← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 10197–10236 · переход к 10202.

стр. 10197

لمسحه الأرض أي طوافه بها فيقطعها في أيام معدودة. وأما الدجال فقيل معناه الكذاب لكذبه وتمويهه وكل دجال كذاب، وقيل المموِّه بباطله وسحره الملبس به والدجل طلي البعير بالقطران، وقيل هو من التغطية لأنه يُغطي الأرض بجموعه والدجل التغطية ومنه سميت دجلة لتغطية ما فاضت عليه، مأخوذ من دجّل فلان الحق أي غطاه. ٥٥٢٠ - وعن أم حبيبة ﵂ قالت سمعني رسول الله ﷺ وأنا أقول اللهم أمتعني بزوجي رسول الله وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية فقال سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة لن يعجل شيئا منها قبل أجله ولا يؤخر ولو كنت سألت الله أن يعيذك من النار وعذاب القبر كان خيرا وأفضل. رواه مسلم (١). قوله: "وعن أم حبيبة" أم حبيبة هي إحدى أمهات المؤمنين ﵅، وتقدم الكلام على بعض مناقبها في مواضع. قولها: "قالت سمعني رسول الله ﷺ : وأنا أقول اللهم أمتعني -وفي نسخة: متِّعني- بزوجي رسول الله ﷺ وأبي أبي سفيان وبأخي معاوية" الحديث، يقال: أمتعه الله بكذا ومتَّعه بمعنًى كأنها سألت الله أن تحيى مدة حياتهم. وقال بعضهم: معناه أي أطل أعمارهم زمنا طويلا حتى أتمتع بهم. قوله: "لقد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة" الحديث، الآجال الوقت المضروب المحدود في المستقبل. قوله: "لن يعجل الله منها شيئا قبل حله" ضبط بوجهين فتح الحاء

стр. 10198

وكسرها، وذكر القاضي عياض (١) أن جميع الرواة على الفتح ومراده رواة بلادهم. قال النووي (٢): وإلا فالأشهر عند رواة بلادنا الكسر وهما لغتان، ومعناه قبل وجوبه وحينه، اهـ. وقال بعضهم: قبل حلوله ونزوله، فيحتمل أنها اختلاف روايات في حله ومعناه وجوبه. يقال: حل الأجل يحل حلا وحِلا أي وجب، وحكاه الإمام أبو عبد الله قبل أجله وبعده. وهذا الحديث صريح في أن الآجال والأرزاق مقدرة لا تتغير عما قدره الله تعالى وعلمه في الأجل فيستحيل زيادتها ونقصها [حقيقة عن ذلك، وحكاه الإمام أبو عبد الله قبل أجله وبعد أجله. قاله النووي في شرح مسلم (٣)، وروى البيهقي عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: إذا كان يوم حار ألقى الله سمعه وبصره إلى السماء وأهل الأرض، فإذا قال العبد لا إله إلا الله ما أشد حر هذا اليوم، اللهم أجرني من حر جهنم، [فإن] الله تعالى [يقول] لجهنم: إن عبدا من عبادي قد استجار منكِ وإني أشهدك أني قد أجرته. فالجنة تسأل ربها أهلها وأهلها يسألونه إياها والملائكة تسألها لهم والرسل يسألونه إياها لهم ولأتباعهم ويوم القيامة يقيمهم [بين يديه] يشفعون فيها لعباده المؤمنين فالرب جواد له الجود كله يحب أن يسأل ويطلب منه ويرغب إليه فخلق من يسأله وألهمه سؤاله وخلق له ما يسأله إياه

стр. 10199

فهو خالق الوسائل وسائله ومسئوله وذلك لمحبته لسؤال عباده له ورغبتهم إليه وطلبهم منه وهو [ ] يغضب إذا لم يُسأل وأحب خلقه إليه أكثرهم وأفضلهم له سؤالا وهو يحب الملحِّين له في الدعاء وكلما ألحّ العبد عليه في السؤال أحبه وقرّبه وأعطاه. وفي الحديث: من لم يسأل الله يغضب عليه. [وما أحسن قول القائل: الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبنَيُّ آدمَ إن سألته يغضب] (١) قاله في حادي الأرواح. ٥٥٢١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا استجار عبد من النَّار سبع مَرَّات إِلَّا قَالَت النَّار يَا رب إِن عَبدك فلَانا استجار مني فَأَجره وَلَا سَأَلَ عبد الْجنَّة سبع مَرَّات إِلَّا قَالَت الْجنَّة يَا رب إِن عَبدك فلَانا سَأَلنَي فَأدْخلهُ الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم (٢). ٥٥٢٢ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة اللهم أدخله الجنة ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار اللهم أجره من النار، رواه الترمذي (٣)

стр. 10200

والنسائي (١) وابن ماجه (٢) وابن حبان (٣) في صحيحه ولفظهم واحد والحاكم (٤) وقال صحيح الإسناد. قوله: "عن أنس" تقدم. قوله: "من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة" الحديث، وفي الحديث أيضا: [من سأل الله الجنة شفعت له الجنة إلى ربها، وقالت: اللهم أدخله الجنة، وفي الحديث:] أن الجنة تفتح في كل سحر ويقال لها: ازدادي طيبا لأهلك فتزداد طيبا، فذلك البرد الذي يجده الناس في السحر. وقد كان جماعة من السلف لا يسألون الله الجنة ويقولون: حسبنا أن يجيرنا من النار منهم أبو الصهباء صلة بن أشيم صلى ليلة إلى السحر ثم رفع يديه وقال: اللهم أجرني من النار أوَ مثلي يجترئ أن يسألك الجنة. ومنهم عطاء السلمي كان لا يسأل الجنة. فقال له صالح المري أن أبان عن أنس عن النبي ﷺ قال: يقول الله انظروا في ديوان عبدي فمن رأيتموه سألني الجنة أعطيته ومن استعاذني من النار أعذته. فقال

стр. 10201

عطاء: كفاني أن يجيرني من النار، ذكره أبو نعيم في الحلية] (١). قوله: "ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار وعذاب في القبر" الحديث، فإن قيل ما الحكمة في نهيها عن الدعاء بما ذكرناه لزيادة في الدرجات لأنه مفروغ منه وأمرها بالاستعاذة من عذاب القبر وعذاب النار مع أنه مفروغ منه أيضا [كالأجل]، فالجواب أن الجميع مفروغ منه لكن الدعاء بالنجاة من عذاب النار وعذاب القبر ونحوهما عبادة. ["هذا يقتضي أن سؤال الجنة ليس عبادة وقد علمت ما فيه، قال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢)، وقد ورد أن الدعاء مخ العبادة على العموم وسؤال الجنة ثابت شرعا وإنما الذي ينبغي في التفرقة أن باب التعوذ أهم وأعرق في باب الأدب وأمسّ بمقام الخوف ولله المثل الأعلى، العبد الآبق من مولاه الأهم له أن يستعطفه بما أمكنه أن يجيره من انتقامه لا أن يتشهى عليه طرف الفواكه وما تطرب له الأرواح وتنعم به الأشباح، ولو عكس المطلب وكان عزوه إلى الحمق أقرب على أن من أعاذه الله من ناره أدخله جنته برحمته إذ لا واسطة والله أعلم .... الحديث، إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة بطلب الجنة وسؤالها"] (٣). [وهذا الحديث صريح في أن الآجال والأرزاق مقدرة لا تتغير

стр. 10202

عما قدره الله تعالى وعلمه في الأجل فيستحيل زيادتها ونقصها] [وقد أمر الشرع بالعبادات التي يصير بها العامل من الفائزين في الدنيا والآخرة، اهـ، قاله في الديباجة] (١). وفي سنن أبي داود من حديث جابر قصة صلاة معاذ وتطويله أن النبي ﷺ قال للفتى الذي شكاه كيف تصنع يا ابن أخي إذا صليت؟ قال: أقرأ بفاتحة الكتاب وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار وإني لا أدري ما دندنتك ودندنة معاذ، فقال النبي ﷺ : إني ومعاذ حولها ندندن، فالجنة تطلب أهلها وتجذبهم [إليها جذبًا] والنار كذلك وقد أمرنا رسول الله ﷺ أن لا نزال نذكرهما ولا ننساهما كما روى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تنسوا العظيمين. قلنا: يا رسول الله وما العظيمان؟ قال: الجنة والنار، الحديث. ٥٥٢٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إن لله ملائكة سيارة يتبعون مجالس الذكر فذكر الحديث إلى أن قال فيسألهم الله وهو أعلم من أين جئتم فيقولون جئنا من عند عباد لك يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك. قال فما يسألوني قالوا يسألونك جنتك قال وهل رأوا جنتي قالوا لا أي رب قال فكيف لو رأوا جنتي قالوا ويستجيرونك. قال ومما يستجيروني قالوا من نارك يا رب. قال وهل رأوا ناري قالوا لا. قال فكيف لو رأوا ناري. قالوا ويستغفرونك قال فيقول قد غفرت لهم وأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا. الحديث رواه

стр. 10203

البخاري (١) ومسلم (٢) واللفظ له وتقدم بتمامه في الذكر. قوله: "وعن أبي هريرة" أبو هريرة اسمه عبد الرحمن بن صخر على الأصح من نحو ثلاثين قولا، وهو أكثر الصحابة ﵃ حديثًا، وتقدم الكلام على مناقبه في عدة مواضع من هذا التعليق. قوله ﷺ : "إن لله ملائكة سيارة يتبعون مجالس الذكر" تقدم الكلام على هذا الحديث في أول كتاب الأذكار مبسوطًا.

стр. 10204

الترهيب من النار أعاذنا الله منها بمنه وكرمه ٥٥٢٤ - عن أنس ﵁ قال كان أكثر دعاء النبي ﷺ : ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١)، رواه البخاري (٢). قوله: "عن أنس" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "كان أكثر دعاء النبي ﷺ : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" الحديث، وهذا الدعاء من أجمع الأدعية للخير، وكان النبي ﷺ يكثر منه، وروي أنه كان أكثر دعائه وكان ﷺ إذا دعا بدعاء جعله معه فإنه يجمع خير الدنيا والآخرة. قال الحسن: الحسنة في الدنيا العلم والعبادة وفي الآخرة الجنة. وقال سفيان: الحسنة في الدنيا العلم والرزق الطيب وفي الآخرة الجنة. ٥٥٢٥ - وعن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : اتقوا النار قال وأشاح ثم قال اتقوا النار ثم أعرض وأشاح ثلاثًا حتى ظننا أنه ينظر إليها ثم قال اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة رواه البخاري (٣) ومسلم (٤).

стр. 10205

أشاح بشين معجمة وحاء مهملة معناه حذر النار كأنه ينظر إليها وقال الفراء المشيح على معنيين المقبل إليك والمانع لما وراء ظهره قال وقوله أعرض وأشاح أي أقبل. قوله: "وعن عدي بن حاتم" هو عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي، فذكره إلى أن قال: ابن طيء، وكان شريفًا خطيبًا فاضلًا كريمًا حاضر الجواب، يكنى أبا طريف بفتح المهملة وبكسر الراء، وأبوه هو حاتم المشهور بالكرم، روي له عن رسول الله ﷺ : ستة وستون حديثا، ذكر البخاري منها ثلاثة وكان إسلامه في سنة [تسع]. وقيل في سنة عشر. روي عنه أنه قال: ما دخلت على رسول الله ﷺ قطّ إلا وسَّع وتحرّك ولقد دخلت عليه يوما بيته وقد امتلأ من أصحابه فوسّع لي حتى جلستُ إلى جنبه. وروي عن عدي أنه قال: ما دخل عليّ وقت صلاة إلا وأنا مشتاق إليها، وثبت عدي على الإسلام في الردة أحسن ثبوت. وروى الشعبي أن عدي بن حاتم الطائي قال لعمر بن الخطاب إذ قدم عليه: ما أظنك تعرفني؟ فقال: كيف لا أعرفك وأول صدقة بَيَّضت وجه رسول الله ﷺ صدقة طيء، أعرفك آمنتَ إذ كفروا وأقبلت إذ أدبروا ووفيتَ إذ [غدروا] وشهد فتوح العراق زمن عمر وكان يفتّ الخبز للنمل ويقول: إنهن جارات لنا ولهن حق، وكان يقال له: الجواد بن الجواد، ونزل عدي الكوفة وشهد مع علي وقعة الجمل وصفين والنهروان، مات بالكوفة زمن المختار الثقفي وهو ابن مائة وعشرين سنة، وتقدم الكلام على مناقبه في الصدقات.

стр. 10206

قوله: "اتقوا النار. قال: وأشاح ثم قال: اتقوا النار. ثم أعرض وأشاح ثلاثا حتى ظننا أنه ينظر إليها"، الحديث. أشاح بشين معجمة وحاء مهملة مهملة معناه حذر النار كأنه ينظر إليها، وقال الفراء: المشيحُ على معنيين: المقبل إليك والمانع لما وراء ظهره، قال: وقوله: أعرض وأشاح أي أقبل، انتهى، قاله الحافظ ومعنى أعرض وأشاح هنا أي كأنه كان ناظرا إلى النار التي كان يذكرها قبل، فأعرض عنها [وهو معنى أشار باليد] [حذرا منها وهو معنى أشاح، قاله عياض (١). وقال الخطابي (٢) أشاح بوجهه إذا صرفه عن الشيء فعل الحَذِر منه الكاره له كأنه ﷺ كان يرها ويحذر وهَج سعيرها فنحى وجهه عنها، انتهى] (٣). والمشيح الحذر والجادّ في الأمر فيجوز أن يكون أشاح لأحد هذه المعاني أي حذر النار كأنه ينظر إليها أو جدّ على الإيصاء باتقائها أو أقبل إليك في خطابه ومنه في صفته إذا غضب أعرض وأشاح، قاله في النهاية (٤). ٥٥٢٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ (٥) دعا رسول الله ﷺ قريشًا فاجتمعوا فعم وخص فقال يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من

стр. 10207

النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئًا. رواه مسلم (١) واللفظ له والبخاري (٢) والترمذي (٣) والنسائي (٤) بنحوه. قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله: "لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ (٥) دعا رسول الله ﷺ قريشا فاجتمعوا فعمَّ وخصّ فقال يا بني كعب بن لؤي أنقذو أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار" الحديث، ذكر ﷺ أولا جده الأعلى وهو كعب بن لؤي ولؤي بالهمز عند الأكثرين، ثم قال: يا بني عبد شمس وهم بنو جده الأدنى وهو عبد المطلب وعبد المطلب اسمه شيبة الحمد عند الجمهور، وسمي بذلك لأنه لما ولد كانت في رأسه شعرة بيضاء. وقال ابن [قتيبة] اسمه عامر وسمي عبد المطلب لأن عمه المطلب أردفه خلفه حين أتى به من المدينة صغيرا فكان يقال من هذا: فيقول عبدي ثم ذكر [ ﷺ ] [بني] (٦) هاشم وهم قبيلته وهاشم اسمه عمرو وسمي به لأنه هشم الثريد لقومه في المجاعة ثم ذكر بني عبد المطلب وهم أعمامه وبنو أعمامه ثم ذكر فاطمة وهي ابنته فبدأ [بأصولهم]

стр. 10208

وفصولهم ثم ذكر ما انفصل وهذا معنى العموم والخصوص، اهـ. تنبيه في حديث آخر (١): يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، هكذا وقع في بعض الأصول فاطمة وفي بعضها أو أكثرها يا فاطم بحذف الهاء على الترخيم، وعلى هذا يجوز ضم الميم وفتحها كما عُرف في نظائره فيجوز نصب فاطمة و [صفية] وضمهما والنصب أفصح وأشهر؛ وأما بنت وابن فمنصوب لا غير وهذا وإن كان ظاهرا معروفا [فلا] بأس به بالتنبيه عليه لمن لا يحفظه، قاله النووي (٢). قوله ﷺ : "فإني لا أملك لكم من الله شيئا" معناه لا تتكلوا على قرابتي فإني لا أقدر على دفع مكروه يريده الله تعالى بكم. قاله النووي أيضا في شرح مسلم. سؤال: فإن قيل ما الحكمة في أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ بإنذار عشيرته على الخصوص في قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ (٣) بعد أن أرسله إلى كافة الخلق؟ الجواب عنه أن يقال: نزهه الله تعالى بذلك عن مواضع التهمة ولولا ذلك لكان للكفرة أن يقولوا: إنما يفعل ما يفعل بقوّة أقربائه فنصره الله تعالى بالأجانب وأمره بإنذار الأقارب من العشيرة إسقاطا للتهمة والله أعلم. [قاله النعيمي]. ٥٥٢٧ - وعن النعمان بن بشير ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول أنذرتكم النار أنذرتكم النار حتى لو أن رجلا كان بالسوق لسمعه من

стр. 10209

مقامي هذا حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه. رواه الحاكم (١) وقال صحيح على شرط مسلم. قوله: "وعن النعمان بن بشير" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقولن: أنذركم النار حتى لو أن رجلا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه" الحديث. الخميصة كساء أسود مربع له علمان والعاتق وهو ما بين المنكب إلى أصل العنق هذا قول أبي عبيدة وقال الأصمعي وهو موضع [الرداء] [من الجانبين] (٢). ٥٥٢٨ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الدواب والفراش يقعن فيها فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحمون فيها. رواه البخاري (٣) ومسلم (٤).

стр. 10210

٥٥٢٩ - وفي رواية لمسلم (١) إنما مثلي كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها. قال فذلكم مثلي ومثلكم وأنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار هلم عن النار فيغلبوني ويقتحمون فيها. قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم الكلام على ترجمته. قوله ﷺ : "إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارًا فجعل الدواب والفراش يقعن فيها. فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقتحمون فيها" الحديث. فقوله: "مثلي ومثل أمتي" هو بفتح الميم أي صفتي وصفة أمتي. وقوله: "كمثل رجل استوقد نار" بمعنى أوقد نارا [وقيل: استوقدها بمعنى أوقد] والسين والتاء زائدتان كما هو مذكور في الحديث الآخر وهو حديث جابر كمثل رجل أوقد نارا. قال الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ (٢) بمعنى أوقد. قوله: "فجعل الدواب والفراش يقعن فيها"، الفراش دواب مثل البعوضة واحدتها فراشة وهي التي تطير وتتهافت في السراج أي تسقط فيه بسبب ضعف إبصارها فهي بسبب ذلك تطلب ضوء النهار فإذا رأت المسكينة السراج بالليل ظنت أنها في بيت مظلم وأن السراج كوة في البيت المظلم إلى الموضع المضيء [ما تزال تطلب الضوء وترمي نفسها إلى الكوة فإذا جاوزتها ورأت الظلام ظنت أنها لم تصب الكوة و] لم تقصدها على السداد

стр. 10211

فتعود إليها مرة أخرى حتى تحترق. قال الإمام الغزالي فلعلك تظن أن هذا لنقصانها وجهلها، فاعلم أن جهل الإنسان أعظم من جهلها بل صورة الإنسان في الإكباب على الشهوات في التهافت على النار فلا يزال يرمي نفسه فيها إلى أن ينغمس فيها ويهلك هلاكا مؤبدا فليت جهل الآدمي كان كجهل الفراش فإنها باغترارها بظاهر الضوء إن احترقت تخلصت في [الحال] والآدمي يبقى في النار أبدًا الآباد ومدة مديدة ولذلك كان رسول الله ﷺ يقول: "إنكم تتهافتون في النار تهافت الفراش وأنا آخذ بحجزكم". وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤)﴾ (١) شبّههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والتطاير إلى الداعي من كل جانب كما يتطاير الفراش، اهـ. قوله ﷺ : "فأنا آخذ بحجزكم" قال النووي (٢): روي بوجهين أحدهما: اسم فاعل بكسر الخاء وتنوين الذال المعجمة. والثاني: فعل مضارع بضم الخاء بلا تنوين والأول أشهر وهما صحيحان. وقوله: "بحجزكم" بضم الحاء المهملة وفتح الجيم جمع حجزة بضم الحاء وإسكان الجيم وهو موضع الإزار والسراويل يقال: تحاجز القوم أخذ بعضهم بحجزة بعض وإذا أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه أخذ بذلك الموضع منه. قوله: "وأنتم تقتحمون فيها" أي تلقون أنفسكم فيها، والاقتحام الدخول في الشيء أو في

стр. 10212

الأمر الضيق لجاجا ويعبر به عن الهلاك وإلقاء النفس في المهالك وتعريضها لها قصدا ولجاجا، قاله عياض (١). قال النووي (٢): مقصود الحديث أنه ﷺ شبه تساقط الجاهلين والمخالفين بمعاصيهم وشهواتهم في نار الآخرة وحرصهم على الوقوع في ذلك مع منعه إياهم وقبضه على مواضع المنع منهم بتساقط الفراش في نار الدنيا لهواه وضعف تمييزه فكلاهما حريص على هلاك نفسه ساع في ذلك بجهله. وقال أبو العباس القرطبي (٣): وهو مثل لاجتهاد نبينا ﷺ في نجاتنا وحرصه على تخليصنا من الهلكات التي بين أيدينا ولجهلنا بقدر [ذلك] وغلبة شهواتنا علينا، اهـ. قوله ﷺ في رواية مسلم: "إنما مثلي كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب يقعن فيها" تقدم معنى ذلك. وأما قوله: "فلما أضاءت" الإضاءة فرط الإنارة من الضوء وأضاء جاء متعديا ولازما. قوله: "فجعل يحجزهن ويغلبنه" الحجز المنع. قوله: "فيتقحمن فيها" يتقحمن بياء مثناة من تحت ثم مثناة من فوق ثم قاف مفتوحة ثم حاء مهملة مفتوحة مشددة والتقحم الإقدام والوقوع في الأمور الشاقة بغتة من غير تثبت ولا تروٍ. يقال: اقتحم الإنسان الأمر العظيم

стр. 10213

وتقحَّمه إذا رمى نفسه فيه من غير رويّة وتثبت وأكثر ما يستعمل في الشدّة والأهوال المخيفة. قوله: "هلم عن النار هلم عن النار" وهلم بفتح الهاء وضم اللام وفتح الميم وتشديدها، هلم من أسماء الأفعال مركبة من ها وَلمَّ من لممت الشيء أي جمعته ويستوي فيه المذكر والمؤنث تقول هلم يا رجل ويا رجلان ويا رجال [ويا امرأة ويا نسوة، أي أقول لكم تعالوا وابعدوا عن النار، انتهى]. ٥٥٣٠ - وعن جابر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي. رواه مسلم (١). الحجز بضم الحاء وفتح الجيم جمع حجزة وهي معقد الإزار. قوله: "وعن جابر" هو ابن عبد الله، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذُبّهن عنها"، أما الجنادب فهو جمع جندب وفيها ثلاث لغات، جندب بضم الدال وفتحها والجيم مضمومة فيهما والثالث حكاها القاضي عياض (٢) وجندب بكسر الجيم وفتح الدال والجنادب هذا الصرار الذي يشبه الجراد. وقال أبو حاتم الجندب على خلقة الجراد له أربعة أجنحة كالجرادة وأصغر منها يطير ويصر بالليل صرا شديدا وقيل غيره، وأما

стр. 10214

الفراش فقال الخليل: هو الذي يطير كالبعوض. وقال غيره: ما تراه كصغار البق تطير إلى ضوء الشعلة وتوقع نفسها فيها، واحدها فراشة وتقدم الكلام على الفراش. قوله: "وهو يذبّهن عنها" الذبّ الدفع. قوله ﷺ : "وأنا آخذ بحجزكم عن النار"، الحجز بضم الحاء وفتح الجيم جمع حجزة [كبُرَق وبُرْقة، والحجزة] معقد الإزار، اهـ. قاله الحافظ، وقال بعض العلماء: الحجز جمع حجزة كبُرق وبرقة والحجزة معقد الإزار والسراويل واستعير الأخذ بالحجزة للمنع الشديد لأن الذي يمنع صاحبه عن الشيء يستمسك به ليكون المنع أقوى مع أن المأخوذ إذا أخذ بحجزته امتنع بما يمتنع منه حذرا من انحلال عقد الإزار وبدء وظهور السوءة. قوله: "تفتلتون" وفي نسخة تفلتون، والتفلت التخلص وأصل تفلتون تتفلتون فحذفت التاءين تخفيفا، وروي بوجهين أحدهما فتح التاء والفاء واللام المشددة والثاني ضم التاء وإسكان الفاء وكسر اللام المخففة وكلاهما صحيح، يقال أفلت مني وتفلت إذا نازعك الغلبة والهرب ثم غلب وهرب ومعنى التمثيل [أنكم] (١) في جرأتكم [على] (٢) المعاصي الموبقة وجهلكم بما ترتب عليها وعدم التفاتكم إلى صنيعي معكم كالفراش في جرأتها على النار واغترارها بحسن منظرها ولطافة جوهرها وجهلها على ما يعود إليها من مضرتها، اهـ.

стр. 10215

٥٥٣١ - وروي عن كليب بن حزن ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول اطلبوا الجنة جهدكم واهربوا من النار جهدكم فإن الجنة لا ينام طالبها وإن النار لا ينام هاربها وإن الآخرة اليوم محفوفة بالمكاره وإن الدنيا محفوفة باللذات والشهوات فلا تلهينكم عن الآخرة رواه الطبراني (١). قوله: "وروي عن كليب بن حزن" هو كليب بن جزي بن معاوية بن خفاجة بن عمرو بن عقيل العقيلي وقيل: كليب بن حزن، كذا أخرجه أبو عُمر، وفي بعض نسخ كتابه: كليب بن جرز، بالجيم والراء والزاي. قوله "اطلبوا الجنة جهدكم واهربوا من النار جهدكم" والطلب والهرب شيئان متضادان وهما معروفان والجهد كذا قوله ﷺ : "وإن الآخرة اليوم محفوفة بالمكاره وإن الدنيا محفوفة باللذات والشهوات فلا تلهينكم عن الآخرة"، الحديث. المكاره كل ما شق على النفس فعله ويصعب عليها عمله كالطهارة في السبرات أي في شدة البرد وغيرها من أعمال الطاعات والصبر على المصائب والمصيبات وجميع المكروهات والشهوات كل ما يوافق النفس ويلائمها وتدعو إليه ويوافقها وأصل الجفاف الدائر بالشيء المحيط به الذي لا يتوصل إليه إلا بعد أن يُتخطى فمثّل النبي ﷺ المكاره والصبر عليها والنار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها، قاله القرطبي (٢).

стр. 10216

٥٥٣٢ - وروي عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ما رأيت مثل النار نام هاربها ولا مثل الجنة نام طالبها. رواه الترمذي (١) وقال هذا حديث إنما نعرفه من حديث يحيى بن عبيد الله يعني ابن موهب التيمي. قال الحافظ قد رواه عبد الله بن شريك عن أبيه عن محمد الأنصاري (٢) والسدي عن أبيه عن أبي هريرة أخرجه البيهقي (٣) وغيره. قوله: "وروي عن أبي هريرة" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "ما رأيت مثل النار نام هاربها ولا مثل الجنة نام طالبها" تقدم معنى الهرب والطلب. قوله: "من حديث يحيى بن عبيد الله" يعني ابن موهب التيمي وثقه القطان وضعفه جدا البقية. قوله: "وأخرجه البيهقي من رواية عبد الرحمن بن شريك" عبد الرحمن بن شريك بن عبد الله النخعي الكوفي قال أبو حاتم: واهي الحديث. وذكره ابن حبان في "كتاب الثقات"، وقال: ربما أخطأ.

стр. 10217

٥٥٣٣ - وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال يا معشر المسلمين ارغبوا فيما رغبكم الله فيه واحذروا مما حذركم الله منه وخافوا مما خوفكم الله به من عذابه وعقابه ومن جهنم فإنها لو كانت قطرة من الجنة معكم في دنياكم التي أنتم فيها حلتها لكم ولو كانت قطرة من النار معكم في دنياكم التي أنتم فيها خبثتها عليكم. رواه البيهقي ولا يحضرني الآن إسناده (١). قوله: "وعن أنس" هو ابن مالك تقدم. قوله: "يا معشر المسلمين ارغبوا فيما رغبكم الله فيه" واحذروا مما حذّركم الله منه، وخافوا مما خوفكم الله منه" المعشر الجماعة، وتقدم الكلام عليه مبسوطا في النكاح، والرغبة فيما رغب الله فيه هو كذا قوله: "واحذروا مما حذركم الله منه" التحذير هو كذا "وخافوا مما خوفكم الله منه" الحديث، الخوف هو عدم الإقدام على الشيء. قوله: "ومن جهنم" اسم علم لجميع النار سميت بذلك لبعد قعرها، يقال: بئر جهنام إذا كانت عميقة القعر. وقال بعض اللغويين هي مشتقة من الجهومة وهي الغلظ، سميت بذلك لغلظ أمرها في العذاب والله أعلم. ٥٥٣٤ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أتي بفرس يجعل كل خطو منه أقصى بصره فسار وسار معه جبريل ﵇ فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم كلما حصدوا عاد كما كان فقال يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف

стр. 10218

وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شيء قال يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء الذين تثاقلت رؤوسهم عن الصلاة ثم أتى على قوم على أدبارهم رقاع وعلى أقبالهم رقاع يسرحون كما تسرح الأنعام إلى الضريع والزقوم ورضف جهنم قال ما هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله وما الله بظلام للعبيد ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يريد أن يزيد عليها قال يا جبريل ما هذا قال هذا رجل من أمتك عليه أمانة الناس لا يستطيع أداءها وهو يريد أن يزيد عليها ثم أتى على قوم تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء قال يا جبريل ما هؤلاء قال خطباء الفتنة ثم أتى على جحر صغير يخرج منه ثور عظيم فيريد الثور أن يدخل من حيث خرج فلا يستطيع قال ما هذا يا جبريل قال هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة فيندم عليها فيريد أن يردها فلا يستطيع ثم أتى على واد فوجد ريحا طيبة ووجد ريح مسك مع صوت فقال ما هذا قال صوت الجنة تقول يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقد كثر غرسي وحريري وسندسي وإستبرقي وعبقريي ومرجاني وفضتي وذهبي وأكوابي وصحافي وأباريقي وفواكهي وعسلي ومائي ولبني وخمري ائتني بما وعدتني قال لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحا ولم يشرك بي شيئا ولم يتخذ من دوني أندادًا فهو آمن ومن سألني

стр. 10219

أعطيته ومن أقرضني جزيته ومن توكل علي كفيته إني أنا الله لا إله إلا أنا لا خلف لميعادي قد أفلح المؤمنون تبارك الله أحسن الخالقين فقالت قد رضيت ثم أتى على واد فسمع صوتا منكرا فقال يا جبريل ما هذا الصوت قال هذا صوت جهنم تقول يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وغساقي وغسليني وقد بعد قعري واشتد حري ائتني بما وعدتني قال لك كل مشرك ومشركة وخبيث وخبيثة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب قالت قد رضيت فذكر الحديث في قصة الإسراء وفرض الصلاة وغير ذلك. رواه البزار (١) عن الربيع بن أنس عن أبي العالية أو غيره عن أبي هريرة. قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله: "ثم آتي على قوم ترضخ رءوسهم بالصخر" الرضخ عبارة عن كسر رأس الحية، والنوى وما يشبه ذلك وقيل الدق والكسر. قوله: "ثم آتي على قوم على أدبارهم رقاع وعلى أقبالهم رقاع يسرحون كما تسرح الأنعام إلى الضريع والزقوم ورضف جهنم" الحديث، الدبر والقبل من الإنسان وغيره معروفان، والضريع نبت بالحجاز له شوك كبار، اهـ. والزقوم بفتح الزاي المعجمة شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها

стр. 10220

كأنه رءوس الشياطين، والرضف الحجارة المحماة، وتقدم الكلام على جهنم في الحديث قبله، والله أعلم. قوله: "فذكر الحديث في قصة الإسراء وفرض الصلاة". تنبيه: ذكر ابن سعد عن الواقدي عن أشياخه أن المعراج كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من رمضان قبل الهجرة إلى السماء وأن الإسراء كان ليلة سبع عشرة من ربيع الأول قبل الهجرة بسنة إلى بيت المقدس وهذا على قول من فرق بين المعراج والإسراء فجعل المعراج إلى السماء كما ذكر في سورة النجم والإسراء إلى بيت المقدس خاصة كما في سورة سبحان. قاله ابن رجب في اللطائف. وقال في موضع آخر منه، وقيل: كان الإسراء في رجب وضعّفه غير واحد، وقيل كان في ربيع الأول وهو قول إبراهيم الحربي وغيره. وقال في موضع آخر: وذكر كعب أن في الكتب السابقة محمد رسول الله ملكه بالشام فمن مكة بدت نبوة محمد ﷺ وإلى الشام ينتهي ملكه ولهذا أُسري به ﷺ إلى الشام إلى بيت المقدس كما هاجر إبراهيم من قبله إلى الشام، اهـ. وفرض الصلوات الخمس ليلة المعراج قبل الهجرة بسنة وقيل بستة عشر شهرا، والله أعلم [بالصواب]. قوله: رواه البزار عن الربيع بن أنس عن أبي العالية. البزار اسمه أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق بن خلاد بن عُبيد الله العتكي الحافظ والربيع بن أنس هو البكري ويقال: الحنفي البصري ثم الخراساني قال أبو حاتم: صدوق قيل: توفي سنة تسع وثلاثين ومائة وقيل: سنة أربعين. روى عن أنس

стр. 10221

بن مالك وأبي العالية والحسن البصري كذا وأبو العالية اسمه رفيع بن مهران الرياحي، مولى آمنة، امرأة من بني رياح، بطن من بني تميم. أسلم بعد موت النبي ﷺ بسنتين، روى عن علي، وابن عباس، وابن مسعود، روى عنه قتادة، وخالد بن دينار، مات سنة ثلاث وتسعين. ٥٥٣٥ - وعن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال والذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، قالوا وما رأيت يا رسول الله قال رأيت الجنة والنار. رواه مسلم (١) وأبو يعلى (٢). قوله: "وعن أنس" هو ابن مالك، تقدم. قوله: "والذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا. قالوا: "وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار" الحديث. قال العلماء: مذهب أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقان الآن خلافا للمعتزلة في إنكار ذلك وتقدم الكلام على ذلك وسيأتي الكلام على ذلك أيضا والله أعلم. ٥٥٣٦ - وروي عن عبد الله بن الزبير ﵁ أن النبي ﷺ مر بقوم وهم يضحكون فقال تضحكون وذكر الجنة والنار بين أظهركم، قال فما رئي أحد منهم ضاحكًا حتى مات قال ونزلت فيهم ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ (٣) رواه

стр. 10222

البزار (١) وليس في إسناده من ترك ولا اتهم. قوله: "وروي عن عبد الله بن الزبير" الصحابي ابن الصحابي أمير المؤمنين هو أول مولود ولد في الإسلام للمهاجرين بالمدينة ولدته أسماء بنت الصديق وأتت به النبي ﷺ فوضعه في حجره وكان ﵁ أطلس لا لحية له، روي له عن رسول الله ﷺ ثلاثة وثلاثون حديثًا، ذكر البخاري منها ستة وهو أحد العبادلة الأربعة [وكان] صواما قوّاما وصُولا للرحم عظيم المجاهدة قسم الدهر ثلاث ليال ليلة يصلي قائمًا وليلة راكعًا وليلة ساجدًا حتى الصباح وغزى إفريقية فأتاهم ملكهم في مائة ألف وعشرين ألفا والمسلمون عشرون ألفا فنظر ابن الزبير ملكهم قد خرج [في] عسكره فأخذ ابن الزبير جماعة وقصده فقتله وكان الفتح على يده، ولما مات يزيد بن معاوية بويع له بالخلافة سنة أربع وستين واجتمع عليه طائفة أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان ما عدا الشام وجدّد عمارة الكعبة وجعل لها بابين وحج بالناس ثماني حجج وبقي في الخلافة إلى أن حصره الحجاج بمكة أول ليلة من ذي الحجة سنة ثنتين وسبعين وحجّ الحجاج بالناس ولم يزل يُحاصره إلى أن أصابته رمية حجر فمات [وصلبت] جثته وحمل رأسه إلى

стр. 10223

خراسان رضي الله تعالى عنه ورحمه، ذكره الكرماني (١). قوله: "إن النبي ﷺ مرّ بقوم وهم يضحكون فقال: تضحكون، وذكر الجنة والنار بين أظهركم؟ فما رئي أحد منهم ضاحكًا حتى مات"، الضحك جائز والأفضل الاقتصار على التبسم كما كان يفعل ﷺ . قال العلماء: ويكره الإكثار من الضحك وهو في أهل العلم والمراتب أقبح والله أعلم. ٥٥٣٧ - وَعَن ابْن عمر ﵄ عَن النَّبِي ﷺ أَنه خطب فَقَالَ لَا تنسوا العظيمتين الْجنَّة وَالنَّار ثمَّ بَكَى حَتَّى جرى أَو بل دُمُوعه جَانِبي لحيته ثمَّ قَالَ وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَو تعلمُونَ مَا أعلم من أَمر الْآخِرَة لمشيتم إِلَى الصَّعِيد ولحثيتم على رؤوسكم التُّرَاب رَوَاهُ أَبُو يعلى (٢). ٥٥٣٨ - وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال جاء جبريل إلى النبي ﷺ في حين غير حينه الذي كان يأتيه فيه فقام إليه رسول الله ﷺ فقال يا جبريل ما لي أراك متغير اللون فقال ما جئتك حتى أمر الله بمنافخ النار فقال رسول الله ﷺ يا جبريل صف لي النار وانعت لي جهنم فقال جبريل إن الله ﵎ أمر بجهنم فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضت ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة لا يضيء شررها ولا يطفأ لهبها والذي بعثك بالحق لو أن قدر

стр. 10224

ثقب إبرة فتح من جهنم لمات من في الأرض كلهم جميعا من حره والذي بعثك بالحق لو أن خازنا من خزنة جهنم برز إلى أهل الدنيا لمات من في الأرض كلهم من قبح وجهه ومن نتن ريحه والذي بعثك بالحق لو أن حلقة من حلق سلسلة أهل النار التي نعت الله في كتابه وضعت على جبال الدنيا لأرفضت وما تقارت حتى ينتهي إلى الأرض السفلى فقال رسول الله ﷺ حسبي يا جبريل لا ينصدع قلبي فأموت قال فنظر رسول الله ﷺ إلى جبريل وهو يبكي فقال تبكي يا جبريل وأنت من الله بالمكان الذي أنت به فقال وما لي لا أبكي أنا أحق بالبكاء لعلي أكون في علم الله على غير الحال التي أنا عليها وما أدري لعلي أبتلى بما ابتلي به إبليس فقد كان من الملائكة وما أدري لعلي أبتلى بما ابتلي به هاروت وماروت قال فبكى رسول الله ﷺ وبكى جبريل ﵇ فما زالا يبكيان حتى نوديا أن يا جبريل ويا محمد إن الله قد أمنكما أن تعصياه فارتفع جبريل ﵇ وخرج رسول الله ﷺ فمر بقوم من الأنصار يضحكون ويلعبون فقال أتضحكون ووراءكم جهنم فلو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما أسغتم الطعام والشراب ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله. رواه الطبراني في الأوسط (١) وتقدم

стр. 10225

شرح بعض غريبه في حديث آخر في ذكر الموت. قوله: "وروي عن عمر بن الخطاب" هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بن نفيل بضم النون بن عبد العزى بن رياح بكسر الراء المهملة ثم الياء المثناة تحت وبعد الألف حاء مهملة ابن عبد الله بن قرط بضم القاف بن رزاح بفتح الراء المهملة ثم الزاي المعجمة بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، يلتقي مع النبي ﷺ في كعب بن لؤي بالهمز وتركه ذكره ابن الفرات في تاريخه وتقدم الكلام عليه مبسوطا في سبب قتله. قوله: "جاء جبريل إلى النبي ﷺ في حينٍ غير حينه الذي كان يأتيه فيه" الحديث، جبريل عليه [الصلاة و] السلام هو رسول رب العالمين إلى أنبيائه تقدم الكلام عليه مبسوطا في كتاب الجمعة، والحين الوقت ومعناه جاءه في وقت غير وقته الذي كان يأتيه فيه. قوله: "لو أن خازنا من خزنة جهنم برز إلى أهل الأرض لمات من في الأرض كلهم" الحديث، برز بمعنى ظهر. قوله: "لو أنّ حلقة من حلق أهل النار وضعت على جبال الدنيا لارفضت وما تقارَّت حتى ينتهي إلى الأرض السفلى" تقدم الكلام على الحلقة وأنها بسكون اللام. وقوله: "لارفضت وما تقارت" معناه كذا قوله: "حسبي يا جبريل" معناه كذا قوله: "ولخرجتم إلى الصعدات تجئرون إلى الله " الصعدات الطرقات، وتجأرون معناه تضجون وتستغيثون، وتقدم ذلك. ٥٥٣٩ - وَرُوِيَ عَن عمر أَيْضا ﵁ أَن جِبْرِيل ﵇ جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ حَزينًا لَا يرفع رَأسه فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ مَا لي أَرَاك يَا جِبْرِيل حَزينًا قَالَ إِنِّي

стр. 10226

رَأَيْت نفحة من جَهَنَّم فَلم ترجع إِلَيّ روحي بعد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي [الأوسط] (١) ٥٥٤٠ - وعن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال لجبريل ما لي لا أرى ميكائيل ضاحكا قط قال ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار رواه أحمد (٢) من رواية إسماعيل بن عياش وبقية رواته ثقات. قوله: "وعن أنس" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ لجبريل: "ما لي لا أرى ميكال ضاحكا قط" الحديث، ميكائيل ﵇ هو الملك الموكل كذا قوله: "رواه أحمد من رواية إسماعيل بن عياش". ٥٥٤١ - وَرُوِيَ عَن أنس أَيْضا ﵁ قَالَ تَلا رَسُول الله ﷺ هَذِه الْآيَة

стр. 10227

وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة التَّحْرِيم ٧ فَقَالَ أوقد عَلَيْهَا ألف عَام حَتَّى احْمَرَّتْ وَألف عَام حَتَّى ابْيَضَّتْ وَألف عَام حَتَّى اسودت فَهِيَ سَوْدَاء مظْلمَة لَا يطفأ لهبها الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ والأصبهاني (١) وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الْبكاء. ٥٥٤٢ - وعن أنس بن مالك أيضا ﵁ عن النبي ﷺ قال إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ولولا أنها أطفئت بالماء مرتين ما استمتعتم بها وإنها لتدعو الله أن لا يعيدها فيها. رواه ابن ماجه (٢) بإسناد واه والحاكم (٣) عن جسر بن فرقد وهو واه عن الحسن عنه وقال صحيح الإسناد. قوله: "وعن أنس بن مالك" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم" الحديث، جهنم اسم للنار التي

стр. 10228

يعذب بها في الآخرة، وهو أعجمي عند الأكثرين. وروى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم. قالوا: يا رسول الله وإن كانت لكافية، قال: فإنها فضلت بتسعة وستين جزءا، ومعنى قوله: "ناركم هذه جزء من سبعين جزءا" يعني أنه لو جمع كل ما في الوجود من النار التي يوقدها بنو آدم لكان جزءا من أجزاء جهنم المذكورة وبيانه أنه لو جمع حطب الدنيا فأوقد كله حتى صار نارا لكان الجزء الواحد من أجزاء نار جهنم الذي هو من سبعين جزءا أشد من حر نار الدنيا. تنبيه: معنى الاختصاص بالعدد المذكور راجع إلى علم النبوءة. ٥٥٤٣ - وعن ابن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ يؤتى بالنار يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها. رواه مسلم (١) والترمذي (٢). قوله: "وعن ابن مسعود" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "يؤتى بالنار يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها" الحديث، ومعنى الحديث أنه يجاء بها من المحل الذي خلقها الله فيه فتدار بأهل المحشر حتى لا يبقى للجنة طريق إلا الصراط كما دل عليه الأحاديث الصحيحة، والزمام ما يُزَمُّ به الشيء أي يشد ويربط. وهذه الأمة التي تُساق جهنم بها أيضا يمنع من خروجها على أهل المحشر فلا يخرج منها إلا

стр. 10229

الأعناق التي أمرت بأخذ من شاء الله أخذه وملائكتها كما وصف الله تعالى: ﴿غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ (١) الآية. تنبيه: قال العلماء: إنما خص النبي ﷺ بردّها وقمعها وكفها على أهل المحشر دون غيره من الأنبياء لأنه رآها في مسراه وعرضت عليه في صلاته حسبما ثبت في الصحيح. قالوا: وفي ذلك فوائد تسع: الأولى: أن الكفار لما كانوا يستهزئون به ويكذبون قوله ويؤذونه أشدّ الأذى أراه الله تعالى النار التي أعدها للمستخفين به تطييبا لقلبه وتسكينا لفؤاده. الثانية الإشارة في ذلك إلى أن من طيب قلبه في شأن أعدائه بالإهانة والانتقام فأولى أن يطيب قلبه في شأن أوليائه وأحبابه بالتحية والشفاعة والإكرام. الثالثة: ويحتمل أنه عرضها عليه ليعلم منة الله تعالى حين أنقذهم منها ببركته وشفاعته. الرابعة: ويحتمل أنه عرضها عليه ليكون في القيامة إذا قال سائر الأنبياء نفسي نفسي يقول نبينا وشفيعنا أمتي أمتي وذلك حين تسجر جهنم ولذلك أمر الله تعالى محمدًا ﷺ فقال جل من قائل: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ (٢). قال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية: [والحكمة] في

стр. 10230

ذلك أن تفزع إلى شفاعته أمته ولو لم يؤمنه لكان مشغولًا بنفسه كغيره من الأنبياء. الخامسة: أن سائر الأنبياء لم يروا قبل يوم القيامة شيئًا منها فإذا [رأوها] شغلتهم أنفسهم عن أممهم فأما نبينا وشفيعنا محمد ﷺ فقد رأى جميع ذلك فلا يفزع منه مثل ما فزغوا ليقدر على الخطبة وهو المقام المحمود الذي وعده به ربه في القرآن وثبت في صحيح السنة. السادسة: فيه دليل فقهي على أن الجنة والنار قد خلقهما الله خلافا للمعتزلة المنكرين لخلقهما وهو يجري على ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١)، ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٢) والإعداد دليل الخلق. الثامنة: ويحتمل أنه أراه إياها ليعلم خسة الدنيا في جنب ما أراه فيكون في الدنيا أزهد وعلى شدائدها أصبر حتى يؤديه إلى الجنة فقد قيل: حبذا محنة تؤدي بصاحبها إلى الرخاء وبؤسا لنعمة تؤدي بصاحبها إلى البلاء. التاسعة: ويحتمل أن الله أراد ألا يكون لأحد كرامة لا تكون لمحمد ﷺ مثلها ولما كان لإدريس ﵇ كرامة الدخول إلى الجنة قبل يوم القيامة أراد الله أن يكون ذلك لصفيه ونجيه وحبيبه وأمينه على وحيه محمد ﷺ وشرف وكرم وعظم وبجل ووقر، قاله الحافظ ابن دحية في كتاب الابتهاج في أحاديث المعراج، ذكره القرطبي في كتاب

стр. 10231

التذكرة (١). والله أعلم. قولهم: "قالوا والله إن كانت لكافية" الحديث، إن في مثل هذه الموضع مخففة من الثقيلة عند البصريين وهذه اللام هي الفارقة بين إن النافية والمخففة من الثقيلة وهي عند الكوفيين بمعنى ما واللام بمعنى إلا، تقديره عندهم ما كانت إلا كافية، وعند البصريين إنها كانت كافية، نظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ (٢) أي إنها كافية فأجابهم النبي ﷺ بأنها فضلت عليها في المقدار والعدد بتسعة وتسعين فضلت عليها أيضا في شدة الحر بتسعة وستين ضعفا، اهـ. تنبيه: ولا يضر تأكد الكلام وتكرره فإنه ﵊ لما ذكر تفضيل جهنم في الحر بهذه الأجزاء، وقال الصحابة أن حر نار الدنيا كافيا في العقوبة والانتقام أكد النبي ﷺ ما أخبر به أوّلا بعد سؤال الصحابة وقال إنها فضلت عليها بهذا القدر في الحر والله أعلم. والإشارة في قوله: "ناركم هذه" يحتمل أن يكون التقريب لحضورها ومشاهدتها ويحتمل أن يكون للتقليل والاحتقار وفيه ترجيح جانب الرحمة "وفي الحديث إن رحمتي تغلب غضبي هو إشارة إلى سعة الرحمة وشمولها الخلق كما يقال غلب على فلان الكرم أي هو أكثر خصاله وإلا فرحمة الله وغضبه صفتان راجعتان إلى إرادته الثواب والعقاب، وصفاته لا توصف بغلبة إحداهما الأخرى وإنما هو على سبيل المجاز للمبالغة والله أعلم. قاله في

стр. 10232

النهاية (١) اهـ" لأن النار التي هي النقمة المعدة لأهل المخالفة مقدرة قد عرف نسبة زيادتها على نار الدنيا بخلاف الجنة التي هي النعمة المعدة لأهل الطاعة لا تقدير لها ولا نسبة من نعيم الدنيا ولم تحصر في قدر مخصوص كما تقدم والله أعلم، قاله العراقي في شرح الأحكام. فنار الدنيا جزء من سبعين جزءا من نار جهنم وغسلت بالبحرين مرتين حتى أشرقت [وخف] حرها ولولا ذاك ما انتفع بها أهل الدنيا، وهي تدعو إلى الله أن لا يعيدها إليها ومن أعظم ما يذكر بنار جهنم النار التي في الدنيا. قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ (٢) يعني أن نار الدنيا جعلها الله تذكرة تُذكر بنار جهنم. مرّ ابن مسعود ﵁ بالحدادين وقد أخرجوا حديدا من النار فوقف ينظر إليه ويبكي. ورُوي أنه مر على الذين ينفخون الكير فسقط، وكان أويس يقف على الحدادين فينظر إليهم كيف ينفخون الكير ويسمع صوت النار فيصرخ وكان كثير من السلف يخرجون إلى الحدادين ينظرون ما يصنعون بالحديد فيبكون ويتعوذون بالله من النار. رأى عطاء السلمي امرأة قد سجرت تنورها فغشي عليه. قال الحسن: كان عمر ﵁ ربما توقد له النار ثم يُدني يده منها، ثمّ يقول: يا ابن الخطاب هل لك على هذا صبر، وكان الأحنف بن قيس يجيء إلى المصباح فيضع إصبعيه ويقول: حسّ ثم يعاتب نفسه على ذنوبه. أجّج

стр. 10233

بعض العُبّاد نارا بين يديه وعاتب نفسه فلم يزل يُعاتبها حتى مات. سؤال: نار جهنم خير أم شر؟ الجواب: قال أبو جعفر النحاس في شرح الأسماء الحسنى ليس هو بخير ولا شر بل هو عذاب وحكمة. "انظر هذا مع قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ (١) الآية". سؤال آخر: ما الحكمة في خلق النار؟ قال النيسابوري: [ليكون] الخلق على هيبة وحرمة لأن النبي ﷺ علق السوط حيث يراه أهل البيت لئلا يتركوا الأدب. وروي أن الله تعالى قال لموسى ﵊: ما خلقت النار بُخلا مني ولكني أكره أن أجمع أعدائي وأوليائي في دار واحدة، وأيضا خلق النار حتى إذا نجوا منها علموا قدر الجنة لأن من لم يُقاس البلاء لم يدر قدر العافية، قاله ابن العماد في كتابه كشف الأسرار (٢). تنبيه: نقل ابن الجوزي في أوائل روضة الناقل ونزهة العاقل (٣) عن الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول: [والله] ما خلق الله النار إلا من كرمه جعلها سوطا يسوق به المؤمنين إلى جنته [فيا أيها] الغافل عن نفسه المغرور بما هو فيه عن غده وأمسِه [دع التفكر] فيما أنت مرتحل عنه واصرف الفكر إلى موردك وما أنت ملاقيه فإنك أخبرت أن النار موعد الجميع وأنك قادم على الله وموافيه. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ

стр. 10234

حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ (١) الآية، فأنت من الورود على يقين ومن النجاة على الشك فاستشعر في قلبك هول ذلك المولد. قوله: "وضربت بالبحر مرتين ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد" الحديث، ضربت أي غمست غمستين حتى صارت هكذا. قوله في رواية البيهقي: هي أشد سوادا من القار. القار الزفت كما سيأتي. قوله أيضًا: "أو نيف وأربعون" النيف ما زاد على العقد فهو نيف حتى يبلغ العقد الثاني.

стр. 10235

فصل فِي شدَّة حرهَا وَغير ذَلِك ٥٥٤٤ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ نَاركُم هَذِه مَا يُوقد بَنو آدم جُزْء وَاحِد من سبعين جُزْءا من نَار جَهَنَّم قَالُوا وَالله إِن كَانَت لكَافِيَة قَالَ إِنَّهَا فضلت عَلَيْهَا بِتِسْعَة وَسِتِّينَ جُزْءا كُلهنَّ مثل حرهَا رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَلَيْسَ عِنْد مَالك كُلهنَّ مثل حرهَا وَرَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ فزادوا فِيهِ وَضربت بالبحر مرَّتَيْنِ وَلَوْلا ذَلِك مَا جعل الله فِيهَا مَنْفَعَة لأحد (١). ٥٥٤٥ - وَفِي رِوَايَة للبيهقي أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ تحسبون أَن نَار جَهَنَّم مثل نَاركُمْ هَذِه هِيَ أَشد سوادا من القار هِيَ جُزْء من بضعَة وَسِتِّينَ جُزْءا مِنْهَا أَو نَيف وَأَرْبَعين شكّ أَبُو سُهَيْل (٢). قَالَ الْحَافِظ وَجَمِيع مَا يَأْتِي فِي صفة الْجنَّة وَالنَّار معزوا إِلَى الْبَيْهَقِيّ فَهُوَ مِمَّا ذكره فِي كتاب الْبَعْث والنشور وَمَا كَانَ من غَيره من كتبه أعزوه إِلَيْهِ إِن شَاءَ الله.

стр. 10236

٥٥٤٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة أَيْضًا ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن هَذِه النَّار جُزْء من مائَة جُزْء من جَهَنَّم رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (١). ٥٥٤٧ - وَعنهُ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَو كَانَ فِي هَذَا الْمَسْجِد مائَة ألف أَو يزِيدُونَ وَفِيهِمْ رجل من أهل النَّار فتنفس فَأَصَابَهُمْ نَفسه لاحترق الْمَسْجِد وَمن فِيهِ رَوَاهُ أَبُو يعلى وَإِسْنَاده حسن وَفِي مَتنه نَكَارَة وَرَوَاهُ الْبَزَّار وَلَفظه قَالَ رَسُول الله ﷺ لَو كَانَ في الْمَسْجِد مائَة ألف أَو يزِيدُونَ ثمَّ تنفس رجل من أهل النَّار لأحرقهم (٢). ٥٥٤٨ - وعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لو أن غربا من جهنم جعل في وسط الأرض لأذى نتن ريحه وشدة حره ما بين المشرق والمغرب ولو أن شررة من شرر جهنم بالمشرق لوجد حرها من بالمغرب. رواه الطبراني (٣) وفي إسناده احتمال للتحسين.
следующие страницы →