← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 10022–10061 · переход к 10027.

стр. 10022

فائدة: قال القرطبي (١): روي عن بعض أهل العلم أنه لن يجوز أحد الصراط حتى يُسأل في سبع قناطر: فأما القنطرة الأولى فيسأل فيها عن الإيمان باللَّه تعالى والإيمان هو التصديق بالقلب المطابق مع الإقرار باللسان حتى لو أقر بلسانه من غير علم ومعرفة بربه لا يستحق اسم المؤمن وهذا لا نزاع فيه عند العلماء الذين هم حجة اللَّه في أرضه وعبارة بعضهم عقد القلب المصدق لإقرار اللسان الذي لا ينفع عند اللَّه تعالى غيره. واعلم أنه مع ذلك لابد أن يكون الاعتقاد جازما خاليا عن الشّكوك مستمرا على ذلك، فلو طرأ عليه شك كفر، نسأل اللَّه تعالى العافية وقد نص القرآن العظيم على إكفار المنافقين وإن كانوا أظهروا الإتيان بالشهادتين في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ (٢) الآية، وإجماع المسلمين على ذلك. القنطرة الثانية: يسأل فيها عن الصلاة فإن جاء بها تامة جاز وتمامها بأن يأتي بمصححاتها ويجتنب مفسداتها، وذلك مذكور في كتب الفقه، ثم للصلاة أمور أخر اعتنى الشارع ﷺ بها وحرّض على الإتيان بها منها الخشوع وناهيك به أن اللَّه تعالى قد أثنى على فاعليه فقال : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ (٣) وقد ذهب بعفر

стр. 10023

العلماء إلى أن الخشوع لابد منه في الصلاة وإلا فلا تصح والخشوع قطب البدن وما احتوى عليه واتفقوا على أن محله القلب وهو ذبول يرد على القلب عند الوقوف بين يدي الحق، وللناس فيه عبارات مختلفة وتقدم ذلك في بابه. القنطرة الثالثة: يسأل فيها عن صوم شهر رمضان فإن جاء به تاما جاز وله مصحّحات ومفسدات ذكرها العلماء في كتب الفقه وفيه وفي فضله من الأحاديث ما لا يكاد يحصى وتقدم ذلك في بابه. القنطرة الرابعة: يسأل فيها عن الزكاة ووجوبها ثابت بالكتاب والسنة. قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١)، فإن أدّاها على الوضع الشرعي جاز العقبة وإن منعها أو منع منها شيئا فقد تسبب لنفسه في عذاب مهول، وتقدمت الأحاديث في ذلك. القنطرة الخامسة: يسأل فيها عن الحج والعمرة والحج أحد أركان الإسلام وهو فرض عين بالإجماع بعد الكتاب والسنة وقد ورد في فضله أحاديث كثيرة تقدمت. القنطرة السادسة: يسأل فيها عن الوضوء والغسل فإن جاء [بهما] تامّين جاز وإلا فهو محبوس في شدة وعناء زيادة على ما هو على ظهره من أوزاره، والغسل والوضوء واجبان بالكتاب والسنة وإجماع الأمة عندما يقتضي إيجابهما ولابد من الإتيان بهما على الوجه الشرعي وإلا فهو باق على ما كان

стр. 10024

عليه من الحديث الأكبر والأصغر ولهما شروط وأركان مذكورة في كتب الفقه فيجب على كل مسلم تعلم ذلك ومتى أخّر عصى واستحق العقوبة واللَّه أعلم. القنطرة السابعة: وليس في القناطر أصعب منها: يسأل فيها عن ظلامات الناس. وفي الصحيح أن المؤمنين إذا جاوزوا الصراط حبسوا على قنطرة يقتص منهم مظالم كانت بينهم في الدنيا. وقال بعض السلف: إن الرجل يحبس على باب الجنة مائة عام بالذنب كان يعمله في الدنيا، ومظالم العباد كثيرة لا تنحصر حتى لو نظر شخص إلى شخص بعين التهديد أو الاحتقار بغير حق فهو ظلم، والآيات والأخبار في ذلك كثيرة جدا تقدمت، فإذا سلم العبد من هذه القناطر، ومن يسلم منها وأمروا بالمرور على الصراط مرُّوا أفواجا: المرسلون ثم النبيئون ثم الصديقون ثم المحسنون ثم الشهداء تم المؤمنون ثم العارفون وتبقى المسلمون مرورهم على قدر إيمانهم وأعمالهم وسيد المرسلين واقف على الصراط يقول: يا رب سلم سلم فمنهم من يمر كالبرق الخاطف الحديث. قال أبو الفرج بن الجوزي: قال المصطفى ﷺ فإذا صار الناس على [طرف] الصراط نادى ملك من تحت العرش يا فطرة الملك الجبار جوزوا على الصراط وليقف على كل عاص منكم وظالم فيا لها من ساعة ما أعظم خوفها وما أشد حره. تنبيه: فإذا فرغ الخلق من الحساب فيقسم الخلق على أقسام ناج مطلق وهو الذي رجحت حسناته وطاشت سيئاته وقسم قضى اللَّه عليه بالعذاب

стр. 10025

مدة وهو من الموحدين [بما] استوجبه ولم يجب عليه الخلود في النار لكونه من أهل الإيمان وقسم وجب عليه الخلود في النار لكونه من الكفار فهؤلاء الأصناف إذا مرّوا على الصراط كان المؤمنون الناجون متباطئين في سرعة الجواز فمنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالريح إلى آخره فيقطعون الصراط ويسيرون إلى الحوض، وأما الكفار [فينقطعون] بين الصراط في إدراك النار فلا يقطعون ظهر الصراط حتى يلج الجمل في سم الخياط. وأما عصاة الموحدين الذين قضى اللَّه عليهم مدة بالعذاب في النار فإنهم إذا مروا على الصراط تخطفهم الكلاليب وتجتذبهم إلى النار فمنهم من يغمس فيها غمسا ثم يخرج ومنهم من يبقى فيها ساعة وساعات إلى آخر من يخرج من النار. قوله ﷺ في الحديث: "فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم أشد مناشدة للَّه يوم القيامة في استيفاء الحق من المؤمنين للَّه يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار" الحديث، وفي رواية في استقصاء الحق بالصاد للكافة وعند بعضهم بضاد معجمة وعند السمرقندي في استيصاء الحق ولا وجه له [وعند] العذري والشجري، استيفاء الحق كما في رواية الكتاب والأول أولى. [واعلم] أن هذه وهي استيفاء الحق ضبطت على أوجه: أحدها استيضاء بتاء مثناة من فوق ثم مثناة من تحت ثم ضاد معجمة. والثاني بحذف المثناة من تحت، والثالث استيفاء بإثبات المثناة من تحت وبالفاء بدل الضاد. والرابع استقصاء بمثناة من فوق ثم قاف ثم صاد مهملة فالأول موجود في [كثير] من الأصول ببلادنا والثاني هو الموجود في أكثرها والثالث

стр. 10026

في بعضها وهو الموجود في الصحيحين لعبد الحق والرابع في بعضها ولم يذكر القاضي غيره، وجميع الروايات التي ذكرناها صحيحة ولكل منها معنى حسن وفيه كلام مطول في تفسير كل رواية واللَّه أعلم. قوله: "فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرّم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا" الحديث، أخرجوا من الإخراج خطابا للملائكة، وتقدم الكلام على تحريم الصور على النار وعلى دارات الوجوه وعلى السبعة أعضاء التي أمر بالسجود عليها. قوله: "فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه" الحديث، فحديث أبي سعيد الخدري هذا بيّن في أن الإيمان يزيد وينقص كما تقدم عن العلماء وهو مذهب أهل السنة فإن قوله: "أخرجوا من في قلبه مثقال دينار نصف دينار وذرة" يدل على ذلك. وقوله: "من خير" يريد به من إيمان أي من أعمال الإيمان التي هي أعمال الجوارح فيكون فيه دلالة على أن الأعمال الصالحة من شرائع الإيمان. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١)، وقد قيل أن المراد في هذا الحديث أعمال القلوب كأنه يقول: أخرجوا من عمل عملا بنية من قلبه لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" [وضرب بمثقال الذرة المثل لأقل الخير فإنها أقل المقادير. وقوله تعالى: "من كان في قلبه ذرة" هذا

стр. 10027

دليل على أنه لا ينفع من العمل إلا ما حضر له القلب وصحبته نية] (١). وقال القاضي عياض (٢): قيل معنى الخير المذكور في الحديث هنا اليقين. قال: والصحيح أن معناه شيء زائد على مجرد الإيمان لأن مجرد الإيمان الذي هو التصديق لا يتجزأ وإنما يكون هذا التجزِّي لشيء زائد عليه من عمل صالح أو ذِكر خفيّ أو عمل من أعمال القلب من شفقة على مسكين أو رقة على يتيم أو خوف من اللَّه تعالى، فما هي من أفعال القلب دون الجوارح، وسماها إيمانا لكونها في محل الإيمان، والدليل على أنه أراد بالإيمان ما قلنا ولم يرد مجرد الإيمان الذي هو التوحيد ونفي الشرك والإخلاص بقوله: لا إله إلا اللَّه، [ما في] الحديث، ثم هو بعد ذلك يقبض قبضة فيخرج قوما لم يعملوا خيرا قط يريد إلا التوحيد المجرد عن الأعمال، وقد جاء مبينا فيما رواه الحسين عن أنس في حديث مطول في الشفاعة وفيه: فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا اللَّه. قال: ليس ذلك لك أو قال ليس ذاك إليك، وعزتي وكبريائي وعظمتي وكبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا اللَّه [قاله النووي في شرحه] (٣). قوله [أي اللَّه ]: "ثم يقول ارجعوا" خطابا للملائكة كما تقدم.

стр. 10028

وقوله تعالى: "فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه" الحديث، وضرب بمثقال الذرة المثل لأقل الخير فإنها أقل المقادير. وقوله تعالى: "من كان في قلبه مثقال ذرة" هذا دليل على أنه لا ينفع من العمل إلا ما حضر له القلب وصحبته نية كما تقدم، وفيه دليل أيضًا على زيادة الإيمان ونقصانه كما تقدم أيضًا، وهو مذهب أهل السنة ومثقال الذرة من الخير ما يزن كذا، [والمراد بالذرة واحدة الذر وهو] (١) [والذر] النمل الصغير الأحمر واحدته ذرة. قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (٢)، وسئل ثعلب عنها فقال: إنّ مائة نملة وزن حبة والذرة واحدة منها وليس لها وزن. ويحكى أن رجلا وضع خبزا حتى علاه الذر وستره ثم وزنه فلم يزد شيئا. وهو أصغر ما يكون إذا مر عليها حول لأنها تصغر وتجري كما تفعل الأفعى. وروي عن ابن عباس أنه قال: الذرة رأس النمل. وقال صاحب المغيث (٣): قال بعض العلماء: الشعيرة أربع رزات والرزة أربع سمسمات والسمسمة أربع خردلات والخردلة أربع ورقات نخالة والورقة أربع ذرات، وقد تشبه أجزاء الغبار التي ترى عند طلوع الشمس في الكوة بالذرات والذرة النملة الحمراء. وقال يزيد بن هارون: زعموا أن الذرة ليس لها وزن، وتقدم ذلك أيضًا عن ثعلب، وذكر عن بعضهم قال: وضعت

стр. 10029

كذا وكذا ذرة في كفة الميزن فلم تترجح [بها]. وقال آخر وضعت خبزا فغشيته النمل بحيث عمّته فوزنته [مع النمل ثم نقيته فوزنته] فما نقص من وزنه شيء، وتقدم ذلك لكن هذه العبارة أوضح. وقيل الذرة ليس [لها] في الدنيا وزن أصلا فأخبر اللَّه تعالى أنه يحاسب في الآخرة بما لا وزن له في الدنيا، اهـ. تنبيه: ورد في حديث آخر (١): أخرجوا من النار من وجدتم في قلبه مثقال حبة [من] (٢) خردل من إيمان أو كما ذكر، والحبة بفتح الحاء واحدة الحب المأكول من الحنطة ونحوها، والخردل نبات معروف، قال الخطابي (٣): الحبة من الخردل مثل ليكون عيارا في المعرفة وليس بعيار في الوزن لأن الإيمان ليس بجسم يحصره الوزن أو الكيل، اهـ. ولكن ما يشكل في العقول قد يرد إلى عيار المحسوسات ليعلم ومعنى الحديث أنه يدخل الجنة من كان في قلبه أقل قدر من الإيمان؛ والمراد من الخير الإيمان إذ هو أصل [الخيور] ولا خير أعظم منه. قال النووي (٤): قال العلماء: المراد بحبة الخردل زيادة على أصل التوحيد: وقد جاء في الصحيح بيان ذلك ففي رواية أخرجوا من قال لا إله إلا اللَّه وعمل من خير ما يزن كذا، ثم بعد هذا يخرج منها من لم يعمل خيرا قط غير التوحيد.

стр. 10030

فإن قيل: كيف يعلمون ما كان في قلوبهم في الدنيا من الإيمان ومقداره؟ [قلنا]: يجعل اللَّه علامات يعرفون ذلك بها كما يعلمون كونهم من أهل التوحيد. قال: وفيه أن الأعمال من الإيمان لقوله ﷺ : "خردل من إيمان" والمراد ما زاد على أصل التوحيد، اهـ. وتقدم معنى ذلك معزُوًّا لغيره. قوله في الحديث: "ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا" هكذا هو خيرًا بإسكان الياء، أي صاحب خير. قوله: "فيقول اللَّه شفعت الملائكة وشفع النبيئون ولم يبق إلا أرحم الراحمين" شفعت الملائكة هو بفتح الفاء. قال النووي: وإنما ذكرته وإن كان ظاهرا لأني رأيت من يصحفه ولا خلاف فيه، يقال شفع يشفع شفاعة فهو شافع وشفيع والمشفع بكسر الفاء الذي يقبل الشفاعة والمشفع بفتحها الذي تقبل شفاعته. قوله: "فيقبض قبضة من النار" معناه يجمع جماعة. قوله: "فيخرج منها قوم من النار لم يعملوا خيرا قط" فهؤلاء أحرقتهم النار جميعهم فلم يبق في بدن أحدهم موضع لم تمسه بحيث صاروا حمما وهو الفحم المحترق بالنار، فظاهر السياق أنه لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير، فهذا السياق يدل على ذلك. وفي الحديث الآخر: لأخرجن من قال لا إله إلا اللَّه. قال القاضي عياض (١): فهؤلاء الذين معهم مجرد الإيمان وهم الذين لم يؤذن في الشفاعة فيهم وإنما دلت الآثار على أنه أذن لمن عنده شيء زائد من العمل على مجرد الإيمان وجعل الشافعين من الملائكة والنبيين دليلا عليه وتفرد اللَّه بعلم ما تُكِنُّه

стр. 10031

القلوب والرحمة لمن ليس عنده إلا مجرد الإيمان، اهـ. قوله: "قد عادوا حُمَما" ليس بلازم في عادَه أن يصير إلى حالة كان عليها قبل ذلك، بل معنى عادوا صاروا، اهـ. وحمما الحمم بضم الحاء المهملة وفتح الميم جمع حُمَمة وهي الفحمة واحدة الفحم بفتح الحاء. قال ابن دريد: ولا يقال بسكونها وهو الجمر إذا [طفئ] ناره. قال القاضي (١): وقياس هذا الباب السكون والفتح، اهـ. قاله عياض. قوله: "فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال لها نهر الحياة" الحديث، النهر فيه لغتان مشهورتان بفتح الهاء وإسكانها والفتح أجود وبه جاء القرآن العزيز، ونهر الحياة معناه الماء الذي يحيي من انغمس فيه وتقدم ذلك قريبا. وأما الأفواه فجمع فوهة بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة وهو جمع سمع من العرب على غير قياس وأفواه الأزقة والأنهار أوائلها وأفواه الجنة [شرقها] يقال فوهة النهر والطريق أي فمه وأوله كأنه يريد مفتتحات مسالك قصور الجنة ومنازلها. قاله عياض (٢). قال صاحب المطالع (٣) كأن المراد في الحديث مفتتح من مسالك قصور الجنة ومنازلها. قوله: "فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل" الحديث. قال [القتيبي] شبه نبات لحومهم بعد إحراقها بنبات الطاقة من النبت حين يطلع يكون صبيغا فما يلي الشمس من أعاليها أخضر وما يلي الظل أبيض، قاله في

стр. 10032

النهاية (١). وتقدم الكلام على حميل السيل والحِبة مبسوطا في الحديث قبله. قوله: "ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أُصَيْفِر وأخيضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض" الحديث، أمّا يكون في الموضعين الأولين فتامة ليس لها خبر معناها ما يقع وأصيفر وأخيضر مرفوعان، وإما يكون أبيض [فتكون] ناقصة وأبيض منصوب وهو خبرها. لطيفة. قوله: "أصيفر"، الاصفرار من جنس ألوان الرياحين ولهذا يسر الناظرين، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ (٢)، وسيد رياحين الجنة الحناء وهو أصفر وملتوية أي منعطفة منثنية وذلك أيضًا يزيد الريحان حسنا يعني اهتزازه وتميله أي الذي في قلبه مثقال حبة من إيمان يخرج من ذلك الماء نضرا حسنا متنشطا متبخترا كخروج هذه الريحانة من جانب السيل صفراء متميلة، انتهى، قاله الكرماني (٣). قوله ﷺ : "فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم" الحديث. أما اللؤلؤ فمعروف وفيه أربع قراءات في السبع جهمزتين في أوله وآخر وبحذفهما وبإثبات الهمز في أوله دون آخره وعكسه، وأما الخواتم فجمع خاتم بفتح التاء وكسرها ويقال خيتام وخاتام، قال صاحب التحرير المراد بالخواتيم هنا

стр. 10033

أشياء من ذهب أو غير ذلك تعلق في أعناقهم علامة يعرفون بها، قال: ومعناه تشبيه صفاتهم وتلألئهم باللؤلؤ واللَّه أعلم. وفي حديث أبي هريرة: يكتب على جباههم عتقاء الرحمن وهذا يعارض. ووجه الجمع بين الحديثين أن يكون بعضهم سيماهم في وجوههم وبعضهم سيماهم في رقابهم وقد يعبر بالرقبة عن جملة الشخص، قال تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١)، وقال ﷺ في حديث الخيل: "ولم ينس حق اللَّه في رقابها وظهورها" [فعبر] برقابها عن جملتها. فإن قيل: كيف سألوا محو ذلك ذلك الاسم عنهم وهو اسم شريف لأنه أضافهم إليه، وقد جاء في حديث المتاحبون في اللَّه تعالى فيكون في جباههم هؤلاء المتحابون في اللَّه تعالى ولم يسألوا محوه. فالجواب أنهم إنما يسألوا محو ذلك بخلاف المتحابين في اللَّه تعالى لأنه أنِفوا أن يُنسبوا إلى جهنم التي هي دار الأعداء واستحيوا من إخوانهم من أجل ذلك فلما منّ اللَّه عليهم بدخول الجنة أرادوا كمال الامتنان بزوال هذه النسبة عنهم. وروي في حديث: أنهم إذا دخلوا الجنة قال أهل الجنة هؤلاء الجهنميون فعند ذلك يقولون إلهنا لو تركتنا في النار كان أحب إلينا من العار فيرسل اللَّه تعالى ريحا من تحت العرش يقال لها المسرة فتهب على وجوههم فتمحو الكتابة [وتزيدهم] بهجة وجمالا، اهـ، قاله في الديباجة. [تتمة. قال القرطبي (٢): وذكر الكلابادي أبو بكر محمد بن إبراهيم في بحر

стр. 10034

الفوائد له (١) قال: حدثنا أبو نصر محمد بن إسحاق الرشادي فذكره إلى أن قال: حدثنا نعيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن أبي قلابة: قال كان لي ابن أخ يتعاطى الشراب فمرض فبعث إليّ ليلا أن ألحق به فأتيته فرأيت أسودين قد دنيا من ابن أخي فقلت إنا للَّه وانا إليه راجعون، هلك ابن أخي فاطلع أبيضان من الكوة التي في البيت فقال أحدهما لصاحبه انزل إليه فلما [تنحى] الأسودان فجاء فشم فاه فقال ما أرى فيه ذكرا ثم شم بطنه فقال ما أرى فيه صوما ثم عاد فشم رجليه فقال ما أرى فيهما صلاة. فقال له صاحبه: إنا للَّه وإنا إليه راجعون رجل من أمة محمد ﷺ ليس له من الخير شيء؟ ويحك عدُ فانظر. فعاد فشم فاه فقال: ما أرى فيه ذكرا ثم عاد فشم بطنه فقال ما أرى فيه صوما ثم عاد فشم رجليه فقال: ما أرى فيهما صلاة فقال ويحك رجل من أمة محمد ليس معه من الخير شيء؟ اصعد حتى أنزل أنا، فنزل الآخر فشم فاه وقال: ما أرى فيه ذكرا ثم شم بطنه فقال ما أرى فيه صوما ثم شم رجليه فقال: ما أرى فيهما صلاة. قال: ثم عاد فأخرج طرف لسانه فشم لسانه ثم قال: اللَّه أكبر، أراه قد كبر تكبيرة بأنْتَاكيِةَ يريد بها وجه اللَّه تعالى. قال: ثم فاضت نفسه وشممت في البيت رائحة المسك، فلما صليت الغداة قلت لأهل المجلس هل لكم في رجل صالح من أهل الجنة، وحدثتهم حديث ابن أخي فلما بلغت ذكر أنتاكية قالوا: ليست بأنتاكية هي أنطاكية. قلت: لا واللَّه لا أسمِّيها إلا كما سمّاها الملك، اهـ. قال: فهذه تكبيرة أراد بها وجه اللَّه زائدة

стр. 10035

على الشهادة التي هي شهادة الحق التي هي الإيمان باللَّه تعالى كما تقرر، فشفاعة النبي ﷺ والملائكة والنبيئين والمؤمنين لمن كان له عمل زائد على مجرد التصديق ومن لم يكن معه مع الإيمان خير هو الذي يتفضل اللَّه عليه فيخرجه من النار فضلا وكرما وعدا منه حقا [وكلمة] صدقا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، فسبحان الرءوف بعبده الموفي بعهده، اهـ، قاله في الديباجة] (٢). تنبيه: ورد في الخبر الصحيح أن أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون وأما عصاة هذه الأمة الذين أصابتهم النار بذنوبهم أو قال بخطاياهم فأماتهم اللَّه إماتة حتى إذا كانوا حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة فيهم فيجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل ويسمى هؤلاء عتقاء اللَّه تعالى، اهـ. فأما قوله: "الذين أصابتهم النار بذنوبهم" فمعناه أن المذنبين من المؤمنين يميتهم اللَّه إماتة بعد أن يُعذبوا المدة التي أراد اللَّه ، وهذه الإماتة إماتة حقيقة يذهب معها الإحساس ويكون عذابهم على قدر ذنوبهم ثم يميتهم ثم يكونون محبوسين في النار من غير إحساس المدة التي قدرها اللَّه تعالى يخرجون من النار موتى قد صاروا فحما

стр. 10036

فيحملون ضبائر. قال أهل اللغة: الضبائر جماعات في تفرقة. وقوله: "فبثوا" هو بالباء الموحدة المضمومة وبعدها ثاء مثلثة ومعناه فرقوا فيحملون كما تحمل الأمتعة ويلقون على أنهار الجنة فيصب عليهم ماء الحياة فيحيون ثم تشتدّ [قوّتهم] بعد ذلك ويصيرون إلى منازلهم فهذا الظاهر من لفظ الحديث، ومعناه. وحكى القاضي عياض فيه وجهين: أحدهما أنه إماتة حقيقة والثاني ليست بموت حقيقي ولكن يغيب عنهم إحساسهم بالآلام واللَّه أعلم، ويجوز أن تكون آلامهم أخف، هذا كلام القاضي والمختار ما قدمناه. قاله النووي (١). تنبيه أيضًا: قد اختلفت الآثار في مقدار بقاء العصاة في النار، فقال الإمام أبو العباس الإقليشي لم أجد في ذلك حدا في صحيح الآثار غير أن الإمام أبا حامد الغزالي ذكر في الإحياء (٢) حال عصاة الموحدين فقال أن أقل بقاء العاصي في النار لحظة وأكثره سبعة آلاف عام لما ورد به الإخبار، اهـ. تنبيه أيضًا: هذا الحديث حجة لأهل السنة على المرجئة [أي الفرقة الملقبة بالمرجئة، ولقبوا بالمرجئة لأنهم يرجئون العمل أي يؤخرونه، يقال أرجئت الأمر أي أخرته بهمز ولا يهمز، أو لأنهم يعطون الرجاء حيث يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، واللَّه أعلم، قاله في الديباجة،] حيث علم منه دخول طائفة من عصاة المؤمنين النار إذ

стр. 10037

مذهبهم أنه لا يضر مع الإيمان معصية فلا يدخل العاصي النار وحجة على المعتزلة أيضًا حيث دل على عدم وجوب تخليد العاصي في النار واللَّه أعلم. ٥٤٦٧ - وعن أنس ﵁ قال كنا عند رسول اللَّه ﷺ فضحك فقال هل تدرون مم أضحك قلنا اللَّه ورسوله أعلم قال من مخاطبة العبد ربه فيقول يا رب ألم تجرني من الظلم يقول بلى فيقول إني لا أجيز اليوم على نفسي شاهدا إلا مني فيقول كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا والكرام الكاتبين شهودا قال فيختم على فيه ويقول لأركانه انطقي فتنطق بأعماله ثم يخلي بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل رواه مسلم (١). أناضل بالضاد المعجمة أي أجادل وأخاصم وأدافع. قوله: "وعن أنس" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "عند النبي ﷺ فضحك فذكره إلى أن قال: فقال يا رب ألم تجرني من الظلم" معناه ألم تنقذني من الظلم فإني ما أشركت بك شيئا ولا ارتكبت معصية وتعذيب من هذا صفته ظلم وجنابك المقدس منزه عنه، يقال: أجاره اللَّه من العذاب أي أنقذه. وقوله: "قال: فيقول بلى". قال النبي ﷺ : يقول اللَّه تعالى بلى أي ارتكبت المعصية. قوله: "فيقول: إني لا أجيز اليوم على نفسي شاهدا إلا مني" أي لا أنفذ وأمضي، مِن أجاز أمره يجيزه إذا أمضاه وجعله جائزا، قاله في النهاية (٢). قوله: "فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا والكرام الكاتبين شهودا". قال

стр. 10038

الزمخشري: فإن قلت لم ذكر الحسيب؟ قلت لأنه بمنزلة الشهيد والقاضي والأمين لأن هذه الأمور الغالب أن يتولاها الرجال فكأنه قيل: كفى بنفسك رجلا حسيبا وكان الحسن إذا قرأها قال: يا ابن آدم أنصفك من جعلك واللَّه حسيب نفسك. قوله: "ويقال لأركانه انطقي" أي [لأعضائه وجوارحه وأركان] كل شيء [جوانبه التي يستند إليها ويقوم بها]، [قوله: "ثم يخلي بينه وبين الكلام"، ومعنى يخلي بينه وبينه أي بينه وبين أركانه، قوله: ". . . "، أي لجوارحه وأركان كل شيء نواحيه،] قوله: "فيقول بعدا لكُنّ وسحقا" أي هلاكا، ويجوز أن يكون من البعد ضد القرب. قاله في النهاية (١). قوله: "فعنكُنَّ كنت أناضل" أي أجادل وأخاصم وأدافع، قاله المنذري. وقال بعض العلماء أي أدافع لئلا تُعذَّبن. يقال: فلان يُناضل عن فلان إذا تكلم عنه بعذره ودفع والأصل فيه المراماة، [يقال انتضل القوم وتناضلوا إذا رموا السبق، وناضله إذا رماه] (٢) فأصله من المناضلة بالسهام. ٥٤٦٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قرأ رسول اللَّه ﷺ هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ الزلزلة ٨ قال أتدرون ما أخبارها قالوا اللَّه ورسوله أعلم قال فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها تقول عمل كذا وكذا رواه ابن حبان في صحيحه. (٣)

стр. 10039

قوله: "وعن أبي هريرة تقدم"، قوله ﷺ : "يوم ندعو كل أناس بإمامهم"، قال يُدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه ويمدُّ له في جسمه ستون ذراعا ويبيض وجهه، الحديث. وقال ابن عمر: قال رسول اللَّه ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (١) فأما الذين ابيضت وجوههم فأهل السنة والجماعة، وأما الذين اسودت وجوههم فأهل البدع والأهواء، ذكره الخطيب أبو بكر الحافظ من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر. فائدة يختم بها الباب: ومما يجلبه الموت على الإسلام من المنافع بياض الوجوه يوم القيامة، قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢)، فجعل اللَّه الذين ابيضت وجوههم قسيما للذين اسودت وجوههم وبيّن أن الذين

стр. 10040

اسودت وجوههم هم الذي يقال لهم أكفرتم بعد إيمانكم؟ فاقتضى ذلك أن كل مؤمن يبيض وجهه وأن كل من ابيض وجهه خالد في رحمة اللَّه. وأما الكافر فيسود وجهه، فهذا مما يقوّي في نفسك أن سواد الوجوه لا يكون إلا للكافرين فكل مؤمن يبيض وجهه بحمد اللَّه تعالى وبه قال أبي بن كعب واختاره الطبري (١). وقال الحسن: السود وجوههم هم المنافقون وهو تنصيص على بعض الكفار. وقال مالك بن أنس: هم أهل الأهواء. وقال ابن عباس (٢): تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة. وفي الحديث ما يؤيده، والمراد بأهل الأهواء وأهل البدعة من يقدح هواهم [وبدعتهم] في الإيمان. ومما يقوي في نفسك وجوه المؤمنين أيضًا قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨)﴾ (٣)، الآية. يريد بذلك وجوه المؤمنين، يدل على ذلك قوله عقب ذلك: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠)﴾ (٤) الآية، وقوله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ (٥) الآية. ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾ (١) الآية،

стр. 10041

وقد ظهر لك من هذه الآية أن المراد بالذين كسبوا السيئات الكفار بدليل ذكر خلودهم في النار واللَّه أعلم. ٥٤٦٩ - وَعنهُ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ فِي قَوْله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ (٢) قَالَ يدعى أحدهم فَيعْطى كتَابه بِيَمِينِهِ ويمد لَهُ فِي جِسْمه سِتُّونَ ذِرَاعا ويبيض وَجهه وَيجْعَل على رَأسه تَاج من لُؤْلُؤ يتلألأ قَالَ فَينْطَلق إِلَى أَصْحَابه فيرونه من بعيد فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ بَارك لنا فِي هَذَا حَتَّى يَأْتِيهم فَيَقُول أَبْشِرُوا فَإِن لكل رجل مِنْكُم مثل هَذَا وَأما الْكَافِر فَيعْطى كتَابه بِشمَالِهِ مسودا وَجهه ويمد لَهُ فِي جِسْمه سِتُّونَ ذرَاعا على صُورَة آدم وَيجْعَل على رَأسه تَاج من نَار فيراه أَصْحَابه فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ اخزه فَيَقُول أبعدكم اللَّه فَإِن لكل رجل مِنْكُم مثل هَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْبَعْث (٣).

стр. 10042

فصل في الحوض والميزان والصراط الحوض مجتمع الماء، يقال استحوض الماء إذا اجتمع، ويجمع أحواضا وحياضًا. ٥٤٧٠ - عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاصي ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء من شرب منه لا يظمأ أبدًا. ٥٤٧١ - وفي رواية حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء وماؤه أبيض من الورق. رواه البخاري (١) ومسلم (٢). قوله: "عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاصي" تقدمت مناقبه. قوله ﷺ : "حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء" الحديث، وفي رواية: والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء، وفي رواية: وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء، وغير ذلك من الروايات. قال النووي (٣): الصواب المختار أن هذا العدد للآنية على ظاهره وأنها أكثر عددا من نجوم السماء ولا مانع عقلي ولا شرعي يمنع من ذلك بل ورد الشرع به مؤكدا بالقسم كما قال ﷺ :

стр. 10043

والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء. وقال عياض (١): هذه إشارة إلى كثرة العدد وغاية الكثرة من باب قوله ﷺ : "لا يضع العصى عن عاتقه" واللَّه أعلم. قوله ﷺ : "من شرب منه لم يظمأ أبدا" أي يعطش أبدا، والظمأ مهموز مقصور كما ورد به القرآن العزيز وهو العطش. وقال القاضي عياض (٢): ظاهر هذا الحديث أن الشرب من الحوض يكون بعد الحساب والنجاة من النار، فهذا هو الذي لم يظمأ بعده. قال: وقيل لا يشرب منه إلا من قدر له السلامة من النار، ويحتمل أن من شرب منه من هذه الأمة وقدر عليه [دخول] (٣) النار لا يعذب فيها بالعطش بل يكون عذابه بغير ذلك لأن ظاهر الحديث أن جميع الأمة تشرب منه إلا من ارتد وصار كافرا. قال: وقد قيل أن جميع المؤمنين من الأمم آخذون كتبهم بأيمانهم ثم يعذب اللَّه من شاء من عصاتهم، وقيل إنما يأخذه بيمينه الناجون خاصة. قال القاضي: وهذا مثله، وقد روي في الحديث: من ورد شرب، فهذا صريح في أن الواردين كلهم يشربون وإنما يمنع منه الذين يذادون ويمنعون الورود لارتدادهم وسيأتي بيان ذلك قريبا في هذا الباب واللَّه أعلم. [قال أبو العباس القرطبي (٤): ظاهره أن ذلك إنما يكون بعد النجاة من النار وأهوال القيامة

стр. 10044

لأن الوصول إلى ذلك المحل الشريف والشرب منه والوصول إلى موضع يكون فيه النبي ﷺ ولا يمنع [منه] من أعظم الإكرام وأجل الإنعام ومن انتهى إلى مثل هذا كيف يعاد إلى حساب أو يذوق بعد ذلك [تنكيل] العذاب، فالقول بذلك أوهى من السراب، اهـ، قاله في الديباجة] (١). تنبيه: اعلم أن القرطبي وغيره صححوا أن للنبي ﷺ حوضين: أحدهما في الموقف قبل الصراط والثاني في الجنة، وكلاهما يسمى كوثرا والكوثر في كلام العرب الخير الكثير، وذهب صاحب القوت وغيره إلى أن حوض النبي ﷺ إنما هو بعد الصراط ومنهم من قال: هو حوض واحد، اهـ. فإذا جاز المؤمنون المخلصون الصراط وردوا حوض النبي ﷺ ، ولكل نبي حوض ورد ذلك في الترمذي: ترد عليه أمته لكل نبي على [قدره و] قدر تبعه. وقال [البكري] المعروف بابن الواسطي لكل نبي حوض إلا صالحا فإن حوضه ضرع ناقته، اهـ، إلا أن حوض نبينا [محمد] (٢) ﷺ أعظم ماء وأكثر أكوابًا وأعظم واردًا، فإذا شرب المؤمنون منه وجدوا من اللذة والبرد والراحة من ألم الموقف والاستبشار بالخلاص من يوم القصاص والصعق وإلى نعيم الجنان ما تسري لذته في حبة الجَنَان. قال القاضي عياض (٣): واعلم أن

стр. 10045

أحاديث الحوض صحيحة والإيمان به فرض والتصديق به من الإيمان وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة ولا يتأول ولا يختلف فيه. قال: وحديثه متواتر النقل رواه خلائق من الصحابة وذكره مسلم من رواية ابن عمر وأبي سعيد وسهل بن سعد وجندب وعبد اللَّه بن عمرو بن العاصي وعائشة وأم سلمة وعقبة وابن مسعود وحذيفة وحارثة بن وهب والمستورد وأبي ذر وثوبان وأنس وجابر بن سمرة. ورواه غير مسلم من رواية أبي بكر وزيد بن الأرقم وأبي أمامة وعبد اللَّه بن زيد وأبي برزة وسويد بن جبلة وعبد اللَّه الصُّنابحى والبراء بن عازب وأسماء بنت أبي بكر وخولة بنت قيس وغيرهم. قال النووي (١): ورواه البخاري ومسلم أيضًا من رواية أبي هريرة ورواه غيرهما من رواية عمر بن الخطاب وعبد اللَّه بن عمر وآخرين، وقد جمع ذلك كله الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب البعث والنشور بأسانيده وطرقه المتكاثرات. قال القاضي (٢): وفي بعض هذا ما يقتضي كون الحديث متواترًا. قال أبو العباس القرطبي (٣): يجب على كل مكلف أن يصدق بأن اللَّه تعالى خص سيد المرسلين بالحوض المورود المصرح باسمه وصفته وشرابه وآنيته في الأحاديث الكثيرة الصحيحة الشهيرة التي يحصل

стр. 10046

بمجموعها العلم القطعي واليقين التواتري وقد روى ذلك عن النبي ﷺ ما يزيد [على] ثلاثين صحابيا منهم في الصحيحين ما يزيد عن عشرين وباقيهم في غيرهما، ورواه من التابعين أمثالهم وقد أنكرته طائفة من المبتدعة وأحالوه على ظاهره وهم ممن ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. قوله: "وفي رواية: حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء" الحديث. قال العلماء: معناه أي يتسوي طوله [كعرضه] كما قال في حديث أبي ذر عرضه مثل طوله. [قوله ﷺ : "وزواياه" جمع زاوية أي نواحيه كما قال في الحديث الآخر: ما بين ناحيتيه] (١). قوله ﷺ ماؤه أشد بياضا من الورق، هكذا هو في جميع النسخ، والورق بكسر الراء الفضة. ٥٤٧٢ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ حَوْضِي من كذَا إِلَى كذَا فِيهِ من الْآنِية عدد النُّجُوم أطيب ريحًا من الْمسك وَأحلى من الْعَسَل وأبرد من الثَّلج وأبيض من اللَّبن من شرب مِنْهُ شربة لم يظمأ أبدا وَمن لم يشرب مِنْهُ لم يرو أبدا رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا المَسْعُودِيّ (٢).

стр. 10047

٥٤٧٣ - وعن أبي أمامة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال إن اللَّه وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب فقال يزيد بن الأخنس واللَّه ما أولئك في أمتك إلا كالذباب الأصهب في الذباب فقال رسول اللَّه ﷺ قد وعدني سبعين ألفا مع كل ألف سبعين ألفا وزادني ثلاث حثيات. قال فما سعة حوضك يا نبي اللَّه قال كما بين عدن إلى عمان وأوسع وأوسع يشير بيده قال فيه مثعبان من ذهب وفضة. قال فماء حوضك يا نبي اللَّه قال أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وأطيب رائحة من المسك من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا ولم يسود وجهه. رواه أحمد (١) ورواته محتج بهم في الصحيح وابن حبان في صحيحه. (٢)

стр. 10048

ولفظه قال عن أبي أمامة أن يزيد بن الأخنس ﵁ قال يا رسول اللَّه ما سعة حوضك قال ما بين عدن إلى عمان وإن فيه مثعبين من ذهب وفضة. قال فماء حوضك يا نبي اللَّه قال أشد بياضًا من اللبن وأحلى مذاقة من العسل وأطيب رائحة من المسك من شرب منه لم يظمأ أبدا ولم يسود وجهه أبدًا المثعب بفتح الميم والعين المهملة جميعا بينهما ثاء مثلثة وآخره موحدة وهو مسيل الماء. قوله: "وعن أبي أمامة" واسمه صدي بن عجلان تقدم. قوله ﷺ : "إن اللَّه وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب. فقال يزيد بن الأخنس: واللَّه ما أولئك في أمتك إلا كالذباب الأصهب في الذباب" الحديث، والأصهب الذي يعلو لونه صهبة وهي كالشقرة. قاله الخطابي. قال ابن الأثير: والمعروف أن الصهبة مختصة بالشعر وهي حمرة يعلوها سواد واللَّه أعلم. ويزيد بن الأخنس [هو يزيد بن الأخنس بن جيب بن حرة بن زغب بن مالك ابن عفاف بن عتبة بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم أبو يزيد السلمي وقد قيل غير ذلك في نسبة له ولأبيه ولابنه صحبة].

стр. 10049

قوله: "فقال رسول اللَّه ﷺ : قد وعدني سبعين ألفا مع كلل ألف سبعين ألفا وزادني ثلاث حثيات" الحديث، الحثوة والحثية ما يحثيه الإنسان بيديه من ماء أو تراب أو غيرهما وهو بالثاء المثلثة، والحثيات هنا كناية عن المبالغة في الكثرة ولا كفّ ولا حَثْي جل اللَّه عن ذلك. تنبيه: يجوز في ثلاث حثيات الرفع عطفا على المبتدأ الذي هو قوله: سبعون ألفا وهو الأقرب، ويجوز النصب عطفا على مفعول [يدخل أي] (١) يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا [وثلاث] حثيات من ربي، والكثرة في الرفع أكثر من النصب بسبعين واللَّه أعلم بمراد نبيه ﷺ . وأصحاب هذه الحثيات هم الذين وقعوا في قبضته الأولى سبحانه يوم القبضتين، فإن قيل: فكيف كانوا أولا قبضة واحدة ثم صاروا ثلاث حثيات [مع العدد المذكور؟ قيل أنه] سبحانه أخرج يوم القبضشين صورهم وأشباحهم. وقد روي أنهم كانوا كالذر [وأمّا] يوم الحثيات بكلتا اليدين واللَّه أعلم. قاله في حادي الأرواح، وقال الطبراني في حديثه (٢): حدثني عامر بن يزيد أنه سمع عتبة بن عبد اللَّه

стр. 10050

السلمي قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إن ربي وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب، فبكى عمر وقال: إن السبعين الأول يشفعهم اللَّه في آبائهم وأبنائهم وعشائرهم وأرجو أن يجعلني اللَّه في إحدى الحثيات الأواخر. قال الطبراني (١): وحدثني أحمد بن [خليد] فذكره إلى أن قال: عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عبد اللَّه بن عامر بن قيس الكندي أن أبا سعيد الأنماري حدثه أن رسول اللَّه ﷺ قال: إن ربي وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب ويشفع [لكل] ألف سبعين ألفا. [قال قيس: فقلت لأبي سعيد: أنت سمعت هذا من رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم؟ قال: نعم بأذني ووعاه قلبي.] قال أبو سعيد الأنماري:

стр. 10051

فحسب ذلك عند رسول اللَّه ﷺ فبلغ أربعمائة ألف ألف وسبعمائة ألف. فقال رسول اللَّه ﷺ : إن ذلك يستوعب إن شاء اللَّه مهاجري أمتي، اهـ. قاله في حادي الأرواح. قوله: "قال فما سعة حوضك يا نبي اللَّه؟ قال: كما بين عدن إلى عمان وأوسع، يشير بيده" الحديث. وعدن هي بفتح العين والدال المهملتين مدينة لطيفة معروفة باليمن مما يلي البحر وهي أحد حدّي أرض العرب عرضا إلى العذيب من ناحية الكوفة، وإنما اشتهر اسمها لأنها مرسى البحرين ومنها تسافر مراكب الهند والسند والصين وإليها [تجلب] بضائع هذه الأقاليم من الحرير والكيمخت والمسك والعود والطيب والعاج والأبنوس والزبد وثياب الحرير الفاخرة وغير ذلك، اهـ. قال صاحب الحاوي في زكاة المعادن، يقال: عَدَنَ إذا أقام وسميت البلد عدنا لأن تُبَّعا كان يحبس فيها أصحاب الجرائم، اهـ. وأما عُمَانُ فهي اسم لمدينتين بضم العين وتخفيف الميم لا غير فهي مدينة معروفة باليمن بقرب البحرين ولها ذكر في الحديث والمعروف في روايات الحديث وغيرها ترك صرفها، وحكى القاضي عياض (١) أن منهم من ضبطها بفتح العين وتشديد الميم يعني عَمَّان البلقا وهذا غلط منهم، اهـ. فعُمَان التي ياليمن بقرب البحرين من العروض إليها ينسب العُماني الراجز، سميت بعُمان بن سنان وهو من ولد إبراهيم ﷺ فيما ذكروا واللَّه أعلم، وفيه نظر إذ لا يعرف في ولد إبراهيم ﷺ لصلبه من اسمه سنان. قاله السهيلي في الروض الأنف على سيرة

стр. 10052

ابن هشام. وأما عَمَّان البلقاء التي بالشام فهي بفتح العين وتشديد الميم فهي قرية قديمة من عمل دمشق بالشام سميت بعمّان بن لوط بن هاران، كان سكنها فيما ذكروا واللَّه أعلم، قاله السهيلي أيضًا. قال الفرزدق: فحبّك أغشاني بلادا بغيضة ... إليّ وروميا بعمّان اقشرا قوله ﷺ في الحوض: "فيه ثعبان من ذهب وفضة" الحديث، المثعب بفتح الميم والعين المهملة جميعا بينهما ثاء مثلثة وآخره موحدة هو مسيل الماء، قاله الحافظ المنذري. قوله في رواية الطبراني في الحوض: فيه أكاويب عدد نجوم السماء، الحديث، والأكاويب جمع كوب وهو كوز لا عروة له. وقيل لا خرطوم له، فإذا كان خرطوم فهو إبريق، قاله الحافظ أيضًا. قوله في رواية الطبراني: "حوضي كما بين عدن وعمان" والمراد بعد عدن إبين، ذكره سيبويه بكسر الهمزة على إصبع وجوز فيه الفتح فلذلك يقيد في هذا الكتاب، وقال ابن ماكولا: هو إبين بن زهير بن أيمن بن الهيسع بن حمير سميت به البلدة. وقال الطبراني: وعدنا ابنا عدنان سميت بهما البلدتان، قال ذلك السهيلي. قاله عياض. قوله: "ولا يحضرون السدد" وهو جمع السدة وهي الباب والسدة الفناء ولا شك في أن الأكواب غير الأباريق فقد غاير اللَّه بينهما بالعطف فقال تعالى: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾ (١) ولا شك أن آنية الجنة منها ما هو من ذهب ومنها ما هو من فضة ثم هذه الآنية منها ما هو [للشراب] بأنواعه ومنها ما هو للطعام بأنواعه.

стр. 10053

٥٤٧٤ - وعن ثوبان ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال إني لبعقر حوضي أذود الناس لأهل اليمن أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم فسئل عن عرضه فقال من مقامي إلى عمان وسئل عن شرابه فقال أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل يغت فيه ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما من ذهب والآخر من ورق رواه مسلم (١) وروى الترمذي (٢) وابن ماجه (٣) والحاكم (٤) وصححه عن أبي سلام الحبشي قال بعث إلي عمر بن عبد العزيز فحملت على البريد فلما دخلت إليه قلت يا أمير المؤمنين لقد شق علي مركبي البريد فقال يا أبا سلام ما أردت أن أشق عليك ولكن بلغني عنك حديث تحدثه عن ثوبان عن رسول اللَّه ﷺ في الحوض فأحببت أن تشافهني به فقلت حدثني ثوبان أن رسول اللَّه ﷺ قال حوضي مثل ما بين عدن إلى عمان البلقاء ماؤه أشد بياضا من الثلج وأحلى من العسل وأكوابه عدد نجوم السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا وأول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين الشعث رؤوسا الدنس ثيابا الذين لا ينكحون المنعمات ولا تفتح لهم أبواب السدد فقال عمر قد أنكحت المنعمات فاطمة بنت عبد الملك وفتحت لي أبواب السدد لا جرم لا أغسل رأسي حتى يشعث ولا ثوبي الذي يلي جسدي حتى يتسخ عقر

стр. 10054

الحوض بضم العين وإسكان القاف هو مؤخره. أذود الناس لأهل اليمن أي أطردهم وأدفعهم ليرد أهل اليمن يرفض بتشديد الضاد المعجمة أي يسيل ويترشش يغت فيه ميزابان هو بغين معجمة مضمومة ثم تاء مثناة فوق أي يجريان فيه جريا له صوت وقيل يدفقان فيه الماء دفقا متتابعا دائما من قولك غت الشارب الماء جرعا بعد جرع الشعث بضم الشين المعجمة جمع أشعث وهو البعيد العهد بدهن رأسه وغسل وتسريح شعره. الدنس بضم الدال والنون جمع دنس وهو الوسخ. قوله: "وعن ثوبان" ثوبان هو مولى رسول اللَّه ﷺ تقدمت ترجمته. قوله ﷺ : "إني لبعقر حوضي أذود الناس عنه لأهل اليمن أضرب بعصاي حتى يرفضّ عليهم" الحديث، عقر الحوض بضم العين [وإسكان القاف] هو مؤخره، اهـ. قاله الحافظ. وقال بعض العلماء هو مؤخره حيث تقف الإبل من الحوض إذا وردته وتسكن قافه [وتضم]، فيقال عقر وعقُر كعُسْر وعسُر، قاله الجوهري (١). وقوله: "أذود الناس عنه لأهل اليمن" الحديث، أي أطردهم وأدفعهم ليرد أهل اليمن. قاله المنذري، وفي رواية: "وإني لأصدّ الناس عنه" أي الكفار، بمعنى [أطردهم] وأمنع. وقال بعضهم: معناه أطرد الناس عنه غير أهل اليمن ليرفض على أهل اليمن وهذه كرامة لأهل اليمن في تقديمهم في الشرب منه مجازاة لهم بحسن صنيعهم وتقديمهم في الإسلام والأنصار من اليمن فيدفع

стр. 10055

غيرهم حتى يشربوا كما دفعوا عن النبي ﷺ أعداءه والمكروهات، اهـ. وقال في النهاية (١) في قوله: "أذود الناس عنه لأهل اليمن" أي أطردهم وأدفعهم، ومنه الحديث: فليُذادن رجال عن حوضي أي ليُطردنّ. ويُروى فلا يُذادنّ أي لا تفعلوا فعلا يوجب طردكم عنه والأول أشبه، اهـ. وقوله: "حتى يرفض عليهم" بتشديد الضاد أي يسيل ويترشش، اهـ. قاله الحافظ المنذري وقال بعض العلماء معنى يرفضّ عليهم أي يسيل عليهم، ومنه حديث البراق استصعب حتى ارفض عرقا أي سال عرقه. قال أهل اللغة والغريب: وأصله من الدمع يقال ارفض الدمع إذا سال متفرقا. قوله: "أضرب بعصاي" قال القاضي عياض ﵀ (٢): وعصاه المذكورة في هذا الحديث هي المكنى عنها بالهراوة. [قال أهل اللغة: الهراوة] بكسر الهاء العصى. قال النووي (٣): وهذا الذي قاله في تفسير الهراوة بهذا العصى بعيد أو باطل لأن المراد بوصفه بالهرواة تعرّفُهُ بصفة يراها الناس معه يستدلون بها على صدقه. والصواب في تفسير صاحب الهراوة ما قاله الأئمة المحققون أنه ﷺ كان يمسك القضيب بيده كثيرا، وقيل لأنه كان يمشي والعصى بين يديه وتغرز له فيصلي إليها، وهذا مشهور في الصحيح واللَّه أعلم.

стр. 10056

قوله ﷺ : "يغتّ فيه ميزابان" يعني الحوض، ومعنى يغتّ يصب. قال الحربي: أي لا ينقطع جريهما، [ويغتّ] بغين معجمة مضمومة ثم مثناة فوق أي يجريان فيه جريا له صوت، وقيل يدفقان فيه الماء دفقا متتابعا دائما من قولك غتّ الشارب الماء جرعا بعد جرع، اهـ. قاله الحافظ. [ومنه كره. . .] وقال بعض العلماء: هو بفتح الياء المثناة تحت وبغين معجمة مضمومة ومكسورة ثم مثناة فوق مشددة وهكذا ذكره ثابت والخطابي والهروي وصاحب التحرير والجمهور، وكذا هو في معظم نسخ بلادنا ونقله القاضي عن الأكثرين. قال الهروي: ومعناه يدفقان فيه الماء دفقا متتابعا شديدا. [قاله،] وأصله من إتباع الشيءِ الشيءَ، وقيل يصبّان فيه الماء دائما صبا شديدا. ووقع في بعض نسخ مسلم يعُبُّ بضم العين المهملة وبباء موحدة وحكاه القاضي عياض عن رواية العذري قال: وكذا ذكره الحربي وفسّره بمعنى ما سبق أي لا ينقطع جريانهما. قال: والعبّ الشرب بسرعة في نفَس واحد ومنه كره العبّ في الشرب وهو الشرب بنفس [واحدة، قاله عياض]. قال القاضي عياض (١): ووقع في رواية ابن هامان يثعب بمثلثة وعين مهملة أي يتفجر. قوله ﷺ : "يمدانه من الجنة أحدهما من ذهب والآخر من ورِق" الحديث، يمدانه بفتح الياء وضم الميم أي يزيدانه ويكثرانه، وتقدم معنى الورق في أوائل الباب.

стр. 10057

قوله: وروى الترمذي وابن ماجه عن أبي سلام الحبشي قال: بعث عمر بن عبد العزيز إليّ فحُمِلت على البريد" الحديث، أبو سلام الحبشي اسمه مسطور الحبشي ويقل النوبي الباهلي الأعرج الدمشقي وقيل أن الحبشي نسبة إلى حي من حمير لا إلى الحبشة وكان من العباد تابعي ثقة روى له الجماعة البخاري في الأدب وذكره ابن حبان في الثقات. وعمر بن عبد العزيز الأموي التابعي الخلفية [الراشدي]، وكان يقال لعمر بن عبد العزيز الأشج لما ضربته دابة في وجهه فشجّته، وكان عمر بن الخطاب يقول: من ولدي رجل بوجهه لتسجة يملأ الأرض عدلا، و [كانت] أمه أم عاصم بن عمر بن الخطاب، أجمع العلماء على جلالته وفضله ووفور علمه وزهده وعدله وشفقته على المسلمين، صلى أنس بن مالك خلفه قبل خلافته، ثم قال: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول اللَّه ﷺ من هذا الفتى، تولى الخلافة سنة تسع وتسعين ومدة خلافته سنتان وخمسة أشهر نحو خلافة الصديق ﵁، فملأ الأرض قسطا وعدلا. وقال سفيان الثوري: الخلفاء خمسة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز، ولما تولى قالت رعاء الشاء في رءوس الجبال من هذا الخليفة الصالح الذي قام على الناس؟ فقيل لهم: وما علمكم بذلك؟ فقالو: إنه إذا قام خليفة صالح كفّت الذئاب عن شائنا. وقال أحمد بن حنبل: يروى في الحديث أن اللَّه يبعث على رأس كل مائة عام من يصحح لهذه الأمة دينها، فنظرنا في المائة الأولى فإذا عمر بن عبد العزيز. قال النووي في تهذيب

стр. 10058

الأسماء واللغات (١): حمله العلماء في المائة الأولى على عمر [بن عبد العزيز، والثانية على الشافعي والثالثة على ابن سُريج. وقال الحافظ ابن عساكر: هو الشيخ أبو الحسن الأشعري. وفي الرابعة: على أبي سهل الصعلوكي، وقيل القاضي الباقلاني وقيل أبو حامد الإسفرايني. وفي الخامسة على الغزالي ﵀، اهـ. [وفي ذلك] خلاف لكل مذهب وإنما المراد من انقضت المائة وهو حي عالم مشار إليه. ولد عمر بن عبد العزيز بمصر وتوفي بدير سمعان قرية بحمص يوم الجمعة من رجب سنة إحدى ومائة وأوصى أن يدفن معه شيء كان عنده من شعر رسول اللَّه ﷺ وأظفاره وقال: إذا متّ فاجعلوه في كفني ففعلوا ذلك، وعن يوسف بن ماهك قال: بينما نحن نسوي التراب على قبر عمر سقط علينا رقّ من السماء فيه مكتوب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم: أمان من اللَّه لعمر بن عبد العزيز من النار، ذكره الكرماني (٢)، وتقدم شيء من بعض مناقبه. قوله ﷺ : "حوضي ما بين عدن إلى عمان البلقاء" الحديث، تقدم الكلام على عدن و [على] (٣) عمان البلقاء في أحاديث الباب. قوله ﷺ : "أول الناس وُرودا عليه فقراء المهاجرين الشعث رءوسا الدنس ثيبا الذين لا ينكحون المنعمّات ولا تفتح لهم أبوب السّدد، فقل عمر: قد أنكحت

стр. 10059

المنعمات فاطمة بنت عبد الملك" الحديث. تقدم الكلام على المهاجرين وهم الذين نصروا رسول اللَّه ﷺ لما هاجر إلى المدينة، والشعث بضم الشين المعجمة جمع أشعث وهو البعيد العهد بدهن رأسه وغسله وتسريح شعره، اهـ، قاله الحافظ. والدنس بضم الدال والنون جمع دنس وهو الوسخ. قوله: "ولا تفتح لهم [أبواب] (١) السدد" السدد الأبواب، أي لا تفتح لهم الأبواب لعدم الاكتراث بهم. قوله: "فقال عمر" أي ابن عبد العزيز: "قد أنكحت المنعّمات فاطمة بنت عبد الملك" هي فاطمة بنت عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية. قوله: "لا جرم ولا أغسل رأسي حتى يشعث" تقدم معنى لا جرم في النكاح وغيره. ٥٤٧٥ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال حوضي كما بين عدن وعمان أبرد من الثلج وأحلى من العسل وأطيب ريحا من المسك أكوابه مثل نجوم السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا أول الناس عليه ورودا صعاليك المهاجرين قال قائل من هم يا رسول اللَّه قال الشعثة رؤوسهم الشحبة وجوههم الدنسة ثيابهم لا تفتح لهم السدد ولا ينكحون المنعمات الذين يعطون كل الذي عليهم ولا يأخذون كل الذي لهم رواه أحمد بإسناد حسن (٢).

стр. 10060

قوله: الشحبة وجوههم بفتح الشين المعجمة وكسر الحاء المهملة بعدها باء موحدة هو من الشحوب وهو تغير الوجه من جوع أو هزال أو تعب. وقوله لا تفتح لهم السدد أي لا تفتح لهم الأبواب. قوله: "وعن ابن عمر" تقدمت ترجمته في أول هذا التعليق. قوله ﷺ : "حوضي كما بين عدن وعمان أبرد من الثلج وأحلى من العسل" الحديث. وقع في بعض النسخ كما بين عدن بالكاف وفي بعضها لما باللام وكلاهما صحيح. وعدن بفتح العين والدال المهملتين مدينة معروفة باليمن يقال فيها

стр. 10061

عدن إبين أضيفت إلى إبين رجل من حمير عدَنَ بها أي أقام. قال الحازمي في المؤتلف يقال نسب إلى إبين بن زهير بن أيمن بن الهيسع بن حمير بن سبأ وإبين على وزن أبيض بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة وبعدها ياء آخر الحروف مفتوحة ونون هذا هو المشهور في تقييدها، وذكرها سيبويه بكسر الهمزة وجوز فيها الفتح، اهـ. قاله في التنقيح. وعمان تقدم الكلام عليها. قوله ﷺ : "وأكوابه مثل نجوم السماء" تقدم الكلام على الأكواب وأنها جمع كوب في أول هذا الباب. قوله ﷺ : "أول الناس عليه ورودا صعاليك المسلمين" جمع صعلوك وهو [الفقير]، قوله: "الشعثة رءوسهم الشحبة وجوههم" تقدم الكلام على الشعثة رءوسهم وبقية ألفاظ الحديث. والشحبة وجوههم هو بفتح الشين المعجمة وكسر الحاء المهملة بعدها باء موحدة من الشحوب وهو [تغير] الوجه من جوع أو هزال أو تعب، اهـ. ٥٤٧٦ - وَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ حَوْضِي كَمَا بَين عدن وعمان فِيهِ أكاويب عدد نُجُوم السَّمَاء من شرب مِنْهُ لم يظمأ بعْدهَا أبدا وَإِن من يردهُ عَليّ من أمتِي الشعثة رؤوسهم الدنسة ثِيَابهمْ لَا ينْكحُونَ الْمُنَعَّمَاتِ وَلَا يحْضرُون السدد يَعْنِي أَبْوَاب السُّلْطَان رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَإِسْنَاده حسن فِي المتابعات (١).
следующие страницы →