← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6555

مرهم العلل المعضلة في الرد على أئمة المعتزلة

اليافعي

Полный текст (146 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

النَّار وَإِن كَانَ الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل النَّار وَإنَّهُ مَكْتُوب فِي الْكتاب أَنه من أهل الْجنَّة فَإِذا كَانَ قبل مَوته بحول فَعلم بِعَمَل أهل الْجنَّة فَمَاتَ فَدخل الْجنَّة) اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلك حسن الخاتمة مَعَ الْعَفو والعافية فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بِنَا ولأحبابنا وَالْمُسْلِمين آمين قلت فَهَذَا مَا اقتصرت على ذكره عَن هَؤُلَاءِ السَّادة الْمَذْكُورين الَّذين اقتصرت من سَادَات الصَّحَابَة عَلَيْهِم وَقد قدمت أَن أَحَادِيث الْقدر رَوَاهَا فَوق ثَلَاثِينَ صحابيا وَمن التَّابِعين زين العابدين عَليّ بن الْحُسَيْن رضوَان الله عَلَيْهِ وعَلى آبَائِهِ روى الطَّبَرِيّ بِسَنَدِهِ أَن رجلا من الْبَصْرَة جَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي إِنِّي وَافد أهل الْبَصْرَة إِلَيْك قَالَ الْقدر قد فَنَشَأَ بهَا وارتد أَكثر النَّاس فَقَالَ لَهُ سل فَقَالَ للخير فَقَالَ اكْتُبْ علم وقضا وَقدر وساء وَأَرَادَ وَلم يرض وَلم يجب فَرجع إِلَى الْبَصْرَة فَقَرَأَ على النَّاس مَا كتب فَرجع أَكْثَرهم وروى عَنهُ أَقْوَال أُخْرَى غَلِيظَة فِي تَكْفِير أَصْحَاب الْقدر رَوَاهَا الإِمَام الْبَيْهَقِيّ وَغَيره بأسانيدهم قلت وَهَذَا صَرِيح من زين العابدين فِي التَّفْرِيق بَين الْإِرَادَة وَالرِّضَا وَهُوَ مُوَافق لما قَدمته من قَول بعض أَئِمَّتنَا وَمِنْهُم عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ روى الإِمَام الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى الإِمَام مَالك قَالَ إِن عمر بن عبد الْعَزِيز كَانَ حكيما يَقُول لَو أَرَادَ الله أَن يعْصى مَا خلق إِبْلِيس قلت وَقد ذكر الإِمَام الثعالبي رِوَايَة أَن آدم ﵇ التقى بإبليس فِي الأَرْض فلامه على صَنِيعه وَقَالَ يَا مَلْعُون أَنْت الَّذِي أخللت بِي

стр. 107

وغررتني وأخرجتني من الْجنَّة وَفعلت وَفعلت قَالَ فَبكى إِبْلِيس وَقَالَ يَا آدم أَنا فعلت بك مَا تَقول وأنزلتك هَذِه الْمنزلَة فَمن فعل مَا أَنا فِيهِ وأحلني هَذِه الْمنزلَة رَجعْنَا إِلَى كَلَام عمر بن عبد الْعَزِيز وَكَانَ يَقُول إِن فِي كتاب الله لهَؤُلَاء الْقَدَرِيَّة علما بَينا علمه من علمه وجهله من جَهله قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ مَا أَنْتُم عَلَيْهِ بفاتنين إِلَّا من هُوَ صال الْجَحِيم﴾ وروى سعيد ين مَنْصُور فِي تَفْسِيره قَالَ حَدثنَا عَمْرو بن دِينَار قَالَ خرجت وافدا إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز فِي نفر من أهل الْكُوفَة وَكَانَ مَعنا صَاحب لنا يتَكَلَّم فِي الْقدر فسألنا عمر بن عبد الْعَزِيز حوائجنا ثمَّ ذكرنَا لَهُ الْقدر فَقَالَ لَو أَرَادَ الله أَن لَا يعْصى مَا خلق إِبْلِيس ثمَّ قَالَ قد بَين أَنه ذَلِك فِي كِتَابه ﴿فَإِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ﴾ الْآيَة فَرجع صاحبنا ذَلِك عَن الْقدر وَرَوَاهُ الطَّبَرِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى عمر ابْن ذَر وَزَاد لَو أَن الله تَعَالَى كلف الْعباد على قدر عَظمته لما قَامَت لذَلِك سَمَاء الأَرْض وَلَا جبل وَلَا شَيْء من الْأَشْيَاء وَلكنه أَخذ مِنْهُم الْيَسِير وَلَو أَرَادَ وَأحب أَن لَا يعْصى لم يخلق إِبْلِيس راس الْمعْصِيَة قَالَ بعض الْأَئِمَّة الْمُتَأَخِّرين رَحْمَة الله على عمر لقد أَتَانَا أحسن دَلِيل وأخصر وَلِهَذَا قَالَ مَالك إِنَّه كَانَ حكيما وروى عَنهُ سعيد بن مَنْصُور بِسَنَدِهِ أَنه قَالَ يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا الله من أحسن فليحمد الله وَمن أَسَاءَ فليستغفر الله فَإِنَّهُ الله لَا بُد لأقوام أَن يعملوا أعمالا كتبهَا الله عَلَيْهِم ووضعها فِي رِكَابهمْ وَقَالَ أَيْضا فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْريّ وَغَيره عَنهُ مَا اعْلَم النَّاس وَحدث النَّاس من محدثة وَلَا ابتدعوا من بِدعَة هِيَ

стр. 108

أبين أمرا وَلَا أَبَت أمرا من الأقدار بِالْقدرِ لقد كَانَ ذكره فِي الْجَاهِلِيَّة الجهلاء يَتَكَلَّمُونَ بِهِ فِي كَلَامهم وَفِي شعرهم يعزون بِهِ أنفسهم على مَا فاتهم ثمَّ لم يزده الْإِسْلَام إِلَّا شدَّة وَلَقَد ذكره رَسُول الله ﷺ فِي غير حَدِيث وَلَا حديثين قد سَمعه مِنْهُ الْمُسلمُونَ فتكلموا بِهِ فِي حَيَاته وَبعد وَفَاته يَقِينا وتسليما لرَبهم وتضعيفا لأَنْفُسِهِمْ أَن يكون شَيْء لم يحط بِهِ علمه وَلم يَخُصُّهُ كِتَابه وَلم يمض فِيهِ قدرته وَإنَّهُ لمع ذَلِك فِي مُحكم كِتَابه لمنه اقتبسوه ولمنه تعلموه وَلَئِن قُلْتُمْ أنزل الله كَذَا وَثمّ قَالَ كَذَا لقد قرءوا مِنْهُ مَا قَرَأْتُمْ وَعَلمُوا من تَأْوِيله مَا جهلتم وَقَالُوا بعد ذَلِك كُله بِكِتَاب وقدروا مَا يقدر يكن وَمَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَلَا يملك لأنفسنا نفعا وَلَا ضرا ثمَّ رَغِبُوا وَبعد ذَلِك ذَهَبُوا روى الإِمَام الطَّبَرِيّ بِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَى الإِمَام الْأَوْزَاعِيّ قَالَ كتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى ابْن لَهُ كتابا فَكَانَ فِيمَا كتب إِنِّي أسأَل الله تَعَالَى الَّذِي بِيَدِهِ الْقُلُوب يضع فِيهَا مَا يَشَاء من هدى وضلال وروى الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ بِسَنَدِهِ عَنهُ أَنه دعِي غيلَان لشَيْء بلغه عَن الْقدر فَقَالَ يَا غيلَان مَا هَذَا الَّذِي بَلغنِي عَنْك قَالَ يكذب عَليّ قَالَ مَا تَقول فِي الْعلم قَالَ هَذَا الْعلم قَالَ اذْهَبْ الْآن فَقل مَا شِئْت يَا غيلَان إِنَّك إِن قررت بِالْعلمِ خصمت وَإِن جحدته كفرت وَإنَّك إِن تقربه فتخصم خير لَك من أَن تجحده فتكفر ثمَّ قَالَ اقْرَأ يس قَالَ نعم فَقَرَأَ يس إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يُؤمنُونَ﴾ قَالَ كَيفَ ترى قَالَ كَأَنِّي لم أَقرَأ هَذِه الْآيَات قطّ إِنِّي أعَاهد الله أَن لَا أَتكَلّم فِي شَيْء مِمَّا كنت أَتكَلّم فِيهِ أبدا قَالَ اذْهَبْ فَلَمَّا ولي قَالَ اللَّهُمَّ إِن كَانَ كَاذِبًا فأذقه حر السِّلَاح فَلم يتَكَلَّم فِي زمن عمر فَلَمَّا كَانَ زمن يزِيد بن عبد الْملك تكلم فَلَمَّا ولي هِشَام أرسل إِلَيْهِ وَقَالَ أَلَيْسَ قد كنت عَاهَدت الله لعمر بن

стр. 109

عبد الْعَزِيز أَن لَا تَتَكَلَّم فِي شَيْء من هَذَا أبدا قَالَ أَقلنِي فوَاللَّه لَا أَعُود قَالَ لَا قَالَ لَا أقالني الله إِن أَقْتلك أتعرف فَاتِحَة الْكتاب قَالَ نعم قَالَ اقْرَأ فقرا ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ إِلَى ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ قَالَ قف على مَا استعنته على أَمر بِيَدِهِ لَا يستطيعه أَو على أَمر بِيَدِك اذْهَبُوا فَاقْطَعُوا بيدَيْهِ وَرجلَيْهِ واضربوا عُنُقه واصلبوه قَالَ الْأَئِمَّة هَذَا الحَدِيث إِسْنَاده صَحِيح وَقد روى الْعلمَاء عَن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ إِثْبَات الْقدر وَالْإِيمَان بِهِ وتضليل منكريه والتغليظ على الْقَدَرِيَّة مَا يطول ذكره من ذَلِك مَا روى الإِمَام الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ عَنهُ أَن أَصْحَاب الْقدر يستتابون فَإِن تَابُوا وَإِلَّا نفوا من ديار الْمُسلمين وَمن التَّابِعين أَيْضا الْحسن الْبَصْرِيّ ﵁ روى الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَى حميد قَالَ قدم الْحسن مَكَّة فكلمني فُقَهَاء مَكَّة أَن ُأكَلِّمهُ فيجلس لَهُم يَوْمًا فكلمته فَقَالَ نعم فَاجْتمعُوا وَهُوَ على سَرِير فَقَالَ لَهُ رجل يَا أَبَا سعيد من خلق الشَّيْطَان قَالَ سُبْحَانَ الله ﴿هَل من خَالق غير الله﴾ خلق الشَّيْطَان وَخلق الْخَيْر وَخلق الشَّرّ وروى أَيْضا بِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَى حَمَّاد بن زيد عَن خَالِد قَالَ قلت لِلْحسنِ يَا أَبَا سعيد آدم خلق للْأَرْض أم للسماء فَقَالَ خلق للْأَرْض فَقلت أَرَأَيْت لَو أَنه استعصم فَلم يَأْكُل من الشَّجَرَة قَالَ لم يكن لَهُ بُد من أَن يَأْكُل مِنْهَا لِأَنَّهُ خلق للْأَرْض وروى أَيْضا بِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَى حميد قَالَ قَرَأت الْقُرْآن كُله

стр. 110

على الْحسن ففسره على الْإِثْبَات فَسَأَلته عَن قَوْله تَعَالَى ﴿كَذَلِك سلكناه فِي قُلُوب الْمُجْرمين﴾ قَالَ الشّرك بِاللَّه سلكه فِي قُلُوبهم وَسَأَلته عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَهُم أَعمال من دون ذَلِك هم لَهَا عاملون﴾ قَالَ أَعمال سيعملونها وَسَأَلته عَن قَوْله تَعَالَى ﴿مَا أَنْتُم عَلَيْهِ بفاتنين إِلَّا من هُوَ صال الْجَحِيم﴾ وروى أَيْضا بِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَى خَالِد عَنهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلذَلِك خلقهمْ﴾ قَالَ خلق هَؤُلَاءِ للجنة وَهَؤُلَاء للنار وَبِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَى الْأَشْهب عَنهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وحيل بَينهم وَبَين مَا يشتهون﴾ قَالَ بَينهم وَبَين الْإِيمَان وَبِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَى أَبى مَرْوَان مولى هِنْد بنت الْمُهلب قَالَ دَعَا معبد إِلَى الْقدر عَلَانيَة فَمَا كَانَ أحد أَشد عَلَيْهِ فِي التَّفْسِير وَالرِّوَايَة وَالْكَلَام من الْحُسَيْن فغبت ثمَّ قدمت فَألْقى معبدًا فَقَالَ لي أما شَعرت أَن الشَّيْخ وَافقنِي يَعْنِي الْحسن فَاصْنَعُوا بعد مَا شِئْتُم فأتينه فَقلت يَا أَبَا سعيد قَول الله تَعَالَى ﴿تبت يدا أبي لَهب وَتب مَا أغْنى عَنهُ مَاله وَمَا كسب سيصلى نَارا ذَات لَهب﴾ كَانَ فِي أم الْكتاب قبل أَن يخلق الله أَبَا لَهب فَقَالَ سُبْحَانَ الله مَا شَأْنك نعم وَالله أَن يخلق أَبَا أَبِيه فَقلت فَهَل كَانَ أَبُو لَهب يَسْتَطِيع أَن

стр. 111

يُؤمن حَتَّى لَا يُصَلِّي هَذِه النَّار قَالَ لَا وَالله مَا كَانَ يَسْتَطِيع فَقلت احْمَد الله هَذَا الَّذِي كنت عهدتك عَلَيْهِ أَن الَّذِي دَعَاني إِلَى مَا سَأَلتك أَن معبدًا الْجُهَنِيّ أَخْبرنِي انك قد وافقته قَالَ كذب لكع كذب لكع قلت وَهَكَذَا بَلغنِي عَن بعض المبتدعة أَنهم يدعونَ بطرِيق البهت والافتراء أَن الْحسن الْبَصْرِيّ على عقيدتهم حَتَّى ادعوا ذَلِك أَيْضا فِي الإِمَام أبي حَامِد الْغَزالِيّ بل بَلغنِي أَن بَعضهم ادّعى ذَلِك فِي الإِمَام الشَّافِعِي وَغَيره من الْعلمَاء الأجلاء وَمن كبار الْأَوْلِيَاء من أَئِمَّة أهل السّنة وصلحائهم يدلسون بذلك على الْجُهَّال ليستميلوا الْعَوام بالملاح أهل الْعلم وَالصَّلَاح من أجلاء أهل السّنة وأئمتهم بِمُجَرَّد التمويه والنهب الصَّرِيح وَالِاخْتِلَاف والافتراء الْقَبِيح الَّذِي يكذبهم بِهِ ضَرُورَة حسن السّمع وَالْبَصَر كَمَا يكذب مُنكر وجود الشَّمْس وَالْقَمَر وَمَا مثالهم فِيمَا ادعوهُ من ذَلِك إِلَّا كمثال قوم لَا يزَال بعض الْمُلُوك يدهمهم بعساكره ويقابلهم ويهزمهم طول دهره ويجلب عَلَيْهِم بخيله وَرجله ويفتك فيهم بأسره وقيله لسوء سيرتهم وقبح طريقهم حَتَّى أفناهم وَمن بِلَادهمْ نفاهم فَلَمَّا مَاتَ ادعوا أَنه لَهُم مُوَافق وَبِحسن سيرتهم وابق ولطريقهم سالك وشاكر ومكذبين فِي ذَلِك جَمِيع العساكر الَّذِي لطريقته يتبعُون وبظعنه فِي طريقهم دَائِما يسمعُونَ وبظعانه فيهم طول الدَّهْر يَجْتَمعُونَ فَإِن كل من ادعوا من أهل السّنة أَنه مِنْهُم ليتكثروا بِهِ ويزينوا مَذْهَبهم بِكَوْنِهِ بزعمهم دَاخِلا فِيهِ مَعَهم تكذبهم تصانيفه وَسيرَته وَقَوله وَفعله وَعلمه وَعَمله وَظَاهره وباطنه وإنكاره عَلَيْهِم وطعنه فيهم لنفيره عَنْهُم ومخالفته لَهُم ومخاصمته مَعَهم ومحاربتهم إيَّاهُم وَغير ذَلِك مِمَّا امْتَلَأَ بِهِ الْوُجُود من كَثْرَة الشُّهُود وَامْتنع فِيهِ الْجُحُود كَمَا امْتنع جحود المعاين الْمَشْهُود

стр. 112

وَهَكَذَا ادعوا أَن أهل الْبَيْت رضوَان الله عَلَيْهِم يَعْتَقِدُونَ معتقدهم وَقد قدمت عَن عَليّ وَذريته وَابْن عَبَّاس ﵃ من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا مَا يكذبهم وَقد روى الطَّبَرِيّ بِسَنَدِهِ أَن رجلا من الشِّيعَة سَأَلَ جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق رضوَان الله عَلَيْهِ عَن الْقدر فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ أَن الله تَعَالَى لَا يطاع قهرا وَأَن الله لَا يعْصى قهرا فَإِذا أَرَادَ الطَّاعَة كَانَت وَإِذا أَرَادَ الْمعْصِيَة كَانَت فَإِن عذب فَبِحَق وَإِن عفى فبالفضل أَو قَالَ فيفضل رَجعْنَا إِلَى حَدِيث الْحسن الْبَصْرِيّ الَّذِي ادعوا أَنه مِنْهُم روى أَئِمَّتنَا عَنهُ بِسَنَد صَحِيح أَنه قَالَ من كذب بِالْقدرِ فقد كذب بِالْقُرْآنِ وروى الْحَاكِم بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن يحيى قَالَ سَمِعت الْحسن وَأَتَاهُ رجل فَقَالَ يزْعم أَن من قتل مَظْلُوما فقد قتل فِي غير أَجله فَقَالَ من أكل بَقِيَّة رزقه بل قتل فِي أَجله قلت جَمِيع هَذَا الْكَلَام من قَوْله يزْعم إِلَى قَوْله كَلَام الْحسن وَهُوَ ظَاهر وَإِنَّمَا نبهت عَلَيْهِ لِئَلَّا يتَوَهَّم من لَيْسَ لَهُ معرفَة بِمذهب أهل السّنة وَأهل الْبِدْعَة غير ذَلِك وَتَقْدِير الْكَلَام أَتَاهُ رجل فَقَالَ لَهُ الْحسن يزْعم وَإِنَّمَا أعَاد قَوْله فَقَالَ تَأْكِيدًا وإلزاما كَأَنَّهُ قَالَ فَإِن كَانَ كَمَا يَقُول فَمن أكل بَقِيَّة رزقه وَقَالَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ حَدثنَا إِسْمَاعِيل عَن مَنْصُور ابْن عبد الرَّحْمَن قَالَ قلت لِلْحسنِ قَوْله ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها﴾ قَالَ سُبْحَانَ الله وَمن يشك فِي هَذَا كل مُصِيبَة بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فِي كتاب الله قبل أَن يبرأ النَّسمَة

стр. 113

وروى الطَّبَرِيّ بِسَنَدِهِ عَنهُ أَنه قَالَ من كذب بِالْقدرِ فقد كذب بِالْإِسْلَامِ وَمِنْهُم سعيد بن الْمسيب ﵁ روى الْبَيْهَقِيّ عَن عَمْرو بن شُعَيْب قَالَ كنت عِنْد سعيد بن الْمسيب ﵁ إِذا جَاءَهُ رجل فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد إِن نَاسا يَقُولُونَ قدر الله كل شَيْء مَا خلا الْأَعْمَال فَغَضب سعيد غَضبا لم أره غضب مثله قطّ حَتَّى هم بِالْقيامِ ثمَّ قَالَ فَعَلُوهَا فَعَلُوهَا ويحهم ويحهم لَو يعلمُونَ أما إِنِّي سَمِعت فيهم حَدِيثا كفاهم بِهِ شرا فَقلت وَمَا ذَاك يَا أَبَا مُحَمَّد يَرْحَمك الله فَقَالَ حَدثنِي رَافع بن خديج عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (سَيكون فِي أمتِي أَقوام يكفرون بِاللَّه وَبِالْقُرْآنِ وهم لَا يَشْعُرُونَ فَقلت يَا رَسُول الله كَيفَ يَقُولُونَ قَالَ يقرونَ بِبَعْض الْقدر ويكفرون بِبَعْض يَقُولُونَ الْخَيْر من الله وَالشَّر من الشَّيْطَان) الحَدِيث وَمِنْهُم سَالم بن عبد الله ﵁ روى الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى سفين عَن عمر بن مُحَمَّد قَالَ جَاءَ رجل إِلَى سَالم بن عبد الله فَقَالَ أَرَأَيْت رجلا زنى قَالَ يسْتَغْفر الله قَالَ كتبه الله عَلَيْهِ قَالَ نعم قَالَ فيعذبه وَقد كتبه عَلَيْهِ فَأخذ كفا من حصا فَحَصَبه وَمِنْهُم عَطاء بن أبي رَبَاح ﵁ روى الْحَاكِم بِسَنَدِهِ إِلَى عبد الْوَاحِد بن سليم قَالَ سَأَلت عَطاء فَقلت إِن نَاسا من أهل الْبَصْرَة يَقُولُونَ فِي الْقدر قَالَ تقْرَأ الْقُرْآن قلت نعم قَالَ اقْرَأ الزخرف فَقَرَأت ﴿حم وَالْكتاب الْمُبين﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَإنَّهُ فِي أم الْكتاب لدينا لعَلي حَكِيم﴾ قَالَ أَتَدْرِي مَا أم

стр. 114

الْكتاب قلت الله وَرَسُوله أعلم قَالَ هُوَ الْكتاب الَّذِي كتبه قبل أَن يخلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِيهِ أَن فِرْعَوْن من أهل النَّار و ﴿تبت يدا أبي لَهب﴾ وَمِنْهُم طَاوس ﵁ روى الطَّبَرِيّ بِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَى عَمْرو بن دِينَار قَالَ قَالَ طَاوس احْذَرُوا الْجُهَنِيّ فَإِنَّهُ قدري وَمِنْهُم مُجَاهِد ﵁ روى سعيد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان عَن ابْن أبي نجيح أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تجعلنا فتْنَة للْقَوْم الظَّالِمين﴾ قَالَ لَا تسلطهم علينا فيفتنونا فيفتنوا بِنَا وَبِسَنَد الْبَيْهَقِيّ الصَّحِيح إِلَى ابْن أبي نجيح أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه﴾ قَالَ يحول بَين الْكَافِر وَقَلبه حَتَّى يتْركهُ لَا يعقل وَبِسَنَدِهِ إِلَى مَنْصُور عَنهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَا أَنْتُم عَلَيْهِ بفاتنين إِلَّا من هُوَ صال الْجَحِيم﴾ قَالَ فِي علم الله وَبِسَنَد سعيد عَن سُفْيَان عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنِّي أعلم مَا لَا تعلمُونَ﴾ قَالَ علم من إِبْلِيس الْمعْصِيَة وخلقه لَهَا

стр. 115

وروى الطَّبَرِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى الْحَاكِم عَنهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وكل إِنْسَان ألزمناه طَائِره فِي عُنُقه﴾ قَالَ مَكْتُوب فِي ورقة فِي عُنُقه شقي أَو سعيد وَمِنْهُم ابْن سِيرِين ﵁ روى الإِمَام أَحْمد بِسَنَدِهِ عَنهُ قَالَ إِن لم يكن أهل الْقدر من الَّذين يَخُوضُونَ فِي آيَات الله فَلَا أَدْرِي من هم وَمِنْهُم سعيد بن جُبَير ﵁ روى سعيد بن مَنْصُور بِسَنَدِهِ عَنهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وهديناه النجدين﴾ نجد الْخَيْر ونجد الشَّرّ وَبِسَنَد الطَّبَرِيّ إِلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْلَا كتاب من الله سبق﴾ قَالَ مَا سبق لأهل بدر من السَّعَادَة وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ ينالهم نصِيبهم من الْكتاب﴾ قَالَ مَا سبق لَهُم من الشقاوة وَمِنْهُم أياس بن مُعَاوِيَة بن قُرَّة ﵁ روى الإِمَام أَحْمد ابْن حَنْبَل ﵁ بِسَنَدِهِ عَنهُ أَنه قَالَ مَا كلمت أحدا من أهل الْأَهْوَاء بعقلي كُله إِلَّا الْقَدَرِيَّة قلت لَهُم مَا الظُّلم فِيكُم قَالُوا أَن يَأْخُذ الْإِنْسَان مَا لَيْسَ لَهُ فَقلت لَهُم إِن لله كل شَيْء قلت وَقد قدمت عَن الإِمَام مَالك أَنه بلغه عَنهُ أَنه قيل لَهُ مَا

стр. 116

رَأْيك فِي الْقدر فَقَالَ لَا يعلم سره إِلَّا الله قَالَ مَالك وَكَانَ يضْرب بِهِ الْمثل فِي الْفَهم وَمِنْهُم الشّعبِيّ روى الطَّبَرِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى الرّبيع بن خَيْثَم عَن زيد بن أسلم قَالَ وَالله مَا قَالَت الْقَدَرِيَّة كَمَا قَالَ الله وَلَا كَمَا قَالَت الْمَلَائِكَة وَلَا كَمَا قَالَت الْأَنْبِيَاء وَلَا كَمَا قَالَ أهل الْجنَّة وَلَا كَمَا قَالَ أهل النَّار وَلَا كَمَا قَالَ أخوهم إِبْلِيس قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ وَقَالَت الْمَلَائِكَة ﵈ ﴿لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا﴾ وَقَالَ شُعَيْب ﷺ ﴿وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاء الله رَبنَا﴾ وَقَالَ أهل الْجنَّة ﴿الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله﴾ قَالَ أهل النَّار ﴿رَبنَا غلبت علينا شِقْوَتنَا﴾ وَقَالَ أخوهم إِبْلِيس ﴿رب بِمَا أغويتني﴾ قلت وَهَذَا مَا اقتصرت عَلَيْهِ أَيْضا من كَلَام هَؤُلَاءِ الْعلمَاء الْمَذْكُورين الَّذِي اقتصرت عَلَيْهِم من أجلاء التَّابِعين ﵃ أَجْمَعِينَ وَمن الْفُقَهَاء الأجلاء الْأَئِمَّة الْمَشْهُورين قدوة الْأمة المتبعين السّنة أحسن الْمُتَابَعَة المتبوعين أهل الْمذَاهب الْأَرْبَعَة مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو حنيفَة ﵃ وأرضاهم وَجعل فِي علا الْجنان مأواهم وَهَا أَنا أذكر شَيْئا من كَلَامهم وَكَلَام أَصْحَابهم فِي الْقدر بتقدم من تقدم مِنْهُم فِي الزَّمَان وَتَأْخِير من تَأَخّر

стр. 117

فالإمام أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه ﵃ فروى الإِمَام الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى أبي عصمَة نوح بن أبي مَرْيَم قَالَ سَأَلت أَبَا حنيفَة من أهل الْجَمَاعَة قَالَ من فضل أَبَا بكر وَعمر وَأحب عليا وَعُثْمَان وآمن بِالْقدرِ خَيره وشره من الله وَمسح على الْخُفَّيْنِ وَلم يكفر مُؤمنا بذنب وَلم يتَكَلَّم فِي الله بِشَيْء وروى الطَّبَرِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى مُحَمَّد بن الْحسن صَاحب أبي حنيفَة قَالَ حَدثنَا أَبُو حنيفَة وَذكر سَنَده إِلَى مَسْعُود ﵁ قَالَ يكون النُّطْفَة فِي الرَّحِم أَرْبَعِينَ يَوْمًا الحَدِيث فَيَقُول رب ذكر أَو أُنْثَى شقي أَو سعيد وَمَا رزقه قَالَ مُحَمَّد وَبِهَذَا نَأْخُذ وَبِه كَانَ يَأْخُذ أَبُو حنيفَة الشقي من شقي فِي بطن أمه والسعيد من وعظ بِغَيْرِهِ وَبِسَنَدِهِ إِلَى أبي يُوسُف صَاحب أبي حنيفَة قَالَ لَا تصل خلف جهمي وَلَا رَافِضِي وَلَا قدري وَأما الإِمَام مَالك وَأَصْحَابه ﵁ فروى الْبَيْهَقِيّ عَنهُ أَنه قَالَ الْقَدَرِيَّة شَرّ النَّاس وأرذلهم وَقَرَأَ ﴿يضلوا عِبَادك﴾ الْآيَة قلت يَعْنِي قَول نوح ﵇ ﴿إِنَّك إِن تذرهم يضلوا عِبَادك﴾ وَقَالَ أَبُو بكر الْأَبْهَرِيّ فِي شرح ابْن عبد الحكم عَن مَالك أَنه قَالَ فِي الْقَدَرِيَّة يستتابون فَإِن تَابُوا وَإِلَّا قتلوا قَالَ فَقلت لَهُ من الْقَدَرِيَّة عِنْد مَالك فَقَالَ روى ابْن وهب عَن مَالك أَنه قَالَ هم الَّذِي يَقُولُونَ إِن الله لَا يعلم الشَّيْء قبل كَونه وروى الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ أَنه سُئِلَ مَالك عَن تَزْوِيج الْقَدَرِيَّة فَقَالَ ﴿ولعَبْد مُؤمن خير من مُشْرك﴾ وَبِسَنَدِهِ إِلَى يُونُس بن عبد

стр. 118

الْأَعْلَى قَالَ سَمِعت أَشهب يَقُول قَالَ مَالك الْقَدَرِيَّة لَا تناكحوهم وَلَا تصلوا خَلفهم وَلَا تحملوا عَنْهُم الحَدِيث وَإِن رأيتموهم فِي ثغر فأخرجوهم مِنْهُ وَقَالَ مَالك مَا أضلّ من كذب بِالْقدرِ لَو لم يكن عَلَيْهِم إِلَّا قَوْله تَعَالَى ﴿خَلقكُم فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن﴾ لكفى بهَا حجَّة وروى الطَّبَرِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى أَشهب قَالَ سَأَلت مَالِكًا عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يزالون مُخْتَلفين إِلَّا من رحم رَبك وَلذَلِك خلقهمْ﴾ قَالَ ليَكُون ﴿فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير﴾ وروى الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى الإِمَام الْحَافِظ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي النَّيْسَابُورِي قَالَ السّنة عندنَا أَن الْإِيمَان قَول وَعمل يزِيد وَينْقص وَهُوَ قَول أَئِمَّتنَا مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَأَن الْقدر خَيره وشره من الله قد جف الْقَلَم بِمَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم يقوم السَّاعَة علم الله من الْعباد مَا هم عاملون وَإِلَى مَا هم صائرون وَأمرهمْ ونهاهم فَمن لزم أَمر الله وآثر طَاعَته فبتوفيق الله وَمن ترك أَمر الله وَركب مَعَاصيه فبخذلان الله إِيَّاه وَمن زعم أَن الِاسْتِطَاعَة قبل الْعَمَل بالجوارح إِلَيْهِ إِن شَاءَ عمل وَإِن شَاءَ لم يعْمل كذب بِالْقدرِ ورد كتاب الله وَزعم أَنه مستطيع لما لم يردهُ الله وَنحن نبرأ إِلَى الله من هَذَا القَوْل وَلَكِن نقُول الِاسْتِطَاعَة فِي العَبْد مَعَ الْفِعْل فَإِذا عمل عملا بالجوارح من بر أَو فجور علمنَا

стр. 119

أَنه كَانَ مستطيعا للْفِعْل الَّذِي فعل فَأَما قبل أَن يَفْعَله فَإنَّا لَا نَدْرِي لَعَلَّه يُرِيد أمرا فيحال بَينه وَبَينه وَالله تَعَالَى مُرِيد لتكوين أَعمال الْخلق وَمن ادّعى خلاف مَا ذكرنَا فقد وصف الله تَعَالَى بِالْعَجزِ وَهلك فِي الداهرين وَأما الإِمَام الشَّافِعِي وَأَصْحَابه ﵃ فقد روى الرّبيع ابْن سُلَيْمَان عَن أَصْحَابه عَنهُ أَنه قَالَ لِأَن يلقى الله العَبْد فَكل ذَنْب من خلا الشّرك بِاللَّه خير مَا أَن يلقاه بِشَيْء من هَذِه الْأَهْوَاء وَذَلِكَ أَنه رأى قوما يتجادلون فِي الْقدر بَين يَدَيْهِ قَالَ الشَّافِعِي أخبر الله تَعَالَى فِي كِتَابه أَن الْمَشِيئَة لَهُ دون خلقه والمشيئة إِرَادَة الله قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ فَأعْلم خلقه أَن الْمَشِيئَة لَهُ قَالَ وَكَانَ الشَّافِعِي يثبت الْقدر قلت وَقد قدمت مَا رَوَاهُ الإمامان الْمُزنِيّ وَالربيع من أَصْحَابه مِمَّا أنْشد قَوْله (مَا شِئْت كَانَ وَإِن لم أشأ ... وَمَا شِئْت إِن لم تشأ لم يكن) إِلَى آخر الأبيات الْخَمْسَة وَقَالَ الرّبيع عَن الشَّافِعِي لَو حلف رجل فَقَالَ وَالله لَا أفعل كَذَا إِلَّا أَن يَشَاء الله أَو إِلَّا أَن يقدر الله وَأَرَادَ بِهِ الْقدر فَلَا شَيْء أَو قَالَ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ قلت يَعْنِي لَا يَحْنَث وَقد قدمت تَقْرِير الْمَسْأَلَة عَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَقَالَ عَاصِم سَمِعت الْمُزنِيّ يَقُول سَأَلت الشَّافِعِي عَن قَول النَّبِي ﷺ سِتَّة لعنهم الله المكذب بِقدر الله فَقلت من الْقَدَرِيَّة فَقَالَ هم الَّذين يَزْعمُونَ أَن الله لَا يعلم الْمعاصِي حَتَّى تكون قَالَ الْمُزنِيّ

стр. 120

هَذَا عِنْدِي كفر وَقَالَ عَاصِم قَالَ الْمُزنِيّ الله الْخَالِق وأفعال الْعباد مخلوقة لَا يقدر أحد إِن شَاءَ شَيْئا إِلَّا أَن يَشَاء الله قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ قَالَ وَسمعت الْمُزنِيّ يَقُول إِذا قَالَ وَالله لَا أضْرب الْيَوْم أحدا فَضرب نَفسه لَا يَحْنَث لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ غَيره من النَّاس وَهَذَا يدْخل فِي اللُّغَة على الْقَدَرِيَّة وَقَول الله تَعَالَى ﴿خَالق كل شَيْء﴾ فَإِن الله تَعَالَى خَالق الْأَشْيَاء كلهَا وَمِنْهَا أَعمال الْعباد وَلم يعن نَفسه إِنَّمَا أَرَادَ سواهُ قلت وَقد قدمت هَذِه الْقَاعِدَة أَيْضا أَعنِي كَون الْمُتَكَلّم لَا يدْخل فِي حكم الْخطاب وَأما الإِمَام أَحْمد وَأَصْحَابه ﵃ فَقَالَ حَنْبَل سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول علم الله فِي الْعباد قبل أَن يخلقهم سَابق وَقدرته ومشيئته فِي الْعباد أَو قَالَ نَافِذَة فِي الْعباد وَخلق آدم وَعلم مِنْهُ الْمعْصِيَة قبل أَن يخلقه وَكَذَا علمه سَابق مُحِيط بأفاعيل الْعباد وكل مَا هم عاملون قلت وَمِمَّا نقل عَن الإِمَام أَحْمد وَحَكَاهُ بعض أهل الْعلم عَنهُ أَنه قَالَ إِذا سَأَلَ إِنْسَان عَن أَفعَال الْعباد أَهِي من الله دون الْعباد أم من الْعباد دون الله أم من الله وَمن الْعباد فَالْجَوَاب عَن ذَلِك أَنَّهَا على غير ذَلِك لِأَن أَفعَال الْعباد لَو كَانَت من الله دون الْعباد لَكَانَ الْعباد لَا ثَوَاب لَهُم وَلَا عِقَاب عَلَيْهِم وَلَو كَانَت من الْعباد دون الله لَكَانَ الْعباد يعْملُونَ عملا بِغَيْر علم الله ومشيئته وإرادته وَلَو كَانَت من الله وَمن الْعباد على معنى وَاحِد تشابهت الْعُبُودِيَّة بالربوبية وَلَا يجوز

стр. 121

أَن يُقَال بِوَاحِد من هَذِه الْأَقَاوِيل بل يُقَال أَفعَال الْعباد هِيَ من الله تَعَالَى تَقْديرا وخلقا وَمن الْعباد عملا واكتسابا ومعانيها من قبل الله سَبْعَة وَالَّتِي من قبل الْعباد سَبْعَة فالتي من قبل الله ١ علم سَابق لَا يُخطئ بل يَقع الْأَمر على وفْق مَا علم سُبْحَانَهُ ٢ - ومشيئة نَافِذَة ٣ - وَقدر مَكْتُوب ٤ - وتسليط من الشَّيْطَان ٥ - وتطبيع الشَّهْوَة ٦ - وتركيب الْهوى ٧ - وإحداث الطَّاقَة قلت يَعْنِي بالطاقة قدرَة العَبْد على الْعَمَل قَالَ وَالَّتِي من قبل الْعباد النّظر والفكر واهتياج الشَّهْوَة وَاتِّبَاع الْهوى والغفلة عَن العواقب ورجاء الْمَغْفِرَة بِلَا نَدم انْتهى كَلَامه فِي الْأَسْبَاب ثمَّ قَالَ وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب على الِاكْتِسَاب وَالْعَمَل لَا على التَّقْدِير وَالله أعلم قلت وَهَذِه الْمَذْكُورَات من قبل الْعباد سِتّ لَا غير وَالسَّابِعَة سَاقِطَة من الأَصْل ولعلها الِاكْتِسَاب وَالله أعلم بِالصَّوَابِ وَمن الْفُقَهَاء أولي المقامات الرفيعة شيخ الإِمَام مَالك ربيعَة ﵁ روى الإِمَام الطَّبَرِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى الإِمَام ذِي الْفضل وَالْمجد اللَّيْث بن سعد قَالَ قَالَ غيلَان لِرَبِيعَة يَا أَبَا عُثْمَان أيرضى الله أَن يعْصى فَقَالَ لَهُ ربيعَة أفتعصى الله قهرا وَمن جملَة الْفُقَهَاء الْأَئِمَّة الأجلاء سُفْيَان بن سعيد الثَّوْريّ وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعبد الله بن الْمُبَارك وَالْأَوْزَاعِيّ ﵃ فَأَما الإِمَام سُفْيَان الثَّوْريّ ﵁ فروى الإِمَام الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ عَنهُ أَنه قَالَ لَهُ إِنْسَان إِن لنا إِمَامًا قدريا فَقَالَ لَا تقدموه قَالَ لَيْسَ لنا إِمَام غَيره قَالَ لَا تقدموه

стр. 122

وَبِسَنَدِهِ عَنهُ أَيْضا قَالَ سَمِعت أَعْرَابِيًا بِعَرَفَة يَقُول اللَّهُمَّ من أولى بالزلل وَالتَّقْصِير مني وَقد خلقتني ضَعِيفا وَمن أولى بِالْعَفو عني مِنْك وعلمك فِي سَابق وأمرك فِي نَافِذ أطعتك بإذنك والْمنَّة لَك عَليّ وعصيتك بعلمك وَالْحجّة لَك فأسألك بِوُجُوب رحمتك أَو قَالَ بِثُبُوت حجتك وَانْقِطَاع حجتي وبفقري إِلَيْك وغناك عني أَن تغْفر لي اللَّهُمَّ لم أحسن حَتَّى أَعْطَيْتنِي وَلم أسئ حَتَّى قضيت عَليّ اللَّهُمَّ إِنَّا أطعناك بنعمتك فِي أحب الْأَشْيَاء إِلَيْك شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَلم نعصك فِي أبْغض الْأَشْيَاء إِلَيْك الشّرك فَاغْفِر مَا بَينهمَا اللَّهُمَّ إِنَّك آنس المؤنسين لأوليائك وأقربهم بالكفاية للمتوكلين عَلَيْك فشاهدهم فِي ضمائرهم وتطلع على سرائرهم وسري اللَّهُمَّ لَك مَكْشُوف وَأَنا بك ملهوف وَإِذا وحشتني الْكُرْبَة آنسني ذكرك وَإِذا عَمت عَليّ الهموم لجأت إِلَيْك استجارة بك علما بِأَن أزمة الْأُمُور بِيَدِك وَأَن مصدرها عَن قضائك وَأما الإِمَام سُفْيَان بن عُيَيْنَة ﵁ فروى الإِمَام الْبَيْهَقِيّ عَنهُ أَنه سُئِلَ عَن الْقَدَرِيَّة قَالَ قَالَت الْقَدَرِيَّة مَا لم يقل وَلَا الْمَلَائِكَة وَلَا النَّبِيُّونَ وَلَا أهل الْجنَّة وَلَا أهل النَّار وَلَا مَا قَالَ أخوهم إِبْلِيس قَالَ الله ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾ ثمَّ ذكر من قَول البَاقِينَ مثل مَا قَدمته عَن زيد بن أسلم إِلَّا أَنه قَالَ وَقَالَ النَّبِيُّونَ ﴿وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا﴾ وَلم يقل وَقَالَ شُعَيْب كَمَا قَالَ زيد بن أسلم

стр. 123

وَبِسَنَد الْبَيْهَقِيّ أَيْضا عَنهُ أَنه قَالَ لَهُ إِنْسَان يَا أَبَا مُحَمَّد إِنَّا وجدنَا خَمْسَة أَصْنَاف كفرُوا بِمن آمنُوا بِهِ قَالَ من هم قَالَ الْجَهْمِية والقدرية والمرجئة والرافضة وَالنَّصَارَى قَالَ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ فَقَالَ الْجَهْمِية لَا لَيْسَ كَمَا قلت بل خلقت كلَاما فَكَفرُوا وردوا على الله وَقَالَ الله ﴿ذوقوا مس سقر إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾ فَقَالَت الْقَدَرِيَّة لَا لَيْسَ كَمَا قلت الشَّرّ من الْبشر وَلَيْسَ مِمَّن خلقته وَكَفرُوا وردوا على الله وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿أم حسب الَّذين اجترحوا السَّيِّئَات أَن نجعلهم كَالَّذِين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ الْآيَة فَقَالَ المرجئة لَا لَيْسَ كَمَا قلت بل هُوَ سَوَاء فَكَفرُوا وردوا على الله أَبُو بكر وَعمر خير الْأمة الإسلامية بعد نبيها وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ إِن خير هَذِه الْأمة بعد نبيها ﷺ أَبُو بكر ثمَّ عمر فَقَالَت الرافضة لَا لَيْسَ كَمَا قلت بل أَنْت خير مِنْهُمَا فَكَفرُوا بِهِ وردوا عَلَيْهِ مَا الْمَسِيح ابْن مَرْيَم إِلَّا عبد الله وَرَسُوله وَقَالَ عِيسَى ابْن مَرْيَم ﷺ إِنِّي عبد الله وَرَسُوله فَقَالَت النَّصَارَى لَا لَيْسَ كَمَا قلت بل أَنْت هُوَ فَكَفرُوا وردوا عَلَيْهِ قَالَ سُفْيَان النُّبُوَّة النُّبُوَّة قلت فِي قَوْله النُّبُوَّة النُّبُوَّة احْتِمَالَانِ

стр. 124

أَحدهمَا الإغراء أَي الزموا مَا جَاءَت بِهِ النُّبُوَّة وَالثَّانِي استعظام لما ادعوا فِيهِ وَتَكْذيب لَهُم وَأَن لَيْسَ عِنْده سوى النُّبُوَّة وَالله أعلم وَبِسَنَدِهِ أَيْضا عَنهُ أَنه قيل لَهُ هَهُنَا رجل يكذب بِالْقدرِ فَقَالَ كذب عَدو الله لقد سَمِعت إعرابيا بالموقف وَهُوَ أفقه مِنْهُ يَقُول اللَّهُمَّ خرجت وَأَنت أخرجتني وَعَلَيْك قدمت وَأَنت أقدمتني أطيعك بِأَمْرك وَلَك الْمِنَّة عَليّ وعصيتك بعلمك وَلَك الْحجَّة عَليّ فَأَنا أَسأَلك بِوَاجِب حجتك وَانْقِطَاع حجتي إِلَّا رددتني بذنب مغْفُور لَا يُؤمن النَّصَارَى من أَربع خِصَال وَأما الإِمَام ابْن الْمُبَارك ﵁ فروى الإِمَام الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ عَنهُ أَنه قَالَ إِن النَّصَارَى لَا يُؤمنُونَ من أَربع خِصَال ذَنْب قد مضى لَا يدرى مَا الرب يصنع فِيهِ وَعمر قد بَقِي فِيهِ لَا يدرى مَا فِيهِ من إهلاكات وَفضل قد أعطي لَعَلَّه مكر واستدراج وضلالة قد زينت لَهُ فرآها هدى ثمَّ ذكر كلَاما مَعْنَاهُ كم من زاغ قلبه سَاعَة أسْرع من طرفَة قد سلب دينه وَهُوَ لَا يشْعر نسْأَل الله الْكَرِيم الْعَافِيَة من هُوَ الْكَافِر روى الطَّبَرِيّ بِسَنَدِهِ أَنه قَالَ وَمن قَالَ إِن الله لَا يعلم الشَّرّ حَتَّى يكون فَهُوَ كَافِر وَمن قَالَ أَنا مستغن عَن الله فَهُوَ كَافِر وَمن قَالَ إِن الله ظَالِم الْعباد فَهُوَ كَافِر قلت يَعْنِي من زعم أَنه تَعَالَى إِذا قدر على العَبْد الْمعْصِيَة ثمَّ عاقبه عَلَيْهَا يكون ظَالِما وَقد قدمنَا إِقَامَة الْبُرْهَان على أَنه لَا يكون تَعَالَى ظَالِما بذلك لِأَنَّهُ الْمُتَصَرف فِي خلقه الْمَالِك وَأما الإِمَام الْأَوْزَاعِيّ ﵁ فروى الإِمَام الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ

стр. 125

الصَّحِيح عَنهُ فِي حَدِيث يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ قَالَ على مَا سبق لَهُ فِي الْعلم لَا مخرجا بِهِ من علم الله وَإِلَى علم الله يصيرون وَبِسَنَدِهِ أَيْضا أَنه سُئِلَ عَن الْقَدَرِيَّة فَقَالَ للسَّائِل لَا تجالسهم وَبِسَنَد الطَّبَرِيّ إِلَى بَقِيَّته قَالَ سَأَلت الْأَوْزَاعِيّ الزبيدِيّ عَن الْجَبْر فَقَالَ التِّرْمِذِيّ أَمر الله وَقدرته أعظم من أَن يجْبر ويقهر وَلَكِن يقْضِي وَيقدر ويخلق ويجبل عِنْده على مَا شَاءَ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ مَا أعرف الْجَبْر أصلا فِي الْكتاب وَالسّنة وَلَكِن الْقَضَاء وَالْقدر والخلق والجبل وَمن الْفُقَهَاء السَّادة الْمَشْهُورين قَتَادَة روى الإِمَام الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى سعيد بن أبي عرُوبَة قَالَ سَأَلت قَتَادَة عَن الْقدر فَقَالَ تَسْأَلنِي عَن رَأْي الْعَرَب إِن الْعَرَب فِي جَاهِلِيَّتهَا وإسلامها كَانَت تثبت الْقدر وَبِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَيْهِ عَنهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَنا أرسلنَا الشَّيَاطِين على الْكَافرين تؤزهم أزا﴾ قَالَ تزعجهم إِلَى الْمعاصِي إزعاجا قلت وَهَذَا مَا اقتصرت أَيْضا عَلَيْهِ من كَلَام الْأَئِمَّة الْمَذْكُورين الَّذين اقتصرت عَلَيْهِم فِي الْفُقَهَاء الأجلة الْمَشْهُورين وَأما الْمَشَايِخ العارفون الْأَوْلِيَاء المقربون فَسَيَأْتِي ذكر إثباتهم للقدر وَأَنَّهُمْ عَلَيْهِ مجمعون وَأما أَئِمَّة الحَدِيث المتقنون الْحفاظ المسندون فقد اندرج ذكر بَعضهم فِي الْأَئِمَّة الْمَذْكُورين مثل الْإِمَامَيْنِ مَالك وَأحمد والإمامين سُفْيَان وسُفْيَان وَغَيرهم من الْفُقَهَاء الْمَذْكُورين وَمِمَّنْ ذكرت من الْعلمَاء التَّابِعين وَبَعْضهمْ تقدم ذكرهم فِي الْأَحَادِيث الَّتِي استدللت بهَا على

стр. 126

إِثْبَات الْقدر فهم الَّذين رووها وَذكرهمْ أشهر من أَن يشهر أَعنِي الْأَئِمَّة الْحفاظ الْعباد الْأَعْلَام الَّذين على كتبهمْ مدَار الْإِسْلَام وهم الإِمَام أَبُو عبد الله البُخَارِيّ وَالْإِمَام أَبُو الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج النَّيْسَابُورِي وَالْإِمَام أَبُو دَاوُد السجسْتانِي وَالْإِمَام أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ وَالْإِمَام أَبُو عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ ﵃ وَأما أَئِمَّة الْأُصُول الْمُحَقِّقُونَ النظار المدققون فعقائدهم فِي ذَلِك مَعْرُوفَة وتصانيفهم مَشْهُورَة مَوْصُوفَة مشحونة بالبراهين المفحمة القاطعة فِي الرَّد على المبتدعين الخارجين عَن الْمُتَابَعَة وَقد ذكرت جمَاعَة مِنْهُم فِي أول هَذَا المعتقد وَفِي مَوَاضِع مِنْهُ اسْتدلَّ بأقوال بَعضهم عَلَيْهَا الْمُعْتَمد وَكَذَلِكَ أَئِمَّة علم الْأَدَب كَأبي عَمْرو والخليل والأصمعي وثعلب وَغَيرهم من عُلَمَاء الْعَرَبيَّة موافقون على العقيدة السّنيَّة وَقد روى الإمامان ابْن عبد الْبر والطبري بِسَنَدَيْهِمَا عَن الإِمَام الْأَصْمَعِي قَالَ سَأَلَ إعرابي عَن الْقدر فَقَالَ ذَلِك علم اختصمت فِيهِ الظنون وغلا فِيهِ المختصمون وَالْوَاجِب علينا أَن نرد مَا أشكل علينا من حكمه إِلَى مَا سبق من علمه وَقَالَ الْأَصْمَعِي سَمِعت أَبَا عَمْرو بن الْعَلَاء يَقُول أشهد أَن الله يضل من يَشَاء وَله الْحجَّة الْبَالِغَة على عباده وَغير ذَلِك مِمَّا رَوَاهُ غير إِمَام بِإِسْنَادِهِ وَهُوَ اعْتِقَاد كَافَّة الْعَرَب كَمَا رَوَاهُ الإِمَام ثَعْلَب قَالَ لَا أعلم عَرَبيا قدريا قيل لَهُ يَقع فِي قُلُوب الْعَرَب القَوْل بِالْقدرِ قَالَ معَاذ الله مَا فِي الْعَرَب إِلَّا مُثبت للقدر خَيره وشره أهل الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَذَلِكَ فِي أشعارهم وَكَلَامهم كثير وَكَذَا حَكَاهُ عمر بن عبد الْعَزِيز وَقَتَادَة كَمَا تقدم وَحَكَاهُ أَيْضا ثَعْلَب عَن سَائِر الْعَجم وَالله أعلم

стр. 127

وَقلت قد اقتصرت على نقل هَذِه النبذة الْيَسِيرَة عَن يسير من الْعلمَاء الْقَائِلين بذلك من الْأَصْنَاف الْمَذْكُورَة مِمَّن طبق وَجه الأَرْض ذَات الطول وَالْعرض وعَلى الْجُمْلَة فقد انْعَقَد الْإِجْمَاع من الصَّحَابَة فَمن بعدهمْ قبل ظُهُور الابتداع

стр. 128

بَيَان إِجْمَاع الصَّحَابَة على إِثْبَات الْقدر بِمَا صَحَّ من الدَّلِيل واشتهر روى الإِمَام الطَّبَرِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى سعيد بن أبي مَرْيَم وَهُوَ عَنهُ احْتج بِهِ البُخَارِيّ وَمُسلم قَالَ أخبرنَا مَالك وَابْن أبي الزِّنَاد عَن عمر وَعَن طَاوس قَالَ أدْركْت ثَمَانمِائَة من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يَقُولُونَ كل شَيْء بِقدر قلت هَكَذَا هُوَ فِي الأَصْل الْمَنْقُول مِنْهُ ثَمَان مائَة بِحَذْف الْيَاء الَّتِي بعد النُّون وروى أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى أبي الْأسود الدؤَلِي أَنه قَالَ مَا رَأَيْت أحدا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ إِلَّا مُثبت الْقدر وروى الإِمَام مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن طَاوس أَنه قَالَ أدْركْت نَاسا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يَقُولُونَ كل شَيْء بِقدر حَتَّى الْعَجز والكيس أَو الْكيس وَالْعجز هَكَذَا رَوَاهُ يحيى بن يحيى وَابْن مُصعب وَغَيرهمَا عَن مَالك وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسلم قَالَ الإِمَام بن عبد الْبر وَرَوَاهُ ابْن وهب والقعنبي أدْركْت أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يَقُولُونَ كل شَيْء بِقدر وروى الإِمَام الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَى حَمَّاد بن زيد قَالَ أدْركْت النَّاس وَمَا كَلَامهم إِلَّا أَن قضى وَقدر

стр. 129

وَقد ثَبت فِي الصِّحَاح عَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَنه قَالَ نفر من قدر الله إِلَى قدر الله بِمحضر جُمْهُور الْمُهَاجِرين الْأَنْصَار فأقروه على ذَلِك من غير إِنْكَار وَكَذَلِكَ صَحَّ عَنهُ مَا قدمت بعضه وَهُوَ مَا روى الإِمَام الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَى حَمَّاد عَن خَالِد الْحذاء عَن عبد الْأَعْلَى بن عبد الله بن عَامر بن عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل قَالَ خَطَبنَا عمر ابْن الْخطاب بالجابية فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ فَلَمَّا أَتَى على ﴿من يهده الله فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ﴾ قَالَ لَهُ الجاثليق إِن الله لَا يهدي وَلَا يضل فَقَالَ عمر كذبت يَا عَدو الله بل الله خلقك وَهُوَ أضلك وَهُوَ يدْخلك النَّار إِن شَاءَ الله وَالله لَوْلَا لوث عَهْدك لضَرَبْت عُنُقك وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الإِمَام الطَّبَرِيّ بِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَى الإِمَام سُفْيَان الثَّوْريّ وَغَيره عَن خَالِد الْحذاء بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور وَقَالَ فِيهِ بل الله خلقك وَالله أضلك ثمَّ يُمِيتك فيدخلك النَّار إِن شَاءَ الله وَذكر مَا تقدم ثمَّ قَالَ إِن الله تَعَالَى خلق الْخلق وَكتب أَو قَالَ حِين خلق الْخلق أَو قَالَ حِين خلق آدم كتب أهل الْجنَّة وَمَا هم عاملون وَكتب أهل النَّار وَمَا هم عاملون ثمَّ قَالَ هَؤُلَاءِ لهَذِهِ وَهَؤُلَاء لهَذِهِ فَيُفَرق النَّاس وَمَا تخلف فِي الْقدر اثْنَان وَكَذَلِكَ مَا قدمت عَنهُ بِسَنَد الإِمَام الْبَيْهَقِيّ أَنه كَانَ كثيرا مَا يَقُول على الْمِنْبَر وخفض عَلَيْك فَإِن الْأُمُور بكف الْإِلَه مقاديرها مَعَ الْبَيْت الثَّانِي

стр. 130

وَكَذَلِكَ مَا قدمت بِسَنَد الإِمَام مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن ابْن الزبير أَنه كَانَ يَقُول فِي خطبَته إِن الله هُوَ الْهَادِي والفاتن وكل هَذَا الْمَذْكُور وَاقع فِي مجامع الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ومستفيض بَينهم من غير إِنْكَار وَكَذَلِكَ إِجْمَاع السّلف وَالْخلف مُطلقًا على قَول مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وكل هَذَا على وَجه الْإِجْمَال والتعميم وَقد قدمت أَنه روى أَحَادِيث إِثْبَات الْقدر فَوق ثَلَاثِينَ صحابيا مَعَ التَّسْمِيَة لَهُم وَالتَّابِعِينَ وَذكرت كَلَام جمَاعَة مِنْهُم فِي إثْبَاته على وَجه التَّفْصِيل والتبيين من أجلائهم وكبارهم من أهل الْبَيْت وَغَيرهم قلت وَإِذا علم مَا روينَا وتقرر علم أَن مَذْهَب الْحق الأنور ومنهج السّنة الْأَزْهَر أَن كل خير وَشر ونفع وضر بِقَضَاء وَقدر وَمن ذَلِك أَن كل طَاعَة وعصيان وإساءة وإحسان وَسَائِر أَفعَال الْعباد وأقوالهم وعلمهم وأعمالهم ونياتهم وعقيداتهم وَسَائِر حركاتهم وسكناتهم وَكلما قدر الله تَعَالَى مقدوره من أجر وثواب وحساب وعقاب فَهُوَ الحكم الْحق اللَّائِق بِحِكْمَتِهِ وَالسَّابِق فِي علمه الْجَارِي فِي طريقي الْفضل وَالْعدْل إِلَى جَمِيع خلقه وَلَا ظلم وَلَا جور إِلَّا فِيمَا وَقع مُخَالفا لأَمره وَنَهْيه وَقد قدمت الْكَلَام فِي بَيَان ذَلِك وَتَقْرِيره وتحريره وتحقيقه وكل أَفعَال الله تَعَالَى مُتَسَاوِيَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الحكم الإلهية وَإِنَّمَا يخْتَلف مراتبها بِالْإِضَافَة إِلَى الْبَريَّة قَالَ نقاد الأنظار وأستاذ النظار فَحل الْمُتَكَلِّمين إِمَام الْحَرَمَيْنِ ﵁ وَلَوْلَا أَنه شاع فِي أَلْفَاظ عصبَة الْحق أَنه تَعَالَى خَالق الْخَيْر

стр. 131

وَالشَّر لَكَانَ سر التَّوْحِيد يُوجب أَن يُقَال لَيْسَ فِي أَفعَال الله خير وَشر بِالْإِضَافَة إِلَى العَبْد قَالَ وَقد نبه على هَذَا رَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ (خلق الله آدم ثمَّ أَخذ الْخلق من ظَهره فَقَالَ هَؤُلَاءِ فِي الْجنَّة وَلَا أُبَالِي وَهَؤُلَاء فِي النَّار وَلَا أُبَالِي قلت وَهَذَا الحَدِيث روينَاهُ فِي صَحِيح أبي حَاتِم بن حبَان كَمَا قدمت

стр. 132

بَيَان الِاسْتِدْلَال والاستشهاد على خلق الله تَعَالَى أَفعَال الْعباد الدَّلِيل على ذَلِك مَعَ مَا قدمنَا من الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول من الْآيَات وَأَحَادِيث الرَّسُول ﷺ وبلغه من أمته نِهَايَة السُّؤَال قَوْله ﴿فَلم تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِن الله قَتلهمْ وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا تمنون أأنتم تخلقونه أم نَحن الْخَالِقُونَ﴾ ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا تَحْرُثُونَ أأنتم تزرعونه أم نَحن الزارعون﴾ سلب عَنْهُم الْقَتْل وَالرَّمْي وَالزَّرْع مَعَ مباشرتهم لذَلِك وَأثبت فعل الْمَذْكُورَات لنَفسِهِ وَأخْبر أَنه خلق الَّذِي تمنون وَدخل فِي ذَلِك مَا يمنى فِي الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة مَعًا فَمَا تَقول أَيهَا المعتزلي فِي مني الزَّانِي وشهوته للزِّنَا وَقدرته عَلَيْهِ خلق ذَلِك كُله أم لَا وَكَذَلِكَ ولد الزِّنَا وَهل كَانَ الْأَصْلَح لَهُ

стр. 133

أَن يكون ولد زنا أَو ولد حَلَال وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنه هُوَ أضْحك وأبكى﴾ من أضْحك الْكَافِر عِنْد سروره بقتْله للْمُسلمِ وَحُصُول غَرَضه فِي جَمِيع فجوره وَمن أبكى الْمُسلم حزنا عِنْد قتل الْكَافِر أَبَاهُ وأخاه وَهل المضحك والمبكي إِلَّا من صدر عَنهُ الإضحاك والإبكاء وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك وَلَا سَبِيل إِلَى أَن تَقول غير ذَلِك ألزمتك مَا لَا تَجِد عَنهُ محيصا وَلَا ترى لَك مِنْهُ خلاصا وَهُوَ أَن أَقُول فِي تَقْدِير ذَلِك الْقَتْل سَبَب لضحك الْقَاتِل وَالسَّبَب مُتَوَقف على مسبب يوجده ومتوقف عَليّ مسبب بِالْفَتْح يصدر عَنهُ ينْسب ذَلِك الْمُسَبّب تَارَة إِلَى الْمُسَبّب وَتارَة إِلَى السَّبَب تَقول أَحْيَا الله الأَرْض وأحياها الْمَطَر وأضحك الله سنك وأضحكتك نعْمَة الله فالمسبب بِالْفَتْح هُوَ الضحك وَالسَّبَب هُوَ النِّعْمَة والمسبب هُوَ خَالِقهَا ثمَّ الْمُسَبّب بِالْفَتْح مُتَوَقف على السَّبَب المتوقف على الْمُسَبّب من حَيْثُ الْجُمْلَة والمتوقف على المتوقف على شَيْء مُتَوَقف على ذَلِك الشَّيْء فالمسبب مُتَوَقف على الْمُسَبّب والمتوقف على شَيْء لَا يُوجد إِلَّا بذلك الشَّيْء ومسبب الْأَسْبَاب هُوَ رب الأرباب فَجَمِيع الْأَسْبَاب والمسببات لَا تُوجد إِلَّا بِهِ وَالْقَتْل فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة سَبَب والضحك مسبب فَلَا يُوجد إِلَّا بِهِ هُوَ الْمَطْلُوب وَالْحَمْد لله وَأَقُول أَيْضا مسبب الْأَسْبَاب موجدها والموجد هُوَ الْخَالِق ومسبب الْأَسْبَاب هُوَ الله فخالق الْأَسْبَاب هُوَ الله وَالْقَتْل الْمَذْكُور سَبَب للضحك فخالقه هُوَ الله وَهُوَ فعل العَبْد فَفعل العَبْد خالقه الله فَثَبت مَا ذكرنَا من كَون أَفعَال الْعباد خلق الله وَهُوَ الْمَطْلُوب وَالْحَمْد لله

стр. 134

وَأَقُول أَيْضا أَفعَال الْعباد موجدها هُوَ الْمولى لقَوْله جلّ وَعلا ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ فنص الله تَعَالَى على أَنه هُوَ الرَّامِي والرامي موجد الرَّمْي وَالرَّمْي فعل العَبْد فصح وَثَبت مَا ذكرنَا من خلقه تَعَالَى أَفعَال الْعباد وَذَلِكَ هُوَ الْمَطْلُوب وَالْمرَاد وَالْحَمْد لله الَّذِي من يهده فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلل فَمَا لَهُ من هاد ثمَّ أَفعَال الْعباد مُشْتَمِلَة على طاعات ومعاصي كَمَا قررت لَك فِي الْقَتْل وَكَذَلِكَ لَك الضحك الْمُرَتّب عَلَيْهِ وَهُوَ المضحك تَعَالَى بِالدَّلِيلِ الْقَاطِع من الْعقل وَالنَّقْل فخالق الْكل هُوَ الله الحكم الْعدْل القَاضِي بذلك والخالق لَهُ بِالْقُدْرَةِ الْمُقَارنَة للْفِعْل الَّتِي بهَا قدر العَبْد عَلَيْهِ والناهي عَنهُ حكمه وابتلاء المعاقب للمخالف إِن شَاءَ على كَسبه يَوْم رُجُوعه إِلَيْهِ ولغير الموجد فَلَا بُد لقَوْله الصدْق فِي الْقُرْآن الْمجِيد ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ حَيْثُ قَالَ ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ فَإِن قلت قَوْله تَعَالَى ﴿أضْحك وأبكى﴾ مَحْمُول على غير مَا ذكرت فَفِي تَفْسِيره أَقْوَال مشهورات مِنْهَا مَا قيل أبكى السَّمَاء بالمطر وأضحك الأَرْض بالنبات وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ الْقَائِل بقوله (أما ترى الأَرْض قد أعطتك زهرتها ... مخضرة واكتسى بِالنورِ عاريها) (وللسماء بكاء فِي جوانبها ... وللربيع ابتسام فِي نَوَاحِيهَا) قلت الضحك والبكاء حَقِيقَة فِي المعروفين بَين النَّاس الْمَشْهُورين

стр. 135

والحقيقة هِيَ الأَصْل الَّذِي عَلَيْهِ التعويل وَلَا يعدل عَنهُ إِلَّا بِدَلِيل وَذَلِكَ أَيْضا هُوَ الظَّاهِر وَإِلَيْهِ الْفَهم مبادر فَإِن سلمت ذَلِك وادعيب التَّخْصِيص فِيهِ قلت خلاف الأَصْل فَإِن قلت لَا نسلم أَن الضحك يكون مَعْصِيّة قلت من زعم أَن الضحك للسرور بِحُصُول الْغَرَض من الشرور كَالْقَتْلِ وَسَائِر الْفُجُور لَيْسَ هُوَ من الْمَحْذُور فَهُوَ فِي جحد القطعيات يسْعَى فَإِن السرُور بالمعصية مَعْصِيّة قطعا وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وجعلناهم أَئِمَّة يدعونَ إِلَى النَّار﴾ وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿هُوَ الَّذِي يسيركم فِي الْبر وَالْبَحْر﴾ وَالسير قد يكون فِي الْمُصِيبَة وَقَوله تَعَالَى ﴿وَخلق كل شَيْء فقدره تَقْديرا﴾ وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿من يضلل الله فَلَا هادي لَهُ﴾ ﴿سَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لَا يُؤمنُونَ﴾ ﴿وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك إِلَّا فتْنَة للنَّاس﴾ ﴿وَمَا جعلنَا عدتهمْ إِلَّا فتْنَة للَّذين كفرُوا﴾ ﴿فَثَبَّطَهُمْ وَقيل اقعدوا مَعَ القاعدين﴾ ﴿فريقا هدى وفريقا حق عَلَيْهِم الضَّلَالَة﴾ قلت وَالْكتاب الْعَزِيز مشحون بِالْآيَاتِ الكريمات والمصرحات بخلقه تَعَالَى لأفعال الْعباد وإرادته لَهَا وتعداد ذَلِك يطول وَآيَة وَاحِدَة تَكْفِي أولي الْعُقُول

стр. 136

وَقد اسْتدلَّ أَصْحَابنَا بقوله تَعَالَى ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قَالُوا وَمَا مَصْدَرِيَّة أَي خَلقكُم وَأَعْمَالكُمْ وَقَول الْمُعْتَزلَة إِنَّهَا مَوْصُولَة وَمَعْنَاهَا وَالَّذِي تَعْمَلُونَ مُخَالف للظَّاهِر ومحتاج إِلَى إِضْمَار أَي وَالَّذِي تَعْمَلُونَ فِيهِ الْبَحْث من الْحِجَارَة والاضمار خلاف للْأَصْل وَلَو فتحنا بَاب حمل الْأَدِلَّة على خلاف ظواهرها أَو على زِيَادَة الْإِضْمَار فِيهَا لأزيلت الظَّوَاهِر كلهَا وَبَطل الِاسْتِدْلَال بهَا وَقَول الْمُعْتَزلَة إِن إِبْرَاهِيم ﵇ احْتج على الْكفَّار بِأَن العابد والمعبود جَمِيعًا خلق الله ومعبودهم هُوَ الْحِجَارَة مَمْنُوع قلت وَتَقْرِير الْمَنْع أَنهم كَانُوا يحدثُونَ فِيهَا تصويرا وتمثالا لأَجله اتَّخذُوا الْأَصْنَام آلِهَة وعبدوها وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَول إِبْرَاهِيم ﵊ ﴿مَا هَذِه التماثيل الَّتِي أَنْتُم لَهَا عاكفون﴾ فَأخْبر أَن عكوفهم إِنَّمَا هُوَ التماثيل والتماثيل تصاوير فِي الْحِجَارَة لَا صُورَة الْحِجَارَة الَّتِي خلقت عَلَيْهَا والتماثيل عَمَلهم فمعبودهم الَّذِي عكفوا عَلَيْهِ عَمَلهم ومعبودهم خلق الله إِجْمَاعًا فعملهم خلق الله وَهُوَ الْمَطْلُوب وَالْحَمْد لله فَإِن قيل يمْتَنع أَن يكون التَّمْثِيل آلِهَة لِأَن التَّمْثِيل عمل وَالْعَمَل عرض وَالْعرض لَا يتَصَوَّر اتِّخَاذه آلِهَة قلت الْجَواب من وَجْهَيْن أَحدهمَا منع امْتنَاع اتِّخَاذ الْأَعْرَاض آلِهَة بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ والهواء عرض بالِاتِّفَاقِ

стр. 137

وَالثَّانِي أَن التماثيل والتصويرية صَارَت الْحِجَارَة على صُورَة غير صورتهَا المخلوقة عَلَيْهَا لَوْلَا تِلْكَ الصُّورَة مَا عبدوها فمعبودهم هُوَ الصُّورَة الَّتِي مثلوها وَهُوَ عَمَلهم فمعبودهم عَمَلهم ومعبودهم خلق الله كَمَا تقدم فعملهم خلق الله وَهُوَ الْمَطْلُوب وَالله أعلم وَيُؤَيّد مَا ذكرنَا من أَن الْأَعْمَال خلق الله مَا روى البُخَارِيّ عَن حُذَيْفَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (إِن الله يصنع كل صانع وصنعته) وتلا بعض الروَاة عِنْد ذَلِك ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قَالَ البُخَارِيّ فَأخْبر أَن الصناعات وَأَهْلهَا مخلوقة قَالَ وَسمعت عبد الله بن سعيد يَقُول سَمِعت يحيى بن سعيد يَقُول مَا زلت أسمع أَصْحَابنَا يَقُولُونَ أَفعَال الْعباد مخلوقة وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الْقدر وَلَفظه إِن الله خلق كل صانع وصنعته وَقَالَ هَذَا إِسْنَاد صَحِيح وَرُوِيَ فِي كتاب الِاعْتِقَاد بِسَنَد صَحِيح إِلَى قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قَالَ خَلقكُم وَخلق مَا تَعْمَلُونَ بِأَيْدِيكُمْ قلت وعَلى الْجُمْلَة فقد قَالَ أَئِمَّتنَا من الْأَوْلِيَاء وَالْعُلَمَاء أثبت الله تَعَالَى الْخلق لنَفسِهِ ونفاه عَن غَيره بقوله ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر﴾ وَلما قُرِئت هَذِه الْآيَة بَين يَدي الشَّيْخ الْكَبِير الْعَارِف بِاللَّه عمر النهاري الشهير قَالَ تَعَالَوْا نقتسم مَا بَقِي قلت يَعْنِي أَنه لم يُغير الله تَعَالَى شَيْء من الْخلق وَالْأَمر

стр. 138

وَالْأَحَادِيث الدَّالَّة على مَا ذكرنَا من خلق الْأَفْعَال وَالْهِدَايَة والإضلال وَسبق الْمَقَادِير فِي أزل الآزال خَارِجَة عَن الْحصْر والتعداد مَشْهُورَة صَحِيحَة الْإِسْنَاد وَقد قدمت مِنْهَا مَا فِيهَا الْكِفَايَة لمن وفْق للهداية وَقد روينَا فِي صَحِيح مُسلم عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (الْحَمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ) الحَدِيث وروينا فِي سنَن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ علمنَا رَسُول الله ﷺ خطْبَة الْحَاجة (الْحَمد لله نستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا من يهده الله فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ) قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن وروينا فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يتَعَوَّذ من جهد الْبلَاء ودرك الشَّقَاء وَسُوء الْقَضَاء وشماتة الْأَعْدَاء وروينا فِي صَحِيح مُسلم أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَوْم بدر (اللَّهُمَّ إِنَّك إِن تشأ لَا يعبد فِي الأَرْض قَالَ الْعلمَاء فِيهِ التَّسْلِيم لقدر الله تَعَالَى وَالرَّدّ على غلاة الْقَدَرِيَّة الزاعمين أَن الشَّرّ غير مُرَاد وَلَا مَقْدُور لله تَعَالَى عَن قَوْلهم قَالَ أَئِمَّتنَا وَقد اتّفق سلف الْأمة وَخَلفهَا من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ من الْعلمَاء السّلف الصَّالِحين ﵃ أَجْمَعِينَ على أَن الْخَالِق الْمُبْدع هُوَ الله لَا خَالق سواهُ وَلَا مبدع إِلَّا إِيَّاه خلق الْخلق وصنعهم وأوجد قدرتهم وحركتهم فَلَا يكون شَيْء إِلَّا بخلقه وإبداعه وإرادته وقضائه

стр. 139

بَيَان معنى الِاسْتِطَاعَة الْقَائِمَة بالعباد الَّتِي يصدر عَنْهَا أفعالهم على وَجه الصّلاح أَو الْفساد وَبَيَان التَّوْفِيق والخذلان وَالْهدى والضلال قَالَ أَئِمَّتنَا سَلامَة الْجَوَارِح وَانْتِفَاء الْمَوَانِع الظَّاهِرَة لَا يُوجد الْفِعْل من الْفَاعِل بمجردها بل لَا بُد من قُوَّة خَاصَّة متجددة من عِنْد الله تَعَالَى يخلقها فِي العَبْد وَهِي على حسب مَا يخلق الله تَعَالَى فِيهِ فَإِن فعل بهَا خيرا سمي تَوْفِيقًا وعصمة وتأييدا وَإِن فعل فِيهَا شرا سمي خذلانا وَإِن فعل مُبَاحا سمي عونا وَهَذِه الِاسْتِطَاعَة لَا تكون إِلَّا مَعَ الْفِعْل ويسبقها خلق الْعَزْم عَلَيْهِ فَلَا بُد فِي الْأَفْعَال الاختيارية من خلق الله تَعَالَى لأعضاء ولحركة فِيهَا ولقوة وهمة يصدر بهَا الْأَفْعَال وَالله خَالق للشَّخْص ولقواه ولعزمه وأفعاله وَالدَّلِيل على خلق الْقُوَّة والهمة إِجْمَاع الْمُسلمين على سُؤال الله التَّوْفِيق والاستعاذة من الخذلان وَمَا سَأَلُوهُ إِلَّا مَا هُوَ بِيَدِهِ وقادر عَلَيْهِ قَالَ شُعَيْب ﵇ وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه فَهُوَ تَعَالَى خَالق الْعُضْو المتحرك وَالْقُوَّة فِيهِ وَالْحَرَكَة الناشئة مِنْهُ وخالق العَبْد واختياره وَلَا يخرج شَيْء عَن خلقه وَقدرته فَلهُ الْخلق وَالْأَمر وَبِه الْحول وَالْقُوَّة

стр. 140

والتوفيق هُوَ خلق قدرَة الطَّاعَة والخذلان خلق قدرَة الْمعْصِيَة فالموفق لَا يعْصى إِذْ لَا قدرَة لَهُ على الْمعْصِيَة وَكَذَلِكَ القَوْل فِي نقيضه قلت وَالْمرَاد بقوله والموفق لَا يعْصى أَن الْمُوفق بِشَيْء أَو فِي وَقت لَا يقدر يَعْصِي فيهمَا مُطلقًا إِلَّا أَن يكون موفقا مُطلقًا كالملائكة والأنبياء ﵈ وَذَلِكَ هُوَ الْعِصْمَة مُخْتَصَّة بهم وَكَذَلِكَ النقيض الْمَذْكُور فالمخذول وَالْعِيَاذ بِاللَّه فِي شَيْء أَو فِي وَقت لَا يقدر يُطِيع فيهمَا والمخذول مُطلقًا يمْتَنع عَلَيْهِ الطَّاعَة كالشياطين نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُم وصرفت الْمُعْتَزلَة التَّوْفِيق إِلَى خلق لطف يعلم الرب تَعَالَى أَن العَبْد يُؤمن عِنْده وحملوا الخذلان على امْتنَاع اللطف وَلَا يَقع عِنْدهم فِي عُلُوم الله اللطف فِي حق كل أحد بل مِنْهُم من علم تَعَالَى أَنه يُؤمن إِذا لطف بِهِ وَمِنْهُم من علم أَنه لَا يزِيدهُ إِلَّا تماديا فِي الطغيان وإصرارا على الْعدوان قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ ويلزمهم من مَجْمُوع أصلهم أَن يَقُولُوا أَن لَا يَتَّصِف الرب تَعَالَى بالاقتدار على أَن يوفق جَمِيع الْخَلَائق وَهَذَا خلاف الدّين ونصوص الْكتاب الْمُبين وَقد قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لجعل النَّاس أمة وَاحِدَة﴾ إِلَى غير ذَلِك انْتهى قَالَ أَصْحَابنَا وَإِذا صحت الْجَوَارِح وَارْتَفَعت الْمَوَانِع الحسية سميت استطاعة يتَوَجَّه بِسَبَبِهَا التَّكْلِيف وَهَذِه الِاسْتِطَاعَة تكون قبل الفعال وَمَعَهُ مستصحبة إِلَى تَمَامه ليتَمَكَّن مِنْهُ وَهَذِه الِاسْتِطَاعَة هِيَ مَحل نظر الْفَقِيه لتعلقها بِفُرُوع الدّين وَأما مَا يتَعَلَّق بأصوله فَنظر الأصولي فِي استطاعة

стр. 141

أُخْرَى وزائدة لَا حِيلَة للْعَبد فِيهَا وَهِي مَا تقدم ذكره أَعنِي الْقُوَّة الْوَارِدَة من الله تَعَالَى للتوفيق والخذلان أَو العون على مَا تقدم من الْبَيَان وَذَلِكَ هُوَ خلق الله للْفِعْل فِيمَن ظهر مِنْهُ وبسبب ظُهُوره من الْفَاعِل ينْسب إِلَيْهِ وَسمي كسبا ويرتب عَلَيْهِ الثَّوَاب فِي امْتِثَال المأمورات وَالْعِقَاب فِي ارْتِكَاب الْمَحْظُورَات قلت وَلَو قيل وبسبب ظُهُوره من الْفَاعِل واختياره لَكَانَ أولى ليخرج عَنهُ غير الْمُخْتَار فَإِذا الِاسْتِطَاعَة استطاعتان إِحْدَاهمَا استطاعة التَّكْلِيف وَهِي مَا ذكرنَا من سَلامَة الْجَوَارِح وارتفاع الْمَوَانِع الحسية وَقد يعبر عَن ذَلِك باجتماع شُرُوط مَعْرُوفَة فِي الْمُكَلف وَالثَّانيَِة استطاعة الْفِعْل وَهِي الْقُوَّة الْمَذْكُورَة وخالفت الْمُعْتَزلَة فِي ذَلِك فزعموا أَن الِاسْتِطَاعَة إِنَّمَا هِيَ قبل الْفِعْل وَهِي سَلامَة الْجَوَارِح وارتفاع الْمَوَانِع فَقَط وَأَن الْقُدْرَة الْمُتَقَدّمَة على الْفِعْل بَاقِيَة فِيهِ وَهَذَا القَوْل بَاطِل من جهتي الْعقل وَالنَّقْل أما الْعقل فَلِأَن الْقُدْرَة الجاذبة أَعنِي قدر العَبْد عرض من الْأَعْرَاض وَجُمْلَة الْأَعْرَاض عندنَا غير بَاقِيَة أَعنِي لَا يبْقى الْعرض زمانين وَالدَّلِيل على اسْتِحَالَة بَقَاء الْأَعْرَاض أَنَّهَا لَو بقيت لاستحال عدمهَا وَتَقْرِير ذَلِك قد تقدم وَيلْزم صُدُور الْمَقْدُور فِي حَال عدم الْقُدْرَة وَهُوَ محَال وَأما النَّقْل فَقَالَ الله ﴿وسيحلفون بِاللَّه لَو استطعنا لخرجنا مَعكُمْ يهْلكُونَ أنفسهم وَالله يعلم إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَثَبَّطَهُمْ وَقيل اقعدوا مَعَ القاعدين﴾

стр. 142

قلت وَوجه الِاسْتِدْلَال بذلك أَن الله تَعَالَى كذبهمْ فِي نفي الِاسْتِطَاعَة الأولى الَّتِي هِيَ صِحَة الْجَوَارِح وارتفاع الْمَوَانِع وَهِي منَاط التَّكْلِيف فَإِنَّهَا مَوْجُودَة فيهم وَلَكنهُمْ عدموا الِاسْتِطَاعَة الثَّانِيَة الَّتِي هِيَ خلق قدرَة الطَّاعَة الْمُقَارنَة للْفِعْل الْمُسَمَّاة بالتوفيق الَّتِي نقيضها الخذلان الَّذِي مَنعهم من الْخُرُوج على التَّحْقِيق بِدَلِيل قَول أصدق الْقَائِلين (فَثَبَّطَهُمْ وَقيل اقعدوا مَعَ القاعدين) قلت والشواهد الدَّالَّة على مَا ذكرنَا من الِاسْتِطَاعَة الثَّانِيَة الَّتِي أثبتها أهل الْحق يطول ذكرهَا بل يتَعَذَّر حصرها وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السّمع وَمَا كَانُوا يبصرون﴾ وَقَوله ﷺ للَّذي أَرَادَ قَتله لم تكن لتستطيع الَّذِي أردْت وَذَلِكَ مَا روى الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك على الصَّحِيحَيْنِ أَنه جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ من أَنْت قَالَ أَنا نَبِي قَالَ وَمَا نَبِي قَالَ رَسُول الله قَالَ مَتى تقوم السَّاعَة فَقَالَ غيب وَلَا يعلم الْغَيْب إِلَّا الله قَالَ أَرِنِي سَيْفك فَأعْطَاهُ النَّبِي ﷺ سَيْفه فهزه الرجل ثمَّ رده عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أما إِنَّك لم تكن تَسْتَطِيع الَّذِي أردْت قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله على شَرط مُسلم الْحَاكِم أَبُو عبد الله على شَرط مُسلم قلت وَهَذَا فِي بعض الْغَزَوَات وَقَضيته مَشْهُورَة فِي وَقت القيلولة تَحت الْأَشْجَار عِنْدَمَا حمى النَّهَار وَلَا حَاجَة إِلَى كَثْرَة الاستشهاد وتتبع مَا هُوَ خَارج عَن الْحصْر فَالْمُرَاد حَاصِل من ذَلِك بِهَذَا الْقدر قلت وَمن الْفَوَائِد الغريبة المطرية العجيبة مَا ذكر الشَّيْخ الْكَبِير الْعَارِف بِاللَّه الشهير أَبُو طَالب الْمَكِّيّ ﵁ قَالَ كنت مرّة خاطبت بعض أَصْحَابنَا فِي مَسْأَلَة الِاسْتِطَاعَة أَنَّهَا مَعَ الْفِعْل لَا قبله وَلَا

стр. 143

بعده فتكلمت بذلك فِي الْمَشِيئَة على مَذْهَب أهل الْكَلَام الْمُخْتَلِفين فِيهَا قبل أَن ينْكَشف لي مُشَاهدَة علم الْيَقِين فَرَأَيْت فِي النّوم قَائِلا يَقُول الْقدر من الْقُدْرَة وَالْقُدْرَة صفة الْقَادِر وَالْقدر يَقع على الْحَرَكَة وَيظْهر الْأَفْعَال من الْجَوَارِح وَلَا يتَبَيَّن فَكيف تَتَكَلَّم فِي شَيْء لَا يتَبَيَّن فَجعلت على نَفسِي أَن لَا أناظر أحدا فِي هَذَا الْبَاب قَالَ وَحدثت عَن بعض الْمَشَايِخ قَالَ كَانَ فِي نَفسِي شَيْء من هَذَا الْقدر فَكنت استكشفه فَلَا ينْكَشف حَتَّى لقِيت بعض الابدال فاستكشفته إِيَّاه فَقَالَ لي وَيحك مَا تصنع بالاحتجاج نَحن ينْكَشف لنا عَن سر الملكوت فَنَنْظُر إِلَى الطَّاعَات تنزل صورا من السَّمَاء حَتَّى تقع على جوارح قوم فيتحرك الْجَوَارِح بهَا وَنَنْظُر إِلَى الْمعاصِي تنزل صورا من السَّمَاء على جوارح قوم فيتحرك الْجَوَارِح بهَا فكشف الله عَن قلبِي الْقدر أَو قَالَ الْجَهْل بِالْقدرِ وأخلف لي الْعلم بمشاهدة الْقُدْرَة وَقَالَ الْخلق أَهْون من أَن يَفْعَلُوا شَيْئا لَا يُريدهُ الله تَعَالَى من الْمعاصِي أَو الطَّاعَات وَقد ظهر صِحَة قَوْلنَا وَبطلَان قَوْلهم من طريقي الْعقل وَالنَّقْل صِحَة وبطلانا واضحين للنَّاظِر الْمُعْتَبر وناهيك بذلك وضوحا للمستيقظ المستبصر أَنهم زَعَمُوا أَن مقدورات الْعباد لَيست مقدورات للرب تَعَالَى قَالَ أَئِمَّتنَا وسبيلنا أَن نسألهم هَل كَانَ الرب سُبْحَانَهُ قبل أَن يقدر عَبده على ذَلِك مَوْصُوفا بالاقتدار على مَا كَانَ فِي معلومه أَنه سيقدره عَلَيْهِ أم لَا فَإِن قَالُوا لَا فقد ظهر بطلَان مَا قَالُوا وَقَالَ بَعضهم فقد كفرُوا لتعجيزهم رَبهم سُبْحَانَهُ فِيمَا هُوَ من جملَة الممكنات وَلم يتَعَلَّق بِهِ قدرَة العَبْد بعد وَإِن قَالُوا نعم قُلْنَا كَيفَ يكون باقتداره العَبْد عَلَيْهِ خَارِجا عَن

стр. 144

مقدوره بعد أَن كَانَ عَلَيْهِ قَادِرًا وَصِفَاته تَعَالَى تستحيل أَن تتبدل أَو تنتقص وتتغير وَلَيْسَ لَهُم شُبْهَة تبدونها لدفع مَا لَزِمَهُم فِي هَذَا من الْبَاطِل الشنيع والضلال الفظيع سوى مَا زَعَمُوا من اسْتِحَالَة مَقْدُور بَين قَادِرين وَهَذَا كَلَام جَاهِل لم يحط بِالْمَسْأَلَة تَحْقِيقا أَو مكابر لكَونه لم يجد إِلَى الْخَلَاص مِمَّا لزمَه طَرِيقا فَإِن أهل الْحق يَعْتَقِدُونَ تفرد الْبَارِي سُبْحَانَهُ بالخلق والاختراع فَلَا خَالق سواهُ تَعَالَى وَهُوَ يَعْتَقِدُونَ تفرد العَبْد بِخلق أَعماله فَلَا خَالق سواهُ لَهَا وَإِذا كَانَ المذهبان فِي المسلكين الْمَذْكُورين سالكين وَعَن المنهلين الْمَذْكُورين صادرين فَأَيْنَ مَا زعموه من مَقْدُور بَين قَادِرين قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَلَو تناقص فِي مُعْتَقد الْمُخَالف بَقَاؤُهُ مَقْدُورًا لله مَعَ تجدّد تعلق قدرَة العَبْد بِهِ فاستبقى كَونه مَقْدُورًا للرب وَانْتِفَاء كَونه مَقْدُورًا للْعَبد أولى من انْقِطَاع تعلق كَون الرب تَعَالَى قَادِرًا عَلَيْهِ لتجدد كَونه مَقْدُورًا للْعَبد وَإِذا ثَبت وجوب كَون مَقْدُور العَبْد مَقْدُورًا لله فَكَمَا هُوَ مقدوره تَعَالَى فَإِنَّهُ محدثه وخالقه إِذْ من الْمحَال أَن يتفرد العَبْد باختراع مَا هُوَ مَقْدُور الله تَعَالَى

стр. 145

بَيَان كسب العَبْد لأفعاله ونسبتها إِلَيْهِ مَعَ خلق الله لَهَا وتقديرها عَلَيْهِ اعْلَم أَن جَمِيع مَا قَدرنَا من انْفِرَاد الْبَارِي تَعَالَى بِخلق أَفعَال الْعباد واختراعها وإيجادها وإبداعها خَيرهَا وشرها نَفعهَا وضرها لَا يُخرجهَا عَن كَونهَا مقدورة للْعَبد يخلق الله لَهُ قدرَة يقوى بهَا على الِاكْتِسَاب فَهُوَ تَعَالَى خَالق المسببات والأسباب خلق الْقَادِر وَالْقُدْرَة والمقدور مَعًا وَخلق الِاخْتِيَار وَالْمُخْتَار جَمِيعًا خلقنَا وَخلق الْفِعْل فِينَا ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وَخلق فِينَا اختيارنا ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾ وَأظْهر فِينَا الِاكْتِسَاب ومكننا مِنْهُ بِخلق الداعية إِلَيْهِ وَالْقُدْرَة عَلَيْهِ فالداعية مخلوقة قبله وَالْقُدْرَة مُقَارنَة لَهُ خلافًا للمعتزلة وَقد قدمنَا فِي ذَلِك الْأَدِلَّة وَنسب الْفِعْل إِلَيْنَا لظُهُوره فِينَا واختيارنا لَهُ واكتسابنا وَقد تقدم بَيَان الِاسْتِطَاعَة وَأَن الْبَارِي تَعَالَى خَالق كل شَيْء وَمن ذَلِك الْمعْصِيَة وَالطَّاعَة وَقد نطق الْقُرْآن الْكَرِيم بِمَا ذكرنَا من خلق الله أفعالنا بِوَاسِطَة
следующие страницы →