قوله: وروى الترمذي وابن ماجه عن أبي سلام الحبشي قال: بعث عمر بن عبد العزيز إليّ فحُمِلت على البريد" الحديث، أبو سلام الحبشي اسمه مسطور الحبشي ويقل النوبي الباهلي الأعرج الدمشقي وقيل أن الحبشي نسبة إلى حي من حمير لا إلى الحبشة وكان من العباد تابعي ثقة روى له الجماعة البخاري في الأدب وذكره ابن حبان في الثقات. وعمر بن عبد العزيز الأموي التابعي الخلفية [الراشدي]، وكان يقال لعمر بن عبد العزيز الأشج لما ضربته دابة في وجهه فشجّته، وكان عمر بن الخطاب يقول: من ولدي رجل بوجهه لتسجة يملأ الأرض عدلا، و [كانت] أمه أم عاصم بن عمر بن الخطاب، أجمع العلماء على جلالته وفضله ووفور علمه وزهده وعدله وشفقته على المسلمين، صلى أنس بن مالك خلفه قبل خلافته، ثم قال: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول اللَّه ﷺ من هذا الفتى، تولى الخلافة سنة تسع وتسعين ومدة خلافته سنتان وخمسة أشهر نحو خلافة الصديق ﵁، فملأ الأرض قسطا وعدلا.
وقال سفيان الثوري: الخلفاء خمسة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز، ولما تولى قالت رعاء الشاء في رءوس الجبال من هذا الخليفة الصالح الذي قام على الناس؟ فقيل لهم: وما علمكم بذلك؟ فقالو: إنه إذا قام خليفة صالح كفّت الذئاب عن شائنا. وقال أحمد بن حنبل: يروى في الحديث أن اللَّه يبعث على رأس كل مائة عام من يصحح لهذه الأمة دينها، فنظرنا في المائة الأولى فإذا عمر بن عبد العزيز. قال النووي في تهذيب
стр. 10058
الأسماء واللغات (١): حمله العلماء في المائة الأولى على عمر [بن عبد العزيز، والثانية على الشافعي والثالثة على ابن سُريج. وقال الحافظ ابن عساكر: هو الشيخ أبو الحسن الأشعري. وفي الرابعة: على أبي سهل الصعلوكي، وقيل القاضي الباقلاني وقيل أبو حامد الإسفرايني. وفي الخامسة على الغزالي ﵀، اهـ. [وفي ذلك] خلاف لكل مذهب وإنما المراد من انقضت المائة وهو حي عالم مشار إليه. ولد عمر بن عبد العزيز بمصر وتوفي بدير سمعان قرية بحمص يوم الجمعة من رجب سنة إحدى ومائة وأوصى أن يدفن معه شيء كان عنده من شعر رسول اللَّه ﷺ وأظفاره وقال: إذا متّ فاجعلوه في كفني ففعلوا ذلك، وعن يوسف بن ماهك قال: بينما نحن نسوي التراب على قبر عمر سقط علينا رقّ من السماء فيه مكتوب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم: أمان من اللَّه لعمر بن عبد العزيز من النار، ذكره الكرماني (٢)، وتقدم شيء من بعض مناقبه. قوله ﷺ : "حوضي ما بين عدن إلى عمان البلقاء" الحديث، تقدم الكلام على عدن و [على] (٣) عمان البلقاء في أحاديث الباب.
قوله ﷺ : "أول الناس وُرودا عليه فقراء المهاجرين الشعث رءوسا الدنس ثيبا الذين لا ينكحون المنعمّات ولا تفتح لهم أبوب السّدد، فقل عمر: قد أنكحت
стр. 10059
المنعمات فاطمة بنت عبد الملك" الحديث. تقدم الكلام على المهاجرين وهم الذين نصروا رسول اللَّه ﷺ لما هاجر إلى المدينة، والشعث بضم الشين المعجمة جمع أشعث وهو البعيد العهد بدهن رأسه وغسله وتسريح شعره، اهـ، قاله الحافظ. والدنس بضم الدال والنون جمع دنس وهو الوسخ.
قوله: "ولا تفتح لهم [أبواب] (١) السدد" السدد الأبواب، أي لا تفتح لهم الأبواب لعدم الاكتراث بهم.
قوله: "فقال عمر" أي ابن عبد العزيز: "قد أنكحت المنعّمات فاطمة بنت عبد الملك" هي فاطمة بنت عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية. قوله: "لا جرم ولا أغسل رأسي حتى يشعث" تقدم معنى لا جرم في النكاح وغيره.
٥٤٧٥ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال حوضي كما بين عدن وعمان أبرد من الثلج وأحلى من العسل وأطيب ريحا من المسك أكوابه مثل نجوم السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا أول الناس عليه ورودا صعاليك المهاجرين قال قائل من هم يا رسول اللَّه قال الشعثة رؤوسهم الشحبة وجوههم الدنسة ثيابهم لا تفتح لهم السدد ولا ينكحون المنعمات الذين يعطون كل الذي عليهم ولا يأخذون كل الذي لهم رواه أحمد بإسناد حسن (٢).
стр. 10060
قوله: الشحبة وجوههم بفتح الشين المعجمة وكسر الحاء المهملة بعدها باء موحدة هو من الشحوب وهو تغير الوجه من جوع أو هزال أو تعب.
وقوله لا تفتح لهم السدد أي لا تفتح لهم الأبواب.
قوله: "وعن ابن عمر" تقدمت ترجمته في أول هذا التعليق. قوله ﷺ : "حوضي كما بين عدن وعمان أبرد من الثلج وأحلى من العسل" الحديث. وقع في بعض النسخ كما بين عدن بالكاف وفي بعضها لما باللام وكلاهما صحيح. وعدن بفتح العين والدال المهملتين مدينة معروفة باليمن يقال فيها
стр. 10061
عدن إبين أضيفت إلى إبين رجل من حمير عدَنَ بها أي أقام. قال الحازمي في المؤتلف يقال نسب إلى إبين بن زهير بن أيمن بن الهيسع بن حمير بن سبأ وإبين على وزن أبيض بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة وبعدها ياء آخر الحروف مفتوحة ونون هذا هو المشهور في تقييدها، وذكرها سيبويه بكسر الهمزة وجوز فيها الفتح، اهـ. قاله في التنقيح. وعمان تقدم الكلام عليها. قوله ﷺ : "وأكوابه مثل نجوم السماء" تقدم الكلام على الأكواب وأنها جمع كوب في أول هذا الباب. قوله ﷺ : "أول الناس عليه ورودا صعاليك المسلمين" جمع صعلوك وهو [الفقير]، قوله: "الشعثة رءوسهم الشحبة وجوههم" تقدم الكلام على الشعثة رءوسهم وبقية ألفاظ الحديث. والشحبة وجوههم هو بفتح الشين المعجمة وكسر الحاء المهملة بعدها باء موحدة من الشحوب وهو [تغير] الوجه من جوع أو هزال أو تعب، اهـ.
٥٤٧٦ - وَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ حَوْضِي كَمَا بَين عدن وعمان فِيهِ أكاويب عدد نُجُوم السَّمَاء من شرب مِنْهُ لم يظمأ بعْدهَا أبدا وَإِن من يردهُ عَليّ من أمتِي الشعثة رؤوسهم الدنسة ثِيَابهمْ لَا ينْكحُونَ الْمُنَعَّمَاتِ وَلَا يحْضرُون السدد يَعْنِي أَبْوَاب السُّلْطَان رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَإِسْنَاده حسن فِي المتابعات (١).
стр. 10062
الأكاويب جمع كوب وَهُوَ كوب لَا عُرْوَة لَهُ وَقيل لَا خرطوم لَهُ فَإِذا كَانَ لَهُ خرطوم فَهُوَ إبريق.
٥٤٧٧ - وعن أنس ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال ما بين جنبتي حوضي كما بين صنعاء والمدينة، وفي رواية مثل ما بين المدينة وعمان (١). وفي رواية ترى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء (٢). زاد في رواية أو أكثر من عدد نجوم السماء (٣). رواه البخاري (٤) ومسلم وغيرهما (٥).
قوله: "وعن أنس" هو ابن مالك تقدم. قوله ﷺ : "ما بين ناحيتي حوضي كما بين صنعاء والمدينة" الحديث. أما صنعاء فهي بفتح الصاد وإسكان النون وبالمد هي صنعاء اليمن قاعدة البحرين ومدينتها العظمى وصاحبها الأسود العنسي بالنون وهي من عجائب الدنيا كما قاله الشافعي ﵁، والنسب إليها صنعاني بزيادة نون، وإنما قيدتها بصنعاء اليمن لئلا تشتبه بصنعاء دمشق قرية كانت في جانبها الغربي في ناحية الربوة والنسب إليهما واحد وإليها ينسب أبو [الأشعث] الصنعاني وبصنعاء الروم وذكر الحازمي في المؤتلف (٦) أن صنعاء اليمن يقال لها: أزال بفتح الهمزة والزاي وآخرها
стр. 10063
لام يجوز كسرها وضمها، قاله النووي (١).
قوله: "وفي رواية: ترى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء" الحديث، قال عياض (٢): كذا رويناه بضم التاء من تُرى باثنتين فوقها، وقد رواه بعضهم [يرى] (٣) بفتح الياء باثنتين تحتها وكسر الراء، وصوّبه بعضهم وقال معناه يضيء ويشرق من قولهم إنما أراد العدد وإنها [ترى] (٤) في الكثرة الكثرة ككثرة النجوم، اهـ. وقع في هذه الرواية كعدد نجوم السماء بالكاف، ووقع في بعض النسخ لعدد نجوم السماء باللام، وكلاهما صحيح.
٥٤٧٨ - وعن أنس ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال أعطيت الكوثر فضربت بيدي فإذا هي مسكة ذفرة وإذا حصباؤها اللؤلؤ وإذا حافتاه أظنه قال قباب تجري على الأرض جريا ليس بمشقوق. رواه البزار (٥) وإسناده حسن في المتابعات ويأتي أحاديث الكوثر في صفات الجنة إن شاء اللَّه تعالى.
قوله: "وعن أنس" تقدم. قوله ﷺ : "أعطيت الكوثر فضربت بيدي فإذا مكسة ذفرة" الحديث، وفي حديث فإذا طينه مسك أذفر، الذفر بالتحريك كل
стр. 10064
ريح ذكية من طيب ونتن. يقال: مسك أذفر بيّن الذفر. الكوثر هو نهر في الجنة، قاله أنس بن مالك، ومعناه الخير الكثير، قاله مجاهد. وقالت عائشة: هو نهر في الجنة ليس أحد يُدخل أصبعيه في أذنيه إلا يسمع خرير ذلك النهر لشبه الخرير بالذي يسمعه حين يدخل أصبعيه في أذنيه. وجاء في التفسير أن الكوثر القرآن والنبوءة والكوثر في غير هذا الرجل الكثير العطاء، قاله في النهاية (١). قوله: "فإذا مسكة ذفرة" أي طيب الريح، والذفر بالتحريك يقع على الطيب والكريه ويفرق بينهما بما يضاف إليه ويوصف به، قاله في النهاية (٢) أيضًا. فأما [الكوثر] (٣) الذي أعطيه النبي ﷺ فذلك [مما] خص به في الجنة. [ففي] البخاري عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: بينا أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر في الجنة حافتاه الدر المجوف. قلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك. فإذا طينه مسك. قوله: "حافتاه الدر المجوف" وفي رواية: حافتاه الياقوت المجيب. وفي سنن أبي داود: المجيب أو المجوف بالشك. وفي معا لأصحابهم [السنن]: المجيب أو المجوف بالباء فيهما على الشك. وقال معناه الأجوف. وقوله: "بينا أنا أسير في الجنة" أي ليلة المعراج. قوله: "حافتاه" أي طرفاه، وفي حديث: قباب الدر جمع قبة. قوله: "وعن عتبة بن عبد السلمي" هو أبو الوليد، عتبة بن عبد السلمي. وقال
стр. 10065
ابن عبد البر: عتبة بن عبد وهو عتبة بن عبد الندر. وقال: قد قيل إنهما اثنان، ومال إلى القول الأول. وأما البخاري فإنه جعلهما اثنين، وكذلك أبو حاتم الرازي. وهذا عتبة كان اسمه عتلة، فسماه النبي ﷺ عتبة. شهد خيبر.
روى عنه ابنه يحيى، ولقمان بن عامر، وكثير بن مرة، وخالد بن معدان، وغيرهم.
مات بحمص سنة سبع وثمانين، وهو ابن أربع وتسعين سنة. وهو آخر من مات بالشام في قول الواقدي. قوله: "قام أعرابي إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: ما حوضك الذي تحدث عنه" الحديث، الأعرابي بفتح الهمزة هو الذي يسكن البادية.
قوله ﷺ : "هو ما بين صنعاء إلى بصرى" تقدم الكلام على صنعاء اليمن وأما بُصرى فبضم الباء الموحدة مقصورة على صيغة فُعلى أفعل هي مدينة بِحَوْران بفتح الحاء المهملة وبالراء مشهورة ذات قلعة وهي قريبة من طرف [العمارة] البرية التي بين الشام والحجاز وهي أول بلدان الشام فتوحا فتحت سنة ثلاث عشرة صلحا. قوله ﷺ : "ثم يمدني اللَّه فيه بكراع لا يدري بشر ممن خلق أي طرفيه" الحديث، الكراع بضم الكاف هو الأنف الممتد من الحرة استعير منها، قاله الحافظ، وقال في النهاية (١) أي طرف من ماء الجنة مشبه بالكراع لقلته وأنه كالكراع من الدابة وكراع جمعه أكرع، اهـ. وقال الجوهري: وإنما جمع على أكرع وهو مختص بالمؤنث لأن الكراع يذكر ويؤنث.
стр. 10066
٥٤٧٩ - وَعَن عتبَة بن عبد السّلمِيّ ﵁ قَالَ قَامَ أَعْرَابِي إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ فَقَالَ مَا حوضك الَّذِي تحدث عَنهُ فَقَالَ هُوَ كَمَا بَين صنعاء إِلَى بصرى ثمَّ يمدني اللَّه فِيهِ بكراع لَا يدْرِي بشر مِمَّن خلق أَي طَرفَيْهِ قَالَ فَكبر عمر رضوَان اللَّه عَلَيْهِ فَقَالَ ﷺ أما الْحَوْض فيزدحم عَلَيْهِ فُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين يقتلُون فِي سَبِيل اللَّه ويموتون فِي سَبِيل اللَّه وَأَرْجُو أَن يوردني اللَّه الكراع فأشرب مِنْهُ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (١).
الكراع بِضَم الْكَاف هُوَ الأنف الممدد من الْحرَّة استعير هُنَا وَاللَّه أعلم.
٥٤٨٠ - وعن أبي برزة ﵁ قال سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول ما بين ناحيتي حوضي كما بين أيلة إلى صنعاء مسيرة شهر عرضه كطوله فيه مرزابان ينبعثان من الجنة من ورق وذهب أبيض من اللبن وأبرد من الثلج فيه أباريق عدد نجوم السماء رواه الطبراني وابن حبان في صحيحه (٢) من رواية
стр. 10067
أبي الوازع واسمه جابر بن عمرو عن أبي برزة واللفظ لابن حبان.
قوله: "وعن أبي برزة" تقدم. قوله ﷺ : "ما بين ناحيتي حوضي كما بين أيلة إلى صنعاء مسيرة شهر عرضه كطوله" أما أيلة فهي بفتح الهمزة وإسكان الياء المثناة تحت وفتح اللام وهي مدينة معروفة في طرف الشام على ساحل البحر من بلاد الشام، قاله أبو عبيدة] (١) متوسطة بين مدينة رسول اللَّه ﷺ ودمشق ومصر بينها وبين المدينة خمسة عشر مرحلة وبينها وبين دمشق نحو ثنتي عشرة مرحلة وبينها وبين مصر نحو ثمان مراحل. قال الحازمي: قيل هي آخر الحجاز وأول الشام مما يلي بحر اليمن. وتقدم الكلام على صنعاء اليمن ومعنى الحديث: أن ما بين طرفي الحوض أزيد من بعد ما بين أيلة إلى صنعاء.
تنبيه: ورد وأن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة، وفي رواية ما بين ناحيتيه كما بين جَرباء وأدرج. قال الداوودي: وهما قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاث ليال، قاله في نهاية الغريب وهذا الذي قاله غلط فإنهما مقاربتان بينهما [عذيرة] سهم وهما بين القدس والكرَك، وتقدم الكلام على أيلة. وأما الجحفة فهي نحو سبع مراحل من المدينة بينها وبين مكة وإما بجيم مفتوحة ثم راء ساكنة ثم باء موحدة ثم ألف مقصورة هذا هو الصواب، [والمشهور]
стр. 10068
أنها مقصورة وكذا [ضبطها] الحازمي في كتاب المؤتلف، وجاءت في البخاري ممدوة، وأما أدرُج فهي قرية بالشام كما تقدم.
قال النووي (١): قلت: وليس في القليل من هذه المسافات منع الكثير فالكثير ثابت على ظاهر الحديث بلا معارضة. واللَّه أعلم.
فائدة: قال أبو عبد اللَّه القرطبي في التذكرة (٢): ظن بعض الناس أن هذه التحديدات في أحاديث الحوض اضطراب واختلاف من الرواة وليس كذلك وإنما تحدث النبي ﷺ بحديث الحوض مرات عديدة وذكر فيها تلك الألفاظ المختلفة العديدة مخاطبا لكل طائفة بما كانت تعرف من مسافات مواضعها فيقول لأهل الشام ما بين أدرج وجرباء ولأهل اليمن ما بين صنعاء إلى عدن، وهكذا، وتارة يقدر بالزمان فيقول مسيرة شهر، والمعنى المقصود أنه حوض كبير متسع الجوانب والزوايا فكان كذلك بحسب من حضره ممّن يعرف تلك الجهات فخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها واللَّه أعلم، ولا يخطر ببالك ويذهب وهمك إلى أن الحوض يكون على وجه هذه الأرض وإنما يكون وجوده في الأرض المبدّلة على مسامتة هذه الأقطار أو في المواضع التي تكون بدلا من هذه المواضع في هذه الأرض وهي أرض بيضاء [نقية] (٣) كالفضة لم يسفك فيها دم ولم يظلم على [ظهرها] أحد قط
стр. 10069
تطهر لنزول الجبار لفصل القضاء واللَّه تعالى أعلم.
تنبيه: ويقال إن على أحد أركان الحوض أبا بكر ﵁ وعلى الثاني عمر ﵁ وعلى الثالث عثمان ﵁ وعلى الرابع عليا ﵁. وقال الإمام أبو عبد اللَّه القرطبي (١): وهذا لا يقال من جهة الرأي فهو مرفوع وقد رفعه صاحب الغيلانيات (٢) من حديث حميد عن أنس ﵁، [قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إن على حوضي أربعة أركان، فأول ركن منها في يد أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنه] والركن الثاني في يد عمر فذكر مثل ما تقدم إلى أن قال: فمن أحب أبا بكر وأبغض عمر لم يسقه أبو بكر ومن أحب عمر وأبغض أبا بكر لم يسقه عمر ومن أحب عثمان وأبغض عليا لم يسقه عثمان ومن أحب عليا وأبغض عثمان لم يسقه علي، فذكر الحديث، اهـ.
стр. 10070
قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم الكلام على مناقبه ﵁.
قوله ﷺ : "بينا أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال لهم: هلم. فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار واللَّه"، الحديث، الزمرة الجماعة.
وقوله: "هلم" معناه تعالوا. قال أهل اللغة: في هلم لغتان أفصحهما هَلُمَّ للرجل والرجلين والمرأة والجماعة من الصنفين بصيغة واحدة وبهذه اللغة جاء القرآن العزيز في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ (١)، ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ (٢)، واللغة الثانية: هلم يا رجل وهلم يا رجلان وهلموا يا رجال وللمرأة هلمي وللمرأتين هلما وللنسوة هَلْمُمْن. قال ابن السكيت وغيره الأولى أفصح كما قدمناه. قاله النووي (٣).
قوله ﷺ : "فقلت ما شأنهم؟ فقال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري" الحديث، كان ابن أبي مُليكة إذا روى هذا الحديث أو سمعه يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن في ديننا، وفي رواية أخرى: قد بدلوا بعدك فأقول سحقا سحقا، الحديث. وفي بعض الأحاديث فأقول: يا رب أمتي، فيقال: إنهم كانوا يمشون بعدك القهقري. قال الأزهري: معناه الارتداد عما كانوا عليه ومنه [قوله]: رجع القهقرى أي رجع الرجوع الذي يعرف
стр. 10071
بهذا الاسم لأنه ضرب من الرجوع كأنهم رجعوا إلى ورائهم، [والقهقرى] هو المشي إلى خلف من غير [أن] يعيد وجهه إلى جهة مشيه. قيل أنه من باب القهر، قاله في النهاية (١).
قوله: "فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم" الحديث، والهمل من النعم الضوالّ من الإبل، واحدها هامل.
قاله الهروي. والهمل الإبل بغير راع وهي الهاملة والهوامل والهمال، وذلك يكون في الليل والنهار، الواحدة هامل، ولا يقال ذلك في الغنم، والهامل أيضًا من الإبل الضال، اهـ. قال الحافظ ومعناه أن الناجي قليل كضالة النعم بالنسبة إلى جملتها، اهـ.
قوله: "ارتدوا على أدبارهم" قال الإمام أبو عبد اللَّه القرطبي (٢): قال علماؤنا وكل من ارتد عن دين اللَّه أو أحدث فيه ما لا يرضاه اللَّه ولم يأذن به اللَّه فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه [وأشدهم] طردا من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم كالخوارج على اختلاف فرقها والروافض على تباين ضلالها والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدّلون وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق [وقتال] أهله وإذلال أهله والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع ثم البعد قد يكون في حال ويقربون بعد المغفرة إن
стр. 10072
كان التبديل في الأعمال ولم يكن في العقائد وعلى هذا التقدير يكون نور الوضوء يعرفون به ثم يقال لهم سحقًا وإن كانوا من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول اللَّه ﷺ يُظهرون الإيمان ويسرون الكفر فنأخذهم بالظاهر ثم يكشف لهم الغطاء فيقول: [سحقا] فسحقا. ولا يخلد في النار إلا كافر وجاحد ليس في قلبه حبة من خردل من إيمان واللَّه أعلم، اهـ. قوله ﷺ في رواية لمسلم قال: ترد عليّ أمتي الحوض وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله، الحديث. الذود الدفع ومعناه كما يذود الساقي الناقة الغريبة عن إبله إذا أرادت الشرب مع إبله. قوله: "قالوا يا رسول اللَّه تعرفنا؟ قال: نعم لكم سيما ليست لأحد غيركم يردون عليّ غرًّا محجلين من آثار الوضوء" الحديث، أما السيما فهي العلامة وهي مقصورة وممدوة لغتان ويقال السيمياء بياء بعد الميم مع المدة واستدل جماعة من العلماء في هذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة زادها اللَّه شرفا وتكريما وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا في الوضوء.
قوله ﷺ : "ولتصدن عني طائفة منكم فلا يصلون فأقول يا رب هؤلاء من أصحابي -وفي رواية: أصيحابي- فيجيبني ملك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك" وفي حديث تقدم في قيام الساعة فأقول: سحقا سحقا، الحديث وإنما صغر أصيحابي ليدل على قلة عددهم هكذا هو في جميع النسخ الأصول، [فيجيبني ملك، بالباء الموحدة من الجواب، وكذا نقله القاضي عياض عن جميع الرواة إلا ابن أبي جعفر من رواته، فإن عنده]
стр. 10073
فيجيئني ملك بالهمزة من المجيء والأول أظهر وللثاني وجه واللَّه أعلم، هذا الحديث مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال: أحدها أن المراد به المنافقون والمرتدون فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل فيناديهم النبي ﷺ للسيما التي عليهم فيقال ليس هؤلاء ممن وعدت بهم إن هؤلاء بدلوا بعدك أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم. والثاني أن المراد من كان في زمن النبي ﷺ ثم ارتد بعده فيناديهم النبي ﷺ وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء لما كان يعرفه ﷺ في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك. والثالث: أن المراد أصحاب المعاصي الكبائر الذين ماتوا على التوحيد أو أصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام، وعلى هذا القول لا يقطع لهؤلاء الذين يُذادون بالنار [بل يجوز أن يُذادوا] (١) عقوبة لهم ثم يرحمهم اللَّه فيدخلهم الجنة من غير عذاب. قال أصحاب هذا القول ولا يمتنع أن يكون لهم غرة وتحجيل ويحتمل أن يكونوا كانوا في زمن النبي ﷺ وبعده لكن عرفهم بالسيما. قال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض كالخوارج والروافض وسائر أهل الأهواء. قال: وكذلك الظلمة المترفون في الجور وطمس الحق والمعلنون بالكبائر. قال: وكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عُنُوا بهذا الخبر، وتقدم مثل ذلك عن القرطبي.
стр. 10074
٥٤٨١ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن لي حوضا مَا بَين الْكَعْبَة وَبَيت الْمُقَدّس أَبيض مثل اللَّبن آنيته كعدد النُّجُوم وَإِنِّي لأكْثر الْأَنْبِيَاء تبعا يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث زَكَرِيَّا عَن عَطِيَّة وَهُوَ الْعَوْفِيّ عَنهُ (١).
٥٤٨٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ بَينا أَنا قَائِم على الْحَوْض إِذا زمرة حَتَّى إِذا عرفتهم خرج رجل من بيني وَبينهمْ فَقَالَ هَلُمَّ فَقلت إِلَى أَيْن قَالَ إِلَى النَّار وَاللَّه فَقلت مَا شَأْنهمْ فَقَالَ إِنَّهُم ارْتَدُّوا على أدبارهم الْقَهْقَرَى ثمَّ إِذا زمرة أُخْرَى حَتَّى إِذا عرفتهم خرج رجل من بيني وَبينهمْ فَقَالَ لَهُم هَلُمَّ قلت إِلَى أَيْن قَالَ إِلَى النَّار وَاللَّه قلت مَا شَأْنهمْ قَالَ إِنَّهُم ارْتَدُّوا على أدبارهم فَلَا أرَاهُ يخلص مِنْهُم إِلَّا مثل همل النعم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٢).
٥٤٨٣ - وَلمُسلم قَالَ ترد عَليّ أمتِي الْحَوْض وَأَنا أذود النَّاس عَنهُ كَمَا يذود الرجل إبل الرجل عَن إبِله قَالُوا يَا نَبِي اللَّه تعرفنا قَالَ نعم لكم سِيمَا لَيست لأحد غَيْركُمْ تردون عَليّ غرا محجلين من آثَار الْوضُوء وليصدن عني طَائِفَة مِنْكُم فَلَا يصلونَ فَأَقُول يَا رب هَؤُلاءِ من أَصْحَابِي فيجيبني ملك فَيَقُول وَهل تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بعْدك (٣).
همل النعم ضوالها وَمَعْنَاهُ أَن النَّاجِي قَلِيل كضالة النعم بِالنِّسْبَةِ إِلَى جُمْلَتهَا.
стр. 10075
٥٤٨٤ - وعن عائشة ﵂ قالت سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول وهو بين ظهراني أصحابه إني على الحوض انظر من يرد علي منكم فواللَّه ليقتطعن دوني رجال فلأقولن أي رب من أمتي فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ما زالوا يرجعون على أعقابهم. رواه مسلم (١) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
قوله: "وعن عائشة" تقدم الكلام على فضائلها. قولها: "سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول وهو بين ظهراني أصحابه: إني على الحوض أنتظر من يرد عليّ منكم" معنى ظهراني أصحابه قال الأصمعي وغيره: يقال: بين ظهرانيهم وظهريهم، ومعناه: بينهم وبين أظهرهم. وقال غيره: العرب تضع الاثنين موضع الجميع قوله: "فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، مازالوا يرجعون على أعقابهم" أي راجعين إلى الكفر كأنهم رجعوا إلى ورائهم، قاله في النهاية (٢). قال القاضي عياض (٣): هذا دليل لصحة تأويل من تأول أنهم أصحاب الردة ولهذا قال فيهم سحقا سحقا ولا يقول ذلك في مذنبي الأمة بل يشفع لهم ويهتم لأمرهم. قال: وقيل هؤلاء صنفان: أحدهما عصاة مرتدون عن الاستقامة لا عن الإسلام وهؤلاء مبدِّلون للأعمال الصالحة بالسيئة والثاني مرتدون إلى الكفر حقيقة ناكصون على أعقابهم واسم التبديل يشمل الصنفين، واللَّه أعلم. وعنها تقدم الكلام عليها.
стр. 10076
قوله ﷺ : "أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحدٌ أحدا عند الميزان حتى يعلم أيخفّ ميزانه أم يثقل وعند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم في شماله أم وراء ظهره وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم حتى يجوز"، الحديث. هذا الحديث يشتمل على ثلاث فوائد. الفائدة الأولى في الميزان: فإن قيل الميزان حق. قيل نعم هي حق ولا يكون في حق كل أحد بدليل قوله ﷺ : فيقال يا محمد أَدخِل الجنة من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن.
وقوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ (١) الآية، وإنما يكون لمن بقي من أهل المحشر ممن خلط عملا صالحًا وآخر سيئًا وقد يكون للكافرين. وقال أبو حامد: والسبعون ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب لا ترفع لهم ميزان ولا يأخذون صحفًا وإنما هي براءة مكتوبة لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، هذه براءة فلان بن فلان قد غفر له وسعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا فما مرّ عليهم شيء أسرّ من ذلك اليوم.
قلت: وقد روي عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: تنصب الموازين يوم القيامة فيؤتى بأهل الصلاة فيؤتون أجرهم بالموازين ويؤتى بأهل الصيام فيوفون بالموازين، فذكر الحديث إلى أن قال: ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان حتى أن أهل العافية ليتمنّون في الموقف أن
стр. 10077
أجسادهم قرضت بالمقاريض، اهـ. قاله في التذكرة (١).
الفائدة الثانية في تطاير الصحف: فأول من يعطى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه، ذكر أبو بكر أحمد بن ثابت الخطيب عن زيد بن ثابت (٢) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : أول من يُعطى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب وله شعاع كشعاع الشمس، فقيل له: فأين أبو بكر يا رسول اللَّه؟ قال: هيهات زفّته الملائكة إلى الجنان. وخرّج الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن مندة في كتاب التوحيد له عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: إن اللَّه ﵎ ينادي يوم القيامة بصوت رفيع غير فظيع، يا عبادي أنا اللَّه لا إله إلا أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين، يا عبادي لا خوف عليكم واليوم ولا أنتم تحزنون، أحضروا حجتكم ويسروا جوابا فإنكم مسئولون محاسبون، يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفا على أطراف أنامل أقدامهم للحساب، قاله القرطبي في التذكرة (٣).
الفائدة الثالثة في ذكر الصراط: واعلم في الآخرة صراطين: أحدهما مجاز لأهل المحشر كلهم ثقيلهم وخفيفهم إلا من دخل الجنة بغير حساب أو تلتقطه عنق النار فإذا خلص من خلص من هذا الصراط الأكبر أي المضروب على النار ولا يخلص منه إلا المؤمنون الذين علم اللَّه منهم أن القصاص لا
стр. 10078
يستنفذ حسناتهم [كالمفلس والعياذ باللَّه الذي سألهم عنه ﷺ فأجابوه بأن المفلس الذي لا مال له ولا متاع بياض هو الصحيح فطرحه في النار، المبيّن في هذا الحديث ظاهر سياق القرطبي هذا أنه الصراط الأول واللَّه أعلم-] (١) حُبسوا على صراط آخر خاص [بهم] وهو القنطرة التي بين الجنة والنار فيجلسون عليها فيُقص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا ولا يرجع إلى النار من هؤلاء أحد إن شاء اللَّه تعالى لأنهم [قد] عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم الذي يسقط [من] فيها من أوبقه ذنبه حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذِن لهم في دخول الجنة. قال رسول اللَّه ﷺ : فوالذي نفسي بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا، اهـ.
قاله القرطبي (٢)، وتقدم الكلام على ذكر الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم، حافتاه كلاليب كثيرة وحسك كثيرة.
٥٤٨٥ - وعنها ﵂ قَالَت ذكرت النَّار فَبَكَيْت فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ مَا يبكيك قلت ذكرت النَّار فَبَكَيْت فَهَل تذكرُونَ أهليكم يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ أما فِي ثَلَاثَة مَوَاطِن فَلَا يذكر أحد أحدا عِنْد الْمِيزَان حَتَّى يعلم أيخف مِيزَانه أم يثقل وَعند تطاير الصُّحُف حَتَّى يعلم أَيْن يَقع كِتَابه فِي يَمِينه أم فِي شِمَاله أم وَرَاء ظَهره وَعند الصِّرَاط إِذا وضع بَين ظَهْري جَهَنَّم حَتَّى يجوز رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة الْحسن عَن عَائِشَة وَالْحَاكِم إِلَّا أَنه قَالَ وَعند الصِّرَاط إِذا وضع بَين
стр. 10079
ظَهْري جَهَنَّم حافتاه كلاليب كَثِيرَة وحسك كَثِيرَة يحبس اللَّه بهَا من يَشَاء من خلقه حَتَّى يعلم أينجو أم لَا الحَدِيث وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا لَوْلَا إرْسَال فِيهِ بَين الْحسن وَعَائِشَة (١).
٥٤٨٦ - وعن أنس ﵁ قال: سألت رسول اللَّه ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة فقال أنا فاعل إن شاء اللَّه تعالى قلت فأين أطلبك قال أول ما تطلبني على الصراط قلت فإن لم ألقك على الصراط قال فاطلبني عند الميزان قلت فإن لم ألقك عند الميزان قال فاطلبني عند الحوض فإني لا أخطئ هذه الثلاثة مواطن. رواه الترمذي (٢) وقال حديث حسن غريب والبيهقي في البعث (٣) وغيره.
قوله: "وعن أنس" تقدم الكلام على مناقبه ﵁.
قوله: "سألت رسول اللَّه ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة فقال: إني فاعل إن شاء اللَّه تعالى. قلت: فأين أطلبك؟ قال: أول ما تطلبني على الصراط. قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟ قال: فاطلبني عند الميزان. قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: فاطلبني عند الحوض فإني لا أخطأ هذه الثلاثة مواطن"
стр. 10080
الحديث. واعلم أن سيد المرسلين [والأولين] والآخرين رسول اللَّه ﷺ له ثلاثة مواطن لا يدع الوقوف عليها لعظم أمرها وشدة هولها، وقد جاء بذلك حديث أنس هذا فانظر رحمك اللَّه تعالى ما أشد شفقة نبيك ﷺ على أمته يقف في هذه المواطن المهولة خوفا على أمته ويناجي ربه يا رب أمتي أمتي فهو رءوف رحيم حريص علينا من أن نُردي أنفسنا في النار ولم يزل هذا دأبه في الآخرة والأولى يدعو اللَّه بالرفق والرحمة، اهـ، ذكره الشيخ تقي الدين الحصني.
فائدة: اختلف في الميزان والحوض أيهما قبل [الآخر. فقيل: الميزان قبل وقيل: الحوض. قال أبو الحسن القابسي: والصحيح أن الحوض قبل] (١).
قال الإمام القرطبي (٢): والمعنى يقتضيه فإن الناس يخرجون عطاشا [من] قبورهم كما ذكر فيقدم قبل الميزان والصراط واللَّه أعلم، ففي البخاري عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: بينا أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال هلم فقلت إلى أين قال إلى النار واللَّه، قلت ما شأنهم؟ الحديث، تقدم قريبا في الباب. قال القرطبي (٣) فهذا الحديث مع صحته أدل دليل على أن الحوض يكون في الموقف قبل الصراط لأن الصراط جسر مضروب على جهنم ممدود يجاز عليه فمن جازه
стр. 10081
سلم من النار وكذلك حياض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تكون في الموقف. وروي عن ابن عباس ﵄ قال: سئل رسول اللَّه ﷺ الوقوف بين يدي رب العالمين هل فيه ماء؟ فقال: إي والذي نفسي بيده إن فيه لماء وإن أولياء اللَّه ليردون حياض الأنبياء ويبعث اللَّه سبعين ألف ملك بأيديهم عصي من نار يذودون الكفار عن حياض الأنبياء، اهـ. وقال في تهذيب النفوس للشيخ شمس الدين الحنفي وهو كتاب نفيس نحو أربعة أجزاء قال الإقليشي: وقد قال قوم من النظار أن الحوض قبل الصراط لأنه من جاز الصراط فقد فاز وقال قوم من النظار أن الصراط قبل الحوض لأن الحوض موضوع للراحة واللذة والخلاص من هذا الموقف وهو عند باب الجنة ينصبّ فيه ميزابان من الكوثر الذي في الجنة، اهـ.
٥٤٨٧ - وروي عن أنس يرفعه قال ملك موكل بالميزان فيؤتى بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان فإن ثقل ميزانه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدًا وإن خف ميزانه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا رواه البزار (١) والبيهقي (٢).
стр. 10082
وروي عن أنس، تقدم الكلام عليه ﵁. قوله ﷺ : "قال ملك موكل بالميزان: فيؤتى بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان فإن ثقل ميزانه نادى ملك بصوت يُسمِع الخلائق سعِد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدًا" الحديث. [وورد في حديث آخر: "ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يسعد بعدها أبدا"، فدل هذا الحديث]، على أن الإنسان يدعى في الآخرة باسمه واسم أبيه، وقد جاء صريحا في حديث أبي الدرداء قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تُدْعَون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم"، الحديث. وورد في الصحيح: يرفع لكل غادر لواء فيقال هذه غدرة فلان بن فلان. وورد في السنن: تُدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء أمهاتكم لكن لا يُعادل بما في الصحيح وتقدم الكلام على ذلك وعلى الغدرة واللواء مبسوطًا، واللَّه أعلم.
٥٤٨٨ - وعن سلمان ﵁ عن النبي ﷺ قال يوضع الميزان يوم القيامة فلو دري فيه السموات والأرض لوسعت فتقول الملائكة يا رب لمن يزن هذا فيقول اللَّه لمن شئت من خلقي فيقولون سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. رواه الحاكم (١) وقال صحيح على شرط مسلم.
стр. 10083
قوله: "وعن سلمان" هو الفارسي، تقدمت ترجمته مرارًا ﵁.
قوله ﷺ في هذا الحديث ويوضع الصراط مثل حد الموسى، وفي حديث ابن مسعود الذي بعده قال: يوضع الصراط على سواء جهنم مثل حد السيف المرهف، الحديث، وسواء جهنم بالفتح والمد مثل سوى بالكسر والقصر وسواء الشيء وسطه لاستواء المسافة إليه من الأطراف. وفي الحديث أيضًا: يوضع الصراط بين ظهراني جهنم، معناه في وسطها ومعظمها، قاله ابن سيدة.
٥٤٨٩ - وَعَن عبد اللَّه بن مَسْعُود ﵁ قَالَ: يوضع الصِّرَاط على سَوَاء جَهَنَّم مثل حد السَّيْف المرهف مدحضة مزلة عَلَيْهِ كلاليب من نَار يخطف بهَا فممسك يهوي فِيهَا ومصروع وَمِنْهُم من يمر كالبرق فَلَا ينشب ذَلِك أَن ينجو ثمَّ كَالرِّيحِ فَلَا ينشب ذَلِك أَن ينجو ثمَّ كجري الْفرس ثمَّ كرمل الرجل ثمَّ كمشي الرجل ثمَّ يكون آخِرهم إنْسَانا رجل قد لوحته النَّار وَلَقي فِيهَا شرا حَتَّى يدْخلهُ اللَّه الْجنَّة بِفضل رَحمته فَيُقَال لَهُ تمن وسل فَيَقُول أَي رب أتهزأ مني وَأَنت رب الْعِزَّة فَيُقَال لَهُ تمن وسل حَتَّى إِذا انْقَطَعت بِهِ الْأَمَانِي قَالَ لَك مَا سَأَلت وَمثله مَعَه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن وَلَيْسَ فِي أُصَلِّي رَفعه (١)
стр. 10084
وَتقدم بِمَعْنَاهُ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الطَّوِيل.
قوله في حديث ابن مسعود: "مدحضة مزلة عليه كلاليب من نار" الحديث، المزلة مفعلة من زل يزل إذا زلق والمزلة بفتح الزاي وكسرها وتقدم الكلام على المدحضة وعلى الكلاليب وأنها جمع كلوب.
قوله: "ومنهم من يمرّ كالبرق فلا ينشب" أن ينجو، معنى ينشب أي لم يمكث ولم يحدث شيئا حتى فعل ذلك.
قوله: "ثم كرَمَل الرجل" الرمل الإسراع في المشي مع تقارب الخطا وتقدم الكلام على ذلك في مواضع من هذا التعليق. قوله ﷺ : "فيقال له تمنَّ وسل. فيقول: أي رب أتهزأ مني وأنت رب العزة. فيقال له: تمنّ وسل حتى إذا انقطعت به الأماني" الحديث، تقدم الكلام على قوله: "سل وتمنى"، وعلى قوله: "أتهزأ مني" قريبًا.
٥٤٩٠ - وعن أم مبشر الأنصارية ﵂ أنها سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول عند حفصة لا يدخل النار إن شاء اللَّه من أهل الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها قالت بلى يا رسول اللَّه فانتهرها فقالت حفصة ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١)، فقال النبي ﷺ قد قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا
стр. 10085
جِثِيًّا (٧٢)﴾ (١) رواه مسلم (٢) وابن ماجه (٣).
قوله: "وعن أم مبشّر الأنصارية" قال النووي في شرح مسلم (٤) في قول مسلم: دخل النبي ﷺ على أم مبشّر الأنصارية في نخل لها، هكذا هو في أكثر النسخ دخل على أم مبشر وفي بعضها دخل على أم معبد أو أم مبشر، قال الحافظ المعروف في رواية الليث أم مبشر بلا شك ووقع في رواية غيره أم معبد كما ذكره مسلم بعد هذه الرواية. ويقال فيها أيضًا أم بشير فتحصل لنا على أنه يقال لها أم مُبشر وأم بشير وأم معبد. [وقال] أبو عمر بن عبد البر: قيل اسمها خليدة بضم الحاء ولا يصح وبعض أهل العلم يقول أن أم مبشر هذه امرأة زيد بن حارثة وطائفة تقول أنها غيرها وأم مبشر قيل ابنة البراء بن معرور لها صحبة أسلمت وبايعت روت عن النبي ﷺ وعن حفصة بنت عمر بن الخطاب على خلاف. روى عنها جابر بن عبد اللَّه ومجاهد بن جبر.
قوله: "أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة لا يدخل النار إن شاء اللَّه تعالى من أهل الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها. قالت: بلى يا رسول اللَّه، فانتهرها" الحديث، حفصة هي بنت عمر بن الخطاب زوجة رسول اللَّه ﷺ والمبايعة تحت الشجرة كانت عام الحديبية، بايعوا رسول اللَّه ﷺ على
стр. 10086
الموت دونه وعلى أن لا ينفروا وقد كان ﷺ في ظل شجرة على ظهره غصن من أغصانها والشجرة هي شجرة الرضوان بالحديبية. قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (١) فلما بايعوا قال لهم رسول اللَّه ﷺ : أنتم اليوم خير أهل الأرض، وكان عددهم ألفا وخمسمائة وعشرين وقيل ألفًا وأربع مائة وقيل ألفا وثلاثمائة. والمبايعة المعاهدة والمحالفة ومبايعتهم إياه ﷺ التزام طاعته وبذل الوسع في امتثال أوامره وأحكامه ومبايعته إياهم الوعد بالثواب على ذلك، اهـ.
تنبيه: الحديبية بضم الحاء المهملة وفتح الدال وتخفيف الياء، كذا قال الشافعي ﵁ وبتشديد الياء عند أكثر النحويين. وقال ابن المديني أهل المدينة يثقلونها وأهل العراق يخففونها وهي قرية سميت ببئر هناك وقيل سميت حَدبا هنالك وكانت الصحابة ﵃ بَايعوا رسول اللَّه ﷺ [تحت الشجرة وتسمى بيعة الرضوان كما تقدم] (٢) وهي على مرحلة من مكة واللَّه أعلم. قوله: "قالت: بلى" بلى إيجاب المنفي أي يدخلها أصحاب الشجرة. قوله: "فانتهرهما رسول اللَّه ﷺ " قال صاحب الغريب: الانتهار الزجر، يقال نهره وانتهره [إذا استقبله بكلام زجره، وقال بعضهم: يقال نهره وانتهره] أي زبره ويجوز أن يقرأ بالزاي المعجمة أي دفعها يقال نهزه ووكزه وهمزه أي ضربه ودفعه، قاله في شرح مشارق الأنوار. قوله: "فقالت حفصة
стр. 10087
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ " الحديث، في هذا الحديث فضيلة أهل بدر والحديبية. وقوله ﷺ : "لا يدخل النار إن شاء اللَّه" الحديث. قال العلماء: معناه لا يدخلها أحد منهم قطعا كما صرح به في حديث حاطب وإنما قال: إن شاء اللَّه للتبرك لا للشك، وأما قول حفصة: ما قالت وقد قال اللَّه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ الآية، فقال ﷺ : قال اللَّه: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ (١) ففيه دليل للمناضرة والاعتراض، والجواب على وجه الاسترشاد وهو مقصود حفصة لا أنها أرادت ردّ مقالتِه ﷺ . وقد اختلف أهل العلم في معنى الورود هاهنا: فقال ابن عباس: هو الدخول، والضمير في قوله: واردها للنار وإليه ذهب الأكثرون. وقالوا: النار يدخلها البر والفاجر ثم ينجي اللَّه الذين اتقوا، الآية، والنجاة إنما تكون بعد الدخول، والصحيح أن المراد بالورود في الآية المرور على الصراط وهو جسر منصوب على جهنم فيقع فيها أهلها وينجو الآخرون. وقوله تعالى: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ (٢) أي نترك الذين ظلموا في النار جاثين على الرُّكب، أي جالسين عليها.
٥٤٩١ - وعن أبي سمية قال اختلفنا في الورود فقال بعضنا لا يدخلها مؤمن وقال بعضنا يدخلونها جميعا ثم ينجي اللَّه الذين اتقوا فلقيت جابر بن عبد اللَّه فقلنا إنا اختلفنا ههنا في الورود فقال تردونها جميعا فقلت له إنا اختلفنا في ذلك فقال بعضنا لا يدخلها مؤمن وقال بعضنا يدخلونها جميعا
стр. 10088
فأهوى بأصبعيه إلى أذنيه وقال صمتا إن لم أكن سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم حتى إن للنار أو قال لجهنم ضجيجا من بردهم ثم ينجي اللَّه الذين اتقوا ويذر الظالمين رواه أحمد (١) ورواته ثقات والبيهقي بإسناد حسنه (٢).
قوله: "وعن أبي سُميّة" وأبو سميّة اسمه لا يعرف وانفرد عنه كثير بن زياد قوله: "إنا اختلفنا في الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعا، ثم ينجي اللَّه الذين اتقوا، فذكر الحديث إلى أن قال:
стр. 10089
فأهوى بأصبعيه إلى أذنيه فقال: صُمَّتا إن لم أكن سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: الورود الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها"، معناه لم يدخل دخولا تخليديا، ويجب التأويل بمثله جمعا بين الآيات والأحاديث فتكون على المؤمن بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم حتى أن النار أو قال لجهنم ضجيجا من بردهم، الحديث. تقدم الكلام على الاختلاف في الورود في الحديث قبله فلما وجب ورود النار بمقتضى قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١)، وكان في القوم من لا يُعذّب اختلفت مراتبهم في ورودها فمنهم من يمر على الصراط المنصوب عليها متعاليا عنه مبعَدًا عنها مع الإسراع كالبرق أو كالريح ونحو ذلك فلا يحسون ألمها بل لا يسمعون حسيسها كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ (٢) الآية، ومنهم من يُلزم بالمرور على الصراط من غير تجاف عنه لما يقتضيه علمه وحاله إلا أنه يدركه اللطف فيغلب نور إيمانه لهب النار فيطفئه كما جاء في الحديث: إن النار تقول للمؤمن جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي ولا يخفى عليك أن هذا القول من النار لا يكون إلا للمؤمن الضعيف البطيء السير فكيف يكون انطفاء النار بنور المؤمن القوي وكيف يكون خمود النار إذا ركَز النبي ﷺ حربَتَه على الصراط المنصوب عليها لا جرم أنه جاء في الحديث أن المؤمنين يمرون بالنار
стр. 10090
ويخلصون منها إلى الجنة فإذا رأوا الجنة قالوا: ليس قد وُعِدنا بورود النار فما لنا ما وردناها، فتقول لهم الملائكة قد وردتم النار ولكن حين وردتموها كانت خامدة فإذا اقتضى اللطف في القضاء الموجب لسكّانها إماتتهم ظهرت عناية اللَّه بالمؤمنين ولاح من ذلك أن اللَّه لَا يحب أن يعذِّبهم وكيف يعذبهم وقد شفع فيهم نبيهم ﷺ فقد ثبت في الحديث أنه ﷺ رفع يديه ودعا ثم سجد ثم قام فدعا ثم سجد ثم قام فدعا فسجد ثلاثا فلما سُئل عن ذلك قال: سألت ربي في أمتي فأعطاني ثلثهم ثم سجدت شكرا ثم سألته فيهم فأعطاني الثلث الثاني فسجدت شكرا ثم سألته فيهم فأعطاني الثلث الباقي فسجدت شكرًا.
قوله: "لا يبقى بر ولا فماجر إلا دخلها" تقدم الكلام على البر والفاجر في الباب قبله. قوله ﷺ : "فتكون على المؤمن بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم حتى أن للنار أو قال لجهنم ضجيجا من بردهم" الآية، فهذا ميراث ورثه المسلمون من حال إبراهيم ﵊ فنار المحبة في قلوب المؤمنين، تخاف منه جهنم (١) [قال: الجنيد رحمة اللَّه عليه: قالت النار يا رب لو لم أطعك هل كنت تعذبني بشيء هو أشد مني قال نعم كنت أسلط عليك ناري الكبرى قالت: وهل نار أعظم مني وأعظم قال نعم نار محبتي أسكنها قلوب أوليائي المؤمنين. قاله ابن رجب الحنبلي (٢).
стр. 10091
تنبيه فيه بشرى: قال ابن الفرات في تاريخه وهو أربعة أجزاء: إذا كان يوم القيامة تهبّ ريح قدرته على نار جهنم فتصير تحت أقدام أمة محمد ﷺ ، فيمرون عليها وهي خامدة، ا هـ.
٥٤٩٢ - وعن قيس هو ابن أبي حازم قال كان عبد اللَّه بن رواحة واضعا رأسه في حجر امرأته فبكت امرأته فقال ما يبكيك قالت رأيتك تبكي فبكيت قال إني ذكرت قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١) ولا أدري أنجو منها أم لا رواه الحاكم (٢) وقال صحيح على شرطهما كذا قال.
قوله: "وعن قيس" هو ابن أبي حازم أبو عبد اللَّه، واسم أبي حازم حصين بن عوف، ويقال: عبد عوف بن الحارث، وقيل: عوف بن الحارث من بني أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار الأحمسي البجلي، أدرك الجاهلية، وأسلم وجاء إلى النبي ﷺ ليبايعه، فوجده قد توفي، يعد في تابعي الكوفة، وقد ذكر في أسماء الصحابة مع اعترافهم أنه لم ير النبي ﷺ روى عن العشرة
стр. 10092
إلا عن عبد الرحمن بن عوف، وروى عن بلال بن رباح، وعبد اللَّه بن مسعود، وعمار بن ياسر وجرير بن عبد اللَّه، وجماعة كثيرة من الصحابة، وليس في التابعين من روى عن تسعة من العشرة إلا هو.
روى عنه أبو إسحاق السبيعي، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وطارق بن عبد الرحمن، وجماعة كثيرة من التابعين.
شهد النهروان مع علي بن أبي طالب. قال ابن عيينة: ما كان بالكوفة أروى عن أصحاب النبي ﷺ من قيس بن أبي حازم. وطال عمره حتى جاوز المائة بسنين كثيرة، ومات سنة ثمان وتسعين، أو سبع.
قوله: "كان عبد اللَّه بن رواحة واضعا رأسه في حجر امرأته فبكى فبكت امرأته" الحديث، هو عبد اللَّه بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر بن مالك الأعز بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الحارثي المدني، شهد العقبة، وكان ليلتئذ نقيب بنى الحارث بن الخزرج، وشهد بدرا، وأحدا، والخندق، والحديبية، وخيبر، وعمرة القضاء، والمشاهد كلها مع رسول اللَّه ﷺ إلا الفتح وما بعدها، فإنه كان توفى قبلها يوم مؤتة، وهو أحد الأمراء في غزوة مؤتة، وهو خال النعمان بن بشير، وكان أول خارج إلى الغزوات وآخر قادم. وكان أحد الشعراء المحسنين الذين يردون الأذى عن رسول اللَّه ﷺ والإسلام والمسلمين، وامرأته اسمها لا يعرف، والحجر بفتح الحاء وكسرها وتقدم الكلام على ذلك.
стр. 10093
تنبيه: البكاء يمد ويقصر فإذا مددت أردت الصوت الذي مع البكاء وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها قال كعب بن مالك:
بكت عيني وحقّ لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل
ووهم الجوهري في نسبته لحسان وتقدم ذلك أبسط من هذا في الجنائز واللَّه أعلم. قوله: "قال إني ذكرت قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١) الحديث، تقدم الكلام على الورود في الحديث قبله.
٥٤٩٣ - وعن حذيفة وأبي هريرة ﵁ قالا قال رسول اللَّه ﷺ يجمع اللَّه الناس فذكرا الحديث إلى أن قالا فيأتون محمدا ﷺ فيقوم ويؤذن له وترسل معه الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا فيمر أولكم كالبرق قال قلت بأبي أنت وأمي أي شيء كمر البرق قال ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين ثم كمر الريح ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم ونبيكم ﷺ قائم على الصراط يقول رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زاحفا قال وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة تأخذ من أمرت به فمخدوش ناج ومكدوش في النار والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعين خريفًا. رواه مسلم (٢) ويأتي بتمامه في الشفاعة إن شاء اللَّه وتقدم حديث ابن مسعود في الحشر وفيه والصراط كحد السيف دحض مزلة قال فيمرون على قدر نورهم
стр. 10094
فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب ومنهم من يمر كالطرف ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كشد الرجل ويرمل رملا فيمرون على قدر أعمالهم حتى يمر الذي نوره على إبهام قدميه تخر يد وتعلق يد وتخر رجل وتعلق رجل فتصيب جوانبه النار. رواه ابن أبي الدنيا (١) والطبراني (٢) والحاكم (٣) واللفظ له وروى الحاكم (٤) أيضًا بإسناد ذكر أنه على شرط مسلم عن
стр. 10095
المسيب قال سألت مرة عن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١) فحدثني أن ابن مسعود حدثهم أن رسول اللَّه ﷺ قال يرد الناس ثم يصدرون عنها بأعمالهم وأولهم كلمح البرق ثم كلمح الريح ثم كحضر الفرس ثم كالراكب في رحله ثم كشد الرجل ثم كمشيه.
قوله: "وعن حذيفة وأبي هريرة" حذيفة هو ابن اليمان العبسي اليمني ثم الأنصاري صاحب سر رسول اللَّه ﷺ أطلعه رسول اللَّه ﷺ على المنافقين، وكان عمر ﵁ إذا مات واحد منهم يتبع حذيفة فإن صلى عليه فهو أيضًا يصلي عليه بهالا فلا مات بالمدائن سنة ست وثلاثين، قاله الكرماني (٢)، وتقدم الكلام على مناقب أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه.
قوله: "فيأتون محمدًا ﷺ ، فيقوم ويؤذن له وترسل معه الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا" الحديث. أما تقومان فبالتاء المثناة من فوق والمؤنثتين الغائبتين تكونان بالتاء المثناة من فوق واللَّه أعلم. وأما جنبتي الصراط بفتح الجيم والنون ومعناهما جانباه، وقيل: ناحيتاه. قال ابن
стр. 10096
الأثير: جنبة الوادي بفتح النون جانبه وناحيته وإما إرسال الأمانة والرحم فهو لعظم أمرهما وكبير موقعهما فتُصوّران مشخّصتين عند الصراط على الصفة التي يريدها اللَّه تعالى: ويقومان بقربه فإنه ممر الصالح وعليه يمر الداني والقاصي يشهد أن للأمين والواصل على الخائن والقاطع واللَّه أعلم. وقال صاحب التحرير في الكلام اختصار والسامع فهم أنهما يقومان ليطالبا كل من يريد الجواز بحقهما، ا هـ. قوله ﷺ : "فيمرّ أولكم كالبرق" فذكره إلى أن قال: "ثم كمرِّ الريح ثم كمرِّ الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم" فهو كالسفير لقوله ﷺ : "فيمر أولكم كالبرق ثم كالريح، معناه أنهم يكونون في سرعة المرور على حسب مراتبهم وأعمالهم (١) وأما شدّ الرجال فهو بالجيم جمع رجل هذا هو الصحيح المشهور المعروف، ونقل القاضي عياض (٢) أنه في رواية ابن هامان بالحاء، قال القاضي: وهما متقاربان في المعنى، وشدها عدوها البالغ وجريها. وقوله ﷺ : "حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا" بسكون الحاء أي مشيا على اليد كمشي الطفل أول أمره، ويقال منه زحف وأزحف وزحفوا إليهم في القتال مشوا إليهم قليلا قليلا تشبيها بذلك ويزحفون على إستاهم في خبر اليهود، قاله عياض. قال ابن دريد وغيره الزحف هو المشي على الإست مع إشرافه بصدره، ا هـ. قوله: "وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به"