← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 1027–1066 · переход к 1032.

стр. 1027

رافع بن خديج الصحابي، رآه ابن الصلاح والحافظ المنذري، توفي سنة ثلاث أو أربع وعشرين وستمائة وهو ابن ست وستين سنة، وكان إذا خرج إلى المسجد أضاءت له الكروم وكذلك والده، قاله الدميري في شرح المنهاج (١). فائدة: إذا أتى الداخل الحمام قال الغزالي (٢): يستحب له أن يقول عند إرادة الدخول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم، ويقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج كالخلاء (٣)، وتقدم الكلام على ضبط هذا الذكر قريبًا، فإذا أراد أن ينزع ثوبه قال: بسم الله لما رواه ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان من حديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "ستر ما بين أعين الجن عورات بني آدم إذا نزع الرجل ثوبه أن يقول باسم الله ولا ينزع ثوبه حتى يسد المئزر" (٤).

стр. 1028

مسألة: هل يسلم على ما في الحمام أم لا؟ قال بعض الحنفية: لا نص عليه في الخلاصة، الثاني: يصح، الثالث: على المستتر ولا يسلم على المكشوف، حكاه البخاري عن حماد عن إبراهيم النخعي، وكذا قال أبو الليث: يسلم على من كان مستورا، وتوقف الإمام أحمد بن حنبل في هذه المسألة، وقال: وقال لا احفظ فيها شيئا، وقال في الإحياء: فإن سلم عليه لم يرد، قيل يسكت ولا بأس بأن يصافح غيره. تنبيه: ينبغي لداخل الحمام إذا دخله أن يتذكر به عذاب جهنم ويستعيذ بالله من النار ويسأله الجنة فقد كان السلف ﵃ يذكرون النار بدخول الحمام وكان ذلك لهم عبادة، دخل ابن وهب الحمام فسمع تاليا يتلو ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ (١) فغشي عليه، وتزوج صلة بن أشيم فدخل الحمام ثم دخل على زوجته تلك الليلة فظل يصلي حتى أصبح وقال دخلت بالأمس بيتا ذكرني بالنار ودخلت الليلة بيتا ذكرني بالجنة ولم يزل فكري فيهما حتى أصبحت، كان بعض السلف إذا أصابه كرب الحمام يقول: يا بر يا رحيم من علينا وقنا عذاب السموم، صب بعض الصالحين على نفسه ماء من الحمام فوجده شديد الحر فبكى وقال: ذكرت قوله تعالى ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ (٢) فهذه الدار الفانية ممزوجة بالنعيم والألم فما فيها من النعيم يذكر بنعيم الجنة وما فيها من الألم يذكر بألم النار،

стр. 1029

فبعض البقاع يذكر بالنار كالحمام (١) والله أعلم. فائدة أخرى: يجوز الطلاء بالنورة للرجال والنساء، روى الحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: "أول من صنعت له النورة ودخل الحمام سليمان بن داود ﵉" الحديث تقدم في أول الباب بزيادة "وأما النساء فإنهن مأمورات بإظهار الزينة للزوج وهذا منه (٢)، وقد ذكر الحسن أن بلقيس كان شعراء الساقين وإنهم بسبب ذلاك اتخذوا لسيدنا سليمان النورة والحمام، وقد ذكر ابن أبي شيبة عن عبد الله بن شداد قال: ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ (٣) فإذا امرأة شعراء فقال سليمان ﵊: ما يذهب هذا؟ قالوا: النورة، قال: فجعلت النورة يومئذ (٤)، وأما الرجال فيجوز لهم ذلك لما روي في سنن ابن ماجه أن أم سلمة قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أطلى بدأ بعورته فطلاها وسائر جسده" الحديث إسناده صحيح ورجاله ثقات (٥) ورواه أبو داود الطيالسي عن أم سلمة أن النبي ﷺ كان يتنور ويلي عانته بيده (٦)، وفي مراسيل أبي داود عن ابي معشر زياد بن كليب أن رجلا نور رسول الله ﷺ

стр. 1030

فلما بلغ العانة كف ونور رسول الله ﷺ نفسه (١)، وعن مكحول قال: لما قدم أبو الدرداء وأصحاب رسول الله ﷺ الشام دخلوا الحمام وأطلوا بالنورة (٢)، وروى ابن أبي شيبة عن مالك بن إسماعيل عن كامل عن حبيب قال: دخل الحمام عطاء وطاوس ومجاهد فأطلوا فيه (٣)، وقد كره طائفة من السلف الإطلاء بالنورة (٤)، أسند الخرائطي عن ابن عباس قال: أيها الناس اتقوا الله بى لا تكذبوا فوالله ما أطلى نبي قط (٥)، وروى ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب (٦) قال: كان عمر رجلًا أهدب وكان يحلق عنه الشعر، وذكرت له النورة فقال: النورة من النعيم (٧)، وروى عن الحسن قال: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر لا يطلون وهذا من مراسيل الحسن (٨)، وقد تكلم فيها بعضهم والصحيح الأول وأن الإطلاء بها حسن مالم يفض ذلك إلى ما يتوصل به إلى محرم (٩)، انتهى. تنبيه: النورة من الأجسام الحجرية الحريفية وأجودها البيضاء وغير

стр. 1031

المطفأة شديدة الحرارة محرقة والمطفأة منها إذا بقيت يومين أو ثلاثة فإنها لا تحرق والمغسولة خفيفة يابسة (١)، وقال في الإحياء (٢): قد قيل من جهة الطب أن الحمام بعد النورة أمان من الجذام، وقيل النورة في كل شهر تطفئ الحرارة وتبقي اللون وتزيد في الجماع. لطيفة: قال أبو الليث السمرقندي (٣): يكره للإنسان أن يتنور وهو نجب فقد روي عن خالد بن معدان عن النبي ﷺ أنه قال: "من تنور قبل أن يغتسل جاءته كل شعرة يوم القيامة فتقول يا رب سله لما ضيعني ولم يغسلني" وإذا أراد الرجل أن يتنور ينبغي له أن لا يقرب النساء قبل ذلك بيوم وليلة وإذا خرج من الحمام لا يقرب امرأته بعد تمام يوم وليلة. انتهى. ٢٧٠ - وَعَن أبي أَيُّوب الأنْصَارِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم جَاره وَمن كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فَلا يدْخل الْحمام إِلَّا بمئزر وَمن كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فَلْيقل خيرا أَو ليصمت وَمن كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر من نِسَائِكُم فَلا يدْخل الْحمام، قَالَ فَنَمَيْتُ بذلك إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁: فِي خِلافَته فَكتب إِلَى أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم أَن سل مُحَمَّد بن ثَابت عَن حَدِيثه فَإِنَّهُ رَضِي فَسَألهُ ثمَّ كتب إِلَى عمر فَمنع النِّسَاء عَن الْحمام، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ

стр. 1032

لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسنَاد وَرَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الْكَبِير والأوسط من رِوايَة عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث وَليسَ عِنْده ذكر عمر بِن عبد الْعَزيز (١). قوله: عن أبي أيوب الأنصاري، واسمه فْي زيد بن خالد تقدم الكلام على فضائله. قوله: ﷺ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الأخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر من نساءكم فلا تدخل الحمام" سيأتي الكلام على الجار والصمت واليوم الآخر وبقية الألفاظ التي تتعلق بالحمام تقدمت. قوله: في خلافته، الحديث، يقال نميت الحديث أنميه إذا باغته على وجه الإصلاح وطلب الخير، فإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة قلت نميته بالتشديد هكذا قاله أبو عبيد وابن قتيبة وغيرهما (٢).

стр. 1033

وعمر بن عبد العزيز هو أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أبي أمية بن عبد شمس القرشي الأموي التابعي ولي عمر الخلافة بعد ابن عمه سليمان بن عبد الملك وبويع له بالخلافة حين مات ابن عمه سليمان بن عبد الملك لعشر خلون من صفر سنة ٩٩ هـ وكانت خلافة عمر سنتين وخمسة أشهر نحو خلافة أبي بكر الصديق فملأ الأرض قسطا وعدلا وسن سننا حسنة وأمات الطرائق السيئة وصلى أنس بن مالك خلفه قبل خلافته وقال: ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى، وكان عمر بن عبد العزيز على ما شهر وذكر من الخير والصلاح والزهد والقيام وتلاوة القرآن حتى نسب إلى عمر بن الخطاب في حسن السيرة فقيل العمرين وكان الناس في أيامه ليس لهم اشتغال إلا في مثل ما هو عليه من الصلاح ويلقى الرجل صاحبه فيقول له: أنت صائم وإلا مفطر وكم تصوم في الجمعة يوما وكم وردك في كل ليلة ركعة وما تحفظ من القرآن وأشباه ذلك من أفعال الخير، وما أحسن كلام ابن العميد ههنا. قوله: المرء أشبه شيء بزمانه وصيغة كل زمان سجية من سجايا سلطانه (١) وكان ﵁ يسمى راهب بني أمية، وقيل لما تولى عمر سمع الصراخ في بيته فجاء الناس يسألون ما الخبر؟ فقيل: إنه خبر نسائه وأهله وقال: من شاءت أن تقيم ومن شاءت أن تنطلق فقد جاءني أمر شغلني عن محادثة النساء لا ينتفع أهل عمر بعدها بمحادثة النساء، وكان يرى أثر المني في ثيابه

стр. 1034

ويقول شغلنا أمر الناس وصلاحهم عن إصلاح أجسامنا وروي أن السدي دخل عليه في أول خلافته فقال: عمر أيسرك ما رأيت أم أساءك؟ فقال: سرني للناس وساءني لك فقال عمر: إني أخاف أن أكون أوبقت نفسي، فقال له: ما أحسن حالك إن كنت تخاف ولكني أخاف عليك ألا تخاف، فقال: عظني، فقال: إن أبانا آدم خرج بخطيئة واحدة، وبكى يوما عمر بن عبد العزيز فبكت زوجته فاطمة لبكائه وبكى أهل الدار معهما، ثم قالت له زوجته: بالله يا أمير المؤمنين لما [بكيت؟ قال: يا فاطمة ذكرت منصرف القوم من بين يدي الله تعالى فريق في الجنة وفريق في السعير ثم خرج وغشي عليه، وروي أنه لما كان في خلافة المعتصم بالله ابن الرشيد بلغه أنه في بعض الديور بالروم قميص لعمر بن عبد العزيز ما وضعه عليه ذو علة إلا وأبرأه الله تعالى من علته فسير المعتصم إلى ملك الروم رسولا يقول: إن هذا القميص لنا ونحن أحق به منكم إذ هو من آثار سلفنا وكان قد بلي الروم من المعتصم بما لم يبلوا بمثله من غيره فسير ملك الروم إلى ذلك الأمير يطلب القميص هايفاده فحضر كبير ذلك الدير أنفذني رسولا فإني سأسد باب هذا الطلب فأنفذه فلما مثل بين يدي المعتصم سأله عن القميص وهل الذي بلغه عنه له صحة؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: ولما لا أحضرته؟ أنقضتم المهادنة بيننا إذ الشرط لا نطلب منكم شيئا كائنا ما كان فتمنعوه، قال كبير الدير: يا أمير المؤمنين فهذا القميص لمن كان؟ قال لأحد خلفائنا المسلمين، فقال: وثبت ذلك عند أمير المؤمنين؟ قال: نعم قال: وكذلك هو عندنا ثابت فيا

стр. 1035

أمير المؤمنين لتكن أنت مثل ذلك الخليفة واعمل بعمله يكن لباسك أجمعه كهذا القميص الذي طلبت، قال: فأصرفه المعتصم وأعاده إلى بلاده مكرما من غير جواب، انتهى. قاله في تاريخ كنز الدرر، توفي عمر بن عبد العزيز بدير سمعان قرية قريبة من حمص وقبره هناك مشهور يزار ويتبرك به. ولد بمصر سنة إحدى وستين وتوفي يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة وعمره تسع وثلاثون سنة وستة أشهر، ومناقبه كثيرة مشهورة (١). قوله: فَكتب إِلَى أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم أَن سل مُحَمَّد بن ثَابت عَن حَدِيثه فَإِنَّهُ رَضِي فَسَأَلهُ ثمَّ كتب إِلَى عمر فَمنع النِّسَاء عَن الْحمام الحديث، أبو بكر هذا هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم بالحاء المفتوحة والزاي الساكنة الأنصاري أبو محمد ولي القضاء والإمرة والموسم زمن عمر بن عبد العزيز، مات بالمدينة سنة عشرين ومائة (٢) والله أعلم، فهذه الآثار كلها تدل على إباحة الحمام للرجال دون النساء وتقدم الكلام على إباحة دخول النساء الحمام بالشروط التي تقدم ذكرها. قوله: ورواه الطبراني في الكبير من رواية عبد الله بن صالح كاتب الليث، عبد الله بن صالح هذا [هو عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني، مولاهم، أبو صالح المصري كاتب الليث بن سعد صالح الحديث وله

стр. 1036

مناكير، قال صالح جزرة: كان ابن معين يوثقه وهو عندي يكذب في الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، يحيى بن بكير أحب إلينا منه، وقال أبو حاتم: سمعت ابن معين يقول أقل أحواله أن يكون قرأ هذه الكتب على الليث وأجازها له، قال وسمعت أحمد بن حنبل يقول كان أول أمره متماسكًا ثم فسد بآخره، وقال عبد الملك بن شعيب بن الليث ثقة مأمون، وقال أبو حاتم: صدوق أمين ما علمت وقال ابن عدي: هو عندي مستقيم الحديث إلا أنه يقع في أسانيده ومتونه غلط ولا يتعمد، وقال ابن حبان كان في نفسه صدوقًا إنما وقعت المناكير في حديثه من قبل جار له فسمعت ابن خزيمة يقول كان له جار كان بينه وبينه عداوة كان يضع الحديث على شيخ أبي صالح ويكتبه بخط يشبه خط عبد الله ويرميه بين كتبه فيتوهم عبد الله أنه خطه فيتحدث به وقد روى عنه البخاري في صحيحه]. ٢٧١ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "احْذَرُوا بَيْتا يُقَال لَهُ الْحمام قَالُوا يَا رَسُول الله إِنَّه ينقي الْوَسخ قَالَ فاستتروا" رَوَاهُ الْبَزَّار وَقَالَ رَوَاهُ النَّاس عَن طَاوس مُرْسلا قَالَ الْحَافِظ وَرُوَاته كلهم مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم وَلَفظه اتَّقوا بَيْتا يُقَال لَهُ الْحمام قَالُوا يَا رَسُول الله إِنَّه يذهب الدَّرن وينفع الْمَرِيض قَالَ فَمن دخله فليستتر (١) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الْكَبِير بِنَحْوِ الْحَاكِم وَقَالَ فِي أَوله

стр. 1037

شَرّ الْبيُوت الْحمام ترفع فِيهِ الأصْوَات وَتكشف فِيهِ العورات. الدَّرن بِفَتْح الدَّال وَالرَّاء هُوَ الْوَسخ. قوله: عن ابن عباس تقدم الكلام على فضائله كان علي بن عبد الله بن عباس إذا طاف بالبيت كأن الناس حوله مشاة وهو راكب من طوله لأنه كان مفرطا في الطول وكان مع هذا الطول يكون إلى منكب أبيه عبد الله، وكان عبد الله إلى منكب أبيه العباس وكان العباس إلى منكب أبيه عبد المطلب (١)، وقال محمد بن الحسن مؤلف مجمع الأحباب (٢): إن الإمام عبد الله بن

стр. 1038

عباس كان من أحواله الصبر والرضا فإنه لما ذهب بصره كان صابرا راضيا كثير الإيمان والرضا بالقضاء والصبر على البلاء، ولقد وصف الله عباده الصابرين بأوصاف كثيرة وجمع للصابرين بين أمور لم يجمعها لغيرهم فقال تعالى ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (١) والهدى والصلوات والرحمة مجموعة للصابرين والآيات والأخبار في الصبر لا تنحصر ولقد أحسن من قال (٢): يا أيها الراضي بأحكامنا ... لا بد أن تحمد عقبى الرضى فوض إلينا وابق مستسلمًا ... فالراحة العظمى لمن فوضا وإن تعلقت بأسبابنا ... فلا تكن عن بابنا معرضا كان فينا خلقا باقيا من ... كل ما يأتي وما قد مضى لا ينعم المرء بمحبوبه ... حتى يرى الخيرة فيما قضى قوله ﷺ : "احذروا بيتًا يقال له الحمام قالوا: يا رسول الله إنه ينقي الوسخ، قال: فاستتروا" وفي رواية الحاكم: "اتقوا بيتا يقال له الحمام فقالوا يا رسول الله إنه يذهب الدرن وينفع المريض قال: فمن دخله فليستتر" وفي رواية الطبراني وقال في أوله: "شر البيوت الحمام ترفع فيه الأصوات وتكشف فيه العورات "يباح للرجال دخول الحمام بالشروط المتقدمة وعليهم غض أبصارهم وصون عوراتهم فقد روى أن الرجل إذا دخل الحمام عاريًا لعنه

стр. 1039

ملكاه (١) وقال العلماء: كشف العورة في حال الخلوة بحيث لا يراه آدمي إن كان لحاجة جاز وإن كان لغير حاجة ففيه خلاف في كراهته وتحريمه والأصح عند الشافعية أنه حرام (٢) قاله في النهاية، وقال ابن بطال (٣): أجمعوا على وجوب ستر العورة عن أعين الناظرين، وقال أئمة الفتوى: من دخل الحمام بغير مئزر تسقط شهادته واختلفوا فيمن نزع مئزره ودخل الحوض وبدت عورته عند دخوله فقال مالك والشافعي: تسقط وقال أبو حنيفة: لا تسقط لأنه يعذر به إذ لا يمكن التحرز منه واتفقوا على أن للرجل أن يرى عورة أهله وترى عورته (٤). وقال الإمام أبو عبد اللّه القرطبي في تفسيره (٥): أما دخول الحمام في هذه الأزمان فحرام على أهل الفضل والدين لغلبة الجهل على الناس واستسهالهم إذا توسطوا الحمام وفي مبارزهم حتى ترى النهي ذو الشيبة قائما منتصبا وسط الحمام وخارجه باديا عن عورته وضاما فخذه بين فخذيه ولا أحد يعيب عليه، هذا أمر الرجال، فكيف أمر النساء لا سيما بالديار المصرية فلا حول ولا قوة إلا باللّه.

стр. 1040

قوله: رواه الناس عن طاوس مرسلا، قال ورواته محتج بهم في الصحيح قال الحافظ عبد الحق الإشبيلى في أحكامه: هذا أصح إسناد حديث في هذا الباب (١) والله أعلم، وطاوس هو طاوس بن كيسان الحميري اليمني تابعي جليل أحد فقهاء الإسلام، روى عن ابن عباس توفي سنة ست ومائة وهو ابن نيف وسبعين سنة (٢). قوله: مرسلا وحقيقة المرسل عند المحدثين إضافة التابعي أمرا إلى رسول اللّه ﷺ من غير ذكر الصحابي والشافعي ﵀ لا يحتج بالمرسل، وأما ما في كتب المذهب من أنه يحتج بمراسيل سعيد بن المسيب فليس الأمر كذلك على الإطلاق فقد ذكر البيهقي والخطيب أن الشافعي ترك بعض مراسيل سعيد بن المسيب وعمل ببعض مراسيل غيره، وأبو حنيفة يرى المرسل حجة (٣) وتقدم الكلام على ذلك مبسوطًا. قوله: في الرواية الأخرى ورواه الطبراني وقال في أوله "شر البيوت الحمام ترفع فيه الأصوات وتكشف فيه العورات" الحديث روى عن نافع أن ابن عمر دخل الحمام وعليه إزار فلما دخل إذا هو بهم عراة قال: فجعل وجهه نحو الجدار ثم قال: ائتني بثوب يا نافع قال: فأتيته به فالتف به وغطى على وجهه ثم ناولني يده فقدته حتى خرج منه ثم لم يدخله بعد ذلك، وقيل له بعد

стр. 1041

ذلك: ألا تدخل الحمام؟ فكره ذلك. فقيل: إنك تستر، فقال: إني أكره أن أرى عورة غيري (١)، وقال أيضا ﵁ إني لأغتسل في البيت المظلم فأحني ظهري إذا أخذت ثوبي حياء من ربي (٢)، وأسند الخرائطي عن صالح الدهان قال: دخل جابر بن زيد الحمام فرأى قوما عراة فقال: سبحان اللّه مسلمون هؤلاء ثم وضع يده على عينيه وخرج (٣). قلت: وهكذا انزعاج القلوب النيرة المتبعة للسنة وأما القلوب المظلمة فلا تتأسف على البدع ولا تبالي بل هي مرتكبة للمعاصي والدواهي (٤)، وعن سلمان الفارسي ﵁: قال: لأن أموت ثم أنشر ثم أموت ثم أنشر ثم أموت ثم أنشر أجب إلي من أن أرى عورة الرجل ويراها مني (٥)، وقد امتنع ابن عمر من الدخول إلى الحمام لهذا السبب (٦) فيكره دخول الحمام وفيه قوم عراة بغير أزر، فروى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين كراهة ذلك (٧) لئلا يرى عورتهم (٨) فيجب على الداخل

стр. 1042

إلى الحمام ستر عورته بما لا يصف البشرة وأن يغير ما يراه من المنكر إن أمكنه بيده وإلا بلسانه وإلا بقلبه ويكون ذلك برفق فيقول: استتروا ستركم اللّه، ومن دخل الحمام بغير سترة فسق ولا تقبل شهادته كما تقدم سواء كان رجلا أو امرأة وكذلك إذا دخل بسترة ثم نزعها بحضرة الناس وجعل عريانا يغتسل بالسدر ونحوه أو لا يغتسل فإن ذلك فسق مسقط للشهادة (١). تنبيهات: تنبه أيها الداخل إلى الحمام لأمور: أحدها: غض البصر عن النظر فقد قال مولانا ﷻ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (٢) الآية. الثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمن يراه مكشوف العورة وعليك العمل بذلك حسب استطاعتك. الثالث: حفظ عورتك والحذر من كشفها بين الناس فإن كنت خاليا في خلوة أو في ظهر لا يراك أحد فلك كشفها وتركه أولى (٣). وإذا دخلت الحمام وقتا من أوقات الصلاة فاحذر أن تجلس غير مصل حتى يخرج الوقت ثم تخرج فتصلي فإن تأخير الصلاة عن وقتها من غير عذر شرعي كبيرة من الكبائر فاحذره وتب إلى الله منه فإن لم يكن لابد من جلوسك في الحمام حتى يخرج الوقت فاغتسل من الجنابة إن كنت

стр. 1043

جنبا ثم استر عورتك وهي ما بين سرتك وركبتك واستر الركبة والسرة واجعل على عاتقك منشفة أو سترة ما حتى تخرج من الخلاف وصل داخل الحمام، قال أبو العباس ابن تيمية: فقد نص الإمام أحمد بن حنبل على عدم جواز الصلاة ولبس على عاتقه شيء ولو لم يجد مئزرا طرح على عاتقه خرقة أو نحوها فارتكاب الكراهة خير من تفويت الصلاة وخروجها عن وقتها، وقد اختلف العلماء في جواز الصلاة في الحمام، فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى جوازها مع الكراهة. وقال الإمام أحمد في المشهور عنه: إنها لا تصح مطلقا في مسلخه ووسطه وقيل إن ضاق الوقت عليه صلى فيه وإلا فلا لأن مراعاة الوقت أولى من مراعاة المكان فإن كان في الوقت سعة أسرع في الاغتسال وخرج إلى المسجد فإن خشي ذهاب الوقت في ذهابه إلى المسجد صلى ظاهر الحمام لأن ظاهره أسهل في الكراهة من داخله وهو قول الجمهور: فيكره الصلاة في الحمام لقوله ﷺ : "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" رواه الإمام الشافعي وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني وصححه ابن حبان والحاكم من حديث أبي سعيد الخدري والصحيح في سبب النهي أنها مأوى الشياطين لما يكشف فيها من العورات وقيل لغلبة النجاسة فيه فلو صلى موقنا من تحقق طهارته أو في المسلخ كره على الأول دون الثاني" وإياك أن تكون كما قال بعض السلف: يدخل أحدكم فينقي بدنه ويملأ قلبه درنا ووسخا لما يفعل من كشف عورته ورؤيته عورة غيره ويؤخر الصلاة عن

стр. 1044

وقتها ويكثر اللغو في الحديث الباطل ويرى المنكرات المتعددة فلا يغيرها ولقد ابتلينا في هذه الأزمان بهذه البلية وإنها لبلية عظيمة مخالطة من يكره مخالطته من فجار الناس وهم مرتكبون لعدة منكرات ومن ذهب يغير عليهم آذوه وسبوه لقلة حيائهم وعدم دينهم ومروءتهم وإذا وعظوا فلا ينزجرون وإذا أمروا بالستر فلا يستترون وإذا نصحوا فلا يقبلون فإنا للّه وإنا إليه راجعون. فرع: وإذا دخل وقت الصلاة بطلوع الفجر ولم يمكنه إذا اغتسل أن يصلي حتى تطلع الشمس لكون الماء بعيدا أو الحمام مغلقة أو لكونه فقيرا ليس معه أجرة الحمام فإنه يتيمم ويصلي في الوقت ولا يؤخر الصلاة حتى تفوت وإن لم يستيقظ إلا وق ضاق الوقت عن الاغتسال وكان الماء موجودا فهذا يغتسل ويصلي بعد طلوع الشمس عند أكثر العلماء فإن الوقت في حين من حين يستيقظ بخلاف اليقظان فإن الوقت في حقه من حين طلوع الفجر ولابد من الصلاة في وقتها ولا يجوز لأحد تأخيرها عن الوقت أصلا. انتهى قاله أبو العباس أحمد بن تيمية الحنبلي (١). فائدة: واعلم أن عورة الرجل من سرته إلى ركبته عند جمهور العلماء، وهل السرة أو الركبة من العورة أو لا فيه خلاف تقدم، قال أبو حنيفة: السرة ليست من العورة والركبة من العورة، وقال بعض أصحاب الشافعي وأهل

стр. 1045

الظاهر: لا عورة إلا القبل والدبر (١) وهذا كله بالنسبة إلى النظر واللمس وأما جميع البدن فإنه يحرم لمسه والنظر إليه إذا كان بشهوة سواء في ذلك الوجه وغيره وسواء الأمرد والملتحي واللّه أعلم (٢). تتمة: هل الفخذ عورة أم لا؟ فيه أقوال: أحدها: إنها عورة وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن الإمام أحمد. والقول الثاني: إنها ليست بعورة وهو مشهور من مذهب الإمام أحمد ورواية عن مالك وإليه ذهب داود الظاهري واختاره أبو سعيد الإصطخري من أصحاب الشافعي. والقول الثالث: إنها عورة في الجماعة فأما مع الواحد والاثنين فلا. والقول الرابع: إنها عورة في المسجد وليست بعورة في الحمام. والصحيح إنها عورة مخففة ليست كالقبل والدبر فكشفها مع الواحد والاتنين أخف خطرا من كشفها في الجمع الكبير واللّه أعلم (٣). فائدة في تحسين الخلق في الحمام: قال رسول اللّه ﷺ "خياركم أحاسنكم أخلاقًا" والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا وروى هشام بن عروة عن أبيه

стр. 1046

قال: مكتوب في الحكمة: لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك منبسطا تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء (١)، ينبغي أن يعامل الناس في الحمام بالخلق الحسن والمروءة وإعانة الضعيف والشيخ الكبير وأن يدلك ظهر من لا يستطيع دلك ظهر نفسه ويساعده بما معه من قوة أو حاجة إذا طلبت منه ولا يمنع أحدا من الاغتراف من الحوض الجالس عليه ولا يزدري بأحد فقد نهى رسول اللّه ﷺ عن احتقار الناس فقال: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" (٢) فينبغي أن لا يحتقر ممن يراه شعثا أو ضعيفا وذا عيال بل يساعدهم ويعينهم على تطهيرهم، ويحرم على داخل الحمام أن يمكن أحد من غسل عورته بل يتولى غسله هو بنفسه ولا بأس بما جرت به العادة من ذلك القيم ظهر المتغسل وإخراج الوسخ بالكف ونحو ذلك فيباح إذا لم ينظر إلى العورة أو يمسها ولا بأس بالتكبيس في الحمام وغيره لأنه من باب التداوي (٣) لما ذكره ابن أبي شيبة من حديث عمر بن الخطاب فذكره حتى قال: جئت رسول الله ﷺ فأجده في ظل شجرة فإذا غلام أسود يغمز ظهره فسألته فقال: إن الناقة اقتحمت بي (٤) واللّه أعلم.

стр. 1047

فرع: قال في الإلمام: فإذا دخل المغتسل إلى الحمام للغسل من الجنابة أو الحيض أو النفاس أو لاتساخ رأسه أو بدنه أو للتداوي فإنه يستحب له أن يغسل بالسدر أو الخطمى للحديث الوارد بذلك في أبي داود (١)، واللّه أعلم. ٢٧٢ - وَعَن قاص الأجناد بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ أَنه حدث أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول من كانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يقعدن على مائدة يدار عَلَيْهَا الْخمر وَمن كانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلا يدْخل الْحمام إِلَّا بإزار وَمن كانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلا يدْخل حليلته الْحمام رَوَاهُ أَحْمد. (٢)

стр. 1048

وَقاص الأجناد لَا أعرفهُ وَرُوِىَ آخِره أَيْضًا عَن أبي هُرَيْرَة وَفِيه أَبُو خيرة لَا أعرفهُ أَيْضًا. (١) الحليلة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة هِيَ الزَّوْجَة. قوله: عن قاص الأجناد بالقسطنطينية، قال الحافظ ﵀: قاص الأجناد لا أعرفه، قال صاحب الإلمام (٢): إسناد هذا الحديث جيد، وقاص الأجناد قيل اسمه عبد الله بن يزيد. والقاص بفتح القاف وبعد الألف صاد مهملة نسبة إلى القصص والمواعظ، وقد نسب لذلك غير واحد، وأما القصاص بضم القاف فجمع قاص وهو الذي يقرأ القصص على الناس، قال أهل اللغة: القصة الأمر بالخير وقد اقتصصت الحديث إذا رويته على وجهه وقص عليه الخير قصصا بفتح القاف، والاسم أيضًا القصص بالفتح، والقصص بكسر القاف اسم جمع القصة (٣)، واللّه أعلم.

стр. 1049

قوله: بالقسطنطينية، والقسطنطينية بفتح القاف وإسكان السين وضم الطاء الأولى وكسر الثانية وبعدها ياء ساكنة ثم نون، قال النووي: هذا هو المشهور، ونقله في المشارق عن المتقنين والأكثرين وعن بعضهم زيادة ياء مشددة بعد النون (١)، وفي الديباجة وشرح مشارق الأنوار للشيخ وجيه الدين بضم القاف وإسكان السين وضم الطاء الأولى كما تقدم، وفي مختصر الأنساب لابن السمعاني (٢) مثل الضبط الأول خلا الطاء الأولى فإنه قال بفتحها وهي مدينة مشهورة من أعظم مدن الروم وهي مثلثة الشكل منها جانبان في البحر وجانب بالبر وفيه باب الذهب وطولها تسعة أميال وعليها سور حصين طول ارتفاعه أحد وعشرون ذراعا ولها من الأبواب مائة باب أكبرها الباب المصمت وهو الباب الكبير وهو ممزوج بالذهب وبها القصر المشهور، بناها قسطنطين الملك وهو أول من أظهر دين النصرانية من ملوك الروم، قالوا ولها سبعة أسوار، وسمك سورها الكبير أحد وعشرون ذراعًا وفيه مائة باب وهي على خليج نصب في البحر الرومي وهي متصلة ببلاد رومية والأندلس، وقد جاء في ذكرها حديث، قال مسلم بإسناده لأبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفا من ولد إسحاق فإذا جاؤها فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم قالوا لا إله إلا اللّه واللّه أكبر فيسقط أحد جانبيها ثم يقولون لا إله إلا اللّه واللّه أكبر فيسقط الجانب

стр. 1050

الآخر فيقولون الثالثة كذلك فتفرج لهم فيدخلوها فيغنمون ما فيها فبينما هم يقسمون الغنائم إذ جاءهم الصريخ أن الدجال قد خرج فيتركون كل شيء ويرجعون" وهو حديث طويل وفيه "أمارات الساعة" وانفرد بإخراجه مسلم (١)، وقال ثور بن يزيد: هي القسطنطينية وقال أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا أيوب حدثنا أبو قبيل قال: كنا عند عمرو بن العاصي وسئل أي المدينتين تفتح أولا القسطنطينية أو رومية؟ فقال: قال رسول اللّه ﷺ : "مدينة هرقل" (٢) يعني القسطنطينية، ومدينة رومية الكبرى من مدائن الروم ذكر في كتاب المسالك والممالك (٣) أن طولها من الباب الغربي إلى الباب الشرقي في ثمانية وعشرون ميلا ولها سورا من حجارة بينهما مقدار ستون ذراعا فصار سمك السور الأول اثنان وسبعون ذراعا وسمك الثاني اثنان وأربعون ذراعا وبين السورين نهر مغطى بباب من نحاس طول كل بلاطة سبعة وأربعين ذراعًا، قال: والنهر الذي يدخل فيها من البحر يدخل فيه المراكب بقلوعها فتقف على جوانبه التجار تبيع وتشتري وفي داخلها كنسية

стр. 1051

وطولها ميل وأبوابها من الذهب الأحمر انتهى، قاله في تاريخ كنز الدور (١). قوله: إن عمر بن الخطاب قال: يا أيها الناس إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يقعدن على مائدة يدار عليها الخمر، ومن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام "سيأتي الكلام على الخمر، وأما الحليلة فهي الزوجة وتقدم الكلام على دخول الرجال والنساء بالمئزر بالشروط المتقدمة. ٢٧٣ - وَعَن أبي الْمليح الْهُذلِيّ ﵁: أَن نسَاء من أهل حمص أَو من أهل الشأم دخلن على عَائِشَة ﵂ فَقَالَت أنتن اللَّاِتي تدخلن نساءكن الحمامات سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول مَا من امْرَأَة تضع ثِيَابهَا فِي غير بَيت زَوجهَا إِلَا هتكت السّتْر بَينهَا وَبَين رَبهَا" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (٢). وروى أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم أَيْضا من طَرِيق دراج أبي السَّمْح عَن السَّائِب أَن نسَاء دخلن على أم سَلمَة ﵂ فسألتهن من أنتن قُلْنَ من أهل حمص قَالَت من أَصْحَاب الحمامات قُلْنَ وَبهَا باس قَالَت

стр. 1052

سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول أَيّمَا امْرَأَة نزعت ثِيَابهَا فِي غير بَيتهَا خرق اللّه عَنْهَا ستره (١). قوله: عن أبي المليح، أبو المليح الهذلي اسمه [قيل: اسمه عامر، وقيل: زيد بن أسامة بن عمير، وقيل: ابن أسامة بن عامر بن عمير بن حنيف بن ناجية بن عمرو بن الحارث بن كثير بن هند بن طابخة بن لحيان بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر البصري، وقال الدارقطني: أبو المليح بن أسامة بن عمير بن عامر بن أقيشر واسم الأقيشر عمير قال أبو زرعة، ومحمد بن سعد: ثقة (٢)]. قوله: أتى نساء من أهل حمص أو من الشام دخلن على عائشة ﵂ فقالت: أنتن اللاتي تدخلن نساءكن الحمامات، الحديث، أما حمص فمدينة معروفة من مشارق الشام لا تنصرف وإن كانت اسما ثلاثيا ساكن الأوسط لأنها عجمية اجتمع فيها العجمية والعلمية والتأنيث كماه وجور ونظائرهما وهي من المدن الفاضلة، وفي حديث ضعيف "إنها من مدن الجنة" وكانت في أول الأمر أشهر بالفضل من دمشق وهي في مستوى من

стр. 1053

الأرض حصينة مقصودة من سائر النواحي وأهلها في خصب ورغد وعيش وفي نسائها جمال فائق، وكافت في قديم الزمان أكثر البلاد وأحسنها، ويقال إنها مطلسمة لا يدخلها حية ولا عقرب ومتى وصلت الحية والعقرب إلى باب المدينة هلكت وتحمل من تراب حمص للبلاد فيوضع على لسعة العقرب فيبرأ ولها على القبة العالية التي وسطها صنم من نحاس على صورة إنسان راكب على فرس يدور مع الريح كيفما دارت وفي حائط القبة حجر فيه صورة عقرب يحيي المللذوغ والملسوع ومعه طين يطبعه على تلك الصورة ويدعه على اللذعة واللسعة وجميع شوارعها وأزقتها أو طرقها مفروش بالحجر الصلد وبها جامع كبير جدا وأهلها موصوفون بالرقاعة وقلة العقل وذكر الثعلبي في كتاب العرائس في فضل الشام أنه نزل حمص تسعمائة رجل من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين (١). قول عائشة: أنتن اللاتي تدخلن نساءكن الحمامات سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت الستر فيما بينها وبين ربها" الحديث. قال العلماء: ويترتب في إتيان النساء الحمام مفاسد منها ترك الصلاة ومنها لإظهار الزينة التي أمرت بإخفائها ومنها التشويش على الرجال بما يظهر من تحت الثوب من الحلي والقماش الملون أو مشية بتمايل أو رائحة طيبة

стр. 1054

ونحو ذلك من الفضائل التي يفعلها نساء أهل الزمان فإن ذلك مما يفتح طرق الشياطين ويتمادى به كثير من الناس، قال معاذ بن جبل ﵁: أخوف ما أخاف عليكم فتنة النساء إذا تسورن الذهب ولبس رياط الشام وعصب اليمن فأتعبن الغني وكلفن الفقير ما لا يجد. رواه الإمام أحمد (١)، وعن أبي أمامة ﵁ أن رسول اللّه ﷺ قال: "إن إبليس لما أهبط إلى الأرض قال رب اجعل لي بيتًا فكان الحمام قال فاجعل لي مجلسًا فالأسواق ومجامع الطرق، قال فاجعل لي مصائد قال النساء" (٢)، ورواه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان عن أبي أمامة بزيادة "إن إبليس لما أنزل إلى الأرض قال: يا رب أنزلتني إلى الأرض وجعلتني رجيمًا، فاجعل لي بيتا، قال: الحمام، قال: فاجعل لي مجلسًا، قال: الأسواق ومجامع الطرقات، قال: فاجعل لي طعامًا، قال: كل ما لم يذكر اسم الله عليه، قال: فاجعل لي شرابا، قال: كل مسكر، قال:

стр. 1055

فاجعل لي مؤذنًا، قال: المزمار، قال: فاجعل لي قرآنًا، قال: الشعر، قال: فاجعل لي كتابًا، قال، الوشم، قال: فاجعل لي حديثًا، قال: الكذب، قال: فاجعل لي رسلًا، قال: الكهنة، قال: فاجعل لي مصائد، قال: النساء" (١). وفي صحيح مسلم: "فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل من النساء" (٢) وفي الصحيحين من حديث أسامة أن رسول اللّه ﷺ قال: "ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء" (٣) ومن المفاسد المترتبة على دخول النساء الحمام فالمرأة المفسدة قد لا تتمكن من فعل ما تريد إلا بحجة الحمام فإن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان. قال اللّه ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (٤) وقال في النساء: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (٥) قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني اعص النساء في المعروف حتى لا يأتينك بالمنكر واتق شرارهن وكن مع خيارهن على حذر فإنهن لا يسارعن إلى خير بل هن إلى الشر أسرع فينبغي للرجل الحازم أن لا يمكن أهله من دخول الحمام إلا في خلوة وقد استحب ذلك جماعة من السلف وقال بعضهم: الدرهم الذي أخلي به الحمام أحب إلي من الدرهم

стр. 1056

الذي أتصدق به (١). فائدة: قال الشافعية: يحرم على المسلمة التعري بحضرة الكتابية قال اللّه تعالى: ﴿لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ إلى قوله ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ (٢) الآية. وتقدم ذلك عن قيس بن الحارث قال: كتب عمر ﵁ إلى أبي عبيدة: بلغني أن نساء من نساء المسلمين فقيل يدخلن الحمامات ومعهن نساء من أهل الكتاب فأزجر عن ذلك وحل دونه، فقال أبو عبيدة وهو غضبان ولم يكون ﵁ غضوبا: اللهم أيما امرأة دخلت الحمام من غير علة ولا سقم تريد بذلك أن تبيض وجهها سود وجهها يوم تبيض وجوه فيجب منع الذميات من دخول الحمام مع المسلمات وكذلك الإماء الكافرات، أما المملوك العفيف فقال جماعة من أصحاب الشافعي: هو كالمحرم في النظر وقال أبو حنيفة والإمام أحمد: لا يكون محرما ولا كالمحرم فيحرم دخوله مع سيدته الحمام سواء كان مميزا أو بالغا، وأما الطفل الذي لا يميز فيجوز بلا خلاف، وأما البالغ الممسوح فجوزه بعضهم ومنعه بعضهم وكذلك المجذوب الذي نقيت أنثياه والخصي الذي نقي ذكره والعنين العاجز عن الجماع والمخنث والشيخ الهرم فجوز قوم نظر هؤلاء إلى النِّساء ومنعه آخرون، فأما من جوز نظرهم إليهن فقال: إنهم ليسوا من أولي الإربة ومن منعه قال لعموم قوله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ

стр. 1057

﴿أَبْصَارِهِمْ﴾ (١) قال ابن الصباغ في الشامل: لا يجوز للخصي النظر إلى بدن المرأة إلا أن يكبر ويهرم وتذهب شهوته وكذلك المخنث ويحرم الخلوة بالمرأة الأجنبية سواء كان في حمام أو بيت أو طريق (٢) واللّه أعلم. قوله: رواه أحمد وأبو يعلى من طريق دراج أبي السمح، دراج لقب أبي السمح القرشي السهمي المصري القاضي مولى عبد اللّه بن عمرو بن العاصي رأى مولاه عمرو بن العاصي وكان دراج كريمًا إذا أتاه من يطلب العلم يحدثه حتى يطعم عنده، توفي سنة عشرين ومائة، وروى له البخاري في الأدب وغيره والأربعة (٣). ٢٧٤ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يدْخل الْحمام إِلَا بمئزر وَمن كانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يدْخل حليلته الْحمام وَمن كانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فليسع إِلَى الْجُمُعَة وَمن اسْتغنى عَنْهَا بلهو أَو تِجَارَة اسْتغنى اللّه عَنهُ وَاللّه غَنِي حميد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَزَّار دون ذكر الْجُمُعَة وَفِيه عَليّ بن يزِيد الألْهَانِي (٤).

стр. 1058

قوله: عن أبي سعيد الخدري: تقدم الكلام على فضائله. قوله: "ومن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليسع إلى الجمعة ومن استغنى عنها بلهو أو تجارة استغنى الله عنه" الحديث، والمراد بقوله "استغنى اللّه عنه" أي طرحه ورمى به من عينه فعل من استغنى عن الشيء فلم يلتفت إليه، وقيل جزاه جزاء استغنائه عنها كقوله تعالى ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (١) قال ابن الأثير في النهاية (٢). قوله: "ومن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر" تقدم. قوله: وفيه علي بن يزيد الألهاني، هو علي بن يزيد بن [أبي هلال الألهاني، ويقال: الهلالي، أبو عبد الملك، ويقال: أبو الحسن، الشامي الدمشقي]. ٢٧٥ - وَعَن عَائِشَة ﵂ أنَهَا سَأَلت رَسُول اللّه ﷺ عَن الْحمام فَقَالَ: "إِنَّه سَيكون بعدِي حمامات وَلَا خير فِي الحمامات للنِّسَاء فَقَالَت يَا رَسُول اللّه إِنَّهَا تدخله بإزار فَقَالَ لا وَإِن دَخلته بإزار وَدرع وخمار وَمَا من امْرَأَة تنْزع خمارها فِي غير بَيت زَوجهَا إِلَا كشفت السّتْر فِيمَا بَينهَا وَبَين رَبهَا"

стр. 1059

رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط من رِوَايَة عبد اللّه بن لَهِيعَة (١). قوله: عن عائشة، تقدم الكلام على مناقبها. قوله ﷺ : "إنه سيكون بعدي حمامات ولا خير في الحمامات للنساء، فقالت: يا رسول اللّه إنها تدخله بإزار، فقال: لا وإن دخلته بإزار ودرع وخمار" الحديث، الدرع هو القميص الخصيف السابغ الذي يستر ظهور القدمين قاله ابن أبي زيد المالكي في كتابه الرسالة (٢)، والخمار هو ما يغطي به الرأس (٣)، وتقدم الكلام على دخولهن الحمام بالشروط المتقدمة واللّه أعلم. قوله: رواه الطبراني من رواية عبد اللّه بن لهعية، وعبد اللّه بن لهيعة تقدم الكلام. ٢٧٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "من كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يدْخل الْحمام وَمن كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يدْخل حليلته الْحمام من كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يشرب الْخمر من كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلا يجلس على مائدة يشرب عَلَيْهَا الْخمر من

стр. 1060

كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يخلون بِامْرَأَة لَيْسَ بَينه وَبَينهَا محرم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِيه يحيى بن أبي سُلَيْمَان الْمدنِي (١). قوله: عن ابن عباس تقدم. قوله: "ومن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس بينه وبينها محرم" الحديث المحرم القرابة وهو من يحرم عليه نكاحها. قوله: فيه يحيى بن أبي سليمان المدني. ٢٧٧ - وَرُوِيَ عَن الْمِقْدَام بن معد يكرب ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "إِنَّكُم ستفتحون أفقا فِيهَا بيُوت يُقَال لَهَا الحمامات حرَام على أمتِي دُخُولهَا فَقَالُوا: يَا رَسُول اللّه إِنَّهَا تذْهب الوصب وتنقي الدَّرن قَالَ: فَإِنَّهَا حَلأل لذكور أمتِي فِي الأزر حرَام على إناث أمتِي" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (٢). الْأُفق بِضَم الْألف وَسُكُون الْفَاء وَبِضَمِّهَا أَيْضًا هِيَ النَّاحِيَة والوصب الْمَرَض. قوله: عن المقدام بن معد كرب، هو المقدام بن معد كري الكندي بفتح الكاف وكسرها، وأما كرب فيجوز كسر الباء مع التنوين على الإضافة ويجوز فتحها على البناء، كنيته أبو كريمة وقيل أبو صالح وأبو يحيى وأبو

стр. 1061

بسر والأول أشهر، وفد على رسول اللّه ﷺ في وفد كنده، ضرب النبي ﷺ على منكبيه ثم قال "أفلحت يا قديم إن مت ولم تكن أميرا ولا كاتبا ولا عريفا" الحديث وعداده في أهل الشام سكن حمص وروى له عن النبي ﷺ سبعة وأربعون حديثا روى عنه خالد بن معدان وراشد بن سعد وجبير بن نفير وغيرهم، توفي بالشام سنة سبع وثمانين وهو ابن إحدى وتسعين سنة روى له الجماعة سوى مسلم (١). قوله: ﷺ "إنكم ستفتحون أفقا فيها بيوت يقال لها الحمامات حرام على أمتي دخولها" الحديث، الأفق: بضم الألف وسكون الفاء وبضمها أيضا هي الناحية قاله الحافظ، وقال بعض العلماء: هي الناحية والجانب وجمعها آفاق والآفاق النواحي وآفاق الأرض نواحيها وأطرافها ورجل أفقي بفتح الهمزة وألفا إذا كان من آفاق الأرض وبعضهم يقول بضمها وهو القياس هذا خطأ لغوي وأما قوله تعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ (٢) فقال مجاهد والحسن والسدي والمنهال وابن قتيبة أن الآفاق ما يفتح من القرى وفي أنفسهم فتح مكة (٣). انتهى قاله في الديباجة. قوله: فقالوا يا رسول اللّه إنها تذهب الوصب وتنقي الدرن قال "فإنها

стр. 1062

حلال لذكور أمتي في الأرض حرام على إناث أمتى" الوصب المرض قاله الحافظ والدرن الوسخ وتقدم الكلام على دخول الرجال والنساء الحمامات بالشروط المتقدمة واللّه أعلم. فائدة: قال الغزالي في الإحياء (١): يستحب للإنسان أن يعطي الأجرة قبل الدخول فإن ما يستوفيه مجهول وكذا ما ينتظره الحمامي فتسليم الأجرة قبل الدخول دفع للجهالة من أحد العوضين انتهى. خاتمة الباب: تتعلق بالطب: قال الفقيه أبو الليث السمرقندي في كتابه بستان العارفين: إذا أراد الإنسان أن يدخل الحمام لا ينبغي له أن يدخل بدفعة واحدة في البيت الداخل ولكن ينبغي أن يمكث في كل بيت قليلا ثم يدخل في الآخر وكذلك في حال الخروج ويكره أن يصب على رأسه بعدما يخرج ماء بارد. أو يشرب ماء باردًا فإن ذلك يضر البدن، ويقال دخول الحمام في أيام الصيف أنفع للبدن من أيام الشتاء ولا ينبغي للحمام أن يكون سخينا جدًّا في أيام الصيف فإن ذلك يخاف منه الآفة وإذا خرج من الحمام في أيام الشتاء ينبغي له أن يلبس ثيابا أسرع ما أمكنه كيلا يجد برد الهواء فيضره، وينبغي له أن يغطي رأسه لكيلا يصيبه وجع الرأس فإن أراد أن يتنور يستحب له أن لا يقرب النساء قبل ذلك بيوم وليلة ويقال إكثار الاغتسال بالماء البارد يشوه

стр. 1063

البشرة ويهيج به المرء، ويقال الغسل في أيام الصيف أرفق بالبدن إذا لم يكن حارا شديدا ولا باردًا شديدًا، ودخول الحمام جائعا يتولد منه اليبوسة في البدن، وإن كان في حال الامتلاء يخاف منه داء في البطن والديدان في الأمعاء، وقال ابن المقنع من دخل الحمام وهو شبعان فأصابه القولنج فلا يلومن إلا نفسه، ومن أكل السمك الطري وقام من المائدة ودخل الحمام فأصابه القولنج والفالج فلا يلومن إلا نفسه (١) انتهى.

стр. 1064

الترهيب من تأخير الغسل لغير عذر الغسل هو بفتح الغين وضمها والفتح أفصح عند اللغويين والضم أشهر عند الفقهاء، وبالكسر ما يغسل به من سدر ونحوه فالغسل بضم الغين هو اسم للاغتسال وهو في الاصطلاح غسل البشرة والشعر وهو المراد هنا وهو أيضًا اسم الماء الذي يغتسل به كالأكل لما يؤكل وهو الاسم أيضًا من غسلته، وأما الغسل بالفتح فهو مصدر غسل الشيء غسلًا (١) قاله النووي في شرح مسلم: لو أريد به الماء فهو مضموم وأما في المصدر فيجوز به الضم والفتح لغتان مشهورتان (٢) واعلم أن حقيقته هو جريان الماء على العضو (٣)، ولا يشترط الدلك وإمرار اليد تقول العرب غسلتني السماء ولا يدخل فيه لإمرار اليد، وقد وصفت عائشة ﵂ غسل رسول اللّه ﷺ من الجنابة ولم تذكر دلكا (٤)، ولما كان الغسل من الجنابة معلوما قبل الإسلام بقية من دين إبراهيم وإسماعيل ﵉ كما بقي الحج والنكاح لم يحتاجوا إلى تفسيره بل خوطبوا ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٥) الآية وهي

стр. 1065

دليل الباب وذلك نذر أبو سفيان ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو رسول اللّه ﷺ (١)، وأما الحدث الأصغر فلم يكن معروفا عندهم قبل الإسلام فلذلك بين أعضاءه وكيفيته والسبب الموجب له (٢) انتهى. ٢٧٨ - عَن عمار بن يَاسر ﷺ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ ثَلاثَة لا تقربهم الْمَلَائِكَة جيفة الْكَافِر والمتضمخ بالخلوق وَالْجنب إِلَا أَن يتَوَضَّأ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن الْحسن بن أبي الْحسن عَن عمار وَلم يسمع مِنْهُ (٣) وَرَوَاهُ هُوَ وَغَيره عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن يحيى بن يعمر عَن عمار قَالَ قدمت على أَهلِي لَيْلَا وَقد تشققت يداي فخلقوني بزعفران فَغَدَوْت على رَسُول اللّه ﷺ فَسلمت عَلَيْهِ فَلم يرد عَليّ السَّلَام وَلم يرحب بِي وَقَالَ اذْهَبْ فاغسل عَنْك هَذَا فغسلته ثمَّ جِئْت فَسلمت عَلَيْهِ فَرد عَليّ ورحب بِي وَقَالَ إِن الْمَلأئِكَة لا تحضر جَنَازَة الْكَافِر بِخَير وَلا المتضمخ بزعفران وَلا الْجنب قَالَ وَرخّص للْجنب إِذا نَام أَو أكل أَو شرب أَن يتَوَضَّأ (٤).

стр. 1066

قَالَ الْحَافِظ ﵀ المُرَاد بِالْمَلَائِكَةِ هُنَا هم الَّذين ينزلون بِالرَّحْمَةِ وَالْبركَة دون الْحفظَة فَإِنَّهُم لا يفارقونه على حَال من الأحْوَال ثمَّ قيل هَذَا فِي حق كل من أخر الْغسْل لغير عذر ولعذر إِذا أمكنه الْوضُوء فَلم يتَوَضَّأ وَقيل هُوَ الَّذِي يُؤَخِّرهُ تهاونا وكسلا ويتخذ ذَلِك عَادَة وَاللّه أعلم. قوله: عن عمار بن ياسر تقدمن الكلام على فضائله. قوله ﷺ : "ثلاثة لا تقربهم الملائكة جيفة الكافر، والمتضمخ بالخلوق، والجنب إلا أن يتوضأ" قال الحافظ قدس اللّه سره: والمراد بالملائكة هنا هم الذين ينزلون بالرحمة والبركة دون الحفظ فإنهم لا يفارقونه على حال من الأحوال (١) انتهى، وزاد بعض العلماء أيضا: المراد بالملائكة غير الحفظة وغير ملائكة الموت، وقيل أراد لا تحضره الملائكة بخير (٢). قوله: "جيفة الكافر" المراد بجيفة الكافر ذاته حيا لأنه نجس قال اللّه تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٣) (٤)، وقد جاء في رواية أبي داود عن عطاء الخراساني عن يحيى بن يعمر عن عمار فذكره إلى أن قال: "إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر بخير" والجنازة بكسر الجيم وفتحها وسيأتي الكلام على ذلك في الجنائز مبسوطًا.
следующие страницы →