← Акыда

Акыда · id 6558

نعمة الذريعة في نصرة الشريعة

إبراهيم الحلبي

Полный текст (196 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

سُلَيْمَان عَلَيْهِ الصَّلَاة لَا يمر إِلَّا على العقائد الصَّحِيحَة لَا من حَيْثُ مَا قَصده من عُمُوم جَمِيع العقائد وَمن أَيْن يدل رب الْعَالمين على أَن جَمِيع عقائد الْعَالمين حق وَالله سُبْحَانَهُ يَقُول ﴿فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة عَن الصِّرَاط لناكبون﴾ وَقِيَاس العقائد على الْمَشْي الْحسي من مغاليطه الْبَاطِلَة وَإِلَّا فَلَا خَفَاء فِي مُخَالفَة الْمُنَافِقين وَنَحْوهم وَإِن مَشوا مَعَ الْمُؤمنِينَ بأقدامهم فِي طَرِيق على أَن المُرَاد بِالْآيَةِ أَنه مالكهم ومتصرف فيهم كَيفَ شَاءَ لَا أَنه مجبرهم على اتِّبَاع الْحق وَلَو كَانَ كَمَا زعم فَمن هم الضالون المذكورون فِي الْقُرْآن قَالَ فِي الْكَلِمَة الداودية بعد مَا ذكر أَمر الْخلَافَة إِلَى أَن قَالَ وَللَّه تَعَالَى فِي الأَرْض خلائف عَن الله وهم الرُّسُل وَأما الْخلَافَة الْيَوْم فَعَن الرُّسُل لَا عَن الله فَإِنَّهُم مَا يحكمون إِلَّا بِمَا شرع لَهُم الرَّسُول لَا يخرجُون عَن ذَلِك غير أَن هُنَا دقيقة لَا يعلمهَا إِلَّا أمثالنا وَذَلِكَ فِي أَخذ مَا يحكمون بِهِ مِمَّا هُوَ شرع للرسول ﵇ فالخليفة عَن الرَّسُول من يَأْخُذ الحكم بِالنَّقْلِ عَنهُ ﷺ أَو الإجتهاد الَّذِي أَصله أَيْضا مَنْقُول عَنهُ ﷺ وَفينَا من

стр. 107

يَأْخُذهُ عَن الله تَعَالَى فَيكون خَليفَة عَن الله تَعَالَى بِعَين ذَلِك الحكم إِلَخ أَقُول لَا بُد لَهُ حَيْثُ لَا يجد مُخَالفَة وَلَا اعتراضا من ترفع وتمدح دَعْوَى مُجَرّدَة عَن الْبُرْهَان ثمَّ قَالَ وَلِهَذَا مَاتَ رَسُول الله ﷺ وَمَا نَص بخلافة عَنهُ إِلَى أحد وَلَا عينه لعلمه أَن فِي أمته من يَأْخُذ الْخلَافَة عَن ربه فَيكون خَليفَة عَن الله تَعَالَى مَعَ الْمُوَافقَة فِي الحكم الْمَشْرُوع إِلَى آخر مَا قَالَه أَقُول هَذَا غير صَحِيح بل إِنَّمَا لم ينص لعلمه أَن الله تَعَالَى يؤلف قُلُوب الْمُؤمنِينَ حَتَّى يجمعوا على خلَافَة أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَنبهَ على ذَلِك ﷺ بقوله (يَأْبَى الله تَعَالَى وَيدْفَع الْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بكر) وَلم يدع أَبُو بكر وَلَا غَيره لَهُ أَنه أَخذ الْخلَافَة عَن ربه بِالْمَعْنَى الَّذِي تزْعم وَلَا ضَرُورَة إِلَى ذَلِك وَلَا دَلِيل على وُقُوعه حَيْثُ حصلت الْمُوَافقَة والمخالفة مَرْدُودَة قَالَ وَإِنَّمَا تنقص أَو تزيد على الشَّرْع الَّذِي تقرر بالإجتهاد

стр. 108

لَا على الشَّرْع الَّذِي شوفه بِهِ مُحَمَّد ﷺ فقد يظْهر من الْخَلِيفَة مَا يُخَالف حَدِيثا مَا فِي الحكم فيتخيل أَنه من الإجتهاد وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا هَذَا الإِمَام لم يثبت عِنْده من جِهَة الْكَشْف ذَلِك الْخَبَر عَن النَّبِي ﷺ وَلَو ثَبت لحكم بِهِ وَإِن كَانَ الطَّرِيق فِيهِ الْعدْل عَن الْعدْل فَمَا هُوَ مَعْصُوم من الْوَهم وَلَا من النَّقْل بِالْمَعْنَى فَمثل هَذَا يَقع من الْخَلِيفَة الْيَوْم أَقُول انْظُر مَا أمكره فِي ترويج باطله بادعائه أَن الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة قد تكون غير ثَابِتَة فِي نفس الْأَمر فَيطلع على ذَلِك هُوَ وَأَمْثَاله كشفا فيخالفوننا وَأَنت خَبِير بِأَن هَذِه دَعْوَى مُجَرّدَة لَا دَلِيل عَلَيْهَا إِذْ الْكَشْف لَيْسَ دَلِيلا وَإِلَّا لفسد نظام الشَّرْع إِذْ لَا يعجز أحد عَن ادِّعَاء مثل ذَلِك فَيعْمل كل ذِي هوى بِمُقْتَضى هَوَاهُ وَيَدعِي فِيهِ الْكَشْف وَأي فَسَاد أعظم من ذَلِك وَالله الْمُوفق ثمَّ بعد مَا قرر أَنه لَا ينفذ حكم إِلَّا لله تَعَالَى سَوَاء كَانَ على وفْق الشَّرْع أَو لم يكن مُوَافقا لِلْأَمْرِ أم لَا إِذْ الْكل بمشيئته وَصدق فِي ذَلِك قَالَ فَلَمَّا كَانَ الْأَمر فِي نَفسه على مَا قَرَّرْنَاهُ كَانَ مآل الْخلق إِلَى السَّعَادَة على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا فَعبر عَن هَذَا الْمقَام بِأَن الرَّحْمَة وسعت كل شَيْء

стр. 109

أَقُول هَذَا كذب بَاطِل فَإِن السَّعَادَة مُتَعَلقَة بموافقة الْأَمر لَا بموافقة مُطلق الْمَشِيئَة وَقد صرح سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ يَكْتُبهَا للَّذين يَتَّقُونَ وَيُؤْتونَ الزَّكَاة ويتبعون النَّبِي الْأُمِّي إِلَى آخر مَا ذكر تَعَالَى فَعلم أَن من لَيْسَ كَذَلِك لم يكْتب لَهُ قَالَ فِي الْكَلِمَة اليونسية وَأما أهل النَّار فمآلهم إِلَى النَّعيم وَلَكِن فِي النَّار إِذْ لابد لصورة النَّار بعد انْتِهَاء مُدَّة الْعَذَاب أَن تكون بردا وَسلَامًا على من فِيهَا فنعيم أهل النَّار بعد اسْتِيفَاء الْحُقُوق نعيم خَلِيل الله تَعَالَى حِين ألقِي فِي النَّار فَإِنَّهُ ﵊ تعذب برؤيتها وَبِمَا تعود فِي علمه وتقرر من أَنَّهَا صُورَة تؤلم من جاورها من الْحَيَوَان وَمَا علم مُرَاد الله تَعَالَى فِيهَا وَمِنْهَا فِي حَقه فَبعد وجود هَذِه الآلام وجدهَا بردا وَسلَامًا مَعَ شُهُود الصُّورَة اللونية فِي حَقه وَهِي نَار فِي عُيُون النَّاس أَقُول هَذَا مذْهبه على مَا تقدم وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ إِلَّا مَا قَرَّرَهُ قبله من سبق الرَّحْمَة وَمن مُرَاعَاة الْإِبْقَاء على هَذِه النشأة إِلَى آخر مَا ذكر وَهُوَ مُخَالف لمَذْهَب أهل السّنة وَلقَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا يُخَفف عَنْهُم الْعَذَاب﴾

стр. 110

و ﴿وَلَا يُخَفف عَنْهُم من عَذَابهَا﴾ ﴿لَا يفتر عَنْهُم وهم فِيهِ مبلسون﴾ ﴿كلما خبت زدناهم سعيرا﴾ ﴿كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب﴾ فَيكون مَا ذهب إِلَيْهِ قِيَاسا لمقابلة النَّص فَإِن اسْتدلَّ بقوله تَعَالَى ﴿أحقابا﴾ قُلْنَا هُوَ مُحْتَمل لكَونه جمع حقب بِسُكُون الْقَاف ظرفا ولكونه جمع حقبة بِكَسْرِهَا حَالا فَلَا يُعَارض النُّصُوص الصَّرِيحَة القطعية الدَّالَّة وَلَا يُمكنهُ أَن يخصصه بِالْقِيَاسِ الَّذِي ذكره وَإِن أَخذ الْعَذَاب من العذوبة عنادا كَمَا ذكره فِي الإسماعلية ورد عَلَيْهِ السعير قَالَ فِي الْكَلِمَة الأيوبية قَالَ تَعَالَى لأيوب ﵊ ﴿اركض برجلك هَذَا مغتسل﴾ يَعْنِي مَاء بَارِد لما كَانَ عَلَيْهِ من إفراط حرارة الْأَلَم فسكنه الله تَعَالَى بِبرد المَاء وَلِهَذَا كَانَ الطِّبّ النَّقْص من الزَّائِد وَالزِّيَادَة فِي النَّاقِص فالمقصود طلب الإعتدال وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ إِلَّا أَنه يُقَارِبه وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ أَعنِي إِلَى الإعتدال من أجل أَن الْحَقَائِق وَالشُّهُود يُعْطي التكوين مَعَ الأنفاس على الدَّوَام

стр. 111

وَلَا يكون التكوين إِلَّا عَن ميل يُسمى فِي الطبيعة انحرافا أَو تعفينا أَو فِي حق الْحق إِرَادَة وَهِي ميل إِلَى المُرَاد الْخَاص دون غَيره والإعتدال يُوزن بالسواء فِي الْجَمِيع وَهَذَا لَيْسَ بواقع فَلهَذَا منعنَا من حكم الإعتدال أَقُول إِطْلَاق الْميل على إِرَادَة الْحق وَنفي الإعتدال عَنهُ سُبْحَانَهُ غير جَائِز وَلَا يتم أَن تَرْجِيح الْفَاعِل الْمُخْتَار أحد الجائزين يُسمى انحرافا فِي حق الطبيعة وَلَا ميلًا فِي حق الْحق وَلَا أَن الإعتدال يُوزن بالسواء وَإِنَّمَا ذَلِك إِذا لم يكن مُقْتَضى مَا قد علمه الْحَكِيم الْخَبِير فالتكوين من الْعَلِيم الْحَكِيم بِجِهَة التَّخْصِيص كَيفَ يُسمى ميلًا إِنَّمَا الْميل الْعَمَل على خلاف مُقْتَضى الْحِكْمَة فَإِذا تَأَمَّلت كَلَام هَذَا الشَّخْص وجدت أَكْثَره مغالطات مموهة بمناسبات تغر ناظرها وَلَا حَقِيقَة لَهَا عِنْد التَّأَمُّل وَالتَّحْقِيق وَمن هَذَا الْقَبِيل مَا قَالَ وَقد ورد فِي الْعلم الإلهي النَّبَوِيّ إتصاف الْحق بِالرِّضَا وَالْغَضَب وبالصفات وَالرِّضَا مزيل للغضب وَالْغَضَب مزيل للرضا عَن المرضي عَنهُ والإعتدال أَن يتساوى الرِّضَا وَالْغَضَب فَمَا غضب الغاضب على من غضب عَلَيْهِ وَهُوَ عَنهُ رَاض فقد اتّصف بِأحد الْحكمَيْنِ فِي حَقه وَهُوَ ميل وَمَا رَضِي الراضي عَمَّن رَضِي عَنهُ وَهُوَ غاضب عَلَيْهِ فقد اتّصف بِأحد الْحكمَيْنِ فِي حَقه وَهُوَ ميل

стр. 112

أَقُول هَذَا أَيْضا من قبيل مَا تقدم وَهُوَ غلط ومغلطة فَإِنَّهُ غير صَحِيح إِذْ تَسَاوِي الرِّضَا وَالْغَضَب مُطلقًا لَيْسَ باعتدال وَالرِّضَا عَمَّن يسْتَحقّهُ وَالْغَضَب على من يسْتَحقّهُ لَيْسَ بميل بل هُوَ عين الإعتدال وَهُوَ الإتصاف بِأحد الْحكمَيْنِ فِي مَحَله ومستحقه فَانْظُر إِلَى هَذِه المغاليط الَّتِي بنى عَلَيْهَا مذْهبه حَيْثُ قَالَ وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا من أجل مَا يرى أَن أهل النَّار لَا يزَال غضب الله تَعَالَى عَلَيْهِم دَائِما أبدا فِي زَعمه فَمَا لَهُم حكم الرِّضَا من الله تَعَالَى فصح الْمَقْصُود فَإِن كَانَ كَمَا قُلْنَا مآل أهل النَّار إِلَى إِزَالَة الآلام وَإِن سكنوا النَّار فَذَلِك رضَا فَزَالَ الْغَضَب لزوَال الآلام إِذْ عين الْأَلَم عين الْغَضَب إِن فهمت فَمن غضب فقد تأذى فَلَا يسع فِي انتقام المغضوب عَلَيْهِ بإيلامه إِلَّا ليجد الغاضب الرَّاحَة بذلك فَينْتَقل الْأَلَم الَّذِي كَانَ عِنْده إِلَى المغضوب عَلَيْهِ وَالْحق إِذا أفردته عَن الْعَالم يتعالى علوا كَبِيرا عَن هَذِه الصّفة على هَذَا الْحَد أَقُول انْظُر كَيفَ يَأْتِي بِالدَّلِيلِ على نَفسه بِنَفسِهِ مَعَ ادعائه الْكَشْف والدعاوى العريضة فَإِن الْحق سُبْحَانَهُ حَيْثُ كَانَ منزها عَن الْأَلَم والراحة المقتضيتين للغضب الَّذِي هما سَببه ثَبت أَن غَضَبه تَعَالَى لَيْسَ إِلَّا لحكمة اقتضته فَيلْزم مِنْهُ عدم زَوَال الْغَضَب لعدم زَوَال الْحِكْمَة الْمُقْتَضِيَة لَهُ فَافْهَم راشدا وَالله الْمُوفق ثمَّ عَاد إِلَى قَاعِدَته الخبيثة حَيْثُ قَالَ وَإِذا كَانَ الْحق هوية الْعَالم فَمَا ظَهرت الْأَحْكَام كلهَا إِلَّا فِيهِ وَمِنْه إِلَى آخر مَا ذكر

стр. 113

وألحد إِلَى أَن قَالَ فَهُوَ على كل شَيْء شَهِيد ليعلم عَن شُهُود لَا عَن فكر فَكَذَلِك علم الأذواق لَا عَن فكر وَهُوَ الْعلم الصَّحِيح وَمَا عداهُ فحدس وتخمين لَيْسَ بِعلم أصلا أَقُول هَذِه دَعْوَى ظَاهِرَة الْبطلَان بل مَا يَدعِيهِ من عُلُوم الأذواق لَيْسَ إِلَّا تخيلات فَاسِدَة ظَاهِرَة الْفساد وآثارها تدل عَلَيْهَا من المناقضات وَنَحْوهَا كَمَا نبهنا عَلَيْهِ فِي أماكنه وَالْمَذْكُور هُنَا أَيْضا من جُمْلَتهَا فَإِنَّهُ إِذا كَانَت الْأَحْكَام مَا ظَهرت إِلَّا فِيهِ فالشاهدية والمشهودية والذائقية والمفكرية جَمِيع ذَلِك أَحْكَام ظاهرية فِيهِ فَمن أَيْن حصل التعين على أَنه يلْزم من كَلَامه إِنْكَار حُصُول الْعلم بالتواتر وَلَا يخفى فَسَاده قَالَ فَعمل أَيُّوب بحكمة الله إِذْ كَانَ نَبيا لما علم أَن الصَّبْر الَّذِي هُوَ حبس النَّفس عَن الشكوى عِنْد الطَّائِفَة وَلَيْسَ كَذَلِك يحد الصَّبْر عندنَا وَإِنَّمَا حَده حبس النَّفس عَن الشكوى لغير الله إِلَى أَن قَالَ وَعلم أَيُّوب أَن فِي حبس النَّفس عَن الشكوى إِلَى الله تَعَالَى فِي دفع الضّر مقاومة الْقَهْر الإلهي وَهُوَ جهل

стр. 114

بالشخص إِذْ ابتلاه الله تَعَالَى بِمَا تتألم مِنْهُ نَفسه فَلَا يَدْعُو الله تَعَالَى فِي إِزَالَة ذَلِك الْأَمر المؤلم بل يَنْبَغِي لَهُ عِنْد الْمُحَقق أَن يتَضَرَّع وَيسْأل الله فِي إِزَالَة ذَلِك عَنهُ فَإِن ذَلِك إِزَالَة عَن جناب الله تَعَالَى عِنْد الْعَارِف صَاحب الْكَشْف فَإِن الله تَعَالَى قد وصف نَفسه بِأَنَّهُ يُؤْذى فَقَالَ ﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله لعنهم الله﴾ وَأي أَذَى أعظم من أَن يبتليك ببلاء عِنْد غفلتك عَنهُ أَو عَن مقَام إلهي لَا تعلمه لترجع إِلَيْهِ بالشكوى فيرفعه عَنْك فَيصح الإفتقار الَّذِي هُوَ حقيقتك فيرتفع عَن الْحق الْأَذَى بسؤالك إِيَّاه فِي رَفعه عَنْك إِذْ أَنْت صورته الظَّاهِرَة إِلَى أَن قَالَ فَعلمنَا أَن الصَّبْر إِنَّمَا هُوَ حبس النَّفس عَن الشكوى إِلَى غير الله تَعَالَى وأعني بِالْغَيْر وَجها خَاصّا من وُجُوه الله تَعَالَى وَهُوَ الْمُسَمّى وَجه الهوية فتدعوه من ذَلِك الْوَجْه فِي رفع الضّر عَنهُ لَا من الْوُجُوه الْأُخَر الْمُسَمَّاة أسبابا وَلَيْسَت إِلَّا هُوَ من حَيْثُ

стр. 115

تَفْضِيل الْأَمر فِي نَفسه فالعارف لَا يَحْجُبهُ سُؤَاله هوية الْحق فِي رفع الضّر عَنهُ عَن أَن تكون جَمِيع الْأَسْبَاب عينه من حيثية خَاصَّة إِلَخ أَقُول قَوْله وَهُوَ جهل بالشخص إِلَخ سوء أدب واجتراء على من وَقع مِنْهُ عدم الشكوى فِي بعض الْأَوْقَات من الأكابر كإبراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة فِي قَوْله حسبي عَن سُؤَالِي علمه بحالي وكأيوب عَلَيْهِ الصَّلَاة فِي ابْتِدَاء أمره فَإِنَّهُ لم يسْأَل إِلَّا بعد مُدَّة مديدة وَغَيرهمَا مِمَّن لَا يُحْصى كَثْرَة فِي حكاياتهم وَهَذَا الْكَلَام مِنْهُ غلط أَو مغلطة وَإِنَّمَا الْعَارِف الَّذِي يعرف ويراعي الْأَوْقَات وَالْأَحْوَال وَيعلم أَي حَال أُرِيد مِنْهُ فِيهِ ترك الشكوى وَالصَّبْر وَأي حَال أُرِيد مِنْهُ الشكوى إِلَى جناب الرب وَغير ذَلِك وَقَوله بِنَاء على قَاعِدَته الخبيثة فَإِن ذَلِك إِزَالَة عَن جناب الله تَعَالَى إِلَخ يُقَال لَهُ أَولا أَي ضَرُورَة دَعَتْهُ إِلَى وَضعه والتأذي بِهِ

стр. 116

وَطلب سُؤال الْكَشْف إِذا كَانَ هوية الْوَاضِع والمؤذى والسائل والكاشف إِلَى غير ذَلِك وَلَا يدْفع الإعتراض قَوْله وأعني بِالْغَيْر وَجها خَاصّا إِلَخ لِأَنَّهُ صرح بِأَن كل فَرد من الْعَالم عين الهوية وَلَيْسَ غيرا لَهَا واستدلاله بِالْآيَةِ من جملَة إلحاده فِي آيَات الله تَعَالَى فِي استدلاله بالمتشابه واتباعه الدَّال على زيغ الْقلب بِالنَّصِّ قَالَ فِي الْكَلِمَة اليحياوية عَن عِيسَى ﵇ أَنه أحد الشَّاهِدين على بَرَاءَة أمه وَالشَّاهِد الآخر هُوَ الْجذع إِلَخ أَقُول هز الْجذع لم يكن بِحَضْرَة الربانيين الَّذين قَالُوا مَا قَالُوا وَلم يرَوا هزه وَلَا تساقط الرطب فَكل هَذِه عنديات عَن خيالات لَا عَن رِوَايَة قَالَ فِي الْكَلِمَة الزكرياوية فِي أثْنَاء هذيانات وَقد ذكرنَا فِي

стр. 117

الفتوحات أَن الْأَثر لَا يكون إِلَّا للمعدوم لَا للموجود وَإِن كَانَ للموجود فبحكم الْمَعْدُوم وَهُوَ علم غَرِيب وَمَسْأَلَة نادرة لَا يعلم تحقيقها إِلَّا أَصْحَاب الأوهام فَذَلِك بالذوق عِنْدهم وَأما من لَا يُؤثر الْوَهم فِيهِ فَهُوَ بعيد عَن هَذِه الْمَسْأَلَة أَقُول قد أقرّ بِأَنَّهُ من أَصْحَاب الأوهام الَّذين أثر الْوَهم فيهم فصدقنا فِي نِسْبَة التخيلات إِلَيْهِ والتوهمات وَأمنا من مُطَالبَة الْإِثْبَات وَإِن كَانَ ظَاهر الثُّبُوت لغير المكابر ثمَّ انْظُر إِلَى قبح قَوْله إِن الْأَثر لَا يكون إِلَّا للمعدوم إِلَخ فَإِنَّهُ يسْتَلْزم أَن لَا يكون لله سُبْحَانَهُ تَأْثِير أَو يكون مَعْدُوما أَو مُحْتَاجا إِلَى الْمَعْدُوم على مَا لَا يخفى تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا فَانْظُر إِلَى هَذِه الترهات الَّتِي نَسَبهَا وَأسْندَ الْأَمر بإظهارها إِلَى رَسُول الله ﷺ وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه قَالَ فِي آخرهَا ثمَّ إِن الرَّحْمَة تنَال على طَرِيقين طَرِيق الْوُجُوب وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فسأكتبها للَّذين يَتَّقُونَ وَيُؤْتونَ الزَّكَاة﴾ وَمَا قيدهم بِهِ من الصِّفَات العلمية والعملية وَالطَّرِيق الآخر الَّذِي تنَال بِهِ هَذِه

стр. 118

الرَّحْمَة طَرِيق الإمتنان الإلهي الَّذِي لَا يقْتَرن بِهِ عمل وَهُوَ قَوْله ﴿ورحمتي وسعت كل شَيْء﴾ وَمِنْه قيل ﴿ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر﴾ وَمِنْهَا قَوْله (اعْمَلْ مَا شِئْت فقد غفرت لَك) فَاعْلَم ذَلِك أَقُول كِتَابَته سُبْحَانَهُ الرَّحْمَة لمن كتبهَا لَهُ امتنان مِنْهُ إِذْ لَا يجب عَلَيْهِ شَيْء إِلَّا بِمَا أوجبه بوعده مِنْهُ وَأما الرَّحْمَة الَّتِي وسعت كل شَيْء فقد قرر هُوَ نَفسه أَنَّهَا الْوُجُود وَهُوَ أَيْضا امتنان مِنْهُ لَا افتقار كَمَا زَعمه فِي غير هَذَا الْموضع تَعَالَى الله عَن ذَلِك قَالَ فِي الْكَلِمَة الإلياسية إلْيَاس هُوَ إِدْرِيس ﵇ كَانَ نَبيا قبل نوح ﵇ وَرَفعه الله تَعَالَى مَكَانا عليا فَهُوَ فِي قلب الأفلاك سَاكن وَهُوَ فلك الشَّمْس ثمَّ بعث إِلَى قَرْيَة بعلبك وبعل اسْم صنم وَبِك هُوَ سُلْطَان تِلْكَ الْقرْيَة وَكَانَ هَذَا الصَّنَم الْمُسَمّى بعلا مَخْصُوصًا بِالْملكِ وَكَانَ إلْيَاس الَّذِي هُوَ إِدْرِيس ﵇ قد مثل لَهُ انفلاق الْجَبَل الْمُسَمّى لبنان من اللبانة وَهِي الْحَاجة عَن

стр. 119

فرس من نَار وَجَمِيع آلاته من نَار فَلَمَّا رَآهُ ركب عَلَيْهِ فَسَقَطت عَنهُ الشَّهْوَة فَكَانَ عقلا بِلَا شَهْوَة فَلم يبْق لَهُ تعلق بِمَا تتَعَلَّق بِهِ الْأَغْرَاض النفسية فَكَانَ الْحق فِيهِ منزها فَكَانَ على النّصْف من الْمعرفَة بِاللَّه تَعَالَى أَقُول انْظُر إِلَى هَذِه الجرأة القبيحة فِي حق إِدْرِيس ﵊ فِيمَا زعم أما كَون إِدْرِيس ﵊ فِي السَّمَاء الرَّابِعَة فَحق قد أخبر بِهِ النَّبِي ﷺ إِذْ رَآهُ فِيهَا لَيْلَة الْمِعْرَاج وَأما كَونه هُوَ إلْيَاس الَّذِي أرسل إِلَى بعلبك فكذب فَإِن إِدْرِيس ﵇ أَخْنُوخ بَينه وَبَين آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة

стр. 120

وَالسَّلَام خَمْسَة آبَاء وَاسم أَبِيه يرد بالراء وَالدَّال رويت مُعْجمَة ومهملة وإلياس من بني إِسْرَائِيل من ذُرِّيَّة هَارُون ﵊ بَينه وَبَين هَارُون ﵊ أَبَوَانِ أَو ثَلَاثَة على اخْتِلَاف فِي الْعدَد والأسماء وَهُوَ الَّذِي بعث إِلَى بعلبك وَذكر فِي قصَّته أَن قومه لما أصروا على كفرهم دَعَا ربه أَن يقبضهُ إِلَيْهِ فيريحه مِنْهُم فَقيل لَهُ انْظُر إِلَى يَوْم كَذَا فَاخْرُج فِيهِ إِلَى بلد كَذَا فَمَا جَاءَك من شَيْء فاركبه وَلَا تهبه فَخرج وَخرج مَعَه أليسع حَتَّى إِذا كَانَ بِالْبَلَدِ الَّذِي أَمر بِهِ أقبل فرس من نَار فَوقف بَين يَدَيْهِ فَوَثَبَ عَلَيْهِ فَانْطَلق فَكَسَاهُ الله تَعَالَى الريش وَألبسهُ النُّور وَقطع عَنهُ لَذَّة الْمطعم وَالْمشْرَب فطار مَعَ الْمَلَائِكَة فَكَانَ إنسيا ملكيا سماويا أَيْضا ذكره ابْن الْجَوْزِيّ ﵀ فِي تَارِيخه الْمُسَمّى بالمنتظم وَذكر فِيهِ أَنه يُقَال لَهُ إدراس أَيْضا وإدراسين وَكَأن هَذَا هُوَ الَّذِي غر بعض الحمقى فظنوا إدراس بِالْألف إِدْرِيس بِالْيَاءِ وَأَنه هُوَ إِدْرِيس الَّذِي قبل نوح ﵊ وَمن آبَائِهِ وغفلوا عَن عد إلْيَاس فِي ذُرِّيَّة نوح فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَعِيسَى وإلياس﴾ وَأَن الذُّرِّيَّة لَا تطلق على الْآبَاء إِلَّا بطرِيق الْمجَاز وَهَا هُنَا مَانع عَن إِرَادَته وَهُوَ إِرَادَة الْحَقِيقَة قطعا فِي مَا عدا إلْيَاس فَلَا يُرَاد فِيهِ الْمجَاز على أَنه لَا قرينَة أصلا كَيفَ وَالْمَعْرُوف الْمَشْهُور هُوَ الَّذِي من بني إِسْرَائِيل وَالْأَصْل عدم الإشتراك ثمَّ إِن جعل سُقُوط

стр. 121

الشَّهْوَة سَببا لنُقْصَان الْمعرفَة بِاللَّه تَعَالَى من أقطع الحماقات فَإِن الشَّهْوَة هِيَ الْحجاب الْأَعْظَم عَن الْمعرفَة عِنْد أهل الله تَعَالَى وَلَكِن هَذَا من ديدن هَذَا المعاند وقاعدته الَّتِي أوردته الْمَوَارِد وَهِي قَاعِدَة خَالف تعرف على مَا مر كثيرا وَيَأْتِي كثيرا فَإِنَّهُ لشدَّة ذكائه قصد تَحْسِين مَا أجمع على قبحه وتقبيح مَا أجمع على حسنه وكل شَيْء أفرط فِي نَوعه خرج عَن حد الإعتدال حَتَّى أَنه قد يباين نَوعه وَمن هَذَا مَا قَالَ فَإِن الْعقل إِذا تجرد لنَفسِهِ من حَيْثُ أَخذه الْعُلُوم عَن نظره كَانَت مَعْرفَته بِاللَّه تَعَالَى على التَّنْزِيه لَا على التَّشْبِيه فَإِذا أعطَاهُ الله تَعَالَى الْمعرفَة بالتجلي كملت مَعْرفَته بِاللَّه تَعَالَى فنزه فِي مَوضِع وَشبه فِي مَوضِع وَرَأى سريان الْحق فِي الصُّور الطبيعية والعنصرية وَمَا بقيت لَهُ صُورَة إِلَّا وَيرى عين الْحق عينهَا أَقُول الْعقل إِذا تجرد عَن دواعي الشَّهْوَة فَأخذ الْعُلُوم أَخذهَا عَن نظره الصَّحِيح فَحصل بذلك لصَاحبه علم الْيَقِين فَإِذا أعطَاهُ الله تَعَالَى الْمعرفَة بالتجلي حصل بذلك عين الْيَقِين ثمَّ حق الْيَقِين وَوُجُود الشَّهْوَة لَا يُمكن قطّ أَن يكون سَببا أَو شرطا لتجلي الْحق بل هُوَ مَانع لَهُ بِإِجْمَاع أهل الشَّرِيعَة والحقيقة فَكيف يكون سُقُوطهَا

стр. 122

سَببا لنُقْصَان الْمعرفَة الْحَاصِلَة بالتجلي فَانْظُر كَيفَ يَأْتِي بِالدَّلِيلِ الْمنَافِي لمدعاه وَذَلِكَ نتيجة تحكيم سُلْطَان الْوَهم عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ وَهَذِه هِيَ الْمعرفَة التَّامَّة الَّتِي جَاءَت بهَا الشَّرَائِع الْمنزلَة من عِنْد الله تَعَالَى وحكمت بِهَذِهِ الْمعرفَة الأوهام كلهَا أَقُول لقد كذب وَالله فِي جعله ذَلِك معرفَة فضلا عَن أَن تكون تَامَّة وَفِي قَوْله الَّتِي جَاءَت بهَا الشَّرَائِع وَصدق فِي قَوْله حكمت بهَا الأوهام فَإِنَّمَا يحكم بِمثل هَذَا الأوهام الْبَاطِلَة والخيالات الْفَاسِدَة ثمَّ زَاد فِي الحماقة حَيْثُ قَالَ وَلذَلِك كَانَت الأوهام أقوى سُلْطَانا فِي هَذِه النشأة من الْعُقُول لِأَن الْعقل وَلَو بلغ مَا بلغ فِي عقله لم يخل من حكم الْوَهم عَلَيْهِ والتصور فِيمَا عقل فالوهم هُوَ السُّلْطَان الْأَعْظَم فِي هَذِه الصُّورَة الْكَامِلَة الإنسانية أَقُول هَذَا سَبَب خبطه خبط عشواء بل عمياء فِيمَا يَأْتِي بِهِ من الدَّلَائِل الدَّالَّة على خلاف مدعاه وَهُوَ كَونه حكم الْوَهم على نَفسه وَجعله السُّلْطَان الْأَعْظَم وَالوهم من الْخَواص الحيوانية وَالْعقل من الْخَواص الإنسانية فَمن حكم حيوانيته على إنسانيته فَمَاذَا يُرْجَى مِنْهُ غير ذَلِك

стр. 123

ثمَّ زَاد فِي الْكَذِب بالمكابرة والعناد حَيْثُ قَالَ وَبِه جَاءَت الشَّرَائِع الْمنزلَة فشبهت ونزهت شبهت فِي التَّنْزِيه بالوهم ونزهت فِي التَّشْبِيه بِالْعقلِ فَارْتَبَطَ الْكل بِالْكُلِّ فَلم يتَمَكَّن أَن يَخْلُو تَنْزِيه عَن تَشْبِيه وَلَا تَشْبِيه عَن تَنْزِيه أَقُول هَذَا نتيجة تحكيم الْوَهم واعتباره وَأهل الشَّرَائِع من الرُّسُل وأتباعهم بريئون من ذَلِك فَإِن الْوَهم عِنْدهم سَاقِط الِاعْتِبَار وَلم يرد لَهُ اعْتِبَار أصلا فِي كتاب وَلَا سنة وَلَكِن أهل الزيغ دأبهم التقول والبهت قَالَ قَالَ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ فنزه وَشبه ﴿وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ فَشبه وَهِي أعظم آيَة تَنْزِيه نزلت وَمَعَ ذَلِك لم تخل عَن تَشْبِيه بِالْكَاف فَهُوَ أعلم الْعلمَاء بِنَفسِهِ وَمَا عبر عَن نَفسه إِلَّا بِمَا ذَكرْنَاهُ أَقُول هَذَا إِمَّا جهل عَظِيم بِمَا يُعْطِيهِ التَّرْكِيب الْجَارِي على القوانين الْعَرَبيَّة الفصحى وَإِمَّا تجاهل ومغلطة وخداع فَإِنَّهُ لَا يفهم من الْآيَة إِلَّا التَّنْزِيه الْمَحْض على أبلغ وَجه على تَقْدِير عدم زِيَادَة الْكَاف أَيْضا إِذْ مَعْنَاهُ لَيْسَ مثل مثله شَيْء وَهُوَ نفي للمثل بطرِيق الْكِنَايَة الَّتِي أجمع البلغاء على أَنَّهَا أبلغ من الصَّرِيح إِذْ لَو كَانَ لَهُ مثل لم يصدق الْكَلَام لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يكون مثل ذَلِك الْمثل ضَرُورَة كَقَوْلِنَا لَيْسَ لأخي زيد أَخ فَإِنَّهُ نفى الْأَخ عَن زيد إِذْ لَو كَانَ لَهُ أَخ لَكَانَ

стр. 124

هُوَ أَخا فَلَا يصدق الْكَلَام مَعَ الْقطع بِأَن الْكَلَام صَادِق فِي الْآيَة فَكَانَ نفيا مَحْضا للمثل لَا شَائِبَة فِيهِ لثُبُوت مثل مَا أصلا إِذْ وجوده سُبْحَانَهُ قَطْعِيّ وَأما قَوْله إِن ﴿وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ تَشْبِيه فَهُوَ مَبْنِيّ على قَاعِدَته الخبيثة أَن الموجودات كلهَا هِيَ تَعَالَى على زَعمه وَهُوَ غلط أَيْضا أَو مغلطة فَإِنَّهُ إِذا حكم عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ جنس مَا يسمع وَمَا يبصر كَانَ كل وَاحِد يشبه الآخر من حَيْثُ السّمع وَالْبَصَر لأَنا نقُول لَيْسَ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ كل فَرد بل الْفَرد الْجَامِع لكل فَرد وَلَا نَظِير لَهُ وَلَا مثل على تَقْدِير صِحَة قَاعِدَته أَيْضا فَتَأمل نعم قد يَدعِي بطرِيق الْوَهم الَّذِي حكمه أَن كل فَرد جَامع لكل فَرد لَكِن يناقضه قَوْله فِي مَوضِع آخر بعد هَذَا وَلَا نشك أَن عمرا مَا هُوَ زيد وَلَا خَالِد وَلَا جَعْفَر على أَن الْكَلَام مَعَ من يحكم الْوَهم ويجعله السُّلْطَان الْأَعْظَم ضائع بل الْمُفِيد فِي الرَّد عَلَيْهِ كَمَا فِي السوفسطائية أَن يحرق بالنَّار وَيُقَال لَهُ توهم أَنَّهَا نور بَارِد معتدل فِيهِ اللَّذَّة الْعُظْمَى قَالَ ثمَّ قَالَ ﴿سُبْحَانَ رَبك رب الْعِزَّة عَمَّا يصفونَ﴾ وَمَا يصونه إِلَّا بِمَا تعطيه عُقُولهمْ فنزه نَفسه عَن تنزيههم إِذْ حددوه بذلك التَّنْزِيه وَذَلِكَ لقُصُور الْعُقُول عَن إِدْرَاك مثل هَذَا أَقُول هَذَا أَيْضا من جملَة إلحاده فِي آيَات الله تَعَالَى والعدول بهَا

стр. 125

عَمَّا أُرِيد بهَا وَهُوَ ظَاهر الْبطلَان إِذْ الضَّمِير فِيهِ لَا يَصح أَن يعود إِلَى أَرْبَاب الْعُقُول الصَّحِيحَة الَّذين نزهوه لعدم ذكرهم بل هُوَ رَاجع إِلَى أَصْحَاب الأوهام الْفَاسِدَة الَّذين تقدم ذكرهم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَلا إِنَّهُم من إفكهم ليقولون﴾ ﴿ولد الله وَإِنَّهُم لَكَاذِبُونَ﴾ وَأَنت مِنْهُم أَيهَا الملحد لِأَنَّك تزْعم أَنه الْوَالِد والمولود فقد صححت قَوْلهم بوهمك الَّذِي حكمته فَإِنَّمَا نزه نَفسه سُبْحَانَهُ عَن وَصفهم ووصفك إِيَّاه بالأوصاف الْبَاطِلَة وقولك إِنَّهُم حددوه بذلك التَّنْزِيه كذب إِذْ الْوَصْف بالكمال الْمُطلق لَيْسَ بتحديد لِأَنَّهُ جنس لَهُ ليخرج بفصل قَالَ ثمَّ جَاءَت الشَّرَائِع كلهَا بِمَا تحكم بِهِ الأوهام فَلم تخل الْحق عَن صفة يظْهر فِيهَا كَذَا قَالَت وبذا جَاءَت فَعمِلت الْأُمَم على ذَلِك فَأَعْطَاهَا الْحق التجلي فلحقت بالرسل وراثه فنطقت بِمَا نطقت بِهِ رسل الله تَعَالَى ﴿الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته﴾ أَقُول هُوَ كذب بَاطِل والمبني على الْبَاطِل بَاطِل وَهُوَ إِلْحَاق طائفته المبتدعين للمتشابه بالرسل من حَيْثُ الوراثة وَقَوله ﴿الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته﴾ كَلَام حق أَرَادَ بِهِ بَاطِلا ثمَّ بنى على مَا أسس حَيْثُ قَالَ وَأَن المتجلي فِي صُورَة

стр. 126

بِحكم استعداد تِلْكَ الصُّورَة فينسب إِلَيْهِ مَا تعطيه حَقِيقَتهَا ولوازمها لَا بُد من ذَلِك مثل من يرى الْحق فِي النّوم وَلَا يُنكر هَذَا وَأَنه لَا شكّ الْحق عينه فتتبعه لَوَازِم تِلْكَ الصُّورَة وحقائقها الَّتِي تجلى فِيهَا فِي النّوم ثمَّ بعد ذَلِك يعبر أَي يجاز عَنْهَا إِلَى أَمر آخر يَقْتَضِي التَّنْزِيه عقلا فَإِن كَانَ الَّذِي يعبرها ذَا كشف وإيمان فَلَا يجوز عَنْهَا إِلَى تَنْزِيه فَقَط بل يُعْطِيهَا حَقّهَا من التَّنْزِيه وَمِمَّا ظَهرت فِيهِ فَالله على التَّحْقِيق عبارَة لمن فهم الْإِشَارَة أَقُول انْظُر إِلَى هَذَا الْكَلَام وقبح مَا آل إِلَيْهِ وَهُوَ الحكم بِأَن الله تَعَالَى عبارَة لَا ذَات وَيلْزم مِنْهُ كَونه غير قَائِم بِنَفسِهِ بل قِيَامه بصور الْعَالم وَقد قرر فِي مَوضِع آخر أَن الصُّور صوره والعالم فِيهِ مَعْقُول ومتوهم وَقد قَررنَا مرَارًا أَن تناقضاته لَا تَنْحَصِر كَثْرَة إِلَّا أَنه يلْتَزم ذَلِك لِأَنَّهُ الْتزم جَمِيع الاعتقادات وَأَن الْعَالم كُله أَعْرَاض وَغير ذَلِك مِمَّا يتَخَلَّص بِهِ من مثل هَذِه الاعتراضات وَإِن كَانَ أَصله فَاسِدا فَلَا يُفِيد مَعَه إِلَّا مَا يُفِيد مَعَ السوفسطائية كَمَا ذَكرْنَاهُ غير مرّة ثمَّ سَاق الهذيان إِلَى أَن قَالَ وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب أُجِيب دَعْوَة الداع إِذا دعان﴾ إِذْ لَا يكون مجيبا إِلَّا إِذا كَانَ من يَدعُوهُ غَيره وَإِن

стр. 127

كَانَ عين الدَّاعِي عين الْمُجيب فَلَا خلاف فِي اخْتِلَاف الصُّور فهما صُورَتَانِ بِلَا شكّ وَتلك الصُّور كلهَا كالأعضاء لزيد فمعلوم أَن زيدا حَقِيقَة وَاحِدَة شخصية وَأَن يَده لَيست صُورَة رجله وَلَا رَأسه وَلَا عينه وَلَا حَاجِبه فَهُوَ الْكثير الْوَاحِد الْكثير بالصور الْوَاحِد بِالْعينِ كالإنسان بِالْعينِ وَاحِد بِلَا شكّ وَلَا نشك أَن عمرا مَا هُوَ زيد وَلَا خَالِد وَلَا جَعْفَر إِلَخ أَقُول هَذَا مَا قَرَّرْنَاهُ فِيمَا سبق قَرِيبا وَالْقَاعِدَة مَعْلُومَة إِلَّا أَن التَّمْثِيل الأول غير صَحِيح إِذْ لَا يُقَال ليد زيد زيد وَكَذَا الثَّانِي إِذْ الْإِنْسَان الَّذِي هُوَ وَاحِد فِي الْكل لَيْسَ بِعَين فَتَأمل ثمَّ إِنَّه استوضح على تحول الْحق فِي الصُّور بِمَا ورد فِي الصَّحِيح من تجليه سُبْحَانَهُ يَوْم الْقِيَامَة فِي الصُّورَة الَّتِي تنكر ثمَّ فِي الصُّورَة الَّتِي تعرف وَهُوَ هُوَ فِي الصُّورَتَيْنِ وَقرر مَا قرر من التَّشْبِيه بِرُؤْيَة الصُّور فِي الْمرْآة وَهَذَا الاستيضاح السّفل الْجَواب عَنهُ عسر جدا إِلَّا أَن يُقَال إِن لَهُ سُبْحَانَهُ صِفَات عرفنَا إِيَّاهَا وصفات اسْتَأْثر بهَا لم يعرفنا إِيَّاهَا وأحوال الْآخِرَة وَمَا فِيهَا من الوجدانيات الَّتِي لَا عين رَأَتْ وَلَا

стр. 128

إِذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر لَا يُمكن الْقيَاس عَلَيْهَا فَكيف يَصح الِاسْتِدْلَال بهَا على مَا قرر من الأباطيل المباينة للشَّرْع وَالْعقل المؤدية إِلَى وَصفه تَعَالَى بِالصِّفَاتِ القبيحة المضادة لما عَلَيْهِ إِجْمَاع أهل الشَّرْع والحقائق من الْمُسلمين وَالْكفَّار فلعنة الله تَعَالَى وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ على هَذِه الطَّائِفَة بِمَا ابتدعت من هَذِه الْخَبَائِث وسمتها حقائق ثمَّ أتبع ذَلِك بِمَا قَالَ وَالدَّلِيل على ذَلِك ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ وَالْعين مَا أدْركْت إِلَّا الصُّورَة المحمدية الَّتِي ثَبت لَهَا الرَّمْي فِي الْحس وَهِي الَّتِي نفى الله الرَّمْي عَنْهَا أَولا ثمَّ أثْبته لَهَا وسطا ثمَّ عَاد بالاستدراك أَن الله هُوَ الرَّامِي فِي صُورَة محمدية إِلَخ أَقُول هُوَ سُبْحَانَهُ الْمُقدر على كسب العَبْد للْفِعْل والخالق للْفِعْل فبذلك قَالَ ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت﴾ وَلَو كَانَ كَمَا زعم هَذَا المحرف من الْقَاعِدَة لما صَحَّ النَّفْي وَلَا الِاسْتِدْرَاك فَإِن الصُّورَة المحمدية لَيست غَيره على مَا قَرَّرَهُ من قَاعِدَته الخبيثة وَإِذا كَانَت الصُّورَة إِنَّمَا هِيَ الْحق بِزَعْمِهِ الْبَاطِل يكون تَقْدِير الْكَلَام وَمَا رميت أَنا فِي صُورَتك إِذْ رميت أَنا فِي صُورَتك وَلَكِنِّي رميت وَهَذَا كَمَا ترى كَلَام لَا طائل تَحْتَهُ بل الْمَعْنى عِنْد أهل الْحق وَالْإِيمَان الصَّحِيح ﴿وَمَا رميت﴾ حَقِيقَة خلقا وإيجادا ﴿إِذْ رميت﴾

стр. 129

مجَازًا وكسبا وَلَكِن الله هُوَ الَّذِي رمى حَقِيقَة بخلقه ذَلِك الرَّمْي وإيجاده إِيَّاه وَهَكَذَا جَمِيع الْأَفْعَال المضافة إِلَى الْعباد وَقَوله سُبْحَانَهُ حق وَخَبره صدق كَمَا علمه الْعلمَاء وآمن بِهِ الْمُؤْمِنُونَ على الْوَجْه الْحق الصَّحِيح الْخَالِص من الشوائب الْجَامِع بَين الْحَقِيقَة والشريعة قَالَ وَمِمَّا يدلك على ضعف النّظر الْعقلِيّ من حَيْثُ فكره كَون الْعقل يحكم على الْعلَّة أَنَّهَا لَا تكون معلولة لمن هِيَ عِلّة لَهُ هَذَا حكم الْعقل لَا خَفَاء بِهِ وَمَا فِي علم التجلي إِلَّا هَذَا وَهُوَ أَن الْعلَّة تكون معلولة لمن هِيَ عِلّة لَهُ وَالَّذِي حكم بِهِ الْعقل صَحِيح مَعَ التَّحْرِير فِي النّظر وغايته فِي ذَلِك أَنه يَقُول إِذا رأى الْأَمر على خلاف مَا أعطَاهُ الدَّلِيل النظري أَن الْعين بعد أَن ثَبت أَنَّهَا وَاحِدَة فِي هَذَا الْكثير فَمن حَيْثُ هِيَ عِلّة فِي صُورَة من هَذِه الصُّور لمعلول مَا فَلَا تكون معلولة لمعلولها فِي حَال كَونهَا عِلّة بل ينْتَقل الحكم بانتقالها فِي الصُّور فَتكون معلولة لمعلولها فَيصير معلولها عِلّة لَهَا

стр. 130

هَذَا غَايَته إِذا كَانَ قد رأى الْأَمر على مَا هُوَ عَلَيْهِ وَلم يقف مَعَ نظره الفكري أَقُول انْظُر إِلَى استدلاله بِمَا لَا يصلح دَلِيلا وَهُوَ الْكَشْف ثمَّ الِاعْتِرَاف بِصِحَّة حكم الْعقل وَتَأْويل مَا يرى حَال التجلي مِمَّا يُخَالف حكم الْعقل بِمَا لَا يردهُ الْعقل من اخْتِلَاف الْحَيْثِيَّة ثمَّ كَيفَ بنى على ذَلِك حَيْثُ قَالَ وَإِذا كَانَ الْأَمر فِي الْعلية بِهَذِهِ المثابة فَمَا ظَنك باتساع النّظر الْعقلِيّ فِي غير هَذَا الْمضيق فَلَا أَعقل من الرُّسُل صلوَات الله تَعَالَى عَلَيْهِم وَسَلَامه وَقد جَاءُوا بِمَا جَاءُوا بِهِ فِي الْخَبَر عَن الجناب الإلهي فأثبتوا مَا أثْبته الْعقل وَزَادُوا مَا لَا يسْتَقلّ الْعقل بإدراكه وَمَا يحيله الْعقل رَأْسا ويقر بِهِ فِي التجلي فَإِذا خلا بعد التجلي بِنَفسِهِ حَار فِيمَا رَآهُ فَإِن كَانَ عبد رب رد الْعقل إِلَيْهِ وَإِن كَانَ عبد نظر رد الْحق إِلَى حكمه أَقُول كَون الرُّسُل قد جَاءَت بِمَا يحيله الْعقل رَأْسا غير مُسلم وَلَا يتم أَن المتشابهات الَّتِي هِيَ مُرَاده بقوله هَذَا مِمَّا يحيله الْعقل إِلَّا إِذا أُرِيد بهَا حقائق ظواهرها كَمَا يَدعِيهِ هُوَ وطائفته لأجل إِثْبَات قاعدتهم الخبيثة من أَنه تَعَالَى عين صور الْعَالم أما إِذا أُرِيد بهَا أَن لَهُ سُبْحَانَهُ صِفَات تطلق عَلَيْهَا هَذِه الْأَلْفَاظ فَهِيَ لَيست مِمَّا يحيله

стр. 131

الْعقل فَإِن الْعقل كَمَا لَا يحِيل كَون ذَاته تَعَالَى شَيْئا لَا كالأشياء الَّتِي ندركها كَذَلِك لَا يحِيل أَن كل صفة من صِفَاته صفة لَا كالصفة الَّتِي نألفها ونعرفها وَكَذَلِكَ مَا يُسمى بِهِ من أَسمَاء وَيذكر عَنهُ من أَفعَال على هَذِه الوتيرة وادعائهم أَن التجلي يُعْطي أَن ذَلِك كُله على مَا هُوَ الْمَعْهُود والمألوف عندنَا دَعْوَى بِلَا دَلِيل فَإِن الْكَشْف كالإلهام لَا يصلح دَلِيلا لِأَنَّهُ يُعَارض بِمثلِهِ وَلَا يُمكن إِثْبَات الْأَوْلَوِيَّة ثمَّ إِنَّه انْتقل إِلَى دَعْوَى أُخْرَى فَقَالَ وَهَذَا لَا يكون إِلَّا مَا دَامَ فِي هَذِه النشأة الدنياوية محجوبا عَن نشأته الأخراوية فِي الدُّنْيَا فَإِن العارفين يظهرون هُنَا كَأَنَّهُمْ فِي الصُّورَة الدنياوية لما يجْرِي عَلَيْهِم من أَحْكَامهَا وَالله تَعَالَى قد حَولهمْ فِي بواطنهم فِي النشأة الأخراوية لَا بُد من ذَلِك فهم بالصورة مَجْهُولُونَ إِلَّا لمن كشف الله تَعَالَى عَن بصيرته فَأدْرك فَمَا من عَارِف بِاللَّه تَعَالَى من حَيْثُ التجلي الإلهي إِلَّا وَهُوَ على النشأة الْآخِرَة قد حشر

стр. 132

فِي دُنْيَاهُ وينشر فِي قَبره فَهُوَ يرى مَا لَا ترَوْنَ وَيشْهد مَا لَا تَشْهَدُون عناية من الله تَعَالَى بِبَعْض عباده فِي ذَلِك أَقُول هَذِه كلهَا دعاوى مُجَرّدَة لَا تفِيد فليت شعري مَا الْفَائِدَة فِي ذكرهَا وإيداعها فِي الْكتب وَإسْنَاد ذَلِك إِلَى أَمر النَّبِي ﷺ بِهِ حَيْثُ كَانَت لَا تفِيد علما وَلَا حَالا إِلَّا أَن يَقُولُوا إِنَّهَا تفِيد شوقا وهميا وَمَا أقل جدواه وَمَا أعظم خطره وبلواه فَإِن تَصْدِيقه والانقياد لَهُ يُورث الزندقة والانسلاخ من الشَّرَائِع على مَا تَقْتَضِيه قَوَاعِده المقررة المتكررة فَكيف يَأْمر بذلك النَّبِي ﷺ وَهُوَ أخوف النَّاس من إِدْخَال الشّبَه على أمته فِي دينهم ثمَّ انْظُر إِلَى مَا قَالَ قَالَ فَمن أَرَادَ العثور على هَذِه الْحِكْمَة الإلياسية الإدريسية الَّذِي أنشأه الله تَعَالَى بنشأتين وَكَانَ نَبيا قبل نوح ﵇ ثمَّ رفع وَنزل رَسُولا بعد ذَلِك فَجمع الله تَعَالَى لَهُ منزلتين فلينزل عَن حكم عقله إِلَى شَهْوَته وَيكون حَيَوَانا مُطلقًا

стр. 133

حَتَّى يكْشف مَا تكشفه كل دَابَّة مَا عدا الثقلَيْن فَحِينَئِذٍ يعلم أَنه قد تحقق بحيوانيته وعلامته علامتان الْوَاحِدَة هَذَا الْكَشْف فَيرى من يعذب فِي قَبره وَمن ينعم وَيرى الْمَيِّت حَيا والصامت والقاعد مَاشِيا أَقُول انْظُر إِلَى هَذِه الحماقات والخرافات أَولا الْكَذِب على إِدْرِيس ﵊ كَمَا قدمنَا وَثَانِيا أَنه لم يذكر أَن إلْيَاس نزل عَن حكم عقله إِلَى شَهْوَته وثالثا أمره بالنزول عَن حكم الْعقل إِلَى الشَّهْوَة ليَكُون حَيَوَانا مُطلقًا وَلم يعْهَد مثله قطّ فِي شَرِيعَة وَلَا طَريقَة بل ترك مُقْتَضى الْعقل إِلَى الشَّهْوَة مَذْمُوم مُطلقًا وَالله سُبْحَانَهُ حِين بَالغ فِي ذمّ الْكفَّار شبههم بالحيوانات ﴿إِن هم إِلَّا كالأنعام﴾ ﴿ويأكلون كَمَا تَأْكُل الْأَنْعَام﴾ ﴿فَمثله كَمثل الْكَلْب﴾ وَلَكِن هَذَا جَار من هَذَا الشَّخْص على قَاعِدَة خَالف تعرف ثمَّ انْظُر إِلَى مَا ذكره من فَائِدَة الْكَوْن حَيَوَانا وَهُوَ أَن يكْشف لَهُ عَن سَماع عَذَاب الْمَيِّت كَمَا ورد أَنه يسمع ضَرْبَة الْكَافِر أَو الْمُنَافِق عِنْد سُؤَاله فِي الْقَبْر غير الثقلَيْن فليت شعري مَاذَا يحصل

стр. 134

لَهُ من الْمَرَاتِب الدنياوية أَو الأخراوية بِهَذَا الْكَشْف وَقد حجبه الله تَعَالَى عَنَّا رَحْمَة بِنَا وَلم يَحْجُبهُ من الْحَيَوَان لعدم تضرره بِهِ لعدم عقله لَا لكرامته عَلَيْهِ قَالَ والعلامة الثَّانِيَة الخرس بِحَيْثُ لَو أَرَادَ أَن ينْطق بِمَا رَآهُ لم يقدر فَحِينَئِذٍ يتَحَقَّق بحيوانيته وَكَانَ لنا تلميذ قد حصل لَهُ هَذَا الْكَشْف غير أَنه لم يحفظ عَلَيْهِ الخرس فَلم يتَحَقَّق بحيوانيته وَلما أقامني الله تَعَالَى فِي هَذَا الْمقَام تحققت بحيوانيتي تحققا كليا فَكنت أرى وَأُرِيد النُّطْق بِمَا أشاهد فَلَا أَسْتَطِيع فَكنت لَا أفرق بيني وَبَين الخرس الَّذين لَا يَتَكَلَّمُونَ أَقُول لَوَدِدْنَا أَن لَو كَانَ تمّ لَك الخرس ودام وانضم إِلَيْهِ الشلل فَلَا كنت تَكَلَّمت بِمَا تَكَلَّمت وَلَا كتبته وَلَكِن الله تَعَالَى يفعل مَا يُرِيد وَلَو شَاءَ مَا خلق الشَّيْطَان وَلَا أمهله وَلَكِن اقْتَضَت حكمته ذَلِك ليتبين من يثبت على الْهدى بالتوفيق مِمَّن هُوَ على شفا جرف هار فانهار بِهِ فِي نَار جَهَنَّم ﴿وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد﴾ ثمَّ يُقَال لَهُ إِذا كنت قد أسلخت من عقلك والتحقت بِمُطلق الْحَيَوَان فَمن أَيْن لَك إِرَادَة النُّطْق وَهَذِه الْإِرَادَة لَا تُوجد فِي الْحَيَوَان وَكَيف شَعرت بهَا وَالْحَيَوَان لَا يشْعر بذلك على أَنه يلْزم من

стр. 135

ذَلِك فعل مَا لَا يقبح من الْحَيَوَان من كشف السوءة والسفاد جهارا وَعدم وجوب الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَسَائِر القبائح الَّتِي حرم السُّكُوت من أجلهَا فلعن الله مذهبا أُصُوله هَكَذَا ثمَّ انساب إِلَى مَا هُوَ أصل مُرَاده من هَذِه الْمُقدمَات فَقَالَ فَإِذا تحقق بِمَا ذَكرْنَاهُ انْتقل إِلَى أَن يكون عقلا مُجَردا فِي غير مَادَّة طبيعية فَيشْهد أمورا هِيَ أصُول لما يظْهر فِي الصُّورَة الطبيعية فَيعلم من أَيْن ظهر هَذَا الحكم فِي صور الطبيعة علما ذوقيا فَإِن كوشف على أَن الطبيعة عين نفس الرَّحْمَن فقد أُوتِيَ خيرا كثيرا وَإِن اقْتصر مَعَه على مَا ذَكرْنَاهُ فَهَذَا الْقدر يَكْفِيهِ من الْمعرفَة الحاكمة على عقله فَيلْحق بالعارفين وَيعرف عِنْد ذَلِك ذوقا ﴿فَلم تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِن الله قَتلهمْ﴾ وَمَا قَتلهمْ إِلَّا الْحَدِيد والضارب وَالَّذِي خلف هَذِه الصُّور فبالمجموع وَقع الْقَتْل وَالرَّمْي فيشاهد الْأُمُور بأصولها وصورها فَيكون تَاما فَإِن شهد النَّفس كَانَ مَعَ التَّمام كَامِلا فَلَا يرى إِلَّا الله تَعَالَى عين مَا يرى فَيرى الرَّائِي عين المرئي أَقُول قَالَ شَارِحه القيصري فَيعلم ذوقا أَن الْأُمُور الْكُلية كَيفَ تنزل وَتصير جزئيته محسوسة مصورة بِصُورَة الطبيعة العنصرية من

стр. 136

عين تنزل روحه الْمُجَرَّدَة إِلَى هَذِه الصُّورَة الإنسانية وَالْمقَام الحيوانية ويزحزحها إِلَى مقَامهَا الْأَصْلِيّ ويحققها بالعهد الإلهي ليعرف كَيْفيَّة تنزيلات الذَّات الإلهية من مقَام الأحدية والواحدية إِلَى الْمرْآة الكونية وظهورها فِي جَمِيع مَرَاتِب العوالم السفلية والعلوية شريفها وخسيسها عظيمها وحقيرها فيشاهد الْحق فِي جَمِيع مَرَاتِب الْوُجُود شُهُودًا حاليا فيفوز بالسعادة الْعُظْمَى والمرتبة الْكُبْرَى انْتهى فَهَذَا وَنَحْوه من كَلَام هَذِه الطَّائِفَة يدلك على أَن تصوفهم كتصوف الفلاسفة نهايته الابتهاج بِالْعلمِ بحقائق مباديء الْأَشْيَاء ونهاياتها والعارف والسعيد من حصل لَهُ ذَلِك وَلَيْسَ كتصوف الْمُسلمين الَّذِي نهايته الِاسْتِغْرَاق بمشاهدة الْحق والابتهاج بهَا والعارف والسعيد من جَاهد فِي الله أَو جذبته مِنْهُ عناية حَتَّى أوصلته إِلَى ذَلِك قَالَ الْقشيرِي رَحْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ فِي الرسَالَة وَعند هَؤُلَاءِ

стр. 137

الْقَوْم الْمعرفَة صفة من عرف الْحق تَعَالَى بأسمائه وَصِفَاته ثمَّ صدق الله فِي معاملاته ثمَّ تنقى عَن أخلاقه الردية وآفاته ثمَّ طَال بِالْبَابِ وُقُوفه ودام بِالْقَلْبِ اعْتِكَافه فحظي من الله تَعَالَى بجميل إقباله وَصدق الله تَعَالَى فِي جَمِيع أَحْوَاله وَانْقطع عَنهُ هواجس نَفسه وَلم يصغ بِقَلْبِه إِلَى خاطر يَدعُوهُ إِلَى غَيره فَإِذا صَار من الْخلق أَجْنَبِيّا وَمن آفَات نَفسه بَرِيئًا وَمن المشكلات والملاحظات نقيا ودام فِي السِّرّ مَعَ الله تَعَالَى مناجاته وَحقّ فِي كل لَحْظَة إِلَيْهِ رُجُوعه وَصَارَ مُحدثا من قبل الْحق بتعريف أسراره فِيمَا يجريه من تصريف أقداره سمي عِنْد ذَلِك عَارِفًا وَتسَمى حَالَته معرفَة وَلَقَد ذكر فِي الرسَالَة فَوق أَرْبَعِينَ قولا فِي نعت الْمعرفَة والعارف عَن الْمَشَايِخ الْمجمع عَلَيْهِم علما وَعَملا وَحَالا لَيْسَ فِيهَا مَا يخرج عَن مَا قَالَه الْقشيرِي رَحْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَلَا مَا يُوَافق قَول هَذِه الطَّائِفَة إِلَّا أَن يلحدوا فِي تَأْوِيله على غير مُرَاد قَائِله كَمَا يلحدون فِي آيَات الله تَعَالَى وَكَلَام رَسُول الله ﷺ مُكَابَرَة وعنادا فَهَؤُلَاءِ والفلاسفة تقشفوا واجتهدوا فِي الرياضات والتصفية طلبا لما تصوروه فَحصل لَهُم نتيحة ذَلِك فِي الدُّنْيَا مَا حصل للفلاسفة من تَحْرِير الحدسيات الَّتِي وضعوها وحرروها فَانْتَفع بهَا النَّاس بعض الِانْتِفَاع وَإِن كَانَ بناؤها على مَا زعموه غير

стр. 138

مُسلم فَحصل لَهُم فِي الدُّنْيَا مَا نووه وقصدوه من اجتهادهم وَأما هَذِه الطَّائِفَة فخيل لَهُم الشَّيْطَان مَا خيل وسول لَهُم مَا سَوَّلَ فجدوا واجتهدوا فِي الرياضات والتصفية وَالْخلْوَة بنية الْوُصُول إِلَى أَن يظْهر الْحق فيهم فَيَكُونُوا مباديء للتَّصَرُّف وَمَا هُوَ من خَصَائِص الألوهية فَحصل لَهُم من جهدهمْ فِي الدُّنْيَا بعض الخوارق المبنية على التصفية لَا على صِحَة الطَّرِيق حِكْمَة من الْعَزِيز الْحَكِيم فاغتروا بذلك وحكموا بِصِحَّة مَا كَانُوا تخيلوه فضلوا وأضلوا وكلا الطَّائِفَتَيْنِ دَاخل تَحت قَوْله تَعَالَى ﴿قل هَل ننبئكم بالأخسرين أعمالا﴾ ﴿الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا﴾ الْآيَة وَقَوله تَعَالَى ﴿وَقدمنَا إِلَى مَا عمِلُوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وبدا لَهُم من الله مَا لم يَكُونُوا يحتسبون﴾ فَإِن جَزَاء سَعْيهمْ قد حصل لَهُم فِي الدُّنْيَا إِذْ الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَكَلَامهم دَال على مَا قُلْنَاهُ دلَالَة جلية لمن فهم وأنصف وَلم يعاند بلاياهم وَلكنه غير ظَاهر فنسأل الله تَعَالَى أَن يثبتنا على صراطه الْمُسْتَقيم الَّذِي قَالَ فِيهِ ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله﴾ وَأَن يعيذنا من الْفِتَن مَا ظهر مِنْهَا وَمَا

стр. 139

بطن فَإِنَّهُ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل قَالَ فِي الْكَلِمَة اللقمانية فنبه لُقْمَان بِمَا تكلم بِهِ وَبِمَا سكت عَنهُ أَن الْحق عين كل مَعْلُوم إِلَخ أَقُول هَذَا من جملَة الْإِلْحَاد فِي كَلَام أَوْلِيَاء الله تَعَالَى كَمَا ألحد فِي كَلَام الله تَعَالَى وأنبيائه وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله لطيف﴾ وَمن لطافته ولطفه أَنه فِي الشَّيْء الْمُسَمّى كَذَا الْمَحْدُود بِكَذَا عين ذَلِك الشَّيْء إِلَخ إِلَى أَن قَالَ كَمَا تَقول الاشاعرة إِن الْعَالم كُله متماثل الْجَوْهَر فَهُوَ جَوْهَر وَاحِد فَهُوَ عين قَوْلنَا الْعين وَاحِدَة ثمَّ قَالَت وَيخْتَلف بالأعراض وَهُوَ قَوْلنَا وَيخْتَلف ويتكثر بالصور وَالنّسب حَتَّى يتَمَيَّز فَيُقَال هَذَا لَيْسَ هَذَا من حَيْثُ صورته أَو عرضه أَو مزاجه كَيفَ شِئْت فَقل وَهَذَا عين هَذَا من حَيْثُ جوهره وَلِهَذَا يُؤْخَذ عين الْجَوْهَر فِي حد كل صُورَة ومزاج فَنَقُول نَحن إِنَّه لَيْسَ سوى الْحق ويظن الْمُتَكَلّم أَن مُسَمّى الْجَوْهَر وَإِن كَانَ حَقًا مَا هُوَ عين الْحق الَّذِي يُطلقهُ أهل الْكَشْف والتجلي أَقُول انْظُر كَيفَ يُصَرح بِأَن الْجَوْهَر الَّذِي يُؤْخَذ فِي الْحُدُود مثل النَّار جَوْهَر محرق وَالْمَاء جَوْهَر سيال وَنَحْو ذَلِك هُوَ عين الْحق وَصَاحب علم الْكَلَام يَظُنّهُ غَيره ثمَّ انساب فِي الهذيان إِلَى أَن قَالَ

стр. 140

وَأما حِكْمَة وَصيته فِي نَهْيه إِيَّاه يَعْنِي ابْنه أَن لَا يُشْرك بِاللَّه فَإِن الشّرك لظلم عَظِيم أَقُول قَالَ شَارِحه الجامي جَوَاب أما حذف تَقْدِيره فتنبيهه لِابْنِهِ على أَن حَقِيقَة الشّرك منتفية فِي نفس الْأَمر وَإِنَّمَا حذفه لقَرِينَة الْمقَام حَيْثُ قَالَ والمظلوم الْمقَام حَيْثُ نَعته بالانقسام وَهُوَ عين وَاحِدَة فَإِنَّهُ لَا يُشْرك مَعَه إِلَّا عينه وَهَذَا غَايَة الْجَهْل وَسبب ذَلِك أَن الشَّخْص الَّذِي لَا معرفَة لَهُ بِالْأَمر على مَا هُوَ عَلَيْهِ وَلَا بِحَقِيقَة الشَّيْء إِذا اخْتلفت عَلَيْهِ الصُّور فِي الْعين الْوَاحِدَة وَهُوَ لَا يعرف أَن ذَلِك الِاخْتِلَاف فِي عين وَاحِدَة جعل الصُّورَة مُشَاركَة لِلْأُخْرَى فِي ذَلِك الْمقَام فَجعل لكل صُورَة جُزْءا من ذَلِك الْمقَام وَمَعْلُوم فِي الشَّرِيك أَن الْأَمر الَّذِي يَخُصُّهُ مِمَّا وَقعت فِيهِ الْمُشَاركَة لَيْسَ عين الآخر الَّذِي شَاركهُ إِذْ هُوَ للْآخر فَإِذن مَا ثمَّ شريك على الْحَقِيقَة فَإِن كل وَاحِد على حَظه مِمَّا قيل فِيهِ إِن بَينهمَا مُشَاركَة فِيهِ وَهُوَ سَبَب ذَلِك الشّركَة المشاعة وَإِن

стр. 141

كَانَت مشاعة فَإِن التصريف من أَحدهمَا يزِيل الإشاعة ﴿قل ادعوا الله أَو ادعوا الرَّحْمَن﴾ هَذَا روح الْمَسْأَلَة أَقُول قَالَ شَارِحه الجامي وَلما أبطل الشّركَة الَّتِي يشقى صَاحبهَا بوجهيه أَي التجزئة والإشاعة أَشَارَ إِلَى شركَة يسْعد صَاحبهَا باعتقادها وَالْقَوْل بهَا بقوله ﴿قل ادعوا الله أَو ادعوا الرَّحْمَن﴾ وَقَالَ شَارِحه القيصري عَنهُ أَنه ذكر فِي فتوحاته فِي فصل الْأَوْلِيَاء الْمُشرك بِاللَّه فَلَا تجزع من أجل الشَّرِيك الَّذِي يشقى صَاحبه فَإِن ذَلِك لَيْسَ بمشرك حَقِيقَة وَأَنت هُوَ الْمُشرك على الْحَقِيقَة لِأَنَّهُ من شَأْن الشّركَة اتِّحَاد الْعين الْمُشْتَرك فِيهَا فَيكون لكل وَاحِد الحكم فِيهِ على السوَاء وَإِلَّا فَلَيْسَ بِشريك مُطلق وَهُوَ الشَّرِيك الَّذِي اشْتبهَ الشقي من لم يتوارد مَعَ الله تَعَالَى على أَمر يَقع فِيهِ الِاشْتِرَاك فَلَيْسَ بمشرك على الْحَقِيقَة بِخِلَاف السعيد فَإِنَّهُ أشرك الِاسْم الرَّحْمَن بِالِاسْمِ الله وبالأسماء كلهَا فِي الدّلَالَة على الذَّات وَفِي الجامعية للأسماء وَالصِّفَات فَهُوَ أقوى فِي الشّرك من هَذَا فَإِن الأول شريك من دَعْوَى كَاذِبَة وَهَذَا أثبت شَرِيكا بِدَعْوَى صَادِقَة فغفر لهَذَا الْمُشرك لصدقه وَلم يغْفر لذَلِك الْمُشرك لكذبه فَهَذَا أولى باسم الْمُشرك من الآخر وَالله هُوَ الغفور الرَّحِيم انْتهى فَانْظُر إِلَى هَذِه المقالات والروغان عَن الْحق والإلحاد أما أَولا فبالميل بالألفاظ الشَّرْعِيَّة الْخَاصَّة إِلَى اللُّغَوِيَّة الْعَامَّة وَمَعْلُوم عِنْد كل غير معاند أَن الشّرك فِي الْآيَة لَيْسَ مُطلق الشّرك

стр. 142

بل هُوَ اعْتِقَاد الإشتراك بَين ذاتين فِي استحقاقهما الْعِبَادَة وَثَانِيا أَن الْأَمر الَّذِي وَقع فِيهِ الِاشْتِرَاك الْمنْهِي عَنهُ لَيْسَ هُوَ الْجُزْء الْمُسلم إِلَى كل شريك على مَا زعم بقوله لَيْسَ عين الآخر الَّذِي شَاركهُ إِذْ هُوَ للْآخر إِلَخ بل الَّذِي وَقع فِيهِ الِاشْتِرَاك هُوَ نفس اسْتِحْقَاق الْعِبَادَة الَّذِي اعتقده الْمُشرك وَهُوَ بَاقٍ على شيوعه وثالثا أَن الْمَعْنى الْمَذْكُور الَّذِي هُوَ اعْتِقَاد اسْتِحْقَاق الْعِبَادَة لَيْسَ مُشْتَركا بَين لَفْظِي الله والرحمن فَإِن الْأَسْمَاء من حَيْثُ هِيَ أَسمَاء لَا تعبد وَإِن عاند من عاند وَإِنَّمَا يعبد الْمُسَمّى وَهُوَ وَاحِد أحد فَرد صَمد لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد وَفِي هَذَا كِفَايَة لمن لَهُ دراية وَالله تَعَالَى ولي التَّوْفِيق وَالْهِدَايَة قَالَ فِي الْكَلِمَة الهارونية وَسبب ذَلِك عدم التثبت فِي النّظر فِيمَا كَانَ فِي يَدَيْهِ إِلَخ أَقُول هَذَا من جملَة إساءته الْأَدَب مَعَ الْأَنْبِيَاء صلوَات الله تَعَالَى عَلَيْهِم وَسَلَامه قَالَ وَكَانَ مُوسَى ﵇ أعلم بِالْأَمر من هَارُون ﵇ لِأَنَّهُ علم مَا عَبده أَصْحَاب الْعجل لعلمه أَن الله تَعَالَى

стр. 143

قضى أَن لَا يعبد إِلَّا إِيَّاه وَمَا حكم الله تَعَالَى بِشَيْء إِلَّا وَقع فَكَانَ عتب مُوسَى أَخَاهُ هَارُون لما وَقع الْأَمر فِي إِنْكَاره وَعدم اتساعه فَإِن الْعَارِف من يرى الْحق فِي كل شَيْء بل يرَاهُ عين كل شَيْء فَكَانَ مُوسَى ﵇ يُربي هَارُون ﵇ تربية علم وَإِن كَانَ أَصْغَر مِنْهُ فِي السن أَقُول لقد كذب على نَبِي الله تَعَالَى وألحد وعاند حَتَّى أَن شَارِحه القيصري أنكر عَلَيْهِ ذَلِك من وَجه حَيْثُ قَالَ وَاعْلَم أَن هَذَا الْكَلَام وَإِن كَانَ حَقًا من حَيْثُ الْولَايَة وَالْبَاطِن لَكِن لَا يَصح من حَيْثُ النُّبُوَّة وَالظَّاهِر فَإِن النَّبِي يجب عَلَيْهِ إِنْكَار الْعِبَادَة للأرباب الْجُزْئِيَّة كَمَا يجب عَلَيْهِ إرشاد الْأمة إِلَى الْحق الْمُطلق لذَلِك أنكر جَمِيع الْأَنْبِيَاء عبَادَة الْأَصْنَام وَإِن كَانَت مظَاهر للهوية الإلهيه وإنكار هَارُون عبَادَة الْعجل من حَيْثُ كَونه نَبيا حق إِلَّا أَن يكون مَحْمُولا على أَن مُوسَى ﵇ علم بالكشف أَنه ذهل عَن شُهُود الْحق الظَّاهِر فِي صُورَة الْعجل فَأَرَادَ أَن ينبهه على ذَلِك وَهُوَ عين التربية والإرشاد مِنْهُ وإنكاره ﵇ على السامري وعجله على بَصِيرَة فَإِن إِنْكَار الْأَنْبِيَاء والأولياء لعبادة الْأَصْنَام الَّتِي هِيَ الْمظَاهر لَيْسَ كإنكار المحجوبين فَإِنَّهُم يرَوْنَ الْحق مَعَ كل شَيْء بِخِلَاف غَيرهم بل ذَلِك لتخليصهم عِنْد التقيد بِصُورَة خَاصَّة ومجلى معِين إِذْ فِيهِ إِنْكَار بَاقِي المجالي وَهُوَ عين الضلال انْتهى فَهَؤُلَاءِ كَمَا ترى هَذِه قاعدتهم الخبيثة الَّتِي بنوا عَلَيْهَا مَذْهَبهم الْخَبيث الْبَاطِل وَزَعَمُوا أَن الْولَايَة

стр. 144

تدْرك على غير مَا جَاءَت بِهِ النُّبُوَّة وَأَن النُّبُوَّة بِاعْتِبَار الظَّاهِر وَالْبَاطِن وَالَّذِي يحصل بِالْولَايَةِ يُخَالِفهُ وَهُوَ الْحَقِيقَة وَهَذَا كُله كذب وإلحاد وزندقة فَإِن الْحَقِيقَة مكملة للشريعة لَا مبطلة لَهَا وَلَكِن الْكَلَام مَعَهم لَا يُفِيد وَإِلَّا فَكَلَام الصُّوفِيَّة الْمُسلمين فِيهِ الْكِفَايَة لغير المعاند قَالَ الْقشيرِي ﵀ فِي الرسَالَة الشَّرِيعَة أَمر بِالْتِزَام الْعُبُودِيَّة والحقيقة مُشَاهدَة الربوبية وكل شَرِيعَة غير مؤيدة بِالْحَقِيقَةِ فَغير مَقْبُولَة وكل حَقِيقَة غير مُقَيّدَة بالشريعة فَغير محصولة فالشريعة جَاءَت بتكليف الْخلق والحقيقة إنباء عَن تصريف الْحق فالشريعة أَن تعبده والحقيقة أَن تشهده والشريعة قيام بِمَا أَمر والحقيقة شُهُود لما قضى وَقدر وأخفى وَأظْهر سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا عَليّ ﵀ قَوْله تَعَالَى ﴿إياك نعْبد﴾ حفظ للشريعة ﴿وَإِيَّاك نستعين﴾ إِقْرَار بِالْحَقِيقَةِ وَاعْلَم أَن الشَّرِيعَة

стр. 145

حَقِيقَة من حَيْثُ أَنَّهَا وَجَبت بأَمْره والحقيقة أَيْضا شَرِيعَة من حَيْثُ أَن المعارف بِهِ سُبْحَانَهُ أَيْضا وَجَبت بأَمْره انْتهى فَانْظُر إِلَى هَذَا الْكَلَام الَّذِي لَا غُبَار عَلَيْهِ وَلَا دُخان وَلَا تلبيس يخالطه وَلَا بهتان وَللَّه در الْقَائِل (وَيَا أَيهَا الصُّوفِي خف من فصوصه ... خَوَاتِم سوء غَيرهَا بالخناصر) (وَخذ نهج سهل والجنيد وَصَالح ... وَقوم مضوا مثل النُّجُوم الزواهر) (على الْحق كَانُوا لَيْسَ فيهم لوحدة ... وَلَا لحول الْحق ذكر لذاكر) (رجال رَأَوْا مَا الدَّار دَار إِقَامَة ... لقوم وَلَكِن بلغَة للْمُسَافِر)
следующие страницы →