← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 10092–10131 · переход к 10097.

стр. 10092

إلا عن عبد الرحمن بن عوف، وروى عن بلال بن رباح، وعبد اللَّه بن مسعود، وعمار بن ياسر وجرير بن عبد اللَّه، وجماعة كثيرة من الصحابة، وليس في التابعين من روى عن تسعة من العشرة إلا هو. روى عنه أبو إسحاق السبيعي، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وطارق بن عبد الرحمن، وجماعة كثيرة من التابعين. شهد النهروان مع علي بن أبي طالب. قال ابن عيينة: ما كان بالكوفة أروى عن أصحاب النبي ﷺ من قيس بن أبي حازم. وطال عمره حتى جاوز المائة بسنين كثيرة، ومات سنة ثمان وتسعين، أو سبع. قوله: "كان عبد اللَّه بن رواحة واضعا رأسه في حجر امرأته فبكى فبكت امرأته" الحديث، هو عبد اللَّه بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر بن مالك الأعز بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الحارثي المدني، شهد العقبة، وكان ليلتئذ نقيب بنى الحارث بن الخزرج، وشهد بدرا، وأحدا، والخندق، والحديبية، وخيبر، وعمرة القضاء، والمشاهد كلها مع رسول اللَّه ﷺ إلا الفتح وما بعدها، فإنه كان توفى قبلها يوم مؤتة، وهو أحد الأمراء في غزوة مؤتة، وهو خال النعمان بن بشير، وكان أول خارج إلى الغزوات وآخر قادم. وكان أحد الشعراء المحسنين الذين يردون الأذى عن رسول اللَّه ﷺ والإسلام والمسلمين، وامرأته اسمها لا يعرف، والحجر بفتح الحاء وكسرها وتقدم الكلام على ذلك.

стр. 10093

تنبيه: البكاء يمد ويقصر فإذا مددت أردت الصوت الذي مع البكاء وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها قال كعب بن مالك: بكت عيني وحقّ لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل ووهم الجوهري في نسبته لحسان وتقدم ذلك أبسط من هذا في الجنائز واللَّه أعلم. قوله: "قال إني ذكرت قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١) الحديث، تقدم الكلام على الورود في الحديث قبله. ٥٤٩٣ - وعن حذيفة وأبي هريرة ﵁ قالا قال رسول اللَّه ﷺ يجمع اللَّه الناس فذكرا الحديث إلى أن قالا فيأتون محمدا ﷺ فيقوم ويؤذن له وترسل معه الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا فيمر أولكم كالبرق قال قلت بأبي أنت وأمي أي شيء كمر البرق قال ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين ثم كمر الريح ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم ونبيكم ﷺ قائم على الصراط يقول رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زاحفا قال وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة تأخذ من أمرت به فمخدوش ناج ومكدوش في النار والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعين خريفًا. رواه مسلم (٢) ويأتي بتمامه في الشفاعة إن شاء اللَّه وتقدم حديث ابن مسعود في الحشر وفيه والصراط كحد السيف دحض مزلة قال فيمرون على قدر نورهم

стр. 10094

فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب ومنهم من يمر كالطرف ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كشد الرجل ويرمل رملا فيمرون على قدر أعمالهم حتى يمر الذي نوره على إبهام قدميه تخر يد وتعلق يد وتخر رجل وتعلق رجل فتصيب جوانبه النار. رواه ابن أبي الدنيا (١) والطبراني (٢) والحاكم (٣) واللفظ له وروى الحاكم (٤) أيضًا بإسناد ذكر أنه على شرط مسلم عن

стр. 10095

المسيب قال سألت مرة عن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١) فحدثني أن ابن مسعود حدثهم أن رسول اللَّه ﷺ قال يرد الناس ثم يصدرون عنها بأعمالهم وأولهم كلمح البرق ثم كلمح الريح ثم كحضر الفرس ثم كالراكب في رحله ثم كشد الرجل ثم كمشيه. قوله: "وعن حذيفة وأبي هريرة" حذيفة هو ابن اليمان العبسي اليمني ثم الأنصاري صاحب سر رسول اللَّه ﷺ أطلعه رسول اللَّه ﷺ على المنافقين، وكان عمر ﵁ إذا مات واحد منهم يتبع حذيفة فإن صلى عليه فهو أيضًا يصلي عليه بهالا فلا مات بالمدائن سنة ست وثلاثين، قاله الكرماني (٢)، وتقدم الكلام على مناقب أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه. قوله: "فيأتون محمدًا ﷺ ، فيقوم ويؤذن له وترسل معه الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا" الحديث. أما تقومان فبالتاء المثناة من فوق والمؤنثتين الغائبتين تكونان بالتاء المثناة من فوق واللَّه أعلم. وأما جنبتي الصراط بفتح الجيم والنون ومعناهما جانباه، وقيل: ناحيتاه. قال ابن

стр. 10096

الأثير: جنبة الوادي بفتح النون جانبه وناحيته وإما إرسال الأمانة والرحم فهو لعظم أمرهما وكبير موقعهما فتُصوّران مشخّصتين عند الصراط على الصفة التي يريدها اللَّه تعالى: ويقومان بقربه فإنه ممر الصالح وعليه يمر الداني والقاصي يشهد أن للأمين والواصل على الخائن والقاطع واللَّه أعلم. وقال صاحب التحرير في الكلام اختصار والسامع فهم أنهما يقومان ليطالبا كل من يريد الجواز بحقهما، ا هـ. قوله ﷺ : "فيمرّ أولكم كالبرق" فذكره إلى أن قال: "ثم كمرِّ الريح ثم كمرِّ الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم" فهو كالسفير لقوله ﷺ : "فيمر أولكم كالبرق ثم كالريح، معناه أنهم يكونون في سرعة المرور على حسب مراتبهم وأعمالهم (١) وأما شدّ الرجال فهو بالجيم جمع رجل هذا هو الصحيح المشهور المعروف، ونقل القاضي عياض (٢) أنه في رواية ابن هامان بالحاء، قال القاضي: وهما متقاربان في المعنى، وشدها عدوها البالغ وجريها. وقوله ﷺ : "حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا" بسكون الحاء أي مشيا على اليد كمشي الطفل أول أمره، ويقال منه زحف وأزحف وزحفوا إليهم في القتال مشوا إليهم قليلا قليلا تشبيها بذلك ويزحفون على إستاهم في خبر اليهود، قاله عياض. قال ابن دريد وغيره الزحف هو المشي على الإست مع إشرافه بصدره، ا هـ. قوله: "وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به"

стр. 10097

الحديث حافتي الصراط هو بتخفيف الفاء وهم جانباه وتقدم الكلام على الكلاليب وإنها جمع كلوب، قوله: "مخدوش ناج ومكدوش في النار" المكدوش هو بالدال ووقع في أكثر الأصول هنا مكردس بالراء ثم الدال وهو قريب من معنى المكدوش وتقدم شيء من ذلك في الباب قبله أو قبل قبله. قوله ﷺ : "والذي نفسي بيده إن قعر جهنم لسبعين خريفا" الحديث، وقع في بعض الأصول لسبعون بالواو وهذا ظاهر وفيه حذف تقديره أن مسيرة قعر جهنم مسيرهُ سبعون سنة ووقع في معظم الأصول والروايات لسبعين بالياء وهو صحيح أيضًا، وهو رواية الكتاب، أما على مذهب من يحذف المضاف ويبقي المضاف إليه على جره فيكون التقدير سير سبعين وأما على أن قعر جهنم لكائن في سبعين خريفا والخريف السنة هكذا ذكره النووي (١). "ولا يخفى ما فيها من معاني التكلف وكثرة الحذف وأسهل من ذلك أن نصب الجزءين في باب ليت وأخواتها نطقت بها العرب، قال الشاعر: إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن ... خطاك خفافا إن حراسنا أسدا قوله ﷺ في حديث ابن مسعود: "ومنهم من يمر كشد الرجل" يريد به شدة العدو، ومنه حديث السعي لا يقطع الوادي إلا شدا، أي عدوا. والعدْوُ هو الإسراع في المشي. قوله: "ويرمل رملا"] (٢) تقدم معنى الرمل في أماكن متقدمة من هذا التعليق.

стр. 10098

قوله: "ثم كحُضْر الفرس" وحضر بضم الحاء المهملة وبعدها ضاء معجمة ساكنة العدو. وقوله: "ثم كالراكب في رحله" يقال لدار الإنسان ومسكنه ومنزله رحل، واللَّه أعلم. ٥٤٩٤ - وعن عبيد بن عمير ﵁ عن النبي ﷺ قال الصراط على جهنم مثل حرف السيف بجنبتيه الكلاليب والحسك فيركبه الناس فيختطفون والذي نفسي بيده وإنه ليؤخذ بالكلوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر. رواه البيهقي (١) مرسلا وموقوفا على عبيد بن عمير أيضًا. قوله: "وعن عبيد بن عمير" هو عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر الليثي الحجازي، قاضي أهل مكة. ولد في زمن رسول اللَّه ﷺ ، ويقال: رآه، وهو معدود في كبار التابعين، سمع عمر، وأبا ذر، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعائشة. ولم يسمع من أبيه شيئا، ولا يذكره، روى عنه عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، ومجاهد، مات قبل ابن عمر. قوله: "الصراط على جهنم مثل حد السيف بجنبتيه الكلاليب والحسك فيركبه الناس فيختطفون" الحديث، بجنبتيه بفتح النون وسكونها، وتقدم ضبط ذلك في الإنفاق في وجوه الخير في قوله ﷺ : ما طلعت شمس إلا بعث بجنبتيها ملكان، الحديث. وتقدم الكلام على الكلاليب والحسك قريبا. قوله ﷺ : "والذي نفسي بيده إنه ليُؤخذ بالكلوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر" الحديث، ربيعة ومضر اسم لقبيلتين من قبائل العرب.

стр. 10099

٥٤٩٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول اللَّه ﷺ يلقى رجل أباه يوم القيامة فيقول يا أبت أي ابن كنت لك فيقول خير ابن فيقول هل أنت مطيعي اليوم فيقول نعم فيقول خذ بأزرتي فيأخذ بأزرته ثم ينطلق حتى يأتي اللَّه تعالى وهو يعرض بين الخلق فيقول يا عبدي ادخل من أي أبواب الجنة شئت فيقول أي رب وأبي معي فإنك وعدتني أن لا تخزيني، قال فيمسخ اللَّه أباه ضبعا فيهوي في النار فيأخذ بأنفه فيقول اللَّه يا عبدي أبوك هوى فيقول لا وعزتك، رواه الحاكم (١)، وقال صحيح على شرط مسلم، وهو في البخاري (٢) إلا أنه قال: يلقى إبراهيم أباه آزر فذكر القصة بنحوه. قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "يلقى رجل أباه يوم القيامة فيقول: يا أبت أي ابن كنت لك؟ فيقول: خير ابن" وفي البخاري: يلقى إبراهيم أباه آزر، الحديث. وروى البخاري في أحاديث الأنبياء (٣) وفي التفسير (٤) عن إسماعيل بن عبد اللَّه قال: حدثثي أخي

стр. 10100

عبد الحميد عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم ﵇ آباه آزر يوم القيامة على وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم يارب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون فأي خزي أخزى من أن يكون أبي في النار. فيقول اللَّه تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذبح متلطخ فيؤخذ [بقوائمه] ويلقى في النار، ورواه النسائي والبزار (١) والحاكم (٢) في آخر المستدرك عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: ليأخذن رجل بيد أبيه يوم القيامة [يريد] أن يدخله الجنة؟ قال: فينادى أن الجنة لا يدخلها مشرك لأن اللَّه قد حرم الجنة على كل مشرك. قال: فيقول أي رب أبي، فيُحوّل في صورة قبيحة وريح منتنة فيتركه، قال: فكان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يرون أنه إبراهيم ﵊ ولم يزدهم رسول اللَّه ﷺ على ذلك ثم قال: صحيح على شرط

стр. 10101

الشيخين. قوله في الحديث الأول: فيأخذ بأزرته، الأزرة هي معقد الإزار. وقوله أيضًا في حديث الكتاب: فيمسخ اللَّه أباه ضبُعا، الحديث. والحكمة في كونه مُسخ ضبعا دون غيره من الحيوان أن الضبع أحمق الحيوان ومن حمقه أنه يغفل عما يجب التيقظ له ولذلك قال علي بن أبي طالب ﵁: لا أكون كالضبع يسمع الكدم فيخرج حتى يُصاد والكدم الضرب الخفيف فلما لم يقبل آزر النصيحة من أشفق الناس عليه وقبل خديعة عدوه الشيطان أشبه الضبع الموصوفة بالحمق لأن الصياد إذا أراد أن يصيدها رمى في جحرها بحجر فتحسبه شيئًا تصيده فتخرج لتأخذه فتصاد عند ذلك، ولأن آزر لو مسخ كلبا أو خنزيرا لكان فيه تشويه لخلقه فأراد اللَّه تعالى إكرام إبراهيم ﵊ بجعل أبيه على هيئة متوسطة. يقال ذيخته أي ذللته. ["قوله: يقال ذيخته أي ذللته لعله قدمه هنا مخرج المبيضة ومحله عقب قوله قريبا: والأنثى ذيخة، فيضبط الفعل من هذه المادة واللَّه أعلم"] (١). فلما خفض إبراهيم لأبيه جناح الذل من الرحمة، فلم يقبل حشر، بصفة الذل يوم القيامة. اهـ، قاله الكمال الدميري في كتابه حياة الحيوان. قوله في حديث الأنبياء: "فإذا هو بـ[ذيخ] متلطخ" أي فيمسخ إلى صورة [ذيخ]، و [الذيخ] بكسر المعجمة وسكون التحتانية هو ذكر الضباع، والأنثى ذيخة وأراد بالتلطخ التلطخ برجيعه أو بالطين، كما قال في الحديث الآخر بذيخ أمدر أي متلطخ بالمدر ويلقى في النار حيث لا تبقى له صورته التي هي

стр. 10102

سبب الخزي فهو عمل بالوعد والوعيد كليهما. تنبيه: فإن قلت إذا أدخل اللَّه أباه النار فقد أخزاه لقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ (١) وخزي الوالد خزي الولد فيلزم الخلف في الوعد وأنه محال. قلت: لو لم يدخل النار لزم الخلف في الوعيد وهذا هو المراد بقوله: حرم الجنة على [الكافرين]، ا هـ قاله الكرماني (٢). واللَّه أعلم. وفي حديث الخليل أيضًا ﵊ أنه يحمل أباه ليجوز به الصراط فينظر إليه فإذا هو عيلام أمدر، العيلام ذكر [الضبع] والياء والألف زائدتان، قاله في النهاية (٣). واللَّه أعلم.

стр. 10103

فصل في الشفاعة وغيرها قال الحافظ أبو محمد زكي الدين عبد العظيم المنذري رحمه اللَّه تعالى: كان الأولى أن يقدم ذكر الشفاعة على ذكر الصراط لأن وضع الصراط متأخر عن الإذن في الشفاعة العامة من حيث هي ولكن هكذا اتفق الإملاء واللَّه المستعان. ٥٤٩٦ - عن أنس ﵁ قال قال رسول اللَّه ﷺ كل نبي سأل سؤالا أو قال لكل نبي دعوة قد دعاها لأمته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي. رواه البخاري (١) ومسلم (٢). قوله: "وعن أنس بن مالك" هو أنس بن الثضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بالحاء المهملة ثم الراء المهملة أيضًا وجميع ما في الأنصار من الأسماء حرام كذلك وفي قريش بكسر الحاء المهملة والزاي المعجمة. هو خادم رسول اللَّه ﷺ يكنى أبا حمزة كناه رسول اللَّه ﷺ بذلك، قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة [وهو] ابن عشر سنين فأتت به إليه أم سليم امرأة أبي طلحة فعرضت عليه خدمته فقبِله وخرج في خدمته معه إلى بدر وتوفي رسول اللَّه ﷺ وأنس بن مالك ابن عشرين سنة، واختلف في اسم أمه أم سُليم اختلافًا كثيرًا والصحيح أن اسمها مليكة وهو الثابت في الصحيحين وهي بنت ملحان

стр. 10104

بكسر الميم على المشهور وحكى صاحب المطالع عن بعضهم فتحها وكان رسول اللَّه ﷺ قد دعا لأنس ﵁ بالبركة في ماله وولده فكان ﵁ قول: إني لمن أكثر الأنصار مالا وولدا، ويقال أنه ولد له ثمانين ولدا ليس فيهم أنثى سوى ابنتين حفصة وأم عمرو وثمانية وسبعون ذكرا ورآى من أولاده وأحفاده أكثر [من] مائة وعشرين منهم لصلبه ثمانون ولدا كما تقدم. وتوفي في حياته من ولده وولد ولده نحو مائة وهو من أكثر الصحابة حديثا وتقدم عددكم روى من الأحاديث وبعض مناقبه أيضًا واللَّه أعلم. قوله ﷺ في حديث أنس: "كل نبي سأل سؤال أو قال: لكل نبي دعوة قد دعاها لأمته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي" الحديث. فقوله: كل نبي قد سأل سؤالا، الفرق بين الشفاعة والسؤال والأمر قال أهل اللغة: إن طلب الأدنى من الأعلى لنفسه هو سؤال وإن طلب لغيره فهو شفاعة [ومنه تسمى الصلاة على الميت شفاعة لأنهم يطلبون من اللَّه تعالى له الرحمة وإن طلب الأدنى من الأعلى لنفسه هو أمر وإن طلب لغيره فهو شفاعة] (١)، ومنه قول بريرة للنبي ﷺ حين أمرها بردّ زوجها مغيث: يا رسول اللَّه أتأمر أم تشفع؟ قال: بل أشفع، قال: فلا حاجة لي فيه. وإن طلب المساوي من مثله لنفسه فهو التماس وإن طلب لغيره فهو شفاعة، ا هـ. قوله ﷺ : " [أو قال: لكل نبي] دعوة قد دعاها لأمته" الحديث، قال النووي (٢) هذه الأحاديث يفسر بعضها

стр. 10105

بعضا ومعنى الحديث أن لكل نبي دعوة متيقنة الإجابة وهو على يقين من [إجابته]، وأما باقي دعواتهم فهم على طمع من إجابتها وبعضها [مجاب] وبعضها لا يجاب، وهذا القول رجحه النووي وذكر القاضي عياض أنه يحتمل أن يكون المراد لكل نبي دعوة لأمته كما جاء في هذا وغيره. قوله ﷺ : وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيام. في هذا حديث بيان كمال شفقة النبي ﷺ على أمته ورأفته واعتنائه بالنظر في مصالحهم المهمة، فأخرّ ﷺ دعوته لأمته إلى أهمّ أوقات [حاجتهم]. فائدة: قال القاضي عياض (١): مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلا ووجوبها سمعا بصريح قوله : ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (٣) وأمثالها من الآيات كثيرة. وبخبر الصادق ﷺ . وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين وأجمع السلف ومن بعدهم من أهل السنة عليها ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة من ذلك وتعلقوا بمذاهبهم في تخليد المذنبين في النار، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ

стр. 10106

شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ (١)، وبقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (٢) وهذه الآيات أفي الكفار، على الكبائر. وأما تأويلهم أحاديث الشفاعة بكونها في زيادة الدرجات فباطل وألفاظ الأحاديث في الكتاب وغيره صريحة في بطلان مذهبهم وإخراج من استوجب النار، ا هـ. ٥٤٩٧ - وعن أم حبيبة ﵂ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال أريت ما تلقى أمتي من بعدي وسفك بعضهم دماء بعض فأحزنني وسبق ذلك من اللَّه كما سبق في الأمم قبلهم فسألته أن يوليني فيهم شفاعة يوم القيامة ففعل. رواه البيهقي في البعث (٣) وصحح إسناده. قوله: "وعن أم حبيبة" أم حبيبة هي أم المؤمنين زوج النبي ﷺ واسمها رملة وقيل هند والأولى أشهر، كنيت بابنتها حبيبة بنت عبيد اللَّه بن جحش، وهي ﵂ بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس القرشية

стр. 10107

الأموية، وأمها صفية بنت أبي العاصي بن أمية عمة عثمان ابن عفان بن أبي العاص وأخويها لأبيها يزيد بن أبي سفيان ومعاوية بن أبي سفيان وهاجرت أم حبيبة مع زوجها عبيد اللَّه بن جحش إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية فولدت له هناك حبيبة وبها كنيت وتنصر زوجها عبيد اللَّه بن جحش بعد أن كان مسلما وارتد عن الإسلام ومات على ذلك بأرض الحبشة، وثبتت أم حبيبة على الإسلام [وبعث] النبي ﷺ عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي في المحرم على الأصل وقيل في شهر ربيع الأول سنة سبع من الهجرة فخطب أم حبيبة للنبي ﷺ فزوجه إياها وأصدق النجاشي أم حبيبة عن رسول اللَّه ﷺ أربعمائة دينار على الأصل، وقيل مائتي دينار وقيل أربعة آلاف درهم فزوجها عثمان من رسول اللَّه ﷺ وقيل النجاشي زوجها من رسول اللَّه ﷺ فلعل واحدا منهما أوجب والآخر قبل عنه ﷺ قيل كان الذي أنكحها من رسول اللَّه ﷺ وعقد عليها خالد بن سعيد بن العاصي بن أمية وهذا القول هو الأصح، وأولم عليها عثمان بن عفان لحما وثريدا وجهزها من عنده النجاشي وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة إلى رسول اللَّه ﷺ . [وقيل] بعث إليها رسول اللَّه ﷺ شرحبيل بن حسنة فجاءه بها وذلك في سنة سبع وقيل في سنة ست من الهجرة وقيل غير ذلك. فائدة: اعلم أن نساءه المدخول بهن ثنتي عشرة امرأة ومات ﷺ عن تسعة منهن وذكرهن ابن عبد البر خلا ريحانة، وقال هؤلاء أزواجه اللواتي لم يختلف فيهن وهن إحدى عشرة امرأة منهن ست من قريش وواحدة من بني

стр. 10108

إسرائيل من ولد هارون وأربع من سائر العرب. توفي في حياته ﷺ منهم خديجة بنت خويلد بمكة وزينب بنت خزيمة بالمدينة وتخلف منهن تسعا بعده ﷺ ، ا هـ. وأما من لم يدخل بهن ومن وهبت نفسها له ومن خطبها ولم يتفق تزويجها أو استعاذت منه ففارقها فثلاثون امرأة على اختلاف كثير في بعضهن لا يحصل من ذكره فائدة فتركنا ذلك اختصارًا واللَّه أعلم، قاله ابن الفرات في تاريخه. قوله ﷺ في حديث أم حبيبة: رأيت ما تلقى أمتي وسفك بعضهم دماء بعض فأحزنني، فذكره إلى أن قال: فسألته أن يوليني فيهم شفاعة يوم القيامة ففعل. سيأتي الكلام على الشفاعة وتعدادها وما قيل في ذلك. ٥٤٩٨ - وعن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي فاجتمع رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى وانصرف إليهم فقال لهم لقد أعطيت الليلة خمسًا ما أعطيهن أحد قبلي أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينه مسيرة شهر لملئ منه وأحلت لي الغنائم أكلها وكان من قبلي يعظمون أكلها وكانوا يحرقونها وجعلت لي الأرض مساجد وطهورًا أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت وكان من قبلي يعظمون ذلك إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم والخامسة هي ما هي قيل لي سل فإن كل نبي قد سأل فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم

стр. 10109

ولمن شهد أن لا إله إلا اللَّه. رواه أحمد (١) بإسناد صحيح. قوله: "وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاصي" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "أن رسول اللَّه ﷺ عام غزوة تبوك قام يصلي من الليل فاجتمع رجال من أصحابه يحرسونه" الحديث، غزوة تبوك كانت في السنة التاسعة من الهجرة وتقدم الكلام على غزوة تبوك في الترغيب في الصدق في حديث كعب بن مالك. قوله ﷺ : "لقد أعطيت الليلة خمسًا ما أعطيهن أحد قبلي: أما أنا فأرسلت إلى الناس كلِّهم عامة" وفي رواية: وأرسلت إلى الناس كافة أي جميعا وهو مما يلزمه النصب على الحالية. قوله: "إلى الناس" يشمل الإنس والجن وطوائف الجن تسمى ناسا كما تسمى رجالا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ (٢)، وبعضهم قال أنه ﷺ شملت رسالاته الملائكة عملا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (٣) وأيضًا فآدم أرسل إلى الملائكة لقوله تعالى: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ (٤)

стр. 10110

فإذا أرسل آدم إلى الملائكة بتعليم اللغات جاز أن يبعث نبينا محمد ﷺ بنوع من أنواع العلم أو العبادة، اهـ. قوله ﷺ : "ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينه مسيرة شهر لملئ منه" الحديث، الرعب هو الوجل والخوف والفزع يعني أن اللَّه تعالى أوقع الرعب في قلب عدوه إذا كان بينه وبين العدو مسيرة شهر [هابوه] وفزعوا منه. وفي رواية أوردها القاضي عياض في [الشفاعة]: ونصرت أمتي بالرعب مسيرة شهرين [أي المسافة التي يسافر فيها من الأرض، قاله ابن الأثير] (١). وقد جاء في مسند الإمام أحمد كذلك [وفي] الطبراني شهرا أمامي [وشهرًا خلفي، وهو تفصيل] حسن يجمع بين الروايات وهذه خصيصة للنبي ﷺ . تنبيه: يجوز أن يكرم اللَّه تعالى من شاء بذلك من أمته ﵊ [على سبيل التبعية له] وتكون كرامته من المعجزة واللَّه أعلم، قاله في شرح الإلمام. قوله ﷺ : "وأحلت لي الغنائم أكلها وكان من قبلي يعظمون أكلها كانوا يحرقونها" الحديث، أي أحلت له ولأمته كانت الغنائم قبل الإسلام لا تحل لأحد [كانت حراما على الأمم السابقة، كان يجب عليهم إذا غنموا شيئا قربوه فتنزلت نار بيضاء فتأكله، كما جاء مبينًا في الصحيحين من رواية أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه في حديث النبي الذي غزا وحبس اللَّه تعالى له الشمس صلى اللَّه تعالى عليه وسلم] ثم أحلت للنبي ﷺ . وكانت في صدر الإسلام له ﷺ خاصة لأنه كالمقاتلين كلهم بسبب أنه نصر بالرعب

стр. 10111

مسيرة شهر والرعب منه وحده لم يشركه فيه أحد من المسلمين ولأن قوته وشجاعته ﷺ لم تكن لأحد فهو قائم مقام جميع المقاتلين وكذلك كانت غنائم بدر ثم نسخ ذلك واستقر الأمر على [أن له] منها الصُفيا فيعطى من الغنيمة ما شاء. قال ابن إسحاق وكان المتولي لقسمة غنائم خيبر جبار بن صخر وزيد بن ثابت [من بني النجار] و [كانا] حاسبين [قاسمين] ا هـ، [كانت حراما على الأمم السالفة، كان يجب عليهم إذا غنموا شيئا قربوه فنزلت نار بيضاء فتأكله كما جاء مبينا في الصحيحين من رواية أبي هريرة في حديث الذي غزى وحبس اللَّه تعالى له الشمس] (١) وكان الكنز حلالا لمن قبلنا وحرم، والمراد بالكنز ما لم تؤد زكاته. قال العلماء: والغنيمة ما أخذ من الكفار بقتال وإيجاف خيل وركاب ويقسم خمسها على خمسة وذلك من خمسة وعشرين جزءا. قال اللَّه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٢) الآية، وسهم اللَّه تعالى ورسوله واحد، والأسهم الأربعة للغانمين. قال النيسابوري: وأضاف الباري خمس الغنيمة إليه لكون الغنائم أطيب الكسب ولم يضف الصدقة إليه بل قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (٣) الآية، لأن الصدقات

стр. 10112

لما كانت أوساخ الناس لم يضفها إليه تنبيها على أنه لا ينبغي للإنسان أن يأكل منها إلا عند الحاجة. وجمع في الحديث الغنائم باعتبار أنواعها أي من أنواع الأموال المأخوذة من الكفار من فضة وذهب ومنقول وعقار وحيوان. وأما الفيء فذكره اللَّه تعالى في قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (١)، والمراد أن خمسه أيضًا يُقسم على خمسة كما سبق [كالغنيمة]. والفيء ما أخذ من الكفار بلا قتال ولا إيجاف خير وركاب فيدخل فيه ما جلى عنه الكفار وتركوه خوفا من المسلمين وتدخل فيه الجزية وعشور التجارة ومال مرتد قتل أو مات ومال ذمي مات بلا وارث، وذكر بعض العلماء أنه لم يكن خاصا بهذه الأمة بل كان حلالا للأمم السالفة. [وهو ظاهر الحديث: "وأحلت لي الغنائم"]. قوله ﷺ : "وجعلت لي الأرض مساجد وطهورًا"، وطهورًا بفتح الطاء وفي رواية تربتها طهور، رواه مسلم وهذه الرواية مبينة للرواية المطلقة التي فيها جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، واسم التراب يدخل فيه الأصفر والأحمر والأعفر والطين الأرمن الذي يؤكل تداويا والأبيض الذي يؤكل سفها ومعنى الحديث جعلت لي الأرض كلها طهورا لأن الإنسان إذا بال أو تغوط استنجى بالحجارة أو غيرها من أجزاء الأرض سواء وجد الماء أو لم

стр. 10113

يوجد وتيمم بترابها عند العذر أم عدم الماء فأي موضع يوجد الإنسان من الأرض وجد معه آلة الطهارة من الحدث والخبث ووجد القبلة فلا تسقط الصلاة ولا تترك في حالة من الأحوال وإلى ذلك الإشارة بقوله في الحديث الآخر: فأيما رجل من أمتي أفى ركته الصلاة فليصل: فقوله: فليصل يحتمل فليصل بالطهور وهو التراب وقد جاء في رواية فطهوره [ومسجده] أي فليصل بهما ويحتمل فليصل مطلقا حتى يدخل في ذلك فاقد الطهورين وفي مسألة فاقد الطهورين أربعة أقوال: أصحهما يجب عليه أن يصلي ويعيد الصلاة. القول الثاني لا تجب عليه الصلاة ولكن يستحب ويجب القضاء سواء صلى أو لم يصل. والثالث يحرم عليه الصلاة لكونه محدثا ويجب القضاء. والرابع تجب الصلاة ولا تجب الإعادة وهذا مذهب المزني. قال النووي (١): وهو أقوى الأقوال دليلا، [ولقد نُظِمت] هذه الأقوال في بيتين لبعض المالكية: ومن لم يجد ماء ولا متيمَّما ... فأربعة أقوال يحكون مذهبا يصلي ويقضي عكس ما قال مالك ... وأصبغ يقضي والأداء لأشهبا قوله: "وكان من قبلي يُعظِمون" ["أي يعدونه عظيما في الدين لكونه غير وارد في شرعهم واللَّه أعلم". وذلك إنما كانوا يصلون في كنائسهم

стр. 10114

وبيعهم] (١). الكنيسة بفتح الكاف متعبد النصارى والبيعة بكسر الباء لليهود. فائدة في التيمم: قال النووي في شرح مسلم (٢): اختلف العلماء في كيفية التيمم فمذهبنا ومذهب الأكثرين أنه لا بد من ضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين وقد ورد ذلك في حديث التيمم: ضربتان ضربة [للوجه] وضربة لليدين فوجب الأخذ به احتياطًا للعبادة ويجب الترتيب في الضربتين وممن قال بهذا من العلماء ﵃ علي بن أبي طالب وعبد اللَّه بن عمر والحسن البصري والشعبي وسالم بن عبد اللَّه بن عمر وسفيان الثوري ومالك وأبو حنيفة وأصحاب الرأي وآخرون ﵃ أجمعين. وذهبت طائفة إلى أن الواجب ضربة واحدة للوجه والكفين وهو مذهب عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد بن إسحاق وابن المنذر وعامة أصحاب الحديث، وحكى إياس عن ابن سيرين أنه يجب ثلاث ضربات ضربة لوجهه وضربة ثانية لكفيه وضربة ثالثة لذراعيه. وأركان التيمم: سبعة: النية والتراب الطاهر ونقل التراب وقصد النقل ومسح الوجه واليدين والترتيب وضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين. وأما شروط التيمم الزائدة على شروط الوضوء فمنها أن يكون بعد الاستنجاء على الصحيح وأن لا يكون على بدنه نجاسة على الأصح وأن يكون بعد دخول الوقت وبعد الطلب الواقع بعد الوقت وأن يتأخر نقل

стр. 10115

التراب لليد عن نقله للوجه حتى لو نقل بخرقة فمسح ببعضها وجهه وببعضها يديه لم يصح على الأصح وأن لا يحدث بعد نقل التراب وقبل المسح وأن لا يكون في حال رؤية الماء ولا في حالة توهمه في غير مرض وأن يعتمد في تيممه عن المرض على قول طبيب إن لم يكن عارفا بالطب فإن لم يكن عارفًا ولا وجد طبيبًا لم يجب التيمم عند الشيخ وجاز عند البغوي وأن يكون مرضه يزيد باستعمال الماء كالرمد فإن كان مرضه لا يزيد بالماء كالحمى الحارة لم يبح له استعمال الماء [لقوله ﷺ : الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء. وخالف في ذلك أبو حنيفة، ذكر ذلك صاحب غنية ابن شريح وهو من أصحاب القفال] (١). فرع: مبيحات التيمم تسعة: خوف فوات نفس أو فوات عضو أو فوات منفعة نفس أو فوات منفعة عضو أو حدوث مرض أو زيادة مرض أو زيادة ألم أو بطء برء أو حصول شَين فاحش على عضو ظاهر وليس من الأمراض المبيحة الحمى خلافا لأبي حنيفة (٢) كما تقدم واللَّه أعلم. قوله ﷺ : "والخامسة هي"، ما هي؟ "قيل لي سَلْ فإن كل نبي قد سأل. فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا اللَّه" الحديث، ففي هذا الحديث دلالة لمذهب أهل الحق أن كل من مات غير مشرك باللَّه تعالى لم يخلد في النار وإن كان مصرًّا على الكبائر وتقدم الكلام

стр. 10116

على ذلك في غير ما موضع من هذا التعليق فلله الحمد على ذلك. وسيأتي الكلام على الشفاعة في الحديث بعده. ٥٤٩٩ - وعن عبد الرحمن بن أبي عقيل ﵁ قال انطلقت في وفد إلى رسول اللَّه ﷺ فأتيناه فأنخنا بالباب وما في الناس أبغض إلينا من رجل نلج عليه فما خرجنا حتى ما كان في الناس أحب إلينا من رجل دخل عليه فقال قائل منا يا رسول اللَّه ألا سألت ربك ملكا كملك سليمان قال فضحك ثم قال فلعل لصاحبكم عند اللَّه أفضل من ملك سليمان إن اللَّه لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة منهم من اتخذها دنيا فأعطيها ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فأهلكوا بها فإن اللَّه أعطاني دعوة فاختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة. رواه الطبراني (١) والبزار (٢) بإسناد جيد.

стр. 10117

قوله: "وعن عبد الرحمن بن أبي عقيل" وأبو عقيل اسمه كنيته وهو عبد الرحمن بن أبي عقيل بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي كذا نسبه هشام بن الكلبي، وهو ابن عم الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل، وقد اختلفوا في نسبه، وأجمعوا على أنه من ثقيف، ولعبد الرحمن صحبة. روى عنه: عبد الرحمن بن علقمة الثقفي، وقد ذكر قوم عبد الرحمن بن علقمة الثقفي بها الصحابة، وصحبة عبد الرحمن بن أبي عقيل صحيحة، ويروى عنه أيضًا: هشام بن المغيرة الثقفي. قوله: "قال انطلقت في وفد إلى رسول اللَّه ﷺ فأتيناه فأنخنا بالباب وما في الناس أبغض إلينا من رجل نلج عليه، فما خرجنا حتى ما كان في الناس أحبّ إلينا من رجل دخلنا عليه" الحديث، قال صاحب التحرير: الوفد الجماعة المختارة من القول ليتقدموهم في لُقِيّ العظماء والمصير إليهم في المهمات واحدهم وافد ذكره النووي في شرح مسلم. قوله: "وما في الناس أبغض إلينا من رجل نلج عليه" الولوج هو الدخول. قوله "فقال قائل منا يا رسول اللَّه ألا سألت ربك ملكا كملك سليمان. قال: فضحك رسول اللَّه ﷺ " الحديث. ضحكه ﷺ كان تبسما. قوله ﷺ : "وإن اللَّه أعطاني دعوة فاختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة" الحديث. اعلم أن المراد بالشفاعة العظمى وهي التي تكون في المحشر [ويفزع] إليه الخلائق [بسببها] بها إراحتهم من طول القيام لتعجيل حسابهم وهي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا

стр. 10118

مَحْمُودًا﴾ (١) فهذه خاصة بالنبي ﷺ لا خلاف فيها ولا تُنكرها المعتزلة وهذه الشفاعة هي العامة التي يحمده عليها الأولون والآخرون وهي خاصة به ﷺ كما تقدّم. والنبي ﷺ له خمس شفاعات، ذكرها النووي (٢) وغيره، أحدها هذه الثانية: الشفاعة في إدخال قوم الجنة بغير حساب ولا عقاب، وهذه أيضًا ثابتة له ﷺ . الثالثة: الشفاعة لقوم قد استوجوا النار فيشفع فيهم نبينا محمد ﷺ ومن يشاء اللَّه تعالى. الرابعة: الشفاعة في إخراج قوم من النار بعد دخولها، فقد صح فيها عدم الاختصاص، فقد جاءت الأحاديث بإخراجهم من النار بشفاعة نبينا محمد ﷺ والملائكة وإخوانهم من المؤمنين ثم يخرج اللَّه كل من قال لا إله إلا اللَّه كما جاء في الحديث: لا يبقى إلا الكافرون، وتقدم ذلك قريبا. الخامسة: الشفاعة بعد دخول الجنة في زيادة الدرجات لأهلها وهذه لا ينكرها المعتزلة ولا ينكرون أيضًا شفاعة المحشر الأولى وأثبت القرطبي في التذكرة (٣) شفاعة سادسة وهي شفاعته ﷺ في عمه أبي طالب في تخفيف العذاب عنه حين يصير في ضحضاح من النار ولولا ذلك لكان في الدرك الأسفل من النار. وأثبت بعضهم شفاعة سابعة وهي شفاعته ﷺ في أطفال الكفرة، وروى صاحب الفائق في اللفظ الرائق أنه ﷺ يشفع في أقاربه فتكون ثامنة. وذكر بعضهم أن من زاره أو رآى

стр. 10119

قبره تناله شفاعته فتكون تاسعة، قاله القاضي عياض (١) لحديث الترمذي في ذلك ولشفاعة أخرى عاشرة في صلحاء المؤمنين أن يتجاوز عن تقصيرهم في الطاعات. قال القاضي عياض (٢): وقد عرف بالنقل المستفيض سؤال السلف الصالح شفاعة نبينا ﷺ ورغبتهم فيها وعلى هذا لا يلتفت إلى قول من قال إنه يكره يعني للإنسان أن يسأل اللَّه تعالى أن يرزقه شفاعة النبي ﷺ لكونها لا تكون إلا للمذنبين فإنها قد تكون لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات كما تقدم في ذكر [الشفاعة ثم كل عاقل] معترف بالتقصير محتاج إلى [العفو] غير معتد بعلمه مشفق من أن يكون من [الهالكين] ويلزم هذا القائل أن لا يدعو بالمغفرة والرحمة لأصحاب الذنوب وهذا كله خلاف ما عرف من دعاء السلف والخلف، ا هـ. وقال في حادي القلوب إلى لقاء المحبوب: ومما يجلبه الموت على الإسلام تكرر الشفاعات من النبي ﷺ فيشفع الشفاعة العامة أولا فيشفع وهي الشفاعة في فصل القضاء كما تقدم أولا ثم يشفع ﷺ بقية جميع الشفاعات ومنها الشفاعة عند تطاير الكتب ومنها الشفاعة عند الميزان ومنها الشفاعة على الصراط ومنها الشفاعة عند الحوض والشفاعة في المذنبين المستوجبين النار فلا يدخلونها والشفاعة في آخرين دخلوا النار فيخرجون منها ويدخلون الجنة [وشفاعته] ﷺ على

стр. 10120

التفصيل لا تحصى كثرة وهذه الشفاعات كلها واقعة بحمد اللَّه تعالى للمؤمنين وإنما شفاعة رسول اللَّه ﷺ [لمن أوبق نفسه] (١) فاشرح صدرك بالرجاء حقق اللَّه لي ولك ما ترجوه وتأمل حالك فأسوأ أحوالك أن تكون من الذين أوبقوا أنفسهم وفيهم يشفع رسول اللَّه ﷺ وهو الشفيع المقبول الذي لا ترد شفاعته وللَّه الحمد والمنة على ذلك، ا هـ. فائدة: قد ورد حديث الشفاعة من طرق كثيرة وفي كل طريق منها فائدة لم يتضمنه الطريق الآخر فجمع بعض العلماء الطرق وأوردها لفائدتها وهي مخصوصة لسيدنا محمد ﷺ ولم يشاركه بها أحد من الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم، فمنها المقام المحمود الذي وعده ربه في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (٢) وإن ذلك ليس هو لنبي غيره ﷺ ، [ومنها أنه ﷺ أول من تنشق عنه الأرض وأن ذلك ليس هو لنبي غيره ﷺ ] (٣) ومنها أنه ﷺ أول من يُكسى من حلل الجنة وأن ذلك ليس هو لنبي غيره ﷺ ومنها أنه ﷺ أول من يركب البراق وأن ذلك ليس هو لنبي غيره ﷺ ] ومنها أنه ﷺ أول من يقرع باب الجنة فيفتح له وإن ذلك ليس هو لنبي غيره ﷺ ] (٤) ومنها أنه ﷺ أول من ينظر إلى رب العالمين

стр. 10121

جل جلاله والخلق محجوبون عن رؤيته إذ ذلك وأن ذلك ليس هو لنبي غيره ﷺ . ومنها اختصاصه ﷺ لرب العالمين أمام العرش وأن ذلك ليس هو لنبي غيره ﷺ . [ومنها أنه ﷺ أول من يؤذن له في الكلام فيتكلم وأن ذلك ليس هو لنبي غيره ﷺ ]، ومنها أنه ﷺ أول شفيع يشفع وأن ذلك ليس هو لنبي غيره ﷺ ، ومنها بديع ما يفتح اللَّه عليه في سجوده من تحميد ربه والثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبله ولا يفتحه على أحد بعده زيادة في كرامته وقربه ﷺ . ومنها كلام اللَّه له عليه أفضل الصلاة والسلام: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع ولا كرامة تفوق هذا إلا النظر إليه وكلامه له بلا واسطة، ومنها تكراره ﵊ في الشفاعة وقرع باب الجنة وقوله فيها وتكراره النظر إلى الجبار ﵎ وسجوده ثانية وثالثة [وتجديد] الثناء على اللَّه والتحميد له بما يفتح اللَّه ﵎ عليه من ذلك ويحدثه له في كل سجدة وكلام اللَّه ﵎ له: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع فعل المدل على ربه الكريم عليه الرفيع عنده المحب ذلك منه وتشريف له وفضيلة لم يعطها لملك مقرب ولا نبي مرسل، كلامه من غير واسطة ولا حجاب والنظر إليه ﵎ كذلك من غير حجاب وإظهار فضيلته ومنزلته عنده على رءوس الأشهاد من الأولين والآخرين والملائكة أجمعين. ومنها قبول الشفاعة في كل [ما] يشفع فيه يزيده ذلك جلالة وتعظيما عند الخلائق أجمعين، ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء [واللَّه ذو

стр. 10122

الفضل العظيم]، ومنها قيامه ﷺ عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيره فيتكلم فيسمعون ويشهدون ويصدقون إذ هو خطيب النبيين وشهيدهم وصاحب شفاعتهم وسيد الأولين والآخرين. ومنها أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأممهم [يأتونه] فيسألونه أن يشفع لهم إلى ربهم ليريحهم من غمهم وعرقهم وطول وقوفهم فيجيبه إلى ذلك ويحاسبهم وقد تبرأ منها كل نبي سئلها فيقول: لست هنالك، ويذكر عذره وتبرأ كل نبي إلى من بعده من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حتى يسلِّمها آخرهم إلى سيدنا ونبينا محمد ﷺ فيقول: أنا لها، وهي أول شفاعة، فيشفع ويضرب الصراط على متن جهنم ويوضع الميزان ويقضي اللَّه ﵎ بين خلقه. ومنها أن الأنبياء والمرسلين والملائكة صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين قد بلغ منهم الأمر منتهاه حتى يقول كل واحد منهم نفسي نفسي لا أملك اليوم غيرها ونبينا محمد ﷺ يقول: أمتي أمتي، ومنها شفاعته ﷺ في من لا حساب عليه من أمته فيقول اللَّه : يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن ثم هم شركاء الناس فيما سوى ذلك. [ومنها شفاعته ﷺ في من يؤمر به إلى النار فيشفع قبل أن يدخلها فلا يدخلها]، ومنها أنه ﷺ يشفع فيمن أدخل النار من أمته يشفع في الثلث الأول فيخرجون ثم يشفع في الثلث التاني فيشفع فيخرجون ثم يشفع في الثلث الثالث فيشفع فيخرجون فيخرج منها من عرفت صورته ثم من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان ومثقال ثلثي دينار

стр. 10123

ومثقال نصف دينار ومثقال ثلث دينار وقيراط ودانق وشعيرة وحبة وخردلة وبعوضة وذرة وأدنى أدنى أدنى حبة خردل من الإيمان إلى غير ذلك مما لم يذكره وهو ظاهر في موضعه ثم تأمله فقد اجتمع من مجموع هذه الألفاظ وشفاعته ﷺ ومقامه المحمود من أول الشفاعات إلى آخرها إلى آخر من يخرج من النار من أمته من أهل لا إله إلا اللَّه وليس هذا كله لملك مقرب ولا نبي مرسل سواه ﷺ مع فضائله التي لا يحصيها إلا اللَّه تعالى الذي فضله بها وسِوى معجزاته الخارقة للعادات في كل فن فالحمد للَّه رب العالمين الذي فضلنا بهذه النبي الكريم الرءوف الرحيم ونسأل اللَّه الرب الكريم السميع العليم أن يجعلنا متبعين لسنته عالمين عاملين بما جاء به وأن يميتنا على ذلك غير مبدلين ولا شاكين ولا مرتابين ولا مغيرين آمين آمين آمين يا رب العالمين. ذكر هذه الفضائل ابن الفرات في تاريخه وهو أربع مجلدات فيه فضائل لا تحصر. ٥٥٠٠ - وعن أبي ذر ﵁ قال قال رسول اللَّه ﷺ أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي جعلت لي الأرض طهورا ومسجدا وأحلت لي الغنائم ولم تحل لنبي كان قبلي ونصرت بالرعب مسيرة شهر على عدوي وبعثت إلى كل أحمر وأسود وأعطيت الشفاعة وهي نائلة من أمتي من لا يشرك باللَّه شيئا. رواه البزار (١) وإسناده جيد إلا أن فيه انقطاعا والأحاديث من هذا النوع

стр. 10124

كثيرة جدا في الصحاح وغيرها. قوله: "وعن أبي ذر" أبو ذر ﵁ قد اختلف في اسمه اختلافا شديدا وأصح ما قيل فيه: جندب بن جنادة وقيل: جندب بن عبد اللَّه [وقيل: جند] (١) بن سكين وقيل غير ذلك وقيل في كنيته: أبو الذر والأشهر: أبو ذر وهو جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد [اللَّه] بن حرام بن غفار وأمه اسمها: رملة وهي غفارية أيضًا وهو قديم الإسلام، أسلم رابع أربعة وقيل خامس خمسة ثم انصرف إلى بلاده إلى أن قدم على النبي ﷺ المدينة بعد بدر وأحد والخندق فلما رآه قال: أنت أبو نملة. قال أبو ذر، قال نعم: أبو ذر، وكان أبو ذر شديد الورع روى عن النبي ﷺ أنه قال فيه: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر. وقال له رسول اللَّه ﷺ : إني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرَّن على اثنين ولا تليَّن مال يتيم. وكان ﵁ لا تأخذه في اللَّه لومة لائم، كان ﵁ يقول ما ترك الحق لأبي ذر من صديق. وكان وفاته سنة إحدى وثلاثين وقيل سنة اثنين وثلاثين وصلى عليه ابن مسعود. وتوفي بعده في ذلك العام وكان يومئذ مقبلا من الكوفة فدعي إلى الصلاة عليه فبكى ثم قال: أخي وخليلي عاش وحده ومات وحده ويبعث وحده طوبى له. قيل: وليَ ﵁ قضاء دمشق لعمر بن

стр. 10125

الخطاب ومن كلامه: اطلبوا العلم فإن عجزتم فأحبوا أهله فإن عجزتم فلا تنقصوهم. وقال: وقيل للذي لا يعلم مرة ولو شاء علمه وويل للذي يعلم ولا يعمل سبع مرات. ومن كلامه أيضًا: إياكم ودعوة اليتيم والمظلوم فإنها تسري بالليل والناس نيام وما تصدق مؤمن بصدقة أحب من موعظة يعظ بها قوما فيفترقون قد نفعهم اللَّه بها. ومن كلامه أيضًا ولعله شعر: ابن آدم [طئ] الأرض [بقدمك] فإنها عن قليل [قبرك] وإنما أنت أيام فكلما ذهب بعضك. وقيل لأبي [الذر]: ما لك لا تشعر فإن الأنصار يشعرون؟ فقال [رضي اللَّه تعالى عنه]: يريد المرء أن يعطى مناه ... ويأبى اللَّه إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى اللَّه خير ما استفادا وتقدم الكلام على بعض مناقبه رضي اللَّه تعالى عنه. قوله ﷺ : "أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي" الحديث في ذكر ذلك تعديد للفضائل التي خص النبي ﷺ بها دون سائر الأنبياء وهذا من التحدث بنعمة ربه تعالى. قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (١)، وليس ذلك من -إلى هنا انتهى اللوح ٢٠٢ - باب التطاول على الناس فإن العبد إذا نظر إلى نفسه [محتقر] وإذا نظر إلى ربه [مفتخر] وفي [ذكره] لذلك فوائد أخرى منها: إعلام الأمة بعظيم منزلته عند اللَّه تعالى وهذا نظير قوله ﷺ : أنا سيد ولد آدم ولا فخر أي ولا فخر أكمل من ذلك. قيل: تكلم بذلك لتعرف [لأمة] منزلته. قاله أبو محمد النيسابوري. وقيل: قال ذلك للتحدث [بنعمة] ربه. وقيل قال ذلك

стр. 10126

بحضرة المنافقين ليغيظهم، قاله الزمخشري في الفائق واللَّه أعلم. قوله ﷺ : "جعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا" أي لا تختص الصلاة بموضع فيها دون موضع بل تجوز الصلاة في جميعها إلا في الأماكن التي نهى الشرع عن الصلاة فيها وهي المجزرة والمقبرة والمزلبة وقارعة الطريق والحمام. والنهي في بعض هذه المواضع للتحريم مع عدم الحائل لمباشرة النجاسة ومع الحائل للكراهة لاحتواء الأرض على النجاسة، ووجه الخصوصية لهذه الأمة ثابت فإن الأمم الماضية كانوا لا يصلون إلا في بيوتهم وكنائسهم وبيعهم ولا تباح لهم الصلاة في غير ذلك من بقاع الأرض. قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ (١) وأبيحت لأمته ﷺ حيث كانوا تخفيفا عليهم، وفيه أن التيمم لم يرخص فيه لأحد من الأمم السالفة وإنما هو خصوصية خص اللَّه بها هذه الأمة تخفيفا عنها ورحمة لها وهو كذلك فله الفضل والمنة على ذلك. وتقدم الكلام على كيفية التيمم وما يتعلق بذلك في أحاديث الباب. قوله ﷺ : "وأحلت لي الغنائم ولم تحل لنبي كان قبلي" لاشك في أنها محرمة على الأمم الماضية وكانوا يجمعونها فتأتي نار من السماء فتأكلها وكذلك قربانهم، وأحلها اللَّه لهذه الأمة رفقا بها ورزقا لها لضعفها كما قال ﵇: أي عجزنا وضعفنا، فأحلها اللَّه لنا وأما كونه ﵇ أضاف ذلك إلى نفسه في هذه الرواية والأمة شركاؤه فيه تبعا له فإنه تبع فيه لفظ الآية، ويفهم

стр. 10127

من الحديث تعظيم الأمة وشرفها لشرفه ﷺ ، وتقدم الكلام على الغنيمة. قوله ﷺ : "ونُصرت بالرعب مسيرة شهر"، ومعناه أن اللَّه تعالى كان يقذف الرعب في قلوب أعدائه لتخذيلهم وورد في بعض طرق الحديث أنه كان يسير الرعب بين يديه شهرًا، معناه إذا توجه إلى وجه من الأرض ألقى اللَّه الرعب على من أمامه إلى مسيرة شهر، قاله العراقي في شرح الأحكام، وقال بعضهم أيضًا: معناه أن العدو يخافني وبيني وبينه مسافة شهر يريد من نصر اللَّه تعالى إياه. قوله ﷺ : "وبعثت إلى كل أحمر وأسود" الحديث، قيل المراد بهم العرب والعجم. وقيل المراد بالأحمر الناس وبالأسود الجن، قد ثبت في الحديث الصحيح أن طائفة من الجن آمنوا به ﷺ . ففي البخاري أن رسول اللَّه ﷺ قال: أتاني جن نصيبين ونعم الجن، فذكر الحديث بطوله. قوله ﷺ : "وأعطيت الشفاعة وهي نائلة من أمتي من لا يشرك باللَّه شيئا" وفي رواية إن شاء اللَّه تعالى. فيه إبطال مذهب المعتزلة القائلين بنفي شفاعة المصطفى ﷺ في أهل الكبائر، ففي الترمذي عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي أففيه، دلالة لمذهب أهل الحق أن من مات غير مشرك باللَّه لم يخلد في النار وإن كان عاصيا مصرا على الكبائر. قوله: "إن شاء اللَّه تعالى" فهو على جهة التبرك والامتثال لقول اللَّه : ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١)، وتقدم

стр. 10128

الكلام على تعداد الشفاعة [مبسوطًا واللَّه تعالى أعلم. ٥٥٠١ - وعن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال سافرنا مع رسول اللَّه ﷺ سفرا حتى إذا كان في الليل أرقت عيناي فلم يأتني النوم فقمت فإذا ليس في العسكر دابة إلا واضع خده إلى الأرض وأرى وقع كُلُّ شيء في نفسي فقلت لآتين رسول اللَّه ﷺ فلأكلأنه الليلة حتى أصبح فخرجت أتخلل الرجال حتى خرجت من العسكر فإذا أنا بسواد فتيممت ذلك السواد فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل فقالا لي ما الذي أخرجك فقلت الذي أخرجكما فإذا نحن بغيضة منا غير بعيدة فمشينا إلى الغيضة فإذا نحن نسمع فيها كدوي النحل وكخفيق الرياح فقال رسول اللَّه ﷺ ههنا أبو عبيدة بن الجراح قلنا نعم قال ومعاذ بن جبل قلنا نعم قال وعوف بن مالك قلنا نعم فخرج إلينا رسول اللَّه ﷺ لا نسأله عن شيء ولا يسألنا عن شيء حتى رجع إلى رحله فقال ألا أخبركم بما خيرني ربي آنفا قلنا بلى يا رسول اللَّه قال خيرني بين أن يدخل ثلثي أمتي الجنة بغير حساب ولا عذاب وبين الشفاعة قلنا يا رسول اللَّه ما الذي اخترت قال اخترت الشفاعة قلنا جميعا يا رسول اللَّه اجعلنا من أهل شفاعتك قال إن شفاعتي لكل مسلم رواه الطبراني (١) بأسانيد

стр. 10129

أحدها جيد وابن حبان في صحيحه (١) بنحوه إلا أن عنده الرجلين معاذ بن جبل وأبا موسى وهو كذلك في بعض روايات الطبراني وهو المعروف وقال ابن حبان في حديثه فقال معاذ ﵁ بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه قد عرفت منزلتي فاجعلني منهم قال أنت منهم. قال عوف بن مالك وأبو موسى يا رسول اللَّه قد عرفت أنا تركنا أموالنا وأهلينا وذرارينا نؤمن باللَّه ورسوله فاجعلنا منهم قال أنتما منهم. قال فانتهينا إلى القوم فقال النبي ﷺ أتاني آت من ربي فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فقال القوم يا رسول اللَّه اجعلنا منهم فقال أنصتوا فأنصتوا حتى كأن أحدا لم يتكلم فقال رسول اللَّه ﷺ هي لمن مات لا يشرك باللَّه شيئا. قوله: "وعن عوف بن مالك"، مات عوف هذا بالشام سنة ثلاث وسبعين. قوله رضي اللَّه تعالى عنه: "سافرنا مع رسول اللَّه ﷺ سفرا حتى إذا كان في الليل أرقت عيناي"، الأرق هو السهر، وقد أرقت بالكسر أي سهرت. قوله: "وأرى وقع كل شيء في نفسي"، أُرى بضم الهمزة ومعناه أظن، ووقع الشيء حسنه،. . . قوله رضي اللَّه تعالى عنه: "فقلت لآتين رسول اللَّه ﷺ فلأكلأنه الليلة"، الحديث، أكلؤه أي أحفظه وأحرسه، قوله رضي اللَّه تعالى عنه: "حتى خرجت من العسكر فإذا أنا بسواد فتيممت ذلك السواد"، أي قصدت ذلك السواد. قوله رضي اللَّه تعالى عنه: "فخرجت أتخلل"، أي يصيرون خلالها بينها ووسطها، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ

стр. 10130

خِلَالِهِ﴾ (١)، ومنه: أرى الفتن خلال بيوتكم، أي أثناءها وما بينها واحدها خلل، قاله عياض رحمه اللَّه تعالى (٢). قوله رضي اللَّه تعالى عنه: "فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل فقالا لي: ما الذي أخرجك؟ فقلت: الذي أخرجكما"، تقدم الكلام على مناقبهما رضي اللَّه تعالى عنهما، ومن بعض مناقب معاذ أيضًا قال رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم: "أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل"، وكان أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم إذا تحدثوا وفيهم معاذ هابوه، وكان يتهجد من الليل ويقول: اللهم قد نامت العيون وغارت النجوم وأنت حيّ قيوم، اللهم طلبي من الجنة بطيء، وهربي من النار ضعيف. وكان رضي اللَّه تعالى عنه كريما جوادا سخيا، ومناقبه كثيرة مشهورة. قوله رضي اللَّه تعالى عنه: "فإذا نحن بغيضة" الحديث، الغيضة الأجمّة، وهو مغيض ماء يجتمع فينبت فيه الشجرة، والجمع غياض وأغياض. قوله رضي اللَّه تعالى عنه: "كدوي النحل"، دوي الشيء حفيفه، وهو بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء على المشهور، وحكي ضم الدال وهو بعد الصوت في الهواء وعلوه ومعناه صوت شديد لا يفهم منه شيء كدوي النحل. قوله رضي اللَّه تعالى عنه: "حتى رجع إلى رحله" الحديث، رحل الإنسان هو منزل الرجل ومأواه.

стр. 10131

٥٥٠٢ - وعن سلمان ﵁. قال: تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين ثم تدنى من جماجم الناس. قال: فذكر الحديث، قال: فيأتون النبي ﷺ فيقولون: يا نبي اللَّه أنت الذي فتح اللَّه لك، وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وقد ترى ما نحن فيه فاشفع لنا إلى ربك، فيقول: أنا صاحبكم، فيخرج يجوس بين الناس حتى ينتهي إلى باب الجنة، فيأخذ بحلقة في الباب من ذهب فيقرع الباب فيقول: من هذا؟ فيقول: محمد، فيفتح له حتى يقوم بين يدي اللَّه فيسجد فينادي: ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع فذلك المقام المحمود. رواه الطبراني (١) بإسناد صحيح. قوله ﷺ : "تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين ثم تدنى من جماجم الناس" آنفا قريبا، قوله صلى اللَّه تعالى عليه وسلم: "فيأتون النبي ﷺ فيقولون: يا نبي اللَّه أنت الذي فتح اللَّه لك، وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وقد ترى ما نحن فيه فاشفع لنا إلى ربك"، تقدم الكلام على الشفاعة، قوله: "وعن سلمان"، تقدم الكلام على مناقبه مبسوطا رضي اللَّه تعالى عنه. ومن بعض مناقبه أيضًا أنه اشترى وسقا من طعام فقال زيد بن حرجان: تفعل
следующие страницы →