← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 10127–10166 · переход к 10132.

стр. 10127

من الحديث تعظيم الأمة وشرفها لشرفه ﷺ ، وتقدم الكلام على الغنيمة. قوله ﷺ : "ونُصرت بالرعب مسيرة شهر"، ومعناه أن اللَّه تعالى كان يقذف الرعب في قلوب أعدائه لتخذيلهم وورد في بعض طرق الحديث أنه كان يسير الرعب بين يديه شهرًا، معناه إذا توجه إلى وجه من الأرض ألقى اللَّه الرعب على من أمامه إلى مسيرة شهر، قاله العراقي في شرح الأحكام، وقال بعضهم أيضًا: معناه أن العدو يخافني وبيني وبينه مسافة شهر يريد من نصر اللَّه تعالى إياه. قوله ﷺ : "وبعثت إلى كل أحمر وأسود" الحديث، قيل المراد بهم العرب والعجم. وقيل المراد بالأحمر الناس وبالأسود الجن، قد ثبت في الحديث الصحيح أن طائفة من الجن آمنوا به ﷺ . ففي البخاري أن رسول اللَّه ﷺ قال: أتاني جن نصيبين ونعم الجن، فذكر الحديث بطوله. قوله ﷺ : "وأعطيت الشفاعة وهي نائلة من أمتي من لا يشرك باللَّه شيئا" وفي رواية إن شاء اللَّه تعالى. فيه إبطال مذهب المعتزلة القائلين بنفي شفاعة المصطفى ﷺ في أهل الكبائر، ففي الترمذي عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي أففيه، دلالة لمذهب أهل الحق أن من مات غير مشرك باللَّه لم يخلد في النار وإن كان عاصيا مصرا على الكبائر. قوله: "إن شاء اللَّه تعالى" فهو على جهة التبرك والامتثال لقول اللَّه : ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١)، وتقدم

стр. 10128

الكلام على تعداد الشفاعة [مبسوطًا واللَّه تعالى أعلم. ٥٥٠١ - وعن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال سافرنا مع رسول اللَّه ﷺ سفرا حتى إذا كان في الليل أرقت عيناي فلم يأتني النوم فقمت فإذا ليس في العسكر دابة إلا واضع خده إلى الأرض وأرى وقع كُلُّ شيء في نفسي فقلت لآتين رسول اللَّه ﷺ فلأكلأنه الليلة حتى أصبح فخرجت أتخلل الرجال حتى خرجت من العسكر فإذا أنا بسواد فتيممت ذلك السواد فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل فقالا لي ما الذي أخرجك فقلت الذي أخرجكما فإذا نحن بغيضة منا غير بعيدة فمشينا إلى الغيضة فإذا نحن نسمع فيها كدوي النحل وكخفيق الرياح فقال رسول اللَّه ﷺ ههنا أبو عبيدة بن الجراح قلنا نعم قال ومعاذ بن جبل قلنا نعم قال وعوف بن مالك قلنا نعم فخرج إلينا رسول اللَّه ﷺ لا نسأله عن شيء ولا يسألنا عن شيء حتى رجع إلى رحله فقال ألا أخبركم بما خيرني ربي آنفا قلنا بلى يا رسول اللَّه قال خيرني بين أن يدخل ثلثي أمتي الجنة بغير حساب ولا عذاب وبين الشفاعة قلنا يا رسول اللَّه ما الذي اخترت قال اخترت الشفاعة قلنا جميعا يا رسول اللَّه اجعلنا من أهل شفاعتك قال إن شفاعتي لكل مسلم رواه الطبراني (١) بأسانيد

стр. 10129

أحدها جيد وابن حبان في صحيحه (١) بنحوه إلا أن عنده الرجلين معاذ بن جبل وأبا موسى وهو كذلك في بعض روايات الطبراني وهو المعروف وقال ابن حبان في حديثه فقال معاذ ﵁ بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه قد عرفت منزلتي فاجعلني منهم قال أنت منهم. قال عوف بن مالك وأبو موسى يا رسول اللَّه قد عرفت أنا تركنا أموالنا وأهلينا وذرارينا نؤمن باللَّه ورسوله فاجعلنا منهم قال أنتما منهم. قال فانتهينا إلى القوم فقال النبي ﷺ أتاني آت من ربي فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فقال القوم يا رسول اللَّه اجعلنا منهم فقال أنصتوا فأنصتوا حتى كأن أحدا لم يتكلم فقال رسول اللَّه ﷺ هي لمن مات لا يشرك باللَّه شيئا. قوله: "وعن عوف بن مالك"، مات عوف هذا بالشام سنة ثلاث وسبعين. قوله رضي اللَّه تعالى عنه: "سافرنا مع رسول اللَّه ﷺ سفرا حتى إذا كان في الليل أرقت عيناي"، الأرق هو السهر، وقد أرقت بالكسر أي سهرت. قوله: "وأرى وقع كل شيء في نفسي"، أُرى بضم الهمزة ومعناه أظن، ووقع الشيء حسنه،. . . قوله رضي اللَّه تعالى عنه: "فقلت لآتين رسول اللَّه ﷺ فلأكلأنه الليلة"، الحديث، أكلؤه أي أحفظه وأحرسه، قوله رضي اللَّه تعالى عنه: "حتى خرجت من العسكر فإذا أنا بسواد فتيممت ذلك السواد"، أي قصدت ذلك السواد. قوله رضي اللَّه تعالى عنه: "فخرجت أتخلل"، أي يصيرون خلالها بينها ووسطها، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ

стр. 10130

خِلَالِهِ﴾ (١)، ومنه: أرى الفتن خلال بيوتكم، أي أثناءها وما بينها واحدها خلل، قاله عياض رحمه اللَّه تعالى (٢). قوله رضي اللَّه تعالى عنه: "فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل فقالا لي: ما الذي أخرجك؟ فقلت: الذي أخرجكما"، تقدم الكلام على مناقبهما رضي اللَّه تعالى عنهما، ومن بعض مناقب معاذ أيضًا قال رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم: "أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل"، وكان أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم إذا تحدثوا وفيهم معاذ هابوه، وكان يتهجد من الليل ويقول: اللهم قد نامت العيون وغارت النجوم وأنت حيّ قيوم، اللهم طلبي من الجنة بطيء، وهربي من النار ضعيف. وكان رضي اللَّه تعالى عنه كريما جوادا سخيا، ومناقبه كثيرة مشهورة. قوله رضي اللَّه تعالى عنه: "فإذا نحن بغيضة" الحديث، الغيضة الأجمّة، وهو مغيض ماء يجتمع فينبت فيه الشجرة، والجمع غياض وأغياض. قوله رضي اللَّه تعالى عنه: "كدوي النحل"، دوي الشيء حفيفه، وهو بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء على المشهور، وحكي ضم الدال وهو بعد الصوت في الهواء وعلوه ومعناه صوت شديد لا يفهم منه شيء كدوي النحل. قوله رضي اللَّه تعالى عنه: "حتى رجع إلى رحله" الحديث، رحل الإنسان هو منزل الرجل ومأواه.

стр. 10131

٥٥٠٢ - وعن سلمان ﵁. قال: تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين ثم تدنى من جماجم الناس. قال: فذكر الحديث، قال: فيأتون النبي ﷺ فيقولون: يا نبي اللَّه أنت الذي فتح اللَّه لك، وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وقد ترى ما نحن فيه فاشفع لنا إلى ربك، فيقول: أنا صاحبكم، فيخرج يجوس بين الناس حتى ينتهي إلى باب الجنة، فيأخذ بحلقة في الباب من ذهب فيقرع الباب فيقول: من هذا؟ فيقول: محمد، فيفتح له حتى يقوم بين يدي اللَّه فيسجد فينادي: ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع فذلك المقام المحمود. رواه الطبراني (١) بإسناد صحيح. قوله ﷺ : "تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين ثم تدنى من جماجم الناس" آنفا قريبا، قوله صلى اللَّه تعالى عليه وسلم: "فيأتون النبي ﷺ فيقولون: يا نبي اللَّه أنت الذي فتح اللَّه لك، وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وقد ترى ما نحن فيه فاشفع لنا إلى ربك"، تقدم الكلام على الشفاعة، قوله: "وعن سلمان"، تقدم الكلام على مناقبه مبسوطا رضي اللَّه تعالى عنه. ومن بعض مناقبه أيضًا أنه اشترى وسقا من طعام فقال زيد بن حرجان: تفعل

стр. 10132

هذا وأنت صاحب رسول اللَّه ﷺ . فقال: إن النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت وتفرغت للعبادة ويئس منها الوسواس. قاله ابن الفرات في تاريخه. قوله رضي اللَّه تعالى: "ثم تدنى"، أي تقرب، والدنوُّ هو القرب. قوله: "فيقول: أنا صاحبكم"، الحديث، هذا مما اختلف العلماء في معناه. قال القاضي عياض (١): قيل المتقدم ما كان قبل النبوة، والمتأخر ما عصمك بعدها، يكون المراد الغفران لبعضهم أو سلامتهم من الخلود في النار، وقيل المراد ما وقع منه ﷺ عن سهو أو تأويل، حكاه الطبراني واختاره القشيري، وقيل ما تقدم لأبيك آدم ﵊ وما تأخر من ذنوب أمتك، وقيل المراد أنه مغفور ذلك غير مؤاخذ بذنب لو كان، وقيل هو تنزيه له من الذنوب، واللَّه أعلم. قوله: "فيخرج يجوس"، أي يطؤهم، قوله: "حتى ينتهي إلى باب الجنة. . . فيقرع الباب فيقول من هذا فيقول: محمد"، الحديث، تقدم الكلام على إطلاقه في مواضع من هذا التعليق. وقرع الباب هو دقه، وفي رواية: "فآخذ بحلقة الباب فأقعقعها"، أي أحركها لتصوت، وهذا تصريح في أنها حلقة حسية تقعقع وتحرك. قوله: "فينادي ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع فذلك المقام المحمود" الحديث، اشفع تشفع، أي تقبل شفاعتك. ٥٥٠٣ - وعن أنس ﵁ قال: حدثني رسول اللَّه ﷺ قال: إني لقائم أنتظر أمتي تعبر إذ جاء عيسى ﵇ قال: فقال هذه الأنبياء قد جاءتك يا محمد

стр. 10133

يسألون، أو قال: يجتمعون إليك يدعون اللَّه أن يفرق بين جمع الأمم إلى حيث يشاء لعظم ما هم فيه، فالخلق ملجمون في العرق، فأما المؤمن فهو عليه كالزكمة، وأما الكافر فيتغشاه الموت، قال يا عيسى: انتظر حتى أرجع إليك: قال: وذهب نبي اللَّه ﷺ فقام تحت العرش فلقي ما لم يلق ملك مصطفى، ولا نبي مرسل، فأوحى اللَّه إلى جبريل ﵇ أن اذهب إلى محمد فقل له: ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع. قال: فشفعت في أمتي أن أخرج من كل تسعة وتسعين إنسانا واحدا. قال: فما زلت أتردد على ربي فلا أقوم فيه مقاما إلا شفعت حتى أعطاني اللَّه من ذلك أن قال: أدخل من أمتك من خلق اللَّه من شهد أن لا إله إلا اللَّه يوما واحدا مخلصا ومات على ذلك. رواه أحمد (١) ورواته محتج بهم في الصحيح. قوله رحمه اللَّه تعالى: "وعن أنس" تقدم الكلام عليه رضي اللَّه تعالى عنه. قوله صلى اللَّه تعالى عليه وسلم: "إني لقائم أنتظر أمتي تعبر إذ جاء عيسى ﵇"، الحديث إلى أن قال: "أدخل من أمتك من خلق اللَّه من شهد أن لا إله إلا اللَّه يوما واحدا مخلصا ومات على ذلك". ٥٥٠٤ - وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاصي ﵄ قال قال رسول اللَّه ﷺ يدخل من أهل هذه القبلة النار من لا يحصي عددهم إلا اللَّه بما عصوا اللَّه

стр. 10134

واجترؤوا على معصيته وخالفوا طاعته فيؤذن لي في الشفاعة فأثني على اللَّه ساجدا كما أثني عليه قائما فيقال لي ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع" رواه الطبراني في الكبير (١) والصغير بإسناد حسن (٢). قوله: "وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاصي"، تقدم الكلام على ترجمته رضي اللَّه تعالى عنه. قوله ﷺ : "فيؤذن لي في الشفاعة. . . " الحديث، وفي رواية: "فيأتوني فأستأذن على ربي فيؤذن لي". قال القاضي عياض (٣): معناه واللَّه أعلم: فيؤذن لي في الشفاعة الموعود بها والمقام المحمود الذي ادخره تعالى له وأعلمه أنه سبحانه يبعثه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم فيه. ٥٥٠٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال سألت رسول اللَّه ﷺ قلت يا رسول اللَّه ماذا رد إليك ربك في الشفاعة قال والذي نفس محمد بيده لقد ظننت أنك أول من يسألني عن ذلك من أمتي لما رأيت من حرصك على العلم والذي نفس محمد بيده لما يهمني من انقصافهم على أبواب الجنة أهم عندي من تمام شفاعتي لهم وشفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا اللَّه مخلصا وأن محمدا

стр. 10135

رسول اللَّه يصدق لسانه قلبه وقلبه لسانه رواه أحمد (١) وابن حبان في صحيحه (٢). قوله: "وعن أبي هريرة"، اختلف في اسمه اختلافا شديدا، حتى أفرد له بعض الحفاظ جزءا نقل فيه أقوال العلماء منسوبا كل قول منها إلى قائله: فقيل فيه: عمير بن عامر، وقيل: عبيد اللَّه بن عامر، وقيل: عبد سهم بن عامل، وقيل عبد اللَّه بن عبد شمس، وقيل عبد اللَّه بن عبد العزى، وقيل: عبد الرحمن بن عمر، وقيل: عبد الرحمن بن صخر، وروي عنه أنه قال: كان اسمي في الجاهلية: عبد شمس، فسميت في الإسلام عبد الرحمن. وقال الحاكم في كتاب الكنى: أصح ما قيل فيه عندنا عبد الرحمن بن صخر، وهذا الذي قاله الحاكم هو أشهر ما قيل فيه، واشتهر بكنيته. روي عنه أنه قال: كنت أحمل هرة في كمي، فرآني رسول اللَّه ﷺ ، فقال: ما هذه؟ قيل: هرة. فقال: يا أبا هريرة. وهو دوسي، ودوس هو ابن عدنان، أسلم أبو هريرة عام خيبر، وشهدها مع رسول اللَّه ﷺ ، وكان رجلًا فقيرًا يصحب رسول اللَّه ﷺ بشبع بطنه، يدور معه حيث دار، لذلك كثرت روايته رضي اللَّه تعالى عنه،

стр. 10136

فإنه كان يشهد ما لا يشهده المتاجرون لاشتغالهم بتجاراتهم، وما لا يشهده الأنصار لاشتغالهم بحوائطهم، ويشهد له رسول اللَّه ﷺ بالحرص على الحديث، أمره صلى اللَّه تعالى عليه وسلم أن يبسط رداءه ثم قال له: ضُمَّه، قال: فضممته فما نسيت شيئا بعدُ، روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل من صاحبٍ وتابعي، انتهى، قاله ابن الفرات في تاريخه. قوله صلى اللَّه تعالى عليه وسلم: "من انقصافهم" الحديث، أي ازدحامهم ودفعهم، وكله بمعنى الازدحام، يعني استسعادهم بدخول الجنة، وأن يتم لهم ذلك أهم عندي من أن أبلغ أنا منزلة الشافعين المشفعين لأن قبول شفاعته كرامة له فوصولهم إلى مبتغاهم آثر عنده من نيل هذه الكرامة لفرط شفقته على أمته. وفي الحديث: "أنا والنبيون فراط لقاصفين"، وفي رواية: "فراط القاصفين"، هم الذين يزدحمون حتى يقصف بعضهم بعضا، من القصف: الكسر والدفع الشديد لفرط الزحام، يريد أنهم يتقدمون الأمم إلى الجنة، وهم على أثرهم] (١) بدارا متتابعين ومزدحمين ومنه الحديث لما يهمني إلخ ذكره في النهاية (٢) في باب القاف مع الصاد. ٥٥٠٦ - وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال أصبح رسول اللَّه ﷺ ذات يوم فصلى الغداة ثم جلس حتى إذا كان من الضحى ضحك رسول اللَّه ﷺ وجلس مكانه حتى صلى الأولى والعصر والمغرب كل ذلك لا يتكلم حتى

стр. 10137

صلى العشاء الآخرة ثم قام إلى أهله فقال الناس لأبي بكر ﵁ سل رسول اللَّه ﷺ ما شأنه صنع اليوم شيئا لم يصنعه قط فقال نعم عرض علي ما هو كائن من أمر الدنيا والآخرة فجمع الأولون والآخرون بصعيد واحد حتى انطلقوا إلى آدم ﵇ والعرق يكاد يلجمهم فقالوا يا آدم أنت أبو البشر اصطفاك اللَّه اشفع لنا إلى ربك فقال قد لقيت مثل الذي لقيتم انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم إلى نوح ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ (١) فينطلقون إلى نوح ﵇ فيقولون اشفع لنا إلى ربك فأنت أصطفاك اللَّه واستجاب لك في دعائك فلم يدع على الأرض من الكافرين ديارا فيقول ليس ذاكم عندي فانطلقوا إلى إبراهيم فإن اللَّه اتخذه خليلا فينطلقون إلى إبراهيم ﵇ فيقول ليس ذاكم عندي فانطلقوا إلى موسى فإن اللَّه كلمه تكليما فينطلقون إلى موسى ﵇ فيقول ليس ذاكم عندي ولكن انطلقوا إلى عيسى ابن مريم فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى فيقول عيسى ليس ذاكم عندي ولكن انطلقوا إلى سيد ولد آدم فإنه أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة انطلقوا إلى محمد فليشفع لكم إلى ربكم قال فينطلقون إلي وآتي جبريل فيأتي جبريل ربه فيقول ائذن له وبشره بالجنة قال فينطلق به جبريل فيخر ساجدًا قدر جمعة ثم يقول اللَّه ﵎ يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع واشفع تشفع فيرفع رأسه فإذا نظر إلى ربه خر ساجدا قدر جمعة أخرى فيقول اللَّه يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع فيذهب ليقع ساجدا فيأخذ جبريل بضبعيه ويفتح اللَّه عليه

стр. 10138

من الدعاء ما لم يفتح على بشر قط فيقول أي رب جعلتني سيد ولد آدم ولا فخر وأول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر حتى إنه ليرد على الحوض أكثر ما بين صنعاء وأيلة ثم يقال ادعوا الصديقين فيشفعون ثم يقال ادعوا الأنبياء فيجيء النبي معه العصابة والنبي معه الخمسة والستة والنبي ليس معه أحد ثم يقال ادعوا الشهداء فيشفعون فيمن أرادوا فإذا فعلت الشهداء ذلك يقول اللَّه جل وعلا أنا أرحم الراحمين أدخلوا جنتي من كان لا يشرك بي شيئا فيدخلون الجنة ثم يقول اللَّه ﵎ انظروا في النار هل فيها من أحد عمل خيرا قط فيجدون في النار رجلا فيقال له هل عملت خيرا قط فيقول لا غير أني كنت أسامح الناس في البيع فيقول اللَّه اسمحوا لعبدي كإسماحه إلى عبيدي ثم يخرج من النار آخر فيقال له هل عملت خيرا قط فيقول لا غير أني كنت أمرت ولدي إذا مت فأحرقوني بالنار ثم اطحنوني حتى إذا كنت مثل الكحل اذهبوا بي إلى البحر فذروني في الريح فقال اللَّه لم فعلت ذلك قال من مخافتك فيقول انظر إلى ملك أعظم ملك فإن لك مثله وعشرة أمثاله فيقول لم تسخر بي وأنت الملك فذلك الذي ضحكت به من الضحى رواه أحمد (١) والبزار (٢) وأبو يعلى (٣)

стр. 10139

وابن حبان في صحيحه (١) وقال قال إسحاق يعني ابن إبراهيم هذا من أشرف الحديث وقد روى هذا الحديث عدة عن النبي ﷺ نحو هذا منهم حذيفة وأبو مسعود وأبو هريرة وغيرهم انتهى. العصابة بكسر العين الجماعة لا واحد له قاله الأخفش وقيل هي ما بين العشرة أو العشرين إلى الأربعين. قوله: "وعن أبي بكر الصديق ﵁" هو أبو بكر عبد اللَّه بن أبي قحافة عثمان ابن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ابن فهر يلتقي مع النبي ﷺ في مرة بن كعب. قال أبو عمر بن عبد البر: لم يختلفوا في اسمه واسم أبيه وإن لقب أبي بكر عتيق وتقدم الكلام على مناقبه ﵁.

стр. 10140

قوله: "حتى صلى الأولى والعصر"، الأولى هو الظهر وتقدم الكلام عليها. قوله ﷺ : "يجمع اللَّه الأولين والآخرين بصعيد واحد" الحديث، أما الصعيد فهو الأرض الواسعة المستوية. قوله: "حتى انطلقوا إلى آدم والعرق يكاد يلجمهم، فقلوا: يا آدم أنت أبو البشر اصطفاك اللَّه، اشفع لنا إلى ربك" الحديث، معنى اصطفاك اللَّه أي اختارك وآثرك بذلك. اصطفى اختار افتعل من الصفوة وهو الخالص من كل شيء. قوله: "انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم نوح" الحديث، سؤال: فإن قيل لم سمي نوحا؟ فالجواب عنه: أنه سمى نوحا لكثرة ما كان ينوح على نفسه. وقيل سبب نياحته على نفسه أنه كان ذات يوم جالسا في ناحية من الأرض فمر به كلب أجرب قد تناثر شعره وظهر جلده ونحل جسمه فنظر إليه واستقبحه، فقال: ما أقبح هذا الكلب، فناداه بلسان الآدميين: يا نوح إن كنت تحسن أو تقدر أن تخلق أحسن مني فاخلق، تعيب الصورة أو المصور؟ فندم على ذلك واستعظمه وكان ينوح على نفسه من هذه الزلة إلى آخر عمره حتى سمي نوحا لذلك، قاله أبو نصر النعيمي. نوح أول رسول بعثه اللَّه تعالى، قال أبو عبد اللَّه المازري قد ذكر المؤرخون أن إدريس ﵇ جد نوح ﵇ فإن قام دليل على أن إدريس أرسل أيضًا لم يصح قول النسابين أنه قبل نوح لإخبار النبي ﷺ عن آدم أن نوحا أول رسول بعث، وإن لم يقم دليل جاز ما قالوه وصح أن يحمل أن

стр. 10141

إدريس كان نبيا غير مرسل. قال القاضي عياض (١): [وقد] قيل إن إدريس هو إلياس وأنه كان نبيا في بني إسرائيل كما جاء في بعض الأخبار مع يوشع بن نون فإن كان هكذا سقط الاعتراض والله أعلم. قاله في الديباجة. قال القاضي عياض (٢) وبمثل هذا يسقط الاعتراض بآدم وشيث ورسالتهما إلى من معهما وإن كانا رسولين فإن آدم إنما أرسل لبنيه ولم يكونوا كفارا بل أمر بتعليمهم الإيمان وطاعة الله ولذلك خلفه شيث بعده فيهم بخلاف رسالة نوح إلى كفار أهل الأرض. قال القاضي وقد رأيت أبا الحسن بن بطال ذهب إلى آدم وليس برسول ليسلم من هذا الاعتراض وحديث أبي ذر الطويل ينص على أن آدم وإدريس رسولان هذا آخر كلام القاضي ﵀، اهـ. قوله: "انطلقوا إلى إبراهيم فإن الله اتخذه خليلا" الحديث، والخُلة بالضم [وقال القاضي عياض (٣) أصل الخلة الاختصاص [والاستصفاء، وقيل] أصلها الانقطاع إلى من خاللت مأخوذ من الخَلّة وهي الحاجة فسمي إبراهيم بذلك لأنه قصر حاجته على ربه ، هذا كلام القاضي. قال ابن الأنباري: الخليل معناه المحب الكامل المحبة والمحبوب الموفي بحقيقة المحبة اللذان ليس في حبهما نقص ولا خلل. قال

стр. 10142

[الواحدي:] هذا القول هو [المختار] لأن الله تعالى خليل إبراهيم ﵇ وإبراهيم ﵇ خليل الله ولا يجوز أن يقال الله خليل إبراهيم من الخلة التي هي الحاجة والله أعلم. [تنبيه: والخلة] (١)] (٢) الصداقة والمحبة التي تخللت القلب فصارت خلاله أي في باطنه، والخليل الصديق وإنما قال ذلك لأن خلقه كانت مقصورة على حب الله تعالى فليس فيها لغيره متسع ولا شركة من محاب الدنيا والآخرة وهذه حال شريفة لا ينالها أحد بكسب واجتهاد فإن الطباع غالبة وإنما يخص الله بها من يشاء من عباده مثل سيد المرسلين ومن جعل الخليل مشتقًّا من الخلة وهي الحاجة والفقر أراد إنني أبرأ من الاعتماد والافتقار إلى أحد غير الله تعالى. سؤال: فإن قيل [ما] الحكمة في أن الله اتخذه خليلًا، فالجواب عنه من وجوه: أحدها: أن الله تعالى اتخذه خليلا لما روي في الخبر أنه قال اتخذتك خليلًا لأنك قائم بين يدي وقلبك لا يغفل عني فأنت على كل حال لا تنساني. الثاني: اتخذه خليلًا لما روي أن إبراهيم ﵊ قال اتخذني خليلا لثلاثة أشياء أحدها أني [ما] أهتم لما تكفل لي وما خيرت بين شيئين

стр. 10143

إلا اخترت ما لله فيه رضى. الثالث: ما تغذيت ولا تعشيت إلا مع الضيف. الرابع: اتخذه خليلا لأنه ابتلاه بأربعة أشياء، بالنفس والولد والمال والقلب، فسلم نفسه إلى النيران وولده إلى القربان وقلبه إلى الرضوان وماله إلى الضيفان فلذلك اتخذه خليلا. الخامس وهو أحسن ما قيل في هذا الباب أنه اتخذه خليلا لأنه لم ينظر بسرّه إلى غيره طرفة عين فأوحى الله إليه أنت خليلي وأنا خليلك، قاله أبو نصر النعيمي أيضًا. سؤال أيضًا: فإن قيل ما الفرق بين الحبيب والخليل؟ فالجواب عنه من وجوه: الأول أن الحبيب والخليل كلاهما واحد والدليل عليه أن الله أول حرف الخليل وأول حرف الحبيب الحاء ثم أثنى على الخليل بحرف الحاء فقال: ﴿لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (١)، وأثنى على الحبيب بحرف الخاء فقال: ﴿[وَإِنَّكَ] (٢) لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (٣)، وأشار بهذا أن الحبيب خليل والخليل حبيب. وقال بعضهم: أن الخلة خاصة والمحبة عامة كما أن النبوءة خاصة والرسالة عامة، فكما أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا فكذلك

стр. 10144

كل حبيب خليل وليس كل خليل حبيبًا. الثاني: أن يقال الفرق بين الخليل والحبيب أن الخليل أقسم بالله فقال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (١)، والحبيب أقسم الله به فقال: لعمرك. الثالث: أن الخليل كانت مغفرته في حد الطمع. قوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي﴾ (٢)، والحبيب كانت مغفرته في حد اليقين، قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ (٣). الرابع: أن الخليل قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ (٤)، والحبيب الذي قيل له [قبل] السؤال: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (٥). الخامس: الذي قال ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥)﴾ (٦) سأل وراثة الجنة، والحبيب الذي قيل له ولأمته [قبيل السؤال]: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾ (٧) الآية. السادس: الخليل الذي قال: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧)﴾ (٨)، والحبيب

стр. 10145

الذي قيل له ولأمته قبل السؤال: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ (١)، السابع: أن الخليل الذي قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ (٢)، سأل من الله تعالى الثبات على الإسلام واستعاذ بالله من عبادة عبادة الأصنام، والحبيب الذي أقرّ الله عينه بثباته وثبات أمته على الإسلام من غير سؤال، قوله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ (٣) الثَّابِتِ﴾ (٣) الآية. قاله النعيمي. أيضا سؤال أيضا، فإن قيل: ما الحكمة في أن الله صرح بخلة إبراهيم ﵊ فقال: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٤) ولم يصرح بمحبة محمد ﷺ . الجواب عنه أن يقال: إن الله تعالى وإن صرح بخلة إبراهيم فقد أشار إلى محبته ﷺ إشارة زادت على التصريح وهي أنه أخبر أن من بايعك على دينك من يومك هذا إلى يوم القيامة فهو حبيبي لأجلك، وذلك قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ [اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ﴾ (٥)، وهذا يزيد على تصريح المحبة، لأنه تعالى قال لإبراهيم ﵊: هو خليل خليلك. وقال لمحمد صلى الله تعالى عليه

стр. 10146

وسلم: كل من اتبعك فهو حبيبي لأجلك. الثاني: أن المحبة موجبة للغيرة، فمن أحبه ربه تعالى شهره وناداه عليه، ومن أحب ربه سبحانه كتمه وغار عليه، فلذلك صرح نجله إبراهيم ﵊ وكتم محبة محمد ﷺ . واختلف العلماء في عمر إبراهيم ﵊. فقال قوم: مائتا سنة، وقال آخرون: مائة سنة وخمس وتسعون سنة. وقال ابن الجوزي: قال جماعة أن إبراهيم ﵊ كان معمره مائة سنة وخمسا وسبعين سنة، وقال القرطبي في تفسيره (١): قال التستري من وفاة إبراهيم ﵊ ومن مولد النبي ﷺ نحو من ألفي سنة وستمائة سنة. انتهى ... فلما أدركت إبراهيم ﵊ الوفاة جمع أولاده، وهم يومئذة ستة: إسماعيل وإسحاق عليهما الصلاة والسلام ودعا بتابوت آدم ﵊ ففتحه فقال لهم: يا بني انظروا إلى هذا التابوت، بيوت بعدد الأنبياء كلهم أجمعين، وآخر الأبيات سيدنا نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، من ياقوتة حمراء، وإذا هو فيه قائم يصلي على يمينه الكهل المطيع مكتوب على جبينه هذا أول من يتبعه من المؤمنين وعن يساره الفاروق مكتوب على جبينه قرن من حديث لا تأخذه في الله لومة لائم، ومن ورائه ذو النورين آخذ بحجزته مكتوب على جبينه بار من البرية، والخلفاء ومن بين يديه علي بن أبي طالب شاهر سيفه وعلى عاتقه مكتوب على جبينه هذا أخوه وابن عمه المؤيد بالنصر من عند

стр. 10147

الله تعالى، وحوله عمومته والخلفاء والنقباء والكبكبة الخضراء التي قد أحدقت بها سلسلسة النصرة، وهم أنصار الله تعالى، وأنصار رسوله ﷺ ، نور حوافر دوابهم يوم القيامة مثل نور الشمس في دار الدنيا، انتهى. ذكره ابن الفرات في تاريخه، والله تعالى أعلم. قوله: "فانطلقوا إلى موسى فإن الله كلمه تكليما فينطلقون إلى موسى" الحديث، هو موسى بن عمران ﵊، هذا الكلام بإجماع أهل السنة على ظاهره وأن الله كلم موسى ﵊ حقيقة كلاما سمعه بغير واسطة ولهذا أكد بالمصدر والكلام صفة ثابتة لله لا يشبه كلام غيره، والله تعالى أعلم. قوله: "ولكن انطلقوا إلى عيسى ابن مريم" الحديث. تنبيه: ومريم أم المسيح ﵇ ورضي عنها حملت به ولها ثلاث عشرة سنة، وعاشت بعدما رفع ﵊ ستا وستين سنة، وماتت ولها مائة واثنتا عشرة سنة، وفيه اختلاف. قاله الكرماني (١). قوله: "فيقول عيسى ليس ذاكم عندي ولكن انطلقوا إلى سيد ولد آدم" الحديث، وهذا الحديث دليل لفضله ﷺ على الخلق كلهم، لأن مذهب أهل السنة أن الآدميين أفضل من الملائكة، وهو صلى الله تعالى عليه وسلم أفضل الآدميين لهذا الحديث. وقال الهروي: السيد الذي يفوق قومه في الخير. وقال غيره: هو الذي يفزع إليه في النوائب والشدائد فيقوم بأمورهم

стр. 10148

ويتحمل عنهم مكارههم ويدفعها عنهم. وأما قوله يوم القيامة مع أنهم سيدهم في الدنيا والآخرة فسبب التقييد في أن يوم القيامة سؤدده لكل أحد ولا يبقى منازع ولا معاند ونحوه بخلاف الدنيا، فقد نازعه فيها ملوك الكفار وزعماء المشركين، هذا التقييد قريب من معنى قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١) مع أن الملك له قبل ذلك، لكن كان في الدنيا من يدّعي الملك أو من يضاف إليها مجازا، فانقطع كل ذلك في الآخرة، انتهى. قوله: "انطلقوا إلى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فليشفع لكم إلى ربكم فينطلقون ... " الحديث، تقدم الإذن في الشفاعة. قوله: "ثم يقول الله ﵎ يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع"، واشفع تشفع، يعني تقبل شفاعتك. فائدة فيها بشرى: ورد في حديث: "فأقول يا رب ائذن لي في من قال لا إله إلا الله. قال: ليس ذلك إليك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله"، معناه لأتفضلن عليهم بإخراجهم بغير شفاعة. قوله: "وكبريائي"، بكسر الجيم أي عظمتي وسلطاني وقهري. قوله: "فيأخذ جبريل بضبعيه" الضبعان بفتح الضاد وسكون الباء العضدان. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "إنه ليرد على الحوض" تقدم الكلام عليهما في أحاديث الحوض مبسوطا والله تعالى أعلم. قوله: "ومعه العصابة" العصابة بكسر العين الجماعة، ولا واحد له من لفظه، قاله الأخفش. وقيل:

стр. 10149

هي ما بين العشرة أو العشرين إلى الأربعين، قاله الحافظ، وتقدم الكلام على بقية الحديث في العرض والخوف. سؤال: ما الحكمة في أن الله تعالى ألهمهم سؤال آدم ومن بعده عليهم الصلاة والسلام؟ الجواب: ألهمهم سؤال آدم ومن بعده عليهم الصلاة والسلام في الابتداء ولم يلهموا سؤال نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أولا هي إظهار لفضيلته صلى الله تعالى عليه وسلم فإنهم لو سألوه أولا لكان يحتمل أن يقال أن غيره صلى الله تعالى عليه وسلم يقدر على هذا. وأما إذا سألوا غيره من رسل الله تعالى وأصفيائه فامتنعوا ثم سألوه فأجاب وحصل غرضهم فهو النهاية في ارتفاع المنزلة وكمال القرب وعظيم الإدلال والأنس، وفيه فضيلته صلى الله تعالى عليه وسلم على جميع المخلوقين من الرسل والملائكة المقربين عليهم الصلاة والتسليم فإن هذا الأمر العظيم وهو الشفاعة العظمى لا يقدر على الإقدام عليها غيره صلى الله تعالى عليه وسلم. ٥٥٠٧ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إن لكل نبي يوم القيامة منبرا من نور وإني لعلى أطولها وأنورها فيجيء مناد ينادي أين النبي الأمي قال فتقول الأنبياء كلنا نبي أمي فإلى أين أرسل فيرجع الثانية فيقول أين النبي الأمي العربي قال فينزل محمد ﷺ حتى يأتي باب الجنة فيقرعه فيقول من فيقول محمد أو أحمد فيقال أوقد أرسل إليه فيقول نعم فيفتح له فيدخل فيتجلى له الرب ﵎ ولا يتجلى لشيء قبله فيخر لله ساجدا ويحمده بمحامد لم يحمده بها أحد ممن كان قبله ولن يحمده بها أحد ممن كان بعده

стр. 10150

فيقال له يا محمد ارفع رأسك تكلم تسمع واشفع تشفع فذكر الحديث رواه ابن حبان في صحيحه (١). قوله: "وعن أنس بن مالك" تقدم الكلام على مناقبه في مواضع رضي الله تعالى عنه. قوله رضي الله تعالى عنه: "فيجيء مناد فينادي أين النبي الأمي العربي" الحديث، قال العلماء: الأمي من لا يحسن الكتابة كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم: "إنا أمة أميّة لا نكتب ولا نحسب" نسبة إلى الأم، كأنه باق على أصل ولادتها إذ لم يتعلم كتابة الكتابين ولا حساب الحاسبين، وهو من أوصاف النبي ﷺ ، ومما يمدح به، وهي في غيره نقص بالنسبة إلى غيره، لأن الكتابة والدراسة هي الطرق الموصلة إلى العلوم التي تتشرف بها نفس الإنسان ويعظم بقدرها عادة، ولما خص الله تعالى نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم بعلوم الأولين والآخرين من غير كتابة ولا مدارسة كان ذلك خارقا للعادة في حقه، ومن أوصافه الخاصة به الدالة على صدقه التي نعت بها في الكتب القديمة، وعرف بها في الأمم السالفة، فقد صارت الأمية في حقه صلى الله تعالى وسلم من أعظم منجزاته وأفضل كراماته، وهي في حق غيره نقص ظاهر، انتهى. وقد ثبت في صحيح البخاري رحمه الله تعالى: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كتب بيده أو هو من باب المجاز أي أمر

стр. 10151

بالكتابة، نحو كسو الخليفة الكعبة أي أمر بالكسوة. سؤال أيضا: ما الحكمة في تسمية الله محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم أميا، فقال : ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ (١)؟ الجواب عنه من وجوه: أحدها: أن معناه ما ذكره الله في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ (٢) يعني لم يحسن الكتابة والقراءة. الثاني: لما خص صلى الله تعالى عليه وسلم من بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأم الكتاب وهي سورة الفاتحة، لذلك سمي أميا، يعني أعطيت أم الكتاب، الثالث: سمّاه أميا لأنه كان شفقته على المؤمنين كشفقة الأمهات على] (٣) الأولاد. الرابع: سماه أميا لأنه كان مبعوثا من أم القرى وهي مكة. قوله: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (٤) يعني مكة، اهـ. قال بعضهم في تسميته بذلك ثلاثة أقوال: أحدها لأنه على خلقة الأمة التي لم تتعلم الكتابة [فهو] على جبلته، قاله الزجاج، والثاني لأنه على ما ولدته أمه، والثالث [للنسبة] إلى أمه في الجهل بالكتابة لأن الكتابة كانت في الرجال دون النساء والله أعلم. وقال الرُشاطي في الأنساب عن بعضهم في نسبته ﷺ النبي الأمي، أنه منسوب إلى أم القرى مكة والمشهور أنه نسبة إلى أم العرب الذين لا يكتبون، قاله الزركشي، وقال ابن عباس: الأمي هو نبيكم

стр. 10152

كان أميا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب وهو منسوب إلى الأم أي هو على ما ولدته أمه. وقيل هو منسوب إلى أمته، قاله البغوي وإنما لم يكتب لأنه لو كتب لقيل إنه قرأ القرآن في صحف الأولين. وقد [بيّنه] الله تعالى بقوله: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (١). قال النيسابوري: إنما لم يكتب ولم يحسب لأنه إذا كتب أو [عقد] بالخنصر يقع ظل أصبعه وقلمه على اسمه تعالى وذكره فلما لم يفعل قال الله تعالى: [لا جرم] بعد ما لم ترد أن يكون ظلك فوق اسمي ولم ترد أن يكون [ظل العلم] على اسمي أمرت الناس أن لا يرفعوا أصواتهم فوق صوتك ولا أدع ظلك يقع على الأرض ذكر القاضي عياض (٢) أنه إنما لم يقع [له ﷺ ظل على الأرض إذا مشى في الشمس لأن نوره صلى الله تعالى عليه وسلم يغلب على نور الشمس. وقال بعض الناس: إنما لم يقع] ظله على الأرض حماية له أن يوطأ ظله بالأقدام. وقال النيسابوري، وقيل: إنما لم يكتب لئلا يشتغل بالكتابة عن الحفظ، وأيضا لو كتب لكان ينظر إلى الأسفل عند القراءة والكتابة، فقال لا تكتب يكون نظرك علويا والله أعلم. لطيفة: وكلام أهل الجنة في الجنة بالعربي وذلك أن اللسان الذي نزل به آدم ﵇ من الجنة كان عربيا لأنه كلام الله وكلام ملائكته وكلام أهل الجنة إذا صاروا إليها وكان لسان اثني عشر من الأنبياء بالعربية آدم وشيث وهود

стр. 10153

وصالح وإسماعيل وشعيب والخضر والثلاثة الذين في سورة يس كذا كذا وخالد بن سنان العبسي وسيدنا ونبينا محمد ﷺ ، قاله الكرماني (١). ٥٥٠٨ - وعن حذيفة وأبي هريرة ﵄ قالا قال رسول الله ﷺ يجمع الله ﵎ الناس قال فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله قال فيقول إبراهيم لست بصاحب ذلك إنما كنت خليلا من وراء وراء اعمدوا إلى موسى الذي كلمه الله تكليما قال فيأتون موسى فيقول لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه فيقول عيسى لست بصاحب ذلك فيأتون محمدا ﷺ فيقوم فيؤذن له وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا فيمر أولكم كالبرق قال قلت بأبي وأمي أي شيء كالبرق قال ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين ثم كمر الطير وشد الرحال تجري بهم أعمالهم ونبيكم قائم على الصراط يقول رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا قال وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج ومكدوش في النار والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعين خريفا. رواه مسلم (٢). قوله: "وعن أبي هريرة وحذيفة" تقدم الكلام عليهما ﵄. قوله ﷺ :

стр. 10154

"يجمع الله ﵎ الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة" الحديث تزلف بضم التاء وإسكان كذا ضبطه بعض شيوخنا قاله عياض ومعنا تدني وتقرب كما في قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١) أي قربت. قوله: "فيأتون آدم فيقولون يا أبانا استفتح لنا" فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم، فذكره إلى أن قال: اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله. [قال: فيقول إبراهيم لست بصاحب ذلك إنما كنت خليلا من وراءَ وراءَ، قال صاحب التحرير هذه كلمة تذكر على سبيل التواضع أي لست بتلك الدرجة الرفيعة. قال: وقد وقع لي معنى مليح فيه: وهو معناه أن المكارم التي أعطيتها كانتن بواسطة سفارة جبريل ﷺ ولكن ائتوا موسى صلوات الله وسلام عليه فإنه حصل له سماع الكلام بغير واسطة. قال: وإنما كرّر وراء وراء لكون النبي ﷺ حصل له الكلام بغير واسطة وحصلت الرؤية، فقال إبراهيم ﵇: أنا وراء موسى الذي هو وراء محمد ﷺ وعليهم أجمعين، هذا كلام صاحب التحرير. وأما ضبط وراء وراء فالمشهور فيه الفتح فيهما بلا تنوين ويجوز عند أهل العربية بناؤهما على الضم، قاله النووي في شرح مسلم (٢)] (٣).

стр. 10155

وقيل معنى: من وراء وراء أني إنما كنت متأخرا عن غيري إشارة إلى أن كمال الخلة إنما يصح لمن يصح له في ذلك اليوم المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون وذلك لم يصح ولا يصح إلا لنبينا ﵇. سؤال: سأل إبراهيم ربه فقال: يا رب لم أخرجت آدم من الجنة؟ فقال له: أما علمت أن جفاء الحبيب شديد، وأيضًا: أخرج آدم من الجنة لأن الجنة ليست بدار توبة فأراد أن يأتي للدنيا ليتوب ثم [يرده] إلى الجنة وقيل فيه إشارة وهي أن الله تعالى قال: لو [غفرت في الجنة ما تبين كرمي بأن غفرت لنفس واحدة بل أخرجه إلى الدنيا وآتي بمائة ألف عاص حتى أغفر لك ولهم ليتبين كرمي وجودي. وأيضًا علم الله أن في أصلابه الأولاد والجنة ليست بدار توالد. وأيضًا ليخرج من ظهره في الدنيا الذين لا نصيب لهم في الجنة. انتهى] (١). قوله: "اعمدوا إلى الذي كلمه الله تكليما" أي اقصدوا، وتقدم الكلام على كلام الله تعالى لموسى ﵇ في الحديث قبله. قوله: "اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه"، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ (٢) قيل له كلمة لأنه وجد بكلمة الله وروح الله لقوله تعالى: ﴿فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ (٣) ولحصول الروح فيمن

стр. 10156

أحيا من الموتى. قال الزمخشري هو كلمة الله لأنه [قد وجد بمر الله وكلمته من غير واسطة أب ونطفة وروح الله لأنه] (١) ذو روح وجد من غير جزء ومن ذي روح كالنطفة المنفصلة من الأب الحي وإنما اخترع اختراعًا من الله تعالى، اهـ. قاله الكرماني (٢). قوله: فيأتون محمدا فيقوم فيؤذن له وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا. تقدم الكلام على الأمانة والرحم [في الحوض] (٣) مبسوطًا. قوله: "وعن أبي سعيد" هو الخدري، تقدم الكلام على ترجمته. قوله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر" قال القاضي عياض رحمه الله تعالى (٤): قيل السيد هو الذي يفوق قومه، وقيل هو الذي يفوق غيره في [الجود]. وقال قوم آخرون: هو الذي يفزع إليه في الشدائد والنوائب فيقوم بأمورهم ويتحمل عنهم مكارههم ويدفعها عنهم وأما قوله [صلى الله تعالى عليه وسلم] يوم القيامة مع أنه سيدهم في الدنيا والآخرة فسبب التقييد أن في يوم القيامة يظهر سؤدده لكل أحد ولا يبقى منازع ولا معاند ونحوه بخلاف الدنيا فقد نازعه ذلك فيها ملوك الكفار وزعماء المشركين فهذا التقييد قريب

стр. 10157

من معنى قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١) مع أن الملك له قبل ذلك لكن كان [في الدنيا] (٢) من يدعي الملك أو من يضاف إليه مجازا فانقطع كل ذلك في الآخرة. قال العلماء: وقوله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم لم يقله فخرًا بل صرح بنفي الفخر في غير صحيح مسلم في الحديث المشهور: أنا سيد ولد آدم ولا فخر، يعني ولا فخر أكمل ولا أعلى من هذا الفخر، وأيضًا قوله ﷺ : "ولا فخر" أي على آبائه آدم ونوح وإبراهيم وليس هذا دعوى تعاظم وتطاول منه ﷺ على الناس وإنما هو من التحدث بنعمة الله تعالى وذلك أن العبد إذا نظر إلى ربه يفتخر وإذا نظر إلى نفسه يحتقر فالنبي ﷺ قال ذلك ناظرًا إلى نعم ربه وفي حديث آخر إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر. وفي رواية: ولا فخر، والروايتان في مسند الإمام أحمد. وقال ﷺ : أنا سيد ولد آدم ولا فخر، فإذا كان معنى قوله ﷺ : "ولا فخر" أكمل من هذا ولا أشرف فما معنى غير فخر هل معناه غير أني أفتخر بذلك؟ قلت: لا يحسن ذلك لمخالفة الرواية الأخرى لأنه ﷺ قال ذلك تحدثا بنعمة ربه ومعلما لنا بمقداره وشرفه والعبد إذا نظر إلى [ربه ] يفتخر وإنما المعنى والله أعلم غير أنه فخر عظيم وشرف لا يساويه فخر ولا شرف وهذا من باب الاستثناء [المتمم للأول والمكمل له لا من

стр. 10158

الاستثناء] (١) المخرج لشيء منه والله أعلم. قوله ﷺ : ["بيدي لواء الحمد ولا فخر" اللواء] (٢) الراية ولا يمسكها إلا صاحب الجيش يريد به انفراده ﷺ بالحمد يوم القيامة وشهرته على رءوس الخلائق. والعرب تضع اللواء موضع الشهرة وأراد ﷺ بهذا: الإخبار عما أكرمه الله تعالى به من الفضل والسؤدد وإنما قال هذا لوجهين: أحدهما امتثال قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ (٣)، والثاني أنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه إلى أمته ليعرفوه ويعتقدوه ويعملوا بمقتضاه ويوقروه و ﷺ بما تقتضي مرتبته كما أمرهم الله تعالى. قوله: "ولا فخر" الفخر ادعاء العظمة والكبر والشرف أي لا أقوله تبجحا ولكن شكرا لله تعالى وتحدثا [بنعمه]. قاله في النهاية (٤). ["ويحتمل أن النفي في قوله لا فخر في معنى النهي المصروف إلى الأمة أي لا تفاخروا بي الأنبياء مفاخرة تؤدي إلى تنقيص المفضول أو إلى مشاجرة ومحاورة كما وقع للصديق ﵁ مع اليهودي كما في الحديث الصحيح المشهور حسما لمادة الفتنة أو أن يُفضي إلى أنبياء الله وأصفيائه بمكروه، ويحتمل أنه نفي على بابه أدبًا وتواضعًا أو نفي للخبر بمعنى المفاخرة والتطاول والمراءاة والمباهاة

стр. 10159

كما هي عادة ذوي الجاهي الدنيوي، قاله كاتبه جعله الله وإياك ممن تناله شفاعة هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، والله أعلم"] (١). وفي هذا الحديث دليل [له] (٢) لتفضيله ﷺ على الخلق كلهم لأن مذهب أهل السنة أن الآدميين أفضل من الملائكة وهو ﷺ أفضل الآدميين بهذا الحديث وغيره. [قوله: "وبيدي لواء الحمد ولا فخر" واللواء الراية ولا يمسكها إلا صاحب الجيش. يحتمل أن يكون بيده لواء حقيقة يسمى لواء الحمد. ويحتمل أن يريد به انفراده يوم القيامة بالحمد وشهرته على رءوس الخلق. والعرب تضع اللواء موضع الشهرة وهو أصلها الذي وضع له، ومنه الحديث: وابعثه المقام المحمود الذي يحمده فيه جميع الخلق لتعجيل الحساب والإراحة من هول الموقف. وقيل هو الشفاعة ويلجئون فيه إليه لا أحد يدعيه ولا يشاركه فيه. وقد سماه الله محمدًا وأحمد ومحمودًا وذلك لمبالغته في حمد ربه فابتدأ كتابه بحمده. فائدة: قال ابن سبع في كتاب الخصائص: سأل عبد الله بن سلام رسول الله ﷺ على لواء الحمد ما صفته؟ قال: طوله مسيرة ألف سنة وستمائة سنة من ياقوتة حمراء وقبضته أو قال قصبته من فضة بيضاء وزجه من زمردة خضرء له ثلاث ذوائب ذؤابة بالمشرق وذؤابة بالمغرب وذؤابة طرف الدنيا.

стр. 10160

وفي نسخة: وسط الدنيا، عليه مكتوب ثلاثة أسطر: الأول: بسم الله الرحمن الرحيم. والثاني: الحمد لله رب العالمين. والثالث: لا إله إلا الله محمد رسول الله. طول كل سطر منها مسيرة ألف عام. قال: صدقت يا محمد، اهـ] (١). وأما الحديث الآخر: لا تفضلوا بين الأنبياء، فجوابه من خمسة أوجه: أحدها أنه ﷺ قاله قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، فلما علم أخبر به. والثاني: قاله أدبا وتواضعا. والثالث: أن النهي إنما هو عن تفضيل يؤدي إلى تنقص المفضول. والرابع: إنما نهى عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة والفتنة كما هو المشهور في سبب الحديث. والخامس: أن النهي مختص بالتفضيل في نفس النبوءة: فلا تفضل فيها وإنما التفاضل بالخصائص وفضائل أخرى. ولا بد من اعتقاد التفضيل فقد قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢)، قاله النووي في شرح مسلم (٣). لطيفة: تقدم أنه ﷺ أول من يركب البراق وأن ذلك ليس هو لنبي غيره. وفي حديث مطول قال فيه: فأول من يركب من القوم النبي ﷺ . وقد جمع إلى باب قصره في الجنة النبييون والصديقون والشهداء والصالحون حتى

стр. 10161

يخرج ﵊ من قصره قد لبس تسع حلل خضر خصه الله تعالى بها تاج الوقار على رأسه قضيب الملك بيده آدم وعن يمينه أبو بكر الصديق مما يلي آدم إبراهيم الخليل ﵇ على يساره عمر بن الخطاب مما يلي إبراهيم الخليل عثمان بن عفان من وراء ظهره علي بن أبي طالب على مقدمته لواء الحمد بين يديه وهو يسير في موكبه ﷺ . [صفة لواء لحمد: روي أن عبد الله بن سلام سأل رسول الله ﷺ على لواء الحمد ما صفته؟ قال ﵊: طوله مسيرة ألف سنة وستمائة سنة من ياقوتة حمراء وقصبته أو قال قبضته من فضة بيضاء وزجه من زمردة خضرء له ثلاث ذوائب ذؤابة بالمشرق وذؤابة بالمغرب وذؤابة في وسط الدنيا، عليه مكتوب ثلاثة أسطر: الأول: بسم الله الرحمن الرحيم. الثاني: الحمد لله رب العالمين. الثالث: لا إله إلا الله محمد رسول الله. طول كل سطر منها مسيرة ألف عام. انتهى] (١). قاله ابن الفرات الحنفي في تاريخه. قوله: "فيفزع الناس ثلاث فزعات فيأتون آدم" فذكر الحديث، إنما ذلك والله أعلم حين يُؤتى بالنار تجرّ أزمّتها وذلك قبل العرض والحساب على الملك الديّان فإذا نظرت إلى الخلائق فارت ونارت وشهقت إلى الخلائق وزفرت نحوهم ووثبت عليهم غضبا لغضب ربهم فيتساقط [الخلق] حينئذ على ركبهم جثاة حولها قد أسبلوا الدموع من أعينهم، ونادى الظالمون بالويل والثبور ثم تزفر الثانية فازدادوا الرعب والخوف [في القلوب] (٢) ثم تزفر الثالثة

стр. 10162

فيتساقط الخلائق لوجوههم ويشخصون بأبصارهم ينظرون من طرف خفي خوفا أن تبلغهم ويأخذهم حريقها أجارنا الله منها، قاله في التذكرة. قوله: "قال أنس فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ . قال: فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها فيقال: من هذا؟ فيقال: محمد. فيفتحون لي" الحديث، أقعقعها أي أحرّكها لتُصوِّت. والقعقعة حكاية حركة لشيء يسمع له صوت. قاله في النهاية (١). قوله: "سل تُعطَ واشفع تشفع" أي تقبل شفاعتك، وتقدم ذلك. قوله في رواية ابن ماجه: "وأنا أول شافع وأول مشفع" إنما ذكر الثاني لأنه قد يشفع اثنان فيشفّع الثاني منهما قبل الأول. فائدة: قوله ﷺ في أول الحديث: فيأتون آدم فيقولون يا آبانا استفتح لنا الجنة. فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم، لست بصاحب ذلك، وكذلك يأتون نوحا وإبراهيم وباقي الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فيطلبون منه شفاعتهم فيقولون [لسنا] هناكم ويذكرون خطاياهم إلى آخره، اعلم أن العلماء من أهل الفقه والأصول وغيرهم اختلفوا في جواز المعاصي على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقد لخص القاضي رحمه الله تعالى مقاصد المسألة فقال كلامًا طويلًا وفي آخره قال (٢): وأما المعاصي فلا خلاف أنهم معصومون من كل كبيرة، وكذلك لا خلاف أنهم معصومون من الصغائر التي تزري بفاعلها وتحط منزلته وتسقط مرءوته،

стр. 10163

واختلفوا في وقوع غيرها من الصغائر منهم فذهب معظم الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من السلف والخلف إلى جواز وقوعها منهم وحجتهم ظواهر القرآن والأخبار. وذهب جماعات من أهل التحقيق والنظر من الفقهاء والمتكلمين من أئمتنا إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر وأن منصب النبوءة يجل عن مواقعتها وعن مخالفة الله عمدا [وهذا] المذهب هو الحق ولأنه لو صح ذلك منهم لم يلزمنا الاقتداء بأفعالهم وأقوالهم ولا خلاف في الاقتداء بذلك، وانظر هذه الخطايا التي ذكرت للأنبياء من أكل آدم من الشجرة ناسيًا ومن دعوة نوح على قوم كفار وقتل موسى الكافر الذي لم يُؤمر بقتله ومدافعة إبراهيم الكفار بقول عرّض به هو فيه صادق من وجه، وهذه كلها في حق غيرهم ليست بذنوب لكنهم أشفقوا منها إذ لم تكن عن أمر الله تعالى وعتب على بعضهم فيها لقدر منزلتهم في معرفة الله تعالى، اهـ. وتكلموا على الآيات والأحاديث الواردة في ذلك وتأولوها وأن الذي ذُكِر عنهم من ذلك إنما هو فيما كان منهم على تأويل أو سهو أو من إذن من الله في أشياء أشفقوا من المؤاخذة بها وأشياء منهم قبل النبوءة وهذا المذهب هو الحق والله أعلم. فائدة أخرى: قوله ﷺ : "فيأتون آدم وكذلك نوح وإبراهيم وباقي الأنبياء" إلى آخره. ذكر أبو حامد الغزالي ﵀ أن بين إتيانهم من آدم إلى نوح ألف عام وكذلك بين كل نبي إلى محمد ﷺ . وذكر أيضًا أن الناس في الموقف على طبقات مختلفة وأنواع متباينة بحسب جرائمهم كمانع الزكاة

стр. 10164

والغالّ والغادر وآخرون قد عظمت فروجهم وهي تسيل صديدا يتأذى [بنتنهم] جيرانهم وآخرون قد صلِّبوا على جذوع النيران وآخرون قد خرجت ألسنتهم على صدورهم أقبح ما يكون وهؤلاء المذكورون هم الزناة واللوطية والكذابون، وآخرون قد عظمت بطونهم كالجبال الرواسي وهم آكلوا الربا وكل ذي ذنب قد يرى سوء ذنبه. قاله في كشف علوم الآخرة. وذكر في آخر [هذا] الكتاب أن الرسل [عليهم الصلاة والسلام] يوم القيامة على المنابر والعلماء والأنبياء على منابر صغار دونهم ومنبر كل رسول على قدره والعلماء العاملون على كراسي من نور والشهداء والصالحون كقراء القرآن والمؤذنون على كثبان من مسك، وهذه الطائفة العاملة أصحاب الكراسي هم الذين يطلبون الشفاعة من آدم ونوح حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ [انتهى]. ٥٥٠٩ - وَعَن أبي سعيد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَنا سيد ولد آدم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا فَخر وَبِيَدِي لِوَاء الْحَمد وَلَا فَخر وَمَا من نبى آدم يَوْمئِذٍ فَمن سواهُ إِلَّا تَحت لِوَائِي وَأَنا أول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض وَلَا فَخر قَالَ فَيفزع النَّاس ثَلَاث فَزعَات فَيَأْتُونَ آدم فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ فَيَأْتُوني فأنطلق مَعَهم قَالَ ابْن جدعَان قَالَ أنس فَكَأَنِّي أنظر إِلَى رَسُول الله ﷺ قَالَ فآخذ بِحَلقَة بَاب الْجنَّة فأقعقعها فَيُقَال من هَذَا فَيُقَال مُحَمَّد فيفتحون لي ويرحبون فَيَقُولُونَ مرْحَبًا فَأخر سَاجِدا فيلهمني الله من الثَّنَاء وَالْحَمْد فَيُقَال لي ارْفَعْ رَأسك سل تعطه وَاشْفَعْ تشفع وَقل يسمع لِقَوْلِك وَهُوَ الْمقَام الْمَحْمُود الَّذِي قَالَ الله

стр. 10165

﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وروى ابْن مَاجَه صَدره قَالَ أَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر وَأَنا أول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض يَوْم الْقِيَامَة وَلَا فَخر وَأَنا أول شَافِع وَأول مُشَفع وَلَا فَخر ولواء الْحَمد بيَدي يَوْم الْقِيَامَة وَلَا فَخر وَفِي إسنادهما عَليّ بن يزِيد بن جدعَان (٢). ٥٥١٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال كنا مع النبي في دعوة فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة وقال أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون مم ذاك يجمع لله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعي وتدنو منهم الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس ألا ترون إلى ما أنتم فيه وإلى ما بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم فيقول بعض الناس لبعض أبوكم آدم فيأتونه فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك الجنة ألا تشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا فقال إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت نفسي نفسي نفسي ذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك لله عبدًا شكورًا ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما بلغنا ألا

стр. 10166

تشفع لنا إلى ربك فيقول إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه قد كان لي دعوة دعوت بها على قومي نفسي نفسي نفسي ذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقولون أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض شفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول لهم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني كنت كذبت ثلاث كذبات فذكرها نفسي نفسي نفسي ذهبوا إلى غيري ذهبوا إلى موسى فيأتون موسى فيقولون يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالاته وبكلامه على الناس شفع لنا إلى ربك أما ترى إلى ما نحن فيه فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها نفسي نفسي نفسي ذهبوا إلى غيري ذهبوا إلى عيسى فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد شفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول عيسى إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبا نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد فيأتوني فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال يا محمد رفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول أمتي يا رب أمتي يا رب أمتي يا رب فيقال يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن
следующие страницы →