← Сира

Сира · id 6588

غاية السول في خصائص الرسول

ابن الملقن

Полный текст (241 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فِي غَزْوَة الْمُريْسِيع وَقد تقدم فِي رِوَايَة أَنه ﵊ جعل عتقهَا صَدَاقهَا وَفِي أبي دَاوُد أَنَّهَا جَاءَت تستعينه فِي كتَابَتهَا قَالَ النَّبِي ﷺ (أؤدي عَنْك كتابتك وأتزوجك) قَالَت قد فعلت فَلَمَّا تسامع النَّاس أَن رَسُول الله ﷺ تزَوجهَا أرْسلُوا بِمَا فِي أَيْديهم من السَّبي فأعتقوهم وَقَالُوا أَصْهَار رَسُول الله ﷺ فَكَانَت أبرك امْرَأَة على قَومهَا عتق بِسَبَبِهَا أَكثر من مائَة أهل بَيت من بني المصطلق التَّاسِعَة زَيْنَب بنت جحش وَكَانَ اسْم أَبِيهَا مرّة فَسَماهُ

стр. 177

رَسُول الله ﷺ جحشا وَقَالَ (لَو كَانَ مُسلما سميناه اسْما من أسمائنا) وَكَانَت ابْنة عمته لِأَن أمهَا أُمَيْمَة بنت عبد الْمطلب وَبَدَأَ ابْن الْأَثِير فِي جَامعه بعائشة ثمَّ بحفصة ثمَّ أم سَلمَة ثمَّ بِزَيْنَب ثمَّ بِأم حَبِيبَة ثمَّ بصفية ثمَّ بجويرية ثمَّ بسودة ثمَّ بميمونة وَهَذَا التَّرْتِيب بِحَسب فضلهن كَمَا ادَّعَاهُ صَاحب الْمطلب لَا بِحَسب التَّقْدِيم فِي النِّكَاح قَالَ فَإِن أول من تزوج بعد خَدِيجَة على الْمَشْهُور عَائِشَة ثمَّ سَوْدَة ثمَّ حَفْصَة ثمَّ أم سَلمَة ثمَّ أم حَبِيبَة ثمَّ زَيْنَب بنت جحش ثمَّ مَيْمُونَة ثمَّ جوَيْرِية ثمَّ صَفِيَّة كَذَا قَالَ وَقَالَ أَعنِي ابْن الْأَثِير - فِي معرفَة الصَّحَابَة أول نِسَائِهِ خَدِيجَة ثمَّ بعْدهَا سَوْدَة وَقيل عَائِشَة وَتزَوج حَفْصَة سنة ثَلَاث وَزَيْنَب بنت جحش سنة خمس وَقيل غير ذَلِك وَأم حَبِيبَة سنة سِتّ وَبنى بهَا سنة سبع وَجُوَيْرِية سنة سِتّ وَقيل خمس ومَيْمُونَة سنة سبع وَصفِيَّة سنة تسع وَزَيْنَب بنت خُزَيْمَة الْهِلَالِيَّة سنة ثَلَاث وَأم سَلمَة سنة أَربع وَأما الثمان اللَّاتِي فارقهن فِي حَيَاته أ - فأسماء بنت النُّعْمَان الكندية المستعيذة على أحد الْأَقْوَال

стр. 178

ب - وليلى بنت الخطيم الأوسية أَتَت رَسُول الله ﷺ وَهُوَ غافل فَضربت ظَهره فَقَالَ (من هَذَا أكله الْأسد) فَقَالَت أَنا ليلى جِئْت أعرض عَلَيْك نَفسِي فَقَالَ (قد قبلت) ثمَّ علمت كَثْرَة ضرائرها فاستقالته فأقالها فَدخلت حَائِطا بِالْمَدِينَةِ فَأكلهَا الذِّئْب ج - وَعمرَة بنت يزِيد الْكلابِيَّة دخل بهَا ثمَّ رَآهَا تتطلع فَطلقهَا د - الْعَالِيَة بنت ظبْيَان دخل بهَا وَمَكَثت عِنْده مَا شَاءَ الله ثمَّ طَلقهَا هـ - وَفَاطِمَة بنت الضَّحَّاك اخْتَارَتْ فِرَاقه عِنْد التَّخْيِير ففارقها بعد الدُّخُول ووَقتيلَة بنت قيس أُخْت الْأَشْعَث بن قيس تزَوجهَا فِي مَرضه فَاخْتَارَتْ فِرَاقه وَلم يدْخل بهَا ز - ومليكة بنت كَعْب الليثية كَانَت مَذْكُورَة بالجمال فَقيل إِن عَائِشَة ﵂ دست إِلَيْهَا أَلا تستحين تزوجي قَاتل أَبِيك يَوْم الْفَتْح فاستعيذي مِنْهُ فَإِنَّهُ يعيذك فَفعلت فَطلقهَا

стр. 179

ح - وَامْرَأَة من غفار رأى بكشحها وضحا فَقَالَ (ضمي إِلَيْك ثِيَابك والحقي بأهلك) فَهَؤُلَاءِ ثَمَان دخل مِنْهُنَّ بِثَلَاث تذنيب أخرج فِي الصَّحِيح أَنه ﵇ كَانَ يَدُور على نِسَائِهِ فِي السَّاعَة الْوَاحِدَة من اللَّيْل وَالنَّهَار وَهن إِحْدَى عشرَة قيل لأنس وَكَانَ

стр. 180

يطيقه قَالَ كُنَّا نتحدث أَنه أعطي قُوَّة ثَلَاثِينَ وَهُوَ صَرِيح فِي الْجمع بَين إِحْدَى عشرَة فِي وَقت وَاحِد التسع اللَّاتِي مَاتَ عَنْهُن وَاثْنَتَانِ غَيْرهنَّ وَلَا يجوز أَحدهمَا زَيْنَب بنت خُزَيْمَة لِأَنَّهُ لَا يجمع بَينهَا وَبَين أُخْتهَا مَيْمُونَة نعم يجوز ان يَكُونَا من الثَّلَاثَة الْمُتَقَدّمَة اللَّاتِي دخل بِهن إِمَّا أَسمَاء أَو فَاطِمَة أَو عمْرَة (فَائِدَة) تسرى رَسُول الله ﷺ بمارية الْقبْطِيَّة أم وَلَده إِبْرَاهِيم وَرَيْحَانَة بنت عَمْرو وَهِي من بني قُرَيْظَة ثمَّ أعْتقهَا فلحقت بِأَهْلِهَا وَقيل إِنَّه تزَوجهَا ثمَّ طَلقهَا وَقيل مَاتَ عَنْهَا وَهِي زوجه وَفِي الشَّامِل لِابْنِ الصّباغ أَنه اتخذ من الْإِمَاء ثَلَاثًا

стр. 181

وَقد قدمت عَن الْمَاوَرْدِيّ أَن رَيْحَانَة أسلمت ذكرته فِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قبل النَّوْع الثَّالِث وَقد آن لنا أَن نعود إِلَى الْمَقْصُود فَنَقُول المسالة الثَّانِيَة من هَذَا النَّوْع فأزواجه ﵊ أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ قَالَ تَعَالَى ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ وَقَرَأَ مُجَاهِد وَهُوَ أَب لَهُم وَقيل إِنَّهَا قِرَاءَة أبي بن كَعْب قَالَ الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر أمهاتهم فِي معنى دون معنى وَذَلِكَ أَنه لَا يحل نِكَاحهنَّ بِحَال وَلَا يحرم بَنَات لَو كن لَهُ لِأَنَّهُ ﵊ زوج بَنَاته وَهن أَخَوَات الْمُؤمنِينَ وَذكر نَحوه فِي الْأُم وَجعل الْقُضَاعِي ذَلِك لَهُ دون غَيره من الْأَنْبِيَاء وَقد خُولِفَ فِي ذَلِك كَمَا سَيَأْتِي فأزواجه ﷺ أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ سَوَاء من مَاتَ تَحْتَهُ وَمن مَاتَ عَنْهَا وَهِي تَحْتَهُ وَذَلِكَ فِي تَحْرِيم نِكَاحهنَّ وَوُجُوب احترامهن وطاعتهن وَفِي تعدِي ذَلِك إِلَى جَوَاز النّظر وَجْهَان فِي الْحَاوِي وَالْمَشْهُور الْمَنْع وَبِه جزم الرَّافِعِيّ وَلَا يثبت لَهُنَّ حكم الأمومة فِي جَوَاز الْخلْوَة والمسافرة وَلَا فِي النَّفَقَة وَالْمِيرَاث وَلَا يتَعَدَّى ذَلِك إِلَى غَيْرهنَّ فَلَا يُقَال بناتهن أَخَوَات الْمُؤمنِينَ بِدَلِيل أَنه لَا يحرم على الْمُؤمنِينَ التَّزَوُّج ببناتهن وأخواتهن وَلَا على

стр. 182

إخوانهن التَّزْوِيج بالمؤمنات وَقد زوج ﷺ بَنَاته من الْمُؤمنِينَ عَليّ وَعُثْمَان ونكح الزبير أُخْت عَائِشَة وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف حمْنَة أُخْت زَيْنَب وَكَذَا لَا يُقَال آباؤهن وأمهاتهن أجداد وجدات الْمُؤمنِينَ بل يقْتَصر على مَا ورد من ثُبُوت حكم الأمومة لَهُنَّ فِي بعض الْأَحْكَام وَحكى الرَّافِعِيّ وَجها أَن اسْم الْأُخوة يُطلق على بناتهن وَاسم الخؤولة ينْطَلق على إخوتهن وأخواتهن لثُبُوت اسْم الأمومة لَهُنَّ وَإِن لم توجب ذَلِك تَحْرِيم النِّكَاح كَمَا أَن المسلمات كُلهنَّ أَخَوَات الْمُسلمين فِي الْإِسْلَام وَلَا يُوجب ذَلِك تَحْرِيم النِّكَاح قَالَ وَهَذَا ظَاهر لفظ الْمُخْتَصر يُشِير إِلَى قَوْله زوج بَنَاته وَهن أَخَوَات الْمُؤمنِينَ لَكِن أَكثر الْأَصْحَاب - كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيّ - غلطوا فِيهِ لِأَنَّهُ قَالَ فِي أَحْكَام الْقُرْآن وَقد تزوج بَنَاته وَهن غير أَخَوَات الْمُؤمنِينَ وَقيل إِن الْكَاتِب حذف لَفْظَة غير وَقيل مَا قَالَه صَحِيح وَتَقْدِيره قد زوج بَنَاته أَي يزوجهن وَهن أَخَوَات الْمُؤمنِينَ وَالْقَاضِي حُسَيْن حكى الْخلاف فِي جَوَاز تَسْمِيَة مُعَاوِيَة خَال الْمُؤمنِينَ مَعَ جزمه بتخطئة الْمُزنِيّ

стр. 183

(فرع) قَالَ الْبَغَوِيّ وَكن أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ من الرِّجَال دون النِّسَاء رُوِيَ ذَلِك عَن عَائِشَة ﵂ يَا أُمَّاهُ فَقَالَت لست لَك بِأم إِنَّمَا أَنا أم رجالكم وَهَذَا جَار على الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا أَصْحَابنَا وَغَيرهم من أهل الْأُصُول أَن النِّسَاء لَا يدخلن فِي خطاب الرِّجَال وَحكى الْمَاوَرْدِيّ فِي تَفْسِيره خلافًا فِي كونهن أُمَّهَات الْمُؤْمِنَات وَهُوَ خَارج على مَذْهَب من أدْخلهُنَّ فِي الْخطاب تَعْظِيمًا لحقهن وَوجه مُقَابِله أَن فَائِدَة أمومتهن فِي حق الرِّجَال مفقودة فِي حق النِّسَاء قَالَ أَصْحَابنَا فالأمومة ثَلَاث وأحكامها مُخْتَلفَة. أ - أمومة الْولادَة وَيثبت فِيهَا جَمِيع أَحْكَام الأمومة ب - وأمومة أَزوَاجه ﵊ وَلَا يثبت إِلَّا تَحْرِيم النِّكَاح ج - وأمومة الرَّضَاع متوسطة بَينهمَا (فرع) قَالَ الْبَغَوِيّ وَكَانَ النَّبِي ﷺ أَبَا الرِّجَال وَالنِّسَاء جَمِيعًا

стр. 184

وَقَالَ الواحدي قَالَ بعض أَصْحَابنَا لَا يجوز أَن يُقَال هُوَ أَب المؤمين لقَوْله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أحد من رجالكم﴾ قَالَ وَنَصّ الشَّافِعِي أَن يُقَال هُوَ أَب الْمُؤمنِينَ فِي الْحُرْمَة وَمعنى الْآيَة لَيْسَ أحد من رجالكم ولد صلبه قَالَ صَاحب الْمطلب وَفِيه نظر لِأَن ذَلِك مَعْلُوم ببداهة الْعُقُول وَالشَّرْع لَا يرد بِمثلِهِ إِلَّا أَن يُرَاد بِهِ التَّنْبِيه على أَن تَحْرِيم نِكَاح زَوْجَة الابْن يخْتَص بِابْن الصلب وَلَا يتَعَدَّى إِلَى ابْن التبني فَإِن سَبَب نزُول الْآيَة زواجه ﵊ بِزَيْنَب زَوْجَة زيد فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يكون غَرضا مَقْصُودا وَعَن الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق أَنه لَا يُقَال أَبونَا وأنما يُقَال هُوَ كأبينا لما رُوِيَ أَنه ﷺ قَالَ (إِنَّمَا أَنا لكم كالوالد) وَنقل صَاحب الْمُحكم عَن الزّجاج فِي معنى قَوْله تَعَالَى قَالَ يَا قوم هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هن أطهر لكم الْآيَة كنى بنسائه عَن نِسَائِهِم وَنسَاء أمة كل نَبِي بِمَنْزِلَة نِسَائِهِ وأزواجه بِمَنْزِلَة أمهاتهم وَحكى جمَاعَة من الْمُفَسّرين فِي ذَلِك قَوْلَيْنِ أَحدهمَا أَنه أَرَادَ بَنَاته حَقِيقَة لِأَن الْجمع يَقع على الْإِثْنَيْنِ وَالثَّانِي أَنه أَرَادَ نسَاء أمته لِأَنَّهُ ولي أمته وَالله أعلم الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة تَفْضِيل زَوْجَاته على سَائِر النِّسَاء هَذَا لفظ الرَّافِعِيّ وَسبق الْخلاف فِي تَفْضِيل فَاطِمَة على خَدِيجَة وَالْخلاف شهير فِي مَرْيَم هَل هِيَ نبية أَو لَا

стр. 185

قَالَ الْقُرْطُبِيّ روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِن فِي النِّسَاء أَربع نبيات حَوَّاء وآسية وَأم مُوسَى وَمَرْيَم) ثمَّ قَالَ وَالصَّحِيح أَن مَرْيَم كَانَت نبية لِأَن الله تَعَالَى أوحى إِلَيْهَا بِوَاسِطَة الْملك كَمَا أوحى إِلَى سَائِر الْأَنْبِيَاء قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَهل فضلهن - يَعْنِي زَوْجَاته - على نسَاء زمانهن أَو على النِّسَاء كُلهنَّ فِيهِ قَولَانِ وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم فِي حَدِيث فضل عَائِشَة على النِّسَاء كفضل الثَّرِيد على سَائِر الطَّعَام فضل عَائِشَة على النِّسَاء زَائِد كزيادة فضل الثَّرِيد على غَيره من الْأَطْعِمَة وَلَيْسَ فِي هَذَا تَصْرِيح لتفضيلها على مَرْيَم وآسية لاحْتِمَال أَن المُرَاد بفضلها بفضلها على نسَاء الْأمة (فرع) وَجعل ثوابهن وعقابهن مضاعفا قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا نسَاء النَّبِي من يَأْتِ مِنْكُن بِفَاحِشَة مبينَة﴾ الْآيَتَيْنِ قَالَ الشَّافِعِي قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا نسَاء النَّبِي لستن كَأحد من النِّسَاء إِن اتقيتن﴾ الْآيَة فأبانهن بِهِ ﷺ من نسَاء الْعَالمين أَي

стр. 186

جَعلهنَّ مباينات لأجل صُحْبَة رَسُول الله ﷺ لِنسَاء سَائِر الْعَالمين فِي الثَّوَاب عِنْد الاتقاء وَفعل الْخَيْر وَكَذَا فِي جَزَاء الجريمة لَو اتّفقت مِنْهُنَّ وَالْعِيَاذ بِاللَّه والفاحشة المبينة الزِّنَا قَالَه السّديّ وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ النُّشُوز وَسُوء الْخلق والقنوت الطَّاعَة وَالْأَجْر مرَّتَيْنِ فِي الْآخِرَة وَقيل أَحدهمَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخر فِي الْآخِرَة وَاخْتلف الْعلمَاء فِي مضاعفة الْعَذَاب فَقيل عَذَاب فِي الدُّنْيَا وَعَذَاب فِي الْآخِرَة وغيرهن إِذا عُوقِبَ فِي الدُّنْيَا لم يُعَاقب فِي الْآخِرَة لِأَن الْحُدُود كَفَّارَات

стр. 187

وَقَالَ مقَاتل حدان فِي الدُّنْيَا قَالَ وَلَا يُضَاعف عَلَيْهِنَّ فِي السّرقَة لَو قدرت قَالَ سعيد بن جُبَير وَكَذَا عَذَاب من قذفهن يُضَاعف فِي الدُّنْيَا فيجلد مائَة وَسِتِّينَ قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَلم أر للشَّافِعِيّ نصا فِي ذَلِك من الْقَوْلَيْنِ غير أَن الأشبة بِكَلَامِهِ أَنَّهُمَا حدان فِي الدُّنْيَا وَإِنَّمَا ضوعف الْحَد بفضلهن كَمَا أَن حد الْحر ضعف حد العَبْد لكماله وفضله قَالَ صَاحب التَّلْخِيص قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك﴾ وَعمل غَيره إِنَّمَا يحبط بِالْمَوْتِ على الْكفْر قَالَ وَقَالَ تَعَالَى فِيهِ ﴿لقد كدت تركن إِلَيْهِم﴾ الْآيَة (فرع) لَا يحل لأحد أَن يسألهن إِلَّا من وَرَاء حجاب قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعا﴾ الْآيَة وَأما غَيْرهنَّ فَيجوز أَن

стр. 188

يسألهن مشافهة جزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة والرافعي نَقله عَن التَّهْذِيب لِلْبَغوِيِّ وَأقرهُ وَقَالَ القَاضِي عِيَاض الْمَالِكِي خصصن بِفَرْض الْحجاب عَلَيْهِنَّ بِلَا خلاف فِي الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ فَلَا يجوز لَهُنَّ كشف ذَلِك لشهادة وَلَا غَيرهَا وَلَا إِظْهَار شخوصهن وَإِن كن مستترات إِلَّا لضَرُورَة خروجهن للبراز قَالَ وَكن إِذا قعدن للنَّاس جلسن من وَرَاء الْحجاب وَإِذا خرجن حجبن وسترن أشخاصهن كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث حَفْصَة يَوْم وَفَاة عمر وَلما توفيت زَيْنَب جعلُوا لَهَا قبَّة فَوق نعشها يستر شخصها وَأقرهُ على ذَلِك النَّوَوِيّ فِي شَرحه لمُسلم ذكره فِي بَاب إِبَاحَة الْخُرُوج للنِّسَاء لقَضَاء حَاجَة الْإِنْسَان (فَائِدَة) ذكر الْبَغَوِيّ عَن الْخطابِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَنه قَالَ كَانَ نسَاء رَسُول الله ﷺ فِي معنى المعتدات وللمعتدة السُّكْنَى فَجعل لَهُنَّ سكن الْبيُوت مَا عشن وَلَا يملكن رقابها

стр. 189

الْقسم الثَّانِي كراماته فِي غير النِّكَاح وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى أَنه خَاتم النَّبِيين وَلَا يُعَارضهُ مَا ورد من نزُول عِيسَى ﵊ آخر الزَّمَان فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي بشريعة ناسخة بل مقررا لَهَا عَاملا بهَا

стр. 190

الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة أَن أمته خير الْأُمَم معصومة لَا تَجْتَمِع على ضلال ابدا

стр. 191

الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة أَن إجماعها حجَّة على الصَّحِيح وَإِجْمَاع غَيرهَا من الْأُمَم لَيْسَ بِحجَّة عِنْد الْأَكْثَرين خلافًا للأستاذ أبي إِسْحَاق وَآخَرين وَاخْتَارَ الْآمِدِيّ التَّوَقُّف فِي ذَلِك الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة أَن شَرِيعَته مُؤَبّدَة وناسخة لجَمِيع الشَّرَائِع الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة أَن كِتَابَة معجز بِخِلَاف سَائِر كتب الْأَنْبِيَاء مَحْفُوظ عَن التحريف والتبديل وأقيم بعده حجَّة على النَّاس ومعجزات سَائِر الْأَنْبِيَاء انقرضت بانقراضهم الْمَسْأَلَة السَّادِسَة أَنه ﵊ قَالَ نصرت بِالرُّعْبِ مسيرَة شهر) كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح وروينا من حَدِيث السَّائِب ابْن أُخْت نمر (فضلت على الْأَنْبِيَاء بِخمْس) فَذكر مِنْهَا (نصرت بِالرُّعْبِ شهرا أَمَامِي وشهرا خَلْفي)

стр. 192

الْمَسْأَلَة السَّابِعَة أَن رسَالَته عَامَّة إِلَى الْإِنْس وَالْجِنّ وكل نَبِي بعث إِلَى قومه خَاصَّة وَأما نوح ﵇ فَصَارَت رسَالَته عَامَّة بعد الطوفان لانحصار البَاقِينَ فِيمَن كَانَ مَعَه فِي السَّفِينَة وَأما قبله فَاخْتَلَفُوا فِي عمومها فَقيل كَانَت عَامَّة لعُمُوم الْعقَاب بالطوفان لمُخَالفَته وَقيل كَانَت خَاصَّة لِقَوْمِهِ (تَنْبِيه) عبر الرَّافِعِيّ بقوله وَبعث إِلَى النَّاس كَافَّة وَتبع فِي ذَلِك الْقُرْآن والْحَدِيث وَهُوَ معنى قولي أَولا إِلَى الْإِنْس وَالْجِنّ فَإِن النَّاس قد يكون من الْجِنّ وَمن الْإِنْس وأصلة أنَاس مخفف نبه عَلَيْهِ الْجَوْهَرِي

стр. 193

الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة جعلت لَهُ ولأمته الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة أحلّت لَهُ ولأمته الْغَنَائِم وَلم تحل لأحد قبله بل كَانُوا يجمعونها ثمَّ تَأتي نَار من السَّمَاء فتأكلها كَمَا جَاءَ مُبينًا فِي الصَّحِيح من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة فِي حَدِيث النَّبِي الَّذِي غزا وَحبس الله تَعَالَى لَهُ الشَّمْس قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْقشيرِي يحْتَمل أَن يُرَاد بحلها لَهُ أَن

стр. 194

يتَصَرَّف فِيهَا كَيفَ يَشَاء ويقسمها كَمَا أَرَادَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال قل الْأَنْفَال لله وَالرَّسُول﴾ الْآيَة وَيحْتَمل أَن يُرَاد لم يحل شَيْء مِنْهَا لغيره ﷺ وَأمته وَفِي بعض الْأَحَادِيث (أحل لنا الْخمس) أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه قلت قد يُجَاب عَن هَذَا بِأَن الْخمس خص مِنْهَا لشرفه الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة جعلت أمته شُهَدَاء يَوْم الْقِيَامَة على الْأُمَم بتبليغ الرُّسُل إِلَيْهِم رسالاتهم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ الْآيَة ومستندهم فِي الشَّهَادَة وَإِن لم يرَوا ذَلِك إِخْبَار الله تَعَالَى لَهُم بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كذبت قوم نوح الْمُرْسلين﴾ ﴿كذبت عَاد﴾ كَذبك ثَمُود ﴿فكذبوا رُسُلِي﴾ وَنَحْوهَا من الْآيَات

стр. 195

الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشرَة أَصْحَابه ﵊ خير الْأمة فَكل مِنْهُم أفضل من كل من بعده وَإِن رقي فِي الْعلم وَالْعَمَل وَخَالف ابْن عبد الْبر وَقَالَ قد يَأْتِي بعدهمْ من هُوَ أفضل من بَعضهم وأفضلهم عِنْد أهل السّنة الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة على ترتيبهم فِي الْخلَافَة ثمَّ بَقِيَّة الْعشْرَة وَفضل بَعضهم عليا على عُثْمَان وَفضل بَعضهم من مَاتَ فِي حَيَاته على من بَقِي بعده

стр. 196

الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشرَة جعلت صُفُوف أمته كَصُفُوف الْمَلَائِكَة المسالة الثَّالِثَة عشرَة لَهُ ﷺ شفاعات أ - أولَاهُنَّ الشَّفَاعَة الْعُظْمَى فِي الْفَصْل بَين أهل الْموقف حِين يفزعون إِلَيْهِ بعد الْأَنْبِيَاء كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح فِي حَدِيث الشَّفَاعَة ب - وَالثَّانيَِة فِي جمَاعَة يدْخلُونَ الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب ج - وَالثَّالِثَة فِي نَاس استحقوا دُخُول النَّار

стр. 197

د - وَالرَّابِعَة فِي نَاس دخلُوا النَّار فَيخْرجُونَ هـ - وَالْخَامِسَة فِي رفع دَرَجَات نَاس فِي الْجنَّة وَالْأولَى مُخْتَصَّة بِهِ وَكَذَا الثَّانِيَة قَالَ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة وَيجوز أَن تكون الثَّالِثَة وَالْخَامِسَة أَيْضا أَي وَالرَّابِعَة يُشَارِكهُ فِيهَا غَيره من الْأَنْبِيَاء وَالْعُلَمَاء والأولياء وَقَالَ القَاضِي عِيَاض إِن شَفَاعَته لإِخْرَاج من فِي قلبه مِثْقَال حَبَّة من إِيمَان مُخْتَصَّة بِهِ إِذا لم يَأْتِ شَفَاعَة لغيره إِلَّا قبل هَذِه

стр. 198

و - وأهمل النَّوَوِيّ شَفَاعَة سادسة وَهِي تَخْفيف الْعَذَاب على من اسْتحق الخلود فِيهَا كَمَا فِي حق أبي طَالب فِي إِخْرَاجه من غَمَرَات النَّار إِلَى ضحضاحها ز - وَالسَّابِعَة وَهِي الشَّفَاعَة لمن مَاتَ بِالْمَدِينَةِ لما روى التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (من اسْتَطَاعَ أَن يَمُوت بِالْمَدِينَةِ فليمت بهَا فَإِنِّي أشفع لمن مَاتَ بهَا) نبه - على هَذِه وَالَّتِي قبلهَا - القَاضِي عِيَاض فِي الأكمال وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص رَفعه (لَا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إِلَّا كنت لَهُ شَفِيعًا أَو شَهِيدا يَوْم الْقِيَامَة) فَهَذِهِ شَفَاعَة أُخْرَى خَاصَّة بِأَهْل الْمَدِينَة وَكَذَلِكَ الشَّهَادَة زَائِدَة على شَهَادَته للْأمة وَقد قَالَ ﵊ فِي شُهَدَاء أحد (أَنا شَهِيد على هَؤُلَاءِ)

стр. 199

وَفِي العروة الوثقى للقزويني أَن من شفاعاته شَفَاعَته لجَماعَة من صلحاء الْمُؤمنِينَ فيتجاوز عَنْهُم فِي تقصيرهم فِي الطَّاعَات وَأطلق الرَّافِعِيّ أَن من خَصَائِصه شَفَاعَته فِي أهل الْكَبَائِر وَفِي ذَلِك نظر فَإِن المختصة بِهِ لَيست فِي مُطلق أهل الْكَبَائِر الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة عشرَة أَنه أول شَافِع وَأول مُشَفع أَي أول من تجاب شَفَاعَته فقد يشفع اثْنَان وَيُجَاب الثَّانِي قبل الأول الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة عشرَة أَنه أول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض يَوْم الْقِيَامَة وَحَدِيث (فَإِذا مُوسَى باطش بِجَانِب الْعَرْش فَلَا أَدْرِي أَكَانَ مِمَّن صعق فأفاق قبلي أم كَانَ مِمَّن اسْتثْنى الله) يحْتَمل كَمَا قَالَ القَاضِي عِيَاض أَنه ﵊ قَالَه قبل أَن يعلم أَنه أول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض على الْإِطْلَاق قَالَ وَيجوز أَن يكون مَعْنَاهُ أَنه من الزمرة الَّذين أول من تَنْشَق عَنْهُم الأَرْض فَيكون مُوسَى من تِلْكَ الزمرة وهم - وَالله أعلم - زمرة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام

стр. 200

الْمَسْأَلَة السَّادِسَة عشرَة أَنه أول من يقرع بَاب الْجنَّة الْمَسْأَلَة السَّابِعَة عشرَة أَنه سيد ولد آدم يَوْم الْقِيَامَة كَذَا عبر بِهِ الرَّافِعِيّ وَهُوَ لفظ رِوَايَة مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَفِي رِوَايَة لَهُ وللبخاري (أَنا سيد النَّاس يَوْم الْقِيَامَة) عزاها إِلَيْهِمَا الْبَيْهَقِيّ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث أنس ﵁ أَيْضا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور بِزِيَادَة (وَلَا فَخر) ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث ابْن عَبَّاس بِلَفْظ (أَلا وَإِنِّي سيد ولد آدم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا فَخر) وَهُوَ سيد ولد آدم مُطلقًا كَمَا عبر بِهِ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة وَالسَّيِّد الَّذِي يفوق قومه وَإِنَّمَا خص يَوْم الْقِيَامَة بذلك لظُهُور ذَلِك الْيَوْم لكل أحد من غير مُنَازعَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لمن الْملك الْيَوْم﴾ وَإِنَّمَا أخبر ﵊ بذلك لأمرين أَحدهمَا امتثالا لقَوْله تَعَالَى وَأما بنعمت رَبك فَحدث

стр. 201

وَالثَّانِي بِأَنَّهُ من الْبَيَان الَّذِي عَلَيْهِ تبليغه على أمته ليعرفوه ويعملوا بِمُقْتَضَاهُ وَيلْزم من ذَلِك تفضيله على جَمِيع الْخلق لِأَن مَذْهَب أهل السّنة أَن الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أفضل من الْمَلَائِكَة وَأما حَدِيث (لَا تفضلوا بَين الْأَنْبِيَاء) فَجَوَابه من أوجه ذكرتها فِي شرح الْمِنْهَاج والتنبيه وَاقْتصر الْبَيْهَقِيّ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة على أَنه مَحْمُول على مجادلة أهل الْكتاب فِي تَفْضِيل نَبينَا على أَنْبِيَائهمْ لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى الإزراء وَنَقله على الْحَلِيمِيّ ثمَّ نقل عَن الْخطابِيّ أَيْضا أَن النَّهْي عَن ذَلِك خوف الإزراء قَالَ الْخطابِيّ وَالْجمع بَين حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ (أَنا سيد ولد آدم) وَحَدِيث ابْن عَبَّاس (مَا يَنْبَغِي لعبد أَن يَقُول أَنا) وَفِي رِوَايَة (إِنِّي خير من يُونُس بن مَتى) ظَاهر لِأَن الأول إِخْبَار عَمَّا أكْرمه الله تَعَالَى بِهِ من التَّفْضِيل والسؤدد وَالثَّانِي مؤول بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن المُرَاد بِالْعَبدِ من سواهُ دون نَفسه

стр. 202

ثَانِيهمَا - وَهُوَ أولاهما - أَنه قَالَه إِظْهَارًا للتواضع وَيَقُول لَا يَنْبَغِي لي أَن أَقُول أَنا خير مِنْهُ لِأَن الْفَضِيلَة الَّتِي نلتها كَرَامَة من الله لَا من قبل نَفسِي فَلَيْسَ لي أَن أفتخر بهَا وَإِنَّمَا خص يُونُس بِالذكر فِيمَا نرى - وَالله أعلم - لما قد قصّ الله علينا من شَأْنه وَمَا كَانَ من قلَّة صبره على أَذَى قومه وَخرج مغاضبا فَلم يصبر كَمَا صَبر أولو الْعَزْم من الرُّسُل وَقَالَ الْخطابِيّ فِي مَوضِع آخر وَجه الْجمع بَينهمَا أَن هَذِه السِّيَادَة فِي الْقِيَامَة إِذا قدم فِي الشَّفَاعَة على جَمِيع الْأَنْبِيَاء وَإِنَّمَا منع أَن يفضل على غَيره مِنْهُم فِي الدُّنْيَا وَإِن كَانَ مفضلا فِي الدَّاريْنِ من قبل الله وَمعنى (لَا فَخر) أَي لَا أَقُول هَذَا القَوْل على سَبِيل الْفَخر الَّذِي يدْخلهُ الْكبر وَأما قَوْله ﵊ لما قَالَ لَهُ ذَلِك الرجل يَا خير الْبَريَّة (ذَاك إِبْرَاهِيم ﵇ // رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أنس // فَفِيهِ جوابان أَحدهمَا أَنه قَالَه تواضعا واحتراما لإِبْرَاهِيم ﵇ لخلته وأبوته وَذكره الْبَيْهَقِيّ بِنَحْوِهِ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة وَثَانِيهمَا أَنه قَالَه قبل أَن يعلم أَنه سيد ولد آدم

стр. 203

وَجَوَاب ثَالِث ذكره ابْن الْعَرَبِيّ أَن قَوْله ذَاك إِبْرَاهِيم يَعْنِي بعده وَضَعفه ابْن دحْيَة فِي كِتَابه الْمُسْتَوْفى فِي أَسمَاء الْمُصْطَفى قَالَ وَالصَّحِيح الْجَواب الثَّانِي فَإِن قلت هَذَا خبر لَا يدْخلهُ خلف وَلَا نسخ فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن المُرَاد خير الْبَريَّة الْمَوْجُودين فِي عصره وَأطلق الْعبارَة الموهمة للْعُمُوم لِأَنَّهُ أبلغ فِي التَّوَاضُع ثَانِيهمَا أَنه إِن كَانَ خَبرا فالنسخ يدْخلهُ لِأَن التَّفْضِيل يمنحه الله لمن يَشَاء الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة عشرَة أَنه أَكثر أَكثر الْأَنْبِيَاء أتباعا المسالة التَّاسِعَة عشرَة صُفُوف أمته كَصُفُوف الْمَلَائِكَة

стр. 204

الْمَسْأَلَة الْعشْرُونَ كَانَ لَا ينَام قلبه وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاء ﵈ كَمَا أخرجه البُخَارِيّ فِي حَدِيث الْإِسْرَاء المسالة الْحَادِيَة وَالْعشْرُونَ يرى من وَرَاء ظَهره كَمَا ينظر أَمَامه قَالَ فِي الشَّامِل وَمعنى ذَلِك الْحس والتحفظ وَمن الْغَرِيب الْمُسْتَفَاد مَا ذكره الزَّاهدِيّ مُخْتَار بن مَحْمُود الْحَنَفِيّ شَارِح الْقَدُورِيّ ومصنف الْقنية فِي رسَالَته الناصرية أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام

стр. 205

كَانَ بَين كَتفيهِ عينان مثل سم الْخياط وَكَانَ يبصر بهما وَلَا يحجبهما الثِّيَاب وَذكر فِي هَذِه الرسَالَة أَنه قيل ظهر على يَد نَبينَا ﷺ ألف معْجزَة وَقيل ثَلَاثَة آلَاف وَذكر فِي هَذِه الرسَالَة أَيْضا أَن من معجزاته إنبات النَّخْلَة فِي سَنَام الْبَعِير وَإِدْرَاك ثَمَرهَا فِي الْحَال ثمَّ تنَاولهَا الْحَاضِرُونَ فَمن علم الله مِنْهُ أَنه يُؤمن كَانَت الثَّمَرَة حلوة فِي فَمه وَمن علم أَنه لَا يُؤمن عَاد حجرا فِي فَمه الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالْعشْرُونَ تطوعه بِالصَّلَاةِ قَاعِدا كتطوعه قَائِما وَإِن لم يكن عذر وتطوع غَيره على النّصْف قَالَه صَاحب التَّلْخِيص وَالْبَغوِيّ والرافعي وَأنْكرهُ الْقفال وَقَالَ لَا يعرف هَذَا بل هُوَ كَغَيْرِهِ وَهُوَ غَرِيب فَهُوَ ذُهُول عَمَّا فِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ أتيت رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي جَالِسا فَقلت حدثت يَا رَسُول الله أَنَّك قلت (صَلَاة الرجل قَاعِدا على نصف الصَّلَاة) وَأَنت تصلي قَاعِدا قَالَ (أجل وَلَكِنِّي لست كَأحد مِنْكُم) لَا جرم قَالَ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة الْمُخْتَار الأول وَقَالَ فِي شرح مُسلم فِي بَاب صَلَاة اللَّيْل إِنَّه الصَّوَاب الَّذِي قَالَه أَصْحَابنَا وَذكر هَذِه الخصيصة الْقُضَاعِي فِيمَا خص بِهِ الْأَنْبِيَاء قبله

стр. 206

الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالْعشْرُونَ يخاطبه الْمُصَلِّي بقوله سَلام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَلَا يُخَاطب سَائِر النَّاس الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالْعشْرُونَ لَا يجوز لأحد رفع صَوته فَوق صَوته قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم فَوق صَوت النَّبِي﴾ الْآيَة وَلَا أَن يُنَادِيه من وَرَاء الحجرات قَالَ الله تَعَالَى إِن الَّذِي يُنَادُونَك من وَرَاء الحجرات ... الْآيَة فَإِن قيل قد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن عمر بن الْخطاب ﵁ اسْتَأْذن على النَّبِي ﷺ وَعِنْده نسْوَة من قُرَيْش يكلمنه عالية أصواتهن فَالْجَوَاب يحْتَمل أَن يكون ذَلِك قبل النَّهْي وَيحْتَمل أَن يكون علو الصَّوْت كَانَ بالهيئة الاجتماعية لَا بانفراد كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ ذكره القَاضِي عِيَاض قَالَ الْقُرْطُبِيّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بالْقَوْل﴾ الْآيَة

стр. 207

أَي لَا تخاطبوه يَا أَحْمد يَا مُحَمَّد وَلَكِن يَا نَبِي الله يَا رَسُول الله توقيرا لَهُ وَقيل لَا تَجْهَرُوا أَي عَلَيْهِ كجهر بَعْضكُم بَعْضًا الْكَاف كَاف التَّشْبِيه أَي لَا تَجْهَرُوا لَهُ جَهرا مثل جهر بَعْضكُم لبَعض وَفِي هَذَا دَلِيل على أَنهم لم ينهوا عَن الْجَهْر مُطلقًا حَتَّى لَا يسوغ لَهُم أَن يكلموه إِلَّا بالهمس والمخافتة وَإِنَّمَا نهوا عَن جهر مَخْصُوص مُقَيّد بِصفة قَالَ وَكره بَعضهم رفع الصَّوْت عِنْد قَبره ﷺ وَكره بَعضهم رفع الصَّوْت فِي مجَالِس الْعلمَاء تَشْرِيفًا لَهُم إِذْ هم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة السَّلَام الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالْعشْرُونَ لَا يجوز أَن يُنَادِيه باسمه فَيَقُول يَا مُحَمَّد يَا أَحْمد وَلَكِن يَقُول يَا نَبِي الله يَا رَسُول الله لما تقدم من حَدِيث أنس أَن رجلا من أهل الْبَادِيَة جَاءَ فَقَالَ يَا رَسُول الله أَتَانَا رَسُولك فَزعم لنا أَنَّك تزْعم أَن الله أرسلك ... الحَدِيث لَعَلَّه كَانَ قبل النَّهْي أَو لم يبلغهُ النَّهْي وروى يَعْقُوب بن أبي اسحاق بن أبي إِسْرَائِيل عَن ابْن حميد

стр. 208

قَالَ نَاظر أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور - ثَانِي خلفاء بني الْعَبَّاس - الإِمَام مَالِكًا فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ وَكَانَ بَين يَدي الْخَلِيفَة فِي ذَلِك الْيَوْم خَمْسمِائَة سيف فَقَالَ لَهُ مَالك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا ترفع صَوْتك فِي هَذَا الْمَسْجِد فَإِن الله أدب قوما فَقَالَ ﴿لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم﴾ الْآيَة ومدح قوما فَقَالَ ﴿إِن الَّذين يَغُضُّونَ أَصْوَاتهم﴾ الْآيَة وذم قوما فَقَالَ ﴿إِن الَّذين يُنَادُونَك من وَرَاء الحجرات﴾ الْآيَة وَإِن حُرْمَة رَسُول الله ﷺ مَيتا كحرمته حَيا قَالَ فاستكان لَهَا الْخَلِيفَة أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور وَقَالَ يَا أَبَا عبد الله أستقبل الْقبْلَة وأدعو أم أستقبل رَسُول الله ﷺ فَقَالَ وَلم تصرف وَجهك عَنهُ وَهُوَ وسيلتك ووسيلة أَبِيك آدم ﵇ بل استقبله واستشفع بِهِ قَالَ تَعَالَى وَلَو أَنهم إِذْ ظلمُوا أنفسهم جاؤك ... الْآيَة

стр. 209

الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالْعشْرُونَ شعره طَاهِر وَإِن نجسنا شعر غَيره من النَّاس وَكَذَلِكَ بَوْله وَدَمه وَسَائِر فضلاته على أحد الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا

стр. 210

وَيَنْبَغِي اخْتِيَاره وَقد صَححهُ القَاضِي حُسَيْن من أَصْحَابنَا وَكَانَ يستشفى ويتبرك ببوله وَدَمه كَذَا عبارَة النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة وَعبارَة الرَّافِعِيّ وَكَانَ يستشفى ويتبرك ببوله وَدَمه قَالَ السُّهيْلي وَفِي شرب بَوْله وَدَمه من الْفِقْه أَنَّهُمَا يخالفان بَوْل غَيره وَدَمه فِي التَّحْرِيم وَلم يُنكر - وَالله أعلم - ذَلِك للْحَدِيث الَّذِي بَيناهُ فِي نزُول الْملكَيْنِ عَلَيْهِ حِين غسلا جَوْفه بالثلج فِي طشت الذَّهَب الذَّهَب فَصَارَ بذلك من المطهرين

стр. 211

وَاعْلَم أَن الرَّافِعِيّ نقل عَن أبي جَعْفَر التِّرْمِذِيّ الطَّهَارَة فِي الْكل وَهُوَ خلاف مَا فِي الْمَاوَرْدِيّ حَيْثُ قَالَ فِي حاويه فِي بَاب الْأَوَانِي وَكَانَ أَبُو جَعْفَر من أَصْحَابنَا يزْعم أَن شعر النَّبِي ﷺ وَحده طَاهِر وَأَن شعر غَيره من النَّاس نجس لِأَنَّهُ ﵊ حِين حلق شعره بمنى قسمه بَين أَصْحَابه وَلَو كَانَ نجسا لمنعهم مِنْهُ قيل لَهُ فقد حجمه أَبُو طيبَة وَشرب دَمه بِحَضْرَتِهِ أفتقول أَن دَمه طَاهِر فَركب الْبَاب وَقَالَ أَقُول بِطَهَارَتِهِ قيل لَهُ فقد رُوِيَ أَن امْرَأَة شربت بَوْله فَقَالَ لَهَا (إِذا لَا ييجع بَطْنك) أفتقول بِطَهَارَتِهِ قَالَ لَا لِأَن الْبَوْل مُنْقَلب من الطَّعَام وَالشرَاب وَلَيْسَ كَذَلِك الدَّم وَالشعر لِأَنَّهُمَا من أصل الْخلقَة وَحَاصِل ذَلِك أَنا لَا نقُول بِطَهَارَة الْبَوْل وَالْغَائِط والقيء على خلاف مَا ذكره الرَّافِعِيّ نعم الْخلاف ثَابت عَن غير أبي جَعْفَر حَكَاهُ الْقفال فِي شرح التَّلْخِيص فِي الخصائص وتلقاه مِنْهُ جمَاعَة الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالْعشْرُونَ من زنا بِحَضْرَتِهِ أَو استهان بِهِ كفر جزم بِهِ الرَّافِعِيّ وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة فِي الزِّنَا نظر الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالْعشْرُونَ يجب على الْمُصَلِّي إِذا دَعَاهُ ﷺ أَن يجِيبه لقصة أبي سعيد بن الْمُعَلَّى فِي صَحِيح البُخَارِيّ وأتى فِي التِّرْمِذِيّ

стр. 212

وَلَا تبطل صلَاته وَفِيهِمَا وَجه بعيد وأبداهما الرَّوْيَانِيّ فِي إِجَابَة الْوَالِد فِي الصَّلَاة وَذكر الْقُضَاعِي هَذِه الخصيصة فِيمَا خص بِهِ من دون سَائِر الْأَنْبِيَاء الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالْعشْرُونَ أَوْلَاد بَنَاته ينسبون إِلَيْهِ وَأَوْلَاد بَنَات غَيره لَا ينسبون إِلَيْهِ فِي الكفاءه وَغَيرهَا قَالَ ﷺ (كل سَبَب وَنسب يَنْقَطِع يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا سببي ونسبي) رَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن عمر وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَمن حَدِيث الْمسور بن مخرمَة بِزِيَادَة (وصهرتي) ثمَّ قَالَ صَحِيح وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث ابْن عَبَّاس بِإِسْنَاد لَا أعلم بِهِ بَأْسا وَقد وَقع لنا من حَدِيث عمر بطرِيق آخر غير مَا سلف فلنذكره

стр. 213

بِالْإِسْنَادِ على عَادَة الْحفاظ الثِّقَات أَنبأَنَا بِهِ الذَّهَبِيّ أَنا أَحْمد بن سَلام إجَازَة عَن مَسْعُود بن أبي مَنْصُور أَنا أَبُو عَليّ الْمُقْرِئ أَنا أَبُو نعيم أَنا أَبُو جَعْفَر الْحَضْرَمِيّ أَنا عباد بن زِيَاد أَنا يُونُس بن أبي يَعْفُور عَن أَبِيه سَمِعت ابْن عمر قَالَ سَمِعت عمر يَقُول

стр. 214

سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (كل سَبَب وَنسب مُنْقَطع يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا سببي ونسبي) وَيدل لما ذَكرْنَاهُ أَيْضا أَنه ﵊ أَخذ بيد الْحُسَيْن حِين أَرَادَ الْحُضُور للمباهلة لما نزل قَوْله تَعَالَى ﴿قل تَعَالَوْا نَدع أبناءنا وأبناءكم﴾ وَقَوله لِلْحسنِ (إِن ابْني هَذَا سيد) وَقَوله حِين بَال عَلَيْهِ وَهُوَ صَغِير (لَا تزرموا ابْني) وَهَذِه الخصيصة الَّتِي ذكرتها قَالَهَا صَاحب التَّلْخِيص وَتَبعهُ الرَّافِعِيّ فِي معنى الحَدِيث السالف فَقيل مَعْنَاهُ أَن أمته ينسبون إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وأمم سَائِر الْأَنْبِيَاء لَا ينسبون وَقيل لَا ينْتَفع يَوْمئِذٍ بِسَائِر الْأَنْسَاب وَينْتَفع بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَذكر الْقُضَاعِي هَذِه الخصيصة فِيمَا خص بِهِ دون غَيره من الْأَنْبِيَاء الْمَسْأَلَة الثَّلَاثُونَ صَحَّ عَنهُ أَنه ﷺ قَالَ (تسموا باسمي وَلَا تكنوا يكنيتي) كَمَا أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم جَابر وَأَبُو هُرَيْرَة وَغَيرهمَا

стр. 215

قَالَ الشَّافِعِي وَلَيْسَ لأحد أَن يكتني بِأبي الْقَاسِم سَوَاء كَانَ اسْمه مُحَمَّدًا أم لَا قَالَ الرَّافِعِيّ وَمِنْهُم من حمله على كَرَاهِيَة الْجمع بَين الِاسْم والكنية وَجوز الْإِفْرَاد قَالَ وَيُشبه أَن يكون هَذَا أظهر لِأَن النَّاس مَا زَالُوا يكتنون بِهِ فِي سَائِر الْأَعْصَار من غير إِنْكَار قَالَ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة وَهَذَا التَّأْوِيل وَالِاسْتِدْلَال ضَعِيف وَالْأَقْرَب مَذْهَب مَالك وَهُوَ جَوَاز التكني بِأبي الْقَاسِم مُطلقًا لمن اسْمه مُحَمَّد وَلغيره وَالنَّهْي مُخْتَصّ بحياته ﷺ لِأَن سَبَب النَّهْي أَن الْيَهُود تكنوا بِهِ وَكَانُوا ينادون يَا أَبَا الْقَاسِم فَإِذا الْتفت النَّبِي ﷺ قَالُوا لم نعنك إِظْهَارًا للإيذاء وَقد زَالَ ذَلِك الْمَعْنى
следующие страницы →