← Сира

Сира · id 6582

المقتفى من سيرة المصطفى

ابن حبيب الحلبي

Полный текст (220 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

(فَلَقَد ثوى فِي جنَّة مَرْفُوعَة ... وَلَقَد نجا من شَرّ حر النَّار) ملابس النَّبِي ﷺ كَانَ لَهُ برد نجراني غليظ الْحَاشِيَة وكمة بَيْضَاء وقلانس لاطية وعمامة سَوْدَاء صعد بهَا على الْمِنْبَر ولبسها عِنْد دُخُول مَكَّة يَوْم الْفَتْح الْأَكْبَر وقميص من الْقطن قصير الطول وَالْيَدَيْنِ وجبة من الصُّوف وجبة شامية صفيقة الكمين وَبرد من حبرَة لَهُ حاشيتان ورداء حضرمي وَإِزَار من نسج عمان وحلة حَمْرَاء يلبسهَا فِي الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ وَكَانَ يكثر القناع ويلبس الجرموقين والنعلين وَإِذا اعتم سدل عمَامَته بَين كَتفيهِ وأرخاها وَإِذا تَوَضَّأ أَو سجد رَفعهَا عَن جَبينه ونحاها

стр. 72

وَكَانَ يصْبغ ثِيَابه بالزعفران وَيظْهر للنَّاس وَعَلِيهِ بردَان أخضران وَأمر يلبس الثِّيَاب الْبَيْضَاء وحرض على ترك لبس الْحَرِير كل التحريض وَكَانَ ضجاعه من أَدَم حشوه لِيف وَقَامَ فِي مرط من صوف لَا لين وَلَا كثيف وَكَانَت لَهُ ملحفة مصبوغة وَصلى على الْحَصِير والفروة المدبوغة وَكَانَ يرفع إزَاره من وارئه ويرخيه من بَين يَدَيْهِ وَأخرج يَده للْوُضُوء من تَحت جبته وَأَلْقَاهَا على كَتفيهِ وتوشح بِثَوْب وَاحِد وَقَامَ بِهِ إِلَى الصَّلَاة وَأم الْقَوْم فِي شملة خَالف بَين طرفيها وعقدها فِي قَفاهُ وَأمر أَن يَقُول الْحَاضِر من أمته عِنْد لبس الْجَدِيد الْآتِي (الْحَمد لله الَّذِي كساني مَا أواري بِهِ عورتي وأتجمل بِهِ فِي حَياتِي) (لبس الغليظ من البرود مُحَمَّد ... أزكى الورى خير الْأَعَاجِم وَالْعرب) (وَهُوَ الَّذِي لَو شَاءَ أجْرى الله فِي ... أبياته طَوْعًا لَهُ نهر الذَّهَب)

стр. 73

سلَاح النَّبِي ﷺ كَانَ لَهُ سيف يُقَال لَهُ الْمَأْثُور وَسيف بالعضب عِنْد الْعَرَب مَشْهُور وَسيف يدعى ذَا الفقار يَصْحَبهُ فِي الْحَرْب وَيشْهد بِهِ مَوَاقِف الطعْن وَالضَّرْب وَسيف يُسمى صمصامة يروع الْقُلُوب وَسيف قلعي والبتار والحتف والرسوب وسيفان يعرفان بالمخذم وبالقضيب هَذِه أسيافه الَّتِي أخذت من صحبته بأوفر نصيب وَكَانَت لَهُ دروع تسحب على السَّحَاب فضل الذيول وَهن ذَات

стр. 74

الوشاح وَذَات الْحَوَاشِي وَذَات الفضول وَفِضة والسغدية درع دَاوُد ﵇ والبتراء والخرنق وكل مِنْهُنَّ لَا سهم عِنْدهَا للسهام وَكَانَ لَهُ من القسي الكتوم والزوراء والروحاء والبيضاء والصفراء وَكَانَ لَهُ كنَانَة يُقَال لَهَا الكافور ونبال تدعى الْمُتَّصِلَة ومنطقة من أَدِيم منشور وَكَانَ لَهُ ترسان أَحدهمَا يعرف بالزلوق وترس آخر يفخر على سَائِر الجنن ويفوق وَكَانَ لَهُ مغفران وَخَمْسَة أرماح حربتان إحديهما العنزة المخجلة ضوء الصَّباح

стр. 75

وَكَانَت لَهُ راية سَوْدَاء تسمى الْعقَاب وألوية بَيْضَاء رفيعة الجناب ومحجن وقضيب ومخصرة تسمى العرجون وفسطاط يعرف بالكن ويشتمل على السِّرّ الْمكنون (بِمُحَمد خير الْبَريَّة يكْتَفى ... يَوْم النزال إِذا اكفهر الْموقف) (هُوَ أثبت الشجعان عِنْد الْمُلْتَقى ... وَأجل من لبس السِّلَاح وأشرف) (كم فل جَيْشًا للعداة عرمرما ... صَعب المراس بِغَيْرِهِ لَا يكْشف) (لله درع لَاحَ فِيهِ ومغفر ... ومهند فِي كَفه ومثقف)

стр. 76

خَاتم النَّبِي ﷺ صنع لَهُ خَاتم من ذهب فاتخذه ولبسه فِي يَده مُدَّة ثمَّ نَزعه ونبذه وَقَالَ (وَالله لَا ألبسهُ أبدا) وَنهى عَن اتِّخَاذه وَلم يَجْعَل للنهى أمدا ثمَّ اتخذ خَاتمًا كُله من فضَّة ونقشه باسمه الَّذِي لم تزل أوراق شرفه غضة وَكَانَ يخْتم بِهِ الْكتب الصادرة من جِهَته وَينْهى أَن ينقش أحد على هَيئته وَصفته وَبَقِي فِي يَده ثمَّ فِي يَد أبي بكر ثمَّ فِي يَد عمر وَمن يَد عُثْمَان سقط فِي بِئْر أريس وَلم يظْهر لَهُ خبر بعد أَن طلب ثَلَاثَة أَيَّام وعام بِسَبَبِهِ فِي الْبِئْر الْمَذْكُورَة من عَام وَكَانَ لَهُ خَاتم فضَّة ملوية على حَدِيد مشرف باسم الله واسْمه أَخذه من خَالِد بن سعيد لبسه فِي يَده مُدَّة ثمَّ توارثه الْخُلَفَاء بعده وَكَانَ يتختم تَارَة فِي الْيُمْنَى وَتارَة فِي الْيُسْرَى وَيجْعَل فص الْخَاتم مِمَّا يَلِي بطن كَفه الَّتِي كم أذهبت عسرا (يَا طالبي روض الرِّضَا لوذوا بِمن ... صلى عَلَيْهِ رَبنَا وسلما) (وَأَنْتُم يَا تَابِعِيّ سنته ... تختموا فالمصطفى تختما)

стр. 77

نعل النَّبِي ﷺ مَشى فِي نَعْلَيْنِ مقاباتين وَصلى فِي نَعْلَيْنِ مخصوفتين وَكَانَ لَهُ نعل معقبة ملسنة مخصرة وَلبس النِّعَال السبتية فِيمَا نَقله بعض الصَّحَابَة وَذكره وَكَانَ يحب التَّيَمُّن فِي تنعله وَفِي طهوره وَترَجله وَفِي شَأْنه كُله وَلبس خُفَّيْنِ أسودين أهداهما النَّجَاشِيّ إِلَيْهِ وَكَانَ ينتعل قَائِما وَقَاعِدا ﷺ (البس الْخُف وَالنعال اقْتِدَاء ... بِالنَّبِيِّ الْأُمِّي خير الْأَنَام) (ومحقق أَن الَّذِي للمقفى ... يقتفى فائز بدار السَّلَام)

стр. 78

أَزوَاج رَسُول الله ﷺ [خَدِيجَة بنت خويلد] تزوج خَدِيجَة بنت خويلد الأَسدِية سنة خمس وَعشْرين من الْفِيل سَار بنظم عقدهَا من أنجد وأتهم وَكَانَ مبلغ صَدَاقهَا عَلَيْهِ خمس مائَة دِرْهَم وسلكت مَعَه سيرة عيونها بالجميل جَارِيَة وملكت وضع سَائِر أَوْلَاده إِلَّا إِبْرَاهِيم فَإِنَّهُ من مَارِيَة وَهِي أول من آمن بِهِ وَمَعَهُ صلى وَلم يتَزَوَّج غَيرهَا حَتَّى مضى عمرها وَتَوَلَّى مَاتَت بِمَكَّة قبيل الْهِجْرَة ودرجت إِلَى دَرَجَة من رفع الله بِالْإِيمَان قدره [سَوْدَة بنت زَمعَة] ثمَّ تزوج سَوْدَة بنت زَمعَة العامرية سنة عشر من النُّبُوَّة وَهِي أول امْرَأَة تزَوجهَا فِي الْإِسْلَام وَأمر فِي نظم عقدهَا بالإعلان والإعلام وَكَانَ صَدَاقهَا أَرْبَعمِائَة دِرْهَم من الْعين وَبقيت عِنْده إِلَى أَن رميت عِنْده بِسَهْم الْبَين

стр. 79

مَاتَت فِي الْمَدِينَة فِي آخر أَيَّام عمر وَدخلت إِلَى رَحْمَة من سخر اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر [عَائِشَة بنت أبي بكر الصّديق] ثمَّ تزوج عَائِشَة بنت أبي بكر الصّديق سنة عشر من النُّبُوَّة دخل بهَا بعد الْهِجْرَة وقطف مِنْهَا زهرَة وَيَا لَهَا زهرَة كثر الله بِهِ خَيرهَا وَلم يتَزَوَّج بكرا غَيرهَا واستمرت فِي صحبته مبتهجة بِمَا سمح لَهَا الزَّمَان إِلَى أَن قبض عَنْهَا وَهِي بنت عشر وثمان ثمَّ مَاتَت فِي ولَايَة مَرْوَان بِالْمَدِينَةِ بعد أَن شنفت الأسماع من أَلْفَاظه بالجواهر الثمينة [حَفْصَة بنت عمر] ثمَّ تزوج حَفْصَة بنت عمر بن الْخطاب سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة وَهِي الْمَعْرُوفَة بِكَثْرَة الصّيام والمشهورة بِالْقيامِ فِي جنح الظلام صاحبته الْمُسْتَحقَّة للتعظيم والتبجيل وَزَوجته فِي الْجنَّة هَكَذَا أخبرهُ عَن الله جِبْرِيل

стр. 80

أَقَامَت تَحت ظلّ جنَاحه مستضيئة بأنوار مصباحه إِلَى أَن غَابَتْ شمس ذَاته اللطيفة ثمَّ مَاتَت سنة خمس وَأَرْبَعين بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة [زَيْنَب بنت خُزَيْمَة] ثمَّ تزوج زَيْنَب بنت خُزَيْمَة القيسية سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة خطبهَا فَجعلت إِلَيْهِ أمرهَا فقرر على خَمْسمِائَة دِرْهَم مهرهَا وَكَانَت تدعى أم الْمَسَاكِين لرقتها عَلَيْهِم ورأفتها بهم وإحسانها إِلَيْهِم مكثت فِي صحبته ثَمَانِيَة أشهر ثمَّ انْتَقَلت ببركته إِلَى جنَّات وأنهر فصلى عَلَيْهَا ودفنها بِالبَقِيعِ ولعمري لقد ظَفرت من دُعَائِهِ بِالْجنَّةِ الواقية والحجاب المنيع [أم سَلمَة] ثمَّ تزوج أم سَلمَة هِنْد بنت حُذَيْفَة المخزومية سنة أَربع من الْهِجْرَة دخل بهَا فِي السّنة الْمَذْكُورَة ونظمها فِي سلك السالكين تَحت أَعْلَامه المنشورة ونقلها إِلَى بَيت زَيْنَب بعد خلوه من أُنْسُهَا فصنعت لَهُ طَعَاما

стр. 81

من الشّعير والودك بِيَدِهَا لَيْلَة عرسها وَكَانَت وفاتها فِي ولَايَة يزِيد بن مُعَاوِيَة بعد أَن حدثت عَنهُ بِمَا يروي ظمأ السَّامع والراوية [زَيْنَب بنت جحش] ثمَّ تزوج زَيْنَب بنت جحش سنة أَربع من الْهِجْرَة زوجه الله تَعَالَى إِيَّاهَا ونضر بنظره إِلَيْهَا محياها وَأنزل فِيهَا آيَة الْحجاب وأسبل عَلَيْهَا أَثوَاب الثِّيَاب ويكفيها ذَلِك شرفا وحسبها مَا حصل لَهَا من الْحسب وَكفى مَاتَت بِطيبَة بعد مغيب ذكائه وَكَانَت أول لاحقة بِهِ من نِسَائِهِ [جوَيْرِية بنت الْحَارِث] ثمَّ تزوح جوَيْرِية بنت الْحَارِث الْأَزْدِيَّة سنة خمس من الْهِجْرَة سباها يَوْم الْمُريْسِيع سنة خمس وحباها وحماها حماية الشَّمْس من اللَّمْس وَكَانَ اسْمهَا برة فحوله وَمد عَلَيْهَا ظلّ الْإِحْسَان وَطوله مَاتَت فِي ولَايَة مَرْوَان بِيَثْرِب وحملت إِلَى مَحل الرَّحْمَة بِإِذن رب الْمشرق وَالْمغْرب

стр. 82

[رَيْحَانَة بنت زيد] ثمَّ تزوج رَيْحَانَة بنت زيد سنة سِتّ من الْهِجْرَة كَانَت امْرَأَة جميلَة وسيمة عديمة النظير فِي بني النَّضِير كَرِيمَة وضعت ثمَّ رفعت وَفِي السَّبي يَوْم بني قُرَيْظَة وَقعت فَخَيرهَا بَين الْإِسْلَام ودينها فَاخْتَارَتْ مَا يزلفها عِنْد معيدها ومعينها فَأَصْدقهَا خَمْسمِائَة دِرْهَم وَبَين بِضَرْب الْحجاب عَلَيْهَا أمرهَا الْمُبْهم مَاتَت بِالْمَدِينَةِ بعد حجَّة الْوَدَاع ومنيت بِالتَّفْرِيقِ بعد الإجتماع [أم حَبِيبَة] ثمَّ تزوج أم حَبِيبَة رَملَة بنت أبي سُفْيَان سنة سبع من الْهِجْرَة زَوجهَا مِنْهُ خَالِد بن سعيد وَهِي من أَرض الْحَبَشَة فِي مَكَان بعيد وَأصْدقهَا النَّجَاشِيّ عَنهُ أَرْبَعمِائَة دِينَار وَبعث بهَا إِلَيْهِ مجهزة على مَا يحب ويختار مَاتَت فِي ولَايَة مُعَاوِيَة أَخِيهَا وَمَضَت يرحمها الله سُبْحَانَهُ ويقيها

стр. 83

[صَفِيَّة بنت حييّ] ثمَّ تزوج صَفِيَّة بنت حييّ الهارونية سنة سبع من الْهِجْرَة اصطفاها فِي غَزْوَة خَيْبَر لنَفسِهِ وَجعل عتقهَا صَدَاقهَا على مَا أخبر بِهِ الثِّقَة فِي طرسه وَكَانَت شَابة جميلَة نبيهة فِي قَومهَا نبيلة مَاتَت سنة خمس وَخمسين بِالْمَدِينَةِ وخلفت من الأَرْض وَالْعرض مَا قِيمَته ثمينة [مَيْمُونَة بنت الْحَارِث] ثمَّ تزوج مَيْمُونَة بنت الْحَارِث العامرية سنة سبع من الْهِجْرَة تولى نظم عقدهَا عَمه الْعَبَّاس وتجلى نجم سعدها مضيئا كالمقياس واستمرت كارعة من بحره النمير إِلَى أَن أفل عَنْهَا بالرغم مِنْهَا بدرها الْمُنِير

стр. 84

مَاتَت بسرف قَرِيبا من الْبَلَد الْحَرَام وَالله الدَّائِم الْبَاقِي على ممر اللَّيَالِي وَالْأَيَّام (يَا أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ برَبهمْ ... طُوبَى لَكِن بِصُحْبَة الْمُخْتَار) (قد خصكن الله بالشرف الَّذِي ... مَا مثله وبرفعة الْمِقْدَار) (فزتن بالهادي البشير مُحَمَّد ... خير الْأَنَام وَسيد الْأَبْرَار) (مني عليكن السَّلَام المرتضى ... مَا غرد الْقمرِي فِي الأسحار) أَوْلَاد النَّبِي ﷺ ولد لَهُ الْقَاسِم الْمَعْرُوف بِالْعرْفِ الناسم الَّذِي كَانَ بِهِ يكنى وَله يعوذ بأسماء الله الْحسنى مَاتَ بِمَكَّة صَغِيرا وَسبق ليلحق نعيما وملكا كَبِيرا

стр. 85

ثمَّ زَيْنَب أم عَليّ وأمامة الرافلين فِي حلل الْقسَامَة والوسامة ولدى أبي الْعَاصِ بن الرّبيع الفائز بالوصول إِلَى هَذَا الْمنزل الرفيع توفيت بعد الْهِجْرَة سنة ثَمَان وَمَضَت مَعَ الْمُؤمنِينَ إِلَى دَار الْأمان ثمَّ رقية الراقي محلهَا على كيوان أم عبد الله بن عُثْمَان بن عَفَّان مَاتَت سنة اثْنَيْنِ من الْهِجْرَة وَنزلت بِمن يثيب الطائع ويجزل أجره ثمَّ فَاطِمَة أم الْحسن وَالْحُسَيْن الْإِمَامَيْنِ السيدين السعيدين الشهيدين ابْني عَليّ بن أبي طَالب الْغَيْث الْهَادِي وَاللَّيْث الْغَالِب توفيت بعد أَبِيهَا بِثَلَاثَة شهور وانتقلت إِلَى رضوَان الْعَزِيز الغفور ثمَّ أم كُلْثُوم ذَات الشّرف الْمَعْلُوم والنظير الْمَعْدُوم زَوْجَة عُثْمَان ذِي النورين الآوى مِنْهَا وَمن أُخْتهَا رقية إِلَى طورين مَاتَت بعد الْهِجْرَة عَام تِسْعَة وسارت إِلَى مَحل السرُور والرفعة ثمَّ عبد الله وَيُسمى الطّيب الطَّاهِر الْمَوْلُود بعد مبعث أَبِيه الْكَوْكَب الزَّاهِر مَاتَ صَغِيرا بِمَكَّة بعد أَخِيه الْقَاسِم وذوى سَرِيعا غصنه الباسق ونوره الباسم ثمَّ إِبْرَاهِيم صَاحب الظِّئْر فِي الْجنَّة ونجل سيد الثقلَيْن الْإِنْس وَالْجنَّة توفّي سنة عشر لِلْهِجْرَةِ صَغِيرا وَدفن بِالبَقِيعِ بعد أَن صلى عَلَيْهِ من صلى بِالْمَلَائِكَةِ والنبيين فِي الرقيع

стр. 86

وَفِي زَيْنَب يَقُول أَبُو الْعَاصِ ابْن الرّبيع (ذكرت زَيْنَب لما جاوزوا إرما ... وَقلت سقيا لشخص يسكن الحرما) (بنت الْأمين جزاها الله صَالِحَة ... وكل بعل سيثنى بِالَّذِي علما) كتاب النَّبِي ﷺ أَبُو بكر الصّديق وَعمر عَامر منزل التَّحْقِيق وَعُثْمَان ذُو النورين الباهرين وَعلي وَالِد الْإِمَامَيْنِ الطاهرين وخَالِد وإبان وَسَعِيد بَنو الْعَاصِ وعامر بن فهَيْرَة رَافع لِوَاء الْوَلَاء وَالْإِخْلَاص وَعبد الله ابْن الأرقم وحَنْظَلَة بن الرّبيع وَأبي بن كَعْب الآوى من كتاب الله

стр. 87

إِلَى حصن منيع وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان والمغيرة بن شُعْبَة فاتح ميسَان وَمُحَمّد بن مسلمة البطل الْمِقْدَام وَزيد بن ثَابت وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وثابت ابْن قيس وشرحبيل والْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ الباسل النَّبِيل وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَعبد الله بن رَوَاحَة وخَالِد بن الْوَلِيد الْمَوْصُوف بالحماسة والسماحة وَعبد الله بن زيد وجهيم المفضال وحفيد أبي بن سلول ومعيقيب أَمِين بَيت المَال

стр. 88

(قل للكرام الْكَاتِبين أَبْشِرُوا ... بِصُحْبَة الْهَادِي أبي الطَّاهِر) (من مثلكُمْ فِي الْحَظ والحظيا ... كتاب وَحي الْملك القاهر) رسل النَّبِي ﷺ عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي بَعثه إِلَى النَّجَاشِيّ بِكِتَاب يرشده فِيهِ إِلَى طَرِيق الصَّوَاب فَأَخذه وَوَضعه على عَيْنَيْهِ وَنزل عَن سَرِيره فَجَلَسَ بَين يَدَيْهِ ثمَّ أسلم فَسلم وَشهد من الْحق بِمَا علم وَقَامَ بِمَا يجب من تَعْظِيم رَسُوله وَكتابه وَأرْسل إِلَيْهِ امتثالا لأَمره بِمن قبله من أَصْحَابه دحْيَة بن خَليفَة الْكَلْبِيّ بَعثه إِلَى هِرقل ملك الرّوم وَمَعَهُ كتاب بنقش الْهِدَايَة مرقوم فَقَرَأَ الْكتاب وهم بِالْإِسْلَامِ فقوبل من أَصْحَابه بالتعنيف والملام فَأَعْرض إشفاقا على ملكه وَأمْسك خوفًا من توصلهم إِلَى هلكه

стр. 89

عبد الله بن حذافة السَّهْمِي بَعثه إِلَى كسْرَى ملك فَارس وجهز مَعَه كتابا مُشْتَمِلًا على غرس النصح فَأكْرم بالغارس فمزق الْكتاب ونكص عَن الْجَواب فَلَمَّا بلغه ذَلِك دَعَا عَلَيْهِ بالتمزق فمزق الله ملكه وَملك قومه وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق حَاطِب بن أبي بلتعة اللَّخْمِيّ بَعثه إِلَى الْمُقَوْقس ملك الْإسْكَنْدَريَّة وَهُوَ يَوْمئِذٍ عَظِيم القبط بالديار المصرية يَأْمُرهُ بالهداية وينهاه عَن الغواية فَقَالَ خيرا وقارب الْأَمر لكنه لم يسلم فَلم يسلم من حر الْجَمْر وَأرْسل إِلَيْهِ مَارِيَة وَأُخْتهَا وهدية رأى لِسَان الْقَلَم أَن يختصر نعتها

стр. 90

شُجَاع بن وهب الْأَسدي بَعثه إِلَى الْحَارِث ملك البلقاء من الشَّام وَأرْسل مَعَه كتابا يَدعُوهُ فِيهِ إِلَى الْإِسْلَام فقرأه ووقف عَلَيْهِ وَرمى بِهِ قَائِلا أَنا أَسِير إِلَيْهِ ثمَّ أَنه عزم على الْمسير لكنه انْقَلب خاسئا وَهُوَ حسير سليط بن عَمْرو العامري بَعثه إِلَى هَوْذَة بن عَليّ بِالْيَمَامَةِ يَدعُوهُ إِلَى مَا يُدْنِيه من دَار المقامة فَأكْرم الرَّسُول وأنزله ثمَّ كتب مَا أحسن مَا تَدْعُو إِلَيْهِ وأجمله وَأثْنى على نَفسه فِي خطابته وشعره وَطلب مِنْهُ أَن يَجْعَل لَهُ بعض أمره فَأبى عَلَيْهِ فِي مرامه وَلم يلْتَفت إِلَى مَا نمقه من كَلَامه عَمْرو بن الْعَاصِ بَعثه إِلَى جَيْفَر ملك عمان يستدعيه إِلَى الْإِيمَان والأمان فَأسلم وَسلم وبكلمة الصدْق وَالْحق تكلم وخلى بَين الصَّدَقَة وَبَين عَمْرو وفوض إِلَيْهِ مقاليد النهى وَالْأَمر

стр. 91

الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ بَعثه إِلَى الْمُنْذر الْعَبْدي ملك الْبَحْرين وَمَعَهُ كتاب ينْطق لذِي الشَّهَادَتَيْنِ بأجور وَلَا أَقُول بأجرين فَقَرَأَ الْكتاب وَأحسن الْخطاب وَأسلم وَصدق وطلة الغى طلق وهجر من لم يسلم من أهل هجر وَظهر بِخلق يقربهُ مِمَّن خلق كل شَيْء بِقدر (رسل النَّبِي إِلَى الْمُلُوك تجهزوا ... يَدعُونَهُمْ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام) (فَلِمَنْ أطَاع كَرَامَة وَلمن عصى ... خزي يَدُوم على مدى الْأَيَّام) خدام النَّبِي ﷺ أنس بن مَالك وَعبد الله بن مَسْعُود وَأَبُو ذَر الْبَالِغ بصدقه ذرْوَة الْمَقْصُود وَرَبِيعَة بن كَعْب وَعقبَة بن عَامر وأسلع بن شريك

стр. 92

الظافر بالغيث الهامر وَسعد مولى أبي بكر الصّديق وبلال رَئِيس المؤذنين على التَّحْقِيق وَأَبُو الْحَمْرَاء وَذُو مخمر وَبُكَيْر الَّذِي أَوْرَق غُصْن سعده وأثمر (خدام خير الورى أكْرم بهم نَفرا ... كم زهرَة قطفوا من روض نعْمَته) (لَو لم يكن لَهُم حَظّ لَهُ مدد ... من السَّعَادَة مَا فازوا بخدمته) موَالِي رَسُول الله ﷺ زيد بن حَارِثَة وَأُسَامَة بن زيد وأيمن الشَّهِيد بحنين وَأسلم بن عبيد وَأَبُو رَافع وثوبان وَأَبُو مسروح وشقران ويسار ورباح

стр. 93

وفضاله الطَّائِر بجناح النجاح وَأَبُو كَبْشَة وطهمان وَأَبُو السَّمْح وكيسان وأفلح وهابور وَرَافِع ومدعم وكركرة وَنَافِع وَأَبُو موهبة وذكوان وَأَبُو لبَابَة ومروان وهَاشِم وسندر وحنين وَيزِيد وَزيد وَعبيد وَسعد وَسَعِيد وَأَبُو وَاقد وضميرة وَأَبُو عسيب وسفينة الفائز من خدمته بأوفى نصيب وَأم أَيمن وسلمى وَرَيْحَانَة ومارية الَّتِي علت بِوَلَدِهَا بهْرَام الْفلك وكيوانة وربيحة ومَيْمُونَة وخضرة الأمينة المأمونة وَأم عَيَّاش ورضوى وَأم ضميرَة الثاوية فِي أعز مثوى

стр. 94

(موَالِي خير خلق الله كَانُوا ... نُجُوم الْمجد فِي أفق الْمَعَالِي) (أيا من قَصده الْإِعْرَاب عَنْهُم ... هم السادات فِي زِيّ الموَالِي) خيل النَّبِي ﷺ ودوابه كَانَ لَهُ فرس أدهم يُسمى السكب لخفته وَفرس أَشهب يدعى المرتجز لحسن صهيله وغنته واللحيف الَّذِي يلحف الأَرْض بذيله الطَّوِيل واللزاز والظرب اللَّذَان لَا نَظِير لَهما فِي العاديات وَلَا مثيل والورد الَّذِي أنعم بِهِ على عمر وسبحة الَّتِي سَابق بهَا فَلم يدْرك لَهَا أثر هَذِه سَبْعَة أَفْرَاس مُتَّفق عَلَيْهَا وَذكر الروَاة لَهُ غَيرهَا من الْخَيل وأشاروا إِلَيْهَا

стр. 95

وَكَانَت لَهُ بغلة شهباء يُقَال لَهَا دُلْدُل مَشْهُورَة الْأَمر وَبغلة تسمى فضَّة أهداها لَهُ الجذامى فَرْوَة بن عَمْرو وَبغلة بَيْضَاء بعث إِلَيْهِ صَاحب أَيْلَة بهَا وبكتابه وَبغلة أهداها لَهُ أَصْحَاب الجندل مَعَ جُبَّة من ثِيَابه وحماران أَحدهمَا عفير وَالْآخر يَعْفُور هَذِه عدتهَا حسب مَا هُوَ فِي كتب الْقَوْم مسطور وَكَانَت لَهُ نَاقَة تسمى العضباء هَاجر عَلَيْهَا إِلَى الْمَدِينَة وجمل أَحْمَر وقف عَلَيْهِ بِعَرَفَة أَيْن الجديل من رتبته المكينة وجمل يُقَال لَهُ الثَّعْلَب مَعْرُوف فِي ذَلِك الصَّدْر ومهرى لَهُ برة من فضَّة غنمه يَوْم بدر ومهرية من نعم بني عقيل بالهامرية وعدة لقاح مِنْهَا بردة ومروة والعريس والسعدية وَكَانَ لَهُ قطيع من الْغنم مِنْهُ غوثة وبركة وزمزم وقمر هَذَا نَص مَا وَردت بِهِ النقول وَصَحَّ فِي الْخَبَر

стр. 96

(خيل الرَّسُول سَبْعَة مسطورة ... ) (ودلدل بغلته مشهوره ... ) (والناقة العضباء نعم الصوره ... ) (صورتهَا المحمودة المشكوره ... ) (وَهَكَذَا أنعامه المذكوره ... ) (عدتهَا مضبوطة محصوره ... ) (فاجنح إِلَى سيرته المأثوره ... ) (واترك أماني نَفسك المغرورة ... ) (تَحِيَّة أزهارها ممطوره ... ) (مني عَلَيْهِ لم تزل منشوره ... ) الْغَزَوَات والسرايا والوفود سَرِيَّة حَمْزَة بن عبد الْمطلب إِلَى سيف الْبَحْر سنة إِحْدَى من الْهِجْرَة بَعثه النَّبِي ﷺ فِي رَمَضَان عَام الْهِجْرَة وَعقد لَهُ لِوَاء يهدي بالبياض من لَونه إِلَى طَرِيق النُّصْرَة

стр. 97

وَهُوَ أول لِوَاء عقده الرَّسُول وَحمله أَبُو مرْثَد الغنوي فَأكْرم بالحامل والمحمول فَسَار فِي ثَلَاثِينَ من الْمُهَاجِرين يطْلب عير أبي جهل بن هِشَام وَكَانَ قد آب فِي ثَلَاثمِائَة قرشي من بِلَاد الشَّام فَالْتَقوا بِسيف الْبَحْر من نَاحيَة الْعيص وَاصْطَفُّوا قائلين لَا محيد عَن الْقِتَال وَلَا محيص فَمشى بَين الْفَرِيقَيْنِ حليفها مجدي بن عَمْرو حَتَّى منعهما من الْوُقُوع فِي أشراك العراك وانفصل الْأَمر وَفِي هَذِه السّريَّة يَقُول حَمْزَة من أَبْيَات (فَمَا برحوا حَتَّى انتدبت لغارة ... لَهُم حَيْثُ حلوا ابْتغى رَاحَة الْفضل) (بِأَمْر رَسُول الله أول خافق ... عَلَيْهِ لِوَاء لم يكن لَاحَ من قبل) (فَلَمَّا تراءينا أناخوا فعقلوا ... مطايا وعقلنا مدى غَرَض النبل) (وَقُلْنَا لَهُم حَبل الْإِلَه نصيرنا ... وَمَا لَهُم إِلَّا الضَّلَالَة من حَبل)

стр. 98

(فثار أَبُو جهل هُنَالك بَاغِيا ... فخاب ورد الله كيد أبي جهل) (فيا للؤي لَا تطيعوا غواتكم ... وفيئوا إِلَى الْإِسْلَام والمنهج السهل) سَرِيَّة عُبَيْدَة بن الْحَارِث إِلَى بطن رابغ سنة إِحْدَى من الْهِجْرَة بَعثه النَّبِي ﷺ فِي شَوَّال على رَأس خَمْسَة وَثَلَاثَة وَعقد لَهُ لِوَاء أَبيض حمله مسطح بن أَثَاثَة فَسَار فِي سِتِّينَ رجلا من الْمُهَاجِرين صابرين على الْجِهَاد فِي سَبِيل الله ومصابرين فلقي أَبَا سُفْيَان فِي مِائَتي رجل ملتفين عَلَيْهِ وَهُوَ على مَاء من بطن رابغ الْمشَار إِلَيْهِ فَكَانَت بَينهمَا المناوشة وَالرَّمْي بالنبال وَلم يسلوا سيوفا وَلَا اصطفوا لِلْقِتَالِ ثمَّ انصرفت كل فرقة إِلَى نَاحيَة وَرجع ابْن الْحَارِث إِلَى الْمَدِينَة بفرقته النَّاجِية

стр. 99

وَفِي هَذِه السّريَّة يَقُول أَبُو بكر الصّديق من أَبْيَات (ترى من لؤى فرقة لَا يصدها ... عَن الْكفْر تذكير وَلَا بعث باعث) فَإِن يرجِعوا عَن كفرهم وعقوقهم ... فَمَا طَيّبَات الْحل مثل الْخَبَائِث) (وَإِن يركبُوا طغيانهم وضلالهم ... فَلَيْسَ عَذَاب الله عَنْهُم بلابث) (لتبتدرنهم غَارة ذَات مُصدق ... تحرم أظهار النِّسَاء الطوامث) (تغادر قَتْلَى تعصب الطير حَولهمْ ... وَلَا ترأف الْكفَّار رأف ابْن حَارِث) سَرِيَّة سعد بن أبي وَقاص إِلَى الخرار سنة إِحْدَى من الْهِجْرَة بَعثه النَّبِي ﷺ فِي ذِي الْقعدَة عَام هجرته وَعقد لَهُ لِوَاء يخجل الصُّبْح ببياضه ونضرته حمله الْمِقْدَاد بن عَمْرو ممتثلا مَا أَشَارَ بِهِ صَاحب الْأَمر فَسَار فِي عشْرين من الْمُهَاجِرين الْأَبْرَار طَالبا عير قُرَيْش مَأْمُورا أَن لَا يُجَاوز الخرار وَكَانُوا يكمنون النَّهَار ويسيرون اللَّيْل حَتَّى جاءوها صبح

стр. 100

يَوْم خَمِيس مَجِيء السَّيْل فوجدوا العير قد مرت بالْأَمْس فَرَجَعُوا إِلَى خدمَة من بدعائه رجعت الشَّمْس (أيا سعد خبرني بِحَال سَرِيَّة ... على جَانب الخرار خر لَهَا الْمجد) (وَحدث عَن الْمُخْتَار وانثر عقوده ... عَليّ وزدني من حَدِيثك يَا سعد) غَزْوَة ودان سنة اثْنَتَيْنِ من الْهِجْرَة خرج النَّبِي ﷺ فِي صفر من السّنة الْمَذْكُورَة وَدفع لِوَاءُهُ إِلَى حَمْزَة الْمَوْصُوف بالمناقب المبرورة واستخلف على الْمَدِينَة سعد بن عبَادَة وَسَار مَعَه الْمُهَاجِرُونَ الرافلون فِي حلل السَّعَادَة حَتَّى بلغ الْأَبْوَاء يُرِيد عيرًا لقريش فَلم يلق كيدا فَرجع بِمن مَعَه من الْجَيْش وَفِي هَذِه الْغَزْوَة وادع بني ضَمرَة وَكتب بَينه وَبينهمْ كتابا أجْرى الثِّقَات من الروَاة ذكره وَهِي أول غَزْوَة غَزَاهَا بِنَفسِهِ وأخلى بِسَبَبِهَا الْمَدِينَة من بركته وأنسه

стр. 101

(يَا حادي الأظعان يخترق الرها ... ويجيد قطع سباسب الفلوات) (عرج على ودان فَهِيَ لِأَحْمَد ... خير البرايا أول الْغَزَوَات) غَزْوَة بواط سنة اثْنَتَيْنِ من الْهِجْرَة ثمَّ خرج النَّبِي ﷺ فِي الشَّهْر الَّذِي قبله صفر وَدفع إِلَى سعد بن أبي وَقاص لواه عِنْد السّفر واستخلف سعد بن معَاذ على الْمَدِينَة وَسَار فِي مِائَتَيْنِ من الباذلين فِي طَاعَته نفائس نُفُوسهم الثمينة وَكَانَ قَصده اعْتِرَاض أُميَّة بن خلف وَالْعير حَيْثُ سمع أَن فِيهَا مائَة من قُرَيْش وألفا وَخَمْسمِائة بعير فَبلغ بواطا وَهِي جبال من نَاحيَة رضوى فَلم يلق كيدا فَرجع إِلَى أعز منزل وَأكْرم مثوى

стр. 102

(أَيهَا السائر الْمجد تلفت ... نَحْو رضوى وَانْزِلْ بِأَرْض بواط) (فِيهَا حل أشرف الرُّسُل طرا ... خير هاد إِلَى سَوَاء الصِّرَاط) غَزْوَة سفوان وَهِي بدر الأولى سنة اثْنَتَيْنِ من الْهِجْرَة ثمَّ خرج النَّبِي ﷺ فِي ربيع الأول بعد بواط وَدفع لواه إِلَى عَليّ بن أبي طَالب السالك أقوم صِرَاط واستخلف زيد بن حَارِثَة وَسَار بذوي الرماح الفارية وَالسُّيُوف الفارثة طَالبا كرز بن جَابر عَازِمًا على أَن يقطع مِنْهُ الدابر وَكَانَ قد غَار على سرح الْمَدِينَة فاستاقه وَأدْخل أَهله بَابا من الْهم لَيْسَ لَهُم بِهِ طَاقَة وَاسْتمرّ فِي طلبه إِلَى أَن بلغ سفوان من نَاحيَة بدر ثمَّ رَجَعَ حَيْثُ فَاتَهُ الشارد الْوَارِد غَدِير الْغدر (يَا رَاجِلا يَبْغِي حمى يثرب ... أبشر وسر منشرح الصَّدْر)

стр. 103

(وأهرع إِلَى حجرَة خير الورى ... العاقب الْمُرْتَفع الْقدر) (وَاتبع سنا آثَار أقدامه ... وَانْزِلْ على سفوان من بدر) غَزْوَة ذِي الْعَشِيرَة سنة اثْنَتَيْنِ من الْهِجْرَة ثمَّ خرج النَّبِي ﷺ فِي جُمَادَى الْآخِرَة الْكَائِن فِي السّنة الثَّانِيَة من تَارِيخ المهاجرة واستخلف على طيبَة أَبَا سَلمَة بن عبد الْأسد وَدفع إِلَى حَمْزَة لواه الَّذِي لَا غَايَة لرفعته وَلَا أمد وَسَار فِي مائَة وَخمسين من ذَوي الْهِجْرَة الَّذين لَا يشوب عزمهم فِي طَاعَته تَقْصِير وَلَا فَتْرَة حَيْثُ بلغه أَن عير قُرَيْش فصلت بأموالها وَخرجت من مَكَّة إِلَى الشَّام مَحْفُوظَة بالحمس من رجالها فَانْتهى إِلَى ذِي الْعَشِيرَة بِنَاحِيَة يَنْبع فَوجدَ العير قد دخلت مِنْهُم الْمنَازل والأربع وَفِي هَذِه الْغُزَاة كنى عليا أَبَا تُرَاب حِين وجده نَائِما لَيْسَ بَينه وَبَين الأَرْض حجاب

стр. 104

وفيهَا وادع بني مُدْلِج وحلفاءهم من بني ضَمرَة ثمَّ رَجَعَ بِأَصْحَابِهِ الْمُهَاجِرين لم يلق كيدا وَلَا مَا يكره (أيا صَاح سر بِي إِلَى مَكَّة ... ولذ بالمنازل والأربع) (وحث المطايا وَخذ يمنة ... إِلَى ذِي الْعَشِيرَة من يَنْبع) سَرِيَّة عبد الله بن جحش إِلَى نَخْلَة سنة اثْنَتَيْنِ من الْهِجْرَة بَعثه النَّبِي ﷺ فِي شهر رَجَب الْفَرد فَسَار فِي اثنى عشر من الْمُهَاجِرين الصالي من عاداهم نَار الْعَكْس والطرد حَتَّى انْتهى بِمن مَعَه إِلَى نَخْلَة بَين مَكَّة والطائف وَنزل يترصد قُريْشًا حسب مَا أَمر بِهِ غير وَجل وَلَا خَائِف فمرت بهم عير لقريش تحمل أصنافا من التِّجَارَة فَأخذُوا العير وَرَجَعُوا بعد قتل وَاحِد وَأسر اثْنَيْنِ معلنين بالبشارة فَقَالَت قُرَيْش فِي معرض الملام قد أحل مُحَمَّد وَأَصْحَابه الشَّهْر الْحَرَام

стр. 105

وَفِي ذَلِك يَقُول عبد الله بن جحش من أَبْيَات (تَعدونَ قتلا فِي الْحَرَام عَظِيمَة ... وَأعظم مِنْهُ لَو يرى الرشد رَاشد) (صدودكم عَمَّا يَقُول مُحَمَّد ... وَكفر بِهِ وَالله رَاء وَشَاهد) (وإخراجكم من مَسْجِد الله أَهله ... لِئَلَّا يرى لله فِي الْبَيْت ساجد) غَزْوَة بدر الْكُبْرَى سنة اثْنَتَيْنِ من الْهِجْرَة ثمَّ خرج النَّبِي ﷺ فِي شهر الصّيام وَظهر بَين أَصْحَابه النُّجُوم كالبدر عِنْد التَّمام واستخلف على الْمَدِينَة أَبَا لبَابَة بن عبد الْمُنْذر وَدفع لواه إِلَى مُصعب بن عُمَيْر ذِي السَّيْف الَّذِي إِذا أفْضى لم يعْذر وَسَار فِي ثَلَاثمِائَة أَو يزِيد من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار يُرِيد عيرًا لقريش

стр. 106

فِيهَا أَنْوَاع من المتجر وَجَمَاعَة من التُّجَّار حَتَّى وصل قَرِيبا من بدر وَنزل بِمن مَعَه من أهل الشّرف وَالْقدر وَكَانَ قد بلغ قُريْشًا خُرُوجه إِلَى إمساكهم فبعثوا إِلَى مَكَّة من حض أَصْحَابهم على إدراكهم فهرع إِلَيْهِم الرامح والنابل واجتمعوا نَحْو الْألف مَا بَين الْفَارِس والراجل فَردُّوا العير وأحرزوا المَال ثمَّ أَصْبحُوا مصممين على الكفاح والنزال فبرز الْمُسلمُونَ إِلَى قِتَالهمْ والتقى الْفَرِيقَانِ يعومون فِي بَحر مجالهم وَحمى الْوَطِيس وهاجت نَار الوغى وخذل الله من طَغى من الْمُشْركين وبغى ومنح أهل الْإِيمَان أَكْنَافهم فَقتلُوا صَنَادِيدهمْ وأسروا أَشْرَافهم وظفروا بالنصر الْعَزِيز وَالْفَتْح الْقَرِيب ورموا بعض الْقَتْلَى فِي القليب وَمَا أَدْرَاك مَا القليب وجهز النَّبِي ﷺ عبد الله بن رَوَاحَة مبشرا مأجورا ثمَّ انْقَلب ﷺ بالنفل والأسرى إِلَى أَهله مَسْرُورا وَفِي هَذِه الْغَزْوَة يَقُول حَمْزَة بن عبد الْمطلب من أَبْيَات (عَشِيَّة راحوا نَحْو بدر بِجَمْعِهِمْ ... فَكَانُوا رهونا للركية من بدر)

стр. 107

(وَنحن تركنَا عتبَة الغي ثاويا ... وَشَيْبَة فِي قَتْلَى تجرجم فِي الجفر) (وَعَمْرو ثوى فِيمَن ثوى من حماتهم ... فشقت جُيُوب النائحات على عَمْرو) وفيهَا يَقُول عَليّ بن أبي طَالب من أَبْيَات (وَأمكن مِنْهُم يَوْم بدر رَسُوله ... وقوما غضابا فعلهم أحسن الْفِعْل) (تبيت عُيُون النائحات عَلَيْهِم ... تجود بإسبال الرشاش وبالوبل) (نوائح تنعى عتبَة الغي وَابْنه ... وَشَيْبَة تنعاه وتنعى أَبَا جهل) وفيهَا يَقُول حسان بن ثَابت من أَبْيَات (يناديهم رَسُول الله لما ... قذفناهم كباكب فِي القليب) (ألم تَجدوا كَلَامي كَانَ حَقًا ... وَأمر الله يَأْخُذ بالقلوب) (فَمَا نطقوا وَلَو نطقوا لقالوا ... صدقت وَكنت ذَا رَأْي مُصِيب)

стр. 108

وفيهَا يَقُول من أَبْيَات (سرنا وَسَارُوا إِلَى بدر لحينهم ... لَو يعلمُونَ يَقِين الْعلم مَا سَارُوا) (دلى لَهُم بغرور ثمَّ أسلمهم ... إِن الْخَبيث لمن وَالَاهُ غرار) وفيهَا يَقُول من أَبْيَات (أَلا لَيْت شعري هَل أَتَى أهل مَكَّة ... إبارتنا الْكفَّار فِي سَاعَة الْعسر) (قتلنَا سراة الْقَوْم عِنْد مجالنا ... فَلم يرجِعوا إِلَّا بقاصمة الظّهْر) (لعمري مَا حامت فوارس مَالك ... وأشياعهم يَوْم الْتَقَيْنَا على بدر) وفيهَا يَقُول كَعْب بن مَالك من أَبْيَات (فَمَا ظَفرت فوارسكم ببدر ... وَلَا رجعُوا إِلَيْكُم بالسواء) (فَلَا تعجل أَبَا سُفْيَان وارقب ... جِيَاد الْخَيل تطلع من كداء)

стр. 109

سَرِيَّة عُمَيْر بن عدي إِلَى عصماء بنت مَرْوَان سنة اثْنَتَيْنِ من الْهِجْرَة نَهَضَ بِخمْس نفر فِي شهر لَيْلَة الْقدر المشرقة أَيَّامه بالأنوار الساطعة من أهل بدر فَسَار إِلَى عصماء وَكَانَت تعيب الْإِسْلَام وَتقول الشّعْر محرضة فِيهِ على خير الْأَنَام فَجَاءَهَا حَتَّى دخل بَيتهَا فِي جَوف اللَّيْل وَمَال على صدرها بذباب سَيْفه كل الْميل ثمَّ رَجَعَ فصلى الْفجْر مَعَ الرَّسُول وَأصْبح يتلقاه كل من الْمُؤمنِينَ بمضاعفة الْقبُول (عُمَيْر رعاه الله من متيقظ ... وأنزله فِي الْخلد بالمنزل الأسما) (إِلَى بَيت مَرْوَان مضى وحسامه ... يَقُول لَهَا لَا عَاصِم الْيَوْم يَا عصما)

стр. 110

سَرِيَّة سَالم بن عُمَيْر إِلَى أبي عفك الْيَهُودِيّ سنة اثْنَتَيْنِ من الْهِجْرَة نَهَضَ فِي شَوَّال من السّنة الْمعينَة وَسَار لَا يسمع فِي قتل الْيَهُودِيّ دَعْوَى وَلَا بَيِّنَة وَكَانَ شَيخا قد بلغ عشْرين وَمِائَة عَام يَقُول الشّعْر محرضا فِيهِ على من سبح فِي بَحر النُّبُوَّة وعام فَجَاءَهُ لَيْلًا وَقد قَامَ بِفنَاء دَاره فَوضع السَّيْف على كبده حَتَّى أخرجه من فقاره ثمَّ رَجَعَ سَالم فِي حرز السَّلامَة بعد أَن أورد عَدو الله وَرَسُوله حمامه (إلام لحاك الله تلقى محرضا ... على خير مَبْعُوث إِلَى الْإِنْس وَالْجِنّ) (حباك حنيف آخر اللَّيْل طعنة ... فَخذهَا أَبَا عفك على كبر السن)
следующие страницы →