لي مظلمتي من أخي فَقَالَ اللَّه كَيفَ تصنع بأخيك وَلم يبْق من حَسَنَاته شَيْء قَالَ يَا رب فليحمل من أوزاري وفاضت عينا رَسُول اللَّه ﷺ بالبكاء ثمَّ قَالَ إِن ذَلِك ليَوْم عَظِيم يحْتَاج النَّاس أَن يحمل عَنْهُم من أوزارهم فَذكر الحَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (١) وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الْعَفو.
٥٤٦٤ - وعن أبي هريرة ﵁: قالوا يا رسول اللَّه هل نرى ربنا يوم القيامة فقال هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة قالوا لا، قال فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة قالوا لا قال فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما فيلقى العبد ربه فيقول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى يا رب فيقول أظننت أنك ملاقي فيقول لا فيقول فإني أنساك كما نسيتني ثم يلقى الثاني فيقول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخرلك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى يا رب فيقول أظننت أنك ملاقي فيقول لا فيقول إني أنساك كما نسيتني ثم يلقى الثالث فيقول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى يا رب فيقول أظننت أنك ملاقي فيقول
стр. 9988
أي رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع فيقول ههنا إذا ثم يقول الآن نبعث شاهدا عليك فيتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي فينطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط اللَّه عليه رواه مسلم (١).
ترأس بمثناة فوق تم راء ساكنة ثم همزة مفتوحة أي تصير رئيسا. وتربع بموحدة بعد الراء مفتوحة معناه يأخذ ما يأخذه رئيس الجيش لنفسه وهو ربع المغانم ويقال له المرباع.
قوله: "عن أبي هريرة" تقدم. قوله: "قالوا يا رسول اللَّه هل ترى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليس في سحابة؟ قالوا: لا. قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟ قالوا: لا" الحديث. تضارون، روي بتشديد الراء وتخفيفها والتاء مضمومة فيهما ومعنى التشديد لا تضارون غيركم في حال الرؤية بزحمة أو مخالفة في الرؤية أو غيرها لخفائه، ومعنى المخففة لا يلحقكم في رؤيته ضير. قوله [صلى اللَّه تعالى عليه وسلم] في رؤية الشمس في الظهيرة، والظهيرة ساعة الزوال لأن الشمس تظهر في ذلك الوقت أي تعلو غاية ما لها أن تعلو. وقال يعقوب: الظهيرة نصف النهار حتى تكون الشمس حيال رأسك، انتهى.
قوله: "فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟ قالوا: لا؟ "
стр. 9989
وسمى القمر بدرا لأنه يبادر الشمس، شبّه رؤية الباري برؤية القمر لذلك إشارة إلى وضوحها وعدم الشك والمشقة والاختلاف فيها، ومذهب جميع أهل السنة أن رؤية اللَّه تعالى ممكنة غير مستحيلة عقلا، [وأجمعوا] على وقوعها في الآخرة وأن المؤمنين يرون ربهم دون الكافرين وزعمت طائفة من أهل البدع المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة أن اللَّه تعالى لا يراه أحد من خلقه وأن رؤيته مستحيلة عقلا وهذا خطأ صريح وجهل قببيح فقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى إثبات رؤية اللَّه تعالى في الآخرة ولكن الجمهور من السلف والخلف على أنها لا تقع في الدنيا ثم مذهب أهل الحق أن الرؤية قوة يجعلها اللَّه تعالى في خلقه ولا يشترط فيها اتصال الأشعة ولا مقابلة المرئي ولا غير ذلك لكن جرت العادة في رؤية بعضنا بعضا بوجود ذلك على جهة الاتفاق لا على جهة الاشتراط ولا يلزم من رؤية اللَّه تعالى إثبات جهة للَّه تعالى عن ذلك بل يراه المؤمنون لا من جهة كما يعلمون لا من جهة. اهـ.
قوله: "فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما" أي ترون ربكم رؤية محققة لا شك فيها ولا مشقة وهو تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي. [اختلف العلماء] (١) في رؤية اللَّه تعالى فقال بعضهم لا يُرى الباري لا في الدنيا ولا في الآخرة، وقال
стр. 9990
بعضهم: يراه أهل الجنة في الآخرة بغير تشبيه كما أنهم يعرفونه في الدنيا بغير كيف ولا تشبيه فأهل الجنة يرونه بغير كيف ولا تشبيه كما شاء هو ، فأما من قال بأنه لا يُرى ذهب إلى قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (١)، وقال تعالى: [لموسى ﵊: رضيت؟ قال]: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ (٢) ولفظة لن [تراني] تقتضي [الأبد]. وأما من قال بالرؤية احتج بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٣)، وقال في موضع آخر: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٤)، قال ابن عباس: الزيادة النظر إلى وجهه تعالى، والأحاديث الواردة في الصحاح صريحة بذلك، اهـ] (٥).
قوله ﷺ : "فيلقى العبد ربه فيقول: أي فل" الحديث، أي يا فلان حذفت منه الألف والنون لغير ترخيم. وقال صاحب النهاية وغيره: أي فل أي حرف ينادى به القريب وفل أي فلان وفُل بضم الفاء وإسكان اللام ومعناه يا فلان كما تقدم وهو ترخيم على خلاف القياس، وقال ابن الأثير ليس ترخيما لفلان لأنه لا يقال إلا بسكون اللام ولو كان ترخيما لفتحوا اللام أو
стр. 9991
ضموها [وبه] قال سيبويه وقال ليست ترخيما وإنما هي صيغة ارتجلت في باب النداء وقد جاء في غير النداء: قال: في [لغةٍ أمسكَ] فلانا عن فُلِ، [بكسر] اللام للقافية. وقال قوم إنها ترخيم فلان فحذفت النون للترخيم والألف لسكونها وتفتح اللام وتضم على مذهبي الترخيم ومنه حديث أسامة في الوالي الجائر يلقى في النار فتندلق أقتابه فيقال: أي فل أين ما كنت تصف؟ اهـ. قوله: "ألم أكرمك وأسوِّدك" بتشديد الواو وكسرها أي أجعلك سيدا في قومك، اهـ، قاله المنذري. قوله: "وأذرك ترأس" بمثناة فوق ثم راء ساكنة ثم همزة مفتوحة، أي تصير رئيسا، اهـ، قاله المنذري. وقال ابن الأثير (١): ترأس القوم يرأسُهم رياسة إذا صار رئيسهم ومقدِّمهم ومعناه رئيس القوم وكبيرهم ومنه الحديث، رأس الكفر من قبل المشرق ويكون إشارة إلى الدجال أو غيره من رؤساء الضلال الخارجين بالمشرق، قاله في النهاية.
قوله: "وتربع" وقد ضبطه المملي بالتاء المثناة فوق والباء الموحدة فقال: معناه يأخذ ما يأخذه رئيس الجيش لنفسه وهو ربع المغانم ويُقال له المرباع، اهـ. يقال ربعت القوم أربعهم إذا أخذت ربع أموالهم مثل عشرتهم أعشرهم يريد ألم أجعلك رئيسا مطاعا لأن الملك كان يأخذ الربع من الغنيمة في الجاهلية دون أصحابه ويسمى ذلك الربع المرباع وهو الربع من رأس ما غنموه إذا غزى بعضهم بعضا ومنه قوله لعدي بن حاتم: إنا نأكل المرباع وهو لا يحل لك في دينك ومنه شعر وفد تميم: نحن الرءوس وفينا يقسم الربع.
стр. 9992
يقال: ربع وربع يريد ربع الغنيمة وهو واحد من أربعة، قاله في النهاية (١).
تنبيه: وفي رواية ابن هامان: ترتع بدل تربع بمثناة من فوق بعد الراء ومعناه تتنعّم وقيل تأكل وقيل تلهو وقيل تعيش في سعة، قاله النووي في شرح مسلم (٢).
قوله تعالى: "فإني أنساك كما نسيتني" أي أمنعك الرحمة كما امتنعت من طاعتي.
وقال عياض (٣): قوله: أنساك كما نسيتنِي على طريق المقابلة في الكلام أي أجازيك على نسيانك كما قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٤) أي يعاقبهم عقابا صورته صورة المنسي بتركهم ومنعهم الرحمة والإعراض عنهم حيث نجا غيرهم وفاز، اهـ.
قوله: "فيقول أي رب آمنك بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع" الحديث، أي يتني هذا العبد على نفسه فيقول عملت كذا وكذا.
قوله: "فيقول هاهنا إذًا" ومعنى هاهنا إذا أي اثبت هاهنا أي مكانك حتى تعرف أعمالك. وقال بعضهم قف هاهنا حتى يتحقق لك خلاف ما زعمت
стр. 9993
وهما بمعنى واحد.
تنبيه: "قوله: إذًا وإذًا" جواب وجزاء يقول أنا آتيك فتقول إذًا أحسن إليك وتكتب إذًا بالألف [عند الأكثر] لأن الوقف عليها بالألف ومنهم من يكتبها بالنون وهما بأن الألف نون في الوقف. قوله: "هاهنا إذا" كذا هو عند أبي بحر وغيره ومعناه اثبت مكانك إذا حتى تفتضح في دعواك. حكى ابن خروف في شرح الحمل أن من العرب من يرفع ما بعد إذًا وإن اجتمعت فيه شروط النصب، فتقول في الجواب: إذًا أكرمُك، حكاه سيبويه، وفي الحديث: إذا يحلفُ ولا يبالي، اهـ. قاله عياض (١).
قوله: "فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه" وذلك ليعذر من نفسه أي بعث الشاهد عليه ليعذر من نفسه من الإعذار والمعنى ليزيل عذره من نفسه بكثرة ذنوبه وشهادة أعضائه عليه وهذا كقوله ﷺ : "لن تهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم" الحديث، رواه أبو داود يعذروا بكسر الذال وفتحها فأما كسر الذال فهو من أعذر إذا صار ذا ذنب كثير محتاجا إلى العذر من كثرة [ذنوبه يعني لن يهلك الناس حتى تكثر] (٢) ذنوبهم وأما من فتح الذال فهو من أعذر يعني يجعلهم اللَّه بحيث لا يقدرون على العذر بأن يبعث عليهم الرسل ويبينوا لهم الرشاد من الضلال والحلال من الحرام والحق من الباطل فإذا عرفوا الحق من الباطل ولم
стр. 9994
يؤمنوا أو آمنوا ولكن أكثروا المعاصي ولم يتوبوا فحينئذ أهلكم اللَّه تعالى، ومعنى يعذروا من أنفسهم أي تكثر ذنوبهم ويستوجبوا العقوبة فيكون كمن يعذبهم العذر، يقال أعذر الرجل إعذارا إذا صار ذا عيب وفساد. وقال في الفائق (١) ويروى بفتح الياء وضمها في يعذروا والمعنى حتى يفعلوا ما يتجه لمحل العقوبة بهم العذر واللَّه علم.
٥٤٦٥ - وعنه أيضًا ﵁ أن الناس قالوا يا رسول اللَّه هل نرى ربنا يوم القيامة قال هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا لا يا رسول اللَّه قال هل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا قال فإنكم ترونه كذلك يحشر الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه فمنهم من يتبع الشمس ومنهم من يتبع القمر ومنهم من يتبع الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم اللَّه فيقول أنا ربكم فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم اللَّه فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيدعوهم ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل وسلام الرسل يومئذ اللهم سلم سلم وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم شوك السعدان قالوا نعم قال فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا اللَّه تخطف الناس بأعمالهم فمنهم من يوبق بعمله ومنهم من يخردل ثم ينجو حتى إذا أراد اللَّه رحمة من أراد من أهل النار أمر اللَّه الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد اللَّه فيخرجونهم
стр. 9995
بآثار السجود وحرم اللَّه على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار وقد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ثم يفرغ اللَّه من القضاء بين العباد ويبقى رجل بين الجنة والنار وهو آخر أهل النار دخولا الجنة مقبل بوجهه قبل النار فيقول يا رب اصرف وجهي عن النار قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاها فيقول هل عسيت إن أفعل أن تسأل غير ذلك فيقول لا وعزتك فيعطي اللَّه ما شاء من عهد وميثاق فيصرف اللَّه وجهه عن النار فإذا أقبل به على الجنة رأى بهجتها سكت ما شاء اللَّه أن يسكت ثم قال يا رب قدمني عند باب الجنة فيقول اللَّه أليس قد أعطيت العهد والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت فيقول يا رب لا أكون أشقى خلقك فيقول فما عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسأل غيره فيقول لا وعزتك لا أسألك غير هذا فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق فيقدمه إلى باب الجنة فإذا بلغ بابها رأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور فسكت ما شاء اللَّه أن يسكت فيقول يا رب أدخلني الجنة فيقول اللَّه ويحك يا ابن آدم ما أغدرك أليس قد أعطيتني العهود أن لا تسأل غير الذي أعطيت فيقول يا رب لا تجعلني أشقى خلقك فيضحك اللَّه منه ثم يأذن له في دخول الجنة فيقول تمن فيتمنى حتى إذا انقطعت أمنيته قال اللَّه تمن من كذا وكذا يذكره ربه حتى إذا انتهت به الأماني قال اللَّه لك ذلك ومثله معه قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة ﵄ إن رسول اللَّه ﷺ قال: قال اللَّه لك ذلك وعشرة أمثاله قال أبو هريرة ﵁ لم أحفظ من رسول اللَّه ﷺ إلا قوله لك ذلك ومثله معه قال أبو
стр. 9996
سعيد ﵁ أشهد أني سمعته من رسول اللَّه ﷺ يقول لك ذلك وعشرة أمثاله قال أبو هريرة وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولا الجنة رواه البخاري (١).
أي فل أي يا فلان حذفت منه الألف والنون لغير ترخيم إذ لو كان ترخيما لما حذفت الألف قال الأزهري: ليست ترخيم فلان ولكنها كلمة على حدة توقعها بنو أسد على الواحد والاثنين والجمع بلفظ واحد وأما غيرهم فيثني ويجمع ويؤنث أسودك بتشديد الواو وكسرها أي أجعلك سيدا في قومك السعدان نبت ذو شوك معقف المخردل المرمي المصروع وقيل المقطع يقال لحم خراديل إذا كان قطعا والمعنى أنه تقطعه كلاليب الصراط حتى يهوي في النار امتحش بضم التاء وكسر الحاء المهملة بعدها شين معجمة أي احترق وقال الهيثم هو أن تذهب النار الجلد وتبدي العظم الحبة بكسر الحاء هي بزور البقول والرياحين وقيل بزر العشب وقيل نبت في الحشيش صغير وقيل جمع بزور النبات وقيل بزر ما نبت من غير بذر وما بذر تفتح حاؤه حميل السيل بفتح الحاء المهملة وكسر الميم هو الزبد وما يلقيه على شاطئه قشبني ريحها أي آذاني ذكاها بذال معجمة مفتوحة مقصورة هو إشعالها ولهبها.
قوله: "وعنه أيضًا" تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "هل تمارون في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول اللَّه" فذكر الحديث إلى أن قال: "فإنكم ترونه كذلك".
стр. 9997
قوله: "تمارون" التماري الاختلاف والمنازعة وقوله: "فإنكم ترونه كذلك" وقد تخيّل إلى بعض السامعين أن الكاف كاف التشبيه للمرئي وإنما هي للرؤية وهي فعل الرائي ومعناه أنكم ترون ربكم رؤية ينزاح معها الشك كرؤيتكم القمر ليلة البدر لا ترتابون فيه ولا تمترون، اهـ، قاله في النهاية (١). [والرؤية تختص بالمؤمن، وقيل يراه منافقوا هذه الأمة وهو قول باطل، والصحيح أنه لا يراه إلا نفس مؤمنة].
قوله: "من كان يعبد شيئا فليتبعه فمنهم من يتبع الشمس" الحديث. تنبيه: الشمس تجمع على شموس وهي في السماء الرابعة وهي أفضل من القمر. قال الإمام فخر الدين وهي تقطع في خطوة الفرس في شدة عدوها عشرة آلاف فرسخ، اهـ، قاله الكمال الدميري في شرح المنهاج في المواقيت (٢).
قوله: "ومنهم من يتبع الطواغيت" الحديث، والطواغيت جمع طاغوت. قال الليث وأبو عبيد والكسائي وجماهير أهل اللغة وهو ما كان يعبد من دون اللَّه تعالى من الأصنام وغيرها. وقال ابن عباس ومقاتل والكلبي وغيرهم: الشيطان. وقيل هو الأصنام. قال الواحدي: الطاغوت يكون واحدا وجمعا ويُذكر ويؤنث. قال اللَّه تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ (٣)، وهذا في الواحد، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا
стр. 9998
أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ (١)، وقال في المؤنث: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ (٢) اهـ.
قوله ﷺ : "وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم اللَّه فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا. فإذا جاء ربنا عرفناه. فيأتيهم اللَّه فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيدعوهم" الحديث، الإتيان في الجملة كلما جاء في الكتاب وفي أخبار الرسول ﷺ من ذكر المجيء والإتيان وغير ذلك لا يُكيّف ولا نجعله كمجيء الأشخاص وإتيانها وفي أمثال القبول والتسليم. وفي الحديث الآخر، فيأتيهم اللَّه في صورة غير [الصورة] التي يعرفونها إلى قوله: "فيقولون أنت ربنا"، المراد بالصورة هنا الصفة ومعناه فيتجلى اللَّه لهم على الصفة التي يعلمونها ويعرفونه بها وإنما عرفوه بصفته وإن لم تكن تقدمت لهم رؤية له [لأنهم يرونه لا يشبه شيئا من مخلوقاته فيعلمون أنه ربهم فيقولون أنت ربنا. والرؤية مختصة بالمؤمن. وقيل: يراه منافقوا هذه الأمة وهو قول باطل والصحيح أنه لا يراه إلا نفس مؤمنة وإنما عبر عن الصفة بالصورة] (٣) لمشابهتها إياها ولمجانسة الكلام.
تنبيه: واعلم أن لأهل العلم في أحاديتا الصفات وآيات الصفات قولين: أحدهما وهو مذهب معظم السلف أو كلهم أنه لا يتكلم في معناها بل يقولون
стр. 9999
يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد لها معنى يليق بجلال اللَّه مع اعتقادنا الجازم أن اللَّه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١) وأنه منزه عن التجسم والانتقال والتحيز [في جهة] وعن سائر صفات المخلوقات وهذا القول هو قول جماعة من المتكلمين واختاره جماعة من محققيهم وهو أسلم. والقول الثاني وهو قول معظم المتكلمين أنها تتأول على ما يليق بها على حسب موانعها وإنما يسوغ تأويلها لمن كان من أهله بأن يكون عارفا بلسان العرب وقواعد الأصول والفروع ذا رياضة في العلم، فعلى هذا يقال في قوله ﷺ : "فيأتيهم اللَّه" أن الإتيان عبارة عن رؤيتهم إياه لأن العادة أن من غاب عن غيره لا تمكنه رؤيته إلا بالإتيان فعبر بالإتيان والمجيء هنا عن الرؤية مجازا. وقيل المراد بيأتيهم اللَّه أي يأتيهم بعض ملائكته، قال القاضي عياض (٢): وهذا الوجه أشبه عندي بالحديث. وقيل غير ذلك.
قوله: "ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم" أي ينصب، وظهراني جهنم هو بفتح الظاء المعجمة المشالة وسكون لهاء وفتح النون أي بين ظهريها والألف والنون زيدتا للمبالغة وظهرانيها أي وسطها ومعناه يمد الصراط علحها. وفي هذا إثبات الصراط ومذهب أهل الحق إثباته وقد أجمع السلف على ذلك وهو جسر على متن جهنم يمر عليه الناس كلهم، فالمؤمنون ينجون على حسب منازلهم والآخرون يسقطون فيها. قال: وأصحابنا
стр. 10000
المتكلمون وغيرهم من السلف يقولون أن الصراط أدق من الشعر وأحدّ من السيف كما ذكره أبو سعيد الخدري [قاله النووي (١)].
قوله ﷺ : "فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته" وفي رواية: يجيز بأمته، ويجيز لغة في يجوز ويجيز هو بضم الياء وكسر الجيم وبالزاي أي أول من يقطع مسافة الصراط، قاله عياض. ومعناه يكون أول من يمضي عليه ويقطعه. يقال: جاز وأجاز بمعنى ويقال أيضًا أجزت الوادي وجُزته لغتان بمعنى. وقال الأصمعي: أجزته قطعته وجزته مشيت فيه، اهـ.
قوله ﷺ : "ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل" معناه لشدة الأهوال، والمراد لا يتكلم في الإجازة وإلا ففي يوم القيامة مواطن يتكلم الناس فيها وتجادل كل نفس عن نفسها ويسأل بعضهم بعضا ويتلاومون ويخاصم التابعون المتبوعين.
قوله: "وكلام الرسل يومئذ اللهم سلم سلم" الحديا، هذا من كمال شفقتهم ورحمتهم للخلق وفيه أن الدعوات تكون بحسب المواطن فيُدعى في كل موطن بما يليق به واللَّه أعلم. قوله ﷺ : "في جهنم كلاليب مثل شوك السعدان" الحديث، أما الكلاليب فجمع كلوب بفتح الكاف وضم اللام المشددة وهي حديدة معوجة الرأس عليها اللحم وترسل في التنور. قال صاحب المطالع (٢): هي خشبة في رأسها عقافة حديد وقد تكون حديدا كلها
стр. 10001
ويقال لها أيضًا كلاب اهـ، وكذا هي آلة الاجتذاب للدلو من البئر ويقال لها أيضًا كلاب بضم الكاف، وأما السعدان فهو نبت ذو شوك معقّف، اهـ، قاله المملى. وقال بعض العلماء هو بفتح السين وإسكان العين المهملتين وهو نبت له شوكة عظيمة مثل الحسك من كل الجوانب واحدتها سعدانة وهو من أفضل مراعي الإبل يضرب به المثل.
قوله ﷺ : "تخطف الناس بأعمالهم" هو بفتح الطاء وكسرها، يقال خطف وخطف بكسر الطاء وفتحها والكسر أفصح، ويجوز أن يكون معناه تخطفهم [بسبب أعمالهم القبيحة ويجوز أن يكون معناه تخطفهم] (١) على قدر أعمالهم، اهـ. قاله الكرماني (٢) وغيره.
قوله ﷺ : "فمنهم من يوبق بعمله" ومعناه الذي أوبقته ذنوبه والموبق بعمله هو المحبوس المعاقب أي يهلك ويحبس بسبب عمله السيّء من أوبَقه إذا حبَسه والإيباق الإهلاك أيضًا. قوله ﷺ : "ومنهم من يخردل ثم ينجو" الحديث. المخردل المرمي المصروع. وقيل المقطع، يقال لحم خراديل إذا كان قطعًا. والمعنى أنه يقطعه كلاليب الصراط حتى يهوي إلى النار، اهـ، قاله المنذري. وقال بعضهم المخردل بالخاء المعجمة والدال المهملة ويقال فيه بالذال المعجمة أيضًا، ورواه بعضهم في البخاري المجردل بالجيم عوضا عن الخاء فأما بالخاء فمعناه المقطع بالكلاليب كما
стр. 10002
قال المملى ﵀، وأما المجردل بالجيم [عوضا عن الخاء] (١) [فمعناه] المشرف على الهلاك والسقوط.
قوله ﷺ : "حتى إذا أراد اللَّه رحمة من أراد من أهل النار" الحديث، وهم المؤمنون الخُلص إذ الكافر لا ينجو من النار أبدا ويبقى خالدا فيها أبدا، قاله الكرماني (٢).
قوله ﷺ : "أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان يعبد اللَّه من برا وفاجرًا" أما البر فهو المطيع، وفي حديث: من كان لا يشرك باللَّه شيئا ممن أراد أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا اللَّه.
قوله ﷺ : "فيعرفونهم" أي في النار "بآثار السجود وقد حرم اللَّه تعالى على النمار أن تأكل أثر السجود" الحديث. ظاهر هذا الحديث أن النار لا تأكل شيئا من أعضاء السجود السبعة في قوله: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، الحديث. فالسبعة المأمور بالسجود عليها هي الجبهة واليدان والركبتان والقدمان، فهذا قاله بعض العلماء وأنكره القاضي عياض رحمه اللَّه تعالى. وقال: المراد بأثر السجود الجبهة خاصة. وقال النووي: المختار الأول، فإن قيل: فقد ذكر مسلم ﵀ في صحيحه (٣) بعد هذا مرفوعا أن قوما يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم حتى يدخلون الجنة،
стр. 10003
فالجواب أن هؤلاء القوم مخصوصون من جملة الخارجين من النار فإنه لا يسلم منهم من النار إلا دارات الوجوه وهو جمع دارة وهو ما يحيط بالوجه من جوانبه، أراد لا تأكلها النار لأنها محل السجود وأما غيرهم فيسلم جميع أعضاء السجود منهم عملا بعموم هذا الحديث، فهذا الحديث عام وذاك خاص فيعمل بالعام إلا ما خص واللَّه أعلم. وهذا الحديث أدل دليل على أن أهل الكبائر من أهل التوحيد لا تسود لهم وجوه ولا تزرق لهم عيون ولا يغلون بخلاف الكفار. قال الإمام القرطبي: وقد جاء هذا المعنى منصوصا في حديث أبي هريرة مرفوعًا إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتى ثم ماتوا عليها فهم في الباب الأول من جهنم لا تسود وجوههم ولا تزرق أعينهم ولا يغلون بالأغلال ولا [يقرنون] مع الشياطين ولا يضربون بالمقامع ولا يطرحون في الأدراك منهم من يمكث فيها ساعة ثم يخرج ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج وأطولهم مكثا فيها مثل الدنيا منذ خلقت إلى يوم أفنيت وذلك سبعة آلاف سنة، خرّجه الترمذي الحكيم في نوادره (١).
стр. 10004
تنبيه: قال العراقي في شرح الأحكام قلت: وبتقدير أن يحمل على الجبهة خاصة ففي هذا الحديث وهو قوله: إن قوما يحترقون في النار إلا دارات وجوههم زيادة على الحديث الأول لأن دارات الوجوه أوسع من الجبهة. واللَّه أعلم.
قوله: "فيخرجونهم من النار وقد امتُحشوا" امتُحشوا بضم التاء المثناة فوق وكسر الحاء المهملة بعدها شين معجمة أي احترقوا. وقال الهيثم: هو أن تُذهب النار الجلد وتبري العظم، انتهى. قاله الحافظ وضبطه بعض العلماء بفتحهما أيضًا، هكذا هو في الروايات وكذا نقله القاضي عياض (١) عن متقنى شيوخهم قال: وهو وجه الكلام وبه ضبط الخطابي والهروي وقالوا في معناه احترقوا [والمحشن] احتراق الجلد وظهور العظم. قال في النهاية (٢): وقد محشته النار تمحشه محشًا ومنه حديث ابن عباس ﵄: أتوضأ من طعام أجده حلالا لأنه محشته النار. قاله مُنكِرا على من يوجب الوضوء مما مسته النار، اهـ.
قوله ﷺ : "فيصب عليهم ماء الحياة" الحديث، معناه الماء الذي يحيي من انغمس فيه واللَّه أعلم. قوله ﷺ : "فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل" الحديث. وفي الأصول فينبتون منه بالميم والنون وهو صحيح ومعناه ينبتون بسببه. والحبة بكسر الحاء هي بذور البقول والياحين وقيل بزر
стр. 10005
العشب وقيل نبت في الحشيش صغير وقيل بذور جميع النبات وقيل بذر ما نبت من غير بذر وما بُذر، تفتح حاؤه، اهـ. قاله المنذري. وقال بعضهم أما الحبة فبكسر الحاء وتشديد الباء وهي بذر البقول والعشب ينبت بالبراري وجوانب السيول وجمعها حِبَب بكسر الحاء وفتح الباء كقربة وقرب، وقال الجوهري: الحبة بالكسر بزور الصحراء مما ليس بقوت وأما الحبة بالفتح فهي الحنطة والشعير، قاله في النهاية (١). والحبة الحبوب إذا كانت تختلف أما الحب والحبة فتستعمل في كل شيء حتى يقال حبة عنب من عنب وقيل الحبة اسم جامع [لحبوب البقول] التي [تنتثر إذا هاجت] ثم إذا مطرت من قابل نبتت. وأما حميل السيل فهو بفتح الحاء المهملة وكسر الميم وفي حديث آخر كما تنبت الحبة في حمائل السيل جمع حميل وهو الزّبد وما يلقيه على شاطئه، قاله المصنف، وقال في النهاية (٢) هو ما جاء به السيل من طين أو غثاء، والغثاء بالضم والمد ومعناه ما يجيء فوق السيل مما يحمله من الزبد والوسخ وغيره، وجاء في صحيح مسلم كما تنبت [الغثاة] يريد ما احتمله السيل من البزورات فإذا اتفق أن يكون فيه حبة واستقرت على شط مجرى السيل فإنها تنبت في يوم وليلة وهي أسرع نابتة نباتا فشبه النبي ﷺ بها سرعة عَوْد أبدانهم وأجسادهم بعد إحراق النار لها بسرعة نبات تلك الحبة والمراد التشبيه في سرعة النبات وحسنه وطرواته. وفي التنزيل ألم تر أن اللَّه
стр. 10006
أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة، [واللَّه تعالى أعلم، وحميل السيل، قال الأصمعي: مما حمله السيل، وكل محمول حميل، كما تقول للمقتول قتيل. قال أبو سعيد العزيز:]. حميل السيل ما جاء به من طين أو غثاء فإذا أنفق فيه الحبة واستقرت على شط مجرى السيل فإنها تنبت في يوم وليلة وهي أسرع نابتة نباتا وإنما أخبر بسرعة نباتهم، اهـ.
قوله ﷺ : "ثم يفرغ اللَّه من القضاء بين العباد" الحديث، إسناد الفراغ إلى اللَّه تعالى ليس على سبيل الحقيقة إذ الفراغ هو الخلاص عن المهام واللَّه تعالى لا يشغله شأن عن شأن، فالمراد منه إتمام الحكم بين العباد بالثواب والعقاب، اهـ، قاله الكرماني (١).
قوله: "قد قشبني ريحها" أي آذاني، قاله الحافظ. وقال بعض العلماء: قشبني بقاف مفتوحة ثم شين معجمة مخففة مفتوحة أي سمّني بالسين وأهلكني وآذاني أي صار ريحها كالسم في أنفي، كذا قاله الجماهير من أهل اللغة والغريب. وقال الداوودي معناه غيّر جلدي وصورتي (٢).
وقال في النهاية (٣): أي سمَّني والقشب السم وكل مسموم قشيب ومقشب. يقال: قشبه الدخان إذا امتلأ خياشيمه من الدخان، ومنه حديث عمر ﵁ أنه وجد من معاوية ريح طيب وهو محرم فقال: من قشبنا، أراد أن
стр. 10007
ريح الطيب في هذه الحال مع الإحرام ومخالفة السنة قشب كما أن ريح النتن قشب. يقال: ما أقشب بيتهم أي ما أقذره، والقشب بالفتح خلط السم بالطعام، ا هـ.
قوله: "وأحرقني ذكاها" بذال معجمة مفتوحة مقصور هو اشتعالها ولهبها. وقال بعض العلماء: ذكاؤها بالمد، كذا وقع في جميع روايات الحديث وهو بفتح الذال المعجمة ومعناه لهبها واشتعالها وشدة وهجها فالذكاء شدة ريح النار والأشهر في اللغة ذكاها مقصور كما ذكر الحافظ وذكر جماعات من العلماء أن المد والقصر لغتان، يقال ذكيت النار إذ أتممت إشعالها ورفعتها وذكت النار تذكو [ذكاء] مقصور أي اشتعلت وأذكيتها أنا اهـ. يقال ذكيت أي أشعلتها إشعالا تاما وأصل الذكاء بلوغ كل شيء منتهاه.
[قوله:] فيقول: هل عسيت أن أفعل أن تسأل غير ذلك الحديث، ومعناه أي رجوت وعسى بمعنى لعل للترجي ومنه قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ (١) بمعنى لعلكم ورجاء لكم وعسيت هو بفتح التاء على الخطاب، ويقال بفتح السين وكسره لغتان قرئ بهما في السبع، قرأ نافع بالكسر والباقون بالفتح وهو الأصح الأشهر في اللغة. قال ابن السكيت: ولا ينطق في عسيت بمستقبل واللَّه أعلم. قوله: "فإذا أقبل على الجنة ورآى بهجتها سكت ما شاء اللَّه أن يسكت" الحديث، بهجة الجنة حسنها وما فيها من النعيم. يقال: أبهجني [الشيء] إبهاجا وبهجني بهجا أعجبني والأول أفصح [و [يقال] بهُج
стр. 10008
الشيء يبهج فهو بهيج وبهج به بالكسر إذا فرح وسُرَّ، قاله في النهاية (١)] (٢). والأزهر هو الأبيض المشرب بحمرة أو صفرة ومنه زهرة النجوم والزهرة البياض النير. وقوله في الجنة: "فرآى زهرتها" يفسره قوله بعدها: و"وما فيها من النضرة والسرور" اهـ، قاله عياض. قوله: "فيقول: يا رب لا أكون أشقى خلقك" الحديث، أي كافرا، فإن قلت كيف طابق هذا الجواب لفظ أليس قد أعطيت العهود. قلت: كأنه قال يا رب أعطيت لكن كرمك يُطمعني إذ لا ييأس من روح اللَّه إلا القوم الكافرون، قاله الكرماني (٣).
قوله: "فيقول يا رب أدخلني الجنة. فيقول اللَّه تعالى: ويحك يا ابن آدم ما أغدرك" الحديث، ويحك منصوب بفعل مضمر نحو الزم اللَّه وويح كلمة رحمة وويل كلمة عذاب، وقيل هما بمعنى واحد وما أغدرك فعل التعجب والغدر ترك الوفاء، انتهى. قاله الكرماني (٤). قوله: "فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك" يعني كافرا كما تقدم.
قوله ﷺ : "فيضحك اللَّه تعالى منه الحديث". قال العلماء: "الضحك لا يتصور على اللَّه تعالى والمراد به رضي اللَّه تعالى بفعل عبده ومحبته إياه
стр. 10009
وإظهار نعمته عليه وإيجابها له" قاله النووي في شرح مسلم (١). وقال الخطابي (٢): الضحك من اللَّه تعالى مؤول على معنى الرضا لأن الضحك من ذوي التمييز يدل على الرضى والبشر والاستهلال منهم يدل على قبول الوسيلة ومقدمة إنجاح الطلب والكرام يُوصفون عند المسألة بالبشر وحسن اللقاء فيكون المعنى في قوله: " [فيضحك] اللَّه منه" أي يجزل له العطاء لأنه موجب الضحك ومقتضاه، اهـ.
قوله: "فيقول تمنّ فيتمنى حتى إذا انقطعت أمنيته قال اللَّه تعالى: تمن من كذا وكذا، يُذكره ربه" معناه يقول تمن من الشيء الفلاني ومن الشيء الفلاني يسمي له [ ] أجناس ما يتمنى وهذا من عظيم رحمته بعباده.
قوله: "قال اللَّه تعالى: لك ذلك ومثله معه" قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة: إن رسول اللَّه ﷺ قال: قال اللَّه تعالى: لك ذلك وعشرة أمثاله. قال أبو هريرة: لم أحفظ من رسول اللَّه ﷺ إلا قوله: لك ذلك ومثله معه. الحديث، قال الكرماني (٣): فإن قلت ما وجه الجمع بين رواية أبي هريرة وأبي سعيد؟ قلت: أعلم أولا بما في حديث أبي هريرة ثم تكرم اللَّه فزادها فأخبر به النبي ﷺ ولم يسمعه أبو هريرة وفيه أكرم الأكرمين. قال الغزالي في
стр. 10010
الإحياء في أثناء كتاب التوبة (١): وفي الخبر: آخر من يخرج من النار يعطى [مثل] الدنيا كلها عشرة أضعاف لا يظن أن المراد تقدير المساحة لأطراف الأجسام [بأن] تقابل فرسخ بفرسخين أو بعشرة [فإن هذا جهل] بطريق ضرب المثال بل هو كقول القائل أخذ منه جملا وأعطاه عشرة أمثاله وكان الجمل يساوي عشرة دنانير فأعطاه مائة دينار فإن لم يفهم من المثل إلى المثل في الوزن والثقل فلا يكون مائة دينار لو وضعت في كفة الميزان والجمل في الكفة الأخرى عشرة عشرة بل موازنة معاني الأجسام وأرواحها دون [أشخاصها وهياكلها] فإن [الجمل] لا يقصد لثقله وطوله وعرضه ومساحته بل لماليته [فروحه المالية] وجسمه اللحم والدم ومائة دينار عشرة أمثاله بالموازنة الروحانية لا بالموازنة الجسمانية فهذا صادق عند من يعرف روح المالية من الذهب والإبل بل لو أعطاه جوهرة وزنها متقال وقيمتها مائة دينار وقال أعطيته عشرة أمثاله كان صادقا ولكن لا يدرك صدقه إلا الجوهري فإن روح الجوهر لا يدرك بمجرد البصر بل بفطنة أخرى وراء البصر وكل ذلك يكذب به الصبي والقروي والبدوي ويقول ما هذه الجوهرة إلا حجر وزنه مثقال ووزن الجمل ألف ألف مثقال مضاعفة فقد كذب في قوله أعطيته عشرة أمثاله والكاذب بالتحقيق هو الصبي ولكن لا سبيل إلى تحقيق ذلك عنده إلا بأن ينتظر به البلوغ والكمال وأن يحصل في قلبه النور الذي به يدرك أرواح الأجسام من الجواهر وسائر الأموال فعند ذلك ينكشف
стр. 10011
له الصدق والعارف في صدق هذه الموازنة أن تقول الجنة في السماوات كما ورد به الأخبار والسموات في الدنيا فكيف [يكون] عشرة [أمثال] الدنيا في الدنيا وهذا كما يعجز البالغ عن تفهيم [الصبي] تلك المنزلة [والموازنة وكذلك] يعجز عن تفهيم البدوي [كما] أن الجوهري مرحوم إذا بلي [بالبدوي والقروي في تفهيم تلك الموازنة فكذلك العارف مرحوم إذا بلي] (١) بالبليد الأبله في تفهيم هذه الموازنة ولذلك قال [﵊]: ارحموا عزيز قوم ذل وغني قوم افتقر [وعالما] بين الحمقى والجهال، ا هـ.
٥٤٦٦ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قلنا يا رسول اللَّه هل نرى ربنا يوم القيامة قال رسول اللَّه ﷺ نعم فهل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب قالوا لا يا رسول اللَّه قال فما تضارون في رؤية اللَّه تعالى يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير اللَّه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد اللَّه من بر وفاجر وغبر أهل الكتاب فيدعى اليهود فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد عزيرا ابن اللَّه فيقال كذبتم ما اتخذ اللَّه من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون قالوا عطشنا يا ربنا فاسقنا فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم
стр. 10012
بعضها بعضا فيتساقطون في النار ثم تدعى النصارى فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد المسيح ابن اللَّه فيقال لهم كذبتم ما اتخذ اللَّه من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون فيقولون عطشنا يا ربنا فاسقنا فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد اللَّه من بر وفاجر أتاهم اللَّه في أدنى صورة من التي رأوه فيها قال فما تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ باللَّه منك لا نشرك باللَّه شيئا مرتين أو ثلاثا حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها فيقولون نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد للَّه من تلقاء نفسه ألا أذن اللَّه له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل اللَّه ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة فقال أنا ربكم فيقولون أنت ربنا ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون اللهم سلم سلم قيل يا رسول اللَّه وما الجسر قال دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة يكون بنجد فيها تشويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوش في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة للَّه في استيفاء الحق من المؤمنين للَّه يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار وفي
стр. 10013
رواية فما أنتم بأشد مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار إذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم فيقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقه وإلى ركبته ثم يقولون ربنا ما بقي فيها ممن أمرتنا به فيقال ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا وكان أبو سعيد يقول إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فيقول اللَّه شفعت الملائكة وشفع النبيون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما من النار لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض فقالوا يا رسول اللَّه كأنك كنت ترعى بالبادية قال فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء اللَّه الذين أدخلهم اللَّه الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ثم يقول ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم
стр. 10014
فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين فيقول لكم عندي أفضل من هذا فيقولون يا ربنا أي شيء أفضل من هذا فيقول رضاي فلا أسخط عليكم أبدا رواه البخاري (١) ومسلم واللفظ له. (٢)
الغبر بغين معجمة مضمومة ثم باء موحدة مشددة مفتوحة جمع غابر وهو الباقي وقوله دحض مزلة الدحض بإسكان الحاء هو الزلق والمزلة هو المكان الذي لا يشت عليه القدم إلا زلت المكدوش بشين معجمة هو المدفوع في نار جهنم دفعا عنيفا الحمم بضم الحاء المهملة وفتح الميم جمع حممة وهي الفحمة وبقية غريبه تقدم.
قوله: "وعن أبي سعيد" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "فهل تضارون في رؤية الشمس بالظهرية صحوا ليس معها سحاب" الحديث. أصله تتضارون ووزنه تتفاعون حذفت إحدى التاءين منهما أي هل تتزاحمون عند رؤيته حتى يلحقكم الضرر، وتقدم الكلام على ذلك قريبا أبسط من هذا. قوله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة أذّن مؤذن لتتبع كل أمة ما كانت تعبد" تقدم معنى الأمة في أوائل هذا التعليق. قوله: "حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد اللَّه من بر وفاجر وغبر أهل الكتاب" الحديث، أما البر فهو المطيع وأما الفاجر فالمراد به الكافر واسم الفاجر في عرف القرآن والسنة يتناول الكافر قطعا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
стр. 10015
(١٤)﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨)﴾ (٢)، قاله في حادي القلوب. وأما غُبِّر أهل الكتاب فبغين معجمة مضمومة ثم باء موحدة مشددة مفتوحة جمع غابر وهو الباقي، قاله الحافظ. وقال بعضهم: معناها بقاياهم، جمع غابر ويُقال لبقيّة الشيء غبر وجمعه أغبار، وقد جمع على الغبرات. قوله: "فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار" الحديث، أما السراب فهو الذي يتراءى للناس في الأرض القفر والقاع المستوي وسط النهار في الحر الشديد لامعا مثل الماء يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. فأما الكفار فيأتون جهنم عافانا اللَّه منها وسائر المسلمين من كل مكروه وهم عطاش فيحسبونها ماء فيتساقطون فيها وأما يحطم بعضها بعضا فبكسر الطاء فمعناه لشدة إيقادها وتلاطم أمواج لهبها والحطم الكسر والإهلاك والحطمة اسم من أسماء النار لكونها تحطم ما يُلقى فيها، قاله النووي في شرح مسلم (٣). قوله: "تدعى النصارى" الحديث، وسُمُّوا نصارى لنصر بعضهم بعضا أو لأنهم نزلوا موضعا يقال له نصرانة أو نصرة أو ناصرة أو لقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٤) وهو جمع نصران. قوله ﷺ : "حتى إذا لم يبق إلا من
стр. 10016
كان يعبد اللَّه من بر وفاجر أتاهم اللَّه في أدنى من صورته التي رأوه فيها" الحديث، أي ظهر لهم والإتيان مجاز عن الظهور. وقوله: "أدنى من صورته" أي أقربها.
قال الخطابي: المراد بالصورة الصفة، يقال صورة هذا الأمر كذا أي صفته أو أطلق الصورة على سبيل المشاكلة والمجانسة، اهـ.
تنبيه: وإنما وجب أن يرى ذلك بالصفة لاستحالة المماثلة والمشابهة على اللَّه تعالى فمن زعم أن المراد من الصورة في هذا الحديث ما يعهد من الصور فقد أعظم الفرقة على اللَّه تعالى فإن اللَّه تعالى قال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (١) وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢) فنحن نؤمن بكل ما جاء عن ربنا على ما علمه ربنا من الوجه اللائق بقدوسيته ، قاله في حادي القلوب، وهذا موضع امتحان ليميز المحق من المبطل، وقال بعضهم: ليقع التمييز بين من عبد اللَّه تعالى وبين من عبد الشمس والقمر والطواغيت وذلك أنه لما بقي المنافقون والمراءون متلبسين بالمؤمنين والمخلصين زاعمين أنهم منهم وأنهم عملوا مثل أعمالهم وعرفوا اللَّه مثل معرفتهم امتحنهم اللَّه تعالى بأن أتاهم بصورة قالت للجميع أنا ربكم فأجاب المؤمنون بإنكار ذلك والتعوذ منه لما قد سبق لهم من معرفتهم باللَّه وأنه منزه عن صفات هذه الصورة إذ سماتها سمات المحدثات،
стр. 10017
ولهذا قال في الحديث: فنعوذ باللَّه منك لا نشرك باللَّه شيئا مرتين أو ثلاثا حتى أن بعضهم ليكاد أن ينقلب، [فقال الخطابي (١): يحتمل أن تكون هذه الاستعاذة من المنافقين خاصة، وأنكر القاضي عياض هذا، وقال (٢): لا يصح أن يكون من قول المنافقين ولا يستقيم الكلام فيه، وهذا الذي قاله عياض هو الصواب، ولفظ الحديث مصرح به، وظاهر فيه، وإنما استيفاء منه لما قدمناه من كونهم رأوا سمات المخلوق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.] قال بعض علمائنا: وهذا لمن لم يكن له رسوخ العلماء ولعلهم الذين اعتقدوا الحق وجرموا عليه من غير بصيرة [وكذلك] كان اعتقادهم قابلا للانقلاب واللَّه أعلم. قلت: ويحتمل أن يكونوا المنافقين والمرائين وهو أشبه واللَّه أعلم لأن في الامتحان الثاني يتحقق ذلك لأن في حديث أبي سعيد هذا بعد قوله حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول: هل بينكم وبينه علامة فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم. قاله القرطبي في التذكرة (٣).
قوله: "قالوا يا ربنا فارقنا الناس أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم" معنى قولهم يا ربنا: التضرع إلى اللَّه تعالى في كشف هذه الشدة عنهم وأنهم لزموا طاعته وفارقوا في الدنيا الناس الذين زاغوا عن طاعته من قراباتهم وغيرتهم ممن كانوا يحتاجون في معايشهم ومصالح
стр. 10018
دنياهم إلى معاشرتهم للارتفاق بهم، اهـ، قاله النووي في شرح مسلم (١).
وقال الكرماني (٢): قوله: أفقر ما كنا، أي أحوج، يعني لم نتبعهم في الدنيا مع الاحتياج إليهم ففي هذا اليوم بالطريق الأولى. قوله: "فيقول أنا ربكم فيقولون: نعوذ باللَّه لا نشرك باللَّه شيئا مرتين أو ثلاثا" الحديث.
قال الكرماني (٣): فإن قلت ما فائدة قولهم: لا نشرك باللَّه شيئا إذ يوم القيامة ليس [فيه] التكليف. قلت: قالوا استلذاذا وافتخارا بذلك أو تذكارا لسبب النعمة التي وجدوها، اهـ. قوله: "حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب" معناه وللَّه أعلم ينقلب عن الصواب ويرجع عند الامتحان الشديد الذي جرى واللَّه أعلم، قاله النووي (٤).
قوله: "فيقول أَهَلْ بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون نعم: فيكشف عن ساق" الحديث، المراد بالآية العلامة وقوله: "فيكشف عن ساق" ضبط يكشف بضم الياء وفتحها وفسر ابن عباس وجمهور أهل اللغة الساق هنا بالشدة أي يكشف عن شدة وأمور مهولة، وقال بعضهم عن ساق يعني عن شدة عظيمة خارقة للعادة خارجة عن وسع البشر وقيل المراد بالساق هنا نور عظيم وورد ذلك في حديث عن النبي ﷺ ، وقال ابن فورك معنى ذلك ما
стр. 10019
يتجدد للمؤمنين عند رؤية اللَّه من الفوائد والألطاف، قالوا: وهذا مثل تضربه العرب لشدة الأمر ولهذا يقولون: وقامت الحرب على ساق، [وأصله أن الإنسان إذا وقع في شدة يقال شمّر عن ساقه] وكشف عن ساقه للاهتمام بذلك الأمر العظيم، قاله النووي (١). وزاد الكرماني (٢) كما يقال: [للأقطع] الشحيح يده مغلولة ولا يد ثَمَّ ولا غُلّ وإنما هو متل في شدة البخل، وكذلك هذا لا ساق هناك ولا كشف، اهـ.
قوله ﷺ : "ولا يبقى من كان يسجد للَّه من تلقاء نفسه إلا أذن اللَّه له بالسجود" الحديث، وهذا السجود امتحان من اللَّه تعالى لعباده، قاله النووي (٣).
قوله ﷺ : "ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل اللَّه ظهره طبقة واحدة" الحديث، والطبقة بفتح الطاء والياء، قال الهروي وغيره الطبق، فقار الظهر أي صار فقارة واحدة كالصفيحة فلا يقدر على الانحناء ولا على السجود، قاله عياض.
قوله ﷺ : "ثم يرفعون رءوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فقال أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا" الحديث، أي فيتجلى لهم في صفته التي يعرفونه بها التي هو عليها من الجلال والكمال والتعالي والجمال بعد
стр. 10020
أن يرفع الموانع عن أبصارهم. قال الخطابي (١): وهذه [الرؤية] التي في هذا المقام يوم القيامة غير الرؤية التي في الجنة لكرامة أولياء اللَّه تعالى وإنما هذه للامتحان، اهـ. إذ هي للتمييز بين من عبد اللَّه تعالى ومن عبد غيره، والرؤية المذكورة في الحديث بمعنى يالعلم لأنهم لم يروه قبل ذلك واللَّه أعلم. وفي حديث آخر: فيتبعونه، معناه يتبعون أمره إياهم بذهابهم إلى الجنة أو يتعبون ملائكته ورسله الذين يذهبون بهم إلى الجنة. قوله: "ثم يضرب الجسر على جهنم" أي ينصب والجسر بفتح الجيم وكسرها لغتان مشهورتان وهو هاهنا الصراط وأصله القنطرة يعبر عليها، قاله عياض (٢).
قوله: "وتحل الشفاعة" بكسر الحاء وقيل بضمها، ومعنى تحل أي تقع، [وأصله القنطرة يعبر عليها، قاله عياض]، ويؤذن فيها. قوله: "قيل يا رسول اللَّه وما الجسر؟ قال دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد" الحديث، الدحض بإسكان الحاء هو الزلق قاله المنذري. وقال بعض العلماء: دحض بالدال المفتوحة والحاء الساكنة والتنوين، والمزلة هو المكان الذي لا تثبت عليه القدم إلا زلت، قاله الحافظ، وقال بعضهم مزلة بفتح الميم وفي الزاي لغتان مشهورتان الفتح والكسر، والدحض والمزلة بمعنى واحد وهو الموضع الذي تزل وتزلق فيه الأقدام ولا تستقر إلا من
стр. 10021
عصمه اللَّه تعالى، ومنه دحضت الشمس أي مالت وحجة داحضة أي لا ثبات لها. وأما الخطاطيف فجمع خطاف بضم الخاء في المفرد والكلاليب بمعناه، وتقدم الكلام على الكلوب، وأما الحسك فهو بفتح الحاء والسين المهملتين وهو شوك صلب من حديد وتقدم الكلام على السعدان. قوله ﷺ : "فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب" الحديث، معناه أنهم يكونون في سرعة المرور على حسب مراتبهم وأعمالهم.
قوله ﷺ : "فناج مُسلّم" أي من النار "ومخدوش مرسل ومكدوش في نار جهنم" الحديث، معناه أنهم على ثلاثة أقسام قسم يسلم فلا يناله شيء أصلا وقسم يخدش ثم يرسل فيخلص وقسم مكدوش فيلقى فيسقط في نار جهنم الحديث، المكدوش بشين معجمة هو المدفوع في نار جهنم دفعا عنيفا، وأما المكردس فهو بالسين المهملة هكذا هو في الأصول وكذا نقله القاضي عياض عن أكثر الرواة أي الموثق الملقى في النار أو الملقى على غيره بعضهم على بعض في النار.
قال ورواه بعضهم بالشين المعجمة ومعناه السوق، ومعناه كون الأشياء بعضها على بعض ومنه تكردست الدواب في سيرها إذا ركب بعضها على بعض. وقال في النهاية (١): المكردس الذي جُمعت يده ورجلاه وألقي إلى موضع.
стр. 10022
فائدة: قال القرطبي (١): روي عن بعض أهل العلم أنه لن يجوز أحد الصراط حتى يُسأل في سبع قناطر: فأما القنطرة الأولى فيسأل فيها عن الإيمان باللَّه تعالى والإيمان هو التصديق بالقلب المطابق مع الإقرار باللسان حتى لو أقر بلسانه من غير علم ومعرفة بربه لا يستحق اسم المؤمن وهذا لا نزاع فيه عند العلماء الذين هم حجة اللَّه في أرضه وعبارة بعضهم عقد القلب المصدق لإقرار اللسان الذي لا ينفع عند اللَّه تعالى غيره. واعلم أنه مع ذلك لابد أن يكون الاعتقاد جازما خاليا عن الشّكوك مستمرا على ذلك، فلو طرأ عليه شك كفر، نسأل اللَّه تعالى العافية وقد نص القرآن العظيم على إكفار المنافقين وإن كانوا أظهروا الإتيان بالشهادتين في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ (٢) الآية، وإجماع المسلمين على ذلك.
القنطرة الثانية: يسأل فيها عن الصلاة فإن جاء بها تامة جاز وتمامها بأن يأتي بمصححاتها ويجتنب مفسداتها، وذلك مذكور في كتب الفقه، ثم للصلاة أمور أخر اعتنى الشارع ﷺ بها وحرّض على الإتيان بها منها الخشوع وناهيك به أن اللَّه تعالى قد أثنى على فاعليه فقال : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ (٣) وقد ذهب بعفر
стр. 10023
العلماء إلى أن الخشوع لابد منه في الصلاة وإلا فلا تصح والخشوع قطب البدن وما احتوى عليه واتفقوا على أن محله القلب وهو ذبول يرد على القلب عند الوقوف بين يدي الحق، وللناس فيه عبارات مختلفة وتقدم ذلك في بابه.
القنطرة الثالثة: يسأل فيها عن صوم شهر رمضان فإن جاء به تاما جاز وله مصحّحات ومفسدات ذكرها العلماء في كتب الفقه وفيه وفي فضله من الأحاديث ما لا يكاد يحصى وتقدم ذلك في بابه.
القنطرة الرابعة: يسأل فيها عن الزكاة ووجوبها ثابت بالكتاب والسنة. قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١)، فإن أدّاها على الوضع الشرعي جاز العقبة وإن منعها أو منع منها شيئا فقد تسبب لنفسه في عذاب مهول، وتقدمت الأحاديث في ذلك.
القنطرة الخامسة: يسأل فيها عن الحج والعمرة والحج أحد أركان الإسلام وهو فرض عين بالإجماع بعد الكتاب والسنة وقد ورد في فضله أحاديث كثيرة تقدمت.
القنطرة السادسة: يسأل فيها عن الوضوء والغسل فإن جاء [بهما] تامّين جاز وإلا فهو محبوس في شدة وعناء زيادة على ما هو على ظهره من أوزاره، والغسل والوضوء واجبان بالكتاب والسنة وإجماع الأمة عندما يقتضي إيجابهما ولابد من الإتيان بهما على الوجه الشرعي وإلا فهو باق على ما كان
стр. 10024
عليه من الحديث الأكبر والأصغر ولهما شروط وأركان مذكورة في كتب الفقه فيجب على كل مسلم تعلم ذلك ومتى أخّر عصى واستحق العقوبة واللَّه أعلم.
القنطرة السابعة: وليس في القناطر أصعب منها: يسأل فيها عن ظلامات الناس. وفي الصحيح أن المؤمنين إذا جاوزوا الصراط حبسوا على قنطرة يقتص منهم مظالم كانت بينهم في الدنيا. وقال بعض السلف: إن الرجل يحبس على باب الجنة مائة عام بالذنب كان يعمله في الدنيا، ومظالم العباد كثيرة لا تنحصر حتى لو نظر شخص إلى شخص بعين التهديد أو الاحتقار بغير حق فهو ظلم، والآيات والأخبار في ذلك كثيرة جدا تقدمت، فإذا سلم العبد من هذه القناطر، ومن يسلم منها وأمروا بالمرور على الصراط مرُّوا أفواجا: المرسلون ثم النبيئون ثم الصديقون ثم المحسنون ثم الشهداء تم المؤمنون ثم العارفون وتبقى المسلمون مرورهم على قدر إيمانهم وأعمالهم وسيد المرسلين واقف على الصراط يقول: يا رب سلم سلم فمنهم من يمر كالبرق الخاطف الحديث. قال أبو الفرج بن الجوزي: قال المصطفى ﷺ فإذا صار الناس على [طرف] الصراط نادى ملك من تحت العرش يا فطرة الملك الجبار جوزوا على الصراط وليقف على كل عاص منكم وظالم فيا لها من ساعة ما أعظم خوفها وما أشد حره.
تنبيه: فإذا فرغ الخلق من الحساب فيقسم الخلق على أقسام ناج مطلق وهو الذي رجحت حسناته وطاشت سيئاته وقسم قضى اللَّه عليه بالعذاب
стр. 10025
مدة وهو من الموحدين [بما] استوجبه ولم يجب عليه الخلود في النار لكونه من أهل الإيمان وقسم وجب عليه الخلود في النار لكونه من الكفار فهؤلاء الأصناف إذا مرّوا على الصراط كان المؤمنون الناجون متباطئين في سرعة الجواز فمنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالريح إلى آخره فيقطعون الصراط ويسيرون إلى الحوض، وأما الكفار [فينقطعون] بين الصراط في إدراك النار فلا يقطعون ظهر الصراط حتى يلج الجمل في سم الخياط. وأما عصاة الموحدين الذين قضى اللَّه عليهم مدة بالعذاب في النار فإنهم إذا مروا على الصراط تخطفهم الكلاليب وتجتذبهم إلى النار فمنهم من يغمس فيها غمسا ثم يخرج ومنهم من يبقى فيها ساعة وساعات إلى آخر من يخرج من النار. قوله ﷺ في الحديث: "فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم أشد مناشدة للَّه يوم القيامة في استيفاء الحق من المؤمنين للَّه يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار" الحديث، وفي رواية في استقصاء الحق بالصاد للكافة وعند بعضهم بضاد معجمة وعند السمرقندي في استيصاء الحق ولا وجه له [وعند] العذري والشجري، استيفاء الحق كما في رواية الكتاب والأول أولى. [واعلم] أن هذه وهي استيفاء الحق ضبطت على أوجه: أحدها استيضاء بتاء مثناة من فوق ثم مثناة من تحت ثم ضاد معجمة. والثاني بحذف المثناة من تحت، والثالث استيفاء بإثبات المثناة من تحت وبالفاء بدل الضاد. والرابع استقصاء بمثناة من فوق ثم قاف ثم صاد مهملة فالأول موجود في [كثير] من الأصول ببلادنا والثاني هو الموجود في أكثرها والثالث
стр. 10026
في بعضها وهو الموجود في الصحيحين لعبد الحق والرابع في بعضها ولم يذكر القاضي غيره، وجميع الروايات التي ذكرناها صحيحة ولكل منها معنى حسن وفيه كلام مطول في تفسير كل رواية واللَّه أعلم. قوله: "فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرّم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا" الحديث، أخرجوا من الإخراج خطابا للملائكة، وتقدم الكلام على تحريم الصور على النار وعلى دارات الوجوه وعلى السبعة أعضاء التي أمر بالسجود عليها.
قوله: "فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه" الحديث، فحديث أبي سعيد الخدري هذا بيّن في أن الإيمان يزيد وينقص كما تقدم عن العلماء وهو مذهب أهل السنة فإن قوله: "أخرجوا من في قلبه مثقال دينار نصف دينار وذرة" يدل على ذلك.
وقوله: "من خير" يريد به من إيمان أي من أعمال الإيمان التي هي أعمال الجوارح فيكون فيه دلالة على أن الأعمال الصالحة من شرائع الإيمان. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١)، وقد قيل أن المراد في هذا الحديث أعمال القلوب كأنه يقول: أخرجوا من عمل عملا بنية من قلبه لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" [وضرب بمثقال الذرة المثل لأقل الخير فإنها أقل المقادير. وقوله تعالى: "من كان في قلبه ذرة" هذا