← Сира

Сира · id 6582

المقتفى من سيرة المصطفى

ابن حبيب الحلبي

Полный текст (220 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

النَّاس فجَاء بِهِ إِلَى النَّبِي ﷺ وَمَعَهُ بديل بن وَرْقَاء وَحَكِيم بن حزَام فأسلموا بَين يَدَيْهِ وفازوا بالجود الْمَوْجُود لَدَيْهِ ثمَّ انْطلق بِأبي سُفْيَان إِلَى مضيق الْوَادي فَرَأى من جنود الله مَا يعجز عَن حصره الْحَاضِر والبادي وَدخل النَّبِي ﷺ فِي كتيبته الَّتِي أنارت بخضرتها الْأَبْصَار وَهُوَ على نَاقَته الْقَصْوَاء تحدق بِهِ الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فَلَمَّا انْتهى إِلَى ذِي طوى وقف متواضعا لرَبه وَعين لكل ذِي راية جِهَة يدْخل مِنْهَا بصحبه ثمَّ ذهب حَتَّى نزل بِأَعْلَاهَا وَاسْتقر مبتهجا بِالنعَم الَّتِي حازها وحواها وَفتح مَكَّة على أصح الْقَوْلَيْنِ صلحا وَنهى جُنُوده عَن الْقِتَال عفوا وصفحا وَلما اطْمَأَن النَّاس طَاف بِالْبَيْتِ سبعا واستلم الْحجر وَدخل الْكَعْبَة وَصلى فِيهَا وَأمر بطمس مَا كَانَ بهَا من الصُّور وَكَانَ حولهَا أصنام مشدودة بالرصاص فَجعل يُشِير إِلَيْهَا وَهِي تسْقط حَيْثُ لات حِين مناص وَقَامَ على بَابهَا فَوحد الله وَقَرَأَ شَيْئا من الْقُرْآن وَأذن لِبلَال أَن يعلن على ظهرهَا بِالْأَذَانِ وَقصر الصَّلَاة مُدَّة إِقَامَته فِيهَا وَبعث السَّرَايَا إِلَى أَمَاكِن من نَوَاحِيهَا وَمكث يسدد الْأُمُور ويقرر الْأَحْوَال إِلَى أَن خرج مِنْهَا إِلَى حنين فِي أَوَائِل شَوَّال

стр. 177

وَفِي هَذِه الْغَزْوَة يَقُول الْعَبَّاس بن مرداس من أَبْيَات (منا بِمَكَّة يَوْم فتح مُحَمَّد ... ألف تسيل بِهِ البطاح مُسَوَّم) (نصروا الرَّسُول وشاهدوا أَيَّامه ... وشعارهم يَوْم اللِّقَاء مقدم) (فِي منزل ثبتَتْ بِهِ أَقْدَامهم ... ضنك كَأَن الْهَام فِيهِ الحنتم) (جرت سنابكها بِنَجْد قبلهَا ... حَتَّى استقاد لَهَا الحجار الأدهم) وفيهَا يَقُول من أَبْيَات (بِمَكَّة إِذْ جِئْنَا كَأَن لواءنا ... عِقَاب أَرَادَت بعد تحليقها خطفا) (على شخص الْأَبْصَار تحسب بَينهَا ... إِذا هِيَ جالت فِي مراودها عرفا) (غَدَاة وطئنا الْمُشْركين فَلم نجد ... لأمر رَسُول الله عدلا وَلَا صرفا) (ببيض تثير الْهَام من مستقرها ... وتقطف أَعْنَاق الكماة بهَا قطفا)

стр. 178

وفيهَا يَقُول من أَبْيَات (يَا خير من ركب الْمطِي وَمن مَشى ... فَوق التُّرَاب إِذا تعد الْأَنْفس) إِنَّا وَفينَا بِالَّذِي عاهدتنا ... وَالْخَيْل تقدع بالكماة وتضرس) حَتَّى صبحنا أهل مَكَّة فيلقا ... شهبا يقدمهَا الْهمام الأشوس) من كل أغلب من سليم فَوْقه ... بَيْضَاء محكمَة الدخال وقونس) يغشى الكتيبة معلما وبكفه ... عضب يقد بِهِ ولدن مدعس) وفيهَا يَقُول بجير بن زُهَيْر بن أبي سلمى من أَبْيَات (ضربناهم بِمَكَّة يَوْم فتح النَّبِي ... الْبر بالبيض الحفاف) وأبنا غَانِمِينَ بِنَا اشتهينا ... وآبوا نادمين على الْخلاف)

стр. 179

(وأعطينا رَسُول الله منا ... مواثقنا على حسن التصافي) وفيهَا يَقُول فضَالة بن عُمَيْر اللَّيْثِيّ (قَالَت هَلُمَّ إِلَى الحَدِيث فَقلت لَا ... يَأْبَى عَلَيْك الله وَالْإِسْلَام) لَو كنت جِئْت مُحَمَّدًا وقبيله ... بِالْفَتْح يَوْم تكسر الْأَصْنَام) لرأيت دين الله أضحى بَيْننَا ... والشرك يغشى وَجهه الإظلام) سَرِيَّة خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى الْعُزَّى سنة ثَمَان من الْهِجْرَة بَعثه النَّبِي ﷺ بعد الْفَتْح فِي رَمَضَان وَمَعَهُ ثَلَاثُونَ فَارِسًا يضيء بشمسهم وقمرهم الملوان فَخرج إِلَى نَخْلَة لهدم الْعُزَّى ولعمري لقد لَقِي بهدمها شرفا وَعزا وَكَانَت من أعظم أصنام كنَانَة وَكَانَ لبني شَيبَان من سليم عَلَيْهَا السدَانَة

стр. 180

فَلَمَّا هدمها وَرجع أَمر بِالْعودِ إِلَيْهَا فَأَتَاهَا مرّة ثَانِيَة وَهُوَ متغيظ عَلَيْهَا فَخرجت إِلَيْهِ امْرَأَة عُرْيَانَة سَوْدَاء ثائرة الرَّأْس غضبانة فجزلها بِسَيْفِهِ الْمعد للجلاد ويئست بعد ذَلِك أَن تعبد بِتِلْكَ الْبِلَاد وَفِي سير خَالِد إِلَيْهَا يَقُول سادنها السلمى (فيا عز شدى شدَّة لَا شوى لَهَا ... على خَالِد ألْقى القناع وشمري) (وَيَا عز إِن لم تقتلي الْمَرْء خَالِدا ... فبوئي بإثم عَاجل أَو تنصري) سَرِيَّة عَمْرو بن الْعَاصِ إِلَى سواع سنة ثَمَان من الْهِجْرَة بَعثه النَّبِي ﷺ فِي الشَّهْر الْمَذْكُور وَمَعَهُ نفر من ذَوي القَوْل المبرور وَالسَّعْي المشكور فَسَار لهدم صنم هُذَيْل الْمَعْرُوف بسواع فَلَمَّا انْتهى إِلَيْهِ وثب عَلَيْهِ وثوب غضنفر شُجَاع فحذره السادن وخوفه سطوة السَّاكِن فَلم يلْتَفت إِلَى كَلَامه وَفسخ بالمعاول عقد نظامه وَسَاقه فِي جملَة الخراب ثمَّ رَجَعَ بعد أَن ألصقه بِالتُّرَابِ

стр. 181

(إِن أَنْت جِئْت إِلَى هُذَيْل قل لَهُم ... يَا وَيْح شخص للحجارة راكن) (أضحى سواع بالمعاول داثرا ... خربا وَلم يَنْفَعهُ ود السادن) سَرِيَّة سعد بن زيد الأشْهَلِي إِلَى مَنَاة سنة ثَمَان من الْهِجْرَة بَعثه النَّبِي ﷺ فِي الشَّهْر الْمشَار إِلَيْهِ وجهز مَعَه عشْرين فَارِسًا يتبعونه فِيمَا يقدم عَلَيْهِ فَسَار بهم إِلَى مَنَاة بالمشلل وَهِي صنم كَانَت تعبد فِي غَسَّان وَغَيرهم وتبجل فَلَمَّا وصل إِلَيْهَا خرجت إِلَيْهِ امْرَأَة ثائرة الراس سَوْدَاء اللَّوْن عَارِية اللبَاس تَدْعُو بالثبور وَالْوَيْل وتميل على ضرب صدرها كل الْميل فَقَتلهَا قتلة من عرف وَمَا انحرف وَكسر الصَّنَم وَهدم الْبَيْت ثمَّ انْصَرف (منيت مَنَاة بضربة شقيت بهَا ... من كف سعد نجل زيد الأشْهَلِي) (غَسَّان مَه ظَهرت لكم شمس الْهدى ... من أفق أَصْحَاب النَّبِي الْمُرْسل)

стр. 182

سَرِيَّة خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى بني جذيمة سنة ثَمَان من الْهِجْرَة بَعثه النَّبِي ﷺ فِي شَوَّال وجهز فِي ثَلَاث مائَة وَخمسين يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَام من غير قتال فَسَار إِلَى بني جذيمة بِنَاحِيَة يَلَمْلَم وَمضى مُصْلِتًا سيف عزمه الَّذِي لَا ينبو وَلَا يتثلم فَلَمَّا انْتهى إِلَيْهِم أقرُّوا بِالْإِسْلَامِ وَذكروا أَنهم أَقَامُوا الصَّلَاة وآمنوا بِالنَّبِيِّ ﷺ فَأنْكر مِنْهُم إِطْلَاق السيوف واعتقال الرماح وَلم يقبل مَا اعتذروا بِهِ من خوف الْعَدو فِي حمل السِّلَاح بل أَمرهم بِقَتْلِهِم بعد قبضهم فَقتل بَعضهم وَفك أسر بَعضهم فَلَمَّا بلغ النَّبِي ﷺ مَا وَقع برىء إِلَى الله مِمَّا فعل خَالِد وصنع وَبعث عليا فودى قتلاهم وَأَمْوَالهمْ ثمَّ انْصَرف بعد أَن أرضاهم وَأصْلح أَحْوَالهم وَفِي هَذِه السّريَّة يَقُول أحد بني جذيمة من أَبْيَات (وَلَوْلَا مقَال الْقَوْم للْقَوْم أَسْلمُوا ... للاقت سليم بعد ذَلِك ناطحا)

стр. 183

(فكائن ترى يَوْم الغميصاء من فَتى ... أُصِيب وَلم يجرج وَقد كَانَ جارحا) فَأَجَابَهُ الْعَبَّاس بن مرداس من أَبْيَات (فَخَالِد أولى بالتعدد مِنْكُم ... غَدَاة علا نهجا من الْأَمر وَاضحا) (معانا بِإِذن الله يزجي إِلَيْكُم ... سوانح لَا تكبو لَهُ وبوارحا) غَزْوَة حنين سنة ثَمَان من الْهِجْرَة ثمَّ خرج النَّبِي ﷺ من مَكَّة لست خلون من شَوَّال عَازِمًا على حَرْب هوَازن الَّذين طغوا وبغوا بِكَثْرَة الْأَصْحَاب وَالْأَمْوَال حَيْثُ حسدوا وحشدوا وحفدوا فِي الْمسير إِلَيْهِ وحقدوا وَخَرجُوا فِي ثَقِيف وَبني سعد بأولادهم وَنِسَائِهِمْ وَاسْتَاقُوا مَعَهم لنفع الْمُسلمين سَائِر نعمهم وشائهم وَاتَّفَقُوا بعد أَن أوعبوا على الإجتماع بأوطاس وَكَانَ قائدهم مَالك بن عَوْف الوسواس الخناس وَسَار النَّبِي ﷺ فِي اثنى عشر ألفا من مَكَّة وَالْمَدينَة وَمضى دَاعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وناصرا شَرعه وَدينه حَتَّى انْتهى إِلَى وَادي حنين فِي اللَّيْل وَقدم

стр. 184

خَالِد بن الْوَلِيد فِي بني سليم بِالْخَيْلِ وصف العساكر والجنود وَدفع إِلَى أَصْحَابه الألوية والبنود وَعمد مَالك إِلَى أَصْحَابه فَجَمعهُمْ لَيْلًا بالوادي وَأجْمع رَأْيه على أَن يكون جَيْشه عِنْد الْمُلْتَقى هُوَ البادي فَلَمَّا برزت كتائب مُقَدّمَة الْمُسلمين إِلَى الطَّرِيق حمل الْمُشْركُونَ عَلَيْهِم قبل أَن يخرجُوا من الْمضيق فَانْكَشَفَتْ خيل بني سليم مولية وتبعتهم خيل النَّاس فِي غبش الصُّبْح مصلية وَثَبت النَّبِي ﷺ فِي نفر من أهل بَيته وَأَصْحَابه الْغرَر مِنْهُم الْعَبَّاس وَابْنه الْفضل وَعلي وَأَبُو بكر وَعمر ثمَّ تراجع الْمُسلمُونَ وحملوا على الْكفَّار فطردوهم وشردوهم بِإِذن الْعَزِيز الْغفار وَأَصَابُوا الْغَرَض مِنْهُم سَرِيعا وقتلوهم حتفا عَلَيْهِم قتلا ذريعا وأمدوا بِالْمَلَائِكَةِ وأيدوا بالنصر وحصلوا من الْغَنَائِم مَا لَا يكَاد يبلغهُ الْحصْر وَانْهَزَمَ الْمُشْركُونَ مَا بَين جريح وخائف وَتَفَرَّقُوا بأوطاس ونخلة والطائف وَأمر النَّاس بطلبهم فَخَرجُوا يتبعُون جِهَات هَرَبهمْ فأدركوا وأهلكوا وغنموا وأسروا وكسروا حاكمين بِمَا علمُوا وَسَاقُوا إِلَى الْجِعِرَّانَة مَا أَصَابُوا من السَّبي والغنائم وأشرقت بِنور ظفرهم وتأييدهم تِلْكَ الْمعَاهد والمعالم

стр. 185

ثمَّ سَارُوا إِلَى الطَّائِف ينثال الْخَيْر عَلَيْهِم ويتوالى وَسَيَأْتِي ذكر مَسِيرهمْ مفصلا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَفِي هَذِه الْغَزْوَة يَقُول الْعَبَّاس بن مرداس من أَبْيَات (وَلنَا على بئري حنين موكب ... دفع النِّفَاق وهضبة مَا تقلع) (ذدنا عدا تئد هوَازن بالقنا ... وَالْخَيْل يغمرها عجاج يسطع) (فِي كل سابغة تخير سردها ... دَاوُد إِذْ نسج الْحَدِيد وَتبع) (نصر النَّبِي بِنَا وَكُنَّا معشرا ... فِي كل نائبة نضر وننفع) (فزنا برايته وأورث عقده ... مجد الْحَيَاة وسؤددا لَا ينْزع) وفيهَا يَقُول من أَبْيَات (وَيَوْم حنين حِين سَارَتْ هوَازن ... إِلَيْنَا وَضَاقَتْ بالنفوس الأضالع)

стр. 186

(ضربنا مَعَ الضَّحَّاك لَا يستفزنا ... قراع الأعادي مِنْهُم والوقائع) (أَمَام رَسُول الله يخْفق فَوْقنَا ... لِوَاء كخذروف السحابة قَاطع) وفيهَا يَقُول من أَبْيَات (وَنحن يَوْم حنين كَانَ مشهدنا ... للدّين عزا وَعند الله مدخر) (إِذْ نركب الْمَوْت مخضرا بطائنه ... وَالْخَيْل ينجاب عَنْهَا سَاطِع كدر) (فِي مأزق من مجر الْحَرْب كلكلها ... تكَاد تأفل فِيهِ الشَّمْس وَالْقَمَر) (وَقد صَبرنَا بأوطاس أسنتنا ... لله ينصر من شِئْنَا وننتصر) وفيهَا يَقُول من أَبْيَات (سمونا لَهَا ورد القطا زفة الضُّحَى ... وكل ترَاهُ عَن أَخِيه قد أحجما) (لذِي غدْوَة حَتَّى تركنَا عَشِيَّة ... حنينا وَقد سَالَتْ دوامعه دَمًا)

стр. 187

(وَقد أحرزت منا هوَازن سربها ... وَحب إِلَيْهَا أَن نجيب ونحرما) وفيهَا يَقُول من أَبْيَات (وعَلى حنين قد وفى من جَمعنَا ... ألف أمد بِهِ الرَّسُول عرندس) (كَانُوا أَمَام الْمُسلمين ذُرِّيَّة ... وَالشَّمْس يَوْمئِذٍ عَلَيْهِم أشمس) (نمضي ويحرسنا الْإِلَه بحفظه ... وَالله لَيْسَ بضائع من يحرس) سَرِيَّة الطُّفَيْل بن عَمْرو الدوسي إِلَى ذِي الْكَفَّيْنِ سنة ثَمَان من الْهِجْرَة بَعثه النَّبِي ﷺ فِي شَوَّال من وَادي حنين وَأمره بِالْمَسِيرِ إِلَى قومه وَالْقِيَام بهدم ذِي الْكَفَّيْنِ وَهُوَ صنم كَانَ لعَمْرو بن حممة وَكَانَ يلوذ بِهِ فِي دوس أهل الحطمة وَأَن يستمد قومه ويأتيه إِلَى الطَّائِف بالحومة فَخرج سَرِيعا وَمضى سَامِعًا مُطيعًا فهدم الصَّنَم وَحَرقه وشتت شَمل أَصْحَابه وفرقه وَقدم إِلَيْهِ بدبابة ومنجنيق وَصَحب مَعَه أَرْبَعمِائَة من

стр. 188

ذَوي الْإِيمَان والتصديق وَهُوَ الْقَائِل (يَا ذَا الْكَفَّيْنِ لست من عبادكا ... ) (ميلادنا أقدم من ميلادكا ... ) (إِنِّي حششت النَّار فِي فؤادكا ... ) غَزْوَة الطَّائِف وَقسم غَنَائِم حنين وَعمرَة الْجِعِرَّانَة سنة ثَمَان من الْهِجْرَة ثمَّ خرج النَّبِي ﷺ من حنين فِي الشَّهْر الْمَذْكُور طَالبا غَزْو ثَقِيف فِي جَيْشه الْمُؤَيد وَعَسْكَره الْمَنْصُور وَجعل على مقدمته خَالِد بن الْوَلِيد وانبعث إِلَى جِهَة قَصده محروسا بِعَين الْبَاعِث الشَّهِيد وَمضى إِلَى أَن نزل قَرِيبا من حصن الطَّائِف فَإِذا هم قد تستروا بِمَا يمنعهُم من الرَّامِي والقاذف فنصب عَلَيْهِم المنجنيق واحتال الْمُسلمُونَ على أَخذهم بِكُل طَرِيق وحاصروهم تِسْعَة أَيَّام وَمثلهَا وَأَرْسلُوا لَهُم من القسي الْعَرَبيَّة نبلها وَقَطعُوا أثمارهم وحرقوا أَشْجَارهم وَاسْتمرّ الْمُشْركُونَ على ضلالهم وَأَرْسلُوا جمَاعَة من المسلحين بنبالهم واجتهدوا فِي التحصين والقتال وَلَكِن خرج من حصنهمْ بضعَة عشر من الرِّجَال وَلم يُؤذن للنَّبِي ﷺ فِي فَتحه فَأمر كل من النَّاس بِوَضْع سَيْفه وَرمحه ثمَّ رَحل إِلَى الْجِعِرَّانَة للنَّظَر فِي مَغَانِم حنين وَقسم مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من

стр. 189

السَّبي وَالنعَم واللجين فَلَمَّا اسْتَقر بهَا قدمت عَلَيْهِ من هوَازن فرقة وَذكروا لَهُ مَا أَصَابَهُم من جهد الْبلَاء وألم الْفرْقَة وسألوه أَن يمن عَلَيْهِم وَأَن يتَجَاوَز عَنْهُم وَيحسن إِلَيْهِم فَأجَاب سُؤَالهمْ وحقق رجاءهم وَأطلق لَهُم بعد أَن خَيرهمْ أَبْنَاءَهُم ونساءهم وَلحق بِهِ قائدهم مَالك بن عَوْف متمسكا بِحَبل بره المبرم فَأكْرمه وَاسْتَعْملهُ على قومه بعد أَن أسلم ثمَّ قسم الْأَمْوَال بَين الْمُجَاهدين وغمر بإنعامه الصادرين والواردين وَأعْطى كل وَاحِد من أَشْرَاف الْقَوْم مائَة بعير وَخص جِهَة الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم بِالْفَضْلِ الْكَبِير لكنه لم يُعْط الْأَنْصَار شَيْئا من الْغَنِيمَة فوجدوا فِي نُفُوسهم وجد ذَوي الْعُقُول السليمة فَدَعَاهُمْ سالكا فِي التلطف بهم مَسْلَك الإعتذار وضاعف رفعتهم بقوله (لَوْلَا الْهِجْرَة لَكُنْت امْرَءًا من الْأَنْصَار) وَكَانَ السَّبي ثَلَاثَة آلَاف نسمَة وضعفها وَكَانَت الْإِبِل وَالْغنم أَرْبَعِينَ ألفا وَنِصْفهَا إِلَى غير ذَلِك من الْفضة وَالْمَتَاع والأسلحة الَّتِي لَا يُبَاع مثلهَا وَلَا يصاع وَلما فرغ من ذَلِك خرج فِي ذِي الْقعدَة إِلَى الْعمرَة واستخلف عتاب بن أسيد على مَكَّة متكلما فِي الإمرة وَترك مَعَه معَاذ بن جبل يفقه النَّاس فِي الدّين ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة بِأَصْحَابِهِ سَالِمين غَانِمِينَ وَفِي هَذِه الْغَزْوَة يَقُول بجير بن زُهَيْر بن أبي سلمى من أَبْيَات (وَلَقَد تعرضنا لكيما يخرجُوا ... فَتَحَصَّنُوا منا بِبَاب مغلق)

стр. 190

(ترتد حسرانا إِلَى رجراجة ... شهباء تلمع كالمنايا فيلق) (ملمومة خضراء لَو قذفوا بهَا ... حضنا لظل كَأَنَّهُ لم يخلق) وفيهَا يَقُول مَالك بن عَوْف حِين أسلم (مَا إِن رَأَيْت وَلَا سَمِعت بِمثلِهِ ... فِي النَّاس كلهم بِمثل مُحَمَّد) (أوفى وَأعْطى للجزيل إِذا اجتدي ... وَمَتى تشأ يُخْبِرك عَمَّا فِي غَد) (وَإِذا الكتيبة غردت أنيابها ... بالسمهري وَضرب كل مهند) (فَكَأَنَّهُ لَيْث على أشباله ... وسط المباءة خادر فِي مرصد)

стр. 191

وَفِي أَثَرهَا يَقُول كَعْب بن زُهَيْر بن أبي سلمى فِي كَلمته بَانَتْ سعاد حِين أسلم (نبئت أَن رَسُول الله أوعدني ... وَالْعَفو عِنْد رَسُول الله مَقْبُول) (مهلا هداك الَّذِي أَعْطَاك نَافِلَة ... الْقُرْآن فِيهِ مواعيظ وتفصيل) (لَا تأخذني بأقوال الوشاة وَلم ... أذْنب وَلَو كثرت فِي الْأَقَاوِيل) (إِن الرَّسُول لنُور يستضاء بِهِ ... مهند من سيوف الله مسلول) سَرِيَّة عُيَيْنَة بن حصن الْفَزارِيّ إِلَى بني تَمِيم سنة تسع من الْهِجْرَة بَعثه النَّبِي ﷺ فِي شهر الْمحرم وجهزه فِي خمسين فَارِسًا يعرب عَنْهُم لِسَان الْفضل وَيتَكَلَّم وَأمرهمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى بني تَمِيم فَسَارُوا لَا يلوون على صديق وَلَا حميم حَتَّى هجموا عَلَيْهِم فِي صحراء قريبَة من أَرضهم فَلَمَّا رَأَوْهُمْ خَرجُوا يَشْتَدُّونَ فِي سَعْيهمْ وركضهم فَأخذُوا مِنْهُم أحد عشر أَسِيرًا وَسبوا إِحْدَى عشر امْرَأَة وَثَلَاثِينَ صَغِيرا

стр. 192

ثمَّ إِن الْأَقْرَع بن حَابِس وعدة من كبارهم قدمُوا على الرَّسُول وسألوه فِي أَمر أولائك الضباب والحسول فَأطلق لَهُم السَّبي والأسرى وَمن عَلَيْهِم كَمَا من على غَيرهم إحسانا وجبرا وَمن ذَلِك يَقُول الفرزدق من أَبْيَات (وَعند رَسُول الله قَامَ ابْن حَابِس ... بخطة إسوار إِلَى الْمجد حَازِم) (لَهُ أطلق الأسرى الَّتِي فِي حباله ... مغللة أعناقها فِي الشكائم) سَرِيَّة قُطْبَة بن عَامر إِلَى خثعم سنة تسع من الْهِجْرَة بَعثه النَّبِي ﷺ فِي صفر وجهزه فِي عشْرين من الْمُؤمنِينَ بِالْقضَاءِ وَالْقدر وَأمرهمْ بالمضي إِلَى خثعم وَأَن يقتلوهم بذباب المخذم وطرف اللهذم

стр. 193

فَسَارُوا حَتَّى أَتَوا حَيا من أحيائهم وَأَحَاطُوا بهم عاملين على سبي نِسَائِهِم وَأَبْنَائِهِمْ فقاتلوهم أَشد الْقِتَال وَنصر الله أهل الْهدى على أهل الضلال فساقوا النعم وجلبوا السَّبي إِلَى طيبَة وتبعهم الْمُشْركُونَ لكِنهمْ منعُوا بالسيل وَرَجَعُوا بالخيبة كَاد العدى أَن يلْحقُوا بذوي الْهدى ... لما مضوا بِالسَّبْيِ والأنعام) (لَكِن مَا قطع الطَّرِيق عَلَيْهِم ... سيل ألم بِأَمْر ذِي الإنعام) سَرِيَّة الضَّحَّاك بن سُفْيَان الْكلابِي إِلَى القرطاء سنة تسع من الْهِجْرَة بَعثه النَّبِي فِي ربيع الأول وخوله من الإمرة على الْجَيْش المجهز مَعَه بِمَا خول وَأمرهمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى القرطاء من بني كلاب فَمَضَوْا حَتَّى لقوهم بالزج لَا ستر بَينهم وَلَا حجاب فقاتلوهم وشردوهم وَعَن تِلْكَ المواطن النجدية أبعدوهم ثمَّ انصرفوا آيبين وَرَجَعُوا للأجور لَا للدثور كاسبين

стр. 194

(يمم خلال بني كلاب منجدا ... واسأل عَن القرطاء وَالضَّحَّاك) (يُخْبِرك من شهد الوقيعة أَنه ... جزل العداة بِسَيْفِهِ الفتاك) سَرِيَّة عَلْقَمَة المدلجي إِلَى الْحَبَشَة سنة تسع من الْهِجْرَة بَعثه النَّبِي ﷺ فِي ربيع الآخر وجهزه فِي ثَلَاث مائَة خائضين على الْحَقِيقَة فِي بحره الزاخر وَأمرهمْ بالمضي إِلَى السَّاحِل وَأَن يحاربوا الْمُقِيم من الْأَحَابِيش والراحل وَكَانَ قد بلغه ظُهُورهمْ بجدة وَأَنَّهُمْ تلفعوا بمروط اللَّيْل وتلمعوا بِحمْل الْعدة فَسَارُوا حَتَّى وافوهم فِي بعض الجزائر فخاضوا الْبَحْر إِلَيْهِم مضمرين أَخذهم بالجرائر فَلَمَّا رَأَوْهُمْ هربوا ناكصين على الأعقاب وَرجع الْمُسلمُونَ مَأْجُورِينَ مشكورين على مر السنين والأحقاب (نَحْو الْأَحَابِيش سَار الْمُسلمُونَ إِلَى ... سيف القلمس بالأسياف وَالْعدَد) (لما رَأَوْهُمْ على أَعْقَابهم نكصوا ... خوفًا وشتان بَين الذِّئْب والأسد)

стр. 195

سَرِيَّة عَليّ بن أبي طَالب إِلَى الْفلس سنة تسع من الْهِجْرَة بَعثه النَّبِي ﷺ فِي الشَّهْر الْمشَار إِلَيْهِ وجهز مَعَه مائَة وَخمسين من الْأَنْصَار الأخيار لَدَيْهِ فَمضى إِلَى صنم طَيء الشهير بالفلس عَازِمًا على هَدمه وَسَار حَتَّى انْتهى إِلَى محلّة آل حَاتِم مَعَ طُلُوع الْفجْر وغيبة نجمه فهدم بَيت الصَّنَم وظفر بِكَثِير من السَّبي وَالنعَم وهرب إِلَى الشَّام عدي ابْن حَاتِم وَقَامَت فِي الْحَيّ لما جرى سوق المآتم وَكَانَ فِي خزانَة الْفلس ثَلَاثَة أَدْرَاع وَثَلَاثَة أسياف فأضيفت إِلَى الْغَنِيمَة ثمَّ قسمت على الْعدْل والإنصاف (عَليّ سَار للفلس ... بأبطال من الحمس) (لَهُم فِي درس أَعْلَام ... الأعادي أَيّمَا درس) (مضوا حَتَّى أَتَوا بَيْتا ... لأهل الطَّرْد وَالْعَكْس) (فأشقوه وأبقوه ... كَأَن لم يغن بالْأَمْس)

стр. 196

غَزْوَة تَبُوك سنة تسع من الْهِجْرَة ثمَّ خرج النَّبِي ﷺ فِي شهر رَجَب وأوعز بِطَلَب أهل مَكَّة واستنفر قبائل الْعَرَب وَندب النَّاس إِلَى الْخُرُوج وحضهم لتوفير حظهم على قتال العلوج وَجَاء البكاؤن وهم سَبْعَة إِلَيْهِ وقصدهم يستحملوه فَقَالَ ﴿لَا أجد مَا أحملكم عَلَيْهِ﴾ وحث على الْإِنْفَاق فِي سَبِيل الله أهل الْغنى فجاد كل من أبي بكر وَعُثْمَان بِمَا مَلأ الْأَيْدِي وَبلغ المنا واستخلف على الْمَدِينَة مُحَمَّد بن مسلمة وأوعت بكتائبه الجرارة وفوارسه المعلمة وَأمر عَليّ بن أبي طَالب أَن يخلفه فِي أَهله فَأَقَامَ عَارِفًا بفرع ذَلِك التَّمْيِيز وَأَصله وَكَانَ بلغه أَن الرّوم تجمعت للمحاربة وَأَن ملكهم هِرقل تهَيَّأ يمحص للمقاتلة والمغالبة وَسَار ﷺ فِي ثَلَاثِينَ ألفا من النَّاس وَكَانَ فِي جَيْشه العرمرم عشرَة آلَاف من الأفراس وَأخذ فِي الإعناق والإيجاف ثمَّ انتقلوا إِلَى الإغذاذ والإعصاف مُقْبِلين على الْجِهَاد فِي سَبِيل مجازيهم ومثيبهم جازمين بِكَسْر أصلاب الْأَعْدَاء وخفض صليبهم حَتَّى قدمُوا إِلَى تَبُوك وَأتوا وكل

стр. 197

من ثغور الشَّام لمقدمهم ضحوك وَأَقَامُوا بهَا خَمْسَة عشر يَوْمًا وَخَمْسَة أَيَّام وَرَسُول الله ﷺ يقصر الصَّلَاة مُدَّة الْمقَام بالأقوام وَفِي هَذِه الْغَزْوَة جَاءَ المعذرون من الْأَعْرَاب وعنها تخلف نَاس بِغَيْر عذر وَلَا عِلّة وناس من غير شكّ وَلَا ارتياب وفيهَا اسْتخْلف أَبَا بكر يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي الْعَسْكَر وَاسْتعْمل عباد بن بشر على حرس جَيْشه الْأَزْهَر وفيهَا أصبح النَّاس وَلَا مَاء مَعَهم فَأرْسل الله بدعائه الْمَطَر وفيهَا ضلت نَاقَته فَأخْبر بمكانها وحبسها بذمامها فِي بعض الشّجر ثمَّ انْصَرف إِلَى الْمَدِينَة فوصلها فِي شهر الصّيام وَهِي آخر غَزْوَة غَزَاهَا بِنَفسِهِ ﷺ وفيهَا يَقُول أَبُو خَيْثَمَة لما رَجَعَ إِلَيْهَا بعد تخلفه من أَبْيَات (وَلما رَأَيْت النَّاس فِي الدّين نافقوا ... أتيت الَّتِي كَانَت أعف وأكرما) (وبايعت باليمنى يَدي لمُحَمد ... فَلم أكتسب إِثْمًا وَلم أغش محرما) سَرِيَّة خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى دومة الجندل سنة تسع من الهجر بَعثه النَّبِي ﷺ وَهُوَ بتبوك فِي رَجَب وجهز مَعَه أَرْبَعمِائَة وَعشْرين مسارعين إِلَى مَا عَلَيْهِم وَجب فَسَارُوا إِلَى أكيدر النَّصْرَانِي قَائِد كِنْدَة

стр. 198

عازمين على أَن يهدموا حصنه ويهلكوا جنده حَتَّى انْتَهوا إِلَيْهِ وَقد خرج من الْحصن فِي لَيْلَة مُقْمِرَة وَهُوَ يطارد بقرًا وحشية كَأَنَّمَا فرت من قسورة فشدت عَلَيْهِ الْخَيل فاستأسر وَقتل أَخُوهُ حسان حَيْثُ امْتنع واستكبر ثمَّ اتّفق الْحَال على فتح الْحصن لخَالِد ومصالحته على كثير من المَال الطارف والتالد فَمن ذَلِك ثَمَان مائَة وألفا بعير فَأخْرج الْخمس وَقسم الْبَاقِي على من مَعَه من أولائك النفير ثمَّ قدم بأكيدر إِلَى الْمُخْتَص بالوسيلة فَضرب عَلَيْهِ الْجِزْيَة وَكتب لَهُ أَمَانًا وَأطلق سَبيله وَفِي هَذِه السّريَّة يَقُول بجير بن بجرة الطَّائِي (تبَارك سائق الْبَقَرَات إِنِّي ... رَأَيْت الله يهدي كل هاد) (فَمن يَك حائدا عَن ذِي تَبُوك ... فَإنَّا قد أمرنَا بِالْجِهَادِ) وَفد ثَقِيف وَهدم اللات سنة تسع من الْهِجْرَة قدم على النَّبِي ﷺ وَفد ثَقِيف حَيْثُ أرشدهم الطَّائِف بِالطَّائِف إِلَى طَاعَة الْخَبِير اللَّطِيف فَبَايعُوهُ على الْإِسْلَام وتابعوه على أَدَاء فرض

стр. 199

الصَّلَاة وَالصِّيَام فقابلهم بالإحتفال والإختصاص وَأمر عَلَيْهِم عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ فَلَمَّا أطلعوا فِي أفق الرُّجُوع إِلَى بِلَادهمْ شُهْبَة بعث مَعَهم أَبَا سُفْيَان ابْن حَرْب والمغيرة بن شُعْبَة وَأَمرهمَا بهدم اللات وَقبض مَا فِي بَيتهَا من الْعين والآلات فَخرج مَعَهم إِلَى الطَّائِف وهدمها الْمُغيرَة غير وَجل وَلَا خَائِف وَأخذ مَا فِيهَا من الْحلِيّ وَالْمَال وَرجع إِلَى الْمَدِينَة ناعم الْعَيْش رُجي البال (ذهب الْمُغيرَة فِي ثَقِيف هادما ... صنم الَّذين تشبهوا بمحال) (والرشد ينشد قَائِلا يَا لات مَه ... ذهب الضلال فلات حِين ضلال) وَفد بني تَمِيم سنة تسع من الْهِجْرَة ثمَّ قدم على النَّبِي ﷺ وَفد بني تَمِيم وَأَقْبلُوا يفخرون بشرف نسبهم الصميم لَا يكترثون بِذِي نباهة وَلَا قدر وَلَا يعدلُونَ أحدا بعطارد بن

стр. 200

حَاجِب والزبرقان بن بدر فَلَمَّا دخلُوا الْمَسْجِد رفعوا الْأَصْوَات وهرعوا ينادون من وَرَاء الحجرات ثمَّ قَامَ عُطَارِد خَطِيبًا وافتخر فِي شعره والزبرقان فأجابهما بِمَا أسكتهما كل وَاحِد من ثَابت بن قيس وَحسان ثمَّ أَسْلمُوا وسلموا وبفضل المجيبين تكلمُوا وَانْصَرفُوا مغمورين ببر النَّبِي ﷺ وإكرامه مسرورين بِمَا حصل لَهُم من جوائزه السّنيَّة وإنعامه وَمن قَول الزبْرِقَان بن بدر عِنْد قدومه (أَتَيْنَاك حَتَّى يعلم النَّاس فضلنَا ... إِذا احتفلوا عِنْد احتضار المواسم) (بِأَنا فروع النَّاس فِي كل موطن ... وَأَن لَيْسَ فِي أَرض الْحجاز كدارم) (وَأَنا نذود المعلمين إِذا انتخوا ... ونضرب رَأس الأصيد المتفاقم)

стр. 201

(وَأَن لنا المرباع من كل غَارة ... يقر بِنَجْد أَو بِأَرْض الْأَعَاجِم) فَأَجَابَهُ حسان بن ثَابت من أَبْيَات (نصرنَا وَآوَيْنَا النَّبِي مُحَمَّدًا ... على أنف رَاض من معد وراغم) (منعنَا رَسُول الله إِذْ حل دَارنَا ... بأسيافنا من كل بَاغ وظالم) (وَنحن ضربنا النَّاس حَتَّى تتابعوا ... على دينه بالمرهفات الصوارم) (بني دارم لَا تفخروا إِن فخركم ... يعود وبالا عِنْد ذكر الأكارم) وَفد عبد الْقَيْس سنة تسع من الْهِجْرَة ثمَّ قدم على النَّبِي ﷺ وَفد عبد الْقَيْس مضمرين أَلا يجيبوا دَاعِي الْهدى بكيف وَلَا لَيْسَ وهم صُحْبَة رئيسهم الْجَارُود وَكَانَ فِي دين

стр. 202

النَّصْرَانِيَّة صَلِيب الْعود فَلَمَّا وصل الْمَدِينَة وانْتهى إِلَيْهِ رَغْبَة فِي الْإِسْلَام وَعرضه عَلَيْهِ وَدعَاهُ إِلَى الدُّخُول فِي زمرة أمته فَذكر لَهُ الْجَارُود فِرَاق دينه وَطلب مِنْهُ ضَمَان ذمَّته فضمن لَهُ أَن قد هداه الله تَعَالَى مَا هُوَ خير من دينه فَأسلم بِمن مَعَه من أَصْحَابه الواردين عُيُون معينه ثمَّ رَجَعَ بهم إِلَى بِلَادهمْ وَقد ظفروا ببغيهم من الْهِدَايَة ومرادهم (وَفد عبد الْقَيْس يَا بشراكم ... بامتثال الْأَمر من خير الْأَنَام) (قد أعدت جنَّة الْخلد لكم ... وسلمتم فادخلوها بِسَلام) وَفد بني حنيفَة سنة تسع من الْهِجْرَة ثمَّ قدم على النَّبِي ﷺ وَفد بني حنيفَة ونزلوا فِي دَار امْرَأَة من الْأَنْصَار بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة وَكَانَ فيهم مُسَيْلمَة الْكذَّاب الَّذِي لَا شكّ فِي طرده وَعَكسه وَلَا ارتياب ثمَّ انْتَهوا إِلَيْهِ وَأَسْلمُوا على يَدَيْهِ وآمنوا بِمَا جَاءَ بِهِ مِمَّا يقربهُمْ من الله ويزلفهم لَدَيْهِ فَلَمَّا رجعُوا إِلَى الْيَمَامَة تنبأ عَدو الله مُسَيْلمَة بن ثُمَامَة وارتد عَن الْإِسْلَام وأتى من كفره بِمَا تأباه الْقُلُوب وتمجه الأحلام

стр. 203

وَكَانَ صَاحب نيرنجات موهمة وشجعات كليالي خطة من التَّوْفِيق مظْلمَة أحل لِقَوْمِهِ الزِّنَا وَالْخمر وَوضع عَنْهُم الصَّلَاة مُخَالفا لِلْأَمْرِ وَاسْتمرّ تَابعا شَيْطَانه المريد إِلَى أَن قَتله فِيمَا بعد خَالِد بن الْوَلِيد (ظلام بني حنيفَة عَاد ضوءا ... بِصُحْبَة من أظلته الغمامة) (لقد ذَهَبُوا إِلَى ربح وَولى ... إِلَى الخسران كَذَّاب الْيَمَامَة) وَفد طَيء سنة تسع من الْهِجْرَة ثمَّ قدم على النَّبِي ﷺ وَفد طَيء يطوون البيد ويأوون من حرمه الشريف إِلَى ركن شَدِيد وَكَانَ سيدهم زيد الْخَيل الْمَعْرُوف بإسداء الْمَعْرُوف وبذل النّيل فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهِ أَسْلمُوا على يَده الْمُبَارَكَة وأظهروا من حسن الْإِسْلَام مَا لَيْسَ لَهُم فِيهِ مُشَاركَة

стр. 204

ونوه النَّبِي ﷺ بِذكر زيد وَقطع لَهُ أَرضين مِنْهَا نَاحيَة فيد ثمَّ خرج يهزه الشوق والوجد حَتَّى أَتَى مَاء يُقَال لَهُ فردة بِنَجْد فحط رَحْله مفارقا صَحبه وَأَهله وَرمي هُنَاكَ من الْمنية بِسَهْم مُصِيب وَقيل لَهُ أنْشد يَا زيد وَإِنِّي مُقيم مَا أَقَامَ عسيب وَلما أحس بِالْمَوْتِ قَالَ (أمرتحل قومِي المشارف غدْوَة ... وَأنزل فِي بَيت بفردة منجد) (أَلا رب يَوْم لَو مَرضت لعادني ... عوائد من لم يبر مِنْهُنَّ يجْهد) وَفد كِنْدَة سنة تسع من الْهِجْرَة ثمَّ قدم على النَّبِي ﷺ وَفد كِنْدَة والسعد قد رفع لَهُم علمه وَعقد عَلَيْهِم نبده يؤمهم الْأَشْعَث بن قيس وَيجمع أَمرهم وَكَانُوا ثَمَانِينَ راجين أَن يرفع الله بِالْإِسْلَامِ ذكرهم فَدَخَلُوا الْمَسْجِد وَقد ترجلوا وكحلوا

стр. 205

أَعينهم وبالحرير تسربلوا وَأمرهمْ النَّبِي ﷺ بِنَزْع الْحَرِير فَألْقوا مَا كَانَ عَلَيْهِم مِنْهُ طَاعَة للبشير النذير ثمَّ آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله وَبلغ كل مِنْهُم نِهَايَة مطلبه وَغَايَة سوله (قل لِابْنِ قيس وَمن قد جَاءَ يَصْحَبهُ ... من وَفد كِنْدَة أهل الْفَوْز وَالظفر) (أفلحتم إِذْ دَخَلْتُم طائعين إِلَى ... ظلّ الرَّسُول المرجى سيد الْبشر) وَفد الأزد سنة تسع من الْهِجْرَة ثمَّ قدم على النَّبِي ﷺ وَفد الأزد وَفِيهِمْ صرد وَهُوَ الَّذِي سعى فِي تأنيس من نفر مِنْهُم وشرد فَبَايعُوهُ على الْإِسْلَام وَنَقَضُوا حكم الْأَوْثَان والأزلام وَأمر صرد بن عبد الله على من أسلم من أَصْحَابه وَأمره أَن يُجَاهد من يَلِيهِ من أهل الشّرك وأربابه فَسَار حسب الْأَمر إِلَى قبائل الْيمن وأبلى فِي وقْعَة أهل جرش أَي

стр. 206

بلَاء حسن قَتلهمْ قتلا لم يكن فِيهِ آثِما ثمَّ رَجَعَ بِالْبركَةِ النَّبَوِيَّة سالما غانما (يَا صَاح إِن وافيت وَفد الأزد قل ... مترنما لله دَرك يَا صرد) (أرشدت قَوْمك للهدى وكفيتهم ... شَرّ الردى ورددت مِنْهُم من شرد) وَفد هَمدَان سنة تسع من الْهِجْرَة ثمَّ قدم على النَّبِي ﷺ وَفد هَمدَان مُجْتَمعين على التَّمَسُّك من أهل الْإِيمَان بالأردان وَفِيهِمْ مَالك بن نمط الَّذِي لَا تَحْرِيف فِي أَلْفَاظ بلاغته وَلَا غلط قد لبسوا الحبرات والعمائم العدنية وركبوا برحال على المهرة والأرحبية فَدَخَلُوا عَلَيْهِ راغبين فِي دين الْإِسْلَام وَكتب كتابا يشْهد لَهُم بِحِفْظ الذمام ثمَّ رجعُوا إِلَى دِيَارهمْ وفنائهم وَنور الْإِيمَان يسْعَى بَين أَيْديهم وَمن ورائهم وَفِي ذَلِك يَقُول مَالك بن نمط من أَبْيَات

стр. 207

(حَلَفت بِرَبّ الراقصات إِلَى منى ... صوادر بالركبان من هضب قردد) (بِأَن رَسُول الله فِينَا مُصدق ... رَسُول أَتَى من عِنْد ذِي الْعَرْش مهتد) (فَمَا حملت من نَاقَة فَوق ظهرهَا ... أَشد على أعدائه من مُحَمَّد) (وَأعْطى إِذا مَا طَالب الْعرف جَاءَهُ ... وأمضى بِحَدّ المشرفي المهند) حجَّة أبي بكر الصّديق ﵁ سنة تسع من الْهِجْرَة بَعثه النَّبِي ﷺ أَمِيرا على الْحَج بِالنَّاسِ وَقد عزم على تَطْهِير الْبَيْت من أهل الشّرك والأدناس وجهز مَعَه عشْرين بَدَنَة قلدها وأشعرها بِيَدِهِ الْكَرِيمَة فَخرج فِي ثَلَاث مائَة رجل من ذَوي الصِّفَات الجميلة وَالْوُجُوه الوسيمة فَلَمَّا كَانَ بالعرج لحقه عَليّ بن أبي طَالب وَهُوَ على الْقَصْوَاء نَاقَة الْمُخْتَار من بني لؤَي بن غَالب ورد لقِرَاءَة بَرَاءَة ونبذ العهود فجمل

стр. 208

بوروده الْوُفُود بل الْوُجُود فَمَضَوْا سائرين وأدلجوا إِلَى بَيت الله صائرين فحج بِالنَّاسِ أَبُو بكر الصّديق وسلك إِلَى قَضَاء الْمَنَاسِك أحسن الطَّرِيق وَقَرَأَ على بَرَاءَة يَوْم النَّحْر عِنْد الْجَمْرَة ونبذ إِلَى كل ذِي عهد عَهده جاعلا بِيَدِهِ أمره وَقَالَ لَا يحجّ بعد هَذَا الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان ثمَّ رجعا قافلين إِلَى حرم سيد السادات والأعيان (لقد ظفر الْحجَّاج فِي عَام تِسْعَة ... لهجرة رب الْعلم وَالْفضل واللسن) (وفازوا بإقبال ويمن وَكَيف لَا ... وَفِيهِمْ أَبُو بكر وَفِيهِمْ أَبُو الْحسن) سَرِيَّة عَليّ بن أبي طَالب إِلَى الْيمن سنة عشر من الْهِجْرَة بَعثه النَّبِي ﷺ فِي شهر التَّرَاوِيح وَعقد لَهُ لِوَاء يخفى بضوء صبحة أنوار المصابيح وعممه بِيَدِهِ الْكَرِيمَة وخصصه ببركته العميمة وجهزه فِي ثَلَاثمِائَة فَارس وَألبسهُ من خَزَائِن الْوَصِيَّة أجمل الملابس فَسَار مُجْتَهدا فِي اتِّبَاع السّنَن وَالسّنَن حَتَّى أَتَى بِلَاد مذْحج من الْيمن فَبَثَّ أَصْحَابه فِيهَا وفرقهم فِي أقطارها ونواحيها فغابوا ثمَّ آبوا

стр. 209

وعرضوا عَلَيْهِ مَا من الْغَنَائِم أَصَابُوا ثمَّ لَقِي جمعهم فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَام فَأَبَوا عَلَيْهِ فَقَاتلهُمْ فَانْهَزَمُوا مِنْهُ ثمَّ أجابوه إِلَى مَا دعاهم إِلَيْهِ وَقَالُوا نَحن على من وَرَاءَنَا من الْقَوْم وبذلوا الزَّكَاة وأذعنوا إِلَى الصَّلَاة وَالصَّوْم ثمَّ أَمر بِجمع أَصْنَاف الْغَنَائِم وَضمّهَا فَأخْرج الْخمس وَقسم الْبَاقِي على مُقْتَضى المعدلة وَحكمهَا ثمَّ قفل فَوَافى النَّبِي ﷺ وَهُوَ بِمَكَّة قد قدمهَا لحج بَيت الله الْحَرَام (سَار بِأَمْر النَّبِي محتفلا ... نجل أبي طَالب إِلَى الْيمن) (فَأَنْذر الْقَوْم ثمَّ جاهدهم ... مُجْتَهدا فِي إِقَامَة السّنَن) (فآمنوا طَاعَة لدعوته ... وعرجوا عَن إثارة الْفِتَن) (مهلا بلغت المدى فكم لَك من ... فضل على النَّاس يَا أَبَا الْحسن) حجَّة الْوَدَاع سنة عشر من الْهِجْرَة أجمع رَسُول الله ﷺ على الْحَج فِي ذِي الْقعدَة وَأعلم الْمُسلمين بحركته الْمُبَارَكَة وعرفهم قَصده وَقدم النَّاس عَلَيْهِ يتمسكون بأذياله ويأتمون بأقواله المرشدة وأفعاله

стр. 210

فَخرج من الْمَدِينَة مغتسلا وَظهر متجردا فِي إِزَار ورداء مترجلا واستخلف عَلَيْهَا أَبَا دُجَانَة وَأخرج نِسَاءَهُ المتحليات بعقود الصيانة والديانة وَصلى الظّهْر بِذِي الحليفة قصرا وَنشر للهدي بإشعاره وتقليده ذكرا ثمَّ ركب نَاقَته وَأحرم من ذَلِك الْيَوْم وَاخْتلفت فِي صفة إهلاله أَقْوَال الْقَوْم وَمضى يقطع الْمنَازل وَيتبع الْعُنُق بِالنَّصِّ على البوازل حَتَّى أَتَى سرف بِمن مَعَه من طيبَة ثمَّ دخل مَكَّة من كداء حَتَّى انْتهى إِلَى بَاب بني شيبَة فَلَمَّا رأى الْبَيْت رفع يَده دَاعيا ثمَّ طَاف بِهِ مضطبعا وَبَين الصَّفَا والمروة ساعيا ثمَّ خرج إِلَى منى يَوْم التَّرويَة وَبَات بهَا مُعْلنا التَّلْبِيَة ثمَّ عَاد إِلَى عَرَفَات فَوقف على رَاحِلَته بالهضبات ثمَّ دفع بعد الْغُرُوب إِلَى الْمزْدَلِفَة وَبَات بهَا بِمن قُلُوبهم على محبته مؤتلفة فَلَمَّا صلى الصُّبْح وَقضى من الْموقف بقزح أربه مضى قبل طُلُوع الشَّمْس ملبيا حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة

стр. 211

ثمَّ نحر هَدْيه وَحلق رَأسه بمنى ثمَّ أَفَاضَ طَائِفًا بِالْبَيْتِ عَارِفًا بِمن شيد وَبنى وَقضى مَنَاسِك الْحَج وَحل من الْإِحْرَام وخطب بعد ظهر النَّحْر خطْبَة بَين فِيهَا الْحَلَال وَالْحرَام والتقط النَّاس من دُرَر أَلْفَاظه الثمينة ثمَّ ودع الْبَيْت وَانْصَرف رَاجعا إِلَى الْمَدِينَة (سَار إِلَى مَكَّة خير الورى ... من طيبَة فِي السّنة الْعَاشِرَة) (فأوضح السبل لمن أمهَا ... بِالنورِ من آيَاته الباهره) (وَبَين الْحَج وأركانه ... وَالسّنَن المأثورة الزاهره) (وأرشد النَّاس إِلَى مَا بِهِ ... يرقون فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَه) (صلى عَلَيْهِ الله مَا غردت ... وَرْقَاء فِي أوراقها الناضره)

стр. 212

سَرِيَّة أُسَامَة بن زيد إِلَى أَرض فلسطين سنة إِحْدَى عشرَة من الْهِجْرَة بَعثه النَّبِي ﷺ لأَرْبَع بَقينَ من صفر وَأمره من غَزْو الرّوم والإغارة عَلَيْهِم بِمَا أَمر وَعقد لَهُ لِوَاء بِيَدِهِ الْمُبَارَكَة وجهزه فِي الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار أَرْبَاب الصوارم الفاتكة فَخرج يحمل لِوَاءُهُ بُرَيْدَة بن الْحصيب وعسكر بالجرف مستعينا بعالم الشَّهَادَة والغيب فَاجْتمع لَدَيْهِ أهل البدو والحضر وانتدب للغزو أَعْيَان النَّاس حَتَّى أَبُو بكر وَعمر وَتكلم قوم فِي إمارته وَهُوَ شَاب على الكهول فَصَعدَ ﷺ الْمِنْبَر مغضبا وَذكر من تَقْدِيمه وتكريمه مَا وَردت بِهِ النقول ثمَّ اضْطجع ﷺ فِي مهاد الْمَرَض وَعرض لأسامة بل لجَمِيع الْمُسلمين من الشّغل بوفاته مَا عرض ثمَّ إِنَّه سَار فِي خلَافَة أبي بكر إِلَى جِهَة قَصده وَلم يقدم أحد من الْمُسلمين على رد جَيْشه وَلَا حل عقده لَكِن أَبَا بكر سَأَلَهُ فِي عمر بن الْخطاب وَأَن يَأْذَن لَهُ فِي تخلفه عَنهُ فَأجَاب حَتَّى انْتهى بِنَاحِيَة البلقاء

стр. 213

إِلَى أهل أبنى فشن الْغَارة على الْأَعْلَى من مَنَازِلهمْ والأدنى وَحرق بُيُوتهم وأشجارهم ومزق أعوانهم وأنصارهم وأجال الْخَيل فِي عراصهم وَأصَاب كثيرا من سوابحهم وقلاصهم وسبى أَوْلَادهم ونساءهم وَأخذ أَمْوَالهم وَسَفك دِمَاءَهُمْ وَقتل قَاتل أَبِيه واستأصل الخامل مِنْهُم والنبيه واظهر للعسكر نتيجة مَا خص بِهِ من التَّفْضِيل وَقسم الْجُمْلَة المجتمعة من الْغَنَائِم بَينهم على التَّفْصِيل ثمَّ أَسْرج للرحيل خيله حَتَّى قدم الْمَدِينَة فِي خمس عشرَة لَيْلَة فَخرج أَبُو بكر وَالنَّاس مستبشرين إِلَى لِقَائِه وَهَذِه آخر سَرِيَّة بعثها رَسُول الله وَخَاتم أنبيائه (للنجم قد سامى أُسَامَة رفْعَة ... وَلم لَا وَخير الْخلق نوه باسمه) (وافى إِلَى أَرض الشآم بمحفل ... فرق العدى ذلت لعزة عزمه) (وَلكم أَقَامَ بغزو الرّوم من ... علم يلوح بِعِلْمِهِ وبحزمه)

стр. 214

سحر لبيد بن الأعصم الْيَهُودِيّ لما رَجَعَ النَّبِي ﷺ من الْحُدَيْبِيَة فِي جَيْشه الْأَعْظَم جَاءَت رُؤَسَاء يهود المظهرون لِلْإِسْلَامِ إِلَى لبيد بن الأعصم وَكَانَ أعلمهم بِالسحرِ والسموم وطلبوا مِنْهُ أَن يسحر لَهُم الْمَحْفُوظ بِمن حفظ السَّمَاء بالنجوم وَجعلُوا لَهُ على ذَلِك جعلا فأجابهم قولا وَاتبع القَوْل فعلا واجتهدوا فِي أمره وسحره حَتَّى وجد من تغير حَاله مَا أنكرهُ وَأخذ عَن النِّسَاء وَالطَّعَام وَالشرَاب وَكَانَ يخيل إِلَيْهِ فعل مَا لم يَفْعَله حَتَّى عَاده الْأَصْحَاب ثمَّ أَتَاهُ ملكان وَهُوَ بَين النَّائِم وَالْيَقظَان فَأَخْبَرَاهُ بِالسحرِ وبمن سحر وَأَنه فِي مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر وَهُوَ تَحت صَخْرَة فِي بِئْر ذروان وأنزلت عَلَيْهِ السورتان المعوذتان فَجهز لإظهاره من ألهم رشده وَجعل كلما يقْرَأ آيَة تنْحَل عقدَة وشفي مِمَّا كَانَ يجده ﷺ ثمَّ عَفا عَن السَّاحر الْيَهُودِيّ بعد أَن اعْترف بِذَنبِهِ لَدَيْهِ (حسد الْيَهُود مُحَمَّدًا فتجمعوا ... كي يزرأه بِسحر نجل الأعصم) (خسروا وخابوا حَيْثُ أعلمهُ بِهِ ... من علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم)

стр. 215

شَاة زَيْنَب بنت الْحَارِث الْيَهُودِيَّة لما كَانَ النَّبِي ﷺ فِي غَزْو الْيَهُود بِخَيْبَر وَقتل من قتل فِيهَا من أكَابِر ذَوي الخزي الْأَكْبَر أَتَتْهُ زَيْنَب بنت الْحَارِث الْيَهُودِيَّة وأهدت إِلَيْهِ شَاة مَسْمُومَة مصلية فَوضعت بَين يَدَيْهِ وَبَعض أَصْحَابه حُضُور وَكَانَ فيهم بشر بن الْبَراء بن معْرور فنهس ﵇ من ذراعها نهسة وَتَنَاول بشر مِنْهَا لقْمَة أسكنته فِي ليلته رمسة فَلَمَّا ازدرد لقمته أعلمهم بعاقبتها المذمومة وَقَالَ إِن هَذِه الذِّرَاع تُخبرنِي أَنَّهَا مَسْمُومَة وَطرح مِنْهَا لكَلْب فَلم يتبع يَده حَتَّى مَاتَ وَكم لَهُ من معْجزَة باهرة الأمارات ظَاهِرَة العلامات ثمَّ دَعَا الْيَهُودِيَّة وسألها عَن الْحَامِل لَهَا على ضره فَقَالَت قلت إِن كَانَ نَبيا فستخبره الشَّاة وَإِن كَانَ ملكا اسْتَرَحْنَا من شَره فَدَفعهَا إِلَى وُلَاة ابْن معْرور فَقَتَلُوهَا بِهِ على الصَّحِيح من القَوْل فِي المسطور وَلم يزل يعاوده ألم أكله خَيْبَر إِلَى أَن قطعت مِنْهُ كَمَا ورد عَنهُ الإبهر
следующие страницы →