فيتساقط الخلائق لوجوههم ويشخصون بأبصارهم ينظرون من طرف خفي خوفا أن تبلغهم ويأخذهم حريقها أجارنا الله منها، قاله في التذكرة.
قوله: "قال أنس فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ . قال: فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها فيقال: من هذا؟ فيقال: محمد. فيفتحون لي" الحديث، أقعقعها أي أحرّكها لتُصوِّت. والقعقعة حكاية حركة لشيء يسمع له صوت. قاله في النهاية (١).
قوله: "سل تُعطَ واشفع تشفع" أي تقبل شفاعتك، وتقدم ذلك. قوله في رواية ابن ماجه: "وأنا أول شافع وأول مشفع" إنما ذكر الثاني لأنه قد يشفع اثنان فيشفّع الثاني منهما قبل الأول.
فائدة: قوله ﷺ في أول الحديث: فيأتون آدم فيقولون يا آبانا استفتح لنا الجنة. فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم، لست بصاحب ذلك، وكذلك يأتون نوحا وإبراهيم وباقي الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فيطلبون منه شفاعتهم فيقولون [لسنا] هناكم ويذكرون خطاياهم إلى آخره، اعلم أن العلماء من أهل الفقه والأصول وغيرهم اختلفوا في جواز المعاصي على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقد لخص القاضي رحمه الله تعالى مقاصد المسألة فقال كلامًا طويلًا وفي آخره قال (٢): وأما المعاصي فلا خلاف أنهم معصومون من كل كبيرة، وكذلك لا خلاف أنهم معصومون من الصغائر التي تزري بفاعلها وتحط منزلته وتسقط مرءوته،
стр. 10163
واختلفوا في وقوع غيرها من الصغائر منهم فذهب معظم الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من السلف والخلف إلى جواز وقوعها منهم وحجتهم ظواهر القرآن والأخبار.
وذهب جماعات من أهل التحقيق والنظر من الفقهاء والمتكلمين من أئمتنا إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر وأن منصب النبوءة يجل عن مواقعتها وعن مخالفة الله عمدا [وهذا] المذهب هو الحق ولأنه لو صح ذلك منهم لم يلزمنا الاقتداء بأفعالهم وأقوالهم ولا خلاف في الاقتداء بذلك، وانظر هذه الخطايا التي ذكرت للأنبياء من أكل آدم من الشجرة ناسيًا ومن دعوة نوح على قوم كفار وقتل موسى الكافر الذي لم يُؤمر بقتله ومدافعة إبراهيم الكفار بقول عرّض به هو فيه صادق من وجه، وهذه كلها في حق غيرهم ليست بذنوب لكنهم أشفقوا منها إذ لم تكن عن أمر الله تعالى وعتب على بعضهم فيها لقدر منزلتهم في معرفة الله تعالى، اهـ. وتكلموا على الآيات والأحاديث الواردة في ذلك وتأولوها وأن الذي ذُكِر عنهم من ذلك إنما هو فيما كان منهم على تأويل أو سهو أو من إذن من الله في أشياء أشفقوا من المؤاخذة بها وأشياء منهم قبل النبوءة وهذا المذهب هو الحق والله أعلم.
فائدة أخرى: قوله ﷺ : "فيأتون آدم وكذلك نوح وإبراهيم وباقي الأنبياء" إلى آخره. ذكر أبو حامد الغزالي ﵀ أن بين إتيانهم من آدم إلى نوح ألف عام وكذلك بين كل نبي إلى محمد ﷺ . وذكر أيضًا أن الناس في الموقف على طبقات مختلفة وأنواع متباينة بحسب جرائمهم كمانع الزكاة
стр. 10164
والغالّ والغادر وآخرون قد عظمت فروجهم وهي تسيل صديدا يتأذى [بنتنهم] جيرانهم وآخرون قد صلِّبوا على جذوع النيران وآخرون قد خرجت ألسنتهم على صدورهم أقبح ما يكون وهؤلاء المذكورون هم الزناة واللوطية والكذابون، وآخرون قد عظمت بطونهم كالجبال الرواسي وهم آكلوا الربا وكل ذي ذنب قد يرى سوء ذنبه. قاله في كشف علوم الآخرة. وذكر في آخر [هذا] الكتاب أن الرسل [عليهم الصلاة والسلام] يوم القيامة على المنابر والعلماء والأنبياء على منابر صغار دونهم ومنبر كل رسول على قدره والعلماء العاملون على كراسي من نور والشهداء والصالحون كقراء القرآن والمؤذنون على كثبان من مسك، وهذه الطائفة العاملة أصحاب الكراسي هم الذين يطلبون الشفاعة من آدم ونوح حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ [انتهى].
٥٥٠٩ - وَعَن أبي سعيد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَنا سيد ولد آدم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا فَخر وَبِيَدِي لِوَاء الْحَمد وَلَا فَخر وَمَا من نبى آدم يَوْمئِذٍ فَمن سواهُ إِلَّا تَحت لِوَائِي وَأَنا أول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض وَلَا فَخر قَالَ فَيفزع النَّاس ثَلَاث فَزعَات فَيَأْتُونَ آدم فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ فَيَأْتُوني فأنطلق مَعَهم قَالَ ابْن جدعَان قَالَ أنس فَكَأَنِّي أنظر إِلَى رَسُول الله ﷺ قَالَ فآخذ بِحَلقَة بَاب الْجنَّة فأقعقعها فَيُقَال من هَذَا فَيُقَال مُحَمَّد فيفتحون لي ويرحبون فَيَقُولُونَ مرْحَبًا فَأخر سَاجِدا فيلهمني الله من الثَّنَاء وَالْحَمْد فَيُقَال لي ارْفَعْ رَأسك سل تعطه وَاشْفَعْ تشفع وَقل يسمع لِقَوْلِك وَهُوَ الْمقَام الْمَحْمُود الَّذِي قَالَ الله
стр. 10165
﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وروى ابْن مَاجَه صَدره قَالَ أَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر وَأَنا أول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض يَوْم الْقِيَامَة وَلَا فَخر وَأَنا أول شَافِع وَأول مُشَفع وَلَا فَخر ولواء الْحَمد بيَدي يَوْم الْقِيَامَة وَلَا فَخر وَفِي إسنادهما عَليّ بن يزِيد بن جدعَان (٢).
٥٥١٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال كنا مع النبي في دعوة فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة وقال أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون مم ذاك يجمع لله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعي وتدنو منهم الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس ألا ترون إلى ما أنتم فيه وإلى ما بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم فيقول بعض الناس لبعض أبوكم آدم فيأتونه فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك الجنة ألا تشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا فقال إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت نفسي نفسي نفسي ذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك لله عبدًا شكورًا ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما بلغنا ألا
стр. 10166
تشفع لنا إلى ربك فيقول إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه قد كان لي دعوة دعوت بها على قومي نفسي نفسي نفسي ذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقولون أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض شفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول لهم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني كنت كذبت ثلاث كذبات فذكرها نفسي نفسي نفسي ذهبوا إلى غيري ذهبوا إلى موسى فيأتون موسى فيقولون يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالاته وبكلامه على الناس شفع لنا إلى ربك أما ترى إلى ما نحن فيه فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها نفسي نفسي نفسي ذهبوا إلى غيري ذهبوا إلى عيسى فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد شفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول عيسى إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبا نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد فيأتوني فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال يا محمد رفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول أمتي يا رب أمتي يا رب أمتي يا رب فيقال يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن
стр. 10167
من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ثم قال والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى رواه البخاري (١) ومسلم (٢).
قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم الكلام عليه.
قوله: "كنا مع النبي ﷺ في دعوة فدفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة" الحديث. قال القاضي عياض (٣): محبته للذراع لنضجها وسرعة استمرائها مع زيادة لذتها وحلاوة مذاقها وبعدها عن مواضع الأذى، هذا آخر كلام القاضي. وقد روى الترمذي بإسناده عن عائشة قالت: ما كان الذراع أحبّ إلى رسول الله ﷺ ولكن كان لا يجد اللحم إلا غبّا فكان يعجّل إليها لأنها أعجلها نضجا، والله أعلم.
قوله ﷺ : "فنهس منها نهسة" هو بالسين المهملة. قال القاضي عياض (٤) أكثر الرواة رووه بالسين المهملة ووقع لابن هامان بالشين المعجمة وكلاهما صحيح بمعنى واحد أي أخذ بأطراف أسنانه. قال الهروي (٥): قال أبو العباس: النهس بالمهملة بأطراف الأسنان وبالمعجمة بالأضراس. قال الخطابي:
стр. 10168
وبالمهملة أبلغ منه بالمعجمة. وقال ثعلب: النهس سرعة الأكل، اهـ.
قوله ﷺ : "يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعي" الحديث، أما الصعيد فهو الأرض الواسعة المستوية. وفي رواية ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي. وأما ينفذهم البصر فهو بفتح الياء وبالذال المعجمة، كذا رواه الأكثرون. وذكر الهروي وصاحب المطالع (١) وغيرهما أنه روي بضم الياء وبفتحها. قال صاحب المطالع: رواه الأكثرون بالفتح وبعضهم بالضم. وأما معناه فقال الهروي: قال أبو عبيد معناه ينفذهم بصر الرحمن ﵎ حتى يأتي عليهم كلهم. وقال غيره: معناه أنه ينفذهم بصر الناظر لا يخفى عليه منهم شيء لاستواء الأرض وعدم الحجاب، أي ليس فيها ما يستتر به أحد عن الناظر يعني أنها أرض مستوية لا جبل فيه ولا أكمة ولا ربوة وهذا أولى من قول أبي عبيد يأتي عليهم بصر الرحمن لأن رؤية الله تحيط بهم في كل حال في الصعيد المستوي وغيره. هذا قول صاحب المطالع. [وقال] أبو حاتم: أصحاب الحديث يروونه بالذال المعجمة وإنما هو بالمهملة، أي يبلغ أولهم وآخرهم حتى يراهم كلهم ويستوعبهم من قولهم: نفذت الشيء وأنفذته. يقال نفذني بصره إذا بلغني وتجاوزه. وحمل الحديث على بصر الناظرين أولى من حمله على بصر الرحمن فحصل خلاف في فتح الياء وضمها وفي الذال المعجمة والدال المهملة وفي الضمير في ينفذهم والأصح فتح الياء، وبالذال المعجمة وأنه
стр. 10169
بصر [المخلوق]. قاله العراقي وأبو السعادات (١).
قوله: "وتدنو الشمس أي تقرب منهم". قوله: "ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم" فذكره إلى أن قال: "أبوكم آدم، فيأتونه فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه" هو من باب إضافة التشريف. قوله: "أفلا تشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيها وما بلغنا" الحديث، بلغنا هو بفتح الغين المعجمة هذا هو الصحيح المعروف، وضبطه بعض الأئمة المتأخرين بالفتح والإسكان وهذا له وجه والمختار ما قدمناه، ويدل عليه قوله في الحديث قبل هذا: "ألا ترون مما قد بلغكم" ولو كان بإسكان الغين لقال بلغتم. اهـ.
قوله: "فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله" الحديث. الغضب في حق الله ﷻ ليس كالغضب في حق المخلوقين إنما هو في حق رب العالمين راجع إلى إرادة العقاب وفعله فإن الله لا يتأثر بشيء ولا تحدث له صفة ولا [يتجدد] له حال، اهـ. وقال النووي (٢): المراد بغضب الله تعالى ما يظهر من انتقامه ممن عصاه وما يرونه من أليم عذابه وما يشاهده أهل الجمع من الأهوال التي لم تكن ولا يكون مثلها ولا شك في أن هذا كله لم يتقدم قبل ذلك اليوم مثله ولا يكون بعده
стр. 10170
مثله فهذا معنى غضب الله تعالى كما أن رضاه [سبحانه بظهور] رحمته ولطفه بمن أراد به من الخير والكرامة لأن الله تعالى يستحيل في حقه التغير في الغضب والرضى، اهـ، والله أعلم.
تنبيه: في حديث آخر أنهم يأتون آدم ومن بعده فيقول: لست هناكم. معناه لست بالمكان الذي ترونني فيه، يعني من الشفاعة وأشار بقوله هناكم إلى بعده من ذلك المكان فإن هنا إذا ألحق به كاف الخطاب فإنه للتبعيد عن المكان المشار إليه والله أعلم. قال القاضي عياض (١)، هذا يقولونه تواضعا وإكبارا لما يسألونه. قال: وقد يكون إشارة من كل واحد منهم إلى أن هذه الشفاعة وهذا المقام ليس له بل لغيره وكل واحد منهم يدل على الآخر حتى انتهى الأمر لصاحبه. قال: ويحتمل أنهم علموا أن صاحبها محمد ﷺ معينًا وتكون إحالة كل واحد منهم على الآخر على تدريج الشفاعة في ذلك إلى نبينا محمد ﷺ . قال: وفيه تقديم ذوي الأسنان والآباء على الأبناء في الأمور التي لها بال. قال: وأما مبادرة النبي ﷺ لذلك [وإجابته] لرغبتهم فلتحققه ﷺ أن هذه الكرامة والمقام له ﷺ خاصة. اهـ
قوله: "نفسي نفسي" نفسي أي نفسي هي التي تستحق أن يشفع لها. قوله: "اذهبوا إلى نوح أول من بعثه الله إلى أهل الأرض" أي من أولاده، "فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض" الحديث، وإنما قالوا
стр. 10171
له أنت أول الرسل لأن آدم ثان.
فإن قلت: آدم هو أول الرسل، قلت: اختلفوا فيه فقال بعضهم آدم كان نبيا لا رسولا، والأصح خلافه. فالجواب: أنه أول رسول بعثه الله تعالى بالإنذار وإهلاك قومه وآدم رسالته كانت بمنزلة التربية والإرشاد للأولاد أو أول من يبعث بعد الطوفان أو أنه خرج بقوله: "إلى أهل الأرض" فإنه لم يكن لها حينئذ أهل، اهـ، قاله الكرماني (١) وقال صاحب العلم المشهور في قوله: "أنت أول الرسل إلى أهل الأرض" لأن إدريس كان قبله نبيًّا ولم يكن رسولا وأنزل الله تعالى عليه ثلاثين صحيفة وكان شيث قبل إدريس نبيا ولم يكن رسولا وأنزل الله على آدم وعليه خمسين صحيفة فهو أول رسول بعث إلى كفار تلك الأرض يعني أرضه التي هو منها ولا خلاف بين العلماء أن شيث بن آدم [كان] (٢) قبله وقبل أجداده وكان نبيا ولم يكن رسولًا لأن نوحًا عليه الصلاة وسلام هو ابن لابيخ بالخاء على نص التوراة وقال النيسابوري: اسم نوح عبد الغفار وإنما سمي نوحا لنوحه على ذنبه فأقام في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، اهـ.
وقال أبو عبد الله المازري: وقد ذكر المؤرخون أن إدريس جد نوح ﵇ فإن قام دليل أن إدريس أرسل أيضا لم يصح قول النسابين أنه [قيل] نوح لإخبار النبي ﷺ عن آدم أن نوحا أول رسول بعث وإن لم يقم دليل جاز ما
стр. 10172
قالوه وصح أن يحمل أن إدريس كان نبيا غير مرسل. قال القاضي عياض (١): وقد قيل أن إن إدريس هو إلياس وأنه كان نبيا في بني إسرائيل كما جاء [في بعض الأخبار] مع يوشع بن نون فإن كان [هذا] سقط الاعتراض. قال القاضي، وبمثل هذا يسقط الاعتراض بآدم وشيث ورسالتهما إلى من معهما وإن كانا رسولين فإن آدم إنما أرسل لبنيه ولم يكونوا كفارا وإنما أمر بتعليمهم الإيمان وطاعة الله ولذلك خلفه شيث بعده فيهم بخلاف رسالة نوح ﵇ فإنها إلى كفار أهل الأرض. قال القاضي عياض: وقد رأيت أبا الحسن بن بطال ذهب إلى أن آدم ليس برسول ليسلم من هذا الاعتراض. وحديث أبي ذر الطويل ينص على أن آدم وإدريس رسولان. هذا آخر كلام القاضي والله أعلم. قوله: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون فيقولون أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، فذكره إلى أن قال: وإني كنت كذبت ثلاث كذبات فذكرها: نفسي نفسي نفسي.
قوله: "ثلاث كذبات" بفتح الكاف والذال جمع كذبة بفتح الكاف الواحدة من الكذب وإنما سمى هذا كذبا لكونها في الظاهر على خلاف باطنها. وفي حديث آخر: لم يكذب إبراهيم النبي ﷺ إلا ثلاث كذبات ثنتين في ذات الله: قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (٢)، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (٣)،
стр. 10173
وواحدة في شأن سارة وهو قوله: إن سألك فأخبريه أنك أختي فإنك أختي في الإسلام. قال الإمام المازري: أما الكذب فيما طريقه البلاغ عن الله تعالى فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون منه سواء قليله وكثيره. قال القاضي عياض (١): الصحيح أن الكذب فيما يتعلق بالبلاغ لا يتصور وقوعه منهم سواء جوزنا وقوع الصغائر منهم أم لا وسواء قل الكذب أم كثر لأن منصب النبوءة يرتفع عنه وتجويزه يرفع الوثوق بأقوالهم.
وأما قوله ﷺ : ثنتين في ذات الله تعالى وواحدة في شأن سارة، فمعناه أن الكذبات المذكورة إنما هي بالنسبة إلى فهم المخاطب والسامع، وأما في نفس الأمر فليست كذبا مذموما لوجهين: أحدهما أنه ورّى بهذا فقال في سارة: أختي في الإسلام وهو صحيح في باطن الأمر.
والوجه الثاني أنه [لو] (٢) كان كذبا لا تورية فيه لكان جائزًا في دفع الظالم، وقد اتفق الفقهاء على أنه لو جاء ظالم يطلب إنسانا مختفيا ليقتله أو يطلب وديعة للإنسان ليأخذها غصبا وسأل عن ذلك وجب على من علم ذلك إخفاؤه وإنكار العلم به وهذا كذب جائز بل واجب لكونه في دفع الظالم فنبه ﷺ على أن هذه الكذبات ليست داخلة في [مطلق] الكذب المذموم. قال الإمام المازري (٣) وقد تأول بعضهم هذه الكلمات وأخرجها
стр. 10174
عن كونها كذبا قال: ولا معنى لامتناع من إطلاق لفظ أطلقه رسول الله ﷺ .
قلت: أما إطلاق لفظ الكذب عليها فلا يمتنع لورود الحديث به، وأما تأويلها فصحيح لا مانع منه. قال العلماء: والواحدة التي في شأن سارة هي أيضا في ذات الله تعالى لأنها سبب دفع كافر ظالم عن مواقعة فاحشة عظيمة، وقد جاء ذلك مفسرًا في غير مسلم فقال: ما فيها كذبة إلا عاجل بها عن الإسلام. أي يجادل ويدافع. قالوا: وانما خص الثنتين بأنهما في ذات الله، وذكروا في قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (١) أي سأسقم لأن الإنسان عرضة للأسقام وقيل سقيم بما قدّر علي من الموت وقيل سقيم القلب بما [أشهده] من كفركم وقيل كانت الحمى تأخذه في ذلك الوقت وقيل أن ملكهم أرسل إليه أن غدا عيدنا اخرج معنا فأراد التخلف عنهم فنظر إلى نجم فقال إن هذا النجم لم يطلع قط إلا أسقم وأراد بذلك اعتذارا عن الخروج معهم إلى عيدهم وشهود باطلهم وكفرهم. والسُّقم والسَّقَم المرض. وأما قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (٢) الآية، فقال ابن قتيبة وطائفة جعل النطق [شرطا] لفعل كبيرهم أي فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون. قاله على طريق التبكيت. وأما قوله [ ﷺ ] في شأن سارة: هي أختي [أعلم أن] أخوة الإسلام ليست كأخوة النسب والولادة كما قال إبراهيم ﵇ للذي أراد أن يأخذ منه زوجته هي أختي يعني في الإيمان لأنه لم يكن أحد مؤمن غيرهما.
стр. 10175
تنبيه: قال بعض العلماء: قوله: هي أختي فقد بين أنه أراد أخوة الإسلام وعلى هذا إشكال ما زال يختلج في نفسي وهو أن يقال ما معنى توريته عن الزوجة بالأخت، ومعلوم أن ذكرها بالزوجة أسلم لها لأنه إذا قال هي أختي قال زوجنيها، فإذا قال امرأتي سكت هذا إذا كان الملك يعمل بالشرع، فأما إذا كان كما وصف من جوره ومد يده إليها ظلمًا فما يبالي [أكانت] زوجة أو أختا وما زلت أبحث عن هذا وأسأل فلم أجد أحدًا يشفي بجواب إلى أن وقع لي أن القوم كانوا على دين المجوس وفي دينهم أن الأخت إذا كانت زوجة كان أخوها الذي هو زوجها أحق بها من غيره فكأن الخليل ﵇ أراد أن يستعصم من الجبار بذكر الشرع الذي يستعمله الجبار فإذا الجبار لا يراعي جانب دين فنظر الله إلى خليله بلطفه فكف يد الفاجر وقد اعترض على هذا فقيل إنما جاء بمذهب المجوس زرادشت وهو متأخر عن زمان الخليل، فالجواب أن لمذهب القوم أصلا قديما فادعاه زرادشت وزاد عليه وقد كان نكاح [الأخوات] جائزا من زمن آدم.
وقيل إنما حرمه موسى ﵇ ويدل على أن دين المجوس له أصل ما روى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر ومعلوم أن الجزية لا تؤخذ إلا ممن له كتاب أو [شبهة] كتاب ثم سألت عن هذا بعض علماء أهل الكتاب فقال كان من مذهب القوم أنه من كان له زوجة لا يجوز أن يتزوج بها إلا أن يقتل الزوج فعلم إبراهيم ﵇ هذا فقال عن سارة أختي فكأنه يقول إن كان الملك عادلا فخطبها مني أمكنني منعه وإن كان ظالما
стр. 10176
فأخذها خلصت من القتل، قاله عبد الرحمن بن علي، والله أعلم. وسارة هي زوجة إبراهيم الخليل وهي أم إسحاق وهو أصغر من إسماعيل بأربع عشرة سنة فبينما إبراهيم الخليل ﵊ يسير في أرض جبار من الجبابرة إذ نزل منزلًا فأتى الجبار فقيل له إنه نزل [ههنا] رجل معه امرأة هي من أحسن الناس. قال: فأرسل إليه فأرسل إليه فسأله عنها. فقال: إنها أختي. فلما رجع إليها فقال إن هذا سألني عنك فأنبأته أنك أختي وإنه ليس اليوم مسلم غيري وغيرك فإنك أختي في كتاب الله فلا تكذبيني عنده. وساق الحديث، رواه البخاري ومسلم [وغيرهما] وقيل أن الجبار قصد أن يأخذ سارة منه ولم يتمكنا من دفعه فقامت تتوضأ وتصلي وقالت اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلّط علي هذا الكافر، فذكرت القصة وقالت: كف الله يد الكافر وأعطاني خادما يعني هاجر جارية قبطية وهي أم إسماعيل ﵇.
[تنبيه] (١): فإن قلت فما الفائدة في قوله في شأن سارة هي أختي إذ الظالم يريدها أختًا [أو] زوجة أو غيرهما. قلت: كان من عادة هذا الجبار أو من دينه لا يتعرض إلا لذوات الأزواج والله أعلم، قاله الكرماني (٢).
فائدة: وهذا الجبار اسمه صادوف، قال السهيلي في الروض الأنف، وكانت هاجر لملك الأردن واسمه صادوف فيما ذكر القتبي دفعها [إلى]
стр. 10177
سارة حين أخذها من إبراهيم عجبًا منه [بجمالها] فصرع مكانه. وذكر الطبري أن الملك الذي أراد سارة هو سنان بن علوان وأنه أخو الضحاك، وفي كتاب التيجان لابن هشام أنه عمرو بن امرئ القيس بن نابليون بن [سبأ] وكان على مصر، اهـ. وقيل هو ملك حران بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء وبالنون، قاله الكرماني (١).
قوله في الحديث: "اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى فيقولون يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالاته على الناس" فذكره إلى أن قال "وإني قد قتلت نفسا لم أؤمر بقتلها نفسي نفسي نفسي". تقدم الكلام على كلام الله تعالى لموسى ﵇. وأما قتل النفس الذي لم يؤمر بقتلها فهو مذكور في سورة القصص. قوله في الحديث: "اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد" الحديث، تقدم الكلام على ذلك قريبًا، وكلمة الله وروحه [الإضافة] إلى تعالى لتعظيم المضاف وتشريفه كقولهم عبد الخليفة كذا.
قوله: "وكلمت الناس في المهد". قال في كتاب الكشاف عن النبي ﷺ : تكلم أربعة وهم صغار ابن ماشطة بنت فرعون وشاهد يوسف وفسر بأنه كان ابن خالة زليخا صبيًا في المهد وصاحب جريج وعيسى ﵊. قال ابن الجوزي: أخبرت نجت فرعون أباها بأن ماشطتها أسلصت فأمر بإلقائها وإلقاء أولادها في النار. فلما بلغت النوبة إلى آخر ولدها وكان
стр. 10178
مُرضَعا قال: اصبري يا أماه فإنك على الحق، فألقيت مع ولدها، اهـ، قاله الكرماني (١).
قوله في الحديث: "اذهبوا إلى غيري" إلى أن قال: "فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي" الحديث. سؤال: لم سمى الله نبيه ﷺ خاتم النبيين؟ قيل: لأن الختم شرف الكتاب كذلك النبي ﷺ شرف الخلق وأيضا الختم إذا وضع على الكتاب لا يقدر أحد على فكه فكذلك لا يقدر أحد أن يحيط بالقرآن دون محمد ﷺ ، اهـ.
فائدة: قوله ﷺ : إن كل واحد من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يقول: لست هناكم ولست لها، كما تقدم في الأحاديث. قال القاضي عياض (٢): هذا يقولونه تواضعا وإكبارا لما يُسألونه. قال: وقد يكون إشارة من كل واحد منهم إلى أن هذه الشفاعة وهذا المقام ليس له بل لغيره، وكل واحد منهم يدل على الآخر حتى انتهى الأمر إلى صاحبه. قال: ويحتمل أنهم علموا أن صاحبها محمد ﷺ مُعيِّنا وتكون إحالة كل واحد منهم على الآخر على تدريج الشفاعة في ذلك إلى نبينا محمد ﷺ . قال: وفيه تقديم ذوي الأسنان والآباء على الأبناء في الأمور التي لها بال. قال: وأما مبادرة النبي ﷺ لذلك وإجابته لرغبتهم فلتحققه ﷺ أن هذه الكرامة والمقام له ﷺ خاصة، هذا كلام القاضي. والحكمة في أنّ الله ألهمهم
стр. 10179
سؤال آدم ومن بعده صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين في الابتداء ولم يلهموا سؤال نبينا محمد ﷺ هي والله سبحانه أعلم إظهار فضيلة نبينا محمد ﷺ فإنهم لو سألوه ابتداء لكان يحتمل أن غيره يقدر على هذا ويُحصله وأما إذا سألوا غيره من رسل الله وأصفيائه فامتنعوا ثم سألوه فأجاب وحصل غرضهم فهو النهاية في ارتفاع المنزلة وكمال القرب وعظيم الإدلال والأنس وفيه تفضيله ﷺ على جميع المخلوقين من الرسل الآدميين والملائكة فإن هذا الأمر العظيم وهي الشفاعة العظمى لا يقدر على الإقدام عليه غيره ﷺ وعليهم أجمعين. اهـ. قوله في الحديث: "فيقال يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب" الحديث.
قال أبو العباس القرطبي (١): من لا حساب عليه يعني به والله أعلم السبعين ألفا الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. والباب الأيمن هو الذي عن يمين القاصد إلى الجنة [بعد] جواز الصراط [وكأنه] أفضل الأبواب.
قوله ﷺ : "وهم شركاء الناس في سائر الأبواب" يحتمل أن يعود هذا الضمير إلى الذين لا حساب عليهم وهو الظاهر ويكون معناه أنهم يلجئون إلى الدخول من الباب الأيمن بل من أي باب شاءوا كما في حديث أبي بكر حيث قال: فهل على من دُعِي من تلك الأبواب من ضرورة فقال عليه [الصلاة و] السلام: لا، وأرجو أن تكون منهم، اهـ. فهذا يدل على أنه يشفع
стр. 10180
فيما طلب من تعجيل حساب أهل الموقف فإنه لما أمرنا بإدخال من لا حساب عليه من أمته وغيرهم كان طلب هذه الشفاعة من الناس بإلهام من الله تعالى لهم حتى يظهر في ذلك اليوم مقام نبيه المحمود الذي وعده ولذلك قال كل نبي لست لها حتى انتهى الأمر إلى محمد ﷺ . [قوله: " ... "، هذا مما اختلف العلماء في معناه، قال القاضي ﵀ (١): لو قيل المتقدم ما كان قبل النبوة والمتأخر ما عصمته بعدها، وقيل المراد به ذنوب أمته ﷺ .
قال النووي (٢): قلت: فعلى هذا يكون المراد الغفران لبعضهم أو سلامتهم من الخلود في النار. وقيل: المراد ما وقع منه ﷺ عن سهو وتأويل، حكاه الطبري، واختاره القشيري. وقيل: ما تقدم لأبيك آدم وما تأخر من ذنوب أمتك. وقيل: المراد أنك مغفور لك غير مؤاخذ بذنب لو كان. وقيل: هو تنزيه له من الذنوب صلى الله تعالى عليه وسلم] قوله ﷺ : "إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر" أو قال: ما بين مكة وبُصرى، الحديث. المصراعان بكسر الميم جانبا الباب وهجر بفتح الهاء والجيم وهي مدينة عظيمة هي قاعدة البحرين.
قال النووي (٣): وهجر هذه غير هجر المذكورة في حديث القلتين وأما بصرى فبضم الباء مقصورة وهي مدينة معروفة بينها وبين دمشق نحو ثلاث
стр. 10181
مراحل وهي بلد بمدينة حوران وبينها وبين مكة شهر وهي أول بلدان الشام فتوحا فتحت سنة ثلاث عشرة صلحًا.
٥٥١١ - وَعَن حُذَيْفَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يَقُول إِبْرَاهِيم يَوْم الْقِيَامَة يَا رباه فَيَقُول الرب جلّ وَعلا يَا لبيكاه فَيَقُول إِبْرَاهِيم يَا رب حرقت بني فَيَقُول أخرجُوا من النَّار من كَانَ فِي قلبه ذرة أَو شعيرَة من إِيمَان رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَا أعلم فِي إِسْنَاده مطعنا (١) وروى الطَّبَرَانِيّ عَن زيد الرقاشِي عَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يشفع الله ﵎ آدم يَوْم الْقِيَامَة من ذُريَّته فِي مائَة ألف ألف وَعشرَة آلَاف ألف (٢).
٥٥١٢ - وعن عبد الله بن شقيق قال جلست إلى قوم أنا رابعهم فقال أحدهم سمعت رسول الله ﷺ يقول ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم قلنا سواك يا رسول الله قال سواي نعم فلما قام قلت من هذا قالوا ابن الجدعاء أو ابن أبي الجدعاء. رواه ابن حبان في صحيحه (٣)
стр. 10182
وابن ماجه (١) إلا أنه قال عن شقيق عن عبد الله بن أبي الجدعاء.
قوله: "وعن عبد الله بن شقيق" هو أبو عبد الرحمن، عبد الله بن شقيق العقيلي البصري، من بني عقيل بن كعب. وهو من مشاهير التابعين وثقاتهم.
سمع عليا، وعثمان، وعائشة، ومن بعدهم. قوله: "قال جلست إلى قوم أنا رابعهم، فقال أحدهم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم. قلنا سواك يا رسول الله؟ قال: سواي". فذكره إلى أن قال: "فلما قام قلت: من هذا؟ قالوا: ابن الجدعاء أو ابن أبي الجدعاء" الحديث.
[بنو تميم اسم لقبيلة من قبائل العرب معروفة، وابن أبي الجدعاء هذا عبد الله كما ذكره ابن ماجه [التميمي] ويقال [الكتاني ويقال] العبدي له صحبة عداده من أهل البصرة. وقيل إنه عبد [الله بن أبي الحمساء] والصحيح أنه غيره ليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث عند الترمذي وابن ماجه، اهـ. قاله في الديباجة، [وإنما يعرف لعبد الله بن الجدعاء هذا الحديث، انتهى]، وقال صاحب التنقيح: بل له حديث آخر في فضائل النبي
стр. 10183
- ﷺ . [وروى حديث الشفاعة هذا] (١)] (٢) [ورواه] الحاكم وقال: صحيح الإسناد ورواه في دلائل النبوة وقال في آخره: قال عبد الوهاب الثقفي: قال هشام بن حسان كان الحسن يقول أنه [-أي الرجل الذي يشفع-] (٣) أويس القرني. وروى ابن السماك أن الرجل المذكور عثمان بن عفان.
٥٥١٣ - وعن أبي أمامة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ليدخلن الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيين ربيعة ومضر فقال رجل يا رسول الله أو ما ربيعة من مضر قال إنما أقول ما أقول. رواه أحمد (٤) بإسناد جيد.
стр. 10184
قوله: "وعن أبي أمامة" هو الباهي تقدمت ترجمته. قوله ﷺ : "ليدخلن الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيّين ربيعة ومضر" الحديث.
قال ابن السماك: فكان المشيخة يرون ذلك الرجل عثمان بن عفان ﵁.
وروى الإمام أحمد في الزهد (١) عن الحسن البصري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : يدخل الجنة بشفاعة رجل أكثر من ربيعة ومضر. قال الحسن: هو أويس القرني وهو منسوب إلى قَرَن بفتح الراء قبيلة من مراد [وقيل قبيلة من أشيم بن عدي].
وذكر القاضي عياض في كتابه الشفاء (٢) عن كعب أن لكل رجل من الصحابة ﵃ شفاعة. [وذكر] ابن المبارك قال: أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: يكون في أمتي رجل يُقال له صلة بن أشيم. يدخل الجنة بشفاعته كذا وكذا وكذلك أخرجه [أبو موسى].
وقال في أسد الغابة (٣) [صِلَة هذا قتل بسجستان] سنة خمس وثلاثين وكان عمره ثلاثين ومائة سنة.
стр. 10185
٥٥١٤ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إن الرجل ليشفع للرجلين والثلاثة. رواه البزار (١) ورواته رواة الصحيح.
قوله: "وعن أنس بن مالك" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "إن الرجل ليشفع للرجلين والثلاثة" الحديث. قال في حادي القلوب: ومما يجلبه الموت على الإسلام من المنافع أن يصير المؤمن شافعا لغيره وقد صح أن المؤمنين يشفعون يوم القيامة إلا أنهم مرتبون في الشفاعة بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإذا شفع الأنبياء شفع العلماء والشهداء والصديقون على ترتيب [نبيهم] (٢)، أيضا وفي الحديث يشفع الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء. واعلم أن المؤمن يشفع على قدر عمله كما ثبت في الحديث عن النبي ﷺ قال: يقال للرجل قم يا فلان فاشفع فيقوم الرجل فيشفع للقبيلة ولأهل البيت وللرجل والرجلين على قدر عمله؛ ولقد أخبر [النبي] (٣) ﷺ أن في أمته من يشفع لأكثر من ربيعة ومضر وبيّن أنه عثمان بن عفان ﵁ كما تقدم في الحديث قبله وكذا جاء في الحديث من طرق أن كل واحد من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب يشفع في سبعين ألفا وقد صح في السبعين ألفا الأولين أنهم لا يرقون ولا يسترقون ولا
стр. 10186
يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، فإذا [ثبتت] الشفاعة في العدد الكثير لأرباب التوكل حتى أن المتوكل الموصوف بهذا الوصف يشفع في سبعين ألفا [فرُبّ ثبوت الشفاعة لغير المتوكلين من أرباب الأخلاق المرضية والأحوال السنيّة بالرضى والمحبة والأنس والمعرفة ونحو ذلك. ثم إن المتوكل الموصوف في الحديث يشفع في سبعين ألفًا] (١) كما [مقرر] فمن وجد منه التوكل إلا أنه دون المذكور في الحديث لا يكاد يخلو من الشفاعة في عدد يناسب مقدار توكله وهذا معنى ما تقدم من كون المؤمن يشفع على قدر عمله وعلى هذا فلا يكاد مؤمن يخلو من توكل يقع منه في عمره ولو مرة واحدة.
وبالجملة فالفضل الربّاني جزيل والمؤمن لا يخلو حاله إما أن يكون شافعا أو مشفوعا فيه أو متغمدا بالرحمة مُغاثا بالمغفرة فالحمد لله على ما منّ به من الإيمان وثمراته ونسأله أن يختِم لنا به ويثبتنا عليه ويحقق لنا حقائقه ويوفقنا للعمل بما يحققه ويتقبل منا بفضله وكرمه فابسط يا حبيبي أملك الحسن في رحمة الله تعالى فإنك لا تخيب مع وجود الشفاعات من الأنبياء والمرسلين وعلماء الدين والشهداء والصديقين والخواص الصالحين وعموم المؤمنين بل شفاعة سيدنا وحبيبنا ونبينا محمد ﷺ لمغنية لنا بحمد الله تعالى عن شفاعة غيره، والظاهر أن [شفاعات] المؤمن إنما تكون [إظهارًا] لفخرهم ورفعا لقدرهم. فيشفع النبي ﷺ أولا الشفاعة العامة ثم غيرها من الشفاعات المهمات، ويشفع الأنبياء والرسل
стр. 10187
عليهم الصلاة والسلام ثم يؤذن لمن سواهم من خواص المؤمنين ثم لمن دونهم من العوام في الشفاعة فإذا أخذوا نصيبهم من الشفاعات وظهرت مقاديرهم وتفضلاتهم شفع النبي ﷺ أيضًا فيمن بقي من العصاة على حسب ما يؤذن لي في ذلك ثم يخرج الله ﵎ بعد ذلك من النار من قال لا إله إلا الله كما ثبت في الحديث، ويحثِي سبحانه ثلاث حثيات وهم قوم علم منهم الإيمان ولم يعملوا حسنة قط بحيث لا يوجد لهم شيء يبعث على شفاعة الشافعين. واعلم أن الشفاعات تقع في المذنبين بسبب خصال الخير وإن قلت حتى أن الرجل من أهل الجنة ليطلع على أهل النار فيناديه رجل من أهل النار هل تعرفني، فيقول: لا والله ما أعرفك، الحديث. وقد تقدم أن الله يغفر للعبد بالخصلة الواحدة من خصال الخير فمن حصلت له خصلة واحدة إن فاتته المغفرة ابتداء لم تفُته بواسطة الشفاعة [ولله الحمد والمنة]. اهـ.
٥٥١٥ - وروي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : يوضع للأنبياء منابر من نور يجلسون عليها ويبقى منبري لا أجلس عليه أو قال لا أقعد عليه قائما بين يدي ربي مخافة أن يبعث بي إلى الجنة وتبقى أمتي بعدي فأقول يا رب أمتي أمتي فيقول الله يا محمد ما تريد أن أصنع بأمتك فأقول يا رب عجل حسابهم فيدعى بهم فيحاسبون فمنهم من يدخل الجنة برحمته ومنهم من يدخل الجنة بشفاعتي فما أزال أشفع حتى أعطى صكاكا برجال قد بعث بهم إلى النار حتى إن مالكا خازن النار ليقول يا محمد ما
стр. 10188
تركت لغضب ربك في أمتك من نقمة. رواه الطبراني في الكبير (١)، والأوسط (٢) والبيهقي في البعث (٣) وليس في إسنادهما من ترك.
الصكاك جمع صك وهو الكتاب.
стр. 10189
قوله: "عن ابن عباس" تقدم الكلام على مناقبه رضي الله تعالى عنه.
قوله: "يوضع للأنبياء منابر من نور يجلسون عليها ويبقى منبري لا أجلس عليه أو قال لا أقعد عليه قائما بين يدي ربي مخافة أن يبعث بي إلى الجنة وتبقى أمتي من بعدي. فأقول يا رب أمتي أمتي، فيقول الله : يا محمد ما تريد أن أصنع بأمتك؟ فيقول: يا رب عجل حسابهم" الحديث. وفيه: "فما أزال أشفع حتى أُعطى صكاكا برجال بعث بهم إلى النار" وفي آخره: "حتى أن مالكا خازن النار ليقول: يا محمد ما تركتَ لغضب ربك في أمتك من نقمة". الصكاك بكسر الصاد جمع صكّ وهو الكتاب، قاله الحافظ. وقال الجوهري: الصك بتشديد الكاف كتاب وهو فارسي معرب والجمع صِكاك وصُكوك، اهـ.
فائدة: وفي الحديث أيضا: قال رسول الله ﷺ : اللهم أمتي أمتي، وبكى. وفيه: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك فيهم، الحديث. أي لا نحزنك، هذا الحديث يشتمل على أنواع من الفوائد.
منها: البشارة العظيمة لهذه الأمة زادها الله شرفا بما وعدها بقوله : إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك وهذا من أرجى الأحاديث لهذه الأمة [أو أرجاها] ومنها بيان عظيم منزلة النبي ﷺ عند الله تعالى وعظيم لطفه به ﷺ والحكمة في إرسال جبريل ﷺ لسؤاله النبي ﷺ إظهار شرف النبي ﷺ وأنه بالمحل الأعلى فيسترضى ويكرم بما يرضيه والله سبحانه أعلم. وهذا الحديث موافق لقوله :
стр. 10190
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ (١).
وأما قوله : ولا نسوءك [فيهم] (٢)، فقال صاحب التحرير هو تأكيد للمعنى أي لا نخزيك لأن الإرضاء قد يحصل في البعض بالعفو عنهم ويدخل الباقي النار، فقال الله سبحانه نرضيك ولا ندخل عليك حزنا بل ننجي الجميع، والله أعلم، اهـ.
فإن قلت مقتضى سياق هذا الحديث أن لا يُعذب الله أحدا من هذه الأمة، وقد تقرر أنه لا بد أن يدخل بعض العصاة النار.
فالجواب من وجوه منها: أنهم يحصل لهم اللطف في القضاء فيكون من الله في حق الأمة اللطف فيما وجب من القضاء وتخفيف ما لا بد لهم منه من البلاء. ومنها أنه يحتمل أيضًا أنه لولا الشفاعة لكان عذابهم يشبه عذاب عصاة الكفار ولكن الله تعالى خفف عنهم حتى إذا استوجب شارب الخمر المؤمن مثلًا والعياذ بالله التعذيب بالنار لا يبلغ عذابه بها مبلغ تعذيب شارب الخمر الكافر. ومنها أنه يحتمل أيضا أن سؤال النبي ﷺ لأمته أفاد عدم خلودهم في النار كالكفار وكل هذه الوجوه راجعة إلى التخفيف ولا شك فيه. وقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ (٣) الآية، وإرادة التخفيف في الآية عامة وإن كان السبب خاصًّا، ولقد كان بعض الأولياء
стр. 10191
يحلف بالله تعالى أن النار على عصاة المؤمنين كماء الحمّام وكلامه محمول على ثبوت مناسبة الكرب الحاصل من جهنم على المؤمن من الكرب الحاصل لداخل الحمام عند استعماله لما يحتاج إليه من مائه، والله أعلم. ومنها أنه يحتمل أيضا أن المشفوع لهم هم الذين لم تقدح معاصيهم في عقائدهم ومما قد يدل عليه من قوله ﷺ : ما عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار، ونظائر ذلك بما تقدم ويكون المعذبون من عصاة هذه الأمة في النار أهل البدع والقوادح في العقائد التي لم تبلغ حد الكفر الشرعي والله تعالى أعلم بحقيقة الأمر لكن لهذه الأمة عناية من الله وللإيمان بالله أثر ظاهر في الحماية من العذاب، ففي رواية أن هذه الأمة أمة مرحومة عذابها بأيديها فإذا كان يوم القيامة دُفع إلى كل رجل من المسلمين رجل من المشركين فيقال هذا فداؤك من النار فإذا فُدِي المسلم من النار [وجبت] له الجنة فأي خير يفوته وأي فضل يتجاوزه، اهـ. قاله في حادي القلوب.
٥٥١٦ - وعن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال أشفع لأمتي حتى يناديني ربي ﵎ فيقول أقد رضيت يا محمد فأقول إي رب قد رضيت. رواه البزار (١) والطبراني (٢) وإسناده حسن إن شاء الله.
стр. 10192
قوله: "وعن علي بن أبي طالب" تقدمت مناقبه. قوله ﷺ : "ما أزال أشفع لأمتي حتى يناديني ربي فيقول: أقد رضيت يا محمد؟ فأقول: أي رب رضيت"، وفي حديث آخر: أوحى الله تعالى إلى النبي ﷺ أن أجعل أمر أمتك بيدك. قال يا رب أنت خير لهم مني، فأوحى الله تعالى إليه: إذا لا أخزيك فيهم. قاله في تهذيب النفوس.
٥٥١٧ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ شَفَاعَتِي لأهل الْكَبَائِر من أمتِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ (١) وَرَوَاهُ ابْن حبَان أَيْضا وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث جَابر (٢).
٥٥١٨ - وَعَن عبد الله بن عمر ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ خيرت بَين الشَّفَاعَة أَو يدْخل نصف أمتِي الْجنَّة فاخترت الشَّفَاعَة لِأَنَّهَا أَعم وأكفى أما إِنَّهَا لَيست
كتاب صفة الجنة والنار الترغيب في سؤال الجنة والاستعاذة من النار
٥٥١٩ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن قولوا اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات. رواه مالك (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤) النسائي (٥).
قوله: "عن ابن عباس" تقدم الكلام على مناقبه ﵁.
قوله: "أن النبي ﷺ كان يعلِّمهم هذا الدعاء كما يعلِّمهم السورة من القرآن. قولوا: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال" الحديث، تقدم الكلام على بعض ألفاظ هذا الحديث في عذاب القبر وسؤال منكر ونكير والمشهور في لفظ [المسيح] أنه بفتح الميم وكسر السين مخففة وبالحاء المهملة على لفظ
стр. 10195
المسيح ابن مريم لا فرق بينهما، هذا حكم التنزيل في ابن مريم فإن الله ﷻ سماه بذلك في القرآن العظيم فقال جل من قائل: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ (١) الآية، وغير ذلك من الآي إلا أن هذا مسيح الهدى وذاك مسيح الضلالة، فأما المسيح الذي هو لقب عيسى ﵊ فأصله مشيحا بالعبرانية وهو المبارك [فعُرِّب] (٢)، قاله أبو عبيدة أو لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن [أو] لأن جبريل ﵊ مسحه بجناحه فيكون فعيلا بمعنى مفعول أو لأنه كان يمسح الأرض بالسير أي يقطعها أو لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ فيكون بمعنى فاعل. وقال ابن الأعرابي: المسيح الصديق وبه سمي عيسى ﵇، كذا في شرح السنة، وشرح القاضي ناصر الدين البيضاوي والثاني ["هذا ثان بالنسبة لقوله قبل: والمشهور في لفظ المسيح"] (٣) في ضبط المسيح كسر الميم وتشديد السين [وبالحاء المهملة أيضا، والثالث كسر الميم وتشديد السين] وبالخاء المعجمة.
قال بعضهم: ومن رواه بالخاء المعجمة فقد أخطأ؛ سمي بذلك إحدى عينيه واختلف في الممسوحة فيروى أنها اليمنى ويروى أنها اليسرى، وقد ذكر مسلم الروايتين ووجه الجمع بينهما أن كل واحدة منهما عوراء من أجل أن
стр. 10196
أصل العور العيب لا سيما ما اختص بالعين فإحداهما عوراء [حقيقة] ذاهبة وهي التي قال فيها ممسوح العين والأخرى معيبة وهي التي قال [عليها] ظفرة وكأنها كوكب وكأنها عنبة طافية، اهـ.
قوله في الحديث: "مكتوب بين عينه ك فـ ر"، [أي] قالوا مكتوب بين عينه هذه الأحرف التي هي إشارة إلى الكفر والصحيح الذي عليه المحققون أن هذه الكتابة على ظاهرها وأنها كتابة حقيقة جعلها الله تعالى علامة حسية على بطلانه [ويظهرها] لكل مؤمن كاتبا أو غير كاتب، قاله الكرماني (١)، وفي لفظ بعضهم: جعلها كتابة حقيقية، جعلها الله آية وعلامة من جملة العلامات القاطعة بكفره وكذبه [تظهر] لكل مؤمن كاتب وغير كاتب و [تخفى] عن من أراد الله شقاوته وكفره وقيل هي مجاز وإشارة إلى إثبات الحدوث عليه [واحتج الأول بقوله: يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب] (٢) وهذا ضعيف. قاله في التنقيح.
قوله: " [والمسيح الأعور] وأن الله تعالى ليس بأعور" معناه أن الله تعالى منزه عن سمات [الحدوث]، وعن جميع النقائص فإن الدجال مخلوق من خلق الله تعالى ناقص الصورة فينبغي لكم أن تعلموا هذا وتعلِّموه للناس لئلا يغتر بالدجال من يرى تخييلاته وما معه من الفتنة. وقيل سمي مسيحا
стр. 10197
لمسحه الأرض أي طوافه بها فيقطعها في أيام معدودة. وأما الدجال فقيل معناه الكذاب لكذبه وتمويهه وكل دجال كذاب، وقيل المموِّه بباطله وسحره الملبس به والدجل طلي البعير بالقطران، وقيل هو من التغطية لأنه يُغطي الأرض بجموعه والدجل التغطية ومنه سميت دجلة لتغطية ما فاضت عليه، مأخوذ من دجّل فلان الحق أي غطاه.
٥٥٢٠ - وعن أم حبيبة ﵂ قالت سمعني رسول الله ﷺ وأنا أقول اللهم أمتعني بزوجي رسول الله وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية فقال سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة لن يعجل شيئا منها قبل أجله ولا يؤخر ولو كنت سألت الله أن يعيذك من النار وعذاب القبر كان خيرا وأفضل. رواه مسلم (١).
قوله: "وعن أم حبيبة" أم حبيبة هي إحدى أمهات المؤمنين ﵅، وتقدم الكلام على بعض مناقبها في مواضع. قولها: "قالت سمعني رسول الله ﷺ : وأنا أقول اللهم أمتعني -وفي نسخة: متِّعني- بزوجي رسول الله ﷺ وأبي أبي سفيان وبأخي معاوية" الحديث، يقال: أمتعه الله بكذا ومتَّعه بمعنًى كأنها سألت الله أن تحيى مدة حياتهم. وقال بعضهم: معناه أي أطل أعمارهم زمنا طويلا حتى أتمتع بهم. قوله: "لقد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة" الحديث، الآجال الوقت المضروب المحدود في المستقبل.
قوله: "لن يعجل الله منها شيئا قبل حله" ضبط بوجهين فتح الحاء
стр. 10198
وكسرها، وذكر القاضي عياض (١) أن جميع الرواة على الفتح ومراده رواة بلادهم. قال النووي (٢): وإلا فالأشهر عند رواة بلادنا الكسر وهما لغتان، ومعناه قبل وجوبه وحينه، اهـ. وقال بعضهم: قبل حلوله ونزوله، فيحتمل أنها اختلاف روايات في حله ومعناه وجوبه. يقال: حل الأجل يحل حلا وحِلا أي وجب، وحكاه الإمام أبو عبد الله قبل أجله وبعده. وهذا الحديث صريح في أن الآجال والأرزاق مقدرة لا تتغير عما قدره الله تعالى وعلمه في الأجل فيستحيل زيادتها ونقصها [حقيقة عن ذلك، وحكاه الإمام أبو عبد الله قبل أجله وبعد أجله. قاله النووي في شرح مسلم (٣)، وروى البيهقي عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: إذا كان يوم حار ألقى الله سمعه وبصره إلى السماء وأهل الأرض، فإذا قال العبد لا إله إلا الله ما أشد حر هذا اليوم، اللهم أجرني من حر جهنم، [فإن] الله تعالى [يقول] لجهنم: إن عبدا من عبادي قد استجار منكِ وإني أشهدك أني قد أجرته. فالجنة تسأل ربها أهلها وأهلها يسألونه إياها والملائكة تسألها لهم والرسل يسألونه إياها لهم ولأتباعهم ويوم القيامة يقيمهم [بين يديه] يشفعون فيها لعباده المؤمنين فالرب جواد له الجود كله يحب أن يسأل ويطلب منه ويرغب إليه فخلق من يسأله وألهمه سؤاله وخلق له ما يسأله إياه
стр. 10199
فهو خالق الوسائل وسائله ومسئوله وذلك لمحبته لسؤال عباده له ورغبتهم إليه وطلبهم منه وهو [ ] يغضب إذا لم يُسأل وأحب خلقه إليه أكثرهم وأفضلهم له سؤالا وهو يحب الملحِّين له في الدعاء وكلما ألحّ العبد عليه في السؤال أحبه وقرّبه وأعطاه. وفي الحديث: من لم يسأل الله يغضب عليه. [وما أحسن قول القائل:
الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبنَيُّ آدمَ إن سألته يغضب] (١)
قاله في حادي الأرواح.
٥٥٢١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا استجار عبد من النَّار سبع مَرَّات إِلَّا قَالَت النَّار يَا رب إِن عَبدك فلَانا استجار مني فَأَجره وَلَا سَأَلَ عبد الْجنَّة سبع مَرَّات إِلَّا قَالَت الْجنَّة يَا رب إِن عَبدك فلَانا سَأَلنَي فَأدْخلهُ الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم (٢).
٥٥٢٢ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة اللهم أدخله الجنة ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار اللهم أجره من النار، رواه الترمذي (٣)
стр. 10200
والنسائي (١) وابن ماجه (٢) وابن حبان (٣) في صحيحه ولفظهم واحد والحاكم (٤) وقال صحيح الإسناد.
قوله: "عن أنس" تقدم. قوله: "من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة" الحديث، وفي الحديث أيضا: [من سأل الله الجنة شفعت له الجنة إلى ربها، وقالت: اللهم أدخله الجنة، وفي الحديث:] أن الجنة تفتح في كل سحر ويقال لها: ازدادي طيبا لأهلك فتزداد طيبا، فذلك البرد الذي يجده الناس في السحر. وقد كان جماعة من السلف لا يسألون الله الجنة ويقولون: حسبنا أن يجيرنا من النار منهم أبو الصهباء صلة بن أشيم صلى ليلة إلى السحر ثم رفع يديه وقال: اللهم أجرني من النار أوَ مثلي يجترئ أن يسألك الجنة. ومنهم عطاء السلمي كان لا يسأل الجنة. فقال له صالح المري أن أبان عن أنس عن النبي ﷺ قال: يقول الله انظروا في ديوان عبدي فمن رأيتموه سألني الجنة أعطيته ومن استعاذني من النار أعذته. فقال
стр. 10201
عطاء: كفاني أن يجيرني من النار، ذكره أبو نعيم في الحلية] (١). قوله: "ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار وعذاب في القبر" الحديث، فإن قيل ما الحكمة في نهيها عن الدعاء بما ذكرناه لزيادة في الدرجات لأنه مفروغ منه وأمرها بالاستعاذة من عذاب القبر وعذاب النار مع أنه مفروغ منه أيضا [كالأجل]، فالجواب أن الجميع مفروغ منه لكن الدعاء بالنجاة من عذاب النار وعذاب القبر ونحوهما عبادة. ["هذا يقتضي أن سؤال الجنة ليس عبادة وقد علمت ما فيه، قال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢)، وقد ورد أن الدعاء مخ العبادة على العموم وسؤال الجنة ثابت شرعا وإنما الذي ينبغي في التفرقة أن باب التعوذ أهم وأعرق في باب الأدب وأمسّ بمقام الخوف ولله المثل الأعلى، العبد الآبق من مولاه الأهم له أن يستعطفه بما أمكنه أن يجيره من انتقامه لا أن يتشهى عليه طرف الفواكه وما تطرب له الأرواح وتنعم به الأشباح، ولو عكس المطلب وكان عزوه إلى الحمق أقرب على أن من أعاذه الله من ناره أدخله جنته برحمته إذ لا واسطة والله أعلم .... الحديث، إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة بطلب الجنة وسؤالها"] (٣). [وهذا الحديث صريح في أن الآجال والأرزاق مقدرة لا تتغير