُنُوده وَأَتْبَاعه عَن المقاساة للحرب بِنَفسِهِ جَازَ لَهُ الِاقْتِصَار على مُجَرّد الرَّأْي وَالتَّدْبِير إِذا رُوجِعَ فِي الْأُمُور الْقَرِيبَة مِنْهُ وَمن قطره والتفويض إِلَى ذَوي الرَّأْي الموثوق ببصيرتهم فِي الْأُمُور الْبَعِيدَة عَنهُ وَهَذَا الْآن فِي عصرنا مُسْتَغْنى عَنهُ فقد سخر الله رجال الْعَالم وأبطالهم لموالاة هَذِه الحضرة وطاعتها حَتَّى تبددوا فِي أقطار الدُّنْيَا كَمَا نشاهد ونرى فَلَيْسَ وَرَاء هَذِه الشَّوْكَة أَمر يشْتَرط وجوده لصِحَّة الْإِمَامَة فَإِن قيل وَمَا بالكم تنْظرُون إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا تنْظرُون إِلَى جنود الْمُخَالفين وهم أَيْضا مستظهرين بشوكة على مُخَالفَة هَذِه الشَّوْكَة قُلْنَا مهما كَانَت الْكَثْرَة من هَذَا الْجَانِب لم تقدح مُخَالفَة المخ الفين أفترى لم لم ينظر الباطني إِلَى شَوْكَة مُعَاوِيَة وعدته ومقاومته لعلى بجُنُوده وأنصاره فَكيف لمَم يشْتَرط فِي صِحَة الْإِمَامَة أَن تصفو لَهُ جَوَانِب الدُّنْيَا عَن قذى الْمُخَالفَة وَلَو شَرط هذافي الإمانة لم تَنْعَقِد الأمامة لأحد قطّ من مبدأالامرإلى زَمَاننَا هَذَا فقد اتَّضَح أَن الْمَشْرُوط من هَذِه الصّفة مَوْجُود وَزِيَادَة

стр. 185

القَوْل فِي الصّفة الثَّانِيَة وَهِي الْكِفَايَة وَمَعْنَاهَا التهدى لحق الْمصَالح فِي معضلات الْأُمُور والاطلاع على المسلك المقتصد عِنْد تعَارض الشرور كالعقل الَّذِي يُمَيّز الْخَيْر عَن الشَّرّ وينصف بِهِ الْجُمْهُور وَإِنَّمَا الْعَزِيز المعون عقل يعرف خير الخيرين وَشر الشريرين وَذَلِكَ أَيْضا فِي الْأُمُور العاجلة وَهِي هينة قريبَة وَإِنَّمَا الملتبس عواقب الْأُمُور المخطرة وَلنْ يسْتَقلّ بهَا إِلَّا مُسَدّد للتوفيق من جِهَة الله تَعَالَى وَنحن نقُول إِن هَذِه الصّفة حَاصِلَة فَإِن أَسبَابهَا متوافرة فَإِنَّهَا مهما حصل من غريزة الْعقل وانفك عَن العته والخبل كَانَ الْوُصُول إِلَى دَرك عواقب الْأُمُور بطرِيق الظَّن والحدس مَبْنِيا على ركنين أَحدهمَا الْفِكر وَالتَّدْبِير وَشَرطه الفطنة والذكاء وَهَذِه خصْلَة تميز فِيهَا الْمَنْصُور إِمَامَته والمفروض طَاعَته عَن النظراء بمزيد النَّفاذ والمضاء حَتَّى صَار أكَابِر الْعُقَلَاء يتعجبون فِي معضلات الوقائع من رَأْيه الصائب وعقله الثاقب وتفطنه للدقائق يشذ عَن دَرك المحنكين من ذَوي التجارب وَهَذِه صفة غريزية وَهِي من الله تحفة وهدية والركن الثَّانِي الاستضاءة بخاطر ذوى البصائر واستطلاع راى اولى التجارب على طَرِيق الْمُشَاورَة وَهِي الْخصْلَة الَّتِي امْر الله بهَا نبيه إِذْ قَالَ ﴿وشاورهم فِي الْأَمر﴾ ثمَّ شَرطه أَن يكون المستشير مُمَيّزا بَين

стр. 186

الْمَرَاتِب عَارِفًا للمناصب معولا على راى من يوثق بدهائه وكفايته ومضائه وصرامته وشفقته وديانته وَهَذَا هُوَ الرُّكْن الاعظم فِي تَدْبِير الامور فان الاستبداد بِالرَّأْيِ وان كَانَ من ذوى البصائر مَذْمُوم ومحذور وَقد وفْق الله الإِمَام بتفويض مقاليد أمره إِلَى وزيره الَّذِي لم يقطع ثوب الوزارة الا على قده حَتَّى استظهر بآرائه السديدة فِي نَوَائِب الزَّمَان ومعضلات الْحدثَان ومراعاة مصَالح الْخلق فِي حفظ نظام الدّين وَالْملك وَهُوَ الْجَامِع للصفات الَّتِي شَرطهَا الشَّرْع وَالْعقل فِي الْمُدبر والمشير من متانة الدّين ونقاية الرأى وممارسة الخطوب ومقاساة الشدائد فِي طوارق الايام ورزانة الْعقل والعطف على الْخلق والتلطف بالرعية وبمجموع هذَيْن الامرين يفهم مَطْلُوب الْكِفَايَة فان مقصودها اقامة تناظم الامور الدِّينِيَّة والدنيوية وَهَذِه قَضِيَّة يسْتَدلّ على وجودهَا بمشاهدة الاحوال والافعال فَلْينْظر الْمنصف كَيفَ عالج معضلات الزَّمَان بِحسن رايه لما استاثر الله بِروح الامام المقتدى وامتع كَافَّة الْخلق بالامامة الزاهرة المستظهرية وَقد وَافق وَفَاته احداق العساكر بِمَدِينَة السَّلَام وازدحام اصناف الْجند على حافتها وَالزَّمَان زمَان الفترة وَالدُّنْيَا طافحة بالمحن متموجة بالفتن وَالسُّيُوف مسلولة فِي اقطار الارض وَالِاضْطِرَاب عَام فِي سَائِر الْبِلَاد لَا يسكن فِيهَا اوار الْحَرْب وَلَا تنفك عَن الطعْن وَالضَّرْب وامتدت اطماع الْجند الى الذَّخَائِر ففغروا أَفْوَاههم نَحْو الخزائن وَكَانَ يتداعى إِلَى تَغْيِير الضمائر وثور الاحقاد والضغائن فَلم يزل بدهائه وذكائه

стр. 187

وَحسن نظره ورايه مراعيا لنظام الامر مترددا بَين اللطف والعنف حَتَّى انْعَقَدت الْبيعَة وانتشرت الطَّاعَة واذعنت الرّقاب واتسقت الاسباب وانطفات الْفِتَن الثائرة وظل ظلّ الْخلَافَة بِحسن تَدْبيره وبراى وزيره ممدودا واصبح لِوَاء النَّصْر بِحسن مساعيه معقودا وَطَرِيق الْفساد بهيبته مسدودا واضحت الرعايا فِي رعايته وَادعَة وَصَارَت عين الْحَوَادِث بِحسن كلاءته عَن مديته السَّلَام هاجعة فليت شعري هَل تكسب مثل هَذِه العظائم الا بِكَمَال الْكِفَايَة ونباهة الحزم وَالْهِدَايَة وَهل يسْتَدلّ على كِفَايَة الْمُلُوك بِشَيْء سوى انتظام التَّدْبِير وَحسن الراى فِي اخْتِيَار المشير والوزير فَلَيْسَ يعْتَبر فِي صِحَة الامامة صفة الْكِفَايَة الا مَا يسر الله سُبْحَانَهُ لَهُ اضعاف ذَلِك فليقطع بِوُجُود هَذِه الشريطة ايضا مَضْمُومَة إِلَى سَائِر الشَّرَائِط القَوْل فِي الصّفة الثَّالِثَة وَهِي الْوَرع وَهَذِه هِيَ اعز الصِّفَات واجلها واولاها بالرعايات واجدرها وَهُوَ وصف ذاتي لَا يُمكن استعارته وَلَا الْوَصْل إِلَى تَحْصِيله من جِهَة الْغَيْر اما النجدة فتحصيلها من الْغَيْر لَا محَالة وَالْهِدَايَة وان اعتمدت على غزارة الْعقل ففوائدها يُمكن فِيهَا الِاسْتِعَارَة بطرِيق الْمُرَاجَعَة والاستشارة وَالْعلم ايضا يُمكنهُ تَحْصِيله بالاستفتاء واستطلاع رأى الْعلمَاء والورع هُوَ الاساس والاصل وَعَلِيهِ يَدُور الامر كُله وَلَا يُغني فِيهِ ورع الْغَيْر وَهُوَ رَأس المَال ومصدر جملَة الْخِصَال وَلَو اخْتَلَّ هَذَا وَالْعِيَاذ بِاللَّه لم يبْق معتصم فِي تَحْقِيق الامامة فَالْحَمْد لله الَّذِي زين احوال الامام الْحق الْمَنْصُور امامته بالورع وَالتَّقوى حَتَّى اوفي فِيهِ على الغية القصوى فتميز بمتانة الدّين وصفاء الْعقل وَالْيَقِين فِي جَمَاهِير الْخُلَفَاء حَتَّى ظهر

стр. 188

من أَحْوَاله مُنْذُ تجمل صدر الْخلَافَة بجماله من إفَاضَة الْخيرَات والعطف على الرعايا وذوى الْحَاجَات وَقطع العمارات الَّتِي كَانَت الْعَادة جَارِيَة بالمواظبة عَلَيْهَا كل ذَلِك اضرابا عَن عمَارَة الدُّنْيَا واكبابا على مَا ظهر من عمَارَة الدّين هَذَا مَعَ مَا ظهر من سيرته فِي خَاصَّة حَالَته من لبس الثِّيَاب الخشنة وَاجْتنَاب الترفه والدعة والمواظبة على الْعِبَادَات ومهاجرة الشَّهَوَات وَاللَّذَّات استحقارا لزخارف الدُّنْيَا وتوقيا من ورطات الْهوى والتفاتا الى حسن الماب فِي العقبى فَهُوَ على التَّحْقِيق الشَّاب الَّذِي نَشأ فِي عبَادَة الله هَذَا كُله فِي عنفوان السن وغرة من الشَّبَاب وبداية الامر يُنَبه الْعُقَلَاء لما سينتهي اليه الْحَال اذا قَارب سنّ الْكَمَال إِن الْهلَال اذا رايت نموه ايقنت أَن سيصير بَدْرًا كَامِلا وَالله تَعَالَى يمده باطول الاعمار وينشر اعلامه فِي اقاصي الديار فان قَالَ قَائِل كَيفَ تجاسرتم على دَعْوَى التَّقْوَى والورع وَمن شَرطه التجرد عَن الاموال حَتَّى لاياخذ قيراطا الا من حلّه وَلَا يَدعه الا فِي مَظَنَّة اسْتِحْقَاقه وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ اتَّقوا النَّار وَلَو بشق تَمْرَة وَلَيْسَ يتم الْوَرع بالمواظبة على الْفَرَائِض وَاجْتنَاب الموبقات والكبائر بل عماد هَذَا الامر الْعدْل وَاجْتنَاب الظُّلم فِي طرفِي الاعطاء والاخذ فان ادعيتم حُصُول هَذَا الشَّرْط نفرت الْقُلُوب عَن التَّصْدِيق وان اعترفتم باختلال الامر فِيهِ انخرم مَا ادعيتموه من حُصُول الْوَرع وَالتَّقوى قُلْنَا هَذَا السُّؤَال نكسر اولا سورته ثمَّ ننبه على سر هُوَ مُنْتَهى الانصاف فَنَقُول ان صدر الِاعْتِرَاض عَن باطني فَلَعَلَّهُ لَو رَاجع صَاحبه الَّذِي يواليه واستقرى مَا شَاهده من هَذِه الاحوال فِيهِ افتضح فِي دعاويه وَكَانَ الْحيَاء خيرا لَهُ مِمَّا يُورِدهُ ويبديه وان صدر السُّؤَال عَن اُحْدُ عُلَمَاء الْعَصْر الَّذين يَعْتَقِدُونَ خلو الزَّمَان عَن الامام لفقد شَرطه

стр. 189

فَيُقَال لَهُ هون على نَفسك فان دَعْوَى وجود هَذَا الشريط غير مستبعدة فان الاموال المنصبة إِلَى الخزائن المعمورة اربعة اصناف الصِّنْف الاول ارْتِفَاع المستغلات وهى ماخوذة من اموال موروثة لَهُ والصنف الثَّانِي اموال الْجِزْيَة وَهِي من اطيب مَا يُؤْخَذ والصنف الثَّالِث اموال التركات وَلم يعْهَد مِنْهُ قطّ الى الان الطمع فِي تَرِكَة تعين لاستحقاقها وَارِث وَمن لَا وَارِث لَهُ فمنصبه بَيت المَال الصِّنْف الرَّابِع اموال الْخراج الماخوذة من ارْض الْعرَاق وَمذهب الشَّافِعِي وَطَوَائِف من الْعلمَاء أَن أَرض الْعرَاق وقف وَهِي من عبادان الى الْموصل طولا وَمن الْقَادِسِيَّة الى حلوان عرضا انما وقفهخا عمر رضى الله عَنهُ على الْمُسلمين ليَكُون جَمِيع خراجها منصبا الى بَيت المَال ومصالح الْمُسلمين فَهَذِهِ هِيَ الاموال الماخوذة واخذها جَائِز وَيبقى النّظر فِي مصارفها وَهِي مَعَ اخْتِلَاف جهاتها ارْبَعْ جِهَات وفيهَا تَنْحَصِر مصَالح الاسلام وَالْمُسْلِمين الْجِهَة الاولى المرتزقة من جند الاسلام اذ لابد من كفايتهم واكثرهم فِي هَذَا الْعَصْر مكفيون بثروتهم واستظهارهم ومقتدرون على كِفَايَة غَيرهم وَمَعَ ذَلِك فقد امدهم الراى الشريف النَّبَوِيّ فِي هَذِه الايام مُدَّة مقَام الْعَسْكَر بِمَدِينَة السَّلَام باموال استفرغ فِيهَا الخزائن وافاض عَلَيْهِم من ضروب التشريفات والانعام مَا يخلد ذكره على مكر الايام والاعوام الْجِهَة الثَّانِيَة عُلَمَاء الدّين وفقهاء الْمُسلمين القائمون بعلوم الشَّرِيعَة فانهم حراس الدّين بِالدَّلِيلِ والبرهان كَمَا ان الْجنُود حراسه بِالسَّيْفِ والسنان وَمَا من وَاحِد مِنْهُم الا وَهُوَ مكفى من جِهَته برسم وادرار ومخصوص بانعام وايثار والمستحق لَهُم ايضا على بَيت المَال قدر الْكِفَايَة وَهُوَ مبذول لكل من يتشبه بَاهل الْعلم فضلا عَمَّن يتلحى بتحقيقه الْجِهَة الثَّالِثَة محاويج الْخلق الَّذين قصرت بهم ضَرُورَة الْحَال وطوارق الزَّمَان عَن اكْتِسَاب قدر الْكِفَايَة وَلَيْسَ ينتهى اليه الْخَبَر فِي حَاجَة الا سدها

стр. 190

وَلَا يرْتَفع اليه قصد ذِي فاقة الا تداركها ومواظبته على الصَّدقَات فِي نوب مُتَوَالِيَات فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة كَافِيَة جَمِيع الْحَاجَات الْجِهَة الرَّابِعَة الْمصَالح الْعَامَّة من عمَارَة الرباطات والقناطر والمساجد والمدارس فَيصْرف لَا محَالة الى هَذِه الْجِهَة عِنْد الْحَاجة قدر من بَيت مَال الْمُسلمين فَلَا ترى هَذِه الْمَوَاضِع فِي أَيَّامه إِلَّا معمورة وملحوظة بالتعاهد من القوام بهَا والمتكفلين لَهَا وَهَذَا وَجه الدخل والخرج ونختم الْكَلَام بِمَا يقطع مَادَّة الْخِصَام وَتبين فِيهِ غَايَة الانصاف فَنَقُول لَا يظنن ظان انا نشترط فِي الامامة الْعِصْمَة فان الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي حُصُولهَا للانبياء والاكثرون على انهم لم يعصموا من الصَّغَائِر وَلَو اعْتبرت الْعِصْمَة من كل زلَّة لتعذرت الولايات وانعزلت الْقُضَاة وَبَطلَت الامامة وَكَيف يحكم بِاشْتِرَاط التنقى من كل مَعْصِيّة والاستمرار على سمت التَّقْوَى من غير عدُول وَمَعْلُوم ان الجبلات متقاضية للذات والطباع محرضة على نيل الشَّهَوَات والتكاليف يتضمنها من العناء مَا يتقاعد عَن احتمالها الاقوياء ووساوس الشَّيْطَان وهواجس النَّفس مستحثة على حب العاجلة واستحقار الاجلة والجبلة الانسانية بالسوء امارة والتقى فِي ارجوحة الْهوى يغلب تَارَة ويعجز تَارَة والشيطان لَيْسَ يفتر عَن الوساوس والزلات تكَاد تجرى على الانفاس فَكيف يتَخَلَّص الْبشر عَن اقتحام مَحْظُور والتورط فِي مَحْظُور وَلذَلِك قَالَ الشَّافِعِي رضى الله عَنهُ فِي شَرط عَدَالَة الشَّهَادَة لايعرف اُحْدُ بمحض الطَّاعَة حَتَّى لَا يتضمخ بِمَعْصِيَة وَلَا أحد بمحض الْمعْصِيَة حَتَّى لَا يقدم على طَاعَة وَلَا يَنْفَكّ اُحْدُ عَن تَخْلِيط وَلَكِن من غلبت الطَّاعَات فِي حَقه الْمعاصِي وَكَانَت تسووه سيئته وتسره حسنته فَهُوَ مَقْبُول الشَّهَادَة ولسنا نشترط فِي عَدَالَة الْقَضَاء الا مَا نشترطه فِي الشَّهَادَة وَلَا نشترط فِي الامامة الا مَا نشترطه

стр. 191

فِي الْقَضَاء وَهَذَا ذَكرْنَاهُ اذا لج ملاح اَوْ الح ملح ولازم اللدد فِي تَصْوِير امْر من الامور لَا يُوَافق ظَاهر الشَّرْع وارادته الطعْن فِي الامامة والقدح فِيهَا عرف ان ذَلِك غير قَادِح فِي اصل الامامة بِحَال من الاحوال القَوْل فِي الصّفة الرَّابِعَة وَهِي الْعلم فَإِن قَالَ قَائِل اتّفق راي الْعلمَاء على أَن الامامة لَا تَنْعَقِد الا لمن نَالَ رُتْبَة الِاجْتِهَاد وَالْفَتْوَى فِي عُلُوم الشَّرْع وَلَا يمكنكم دَعْوَى وجود هَذِه الشريطة وَلَو ادعيتم أَن ذَلِك لَا يشْتَرط كَانَ انسلالا عَن وفَاق الْعلمَاء قاطبة فَمَا رَأْيكُمْ فِي هَذِه الصّفة قُلْنَا لَو ذهب ذَاهِب إِلَى أَن بُلُوغ دَرَجَة الِاجْتِهَاد لَا يشْتَرط فِي الامامة لم يكن فِي كَلَامه الا الاعزاب عَن الْعلمَاء الماضين والا فَلَيْسَ فِيهِ مَا يُخَالف مُقْتَضى الدَّلِيل وَسِيَاق النّظر فان الشُّرُوط الَّتِي تدعى للامامة شرعا لابد من دَلِيل يدل عَلَيْهَا وَالدَّلِيل اما نَص من صَاحب الشَّرْع واما النّظر فِي الْمصلحَة الَّتِي طلبت الامامة لَهَا وَلم يرد النَّص من شَرَائِط الامامة فِي شَيْء الا فِي النّسَب اذ قَالَ أَن الائمة من قُرَيْش فاما مَا عداهُ فانما اخذ من الضَّرُورَة وَالْحَاجة الماسة فِي مَقْصُود الامامة اليها فَهَذَا كَمَا شرطنا الْعقل وَالْحريَّة وسلامة الْحَواس وَالْهِدَايَة والنجدة والورع فان هَذِه الامور لَو قدر عدمهَا لم يَنْتَظِم امْر الامامة بِحَال من الاحوال وَلَيْسَت رُتْبَة الِاجْتِهَاد مِمَّا لَا بُد مِنْهُ فِي الامامة ضَرُورَة بل الْوَرع الدَّاعِي الى مُرَاجعَة اهل الْعلم فِيهِ كَاف فاذا كَانَ الْمَقْصُود تَرْتِيب الامامة على وفْق الشَّرْع فاى فرق بَين ان يعرف حكم الشَّرْع بنظره اَوْ يعرفهُ بِاتِّبَاع افضل اهل زَمَانه واذا جَازَ للمجتهد ان يعول على قَول وَاحِد ويروى لَهُ حَدِيثا فَيحكم بِهِ إِمَامًا كَانَ اَوْ قَاضِيا فَمَا الْمَانِع من ان يحكم بِمَا يتَّفق عَلَيْهِ الْعلمَاء فِي كل وَاقعَة وان اخْتلف

стр. 192

فَيتبع فِيهِ قَوْله الافضل الاعلم وَلم لَا يكون مكملا بَافضل اهل الزَّمَان مَقْصُود الْعلم كَمَا كمل باقوى اهل الزَّمَان مَقْصُود الشَّوْكَة وبادهى اهل الزَّمَان وأكفاهم رَأيا ونظرا مَقْصُود الْكِفَايَة فَلَا تزَال دولته محفوفة بِملك من الْمُلُوك قوى يمده بشوكته وكاف من كفاة الزَّمَان يتَصَدَّى لوزارته فيمده برايه وهدايته وعالم مقدم فِي الْعُلُوم يفِيض مَا يلوح من قضايا الشَّرْع فِي كل وَاقعَة إِلَى حَضرته هَذَا لَو قَالَ بِهِ قَائِل لَكَانَ مستمدا من قواطع الادلة والبراهين الَّتِى يجوز اسْتِعْمَالهَا فِي مظان الْقطع وَالْيَقِين فَكيف فِي مواقع الظَّن والتخمين واكثر مسَائِل الامامة واحكامها مسَائِل فقهية ظنية يحكم فِيهَا بِمُوجب الراى الاغلب وَمَا ذكرته مَسْلَك وَاضح فِيهِ ولكنى لَا اوثر الاعزاب عَن الماضين وَلَا الانحراف عَن جادة الائمة المنقرضين فان الِانْفِرَاد بالراى والانسلال عَن مُوَافقَة الجماهير لَا يَنْفَكّ عَن اثارة نفرة الْقُلُوب لكني استميح مسلكا مقتبسا من كَلَام الائمة الْمَذْكُورين واقول اخْتلف النَّاس فِي ان اهل الِاخْتِيَار لَو عقدوا عقد الْبيعَة للمفضول واعرضوا عَن الافضل هَل تَنْعَقِد الامامة مَعَ الِاتِّفَاق على ان تَقْدِيم الافضل عِنْد الْقُدْرَة وَاجِب مُتَعَيّن ثمَّ ذهب الاكثرون إِلَى انها اذا عقدت للمفضول مَعَ حُضُور الافضل انْعَقَدت وَلم يجز خلعه لسَبَب الافضل وانا من هَذَا انشئ واقول أَن رددناها فِي مبدا التَّوْلِيَة بَين مُجْتَهد فِي عُلُوم الشَّرْع وَبَين متقاصر عَنْهَا فَيتَعَيَّن تَقْدِيم الْمُجْتَهد لَان اتِّبَاع النَّاظر علم نَفسه لَهُ مزية رُتْبَة على اتِّبَاع علم غَيره بالتقليد والمزايا لَا سَبِيل إِلَى إهمالها مَعَ الْقُدْرَة على مراعاتها أما إِذا انْعَقَدت الْإِمَامَة بالبيعة أوتولية الْعَهْد لمنفك عَن رُتْبَة الِاجْتِهَاد وَقَامَت لَهُ شَوْكَة واذعنت لَهُ الرّقاب ومالت اليه الْقُلُوب فان خلا الزَّمَان عَن قرشي مُجْتَهد يستجمع

стр. 193

جَمِيع الشُّرُوط وَجب الِاسْتِمْرَار على الامامة المعقودة ان قَامَت لَهُ الشَّوْكَة وَهَذَا حكم زَمَاننَا وان قدر ضربا للمثل حُضُور قرشي مُجْتَهد مستجمع للورع والكفاية وَجَمِيع شَرَائِط الامامة وَاحْتَاجَ الْمُسلمُونَ فِي خلع الاول إِلَى تعرض لاثارة فتن واضطراب امور لم يجز لَهُم خلعه والاستبدال بِهِ بل تجب عَلَيْهِم الطَّاعَة لَهُ وَالْحكم بنفوذ ولَايَته وَصِحَّة إِمَامَته لأَنا نعلم بِأَن الْعلم مزية روعيت فِي الْإِمَامَة تحسينا لِلْأَمْرِ وتحصيلا لمزيد الْمصلحَة فِي الِاسْتِقْلَال بِالنّظرِ والاستغناء عَن التَّقْلِيد وان الثَّمَرَة الْمَطْلُوبَة من الْإِمَامَة تطفئة الْفِتَن الثائرة فِي تفرق الآراء المتنافرة فَكيف يستجيز الْعَاقِل تَحْرِيك الْفِتْنَة وتشويش نظام الْأُمُور وتفويت أصل الْمصلحَة فِي الْحَال تشوفا إِلَى مزِيد دقيقة فِي الْفرق بَين النّظر والتقليد وَعند هَذَا يَنْبَغِي أَن يقيس الانسان مَا ينَال الْخلق بِسَبَب عدُول الإِمَام عَن النّظر إِلَى تَقْلِيد الْأَئِمَّة بِمَا ينالهم لَو تعرضوا لِخَلْعِهِ واستبداله أَو حكمُوا إِمَامَته غير منعقدة وَإِذا أحسن إِيرَاد هَذِه الْمقَالة علم أَن التَّفَاوُت بَين اتِّبَاع الشَّرْع نظرا واتباعه تقليدا قريب هَين وانه لَا يجوز أَن تخرم بِسَبَبِهِ قَوَاعِد الْإِمَامَة وَهَذَا تَقْدِير تسامحنا بِهِ من وَجْهَيْن أَحدهمَا تَقْدِير قرشي مُجْتَهد مستجمع الصِّفَات متصد لطلب الْإِمَامَة وَهَذَا لَا وجود لَهُ فِي عصرنا وَالثَّانِي تَقْدِير اقتدارالخلق على الِاسْتِبْدَال بِالْإِمَامِ وَالتَّصَرُّف فِيهِ بِالْخلْعِ والانتقال وَهَذَا محَال فِي زَمَاننَا إِذْ لَو أجمع أهل الدَّهْر وتألبوا على أَن يصرفوا الْوُجُوه والقلوب عَن الحضرة المقدسة المستظهرية لم يَجدوا اليها سَبِيلا فَيتَعَيَّن على كَافَّة عُلَمَاء الْعَصْر الْفَتْوَى بِصِحَّة هَذِه الْإِمَامَة وانعقادها بِالشَّرْعِ وَلَكِن بعد هَذَا شَرْطَانِ أَحدهمَا أَن لَا يمْضِي كل قَضِيَّة مشكلة إِلَّا بعد استنتاج قرائح الْعلمَاء والاستظهار بهم وَأَن يخْتَار لتقليده عِنْد التباس الْأَمر وَاخْتِلَاف الْكَلِمَة أفضل أهل الزَّمَان واغزرهم علما وقلما تنفك مَدِينَة السَّلَام عَن شخص يعْتَرف لَهُ بالتقدم فِي علم الشَّرْع فَلَا بُد من تعرف الشَّرْع فِي الوقائع مِنْهُ لينوب ذَلِك عَن

стр. 194

الِاجْتِهَاد وَالثَّانِي أَن يسْعَى لتَحْصِيل الْعلم وحيازة رُتْبَة الِاسْتِقْلَال بعلوم الشَّرْع فَإِن الْإِمَامَة وان كَانَت صَحِيحَة منعقدة فِي الْحَال فخطاب الله تَعَالَى قَائِم بايجاب الْعلم وافتراض تَحْصِيله وَإِذا ساعدت الْقُدْرَة عَلَيْهِ لم يكن للتواني فِيهِ عذر لَا سِيمَا وَالسّن سنّ التَّحْصِيل وريعان الشَّبَاب معِين على الْغَرَض وَالْقدر الْوَاجِب تَحْصِيله شرعا إِذا صرف إِلَيْهِ الهمة الشَّرِيفَة حصل فِي قدر يسير من الزَّمَان وَلَا يَلِيق تطلب غايات الْكَمَال إِلَّا بالحضرة المقدسة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة المحقوقة بالعز والجلال وَإِذا اتَّضَح فِي هَذَا الْبَاب بِهَذِهِ الْبَرَاهِين اللائحة أَن مُقْتَضى أَمر الله أَن الإِمَام الْحق المستظهر بِاللَّه هُوَ الْمُتَعَيّن لخلافة الله فَمَا أَجْدَر هَذِه النِّعْمَة أَن تقَابل بالشكر وَإِنَّمَا الشُّكْر بِالْعلمِ وبالعمل وبالمواظبة على مَا أودعته فِي الْبَاب الآخر من الْكتاب وعَلى الْجُمْلَة فَشكر هَذِه النِّعْمَة أَلا يُرْضِي أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يكون لله على وَجه الأَرْض عبد أعبد وأشكر مِنْهُ كَمَا أَن الله تَعَالَى لم يرض أَن يكون لَهُ على وَجه الأَرْض عبد أعز واكرم من أَمِير الْمُؤمنِينَ فَهَذَا هُوَ الشُّكْر الموازي لهَذِهِ النِّعْمَة وَالله ولي التَّوْفِيق نمنه ولطفه

стр. 195

الْبَاب الْعَاشِر فِي الْوَظَائِف الدِّينِيَّة الَّتِي بالمواظبة عَلَيْهَا يَدُوم اسْتِحْقَاق الْإِمَامَة وَمن فَرَائض الدّين على امير الْمُؤمنِينَ زَاده الله تَوْفِيقًا المداومة على مطالعة هَذَا الْبَاب وَالِاسْتِقْصَاء على تَأمله وتصفحه ومطالبة النَّفس الْكَرِيمَة حَتَّى تستمر عَلَيْهِ فَإِن ساعد التَّوْفِيق للمجاهدة فِي الاقتدار على وَظِيفَة من هَذِه الْوَظَائِف وَلَو فِي سنة فَهِيَ السَّعَادَة القصوى وَهَذِه الْوَظَائِف بَعْضهَا علمية وَبَعضهَا عملية فَتقدم العلمية فَإِن الْعلم هُوَ الأَصْل وَالْعَمَل فرع لَهُ إِذْ الْعُلُوم لَا حصر لَهَا وَلَكنَّا نذْكر اربعة أمورهن أُمَّهَات وأصول الأول أَن يعرف أَن الْإِنْسَان فِي هَذَا الْعَالم لم خلق وَإِلَى أَي مقصد وَجه ولأي مطلب رشح وَلَيْسَ يخفى على ذِي بَصِيرَة أَن هَذِه الدَّار لَيست دَار مقرّ وَإِنَّمَا هِيَ دَار ممر وَالنَّاس فِيهَا على صُورَة الْمُسَافِرين ومبدأ سفرهم بطُون أمهاتهم وَالدَّار الْآخِرَة مقصد سفرهم وزمان الْحَيَاة مِقْدَار الْمسَافَة وسنوه مَنَازِله وشهوره فراسخه وأيامه أمياله وأنفاسه خطاه ويصار بهم عبر السَّفِينَة براكبها وَلكُل شخص عِنْد الله عمر مُقَدّر لَا يزِيد وَلَا ينقص وَلِهَذَا قَالَ عِيسَى صلوَات الله عَلَيْهِ وَسلم الدُّنْيَا قنطرة فاعبروها وَلَا تعمروها وَقد دعى الْخلق الى لِقَاء الله فِي دَار السَّلَام وسعادة الْأَبَد فَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام﴾ وَهَذَا السّفر لَا يفضى إِلَى الْمَقْصد إِلَّا بزاد وَهُوَ التَّقْوَى وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى

стр. 196

﴿وتزودوا فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى﴾ فَمن لم يتزود فِي دُنْيَاهُ لآخرته بالمواظبة على الْعِبَادَة فسيرجع مِنْهُ عِنْد الْمَوْت مَا اغْترَّ من جسده وَمَاله فيتحسر حَيْثُ لَا يُغْنِيه التحسر وَيَقُول ﴿يَا ليتنا نرد وَلَا نكذب بآيَات رَبنَا ونكون من الْمُؤمنِينَ﴾ وَيَقُول ﴿فَهَل لنا من شُفَعَاء فيشفعوا لنا أَو نرد فنعمل غير الَّذِي كُنَّا نعمل﴾ فَحِينَئِذٍ ﴿لَا ينفع نفسا إيمَانهَا لم تكن آمَنت من قبل أَو كسبت فِي إيمَانهَا خيرا﴾ وَهَذَا الْإِنْسَان من وَجه آخرفي دُنْيَاهُ حَارِث وَعَمله حرثه ودنياه محترثه وَوقت الْمَوْت وَقت حَصَاده وَلذَلِك قَالَ ﷺ الدُّنْيَا مزوعة الْآخِرَة وانما الْبذر هُوَ الْعُمر فَمن انْقَضى عَلَيْهِ نفس من انفاسه وَلم يعبد الله فِيهِ بِطَاعَة فَهُوَ مغبون لضياع ذَلِك النَّفس فَإِنَّهُ لَا يعود قطّ وَمِثَال الْإِنْسَان فِي عمره مِثَال رجل كَانَ يَبِيع الثَّلج وَقت الصَّيف وَلم تكن لَهُ بضَاعَة سواهُ فَكَانَ يُنَادي وَيَقُول ارحموا من رَأس مَاله يذوب فرأس مَال الْإِنْسَان عمره الَّذِي هُوَ وَقت طَاعَته وانه ليذوب على الدَّوَام فَكلما زَاد سنه نقص بَقِيَّة عمره فزيادته نقصانه على التَّحْقِيق وَمن لم ينتهز فِي انفاسه حَتَّى يقتنص بهَا الطَّاعَات كلهَا كَانَ مغبونا وَلذَلِك قَالَ ﷺ من اسْتَوَى يوماه فَهُوَ مغبون وَمن كَانَ يَوْمه شرا من أمسه فَهُوَ مَلْعُون فَكل من صرف عمره إِلَى ديناه فقد خَابَ سَعْيه وَضاع عمله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿من كَانَ يُرِيد الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا نوف إِلَيْهِم أَعْمَالهم﴾ الْآيَة وَمن عمل لآخرته فَهُوَ الَّذِي أنجح سَعْيه كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن أَرَادَ الْآخِرَة وسعى لَهَا سعيها وَهُوَ مُؤمن فَأُولَئِك كَانَ سَعْيهمْ مشكورا﴾ الْوَظِيفَة الثَّانِيَة أَنه مهما عرف أَن زَاد السّفر إِلَى الْآخِرَة التَّقْوَى فَليعلم أَن التَّقْوَى محلهَا ومنبعها الْقلب لقَوْله ﷺ التَّقْوَى

стр. 197

هَا هُنَا وَأَشَارَ إِلَى صَدره وَيَنْبَغِي أَن يكون الِاجْتِهَاد فِي إصْلَاح الْقلب أَولا إِذْ صَلَاح الْجَوَارِح تَابع لَهُ لقَوْله ﷺ إِن فِي بدن ابْن آدم لبضعة إِذا صلحت صلح لَهَا سَائِر الْجَسَد وَإِذا فَسدتْ فسد لَهَا سَائِر الْجَسَد أَلا وَهِي الْقلب وَإِصْلَاح الْقلب شَرطه تقدم تَطْهِيره عَلَيْهِ وطهارته فِي أَن يطهر عَن حب الدُّنْيَا لقَوْله ﷺ حب الدُّنْيَا رَأس كل خَطِيئَة وَهَذَا هُوَ الدَّاء الَّذِي أعجز الْخلق وَمن ظن أَنه يقدر على الْجمع بَين التنعم فِي الدُّنْيَا والحرص على تَرْتِيب أَسبَابهَا وَبَين سَعَادَة الْآخِرَة فَهُوَ مغرور كمن يطْمع فِي الْجمع بَين المَاء وَالنَّار لقَوْله أَمِير الْمُؤمنِينَ رضى الله عَنهُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ضرتان مهما أرضيت إِحْدَاهمَا أسخطت الْأُخْرَى نعم لَو كَانَ الْإِنْسَان يشْتَغل بالدنيا لأجل الدّين لَا لأجل شَهْوَته كمن يصرف عمره إِلَى تَدْبِير مصَالح الْخلق شَفَقَة عَلَيْهِم أَو يصرف بعض أوقاته إِلَى كسب الْقُوت وَنِيَّته فِي كسب الْقُوت إِلَى أَن يتقوى بتناوله على الطَّاعَة وَالتَّقوى فَهَذَا من عين الدّين وعَلى هَذَا الْمِنْهَاج جرى حرص الْأَنْبِيَاء وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين فِي أُمُور الدُّنْيَا وَمهما ثَبت أَن الزَّاد هُوَ التَّقْوَى وَأَن التَّقْوَى شَرطهَا خلو الْقلب عَن حب الدُّنْيَا فَلْيَكُن الْجهد فِي تخليته عَن حبها وَطَرِيقه أَن يعرف الْإِنْسَان عيب الدُّنْيَا وآفتها وَيعرف شرف السَّعَادَة فِي الدَّار الْآخِرَة وَزينتهَا وَيعلم أَن فِي مُرَاعَاة الدُّنْيَا الحقيرة فَوت الْآخِرَة الخطيرة وَأَقل آفَات الدُّنْيَا وَهِي مستيقنة لكل عَاقل وجاهل أَنَّهَا منقضية على الْقرب وسعادة الْآخِرَة لَا آخر لَهَا هَذَا إِذا سلمت الدُّنْيَا صَافِيَة عَن الشوائب والأقذاء خَالِيَة عَن المؤذيات والمكدرات وهيهات هَيْهَات فَلم يسلم أحد فِي الدُّنْيَا من طول الْأَذَى ومقاساة الشدائد وَمهما عرف تصرم الدُّنْيَا وتأبد السَّعَادَة فِي العقبى فَلْيتَأَمَّل أَنه لَو شغف إِنْسَان بشخص واستهتر بِهِ وَصَارَ لَا يطبق فِرَاقه وَخير بَين أَن يعجل لقاءه

стр. 198

لَيْلَة وَاحِدَة بَين أَن يصبر عَنهُ تِلْكَ اللَّيْلَة مُجَاهدًا نَفسه ثمَّ يخلى بَينه وَبَينه ألف لَيْلَة فَكيف لَا يسهل عَلَيْهِ الصَّبْر لَيْلَة وَاحِدَة لتوقع التَّلَذُّذ بمشاهدته ألف لَيْلَة وَلَو استعجل تِلْكَ اللَّيْلَة وَعرض نَفسه لعناء الْمُفَارقَة ألف لَيْلَة لعد سَفِيها خَارِجا عَن حزب الْعُقَلَاء فالدنيا معشوقة كلفنا الصَّبْر عَنْهَا مُدَّة يسيرَة ووعدنا أَضْعَاف هَذِه اللَّذَّات مُدَّة لَا آخر لَهَا وَترك الْألف بِالْوَاحِدِ لَيْسَ من الْعقل وَاخْتِيَار الْألف على الْوَاحِد الْمُعَجل لَيْسَ بمتعذر على الْعَاقِل وَعند هَذَا يَنْبَغِي أَن يقيس الانسان أقْصَى مُدَّة مقَامه فِي الدُّنْيَا وهى مائَة سنة مثلا وَمُدَّة مقَامه فِي الاخرة وَلَا آخر لَهَا بل لَو طلبنا مِثَالا لطول مُدَّة الْأَبَد لعجزنا عَنهُ إِلَّا أَن نقُول لَو قَدرنَا الدُّنْيَا كلهَا إِلَى مُنْتَهى السَّمَوَات ممتلئة بالذرة وقدرنا طائرا يَأْخُذ بمنقاره فِي كل ألف سنة حَبَّة وَاحِدَة فَلَا يزَال يعود حَتَّى لَا يبْقى من الذّرة حَبَّة وَاحِدَة فتنقضي هَذِه الْمدَّة وَقد بقى من الذّرة اضعافها فَكيف لَا يقدر الْعَاقِل إِذا حقق على نَفسه هَذَا الامر على أَن يستحقر الدُّنْيَا ويتجرد لله تَعَالَى هَذَا لَو قد قدر بَقَاء الْعُمر مائَة سنة وقدرت الدُّنْيَا صَافِيَة عَن الاقذاء فَكيف وَالْمَوْت بالمرصاد فِي كل لَحْظَة وَالدُّنْيَا غير صَافِيَة من ضروب التَّعَب والعناء وَهَذَا امْر يَنْبَغِي أَن يطول التامل فِيهِ حَتَّى يترسخ فِي الْقلب وَمِنْه تنبعث التَّقْوَى وَمَا لم يظْهر للانسان حقارة الدُّنْيَا لَا يتَصَوَّر مِنْهُ أَن يسْعَى للدَّار الاخرى وَيَنْبَغِي أَن يستعان على معرفَة ذَلِك بِالِاعْتِبَارِ بِمن سلف من أَبنَاء الدُّنْيَا كَيفَ تعبوا فِيهَا ثمَّ ارتحلوا عَنْهَا بِغَيْر طائل وَلم تصحبهم إِلَّا الْحَسْرَة والندامة وَلَقَد صدق من قَالَ من الشُّعَرَاء حَيْثُ قَالَ أَشد الْغم عِنْدِي فِي سرُور تَيَقّن عَنهُ صَاحبه انتقالا وَهَذِه حَال لذات الدُّنْيَا الْوَظِيفَة الثَّالِثَة أَن معنى خلَافَة الله على الْخلق اصلاح الْخلق وَلنْ يقدر على اصلاح اهل الدُّنْيَا من لَا يقدر على اصلاح اهل بَلَده وَلنْ يقدر على اصلاح اهل الْبَلَد من لايقدر على اصلاح اهل منزله وَلَا يقدر على اصلاح اهل منزله من لايقدر على اصلاح نَفسه وَمن لَا

стр. 199

يقدر على اصلاح نَفسه فَيَنْبَغِي أَن تقع الْبِدَايَة باصلاح الْقلب وسياسة النَّفس وَمن لم يصلح نَفسه وطمع فِي اصلاح غَيره كَانَ مغرور كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون أَنفسكُم﴾ وَفِي الحَدِيث ان الله تَعَالَى قَالَ لعيسى بن مَرْيَم عظ نَفسك فان اتعظت فعظ النَّاس والا فاستحي مني وَمِثَال من عجز عَن اصلاح نَفسه وطمع فِي اصلاح غَيره مِثَال الاعمى اذا اراد يهدي العميان وَذَلِكَ لَا يستتب لَهُ قطّ وانما يقدر على اصلاح النَّفس بِمَعْرِِفَة النَّفس وَمثل معرفَة الانسان فِي بدنه كَمثل وَال فِي بَلَده وجوارحه وحواسه واطرافه بِمَنْزِلَة صناع وعملة وَالشَّرْع لَهُ كمشير نَاصح ووزير مُدبر والشهوة فِيهِ كَعبد سوء جالب لِلْمِيرَةِ وَالطَّعَام والعصب لَهُ كصاحب شرطة وَالْعَبْد الجالب لِلْمِيرَةِ خَبِيث ماكر يتَمَثَّل للانسان بِصُورَة الناصح وَفِي نصحة دَبِيب الْعَقْرَب فَهُوَ يُعَارض الْوَزير فِي تَدْبيره وَلَا يغْفل سَاعَة من منازعته ومعارضته فَكَانَ الوالى فِي مَمْلَكَته مَتى اسْتَشَارَ فِي تدبيراته وزيره دون هَذَا العَبْد السوء الْخَبيث وادب صَاحب شرطته وَجعله مؤتمرا لوزيره وسلطه على هَذَا العَبْد الْخَبيث واتباعه حَتَّى يكون هَذَا العَبْد مسوسا لَا سائسا ومدبرا لَا مُدبرا استقام امْر بَلَده وَكَذَا النَّفس مَتى استعانت فِي تدبيراتها بِالشَّرْعِ وَالْعقل وادبت الحمية وَالْغَضَب حَتَّى لَا يهتاج الا باشارة الشَّرْع وَالْعقل وسلطته على الشَّهْوَة واستتب أمرهَا والا فَسدتْ وَاتَّبَعت الْهوى ولذات الدُّنْيَا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تتبع الْهوى﴾ الأية وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ ﴿وَقَالَ﴾ ﴿أخلد إِلَى الأَرْض وَاتبع هَوَاهُ فَمثله كَمثل الْكَلْب﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي مدح من عصاها ﴿وَأما من خَافَ مقَام ربه وَنهى النَّفس عَن الْهوى﴾

стр. 200

الأية وعَلى الْجُمْلَة فَيَنْبَغِي ان يكون العَبْد طول عمره فِي مجاهدة غَضَبه وشهوته ومتشمرا لمخالفتها كَمَا يتشمر لمُخَالفَة اعدائه فانهما عدوان كَمَا قَالَ ﷺ اعدى عَدو نَفسك الَّتِي بَين جنبيك وَمِثَال من اشْتغل بالتلذذ عندالشهوات والانتقام عِنْد الْغَضَب مثل رجل فَارس صياد لَهُ فرس وكلب غفل عَن صَيْده واشتغل بتعهد فرسه وطعمة كَلْبه وضيع فِيهِ جَمِيع وقته فَإِن شَهْوَة الانسان كفرسه وغضبه ككلبه فَإِن كَانَ الْفَارِس حاذقا وَالْفرس مروضا وَالْكَلب مؤدبا ومعلما فَهُوَ قمين بِإِدْرَاك حَاجته من الصَّيْد وَمَتى كَانَ الْفَارِس أخرق وفرسه جموحا أَو حرونا وكلبه عقورا فَلَا فرسه ينبعث تَحْتَهُ منقادا وَلَا كَلْبه يسترسل باشارته مُطيعًا فَهُوَ قمين أَن يعطب فضلا أَن يدْرك مَا طلب وَمهما جَاهد الْإِنْسَان فِيهَا هَوَاهُ فَلهُ ثَلَاثَة أَحْوَال الأول أَن يغلبه الْهوى فيتبعه ويعرض عَن الشَّرْع كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ الثَّانِي أَن يغالبه فيقهره مرّة ويقهره الْهوى أُخْرَى فَلهُ أجر الْمُجَاهدين وَهُوَ المرد بقوله ﷺ جاهدوا هواكم كَمَا تجاهدو أعداءكم الثَّالِث أَن يغلب هَوَاهُ ككثير من الْأَنْبِيَاء وصفوه الْأَوْلِيَاء لقَوْله ﷺ مَا من أحد إِلَّا وَله شَيْطَان وَإِن الله قد أعانني على شيطاني حَتَّى ملكته وعَلى الْجُمْلَة فالشيطان يتسلط على الْإِنْسَان بِحَسب وجوده الْهوى فِيهِ وَإِنَّمَا مثلت الشَّهْوَة بالفرس وَالْغَضَب بالكلب لِأَنَّهُ لولاهما لما تصورت الْعِبَادَة المؤدية إِلَى السَّعَادَة الْآخِرَة فَإِن الْإِنْسَان يحْتَاج فِي عِبَادَته إِلَى بدنه وَلَا قيام إِلَّا بالقوت وَلَا يقدر على الاقتيات إِلَّا بِشَهْوَة وَهُوَ مُحْتَاج إِلَى أَن يحرس نَفسه عَن الهلكات بدفعها وَلَا يدْفع المؤذى إِلَّا بداعية الْغَضَب فكأنهما خادمان لبَقَاء الْبدن وَالْبدن مركب النَّفس وبواسطتها يصل إِلَى الْعِبَادَة وَالْعِبَادَة طَرِيقه إِلَى النجَاة الْوَظِيفَة الرَّابِعَة أَن يعرف أَن الْإِنْسَان مركب من صِفَات ملكية

стр. 201

وصفات بهيمية فَهُوَ حيران بَين الْملك والبهيمة فمشابهته للْملك بِالْعلمِ وَالْعِبَادَة والعفة وَالْعَدَالَة وَالصِّفَات المحمودة ومشابهته للبهائم بالشهوة وَالْغَضَب والحقد وَالصِّفَات المذمومة فَمن صرف همته إِلَى الْعلم وَالْعَمَل وَالْعِبَادَة فخليق أَن يلْحق بِالْمَلَائِكَةِ فيسمى ملكا وربانيا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن هَذَا إِلَّا ملك كريم﴾ وَمن صرف همته إِلَى إتباع الشَّهَوَات وَاللَّذَّات الْبَدَنِيَّة يَأْكُل كَمَا تَأْكُل الْبَهَائِم فخليق أَن يلْحق بالبهائم فَيصير إِمَّا غمرا كثور وَإِمَّا شَرها كخنزير وَإِمَّا ضرعا ككلب أَو حقودا كجمل أَو متكبرا كنمر أَو ذَا روغان ونفاق كثعلب أَو يجمع ذَلِك فَيصير كشيطان مُرِيد وعَلى ذَلِك دلّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَجعل مِنْهُم القردة والخنازير وَعبد الطاغوت﴾ ﴿وَقَالَ﴾ ﴿كالأنعام بل هم أضلّ﴾ ﴿وَقَالَ﴾ ﴿إِن شَرّ الدَّوَابّ عِنْد الله الصم الْبكم الَّذين لَا يعْقلُونَ﴾ وَهَذِه الصِّفَات الذميمة تَجْتَمِع فِي الْآدَمِيّ فِي هَذَا الْعَالم وَهُوَ فِي صُورَة الْإِنْسَان فَتكون الصّفة باطنة وَالصُّورَة ظَاهِرَة وَفِي الْآخِرَة تتحد الصُّورَة وَالصِّفَات فيصور كل شخص بِصفتِهِ الَّتِي كَانَت غالبة عَلَيْهِ فِي حَيَاته فَمن غلب عَلَيْهِ الشَّرّ حشر فِي صُورَة خِنْزِير وَمن غلب عَلَيْهِ الْغَضَب حشر فِي صُورَة سبع وَمن غلب عَلَيْهِ الْحمق حشر فِي صُورَة حمَار وَمن غلب عَلَيْهِ التكبر حشر بِصُورَة نمر وَهَكَذَا جَمِيع الصِّفَات وَمن غلب عَلَيْهِ الْعلم وَالْعَمَل وَاسْتولى بهما على هَذِه الصِّفَات حشر فِي صُورَة الْمَلَائِكَة وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا

стр. 202

وَهَذِه الْوَظَائِف الَّتِي ذَكرنَاهَا علمية يجب التَّأَمُّل فِيهَا حَتَّى تتمثل فِي الْقلب فَتكون نصب الْعين فِي كل لَحْظَة وَإِنَّمَا تترسخ هَذِه الْعُلُوم فِي النَّفس إِذا أكدت بِالْعَمَلِ كَمَا سَنذكرُهُ فِي الْوَظَائِف العملية بعد القَوْل فِي الْوَظَائِف العملية وَهِي كَثِيرَة أولاها وَهِي من الْأُمُور الْكُلية أَن كل من تولى عملا على الْمُسلمين فَيَنْبَغِي أَن يحكم نَفسه فِي كل قَضِيَّة يبرمها فَمَا لَا يرتضيه لنَفسِهِ لَا يرتضيه لغيره فالمؤمنون كَنَفس وَاحِدَة فقد روى عبد الله بن عمر رضى الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من سره أَن يزحزح عَن النَّار وَيدخل الْجنَّة فليدركه مَوته وَهُوَ مُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وليأت إِلَى النَّاس الَّذِي يحب أَن يُؤْتى إِلَيْهِ وروى أنس بن مَالك عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من أصبح وهمه غير الله تَعَالَى فَلَيْسَ من الله فِي شَيْء وَمن أصبح لَا يهتم بِالْمُسْلِمين فَلَيْسَ من الْمُسلمين وَمِنْهَا أَن يكون والى الْأَمر متعطشا إِلَى نصيحة الْعلمَاء ومتبجحا بهَا إِذا سَمعهَا وشاكرا عَلَيْهَا فقد روى أَن أَبَا عُبَيْدَة وَمعَاذًا كتبا إِلَى عمر رضى الله عَنْهُم أما بعد فَإنَّا عهدناك وشأن نَفسك لَك مُهِمّ وأصبحت وَقد وليت بِأَمْر هَذِه الْأمة أسودها وأحمرها يجلس بَين يَديك الشريف والوضيع وَالصديق والعدو وَلكُل حِصَّته من الْعدْل فَانْظُر كَيفَ أَنْت عِنْد ذَلِك يَا عمر وانا نحذرك مِمَّا حذرت الْأُمَم قبلك يَوْم تعنو فِيهِ الْوُجُوه وَتجب فِيهِ الْقُلُوب وتقطع فِيهِ الْحجَّة لعز ملك قهرهم جبروته والخلق داخرون لَهُ ينتظرون قَضَاءَهُ وَيَخَافُونَ عِقَابه وانه ذكر لنا أَنه سياتي على النَّاس زمَان يكون اخوان الْعَلَانِيَة أَعدَاء السريرة فانا نَعُوذ بِاللَّه ان ينزل كتَابنَا من قبلك سوى الْمنزل الذى نزل من قُلُوبنَا وَإِنَّا كتبنَا اليك نصيحة وَالسَّلَام فكاتبهما بجوابه وَذكر فِي آخر مَا كتب إنَّكُمَا كتبتما الى نصيحة فتعهداني مِنْكُمَا بِكِتَاب فَإِنِّي لَا غنى بِي عنكما وَالسَّلَام عَلَيْكُمَا

стр. 203

وَمِنْهَا أَلا يستحقر الوالى انْتِظَار ارباب الْحَاجَات ووقوفهم بِالْبَابِ فِي لَحْظَة وَاحِدَة فان الاهتمام بِأَمْر الْمُسلمين أهم لَهُ وأعود عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ متشاغل بِهِ من نوافل الْعِبَادَات فضلا عَن اتِّبَاع الشَّهَوَات فقد روى أَن عمر بن عبد الْعَزِيز رضى الله عَنهُ جلس يَوْمًا للنَّاس فَلَمَّا انتصف النَّهَار ضجر ومل فَقَالَ للنَّاس مَكَانكُمْ حَتَّى أَعُود اليكم فَدخل يستريح سَاعَة فجَاء ابْنه عبد الْملك فَاسْتَأْذن فَدخل عَلَيْهِ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا سَبَب دخولك قَالَ أردْت ان استريح سَاعَة فَقَالَ أأمنت أَن يَأْتِيك الْمَوْت ورعيتك على الْبَاب ينتظرونك وانت محتجب عَنْهُم فَقَالَ عمر صدقت فَقَامَ من سَاعَته وَخرج الى النَّاس وَمِنْهَا أَن يتْرك الْوَالِي لِلْأَمْرِ الترفه والتلذذ بالشهوات فِي المأكولات والملبوسات فقد روى أَن عمر رضى الله عَنهُ كتب الى سلمَان الْفَارِسِي يستزيره فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ سلمَان تَلقاهُ فِي أَصْحَابه فَالْتَزمهُ وضمه إِلَيْهِ وَصَارَ الى الْمَدِينَة فَلَمَّا خلا بِهِ عمر قَالَ لَهُ يَا أخي هَل بلغك مني مَا تكرههُ فَقَالَ لَا قَالَ عزمت عَلَيْك إِن كَانَ بلغك مني مَا تكرههُ أَلا أَخْبَرتنِي فَقَالَ لَوْلَا مَا عزمت على أَولا مَا أَخْبَرتك بَلغنِي أَنَّك تجمع بَين السّمن وَاللَّحم على مائدتك وَبَلغنِي أَن لَك حلتين حلَّة تلبسها مَعَ أهلك وحلة تخرج فِيهَا إِلَى النَّاس فَقَالَ عمر هَل بلغك غير هَذَا فَقَالَ لَا فَقَالَ أما هَذَانِ فقد كفيتهما فَلَا أَعُود إِلَيْهِمَا وَمِنْهَا أَن يعلم والى الْأَمر أَن الْعِبَادَة تيَسّر للولاة مَالا يَتَيَسَّر لآحاد الرعايا فلتغتنم الْولَايَة لتعبد الله بهَا وَذَلِكَ بالتواضع وَالْعدْل والنصح للْمُسلمين والشفقة عَلَيْهِم فقد روى عَن أبي بكر رضى الله عَنهُ وَهُوَ على الْمِنْبَر قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الْوَالِي الْعدْل المتواضع ظلّ الله وَرمحه فِي أرضه فَمن نصحه فِي نَفسه وَفِي عباد الله حشره الله تَعَالَى فِي وقده يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله وَفِي غشه فِي نَفسه وَفِي عباد الله خذله الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة وَيرْفَع للوالي الْعدْل

стр. 204

المتواضع فِي كل يَوْم وَلَيْلَة عمل سِتِّينَ صديقا كلهم عبد مُجْتَهد فِي نَفسه فَهَذِهِ رُتْبَة عَظِيمَة لَا تسلم فِي كل عصر إِلَّا لوَاحِد وانما تنَال هَذِه الرُّتْبَة بِالْعَدْلِ والتواضع وَقد روى أَبُو سعيد الخدرى عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ سَبْعَة يظلهم الله يَوْم الْقِيَامَة يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله إِمَام عَادل وشاب نَشأ فِي عبَادَة الله وَرجل قلبه مُتَعَلق بِالْمَسْجِدِ إِذا خرج من حَتَّى يعود إِلَيْهِ ورجلان تحابا فِي الله فاجتمعا على ذَلِك وتفرقا عَلَيْهِ وَرجل ذكر الله خَالِيا فَفَاضَتْ عَيناهُ وَرجل دَعَتْهُ امْرَأَة ذَات حسب وجمال إِلَى نَفسهَا فَقَالَ أَنِّي أَخَاف الله رب الْعَالمين وَرجل تصدق بِصَدقَة وأخفاها حَتَّى لَا تعلم شِمَاله مَا تنْفق يَمِينه فَهَذِهِ سبع لَا يتَصَوَّر اجتماعها إِلَّا فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ وَإِنَّمَا يقدر غَيره من الْخلق على آحادها دون مجموعها فليجتهد فِي نيل رُتْبَة لم تدخر إِلَّا لَهُ وَلنْ يقوم بهَا سواهُ فقد روى ايضا أَبُو سعيد الخدرى أَنه قَالَ إِن أحب الْعباد إِلَى الله تَعَالَى وأقربهم مِنْهُ مَجْلِسا إِمَام عَادل وَإِن أبْغض النَّاس إِلَى الله وأشدهم عذَابا يَوْم الْقِيَامَة إِمَام جَائِر وَقد روى أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ ثَلَاثَة لَا يرد الله لَهُم دَعْوَة الإِمَام الْعَادِل والصائم حَتَّى يفْطر والمظلوم يَقُول الله وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وارتفاعي فَوق عَرْشِي لأنتصرن لَك وَلَو بعد حِين وَقد روى عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ ﷺ عدل سَاعَة خير من عبَادَة سنة وَإِنَّمَا قَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْعَدْلِ وَقد روى عَن ابْن عَبَّاس أَنه ﷺ قَالَ وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ إِن الْوَالِي الْعدْل ليرْفَع الله لَهُ كل يَوْم مثل عمل رَعيته وصلواته فِي الْيَوْم تعدل تسعين ألف صَلَاة

стр. 205

وروى ابْن عَبَّاس أَيْضا أَنه ﷺ قَالَ الاسلام وَالسُّلْطَان أَخَوان توأمان لَا يصلح أَحدهمَا إِلَّا بِصَاحِبِهِ فالاسلام أس وَالسُّلْطَان حارس فمالا أس لَهُ منهدم ومالا حارس لَهُ ضائع وَقد روى أنس أَنه ﷺ قَالَ مَا من أحذ أفضل منزلَة عِنْد الله من إِمَام إِن قَالَ صدق وَإِن حكم عدل وَإِن استرحم رحم وَالْقَصْد من رِوَايَة هَذِه الْأَخْبَار التَّنْبِيه على عظم قدر الْإِمَامَة وَأَنَّهَا إِذا ترتبت بِالْعَدْلِ كَانَت أَعلَى الْعِبَادَات وَإِنَّمَا يعرف الْعدْل من الظُّلم بِالشَّرْعِ فَلْيَكُن دين الله وَشرع رَسُول الله ﷺ هُوَ المفزع والمرجع فِي كل ورد وَصدر وتفصيل الْعدْل مِمَّا يطول وَلَعَلَّ الْوَظَائِف الَّتِي تَأتي يشْتَمل عَلَيْهِ طرف مِنْهَا وَمِنْهَا أَن يكون الرِّفْق فِي جَمِيع الْأُمُور أغلب من الغلطة وَأَن يُوصل كل مُسْتَحقّ إِلَى حَقه فقد رَوَت عَائِشَة رضى الله عَنْهَا عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ أَيّمَا وَال ولي فلَانا ورفق بِهِ رفق بِهِ يَوْم الْقِيَامَة وروت عَائِشَة أَيْضا أَنه قَالَ اللَّهُمَّ من ولي من أَمر أمتِي شَيْئا فرفق بهم فارفق بِهِ وَلمن شفق عَلَيْهِم فأشفق عَلَيْهِ هَذَا دُعَاء رَسُول الله ﷺ وَإنَّهُ يُسْتَجَاب لَا محَالة وَقد روى عَن زيد بن ثَابت أَنه قَالَ عِنْد النَّبِي ﷺ نعم الشَّيْء الْإِمَارَة فَقَالَ ﷺ نعم الشَّيْء الْإِمَارَة لمن أَخذهَا بِحَقِّهَا وحلها وَبئسَ الشَّيْء الْإِمَارَة لمن أَخذهَا بِغَيْر حَقّهَا فَتكون حسرة عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وكل أَمِير عدل عَن الشَّرْع فِي أَحْكَامه فقد أَخذ إِمَارَة بِغَيْر حَقّهَا وروى أَبُو هُرَيْرَة عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ إِن بني إِسْرَائِيل كَانَ يسوسهم الْأَنْبِيَاء ﵈ فَكلما هلك نَبِي قَامَ بني مَكَانَهُ وَإنَّهُ لَا نَبِي بعدِي وَإنَّهُ يكون بعدِي خلفاء قبل يَا رَسُول الله مَا تَأْمُرنَا فيهم قَالَ اعطوهم حَقهم واسألوا الله تَعَالَى حقكم

стр. 206

فَإِن الله تَعَالَى سائلهم عَمَّا استرعاهم هُوَ قد حكى أَن هِشَام ابْن عبد الْملك قَالَ لأبي حَازِم وَكَانَ من مَشَايِخ الدّين كَيفَ النجَاة من هَذَا الْأَمر يعْنى من الْإِمَارَة قَالَ أَلا تَأْخُذ الدِّرْهَم إِلَّا من حلّه وَلَا تضعه إِلَّا فِي حَقه قَالَ وَمن يُطيق ذَلِك قَالَ من طلب الْجنَّة وهرب من النَّار وَمِنْهَا أَن يكون أهم الْمَقَاصِد عِنْده تَحْصِيل مرضاه الْخلق ومحبتهم بطرِيق يُوَافق الشَّرْع وَلَا يُخَالِفهُ فقد روى عَوْف بن مَالك عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ إِن خِيَار أئمتكم الَّذين تحبونهم وتصلون عَلَيْهِم وَيصلونَ عَلَيْكُم وَشر أئمتكم الَّذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنوهم ويلعنوكم قيل يَا رَسُول الله أَفلا ننابذهم قَالَ لَا مَا أَقَامُوا فِيكُم الصَّلَاة إِلَّا من ولي عَلَيْهِ وَال فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئا من معاصي الله تَعَالَى فليكره مَا أُتِي من معاصي الله تَعَالَى وَلَا ينْزع يدا عَن طَاعَة الله وَقد روى عبد الله بن عمر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لخليفتي على النَّاس السّمع وَالطَّاعَة مَا استرحموا فرحموا وحكموا فعدلوا وعاهدوا فوفوا وَمن لم يفعل ذَلِك فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَمِنْهَا أَن يعلم أَن رضَا الْخلق لَا يحسن تَحْصِيله إِلَّا فِي مُوَافقَة الشَّرْع وَأَن طَاعَة الإِمَام لَا تجب على الْخلق إِلَّا إِذا دعاهم إِلَى مُوَافقَة الشَّرْع كَمَا روى عَن مُحَمَّد بن عَليّ أَنه قَالَ إِنِّي لَا علم قبيلتين تعبدان من دون الله قَالُوا من هم قَالَ بَنو هَاشم وَبَنُو أُميَّة أما وَالله مَا نصبوهم ليسجدوا لَهُم وَلَا ليصلوا لَهُم وَلَكِن أطاعوهم واتبعوهم على مَا أمدوهم وَالطَّاعَة عبَادَة وَقد روى ابْن عَبَّاس أَنه ﷺ قَالَ لَا تسخطن الله بِرِضا أحد من خلقه وَلَا تقربُوا إِلَى أحد

стр. 207

من الْخلق بتباعد من الله إِن الله تَعَالَى لَيْسَ بَينه وَبَين أحد من خلقه قرَابَة يعظمهم بهَا وَلَا يصرف عَن أحد شرا إِلَّا بِطَاعَتِهِ وَاتِّبَاع مرضاته وَاجْتنَاب سخطه وان الله تَعَالَى يعْصم من أطاعه وَلَا يعْصم من عَصَاهُ وَلَا يجد الهارب مِنْهُ مهربا وَقد روى عمر بن الحكم أَن رَسُول الله ﷺ بعث سَرِيَّة وَأمر عَلَيْهِم رجلا من أَصْحَابه فَأمر ذَلِك الرجل عبد الله بن حذاقة وَكَانَ ذَا دعابة فاوقد نَارا وَقَالَ ألستم سَامِعين مُطِيعِينَ لأميركم قَالُوا بلَى قَالَ عزمت عَلَيْكُم الا وَقَعْتُمْ فِيهَا ثمَّ قَالَ إِنَّمَا كنت أَلعَب مَعكُمْ فَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ فَقَالَ من أَمركُم من الْأُمَرَاء بِشَيْء من مَعْصِيّة الله فَلَا تطيعوه وَقد روى عَن أبي بكر الصّديق رضى الله عَنهُ أَنه صعد الْمِنْبَر بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ بسبعة أَيَّام فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَصلى على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس انكم وليتموني أَمركُم وَلست بِخَيْرِكُمْ فان أَحْسَنت فَأَعِينُونِي وَإِن ضعفت اَوْ عدلت عَن الْحق فقوموني وَلَا تخافوا فِي الله أحدا إِن اكيس الْكيس التقى وان احمق الْحمق الْفُجُور ثمَّ اني أخْبركُم أَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يَقُول فِي الْغَار إِن الصدْق أَمَانَة وَإِن الْكَذِب خِيَانَة أَلا إِن الضَّعِيف مِنْكُم القوى عندنَا حَتَّى يُعْطي الْحق غير متعتع وَلَا مقهور والقوى هُوَ الضَّعِيف عندنَا حَتَّى نَأْخُذ مِنْهُ الْحق طَائِعا أَو كَارِهًا ثمَّ قَالَ أطيعونا مَا أَطعْنَا الله وَرَسُوله فَإِذا عصينا الله وَرَسُوله فَلَا طَاعَة لنا عَلَيْكُم فَقومُوا إِلَى صَلَاتكُمْ رحمكم الله وَقد روى عبد الرَّحْمَن بن عبد رب الْكَعْبَة أَنه قَالَ انْتَهَيْت إِلَى عبد الله بن عمر رضى الله عَنهُ وَهُوَ جَالس فِي ظلّ الْكَعْبَة وَالنَّاس حوله مجتمعون فَسَمعته يَقُول قَامَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إِنَّه لم يكن شَيْء الا كَانَ حَقًا على الله أَن يدل أمته على مَا يُعلمهُ خيرالهم وَيُنْذرهُمْ مَا يُعلمهُ شرالهم وان أمتكُم هَذِه جعلت عَاقبَتهَا فِي أَولهَا وَإِلَى آخرهَا سَيُصِيبُهُمْ بلَاء

стр. 208

وَأُمُور يُنْكِرُونَهَا وتجيء سنه أَلفَيْنِ فَيَقُول الْمُؤمن هَذِه هَذِه ثمَّ تنكشف فَمن سره مِنْكُم أَن يزحزح عَن النَّار وَيدخل الْجنَّة فلتدركه موتته وَهُوَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وليأت الى النَّاس مَا يحب أَن يُؤْتِي إِلَيْهِ وَمن تَابع إِمَامًا وَأَعْطَاهُ صَفِيَّة قلبه وَثَمَرَة فُؤَاده فليعطه مَا اسْتَطَاعَ فَقلت أناشدك الله أَنْت سمعته من رَسُول الله قَالَ سَمِعت أذناي ووعى قلبِي فَقلت هَذَا ابْن عمك يَأْمُرنَا أَن نَأْكُل اموالنا بَيْننَا بِالْبَاطِلِ وان قيل أَنْفُسنَا فَقَالَ قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ الْآيَة قَالَ فَجمع يَدَيْهِ فوضعهما على جَبهته ثمَّ نكس رَأسه فَقَالَ أطعه فِي طَاعَة الله واعصه فِي مَعْصِيّة الله فبهذه الْأَحَادِيث يتَبَيَّن أَن الطَّاعَة وَاجِبَة للأئمة وَلَكِن فِي طَاعَة الله لَا فِي مَعْصِيَته وَمِنْهَا أَن يعرف أَن خطر الْإِمَامَة عَظِيم كَمَا أَن فوائدها فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة عَظِيمَة وَأَنَّهَا إِن روعيت على وَجههَا فَهِيَ سَعَادَة وان لم تراع على وَجههَا فَهِيَ شقاوة لَيْسَ فَوْقهَا شقاوة فقد روى ابْن عَبَّاس رضى الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ انه أقبل وَفِي الْبَيْت رجال من قُرَيْش فَأخذ بِعضَادَتَيْ الْبَاب ثمَّ قَالَ الْأَئِمَّة من قُرَيْش مَا قَامُوا فِيكُم بِثَلَاث مَا إِن استرحموا رحموا وَإِن حكمُوا عدلوا وان قَالُوا أَوْفوا وَمن لم يفعل ذَلِك فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل الله مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا الصّرْف النَّافِلَة وَالْعدْل الْفَرِيضَة وَهَذَا قَول رَسُول الله ﷺ وَمَا أعظم الْخطر فِي أَمر يَنْتَهِي الى أَلا يقبل بِسَبَبِهِ فَرِيضَة وَلَا نَافِلَة وَقد روى أَيْضا انه ﷺ قَالَ من حكم بَين اثْنَيْنِ فجار وظلم فلعنة الله على الظَّالِمين وَقد روى أَبُو هُرَيْرَة أَنه ﷺ قَالَ ثَلَاثَة لَا ينظر الله اليهم يَوْم الْقِيَامَة الإِمَام الْكذَّاب الشَّيْخ الزَّانِي والعائل المزهو وروى الْحسن عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 209

أَنه قَالَ يفتح عَلَيْكُم مَشَارِق الارض وَمَغَارِبهَا وعمالها كلهم فِي النَّار إِلَّا من اتَّقى الله تَعَالَى وَأدّى الامانة وَقد روى عَن الْحسن أَنه قَالَ عَاد عبيد الله بن الْحسن معقلا فِي مَرضه الَّذِي قبض فِيهِ فَقَالَ لَهُ معقل إِنِّي محدثك بِحَدِيث سمعته من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ يَقُول مَا من عبد يستر عَنهُ الله تَعَالَى رَعيته يَمُوت يَوْم يَمُوت غاشا لرعيته إِلَّا حرم الله تَعَالَى عَلَيْهِ الْجنَّة وروى زِيَاد بن أَبِيه عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من ولى من أَمر الْمُسلمين شَيْئا وَلم يحطهم بِالنَّصِيحَةِ كَمَا يحوط على أهل بَيته فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار وَقد حكى عَن سُفْيَان الثَّوْريّ أَنه عَاتب رجلا من إخوانه قد كَانَ هم أَن يتلبس بِشَيْء من أَمر الْولَايَة فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله إِن على عيالا فَقَالَ لَهُ لِأَن تجْعَل فِي عُنُقك مخلاة تسْأَل على الْأَبْوَاب خير لَك من أَن تدخل فِي شَيْء من أُمُور النَّاس وَقد روى معقل بن يسَار عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ رجلَانِ من أمتِي لَا تنالهما شَفَاعَتِي إِمَام ظلوم غشوم وغال فِي الدّين مارق مِنْهُ وروى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ أَنه ﷺ قَالَ أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة إِمَام جَائِر وروى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ خَمْسَة غضب الله تَعَالَى عَلَيْهِم إِن شَاءَ أمضى غَضَبه عَلَيْهِم فِي الدُّنْيَا وَإِلَّا فمأواهم فِي الْآخِرَة النَّار أَمِير قوم يَأْخُذ حَقه من رَعيته وَلَا ينصفهم من نَفسه وَلَا يدْفع الْمَظَالِم عَنْهُم وزعيم قوم يطيعونه فَلَا يُسَوِّي بَين الضَّعِيف وَالْقَوِي وَيتَكَلَّم بالهوى وَرجل لَا يَأْمر أَهله وَولده بِطَاعَة الله وَلَا يعلمهُمْ أُمُور دينهم وَلَا يُبَالِي مَا أخذُوا من دنياهم وَمَا تركُوا وَرجل اسْتَأْجر أَجِيرا فيستعمله وَلَا يُوفيه أجره وَرجل ظلم امْرَأَة مهرهَا وَقد روى أَن عمر بن الْخطاب خرج فِي جَنَازَة ليُصَلِّي عَلَيْهَا فَلَمَّا وضعت فَإِذا بِرَجُل قد سبق إِلَى الصَّلَاة ثمَّ لما وضع الرجل فِي قَبره تقدم الرجل فَوضع يَده على التُّرَاب وَقَالَ اللَّهُمَّ إِن تعذبه فَرُبمَا عصاك وَإِن ترحمه فَإِنَّهُ فَقير إِلَى رحمتك طُوبَى لَك إِن لم تكن

стр. 210

أَمِيرا أَو عريفا أَو كَاتبا أَو شرطيا أَو جابيا قَالَ ثمَّ ذهب الرجل فَلم يقدر عَلَيْهِ فَأخْبر عمر بِهِ فَقَالَ لَعَلَّه الْخضر ﷺ وروى عَن مَالك بن دِينَار أَنه قَالَ قَرَأت فِي بعض الْكتب مَا من مظلوم دَعَا بقلب محترق إِلَّا لم تَنْتَهِ دَعوته حَتَّى تصعد بَين يَدي الله فتنزل الْعقُوبَة على من ظلمه أَو اسْتَطَاعَ أَن يَأْخُذ لَهُ فَلم يَأْخُذ لَهُ وروى أَبُو هُرَيْرَة أَنه ﷺ قَالَ ويل لِلْأُمَرَاءِ ويل للعرفاء ويل للأمناء ليتمنين قوم يَوْم الْقِيَامَة أَن ذوائبهم كَانَت معلقَة بِالثُّرَيَّا يتدلون بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَأَنَّهُمْ لم يلوا عملا وروى أَبُو بُرَيْدَة عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ لَا يُؤمر رجل على عشيرة فَمَا فَوْقهم إِلَّا جئ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة مغلولة يَده إِلَى عُنُقه فَإِن كَانَ محسنا فك عَنهُ غله وَإِن كَانَ مسيئا زيد غلا إِلَى غله وَهَذَا الْخطر ثَابت فِي أَن يفرق الْأَمِير بَين نَفسه وَبَين رَعيته فِي الترفه بالمباحات فقد روى أَن رَسُول الله ﷺ جلس يَوْم بدر فِي الظل فَنزل جِبْرِيل فَقَالَ يَا مُحَمَّد أَنْت فِي الظل وَأَصْحَابك فِي الشَّمْس وروى عَن عمر رضى الله عَنهُ أَنه قَالَ ويل لديان أهل الأَرْض من ديان أهل السَّمَاء يَوْم يلقونه إِلَّا من أَمر بِالْعَدْلِ وَقضى بِالْحَقِّ وَلم يقْض بهوى وَلَا قرَابَة وَلَا رهبة وَلَا رَغْبَة وَلَكِن جعل كتاب الله مرْآة بَين عَيْنَيْهِ وَأَقل الْأُمُور حَاجَة الإِمَام إِلَى تخويف بِحكم السياسة وَقد روى ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من نظر إِلَى مُؤمن نظرة يخيفه بهَا فِي غير حق أخافه الله تَعَالَى بهَا يَوْم الْقِيَامَة وروى أنس بن مَالك أَنه ﷺ قَالَ يُؤْتى بالولاة يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول الرب تَعَالَى أَنْتُم كُنْتُم رُعَاة غنمي وخزان أرْضى فَيَقُول لَهُم مَا حملكم على أَن جلدتم فَوق مَا أمرْتُم فَيَقُول أَي رب غضِبت لَك فَيَقُول أينبغي لَك أَن تكون أَشد غَضبا مني وَيَقُول

стр. 211

للْآخر مَا حملك على أَن جلدت دون مَا أمرت فَيَقُول أَي رب رَحمته فَيَقُول أينبغي لَك أَن تكون أرْحم مني خُذُوا المقصر عَن أَمْرِي وَالزَّائِد على أَمْرِي فسدوا بهما أَرْكَان جَهَنَّم وَبِهَذَا الحَدِيث يتَبَيَّن أَنه لَا يَنْبَغِي أَن نفزع إِلَّا إِلَى الشَّرْع وَأَنه لَا شَيْء أهم للأئمة من معرفَة أَحْكَام الشَّرْع وروى عَن حُذَيْفَة أَنه قَالَ مَا أَنا بمثن على وَال خيرا عادلهم وجائرهم فَقيل لَهُ لم قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يُؤْتى بالولاة يَوْم الْقِيَامَة عادلهم وجائرهم فيقفون على الصِّرَاط فَيُوحِي الله تَعَالَى إِلَى الصِّرَاط فيزحف بهم زحفه يبقي جَائِر فِي حكمه وَلَا مرتش فِي قَضَائِهِ وَلَا مُمكن سَمعه لأحد الْخَصْمَيْنِ مالم يُمكن للأخر إِلَّا زَالَت قدماه سبعين عَاما فِي جَهَنَّم وروى أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يخرج متنكرا يطوف فِي الافاق يسْأَل دَاوُد فيهم فتعرض لَهُ جِبْرِيل ﷺ على صُورَة آدَمِيّ فَسَأَلَهُ عَن سيرته فَقَالَ جِبْرِيل نعم الرجل دَاوُد وَنعم السِّيرَة سيرته غير أَنه يَأْكُل من بَيت مَال الْمُسلمين وَلَا ياكل من كد يَده فَرجع باكيا متضرعا إِلَى محرابه يسْأَل ربه تَعَالَى أَن يُعلمهُ صَنْعَة يَأْكُل مِنْهَا فَعلمه صَنْعَة الدروع وألان لَهُ الْحَدِيد فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وعلمناه صَنْعَة لبوس لكم﴾ هَذَا خطر الْإِمَامَة وفيهَا احاديث كَثِيرَة يطول إحصاؤها وَهَذَا الْقدر كَاف للبصير الْمُعْتَبر وعَلى الْجُمْلَة فَيَكْفِي من معرفَة خطرها سيرة عمر رضى الله عَنهُ فَأَنَّهُ كَانَ يتجسس ويتعسس لَيْلًا ليعرف أَحْوَال النَّاس وَكَانَ يَقُول لَو تركت حربه على ضفة الْفُرَات لم بطلا بالهنا فَأَنا الْمَسْئُول عَنْهَا يَوْم الْقِيَامَة وَمَعَ ذَلِك فقد روى عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ أَنه قَالَ دَعَوْت الله تَعَالَى اثنتى عشرَة سنة اللَّهُمَّ أَرِنِي عمر بن

стр. 212

الْخطاب فِي مَنَامِي فرأيته بعد اثنى عشرَة سنة كانما اغْتسل واشتمل بالازار فَقلت يَا أَمِير المؤمين كَيفَ وجدت الله تَعَالَى قَالَ يَا أَبَا عبد الله كم مُنْذُ فارقتكم قلت مُنْذُ اثنتى عشرَة سنه قَالَ كنت فِي الْحساب الى الْآن وَلَقَد كَادَت تزل سريرتي لَوْلَا اني وجدت رَبًّا رحِيما فَهَذِهِ حَال عمر وَلم يملك من الدُّنْيَا سوى درة فليعتبر بِهِ وَقد حكى عَن يزدجرد بن شهريار آخر مُلُوك الْعَجم أَنه بعث رَسُولا الى عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ وَأمره أَن ينظر فِي شمائله فَلَمَّا دخل الْمَدِينَة قَالَ أَيْن ملككم قَالُوا لَيْسَ لنا ملك لنا أَمِير خرج برا فَخرج الرجل فِي أَثَره فَوَجَدَهُ نَائِما فِي الشَّمْس ودرته تَحت راسه وَقد عرق جنبه حَتَّى ابتلت مِنْهُ الأَرْض فَلَمَّا رَآهُ على حَالَته قَالَ عدلت فأمنت فَنمت وصاحبنا جَار فخاف فسهر أشهد أَن الدّين دينكُمْ وَلَوْلَا أَنِّي رَسُول لأسلمت وسأعود بِإِذن الله تَعَالَى وَمِنْهَا أَن يكون الْوَالِي متعطشا إِلَى نصيحة عُلَمَاء الدّين متعظا بمواعظ الْخُلَفَاء الرَّاشِدين ومتصفحا فِي مواعظ مَشَايِخ الدّين للامراء المنقرضين وَنحن نورد الْآن بعض تِلْكَ المواعظ فَأَنَّهُ قد روى ان عمر بن الْخطاب كتب إِلَى ابي مُوسَى الاشعري أما بعد فَإِن أسعد الرُّعَاة عِنْد الله من سعدت بِهِ رَعيته وَإِن اشقى الرُّعَاة عِنْد الله من شقيت بِهِ رَعيته وَإِيَّاك أَن ترتع فترتع عمالك فَيكون مثلك عِنْد الله مثل بَهِيمَة نظرت إِلَى خضرَة من الأَرْض فرتعت فِيهَا تبتغي فِي ذَلِك السّمن وَإِنَّمَا حتفها فِي سمنها وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن الْوَالِي مَأْخُوذ بظُلْم عماله وظلم جَمِيع حَوَاشِيه فَكل ذَلِك فِي جريدته وينسب اليه وَقد روى انه أنزل فِي التَّوْرَاة على مُوسَى ﵇ انه لَيْسَ على الامام من ظلم الْعَامِل وجوره مالم يبلغهُ ذَلِك من ظلمه وجوره فاذا بلغه فاقره شركه فِي ظلمه وجوره

стр. 213

وَقد روى ان شَقِيق البلخى دخل على هَارُون الرشيد فَقَالَ لَهُ أَنْت شَقِيق الزَّاهِد فَقَالَ لَهُ أما شَقِيق فَنعم واما الزَّاهِد فَيُقَال فَقَالَ لَهُ عظني فَقَالَ لَهُ إِن الله تَعَالَى أنزلك منزلَة الصّديق وَهُوَ يطْلب مِنْك الصدْق كَمَا تطلبه مِنْهُ وأنزلك منزلَة الْفَارُوق وَهُوَ يطْلب مِنْك الْفرق بَين الْحق وَالْبَاطِل كَمَا تطلبه مِنْهُ وأنزلك منزلَة ذِي النورين وَهُوَ يطْلب مِنْك الْحيَاء والكرامة كَمَا تطلبه مِنْهُ وانزلك منزلَة عَليّ بن أبي طَالب وَهُوَ يطْلب مِنْك الْعلم كَمَا تطلبه مِنْهُ ثمَّ سكت فَقَالَ لَهُ زِدْنِي قَالَ نعم ان لله دَارا سَمَّاهَا جَهَنَّم وجعلك بوابا لَهَا واعطاك بَيت مَال الْمُسلمين وسيفا قَاطعا وسوطا موجعا وامرك ان ترد الْخلق من هَذِه الدَّار بِهَذِهِ الثَّلَاث فَمن أَتَاك من أهل الْحَاجة فاعطه من هَذَا الْبَيْت وَمن تقدم على نهى الله فأوجعه بِهَذَا السَّوْط وَمن قتل نفسا بِغَيْر حق فاقتله بِهَذَا السَّيْف بِأَمْر ولى الْمَقْتُول فَإنَّك إِن لم تفعل ذَلِك فَأَنت السَّابِق والخلق تَابع لَك إِلَى النَّار قَالَ زِدْنِي قَالَ نعم أَنْت الْعين والعمال الْأَنْهَار إِن صفت الْعين لم يصر كدر الْأَنْهَار وَإِن كدرت الْعين لم يرج صفاء الْأَنْهَار وَقد حكى أَن هَارُون الرشيد قصد الفضيل بن عِيَاض لَيْلًا مَعَ الْعَبَّاس فِي دَاره فَلَمَّا وصل إِلَى بَابه سمع قِرَاءَته وَهُوَ يقْرَأ ﴿أم حسب الَّذين اجترحوا السَّيِّئَات أَن نجعلهم كَالَّذِين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَوَاء محياهم ومماتهم سَاءَ مَا يحكمون﴾ فَقَالَ هَارُون للْعَبَّاس إِن انتفعنا بِشَيْء فَبِهَذَا

стр. 214

فدق الْعَبَّاس الْبَاب وَقَالَ أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ وَمَا يعْمل عِنْدِي أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ أجب إمامك فَفتح الْبَاب وأطفأ سراجه وَجلسَ فِي وسط الْبَيْت فِي الظلمَة فَجعل هَارُون يطوف حَتَّى وَقعت عَلَيْهِ يَده فَقَالَ آه من يَد مَا ألينها إِن نجت من عَذَاب الله يَوْم الْقِيَامَة فَجَلَسَ وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ استعد لجواب الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة فَإنَّك تحْتَاج أَن تتقدم مَعَ كل مُسلم ومسلمة وَمُؤمن ومؤمنة فَجعل هَارُون يبكي فَقَالَ الْعَبَّاس اسْكُتْ فقد قتلت أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ يَا هامان تقتله أَنْت وَأَصْحَابك وَتقول لي أَنْت قتلته فَقَالَ هَارُون مَا سماك هامان إِلَّا وَجَعَلَنِي فِرْعَوْن فَقَالَ لَهُ هَارُون هَذَا مهر والدتي ألف دِينَار تقبلهَا مني فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا جَزَاك الله إِلَّا جزاءك أَقُول لَك ردهَا على من أَخَذتهَا مِنْهُ وَتقول لى خُذْهَا أَنْت فَقَامَ وَخرج وَقد حكى عَن مُحَمَّد بن كَعْب القرظى أَنه قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز صف لى الْعدْل فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كن لصغير الْمُسلمين أَبَا وللكبير مِنْهُم ابْنا وللمثل أَخا وعاقب كل وَاحِد مِنْهُم بِقدر ذَنبه على قدر جِسْمه وَإِيَّاك أَن تضرب بِغَضَبِك سَوْطًا وَاحِدًا فَتدخل النَّار وَقد حكى عَن الْحسن أَنه كتب إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز أما بعد فَإِن الهول الْأَعْظَم ومقطعات الْأُمُور كُلهنَّ أمامك لم تقطع مِنْهُنَّ شَيْئا فَلذَلِك فاعدد وَمن شَرها فاهرب وَالسَّلَام عَلَيْك وَقد حكى أَن بعض الزهاد دخل على بعض الْخُلَفَاء فَقَالَ لَهُ عظني فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كنت أسافر الصين فقدمتها مُدَّة وَقد أُصِيب ملكهَا

стр. 215

بسمعه فَبكى بكاء شَدِيدا وَقَالَ أما إِنِّي لست ابكي على البلية النَّازِلَة وَلَكِنِّي أبْكِي لمظلوم على الْبَاب يصْرخ فَلَا يُؤذن لَهُ وَلَا أسمع صَوته وَلَكِنِّي إِن ذهب سَمْعِي فَإِن بَصرِي لم يذهب نادوا فِي النَّاس لَا يلبس أحد ثوبا أَحْمَر إِلَّا متظلم ثمَّ كَانَ يركب الْفِيل فِي نَهَاره حَتَّى يرى حمرَة بِبَاب المظلومين فَهَذَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مُشْتَرك بِاللَّه تَعَالَى غلبت عَلَيْهِ رأفته وَرَحمته على الْمُشْركين وَأَنت مُؤمن بِاللَّه تَعَالَى من أهل بَيت نبيه ﷺ كَيفَ لَا تغلب رأفتك بِالْمُؤْمِنِينَ وَحكى أَيْضا أَن سُلَيْمَان بن عبد الْملك قدم الْمَدِينَة وَهُوَ يُرِيد مَكَّة فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا فأرشد الى أبي حَازِم فَدَعَاهُ فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ لَهُ سُلَيْمَان يَا أَبَا حام مَا لنا نكره الْمَوْت ونحب الْحَيَاة ﴿فَقَالَ﴾ لأنكم خربتم آخرتكم وعمرتم الدُّنْيَا فكرهتم أَن تَنقلُوا من الْعمرَان الى الخراب فَقَالَ يَا أَبَا حَازِم كَيفَ الْقدوم على الله تَعَالَى غَدا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أما المحسن فكالغائب يقدم على أَهله واما الْمُسِيء فكالآبق يقدم على مَوْلَاهُ فَبكى سُلَيْمَان وَقَالَ لَيْت شعري مَا لي عِنْد الله غَدا قَالَ أَبُو حَازِم اعْرِض عَمَلك على كتاب الله تَعَالَى حَيْثُ يَقُول إِن الْأَبْرَار لفي نعيم وَإِن الْفجار لفي جحيم قَالَ سُلَيْمَان فَأَيْنَ رَحْمَة الله قَالَ ﴿قريب من الْمُحْسِنِينَ﴾ ثمَّ قَالَ سُلَيْمَان يَا أَبَا حَازِم أَي عباد الله أكْرم قَالَ أهل الْمُرُوءَة والتقى قَالَ أَي الْأَعْمَال أفضل قَالَ أَدَاء الْفَرَائِض مَعَ اجْتِنَاب الْمَحَارِم قَالَ فَأَي الدُّعَاء اسْمَع قَالَ دُعَاء المحسن اليه للمحسنين قَالَ فَأَي الصَّدَقَة أزكى
следующие страницы →