← Акыда

Акыда · id 6558

نعمة الذريعة في نصرة الشريعة

إبراهيم الحلبي

Полный текст (196 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

كَانَت مشاعة فَإِن التصريف من أَحدهمَا يزِيل الإشاعة ﴿قل ادعوا الله أَو ادعوا الرَّحْمَن﴾ هَذَا روح الْمَسْأَلَة أَقُول قَالَ شَارِحه الجامي وَلما أبطل الشّركَة الَّتِي يشقى صَاحبهَا بوجهيه أَي التجزئة والإشاعة أَشَارَ إِلَى شركَة يسْعد صَاحبهَا باعتقادها وَالْقَوْل بهَا بقوله ﴿قل ادعوا الله أَو ادعوا الرَّحْمَن﴾ وَقَالَ شَارِحه القيصري عَنهُ أَنه ذكر فِي فتوحاته فِي فصل الْأَوْلِيَاء الْمُشرك بِاللَّه فَلَا تجزع من أجل الشَّرِيك الَّذِي يشقى صَاحبه فَإِن ذَلِك لَيْسَ بمشرك حَقِيقَة وَأَنت هُوَ الْمُشرك على الْحَقِيقَة لِأَنَّهُ من شَأْن الشّركَة اتِّحَاد الْعين الْمُشْتَرك فِيهَا فَيكون لكل وَاحِد الحكم فِيهِ على السوَاء وَإِلَّا فَلَيْسَ بِشريك مُطلق وَهُوَ الشَّرِيك الَّذِي اشْتبهَ الشقي من لم يتوارد مَعَ الله تَعَالَى على أَمر يَقع فِيهِ الِاشْتِرَاك فَلَيْسَ بمشرك على الْحَقِيقَة بِخِلَاف السعيد فَإِنَّهُ أشرك الِاسْم الرَّحْمَن بِالِاسْمِ الله وبالأسماء كلهَا فِي الدّلَالَة على الذَّات وَفِي الجامعية للأسماء وَالصِّفَات فَهُوَ أقوى فِي الشّرك من هَذَا فَإِن الأول شريك من دَعْوَى كَاذِبَة وَهَذَا أثبت شَرِيكا بِدَعْوَى صَادِقَة فغفر لهَذَا الْمُشرك لصدقه وَلم يغْفر لذَلِك الْمُشرك لكذبه فَهَذَا أولى باسم الْمُشرك من الآخر وَالله هُوَ الغفور الرَّحِيم انْتهى فَانْظُر إِلَى هَذِه المقالات والروغان عَن الْحق والإلحاد أما أَولا فبالميل بالألفاظ الشَّرْعِيَّة الْخَاصَّة إِلَى اللُّغَوِيَّة الْعَامَّة وَمَعْلُوم عِنْد كل غير معاند أَن الشّرك فِي الْآيَة لَيْسَ مُطلق الشّرك

стр. 142

بل هُوَ اعْتِقَاد الإشتراك بَين ذاتين فِي استحقاقهما الْعِبَادَة وَثَانِيا أَن الْأَمر الَّذِي وَقع فِيهِ الِاشْتِرَاك الْمنْهِي عَنهُ لَيْسَ هُوَ الْجُزْء الْمُسلم إِلَى كل شريك على مَا زعم بقوله لَيْسَ عين الآخر الَّذِي شَاركهُ إِذْ هُوَ للْآخر إِلَخ بل الَّذِي وَقع فِيهِ الِاشْتِرَاك هُوَ نفس اسْتِحْقَاق الْعِبَادَة الَّذِي اعتقده الْمُشرك وَهُوَ بَاقٍ على شيوعه وثالثا أَن الْمَعْنى الْمَذْكُور الَّذِي هُوَ اعْتِقَاد اسْتِحْقَاق الْعِبَادَة لَيْسَ مُشْتَركا بَين لَفْظِي الله والرحمن فَإِن الْأَسْمَاء من حَيْثُ هِيَ أَسمَاء لَا تعبد وَإِن عاند من عاند وَإِنَّمَا يعبد الْمُسَمّى وَهُوَ وَاحِد أحد فَرد صَمد لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد وَفِي هَذَا كِفَايَة لمن لَهُ دراية وَالله تَعَالَى ولي التَّوْفِيق وَالْهِدَايَة قَالَ فِي الْكَلِمَة الهارونية وَسبب ذَلِك عدم التثبت فِي النّظر فِيمَا كَانَ فِي يَدَيْهِ إِلَخ أَقُول هَذَا من جملَة إساءته الْأَدَب مَعَ الْأَنْبِيَاء صلوَات الله تَعَالَى عَلَيْهِم وَسَلَامه قَالَ وَكَانَ مُوسَى ﵇ أعلم بِالْأَمر من هَارُون ﵇ لِأَنَّهُ علم مَا عَبده أَصْحَاب الْعجل لعلمه أَن الله تَعَالَى

стр. 143

قضى أَن لَا يعبد إِلَّا إِيَّاه وَمَا حكم الله تَعَالَى بِشَيْء إِلَّا وَقع فَكَانَ عتب مُوسَى أَخَاهُ هَارُون لما وَقع الْأَمر فِي إِنْكَاره وَعدم اتساعه فَإِن الْعَارِف من يرى الْحق فِي كل شَيْء بل يرَاهُ عين كل شَيْء فَكَانَ مُوسَى ﵇ يُربي هَارُون ﵇ تربية علم وَإِن كَانَ أَصْغَر مِنْهُ فِي السن أَقُول لقد كذب على نَبِي الله تَعَالَى وألحد وعاند حَتَّى أَن شَارِحه القيصري أنكر عَلَيْهِ ذَلِك من وَجه حَيْثُ قَالَ وَاعْلَم أَن هَذَا الْكَلَام وَإِن كَانَ حَقًا من حَيْثُ الْولَايَة وَالْبَاطِن لَكِن لَا يَصح من حَيْثُ النُّبُوَّة وَالظَّاهِر فَإِن النَّبِي يجب عَلَيْهِ إِنْكَار الْعِبَادَة للأرباب الْجُزْئِيَّة كَمَا يجب عَلَيْهِ إرشاد الْأمة إِلَى الْحق الْمُطلق لذَلِك أنكر جَمِيع الْأَنْبِيَاء عبَادَة الْأَصْنَام وَإِن كَانَت مظَاهر للهوية الإلهيه وإنكار هَارُون عبَادَة الْعجل من حَيْثُ كَونه نَبيا حق إِلَّا أَن يكون مَحْمُولا على أَن مُوسَى ﵇ علم بالكشف أَنه ذهل عَن شُهُود الْحق الظَّاهِر فِي صُورَة الْعجل فَأَرَادَ أَن ينبهه على ذَلِك وَهُوَ عين التربية والإرشاد مِنْهُ وإنكاره ﵇ على السامري وعجله على بَصِيرَة فَإِن إِنْكَار الْأَنْبِيَاء والأولياء لعبادة الْأَصْنَام الَّتِي هِيَ الْمظَاهر لَيْسَ كإنكار المحجوبين فَإِنَّهُم يرَوْنَ الْحق مَعَ كل شَيْء بِخِلَاف غَيرهم بل ذَلِك لتخليصهم عِنْد التقيد بِصُورَة خَاصَّة ومجلى معِين إِذْ فِيهِ إِنْكَار بَاقِي المجالي وَهُوَ عين الضلال انْتهى فَهَؤُلَاءِ كَمَا ترى هَذِه قاعدتهم الخبيثة الَّتِي بنوا عَلَيْهَا مَذْهَبهم الْخَبيث الْبَاطِل وَزَعَمُوا أَن الْولَايَة

стр. 144

تدْرك على غير مَا جَاءَت بِهِ النُّبُوَّة وَأَن النُّبُوَّة بِاعْتِبَار الظَّاهِر وَالْبَاطِن وَالَّذِي يحصل بِالْولَايَةِ يُخَالِفهُ وَهُوَ الْحَقِيقَة وَهَذَا كُله كذب وإلحاد وزندقة فَإِن الْحَقِيقَة مكملة للشريعة لَا مبطلة لَهَا وَلَكِن الْكَلَام مَعَهم لَا يُفِيد وَإِلَّا فَكَلَام الصُّوفِيَّة الْمُسلمين فِيهِ الْكِفَايَة لغير المعاند قَالَ الْقشيرِي ﵀ فِي الرسَالَة الشَّرِيعَة أَمر بِالْتِزَام الْعُبُودِيَّة والحقيقة مُشَاهدَة الربوبية وكل شَرِيعَة غير مؤيدة بِالْحَقِيقَةِ فَغير مَقْبُولَة وكل حَقِيقَة غير مُقَيّدَة بالشريعة فَغير محصولة فالشريعة جَاءَت بتكليف الْخلق والحقيقة إنباء عَن تصريف الْحق فالشريعة أَن تعبده والحقيقة أَن تشهده والشريعة قيام بِمَا أَمر والحقيقة شُهُود لما قضى وَقدر وأخفى وَأظْهر سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا عَليّ ﵀ قَوْله تَعَالَى ﴿إياك نعْبد﴾ حفظ للشريعة ﴿وَإِيَّاك نستعين﴾ إِقْرَار بِالْحَقِيقَةِ وَاعْلَم أَن الشَّرِيعَة

стр. 145

حَقِيقَة من حَيْثُ أَنَّهَا وَجَبت بأَمْره والحقيقة أَيْضا شَرِيعَة من حَيْثُ أَن المعارف بِهِ سُبْحَانَهُ أَيْضا وَجَبت بأَمْره انْتهى فَانْظُر إِلَى هَذَا الْكَلَام الَّذِي لَا غُبَار عَلَيْهِ وَلَا دُخان وَلَا تلبيس يخالطه وَلَا بهتان وَللَّه در الْقَائِل (وَيَا أَيهَا الصُّوفِي خف من فصوصه ... خَوَاتِم سوء غَيرهَا بالخناصر) (وَخذ نهج سهل والجنيد وَصَالح ... وَقوم مضوا مثل النُّجُوم الزواهر) (على الْحق كَانُوا لَيْسَ فيهم لوحدة ... وَلَا لحول الْحق ذكر لذاكر) (رجال رَأَوْا مَا الدَّار دَار إِقَامَة ... لقوم وَلَكِن بلغَة للْمُسَافِر)

стр. 146

(أُولَئِكَ أهل الله فَالْزَمْ طريقهم ... وعد عَن دواعي الابتداع الكوافر) (فلاسفة باسم التصوف أظهرُوا ... عقائد كفر بالمهيمن ظَاهر) (وَقَالُوا اطمئنوا أَيهَا النَّاس وآمنوا ... قدر وَعِيد لَيْسَ بِأَمْر) وَالله يهدي من يَشَاء قَالَ وَلذَا لما قَالَ هَارُون مَا قَالَ رَجَعَ إِلَى السامري فَقَالَ لَهُ ﴿فَمَا خَطبك يَا سامري﴾ يَعْنِي فِيمَا صنعت من عدولك إِلَى صُورَة الْعجل على الِاخْتِصَاص وصنعك هَذَا الشبح من حلي الْقَوْم حَتَّى أخذت بقلوبهم من أجل أَمْوَالهم فَإِن عِيسَى ﵇ يَقُول لبني إِسْرَائِيل يَا بني إِسْرَائِيل قلب كل إِنْسَان حَيْثُ مَاله فاجعلوا أَمْوَالكُم فِي السَّمَاء تكن قُلُوبكُمْ فِي السَّمَاء أَقُول الْأَمْوَال لم تكن لَهُم وَإِنَّمَا كَانَت للقبط كَانُوا قد استعاروها مِنْهُم وَلم يملكوها لِأَن الْغَنَائِم لم تحل لغير هَذِه الْأمة

стр. 147

قَالَ وَقَالَ لَهُ ﴿وَانْظُر إِلَى إلهك﴾ فَسَماهُ إِلَهًا بطرِيق التَّنْبِيه للتعليم لما علم أَنه بعض المجالي الإلهية أَقُول كذب عَدو الله وَإِنَّمَا سَمَّاهُ إِلَهًا نظرا إِلَى اعْتِقَاده وَلِهَذَا أَضَافَهُ إِلَيْهِ وتهكما بِهِ حَيْثُ يتَّخذ إِلَهًا يحرق ثمَّ ذكر أَمر التسخير إِلَى أَن عَاد إِلَى قَاعِدَته الخبيثة الْمَكْرُوهَة فَقَالَ وَلذَلِك تسمى الْحق لنا برفيع الدَّرَجَات وَلم يقل رفيع الدرجَة فَكثر الدَّرَجَات فِي عين وَاحِدَة فَإِنَّهُ قضى أَن لَا يعبد إِلَّا إِيَّاه فِي دَرَجَات كَثِيرَة مُخْتَلفَة أَعْطَتْ كل دَرَجَة مجلى إلهيا عبد فِيهَا وَأعظم مجلى عبد فِيهِ وَأَعلاهُ الْهوى كَمَا قَالَ ﴿أَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ فَهُوَ أعظم معبود فَإِنَّهُ لَا يعبد شَيْء إِلَّا بِهِ وَلَا يعبد هُوَ إِلَّا بِذَاتِهِ إِلَى آخر مَا ذكر أَقُول هَذَا هُوَ الضلال الْبعيد الْمُخَالف للحق السديد وَهُوَ أَن الْعِبَادَة على عدم مُخَالفَة هوى النَّفس الْمَذْكُور فِي الْآيَة فَإِنَّهُ مَا ذكر على سَبِيل الْمَدْح بل على سَبِيل الذَّم البليغ وَلَكِن دأب ذَلِك

стр. 148

الضال قلب الْمَوْضُوع بمدح المذموم وذم الممدوح فَالله تَعَالَى يُقَابله على مَا انتحل وَقَوله حَتَّى إِن عبَادَة الله تَعَالَى كَانَت هوى أَيْضا إِلَخ تلبيس ومغلطة فَإِن كَون عبَادَة الله تَعَالَى عَن الْهوى لَيْسَ المُرَاد هوى الْمَذْكُور فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة بل المُرَاد بِهِ الْهوى الَّذِي هُوَ بِمَعْنى الْمحبَّة ثمَّ كل مَا بناه على قَاعِدَته الْفَاسِدَة فَلَا شكّ فِي فَسَاده لمن وَفقه الله تَعَالَى ثمَّ تَمَادى على ذَلِك إِلَى أَن قَالَ وَأما العارفون بِالْأَمر على مَا هُوَ عَلَيْهِ فيظهرون بِصُورَة الْإِنْكَار لما عبد من الصُّور لِأَن مرتبتهم فِي الْعلم تعطيهم أَن يَكُونُوا بِحكم الْوَقْت حكم الرَّسُول الَّذِي آمنُوا بِهِ عَلَيْهِم الَّذِي بِهِ سموا مُؤمنين فهم عباد الْوَقْت مَعَ علمهمْ بِأَنَّهُم مَا عبدُوا من تِلْكَ الصُّور أعيانها وَإِنَّمَا عبدُوا الله فِيهَا لحكم سُلْطَان التجلي الَّذِي عرفوه مِنْهُم وجهله الْمُنكر الَّذِي لَا علم لَهُ بِمَا تجلى ويستره الْعَارِف المكمل من نَبِي وَرَسُول ووارث عَنْهُم فَأَمرهمْ بالانتزاح عَن تِلْكَ

стр. 149

الصُّور لما انتزح عَنْهَا رَسُول الْوَقْت اتبَاعا للرسول طَمَعا فِي محبَّة الله تَعَالَى إيَّاهُم بقوله ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ أَقُول فَيُقَال لَهُ فلأي شَيْء لم تسترهم مَعَ زعمك أَنَّك وَارِث وعارف ولأي شَيْء مَا اتبعت الرَّسُول فِي ستره وَلم تطمع فِي محبَّة الله تَعَالَى باتباعه كَمَا طمع العارفون على زعمك وليت شعري مَا الْفَائِدَة فِي ذكره وإفشائه إِلَّا الِاعْتِقَاد والانسلاخ من الشَّرَائِع فَإِن كَانَت معارف وحقائق كَمَا تزْعم فَهِيَ لَا تنَال بالتعليم والتعلم وَإِنَّمَا تنَال بالذوق والكشف كَمَا تدعيه فَمن ذاقها كَفاهُ ذوقها وَلَا حَاجَة إِلَى تعليمك وَإِن كَانَ إفشاؤها وَذكرهَا وإثباتها بالأدلة الَّتِي تشينها بهَا لأجل أَن لَا يُنكر على من يعْمل بمقتضاها فَفِي ذَلِك كَمَا عرفت بِهِ مُخَالفَة الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وحرمان محبَّة الله تَعَالَى بِعَدَمِ اتباعهم فقد أتيت بِمَا يرد بِهِ عَلَيْك كَمَا هُوَ شَأْن المتحير ﴿فَإِن الله لَا يهدي من يضل وَمَا لَهُم من ناصرين﴾ وَلَا ينفعك إِسْنَاد ذَلِك إِلَى أَمر الرَّسُول ﷺ فِي الْوَاقِعَة فَإِنَّهَا لَا تعَارض مَا صَحَّ وتواتر عَنهُ وَعَن جَمِيع

стр. 150

الْأَنْبِيَاء وَالرسل والعارفين الطامعين فِي محبَّة الله تَعَالَى على أَنه لَو كَانَ كَمَا زعمت لَكَانَ ذَلِك الْإِنْكَار من الرُّسُل ومتابعيهم على سَبِيل الِاسْتِحْبَاب والأولوية وَلم يكن على أبلغ وُجُوه الْوُجُوب بِحَيْثُ أمروا بِالْقِتَالِ والتفاني وَتحمل الْأَذَى البليغ فِي الدعْوَة إِلَى ترك ذَلِك على مَا لَا يخفى عِنْد من لَهُ أدنى بَصِيرَة ﴿وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد﴾ قَالَ فِي الْكَلِمَة الموسوية حِكْمَة قتل الْأَبْنَاء ليعود إِلَيْهِ بالإمداد حَيَاة كل من قتل من أَجله لِأَنَّهُ قتل على أَنه مُوسَى أَقُول هَذَا هذيان لَا يضر وَلَا ينفع وأشده هذيانا قَوْله إِن الصَّغِير يفعل فِي الْكَبِير واستدلاله على ذَلِك بِمَا اسْتدلَّ سِيمَا قَوْله إِن الصَّغِير حَدِيث بربه لِأَنَّهُ حَدِيث التكوين وَالْكَبِير أبعد إِلَخ فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ إِذا كَانَت صُورَة الْكَبِير وَالصَّغِير والمطر عين الْحق كَمَا زعمت فَكيف يَتَأَتَّى أَو يتَصَوَّر الْقرب والبعد

стр. 151

فَإِن قلت بِالنّظرِ إِلَى الصُّور يُقَال لَك صُورَة الصَّغِير لَيْسَ لَهَا قرب إِلَّا بِالْعدمِ فَهَل سمي الْعَدَم رَبًّا على أَنَّك تزْعم أَن الْأَعْيَان دَائِما فِي التجدد فَلَا يُمكن أَن تكون صُورَة أقرب من صُورَة فِي التكوين أصلا وَإِنَّمَا هَذِه هذيانات ومغاليط تخيل بهَا على الحمقى الَّذين ألقوا إِلَيْك الْعَنَان قائلين صدق وَالْأَمر على من أمد الله بصيرته بالتنوير ثمَّ أستمر على ذَلِك الهذيان إِلَى قَالَ كَذَلِك تَدْبِير الْحق الْعَالم مَا دبره إِلَّا بِهِ أَو بصورته فَمَا دبره إِلَّا بِهِ كتوقف الْوَلَد على إِيجَاد الْوَالِد والمسببات على أَسبَابهَا والمشروطات على شُرُوطهَا والمعلولات على عللها والمدلولات على أدلتها والمحققات على حقائقها وكل ذَلِك من الْعَالم وَهُوَ تَدْبِير الْحق فِيهِ فَمَا دبره إِلَّا بِهِ وَأما قَوْلنَا أَو بصورته أَعنِي صُورَة الْعَالم فأعني بِهِ الْأَسْمَاء الْحسنى وَالصِّفَات العلى الَّتِي تسمى الْحق بهَا أَو اتّصف بهَا فَمَا وصل إِلَيْنَا من اسْم تسمى بِهِ إِلَّا وجدنَا معنى ذَلِك الِاسْم وروحه فِي الْعَالم فَمَا دبر الْعَالم أَيْضا إِلَّا بِصُورَة الْعَالم أَقُول انْظُر إِلَى هَذِه الجرأة فِي حصره تَدْبِير الْحق سُبْحَانَهُ الْعَالم على الْعَالم وَهُوَ يُؤَدِّي إِلَى افتقاره سُبْحَانَهُ إِلَى الْعَالم فِي إيجاده

стр. 152

وَإِلَى توقف الشَّيْء على نَفسه أَو إِلَى قدم الْعَالم وَعدم افتقاره إِلَى الصَّانِع وَذَلِكَ هُوَ الضلال الْمُبين بل الْأَسْبَاب ومسبباتها وَجَمِيع مَا ذكر بمحض قدرته سُبْحَانَهُ الذاتية لم يحْتَج فِي تَدْبِير ذرة من الْعَالم إِلَى شَيْء من المحدثات تَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا قَالَ كَذَلِك لَيْسَ شَيْء فِي هَذَا الْعَالم إِلَّا وَهُوَ مسخر لهَذَا الْإِنْسَان لما تعطيه حَقِيقَة صورته فَقَالَ تَعَالَى ﴿وسخر لكم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ﴾ فَكل مَا فِي الْعَالم تَحت تسخير الْإِنْسَان علم ذَلِك من علمه وَهُوَ الْإِنْسَان الْكَامِل وَجَهل ذَلِك من جَهله وَهُوَ الْإِنْسَان الْحَيَوَان أَقُول قَوْله تَحت تسخير الْإِنْسَان غير صَحِيح فَإِن الْإِنْسَان لَيْسَ فَاعل التسخير وَلَا مَفْعُوله يرد الأول قَوْله سخر لكم وَالثَّانِي ظَاهر ثمَّ ساح فِي الهذيان إِلَى أَن قَالَ فالهدى هُوَ أَن يَهْتَدِي الْإِنْسَان إِلَى الْحيرَة فَيعلم أَن الْأَمر حيرة والحيرة قلق وحركة وَالْحَرَكَة حَيَاة فَلَا سُكُون وَلَا موت وَوُجُود فَلَا عدم أَقُول انْظُر إِلَى هَذِه الخرافات والهذيانات الَّتِي لَا نفع لَهَا فِي دين وَلَا دنيا وَهُوَ يتمدح بهَا وَيَدعِي الْكَمَال وَقد أضاع طرفا من عمره فِي هَذَا الْبَحْث وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا حرصا على أَن يتبع على مذْهبه

стр. 153

الْبَاطِل وقاعدته الخبيثة بِمَا فتنه الله بِهِ من زخارف الْكَلَام الَّتِي هِيَ كالسراب تغر وَلَا طائل تحتهَا ثمَّ انساب فِي هذيانه إِلَى أَن رَجَعَ إِلَى قَاعِدَته بِحسن تخلص فَقَالَ فَكَانَت الزَّوْجِيَّة الَّتِي هِيَ الشفعية لَهَا يَعْنِي للْأَرْض بِمَا تولد مِنْهَا وَظهر عَنْهَا كَذَلِك وجود الْحق كَانَت الْكَثْرَة لَهُ وتعداد الْأَسْمَاء أَنه كَذَا وَكَذَا بِمَا ظهر عَنهُ من الْعَالم الَّذِي يطْلب بنشأته حقائق الْأَسْمَاء الإلهية فَثَبت بِهِ وبخالقه أحدية الْكَثْرَة وَقد كَانَ أحدي الْعين من حَيْثُ ذَاته كالجوهر الهيولاني أحدي الْعين من حَيْثُ ذَاته كثير بالصور الظَّاهِرَة فِيهِ الَّتِي هُوَ حَامِل لَهَا بِذَاتِهِ كَذَلِك الْحق بِمَا ظهر مِنْهُ من صور التجلي فَكَانَ مجلى صور الْعَالم مَعَ الأحدية المعقولة فَانْظُر مَا أحسن هَذَا التَّعْلِيم الإلهي الَّذِي خص الله تَعَالَى بِهِ من شَاءَ من عباده أَقُول انْظُر كَيفَ يتبجح بِهَذَا الْعلم الْخَبيث الْمُخَالف لجَمِيع الشَّرَائِع الَّتِي أَتَت بهَا الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَوَات وَالسَّلَام وأنزلت بهَا الْكتب (فَلَا قدس الرَّحْمَن شخصا يُحِبهُ ... على مَا يرى من قبح هذي المخابر)

стр. 154

قَالَ وَكَانَ قُرَّة عين لفرعون بِالْإِيمَان الَّذِي أعطَاهُ الله تَعَالَى عِنْد الْغَرق فَقَبضهُ طَاهِرا مطهرا لَيْسَ فِيهِ شَيْء من الْخبث لِأَنَّهُ قَبضه عِنْد إيمَانه قبل أَن يكْتَسب شَيْئا من الآثام وَالْإِسْلَام يجب مَا قبله إِلَى آخر مَا قَالَ أَقُول هَذَا من جملَة قَاعِدَته الَّتِي هِيَ خَالف تعرف فَإِن هَذَا القَوْل لم يقلهُ أحد قبله وقلده فِيهِ من ألْقى إِلَيْهِ القياد من الحمقى وَهُوَ مُخَالف للْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ شُبْهَة يتشبث بهَا إِلَّا هَاتَانِ الْآيَتَانِ وَلَا يتم التَّعَلُّق بِوَاحِدَة مِنْهُمَا أما هَذِه الْآيَة فَإِن الْكَاف لَيْسَ بمتعين لفرعون أَلْبَتَّة بل على الإحتمال وكفره وتمرده قَطْعِيّ الثُّبُوت يَقِينا فَلَا يحكم بزواله مَعَ الإحتمال لِأَن الْيَقِين لَا يَزُول بِالشَّكِّ وعَلى تَقْدِير عوده إِلَيْهِ فقد ورد عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (لما قَالَت ﴿قُرَّة عين لي وَلَك﴾ قَالَ لَهَا اللعين يكون لَك قُرَّة عين فَأَما أَنا فَلَا حَاجَة لي فِيهِ) قَالَ رَسُول الله ﷺ (وَالَّذِي يحلف بِهِ لَو أقرّ فِرْعَوْن أَن يكون قُرَّة عين لَهُ كَمَا أقرَّت لهداه الله تَعَالَى كَمَا هداها

стр. 155

وَلَكِن حرمه الله تَعَالَى ذَلِك) وَأما آيَة سُورَة يُونُس فَلَيْسَ فِيهَا أَنه آمن وَإِنَّمَا فِيهَا أَنه قَالَ آمَنت كَمَا قَالَ ﴿قَالَت الْأَعْرَاب آمنا﴾ ﴿وَإِذا لقوا الَّذين آمنُوا قَالُوا آمنا﴾ ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بأسنا قَالُوا آمنا﴾ وَلَو علم مِنْهُ صدق الْإِيمَان لَكَانَ مُقْتَضى بلاغة الْقُرْآن أَن يُقَال (حَتَّى إِذا أدْركهُ الْغَرق آمن) كَمَا

стр. 156

قَالَ فِي حق قوم يُونُس ﴿لما آمنُوا﴾ وَفِي حق أَصْحَاب الْكَهْف ﴿إِنَّهُم فتية آمنُوا برَبهمْ﴾ فَلم يسند سُبْحَانَهُ الْإِيمَان إِلَى القَوْل إِلَّا فِي حق من لم يعلم مِنْهُ التَّصْدِيق القلبي اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يقرنه بمؤكد يدل على التَّصْدِيق كَمَا فِي حق السَّحَرَة وَقَوله الْإِسْلَام يجب مَا قبله دَلِيل على مَا قُلْنَاهُ إِذْ لَو آمن إِيمَانًا صَحِيحا مَقْبُولًا لجب مَا قبله من مفاسده وَلم يُؤَاخذ بهَا ومؤاخذته بهَا ثَابِتَة بالدلائل القطعية قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَأَخذه الله نكال الْآخِرَة وَالْأولَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فكلا أَخذنَا بِذَنبِهِ﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَمِنْهُم من أغرقنا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بعاد إرم ذَات الْعِمَاد﴾ ﴿الَّتِي لم يخلق مثلهَا فِي الْبِلَاد﴾ ﴿وَثَمُود الَّذين جابوا الصخر بالواد﴾ ﴿وَفرْعَوْن ذِي الْأَوْتَاد﴾ ﴿الَّذين طغوا فِي الْبِلَاد﴾ ﴿فَأَكْثرُوا فِيهَا الْفساد﴾ ﴿فصب عَلَيْهِم رَبك سَوط عَذَاب﴾ إِن رَبك لبالمرصاد) وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أرسلناه إِلَى فِرْعَوْن بسُلْطَان مُبين﴾ ﴿فَتَوَلّى بركنه وَقَالَ سَاحر أَو مَجْنُون﴾ ﴿فأخذناه وَجُنُوده فنبذناهم فِي اليم وَهُوَ مليم﴾ فَلَو كَانَ إيمَانه إيمانالجب مَا قبله وَلم يُؤَاخذ

стр. 157

لقَوْله تَعَالَى ﴿قل للَّذين كفرُوا إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف﴾ بل كَأَنَّهُ قصد بجهله أَن يخدع ربه تَعَالَى كَمَا كَانَ يخدع مُوسَى بقوله ﴿لَئِن كشفت عَنَّا الرجز لنؤمنن لَك ولنرسلن مَعَك بني إِسْرَائِيل﴾ حَتَّى إِذا كشف عَنهُ نكث ثمَّ إِنَّه بعد مَا حرف قَوْله تَعَالَى ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾ وانساب فِي الهذيان قَالَ فِي هذيانه فأمه على الْحَقِيقَة من أَرْضَعَتْه لَا من وَلدته فَإِن أم الْولادَة حَملته على جِهَة الْأَمَانَة فَتكون فِيهَا وتغذى بِدَم طمثها من غير إِرَادَة لَهَا فِي ذَلِك حَتَّى لَا يكون لَهَا عَلَيْهِ امتنان فَإِنَّهُ مَا تغذى إِلَّا بِمَا لَو لم يتغذ بِهِ وَلم يخرج عَنْهَا ذَلِك الدَّم لأهلكها وأمرضها فللجنين الْمِنَّة على أمه بِكَوْنِهِ تغذى بذلك الدَّم فوقاها بِنَفسِهِ إِلَى آخر مَا قَالَ أَقُول انْظُر إِلَى هَذِه الخرافات الَّتِي ضيع الْعُمر فِيهَا وَانْظُر إِلَى قَوْله فللجنين الْمِنَّة إِلَخ مَا أكذبه وَإِذا لم يكن إِرَادَة فِي تِلْكَ التغذية فَمن يُوجد للجنين إِرَادَة حَتَّى يكون لَهُ منَّة أَو وقاية مِنْهُ بِنَفسِهِ أَو

стр. 158

بغَيْرهَا وَهل هَذَا إِلَّا غَفلَة عَن فعل الْقَادِر الْحَكِيم أَو مغلطة فليت شعري كَيفَ نسبت مثل هَذِه الترهات إِلَى النَّبِي ﷺ ثمَّ خلط غثا بسمين وجدد فِي أثْنَاء ذَلِك ذكر قَاعِدَته تارات وأساء الْأَدَب فِي بعض ذَلِك بِإِطْلَاق الْغَفْلَة على مُوسَى ﵊ إِلَى أَن قَالَ وَأما حِكْمَة سُؤال فِرْعَوْن عَن الْمَاهِيّة الإلهية فَلم يكن عَن جهل وَإِنَّمَا كَانَ عَن اختبار حَتَّى يرى جَوَابه مَعَ دَعْوَاهُ الرسَالَة عَن ربه وَقد علم فِرْعَوْن مرتبَة الْمُرْسلين فِي الْعلم فيستدل بجوابه على صدق دَعْوَاهُ أَقُول مُحَصل كَلَامه فِي هَذَا الْمحل أَن فِرْعَوْن كَانَ من طائفته وَأهل مذْهبه الكمل على زَعمه الْفَاسِد وَأَنه من المستبدين بالمعرفة غير المحتاجين إِلَى الْأَنْبِيَاء وَإِلَى تقليدهم كَمَا تقدم فِي الْكَلِمَة الشعيبية وَإِنَّمَا كالم مُوسَى ليختبر صدق دَعْوَاهُ وَمَعَ هَذَا يموه على قومه بِعَدَمِ صدقه فِي دَعْوَاهُ الرسَالَة وَعدم علمه بِمَا سَأَلَهُ عَنهُ إبْقَاء لمنصبه فَلهَذَا قَالَ وَسَأَلَ سُؤال إِيهَام لأجل الْحَاضِرين حَتَّى يعرفهُمْ من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ بِمَا شعر هُوَ فِي نَفسه فِي سُؤَاله فَإِذا أَجَابَهُ جَوَاب الْعلمَاء بِالْأَمر أظهر فِرْعَوْن إبْقَاء لمنصبه أَن مُوسَى مَا أَجَابَهُ على سُؤَاله فيتبين عِنْد الْحَاضِرين لقُصُور فهمهم أَن فِرْعَوْن

стр. 159

أعلم من مُوسَى ﵊ أَقُول قَوْله على سُؤَاله أَي على مُقْتَضى سُؤَاله قَالَ وَلِهَذَا لما قَالَ لَهُ فِي الْجَواب مَا يَنْبَغِي وَهُوَ فِي الظَّاهِر غير جَوَاب مَا سُئِلَ عَنهُ وَقد علم فِرْعَوْن أَنه لَا يجِيبه إِلَّا بذلك فَقَالَ لأَصْحَابه ﴿إِن رَسُولكُم الَّذِي أرسل إِلَيْكُم لمَجْنُون﴾ أَي مَسْتُور عَنهُ علم مَا سَأَلته عَنهُ إِذْ لَا يتَصَوَّر أَن يعلم أصلا فالسؤال صَحِيح فَإِن السُّؤَال عَن الْمَاهِيّة سُؤال عَن حَقِيقَة الْمَطْلُوب وَلَا بُد أَن يكون على حَقِيقَة فِي نَفسه وَأما الَّذين جعلُوا الْحُدُود مركبة من جنس وَفصل فَذَلِك فِي كل مَا يَقع فِيهِ الإشتراك وَمن لَا جنس لَهُ لَا يلْزم أَن لَا يكون على حَقِيقَة فِي نَفسه لَا تكون لغيره فالسؤال صَحِيح على مَذْهَب أهل الْحق وَالْعلم الصَّحِيح وَالْعقل السَّلِيم فَالْجَوَاب عَنهُ لَا يكون إِلَّا بِمَا أجَاب بِهِ مُوسَى ﵊ أَقُول لَهُ اهتمام عَظِيم بتوجيه أُمُور فِرْعَوْن وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا لمناسبة بَين الْأَرْوَاح فَإِنَّهَا جنود مجندة فَمَا تعارف مِنْهَا ائتلف وَمَا تناكر مِنْهَا اخْتلف (والمرء مَعَ من أحب)

стр. 160

فجد كل الْجد فِي تَصْحِيح سُؤَاله الَّذِي هُوَ مَحْض تعنت وعناد وتمويه وتخييل ومغلطة على مَا هُوَ دأب هَذِه الطَّائِفَة كَمَا ترى كَلَام هَذَا الملبس وَإِلَّا فَرب الْعَالمين أظهر من أَن يخفى فَيسْأَل عَنهُ بماهيته أَو غَيرهَا ثمَّ استطرد إِلَى الشُّرُوع فِي قَاعِدَته الخبيثة الَّتِي هِيَ جلّ مَقْعَده ومطمح نظره فَقَالَ وَهنا سر كَبِير فَإِنَّهُ أجَاب بِالْفِعْلِ لمن سَأَلَ عَن الْحَد الذاتي فَجعل الْحَد الذاتي عين إِضَافَته إِلَى مَا ظهر عَنهُ من صور الْعَالم أَو مَا ظهر فِيهِ من صور الْعَالم فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ فِي جَوَاب قَوْله وَمَا رب الْعَالمين قَالَ الَّذِي يظْهر فِيهِ صور الْعَالمين من علو وَهُوَ السَّمَاء وسفل وَهُوَ الأَرْض ﴿إِن كُنْتُم موقنين﴾ أَو يظْهر هُوَ بهَا أَقُول انْظُر إِلَى هَذَا التلبيس والإلحاد فِي آيَات الله تَعَالَى وَهل يفهم أحد لَهُ أدنى لب من إِضَافَة الرب إِلَى شَيْء ظُهُوره بِصُورَة ذَلِك الشَّيْء أَو ظُهُور الشَّيْء بصورته غَايَة مَا يُقَال إِنَّه ظهر وَعرف بإضافته إِلَى الشَّيْء وَعرف الشَّيْء بإضافته إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ سَائِر الاضافات فَإِنَّهَا من أَسبَاب التَّعْرِيف لَا أَن أَحدهمَا صَار عين الآخر ثمَّ قَالَ فَلَمَّا قَالَ فِرْعَوْن لأَصْحَابه إِنَّه لمَجْنُون كَمَا قُلْنَا

стр. 161

فِي معنى كَونه مَجْنُونا زَاد مُوسَى فِي الْبَيَان ليعلم فِرْعَوْن رتبته فِي الْعلم الإلهي لعلمه بِأَن فِرْعَوْن يعلم ذَلِك فَقَالَ ﴿رب الْمشرق وَالْمغْرب﴾ فجَاء بِمَا يظْهر وَيسْتر وَهُوَ الظَّاهِر وَالْبَاطِن وَمَا بَينهمَا وَهُوَ قَوْله ﴿وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم﴾ أَقُول فِي نُسْخَة بِمَا تظهر وتستر أَي الشَّمْس فَإِنَّهَا تظهر فِي الْمشرق وتستر فِي الْمغرب فكنى بهَا عَن كل مَا يظْهر ويستتر وَفِي بَعْضهَا بِمَا يظْهر وَيسْتر فَيمكن أَن يكون مَبْنِيا للْمَفْعُول وَيُرَاد الشَّمْس أَو مَبْنِيا للْفَاعِل وَيُرَاد نفس مَوضِع الشروق وَمَوْضِع الْغُرُوب وعَلى كل تَقْدِير قَوْله وَهُوَ الظَّاهِر وَالْبَاطِن بِنَاء على قَاعِدَته الخبيثة المقررة المتكررة ثمَّ قَالَ ﴿إِن كُنْتُم تعقلون﴾ أَي إِن كُنْتُم أَصْحَاب تَقْيِيد فَإِن الْعقل تَقْيِيد فَالْجَوَاب الأول جَوَاب الموقنين وهم أهل الْكَشْف والوجود فَقَالَ لَهُ إِن كُنْتُم أهل كشف وَوُجُود فقد أعلمتكم بِمَا تيقنتموه فِي شهودكم ووجودكم فَإِن لم تَكُونُوا من هَذَا الصِّنْف فقد أجبتكم فِي الْجَواب الثَّانِي إِن كُنْتُم أهل عقل وَتَقْيِيد وَحصر ثمَّ الْحق فِيمَا تعطيه أَدِلَّة عقولكم أَقُول على تَقْدِير تَسْلِيم قَاعِدَته لم أدر مَا وَجه تَخْصِيص الأول

стр. 162

بِالْأولِ وَالثَّانِي وَبِالثَّانِي مَعَ أَن الْأَمر يَقْتَضِي الْعَكْس على مُقْتَضى تَفْسِيره فَإِن الأول مُقَيّد بالصور مَحْصُور فِيهَا وَالثَّانِي يَشْمَل الصُّور والمعاني وَلَا يخرج مِنْهُ شَيْء وَلَيْسَ فِي حصر بأدلة الْعُقُول على مَا فسره بِهِ فَانْظُر إِلَى سقطاته فِي مَوَاطِن جريه مَا أَشدّهَا مَعَ ادعائه الْكَمَال والكشف قَالَ فَظهر مُوسَى ﵇ بِالْوَجْهَيْنِ ليعلم فِرْعَوْن فَضله وَصدقه وَعلم مُوسَى ﵇ أَن فِرْعَوْن علم ذَلِك أَو يعلم ذَلِك لكَونه سَأَلَ عَن الْمَاهِيّة فَعلم أَنه لَيْسَ سُؤَاله على اصْطِلَاح القدماء فِي السُّؤَال بِمَا لكَوْنهم لَا يجيزون السُّؤَال عَن مَاهِيَّة مَا لَا حد لَهُ بِجِنْس وَفصل فَلَمَّا علم مُوسَى ذَلِك أجَاب فَلَو علم مِنْهُ غير ذَلِك لخطأه فِي السُّؤَال أَقُول كَيفَ يخطئه مَعَ علمه بعناده وتعنته وتمرده وتجبره وَهل كَانَ يُفِيد قَوْله لَهُ إِن سؤالك خطأ إِنَّه سُبْحَانَهُ لَيْسَ بِذِي مَاهِيَّة فَيسْأَل عَنْهَا فلأجل ذَلِك جاراه فِي ميدان السُّؤَال وَالْجَوَاب وَأَشَارَ بتخطئته إِشَارَة وَاضِحَة لِئَلَّا تشمئز نَفسه الخبيثة من التَّصْرِيح بالتخطئة على مَا عَلَيْهِ أَمْثَاله من أهل التجبر والعناد

стр. 163

قَالَ فَلَمَّا جعل مُوسَى ﵇ المسؤول عَنهُ عين الْعَالم خاطبه فِرْعَوْن بِهَذَا اللِّسَان الكشفي وَالْقَوْم لَا يَشْعُرُونَ فَقَالَ لَهُ ﴿لَئِن اتَّخذت إِلَهًا غَيْرِي لأجعلنك من المسجونين﴾ وَالسِّين فِي السجْن من حُرُوف الزَّوَائِد أَي لأسترنك فَإنَّك أجبْت بِمَا أيدتني بِهِ أَن أَقُول لَك مثل هَذَا القَوْل أَقُول انْظُر إِلَى هَذَا الْحمق أَو المغلطة وَهل يسوغ ذُو لب أَن حُرُوف الزِّيَادَة إِذا وَقعت فِي مَوضِع الْحُرُوف الْأَصْلِيَّة من الْفَاء أَو الْعين أَو اللَّام يحكم بزيادتها على أَنه تختل الْكَلِمَة بذلك وَتخرج عَن الأوزان الْعَرَبيَّة بِبَقَاء الْكَلِمَة على حرفين وَإِن ادّعى زِيَادَة نون أُخْرَى ليصير من المضاعف على مَا يفِيدهُ قَوْله لأسترنك فَهُوَ خبط عشواء وركوب عمياء وَأخذ على غير جادة كَمَا لَا يخفى على من لَهُ أدنى مسكة وَلَا يفِيدهُ الْكَشْف فِي مثل ذَلِك فَإِنَّهُ مَكْشُوف قَالَ فَإِن قلت لي فقد جهلت يَا فِرْعَوْن بوعيدك إيَّايَ وَالْعين وَاحِدَة فَكيف فرقت فَيَقُول فِرْعَوْن إِنَّمَا فرقت الْمَرَاتِب الْعين مَا تَفَرَّقت الْعين وَلَا انقسمت فِي ذَاتهَا ومرتبتي الْآن التحكم فِيك يَا مُوسَى بِالْفِعْلِ وَأَنا أَنْت بِالْعينِ وَغَيْرك بالرتبة

стр. 164

فَلَمَّا فهم ذَلِك مُوسَى مِنْهُ أعطَاهُ حَقه فِي كَونه يَقُول لَهُ لَا تقدر على ذَلِك والرتبة تشهد لَهُ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَإِظْهَار الْأَثر فِيهِ لِأَن الْحق فِي رُتْبَة فِرْعَوْن من الصُّورَة الظَّاهِرَة لَهَا التحكم على الرُّتْبَة الَّتِي كَانَ فِيهَا ظُهُور مُوسَى ﵇ فِي ذَلِك الْمجْلس أَقُول انْظُر مَا أبعده عَن الْحَقِيقَة مَعَ ادعائه إِيَّاهَا حَيْثُ يَقُول إِن الْحق فِي رُتْبَة فِرْعَوْن فِي ذَلِك الْمجْلس وَالله قد قَالَ لَهما ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى﴾ وَيَقُول ﴿إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون﴾ إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يدل على عكس مَا عَلَيْهِ هَذَا الضال ثمَّ قَالَ فَقَالَ لَهُ يظْهر لَهُ الْمَانِع من تعديه عَلَيْهِ ﴿أولو جئْتُك بِشَيْء مُبين﴾ فَلم يسع فِرْعَوْن إِلَّا أَن يَقُول لَهُ ﴿فأت بِهِ إِن كنت من الصَّادِقين﴾ حَتَّى لَا يظْهر فِرْعَوْن عِنْد ضعفاء الرَّأْي من قومه بِعَدَمِ الْإِنْصَاف فَكَانُوا يرتابون فِيهِ وَهِي الطَّائِفَة الَّتِي استخفها فِرْعَوْن فأطاعوه إِنَّهُم كَانُوا قوما فاسقين أَي خَارِجين عَمَّا تعطيه الْعُقُول الصَّحِيحَة من إِنْكَار مَا ادَّعَاهُ فِرْعَوْن بِاللِّسَانِ الظَّاهِر فِي الْعقل فَإِن لَهُ حدا يقف عِنْده إِذا جاوزه صَاحب الْكَشْف وَالْيَقِين أَقُول كَأَنَّهُ يزْعم أَن من قومه طَائِفَة غير ضَعِيفَة الرَّأْي لَا يرتابون

стр. 165

فِيهِ وَلَو لم يقل ذَلِك القَوْل بل أوقع بِهِ مَا هدده بِهِ وهم أَصْحَاب الْكَشْف المطلعون على رُتْبَة فِرْعَوْن على زعم هَذَا الْخَبيث ثمَّ قَالَ وَلِهَذَا جَاءَ مُوسَى ﵊ بِالْجَوَابِ بِمَا يقبله الموقن والعاقل خَاصَّة أَقُول أَي لأجل أَن قومه فيهم صَاحب الْكَشْف وَصَاحب الْعقل أَتَى مُوسَى ﵇ بِالْجَوَابِ الأول المقرون بالموقنين وَالْجَوَاب الثَّانِي المقرون بالتعقل فَالْأول يُفِيد الموقن وَالثَّانِي يقبله الْعَاقِل خَاصَّة على مَا مر قَالَ ﴿فَألْقى عَصَاهُ﴾ وَهِي صُورَة مَا عصى بِهِ فِرْعَوْن مُوسَى ﵇ فِي إبائه عَن إِجَابَة دَعوته ﴿فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين﴾ أَي حَيَّة ظَاهِرَة فَانْقَلَبت الْمعْصِيَة الَّتِي هِيَ السَّيئَة طَاعَة أَي حَسَنَة كَمَا قَالَ ﴿يُبدل الله سيئاتهم حَسَنَات﴾ يعْنى فِي الحكم فَظهر الحكم هُنَا عينا مُمَيزَة فِي جَوْهَر وَاحِد فَهِيَ الْعَصَا وَهِي الْحَيَّة والثعبان الظَّاهِر أَقُول انْظُر إِلَى هَذَا الْإِلْحَاد فِي آيَات الله تَعَالَى وَهَذَا التحريف الَّذِي لَا يُوَافق عقلا وَلَا نقلا بل خرافات مثل كَلَام المجانين وَأَيْنَ كَانَ فِرْعَوْن ومعصيته حِين سميت الْعَصَا عَصا على أَن الْعَصَا من الواوي وَالْمَعْصِيَة من اليائي ثمَّ أَي مَعْصِيّة انقلبت طَاعَة فَإِن

стр. 166

مَعْصِيّة فِرْعَوْن لم تنْقَلب ذَلِك الْوَقْت وَلم يطع بل هُوَ إِذْ ذَاك على تَمام تمرده وعناده وَإِن فرض أَنه أطَاع عِنْد إِدْرَاك الْغَرق على زَعمه الْفَاسِد ثمَّ مَا معنى انقلابها عِنْد قَوْله تَعَالَى ﴿وألق عصاك﴾ ﴿قَالَ هِيَ عصاي﴾ ﴿قَالَ ألقها﴾ الآيه وَعند قَوْله ﴿بعصاك الْحجر﴾ ﴿اضْرِب بعصاك الْبَحْر﴾ فَانْظُر إِلَى هَذِه الخرافات الَّتِي يسندها إِلَى رَسُول الله ﷺ وَانْظُر إِلَى الَّذين يرَوْنَ مِنْهُ مثل هَذَا وَمَعَ ذَلِك يتعامون ويتغابون ويحامون ويذبون عَنهُ ﴿وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد﴾ وَانْظُر إِلَى قَوْله حَيْثُ قَالَ فالتقم أَمْثَاله من الْحَيَّات من كَونهَا حَيَّة والعصي من كَونهَا عَصا فظهرت حجَّة مُوسَى ﵊ على حجج فِرْعَوْن فِي صُورَة عصي وحيات وحبال أَقُول حِين المحاورة الْمَذْكُورَة وَهِي قَوْله ﴿قَالَ أولو جئْتُك بِشَيْء مُبين﴾

стр. 167

إِلَخ لم تكن حيات وَلَا حبال وَلَا سحرة وَلم يكن إِذْ ذَاك لفرعون حجج وَلَا مُحَاجَّة إِنَّمَا طلب من مُوسَى ﵇ الْإِتْيَان بِمَا ادَّعَاهُ من الشَّيْء الْمُبين فَألْقى الْعَصَا فَانْقَلَبت حَيَّة عَظِيمَة مَا بَين لحييها ثَمَانُون ذِرَاعا فَوضعت إِحْدَى لحييها بِالْأَرْضِ وَالْآخر على سور الْقصر فهرب فِرْعَوْن فأحدث وَلم يكن أحدث قبل ذَلِك على مَا قيل وَقَضيته مَعَ السَّحَرَة بعد ذَلِك بِزَمَان قَالَ كَانَت للسحرة الحبال وَلم يكن لمُوسَى ﵇ حَبل وَالْحَبل التل الصَّغِير أَي مقاديرهم بِالنِّسْبَةِ إِلَى قدر مُوسَى بِمَنْزِلَة الحبال من الْجبَال الشامخة أَقُول هَذَا أَيْضا من الترهات والمغاليط فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿فَألْقوا حبالهم وعصيهم﴾ فَهَل كَانُوا حملُوا مَعَهم تلالا أَو لَهُم قدرَة على ذَلِك أم كَانَت التلال ذواتهم فألقوها مَعَ الْعَصَا فَانْظُر إِلَى هَذِه الحماقات والأباطيل والإلحاد فِي آيَات الله تَعَالَى على أَنه لَا يُطَابق مَا ذكر بعده حَيْثُ قَالَ فَلَمَّا رَأَتْ السَّحَرَة ذَلِك علمُوا رُتْبَة

стр. 168

مُوسَى ﵇ فِي الْعلم وَأَن الَّذِي رَأَوْهُ لَيْسَ من مَقْدُور الْبشر وَإِن كَانَ من مَقْدُور الْبشر فَلَا يكون إِلَّا مِمَّن لَهُ تميز فِي الْعلم الْمُحَقق عَن التخيل وَالْإِيهَام فآمنوا بِرَبّ الْعَالمين رب مُوسَى وَهَارُون أَي الرب الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ مُوسَى وَهَارُون لعلمهم بِأَن الْقَوْم يعلمُونَ أَنه مَا دَعَا لفرعون أَقُول أَي أَن الْقَوْم يعلمُونَ أَن مُوسَى وَهَارُون لم يدعوا إِلَى فِرْعَوْن إِنَّمَا دعوا إِلَى رب آخر قَالَ وَلما كَانَ فِرْعَوْن فِي منصب التحكم صَاحب الْوَقْت وَأَنه الْخَلِيفَة بِالسَّيْفِ وَإِن جَار فِي الْعرف الناموسي لذَلِك قَالَ ﴿أَنا ربكُم الْأَعْلَى﴾ أَي وَإِن كَانَ الْكل أَرْبَابًا بِنِسْبَة مَا وَإِضَافَة لمن يربه فَأَنا الْأَعْلَى مِنْهُم بِمَا أَعْطيته من التحكم فِيكُم أَقُول مُرَاده تَوْجِيه قَول فِرْعَوْن محاماة لَهُ لما لَهُ من النِّسْبَة إِلَيْهِ على مَا تقدم وَإِلَّا فمراد الْخَبيث إِنْكَار ربوبية غَيره حِين قَالَ

стр. 169

لَهُ مُوسَى ﵇ ﴿وأهديك إِلَى رَبك فتخشى﴾ وَلَو كَانَ مُرَاده مَا قَالَه هَذَا الملحد لما أَخذه الله تَعَالَى بِسَبَب هَذِه الْكَلِمَة حَيْثُ قَالَ تَعَالَى ﴿فَأَخذه الله نكال الْآخِرَة وَالْأولَى﴾ ثمَّ قَالَ وَلما علمت السَّحَرَة صدقه فِيمَا قَالَه لم ينكروه وأقروا لَهُ بذلك فَقَالُوا ﴿إِنَّمَا تقضي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ ﴿فَاقْض مَا أَنْت قَاض﴾ فالدولة لَك فصح قَوْله ﴿أَنا ربكُم الْأَعْلَى﴾ أَقُول كذب وَالله على السَّحَرَة وَكذب فِي قَوْله فصح قَوْله أَنا ربكُم الْأَعْلَى وَإِنَّمَا استسلموا وَقَالُوا ﴿فَاقْض مَا أَنْت قَاض﴾ لعجزهم عَن دَفعه لقِيَامه فِي مقَام الظُّلم والتجبر والعدوان والطغيان كَمَا أخبر الله سُبْحَانَهُ عَنهُ بقوله ﴿الَّذين طغوا فِي الْبِلَاد﴾ (فَأَكْثرُوا فِيهَا الْفساد) بل استحقروا فعله واستهانوا بِهِ لما فتح الله تَعَالَى عَلَيْهِم من خَزَائِن الْإِيمَان والمعرفة وثبتهم وَأجَاب دعاءهم فِي قَوْلهم ﴿رَبنَا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مُسلمين﴾ عكس مَا يفهم من حالك فِي محاماتك لَهُ فَإِن الظَّاهِر مِنْهَا أَنَّك لَو كنت هُنَاكَ لحسنت فعله وأعنته عَلَيْهِم وقبحت فعلهم ووبختهم عَلَيْهِ وَكنت بِمَنْزِلَة

стр. 170

هامان وَالله تَعَالَى رب النيات ثمَّ قَالَ وَإِن كَانَ عين الْحق فالصورة لفرعون أَقُول قَالَ شَارِحه القيصري إِن هَذَا جَوَاب عَن سُؤال مُقَدّر تَقْدِيره إِنَّك جعلت الْحق عين الْأَعْيَان فِي الْكتاب كُله فَيصح إِطْلَاق الربوبية الْمُطلقَة عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عينه فَأجَاب بِأَنَّهُ وَإِن كَانَ عينه عين الْحق من حَيْثُ الأحدية لَكِن الصُّورَة الفرعونية تعينه وتجعله متميزا عَنهُ بِاعْتِبَار فَلَا يَصح ذَلِك الْإِطْلَاق انْتهى هَذَا مَعَ أَنه صرح أَن الصُّورَة للحق وَأَن الْخلق مَعْقُول وَالْحق هُوَ المحسوس قَالَ فَقطع الْأَيْدِي والأرجل وصلب بِعَين حق فِي صُورَة بَاطِل لنيل مَرَاتِب لَا تنَال إِلَّا بذلك أَقُول هَذَا أَيْضا مُنَاقض لقَوْله إِن الصُّورَة للحق وَإِن الْخلق بَاطِل قَالَ فَإِن الْأَسْبَاب لَا سَبِيل إِلَى تعطيلها لِأَن الْأَعْيَان الثَّابِتَة اقتضتها فَلَا تظهر فِي الْوُجُود إِلَّا بِصُورَة مَا هِيَ عَلَيْهِ فِي الثُّبُوت إِذْ لَا تَبْدِيل لكلمات الله تَعَالَى وَلَيْسَت كَلِمَات الله تَعَالَى سوى أَعْيَان الموجودات فينسب إِلَيْهَا الْقدَم من حَيْثُ ثُبُوتهَا وينسب إِلَيْهَا الْحُدُوث من حَيْثُ وجودهَا وظهورها كَمَا تَقول حدث الْيَوْم عندنَا إِنْسَان أَو ضيف وَلَا يلْزم من حُدُوثه أَنه مَا كَانَ لَهُ وجود قبل هَذَا الْحُدُوث

стр. 171

أَقُول كَأَنَّهُ ذهل عَن مَا قَرَّرَهُ من أَن الْأَعْيَان دَائِما فِي التجدد على أَن الحركات لَا شكّ وَلَا نزاع فِي تجددها فباعتبارها يُقَال حدث إِنْسَان أَو ضيف وَنَحْو ذَلِك وَمن ذَلِك مَا قَالَ لذَلِك قَالَ الله تَعَالَى فِي كَلَامه الْعَزِيز أَي فِي إِتْيَانه مَعَ قدم كَلَامه ﴿مَا يَأْتِيهم من ذكر من رَبهم مُحدث إِلَّا استمعوه وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿وَمَا يَأْتِيهم من ذكر من الرَّحْمَن مُحدث إِلَّا كَانُوا عَنهُ معرضين﴾ وَالرَّحْمَة لَا تَأتي إِلَّا بِالرَّحْمَةِ وَمن أعرض عَن الرَّحْمَة اسْتقْبل الْعَذَاب الَّذِي هُوَ عدم الرَّحْمَة أَقُول كَأَنَّهُ قصد بِهَذَا التَّخَلُّص إِلَى كَون فِرْعَوْن لم يعرض عَن الرَّحْمَة فِي آخر أمره فشرع فِي تمهيد ذَلِك حَيْثُ قَالَ وَأما قَوْله تَعَالَى (فَلم يَك يَنْفَعهُمْ إيمنهم لما رَأَوْا بأسنا سنت الله الَّتِى قد خلت فِي عباده) إِلَّا قوم يُونُس فَلم يدل ذَلِك على أَنه لم يَنْفَعهُمْ فِي الْآخِرَة بقوله فِي الِاسْتِثْنَاء إِلَّا قوم يُونُس أَقُول لاشك أَن النَّفْي يسْتَغْرق الزَّمَان الَّذِي يَقع فِيهِ فنفي

стр. 172

الْفِعْل فِي الزَّمن الْمَاضِي لابد أَن يسْتَغْرق الزَّمن وَإِلَّا يكون كذبا وَنفي الْفِعْل فِي الزَّمن الْمُسْتَقْبل لابد أَن يستغرقه إِلَّا لقَرِينَة فيهمَا وَلَا قرينَة هُنَا تدل على التَّخْصِيص وَقَوله بقوله فِي الِاسْتِثْنَاء إِلَّا قوم يُونُس ﵊ كذب فَإِن اسْتثِْنَاء قوم يُونُس لم يَقع فِي هَذِه الْآيَة وَلَا فِي مَا هُوَ بمعناها أَي فَهَلا كَانَت قَرْيَة وَاحِدَة من الْقرى الَّتِي أهلكناها ثَابت عَن الْكفْر وأخلصت الْإِيمَان قبل المعاينة وَلم يؤخروا كَمَا أخر فِرْعَوْن إِلَى أَن أَخذ بمخنقه وَمَعْنَاهُ لم يَقع ذَلِك من أهل قَرْيَة إِلَّا قوم يُونُس فَإِنَّهُم فعلوا ذَلِك فَإِنَّهُم آمنُوا قبل نزُول الْعَذَاب عِنْد رُؤْيَة علامته وَهِي فقد يُونُس ﵇ وَكَانَ أوعدهم أَنه مَتى غَابَ عَنْهُم يَأْتِيهم الْعَذَاب بعد ثَلَاث فَأَيْقنُوا بِهِ بعد يَوْمَيْنِ من فَقده فلبسوا المسوح وبرزوا إِلَى الصَّعِيد وَفرقُوا بَين الْأَطْفَال وأمهاتهم وَبَين الدَّوَابّ وَأَوْلَادهَا فحن بَعضهم إِلَى بعض وَأَخْلصُوا الْإِيمَان وَالتَّوْبَة وترادوا الْمَظَالِم حَتَّى أَن أحدهم كَانَ يقتلع الْحجر وَقد وضع عَلَيْهِ أساس بنائِهِ فَرَحِمهمْ الله تَعَالَى وكشف عَنْهُم بَعْدَمَا غشيتهم بوادره وَهُوَ دُخان غشي سطوحهم وَمَا أبعد حَال فِرْعَوْن وَأَضْرَابه من حَالهم حَيْثُ

стр. 173

كَانَ ينزل بهم الْعَذَاب كالطوفان وَنَحْوه فيضجون إِلَى مُوسَى ﵊ ﴿لَئِن كشفت عَنَّا الرجز لنؤمنن لَك﴾ ثمَّ ينكثون عِنْد كشفه فِي كل مرّة قَالَ فَلذَلِك أَخذ فِرْعَوْن مَعَ وجود الْإِيمَان مِنْهُ أَقُول لَا دَلِيل على وجود الْإِيمَان مِنْهُ على مَا قدمْنَاهُ ثمَّ قَالَ هَذَا إِن كَانَ أمره أَمر من تَيَقّن بالإنتقال فِي تِلْكَ السَّاعَة وقرينة الْحَال تُعْطِي أَنه مَا كَانَ على يَقِين من الإنتقال لِأَنَّهُ عاين الْمُؤمنِينَ يَمْشُونَ فِي الطَّرِيق اليبس الَّذِي ظهر بِضَرْب مُوسَى ﵇ بعصاه الْبَحْر فَلم يتَيَقَّن فِرْعَوْن الْهَلَاك إِذْ آمن بِخِلَاف المحتضر حَتَّى لَا يلْحق بِهِ أَقُول انْظُر إِلَى هَذَا السَّفه والعمى فِي الإستدلال لغَلَبَة حب فِرْعَوْن وحبك الشَّيْء يعمي ويصم فَالله سُبْحَانَهُ يَقُول ﴿حَتَّى إِذا أدْركهُ الْغَرق﴾ وَهَذَا الضال يَقُول إِنَّه مَا تَيَقّن بالإنتقال وَجعله مشي الْمُؤمنِينَ فِي الطَّرِيق لَيْسَ قرينَة على ذَلِك أَشد عمى فَإِن ذَلِك إِنَّمَا يصلح قرينَة عِنْد دُخُول الْبَحْر لَا عِنْد إِدْرَاك الْغَرق على أَن

стр. 174

قِيَاس نَفسه على الْمُؤمنِينَ عِنْد الدُّخُول أَيْضا من الْجَهْل وَالْقِيَاس الْفَاسِد فَإِنَّهُ كثيرا مَا رأى أَنْوَاع الْعَذَاب من الطوفان وَمَا عطف عَلَيْهِ يُصِيبهُ وطائفته وَلَا يُصِيب بني إِسْرَائِيل فَقِيَاس نَفسه عَلَيْهِم فِي هَذِه الْحَالة من أقبح الْجَهْل والمكابرة ثمَّ قَالَ فَآمن بِالَّذِي آمَنت بِهِ بَنو إِسْرَائِيل على التيقن بالنجاة فَكَانَ كَمَا تَيَقّن لَكِن على غير الصُّورَة الَّتِي أَرَادَ فَنَجَّاهُ الله تَعَالَى من عَذَاب الْآخِرَة فِي نَفسه ونجى بدنه كَمَا قَالَ ﴿فاليوم ننجيك ببدنك لتَكون لمن خَلفك آيَة﴾ أَقُول لقد افترى على الله الْكَذِب فِي زَعمه أَنه نجاه من عَذَاب الْآخِرَة حكم عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِمَا ينزل بِهِ سُلْطَانا فَإِن الله تَعَالَى لم ينج الْمُنَافِقين من عَذَاب الْآخِرَة بِمُجَرَّد قَوْلهم آمنا بل قَالَ ﴿إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار﴾ مَعَ اعْتِبَار قَوْلهم فِي أَحْكَام الدُّنْيَا حَيْثُ نجاهم من الْقَتْل والأسر وَأَدَاء الْجِزْيَة فَكيف بِمن لم يعْتَبر قَوْله فِي أَحْكَام الدُّنْيَا وَلم ينج من الْغَرق وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ ﴿فاليوم ننجيك ببدنك﴾ أَي حِين كَانَ إيمانك بظاهرك فالجزاء من جنس الْعَمَل ﴿ويمكرون ويمكر الله وَالله خير الماكرين﴾

стр. 175

فَإِنَّهُ قصد أَن يمكر كَمَا كَانَ ديدنه فِي المرات الأول فقابله بمكره لما علمه سُبْحَانَهُ من الْمصلحَة وَمِنْهَا مَا قَالَه لِأَنَّهُ لَو غَابَ بصورته رُبمَا قَالَ قومه احتجب فَظهر فِي الصُّورَة الْمَعْهُودَة مَيتا ليعلم أَنه هُوَ أَقُول يَعْنِي من بَقِي من قومه وَلم يتبعهُ فِي الدُّخُول وهم الأتباع والعجزة قَالَ فقد عمته النجَاة حسا وَمعنى وَمن حقت عَلَيْهِ كلمة الْعَذَاب الأخروي لَا يُؤمن وَلَو جَاءَتْهُ كل آيَة حَتَّى يرَوا الْعَذَاب الْأَلِيم أَي يَذُوقُوا الْعَذَاب الأخروي فَخرج فِرْعَوْن من هَذَا الصِّنْف أَقُول هَذِه الْآيَة دَلِيل وَاضح على عدم إِيمَان فِرْعَوْن على تَقْدِير تَسْلِيم أَن المُرَاد رُؤْيَة الْعَذَاب الأخروي لِأَن مُوسَى وَهَارُون عَلَيْهِمَا الصَّلَوَات وَالسَّلَام دعيا على فِرْعَوْن وملئه بقوله ﴿وَاشْدُدْ على قُلُوبهم فَلَا يُؤمنُوا حَتَّى يرَوا الْعَذَاب الْأَلِيم﴾

стр. 176

وَقد قَالَ تَعَالَى لَهما ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ فَإِن كَانَ المُرَاد الْعَذَاب الأخروي فقد صدق أَنه لم يُؤمن وَإِن كَانَ المُرَاد الدنيوي فقد كذب قَوْلك وَلَيْسَ لَك أَن تَقول المُرَاد بِهِ فِي دعائهما الْعَذَاب الدنيوي وَفِي تِلْكَ الْآيَة الأخروي لِأَنَّهُ تحكم وَقَول بالشَّيْء بِلَا دَلِيل وَإِن ادعيت أَن ذَلِك حصل لَك بالكشف فَهُوَ كَذَلِك دَعْوَى بِلَا دَلِيل على أَنه يكون دعائهما عَبَثا لَا فَائِدَة فِيهِ سوى امتداد التَّعَب والتعني عَلَيْهِمَا وتماد الظُّلم وَالْفساد على عباد الله تَعَالَى وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِم بِعَدَمِ الْإِيمَان النافع لما اطلعا عَلَيْهِ من حَالهم الْغَيْر الْقَابِلَة للصلاح ليحصل لَهما التشفي بموتهم على الْكفْر وانتقام الله تَعَالَى مِنْهُم لَيْسَ لذَلِك الدُّعَاء فَائِدَة غير ذَلِك بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَذَوي الْعُقُول الصَّحِيحَة قَالَ هَذَا هُوَ الظَّاهِر الَّذِي ورد بِهِ الْقُرْآن أَقُول كذب وافترى على الْقُرْآن فَإِنَّهُ لم يرد بِأَن المُرَاد من الْعَذَاب الْأَلِيم هُوَ الأخروي وَلَا بِأَن فِرْعَوْن خَارج من هَذَا الصِّنْف على مَا قَرَّرْنَاهُ لمن تَأمل وأنصف قَالَ ثمَّ إِنَّا نقُول بعد ذَلِك وَالْأَمر فِيهِ إِلَى الله تَعَالَى لما اسْتَقر فِي نفوس عَامَّة الْخلق من شقائه وَمَا لَهُم نَص فِي ذَلِك يستندون إِلَيْهِ

стр. 177

أَقُول انْظُر إِلَى هَذِه المكابرة والمغلطة فِي قَوْله مَا لَهُم نَص مَعَ وجود آيَة الدُّعَاء وَظُهُور دلالتها على خَتمه بالشقاء وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فأخذناه وَجُنُوده فنبذناهم فِي اليم فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الظَّالِمين﴾ ﴿وجعلناهم أَئِمَّة يدعونَ إِلَى النَّار وَيَوْم الْقِيَامَة لَا ينْصرُونَ﴾ ﴿وأتبعناهم فِي هَذِه الدُّنْيَا لعنة وَيَوْم الْقِيَامَة هم من المقبوحين﴾ وَإِخْرَاج فِرْعَوْن من بعض الضمائر بعد دُخُوله فِيمَا قبل قطعا تحكم بِلَا دَلِيل وَلم يدل دَلِيل وَاحِد على صِحَة إيمَانه ليطلب بذلك التَّوْفِيق بَين الْأَدِلَّة ﴿وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد﴾ هَذَا مَعَ أَن سنته أَنه إِذا قبل تَوْبَة عبد لَا يذكر ذَنبه وَلَا يذمه إِلَّا بِاتِّبَاع ذكر تَوْبَته ومدحه كَمَا فِي حق آدم ﵊ والسحرة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم فَأَما هَذَا فكرر الله تَعَالَى ذكره على وَجه الذَّم مَا لم يُكَرر لغيره مَعَ التَّصْرِيح لِئَلَّا يذهب الْوَهم إِلَى غَيره وَلَقَد كرر ذمّ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة وَكَانَ شَدِيد الْكفْر والعناد لكنه بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذكر هَذَا اللعين أقل الْقَلِيل مَعَ عدم التَّصْرِيح باسمه فَعلم أَن غضب الله على هَذَا الْخَبيث أَشد من غَضَبه على سَائِر الْمَعْنيين من متمردة الْكَفَرَة وَسَماهُ عدوا لَهُ وَلِرَسُولِهِ وَوَصفه بِجَمِيعِ صِفَات الذَّم من الْكفْر والعلو وَالْفساد والإسراف وَلم يذكر فِي مَوضِع مَا عَنهُ اعتذارا وَإِنَّمَا ذكر فِي هَذِه الْآيَة نفَاقه

стр. 178

وخداعه ورد عَلَيْهِ ذَلِك وَعدم اعْتِبَاره لانقضاء زمن إمهاله فَإِنَّهُ يملي للظالم فَإِذا أَخذه لم يفلته ﴿وَكَذَلِكَ أَخذ رَبك إِذا أَخذ الْقرى وَهِي ظالمة إِن أَخذه أَلِيم شَدِيد﴾ وَللَّه در الْقَائِل إِن اللعين لشدَّة تكبره وشكيمته فِي كفره وعناده لم يطاوع لِسَانه عِنْد غَايَة اضطراره وَلم يذعن قلبه أَن يَقُول آمَنت أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله فَيجْرِي الِاسْم الْكَرِيم على لِسَانه ويخطره بِبَالِهِ بل قَالَ إِلَّا الَّذِي آمَنت بِهِ بَنو إِسْرَائِيل كَأَنَّهُ مَجْهُول عِنْده وَإِنَّمَا قلدهم فِيهِ تقليدا للضَّرَر مِنْهُ لَعَلَّه يتَخَلَّص مِمَّا هُوَ فِيهِ كَمَا تخلص مِمَّا قبله من الطوفان وإخوانه قَالَ ابْن برجان فِي تَفْسِيره فَمَعْنَى قَول الله جلّ ذكره على هَذَا الْآن أَي أَعلَى حالتك هَذِه لَا تحمل ذكري وَلَا تفوه باسمي وَلَا باسم رَسُولي فَجمعت هَذَا إِلَى مَا عصيت قبل وَكنت من المفسدين أَي أَنَّك أضفت إِلَى حالتك تِلْكَ هَذَا كَمَا قَالَ الْقَائِل أكيدا وَأَنت فِي الْحَدِيد فَلَو كنت قبل على غير ذَلِك من شَأْنك لاحتمل ذَلِك مِنْك

стр. 179

وَخرجت كلمتك هَذِه على مَعْهُود إيمانك وصحيح ودك ثمَّ يَقُول الله جلّ من قَائِل ﴿فاليوم ننجيك ببدنك﴾ لَو كَانَت شَهَادَته تِلْكَ فِي وَقتهَا على حَقِيقَة الْمحبَّة وَحسن النِّيَّة وصحيح التَّوْبَة من قَرَار نَفسه لأنجاه هُوَ وَأَتْبَاعه من عَذَابه وَلما كَانَت فِي غير وَقتهَا وعَلى علاتها نجاه بِبدنِهِ فَقَط ليجعله لمن خَلفه آيَة على أَن الشَّهَادَة بِهَذِهِ الْكَلِمَة الْمُبَارَكَة عِنْده فِي غَايَة الْقبُول فَانْظُر إِلَيْهَا لما كَانَت شَهَادَته ميتَة نجاه الله تَعَالَى بهَا مَيتا وَلَو كَانَت حَيَّة لنجاه بهَا حَيا انْتهى ثمَّ نقُول نَحن قَالَ رَسُول الله ﷺ (أَنْت مَعَ من أَحْبَبْت) (الْمَرْء مَعَ من أحب) فَجعل الله تَعَالَى من أحب فِرْعَوْن مَعَه فِي دَار خلوده وباعد بَيْننَا وَبينهمْ وحشرنا مَعَ من نحب إِنَّه ولي ذَلِك والقادر عَلَيْهِ والمطلع على النيات والطويات ثمَّ إِن هَذَا الزنديق مَا اكْتفى بِدَعْوَى موت فِرْعَوْن على الْإِيمَان حَتَّى قَالَ وَأما آله فَلهم حكم آخر لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه ثمَّ لتعلم أَنه مَا يقبض الله تَعَالَى أحدا إِلَّا وَهُوَ مُؤمن أَي مُصدق بِمَا جَاءَت بِهِ

стр. 180

الْأَخْبَار الإلهية لِأَنَّهُ يعاين مَا أخبر بِهِ الْأَنْبِيَاء ﵈ من الْوَعْد والوعيد وأعني من المحتضرين وَلِهَذَا يكره موت الْفُجَاءَة وَقتل الْغَفْلَة فَأَما موت الْفُجَاءَة فحده أَن يخرج النَّفس الدَّاخِل وَلَا يدْخل النَّفس الْخَارِج فَهَذَا موت الْفُجَاءَة وَهَذَا غير المحتضر وَكَذَلِكَ قتل الْغَفْلَة بِضَرْب عُنُقه من وَرَائه وَهُوَ لَا يشْعر فَيقبض على مَا كَانَ عَلَيْهِ من إِيمَان وَكفر أَقُول أَولا إِن هَذِه الدَّعْوَى تنَاقض قَوْله إِن من حقت عَلَيْهِ كلمة الْعَذَاب الأخروي لَا يُؤمن حَتَّى يرى الْعَذَاب الأخروي وَثَانِيا حَده موت الْفُجَاءَة بِمَا يخرج فِيهِ النَّفس الدَّاخِل وَلَا يدْخل الْخَارِج غير صَحِيح لِأَن كل موت الْفُجَاءَة فهوهكذا وَلَا يُمكن موت يدْخل فِيهِ النَّفس الْخَارِج وَلَا يخرج الدَّاخِل وثالثا إِن مَا قَالَه من موت الْفُجَاءَة وَقتل الْغَفْلَة فِي غَايَة الْقلَّة فَكيف بقوله تَعَالَى ﴿لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ وَكَون بعث النَّار من كل ألف تِسْعمائَة وَتِسْعَة وَتِسْعين على مَا جَاءَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح
следующие страницы →