← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 992–1031 · переход к 997.

стр. 992

يكون كبيرًا وهما يعذبان فيه، ففي هذا الحديث أن عذاب القبر حق يجب الإيمان به والتسليم له وهو مذهب أهل السنة والجماعة وجمهور المعتزلة أيضًا وهو مما يجب اعتقاد حقيقته وهو مما نقلته الأمة متواترًا، واشتهر بحيث لا يخفى فمن أنكر عذاب القبر أو نعمته فهو كافر كذب الله ورسوله في خبرهما (١)، والله أعلم. قوله ﷺ : "أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة"، وحقيقة النميمة نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد بنيهم، وهو محرم بالاتفاق فإنه بغيضر عند الله، ويجب بغض من أبغضه الله تعالى، وسيأتي الكلام على النميمة مبسوطًا في بابه إن شاء الله تعالى، ففيه غلظ تحريم المشي بالنميمة، فالمشي بالنميمة والسعي بالفساد من أقبح القبائح ولاسيما مع قوله: "كان يمشي بالنميمة" كان التي للحالة المستمرة غالبًا وهي من الكبائر على الأصح، ولهذا: "لا يدخل الجنة قتات " وهو: النمام، أما لو نقله للنصيحة وترك مفسدة أو دفع مضرة وإيصال خبر يتعلق بالغير لا يكون محرمًا ولا مكروهًا بل قد يندب أو يستحب (٢). قوله ﷺ "وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله " الحديث، قال النووي ﵀: فيه ثلاث روايات، الأول: "يستتر" بتائين مثناتين، والثانية:

стр. 993

"يستنزه" بالزاي والهاء، والثالثة: "يستبرئ " بالباء الموحدة وبالهمز- بعد الراء، وهذه الثلاثة في البخاري وغيره: وكلها صحيحة (١)، وفي رواية: "لا يستنتر" بالمثناة، وفي رواية: "يستنثر" بثاء مثلثة، ومعنى: "لا يستتر" من الستر يجوز أن يكون لا يبالي بكشف عورته وهو ما فهمه البغوي، ويجوز أن يريد: لا يجعل بينه وبين بوله حجابًا، توفيقا بين المعنيين وهو أولى (٢)، ومعناه: لا يتجنبه ويحترز منه (٣). وقال ابن بطال: معناه: لا يستر جسده ولا ثيابه من مماسة البول (٤)، قال بعضهم: "لا يستتر" أي: لا يتحفظ منه فيكون مجازًا إذ الحقيقة فيه ستر العورة، وهذا ستر معنوي، ورجح الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد المجاز لأن التنبيه ليس على كشف العورة إذ لا تعلق له بالبول بدليل: "من بوله "، وفي رواية: "عن بوله " بمعنى واحد (٥)، وقال القاضي في المشارق (٦): قيل (من) بمعنى في، أي: لا يستتر في تلك الحالة أي: بكشف عورته، قال: والصحيح أنه للبيان أي: لا يجعل بينه وبين بوله سترة ولا يتحفظ منه، ويدل عليه ما جاء في مسلم: "لا

стр. 994

يستنزه، وفي البخاري: "لا يستبرئ" كما تقدم، قاله في شرح الإلمام. ومعنى: "لا يستنزه" من الاستنزاه أي: النزاهة وهو البعد، ومعناه: لا يتحفظ منه ويبعد (١). ومعنى: "لا يستبرئ" أي: لا يستفرغ البول جهده بعد فراغه منه يخرج منه بعد وضوءه (٢). ومعنى: "يستنتر" بالمثناة كما تقدم من نتر الذكر وهو إمرار أصابع اليد من ظاهره على مجرى البول حتى يخرج ما فيه، ومعنى "يستنثر"بثاء مثلثة كما تقدم أي: ينثر بوله من قناة الذكر كما ينثر الماء من أنفه بعد استنشاقه (٣)، ففي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "إذا بال أحدكم فلينثر ذكره" ثلاث مرات (٤)، بمعنى بعد البول، قال الأصحاب: هذا الأدب وهو النثر والتنحنح مستحب، فلو ترك ذلك فلم ينثر ولم يتنحنح واستنجى عقب انقطاع البول ثم توضأ فاستنجاؤه صحيح ووضوئه كامل لأن الأصل عدم خروج شيء آخر، قال الشافعي: يستبرئ البائل من البول لئلا يقطر عليه، وأحب أن يقيم ساعة قبل الوضوء وينثر ذكره، وقال الروياني: يمشي خطوة أو خطوات، وكل أحد أعرف بطبعه، والمختبر أن ذلك يختلف باختلاف الناس، والمقصود أنه يظن

стр. 995

انقطاع البول، فمن الناس من يحصل هذا المقصد بلا عصر، ومنهم من يحتاج إلى تكرير، ومنهم من يحتاج إلى تنحنح، ومنهم من يحتاج إلى مشي خطوات، ومنهم من لا يحتاج إلى شيء، هذا وينبغي لكل أحد أن لا ينتهي إلى حد الوسوسة، ويكره حشو الذكر بقطنة ونحوها، والنتر بالتاء المثناة، قال الجوهري: إنه الحدث بعنف من غير مبالغة، وذكر هذا الحديث، وأما النثر في الاستنشاق وفي الوليمة فبالثاء المثلثة (١)، قاله في الديباجة. ومعنى الجميع: عدم اجتنابه والتحرز منه، ففي الحديث دليل على أن الاستبراء من البول والتنزه عنه واجب إذ لا يعذب الإنسان إلا على ترك الواجب، وكذلك إزالة جميع النجاسات قياسا على البول وهو قول أكثر العلماء (٢)، أما بول الآدمي فلا خلاف فيه (٣)، وأما غيره فمذهب الشافعي نجاسته، وقال مالك: لا يجب إزالة النجاسة بل هي سنة، ويعذب على تركها إذا سالت النجاسة مثلا على يديه بخلاف ما إذا لم تسل (٤)، وقيل: تجب (٥)، والثالث وهو الأشهر عندهم: تسقط مع العجز والنسيان لا مع الذكر (٦)، وعند أبي حنيفة: يعفى عند قدر الدرهم فلا يجب الاستنجاء إلا عند الانتشار

стр. 996

والكثرة، ولكن يسن (١)، والحديث ظاهر في الوجوب وفي إضافة العذاب إلى البول خاصة دون سائر المعاصي إشارة إلى ما يترتب على ذلك من بطلان صلاته التي هي أعظم أركان الإسلام، ولهذا قال: "تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه" (٢)، وقد ورد أن بعضهم ضمه القبر أو ضغطه بسبب ذلك (٣).

стр. 997

وفيه دليل على أن العذاب للروح والجسد (١). فبول ما لا يأكل لحمه نجس بالإجماع خلافا للأوزاعي، وكذلك بول ما يؤكل لحمه على الصحيح، وفي قول اختاره ابن المنذر وابن خزيمة والروياني أن رولث ما يؤكل لحمه بوله طاهر لأن النبي ﷺ أمر العرنيين بشرب أبوال الإبل وطاف على بعير، والجواب: أن شرب الأبوال كان للتداوي وهو جائز بالنجاسات غير الخمر، قال الشافعي: خبرهم منسوخ، وطوافه على البعير لا يدل على طهارة بوله كما أن حمله أمامة في الصلاة لا يدل على طهارة بولها، وأما بول الصبي الذي لم يطعم غير اللبن فنص الشافعي على نجاسته، ونقل ابن العربي وابن عبد البر وابن بطال عنه أنه طاهر ومردود (٢)، وقال في مختصر مجمع الأحباب: قيل أن رسول الله ﷺ أخذ الحسين وهو صغير فوضعه فبال فأصاب البول إزاره ﷺ فقالت له أم الفضل: أعطني إزارك أغسله؟ فقال: "إنما يغسل من بول الجارية وينضح من بول الغلام" (٣)، حدثنا أحمد بن موسى بن معقل حدثنا أبو اليمان المصري قال: سألت الشافعي

стр. 998

عن حديث النبي ﷺ : "يرش من بول الغلام ويغسل من بول الجارية" والماءان جميعا واحد، قال: لأن بول الغلام من الماء والطين وبول الجارية من اللحم والدم، ثم قال لي فهمت: قلت: نعم، قال: إن الله تعالى لما خلق آدم خلقت حواء من ضلعه القصير فصار بول الغلام من الماء والطين وصار بول الجارية من اللحم والدم، ثم قال لي: فهمت، قلت: نعم، قال: نفعك الله بالشرح (١)، قال الأصحاب في الفرق بين الصبي والصمبية من جهة المعنى فرقين، أحدهما. أن بولها أثخن وألصق بالمحل، والثاني: أن النفوس أعلق بالذكور دون الإناث فيكثر حمل الذكور فناسب التخفيف بالاكتفاء بالنضح دفعا للحرج والعسر بخلاف الإناث (٢)، وقال الشيخ تقي الدين: ذكر بعضهم أن بول الصبي يقع في محل واحد وبول الصبية يقع منتشرًا فاحتيج إلى صب الماء في مواضع متعددة (٣)، والذي نقل عن الشافعي حسن متعين القول به، والعجيب في أن الأصحاب لم يذكروه في كتبهم وهو قول إمامهم، وقال عبد الله بن وهب وعبارته أن التراب إذا طرح في الماء [طهر]، والضلع إذا طرح في الماء أنتن، ولقائل أن يقول هذا موجود في بول الكبير، ولكن صرف عن ذلك الإجماع (٤)، انتهى، قاله في الديباجة.

стр. 999

وقال بعض العلماء: الصحيح الفرق للنص المذكور لأن الجارية أكد في الصفة، قيل: إنه أصفر ثخين له رائحة يؤثر في المحل وبول الغلام أبيض رقيق كالماء (١)، وقال في التهذيب أن طبع الأنثى أَحَرُّ فبولها ألصق بالمحل (٢)، وقيل: الفرق أن بول الصبية يسبب استيلاء الرطوبة والبرد على مزاجها يكون أغلظ وأنتن فيفتقر بولها إلى مزيد مبالغة بخلاف الصبي (٣)، انتهى. قوله: في رواية البخاري وابن خزيمة أنَّ النبي ﷺ مرَّ بحائط من حيطان مكة أو المدينة فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، الحائط: هو البستان إذا كان سياج دائر، وبوب البخاري -رحمة الله عليه- باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله. ٢٥٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "عَامَّة عَذَاب الْقَبْر فِي الْبَوْل فاستنزهوا من الْبَوْل" رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبرانيِّ فِي الْكَبِير وَالْحَاكِم وَالدَّارَقُطْنيِّ كلهم من رِوَايَة أبي يحيى القَتَّات عَن مُجَاهِد عَنهُ وَقَالَ الدَّارَقُطْنيِّ إِسْنَاده لا بَأْس بِهِ والقتات مُخْتَلف فِي توثيقه (٤).

стр. 1000

قوله: عن ابن عباس، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "عامة عذاب القبر من البول، فاستنزهوا من البول" الحديث، وقد صح التحذير من عدم التنزه من البول في أول الباب وأن عامة عذاب القبر منه، وأن من صلى ولم يستبرئ من البول فقد صلى بغير طهور، وترك الصلاة كبيرة بلا شك، وفيه دليل في الحديث قبله على نجاسة البول وأن الأبوال كلها نجسة، والاحتراز منها واجب لقوله في الحديث الآخر "لا يستبربئ من البول" كما تقدم. قوله: رواه البزار والطبراني والحاكم من رواية أبي يحيى القتات، أبو يحيى القتات هو بفتح القاف وتشديد المثناة فوق ثم مثناة أخرى بعد الألف الكوفي الكناني، اسمه: زاذان، وقيل: دينار، وقيل: عبدا لرحمن، وقيل: مسلم، وقيل: يزيد، وقبل: زبان بكسر الزاي وتشديد الباء ثم نون، روى عن مجاهد وعطاء وحبيب بن أبي ثابت، روى عنه: الأعمش وسفيان وإسرائيل وحديج

стр. 1001

بضم الحاء المهملة وفتح الدال بن معاوية وجماعة، قال أحمد: روى عنه إسرائيل أحاديث كثيرة مناكير جدًّا، وقال ابن عدي: يكتب حديته على ما فيه، واختلفت الروايات على ابن معين فيه، وقال النسائي: ليس بالقوي (١). وتقدم الكلام على مجاهد، والله أعلم. ٢٥٨ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ : "تنزهوا من الْبَوْل فَإِن عَامَّة عَذَاب الْقَبْر من الْبَوْل" رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيِّ وَقَالَ الْمَحْفُوظ مُرْسل (٢). ٢٥٩ - وَعَن أبي بكرَة ﵁: قَالَ بَيْنَمَا النَّبِي ﷺ يمشي بيني وَبَين رجل آخر إِذْ أتَى على قبرين فَقَالَ: "إِن صَاحِبي هذَيْن القبرين يعذبان فائتياني بجريدة" قَالَ أَبُو بكرَة: فاستبقت أَنا وصاحبي فَأتَيْته بجريدة فَشَقهَا نِصْفَيْنِ فَوضع فِي هَذَا الْقَبْر وَاحِدَة وَفِي ذَا الْقَبْر وَاحِدَة وَقَالَ: "لَعَلَّه يُخَفف عَنْهُمَا مَا دامتا رطبتين إنَّهُمَا يعذبان بِغَيْر كبِير الْغَيْبَة وَالْبَوْل" رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانيِّ فِي الأوْسَط وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه مُخْتَصرا من رِوَايَة بَحر بن مرار عَن جده أبي بكرَة وَلم يُدْرِكهُ (٣).

стр. 1002

قوله: عن أبي بكرة، أبو بكرة: اسمه نفيع بن الحارث بن كلدة من ثقيف، ونفيع بضم النون ثم فاء مفتوحة، وكلدة: بفتح اللام، وقيل: اسمه مسروح، وبكرة: بفتح الباء الموحدة وإسكان الراء والكاف صحابي جليل وهو من الموالي، وتقدم الكلام على الموالي وعددهم، وأمه: اسمها سمية بضم السنن، كانت أمة للحارث بن كلدة، وكني بأبي بكرة لأنه كان بحصن الطائف فأسلم، وعجز عن الخروج فتدلى ببكرة فكني بأبي بكرة لذلك توفي ﵁ سنة إحدى وخمسين، ومناقبه كثيرة مشهورة (١). قوله: بينما النبي ﷺ يمشي بيني وبين رجل آخر إذ أتى على قبرين فقال: إن صاحبي هذين القبرين يعذبان فأتياني بجريدة، الحديث؛ الجريدة: السعفة التي جرد عنها الخوص أي الغصن من النخل بدون الورق وإذا لم يجرد عنها الخوص يسمى سعفة (٢).

стр. 1003

قال ابن بطال (١): إنما خص الجريد بالغرز على القبر دون سائر النبات والثمار لأن النخلة أطول الثمار بقاء فتطول مدة التخفيف عنهما وهي شجرة شبهها النبي ﷺ بالمؤمن، وقيل: إنها شجرة خلقت من فضل طينة آدم ﵇. قوله: فأتيته بجريدة فشقتا نصفين فوضع في هذا القبر واحدة وفي ذا القبر واحدة، الحديث، قال النووي -قدس الله روحه- قال العلماء ﵃ (٢): أما وضعه ﷺ الجريدتين على القبر فهو محمول على أنه ﷺ سأل الشفاعة لهما فأجيبت شفاعته ﷺ بالتخفيف عنهما إلى أن ييبسا، وقيل: يحتمل أنه كان ﷺ يدعو لهما تلك المدة. قوله: قال: "لعله يخفف عنهما ما كانتارطبتين " لعل هنا بمعنى عسى (٣): ويخفف عنهما أي: العذاب، وفي بعض ألفاظ الحديث: "ما داما رطبتين، ما لم ييبسا" بفتح الموحدة وكسرها لغة أيضًا، والضمير فيه راجع إلى الكسرتين، وفي بعضها "إلى أن ييبسا" وفي بعضها "إلا أن ييبسا" وقيد بقوله: "ما لم ييبسا" لأنه يحتمل أنه أراد بذلك أن الجريدة تسبح ما دامت رطبة لأن النداوة التي فيها كالحياة التي في الحيوان فإذا يبست ذهب تسبيحها، وقيل: لكونهما يسبحان ما دامتا رطبتين وليس لليابس تسبيح، فتحصل البركة بتسبيحهما لصاحب القبر، ولهذا جعل غاية التخفيف جفافهما، وهذا على

стр. 1004

بعض التأويلات في ذلك، وهذا مذهب كثيرين أو الأكثرين من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (١) قالوا معناه: وإنْ من شيء حي إلا يسبح بحمده ثم قالوا: حياة كل شيء بحسبه فحياة الخشب ما لم ييبس، والحجر ما لم يقطع، وذهب المحققون من المفسرين وغيرهم إلى أنه على عمومه، ثم اختلف هؤلاء هل يسبح حقيقة أو فيه دلالة على الصانع فيكون مسبحًا منزهًا بصورة حاله؟ والمحققون على أنه يسبح حقيقة، وقد أخبر الله فقال: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (٢) وإذا كان العقل لا يحيل جعل التمييز فيها وجاء النص به وجب المصير إليه، والله أعلم، ولهذا استحب العلماء ﵃ قراءة القرآن عند القبر لهذا الحديث، لأنه إذا كان يرجى التخفيف بتسبيح الجريدة فتلاوة القرآن أولى (٣). وقال شيخ الإسلام الحافظ العسقلاني أيضًا (٤): وإذا حصلت البركة بتسبيح الجماد فالقرآن الذي هو أشرف الذكر من الآدمي الذي هو اشرف الحيوان أولى بحصول البركة بقراءته، ولاسيما إذا كان القارئ رجلًا صالحًا، انتهى.

стр. 1005

والمشهور من مذهب الشافعي ﵀ أنه لا يصل ثواب القراءة إلى الميت، وقال بعض أصحابه يصل ثوابها إلى الميت، وذهب جماعات من العلماء إلى أنه يصل إلى الميت جميع العبادات من الصلاة والصوم والقراءة وغير ذلك وأما الصوم والصلاة فمذهب الشافعي- ﵀ وجماهير العلماء أنه لا يصل ثوابهما إلى الميت إلا إذا كان الصوم واجبًا على الميت فقضاه عنه وليه أو من أذن له الولي فإن فيه قولان للشافعي أشهرها عنه أنه لا يصح، وأصحهما عند محققي متأخري أصحابه أنه يصح، وستأتي أدلته قاله النووي في شرح صحيح مسلم (١). فائدة فيها بشرى: قد ذكر الإمام القرطبي في التذكرة عن الشيخ الفقيه الإمام القاضي عبد العزيز بن عبد السلام أنه كان يفتي في حياته بأنه لا يصل للميت ثواب ما يقرأ، ويحتج بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ (٢) فلما توفي رآه بعض أصحابه ممن كان يجالسه ويسأله عن ذلك فقال له: إنك كنت تقول إنه لا يصل إلى الميت ثواب ما يقرأ ويهدى إليه، فكيف الأمر؟ فقال له: كنت أقول ذلك في دار الدنيا، والآن فقد رجعت عنه لما رأيت من كرم الله تعالى بي ذلك وأنه يصل إليه ذلك (٣)، انتهى.

стр. 1006

وهذا قول الإمام أحمد بن حنبل وبه قال صاحب الحاوي والقاضي حسين (١). فائدة أخرى: قد ذكر البخاري في صحيحه أن بريدة بن الحصيب الصحابي ﵁ أوصى أن يجعل في قبره جريدتان ففيه إنه تبرك بفعل مثل ما فعل النبي ﷺ ، وقد أنكر الخطابي ﵀ ما يفعله الناس على القبور من الأخواص ونحوها متعلقين بهذا الحديث وقال: لا أصل له ولا وجه له (٢)، والله أعلم. فائدة أخرى: قال الحافظ العسقلاني مسألة (٣): هل يغرس الريحان أو الجريد على باب منزل القبر أو على قافية اللحد؟ الجواب: والله أعلم، أنه ورد في الحديث الصحيح مطلقًا فيحصل المقصود بأي موضع غرس من القبر، ورأيت هنا بخط الشيخ الإمام الصالح شمس الدين بن حسان ﵀ قال: مر بي في بعض طرق الحديث أن الغرس كان عند الرأس ثم رأيته في الدارمي (٤).

стр. 1007

٢٦٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "أَكثر عَذَاب الْقَبْر من الْبَوْل" رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلا أعلم لَهُ عِلّة قَالَ الْحَافِظ وَهُوَ كَمَا قَالَ (١). ٢٦١ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁: قَالَ مر النَّبِي ﷺ فِي يَوْم شَدِيد الْحر نَحْو بَقِيع الْغَرْقَد قَالَ وَكَانَ النَّاس يَمْشُونَ خَلفه قَالَ فَلَمَّا سمع صَوت النِّعَال وقر ذَلِك فِي نَفسه فَجَلَسَ حَتَّى قدمهم أَمَامه فَلَمَّا مر ببقيع الْغَرْقَد إِذا بقبرين قد دفنُوا فيهمَا رجلَيْنِ، قَالَ فَوقف النَّبِي ﷺ فَقَالَ من دفنتم هَاهُنَا الْيَوْم، قَالُوا فلَان وَفُلَان، قَالُوا يَا نَبِي الله وَمَا ذَاك قَالَ أما أَحدهمَا فَكَانَ لا يتنزه من الْبَوْل وَأما الآخر فَكَانَ يمشي بالنميمة وَأخذ جَرِيدَة رطبَة فَشَقهَا ثمَّ جعلهَا على القبرين قَالُوا يَا نَبِي الله لم فعلت هَذَا قَالَ ليخففن عَنْهُمَا، قَالُوا يَا رَسُول الله حَتَّى مَتى هما يعذبان قَالَ غيب لا يُعلمهُ إِلَّا الله وَلَوْلا تمرغ قُلُوبكُمْ وتزيدكم فِي الحَدِيث لسمعتم مَا أسمع رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه كلَاهُمَا من طَرِيق عَليّ بن يزِيد الالهاني عَن الْقَاسِم عَنهُ (٢).

стр. 1008

قوله: عن أبي أمامة، وهو الباهلي، تقدم الكلام عليه. قوله: مر النبي ﷺ نحو بقيع الغرقد، الحديث، البقيع هنا بالباء الموحدة بلا خلاف هو مدفن أهل المدينة وهو المكان المتسع من الأرض، وسمي بقيع الغرقد لغرقد كان فيه وهو ما عظم من العوسج، والغرقد من شجر العضاة، واحدته غرقدة، والعضاة شجر له شوك مثل الطلح والسدر، قال: وبلغني أن الغرقد كبار العوسج، وقال قوم: لا يكون بقيعا إلا وفيه شجر، سميت المقبرة بذلك لأنه كان فيها، وقطع فذهب الشجر وبقي الاسم، ويقال له شجر اليهود لأنه يقول: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله (١)، والنقيع بالنون هو الذي حماه رسول الله ﷺ ، والنقيع في الأصل كل موضع يستنقع فيه الماء (٢)، وبه سمي هذا. قوله: وكان الناس يمشون خلافه فلما سمع صوت النعال وقر ذلك في نفسه فجلس حتى قدمهم أمامه، الحديث، أمامه أي قدامه، لأنه ﷺ خشي أن يقع في نفسه شيء من الكبر.

стр. 1009

قوله: وقر ذلك في نفسه، معناه: تمكن، قال أبو عثمان في كتاب الأفعال: ووقر الشيء في القلب معناه: تمكن (١)، وتقدم ذلك في الكلام على الخطبة. قوله ﷺ : "أما أحدهما فكان لا يتنزه من البول " تقدم الكلام على ذلك في أول الباب، وتقدم الكلام على النميمة. قوله: "وأخذ جريدة رطبة فشقها ثم جعلها على القبر" الحديث، قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: قال علماؤنا: ويستفاد من هذا غرس الأشجار وقراءة القرآن على القبور، وإذا خفف عنها بالأشجار فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرآن (٢)، انتهى، ويحتمل أن يكون قد أوحي إليه ﷺ تخفيف العذاب عنهما إلى وقت الجفاف، وقال الخطابي ﵀: هذا من بركة أثره ودعائه ﷺ بالتخفيف عنهما (٣). تنبيه: قوله: رواه أحمد وابن ماجه كلا من طريق علي بن يزيد الألهاني (قال الدارقطني: متروك، وقال البخاري منكر الحديث، وقال أبو زرعة ليس بقوي ووثقه أحمد وابن حبان). ٢٦٢ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن حَسَنه ﵁ قَالَ خرج علينا رَسُول الله ﷺ فِي يَده الدرقة فوضعها ثمَّ جلس فَبَال إِلَيْهَا فَقَالَ بَعضهم انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُول كَمَا تبول الْمَرْأَة فَسَمعهُ النَّبِي ﷺ فَقَالَ وَيحك مَا علمت مَا أصَاب صَاحب بني

стр. 1010

إِسْرَائِيل كَانُوا إِذا أَصَابَهُم الْبَوْل قرضوه بِالْمَقَارِيضِ فنهاهم فعذب فِي قَبره" رَوَا ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحة (١). قوله: عن عبد الرحمن بن حسنة، هو: أخو شرحبيل بن حسنة، له صحبة، روى عن: النبي ﷺ هذا الحديث الواحد، وحسنة أمهما، واختلف في اسم أبيه وفي نسبه، فذكر جماعة أنه عبد الرحمن بن عبد الله بن المطاع وذكره في الاستيعاب في ترجمة أخيه شرحبيل، وقال الزبير: شرحبيل بن عبد الله بن عمرو وأخوه شرحبيل بن حسنة الصحابي، قال النووي: شرحبيل بن حسنة الصحابي مذكور في المهذب في كتاب السير في قتل الشيخ الذي فيه رأي، وحسنة أمه، واسم أبيه عبد الله بن المطاع بن عبد الله بن الغطريف بن عبد العزى السهمي، وقتل الكندي، كنيته أبو عبد الله، أسلم شرحبيل قديمًا هو وأخوه لأمه جنادة وجابر، وهاجروا إلى الحبشة ثم إلى المدينة ثم استعمله أبو بكر على جيوش الشام، ولم يزل واليًا لعمر على بعض نواحي الشام إلى أن توفي في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة وله سبع وثمانون سنة، طعن هو وأبو عبيدة في يوم واحد (٢)، انتهى.

стр. 1011

قوله: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده الدرقة فوضعها ثم جلس فبال إليها، الحديث؛ الدرقة: الجحفة، والجمع: درق. قوله: فقال بعضهم: انظروا يبول كما تبول المرأة فسمعه النبي ﷺ ، فقال: "ويحك، أما علمت ما أصاب بني إسرائيل" الحديث، ويحك وويلك والفرق بينهما؟ اعلم أن ويحك كلمة رحمة كقوله ﷺ لعمار بن ياسر: "ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية" (١)، لأنها كلمة ترحم وتوجع، فقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد يقال بمعنى المدح والتعجب، وحكى عن عمر بن الخطاب أنه قال: ويح كلمة رحمة، وقال الهروي: ويح كلمة تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها فيترحم عليه ويرئى له، وهي منصوبة على المصدر، وقد ترفع وتضاف يقال: ويح زيد وويحًا له وويحٌ له؛ وويل: كلمة عذاب تجري على ألسنتنا وتستعمل من غير قصد إلي ما وضعت له أولا كقولهم: عقرى حلقى، وقاتله الله، ما أشجعه، وما أشبه ذلك، كقوله ﷺ : "ويل أمه مسعر حرب " (٢) انتهى. وبنو إسرائيل هم أولاد يعقوب ﵇. قوله: "كانوا إذا أصابهم البول قرضوه بالمقاريض"، وقرضوه بالضاد المعجمة أي: قطعوه بها، والمقراض: المقص، قاله عياض (٣).

стр. 1012

وفي الحديث يسر وسماحة على هذه الأمة حيث لم يوجب عليهم القرض كما أوجب على بني إسرائيل (١). ٢٦٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: كنَّا نمشي مَعَ رَسُول الله ﷺ فمررنا على قبرين فَقَامَ فقمنا مَعَه فَجعل لَونه يتَغَيَّر حَتَّى رعد كم قَمِيصه فقُلْنَا مَا لَك يَا رَسُول الله فَقَالَ أما تسْمَعُونَ مَا أسمع ققُلْنَا وَمَا ذَاك يَا نَبِي الله قَالَ هَذَانِ رجلانِ يعذبان فِي قبورهما عذَابا شَدِيدا فِي ذَنْب هَين قُلْنَا فيمَ ذَلِك قَالَ كَانَ أَحدهمَا لا يستنزه من الْبَوْل وَكَانَ الآخر يُؤْذِي النَّاس بِلِسَانِهِ وَيمْشي بَينهم بالنميمة فَدَعَا بجريدتين من جرائد النّخل فَجعل فِي كل قبر وَاحِدَة قُلْنَا وَهل يَنْفَعهُمْ ذَلِك قَالَ نعم يُخَفف عَنْهُمَا مَا دامتا رطبتين رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه. (٢) قَوْله فِي ذَنْب هَين يَعْنِي هَين عِنْدهمَا وَفِي ظنهما أَو هَين عَلَيْهِمَا اجتنابه لَا إِنَّه هَين فِي نفس الأَمر لِأَن النميمة مُحرمَة اتِّفَاقًا. ٢٦٤ - وَعَن شفي بن ماتع الأصبحي ﵁: عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ أَرْبَعَة يُؤْذونَ أهل النَّار على مَا بهم من الأذَى يسعون بَين الْحَمِيم والجحيم يدعونَ بِالْويلِ وَالثُّبُور يَقُول أهل النَّار بَعضهم لبَعض مَا بَال هَؤُلاءِ قد آذونا على مَا بِنَا من الأذَى قَالَ فَرجل مغلق عَلَيْهِ تَابُوت من جمر وَرجل يجر أمعاءه وَرجل يسيل فوه قَيْحا ودما وَرجل يَأْكُل لَحْمه قَالَ فَيُقَال لصَاحب التابوت مَا

стр. 1013

بَال الأبْعَد قد آذَانا على مَا بِنَا من الأذَى فَيَقُول إِن الأبْعَد مَاتَ وَفِي عُنُقه أَمْوَال النَّاس مَا يجد لَهَا قَضَاء أَو وَفَاء ثمَّ يُقَال للَّذي يجر أمعاءه مَا بَال الأبْعَد قد آذَانا على مَا بِنَا من الأذَى فَيَقُول إِن الأبْعَد كَانَ لا يُبَالِي أَيْن أصَاب الْبَوْل مِنْهُ لا يغسلهُ، وَذكر بقِيّة الحَدِيث. رَوَاه ابْن أبي الدُّنْيَا في كتاب الصمت وَكتاب ذمّ الْغَيْبَة وَالطَّبَرَانيِّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد لين وَأَبُو نعيم وَقَالَ شفي بن ماتع مُخْتَلف فِيهِ (١) فَقيل لَهُ صُحْبَة وَيَأْتي الحَدِيث بِتَمَامِهِ فِي الْغَيْبَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قوله: عن شفي بن ماتع الأصبحي، هو: [و يقال: ابن عبد الله الأصبحي، أبو عثمان، ويقال: أبو سهل، ويقال: أبو عبيد المصري، والد حسين بن شفي ذكره الصغاني فيمن اختلف في صحبته (٢)، والذي قاله ابن يونس والجماعة أنه تابعي، وحديثه عن النبي ﷺ مرسل وقد مات سنة خمس ومائة بعد أبي الطفيل وذلك مما يحقق كونه تابعيا وقال ابن سعد: له أحاديث، وتوفي في خلافة يزيد بن عبد الملك يعني المتوفى عشيا في شعبان سنة خمس ومائة وكانت خلافته أربع سنين وشهرًا (٣)،.

стр. 1014

قال الحافظ: قال أبو نعيم: شفي بن ماتع مختلف في صحبته (١). قوله: "أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى يسعون بَين الْحَمِيم والجحيم يدعونَ بِالْويلِ وَالثّبُور" الحديث؛ أصل الحميم: الماء الحار الويل كلمة عذاب وقيل أنها كلمة عذاب وقبوح، والثبور الهلاك وثبره أى أهلكه إهلاكًا. قوله: فرجل مغلق عليه تابوت من جمر، التابوت والتابوت [هو الصندوق وهو الذي يحرز فيه المتاع]. قوله: ورجل يجر أمعاءه، الأمعاء جمع معىً وهي المصارين. قوله: ورجل يسيل فوه قيحا ودمًا، الحديث؛ وإثبات الميم في فيه لغة فاشية نظما ونثرًا، ففي الحديث: "لخلوف فم الصائم" (٢) وزعم أبو علي وابن عصفور أنها لا تثبت إلا في الشعر نحو قول الشاعر: كالحوت لا يلهيه شيء يلهمه ... يصبح ظمآن وفي البحر فمه (٣) والقيح والدم معروفان. ٢٦٥ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁. عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: اتَّقوا الْبَوْل فَإِنَّهُ أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد في الْقَبْر" رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الْكَبِير أَيْضا بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ (٤).

стр. 1015

التَّرْهِيب من دُخول الرِّجَال الْحمام بِغَيْر أزر وَمن دُخُول النِّسَاء بأزر وَغَيرهَا إِلَّا نفسَاء أَو مَرِيضَة وَمَا جَاءَ فِي النَّهي عَن ذَلِك اعلم أن الحمام عربي مذكر اللفظ لا يؤنث بالاتفاق كما نقله الأزهري في تهذيب اللغة عن العرب، وجمعه حمامات (١)، مشتق من لفظة الحميم وهو الماء الحار، قال الله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (٢) ويقال: حمام مبارك (٣)، وسمع تأنيثه في قول الشاعر: وإذا دخلت سمعت فيها رنة [لغط المعاول في بيوت هداد (٤)]. ٢٦٦ - عَن جَابر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: من كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فَلَا يدْخل الْحمام إِلَّا بمئزر وَمن كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فَلا يدْخل حليلته الْحمام رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتّرمِذِيّ وَحسنه وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (٥).

стр. 1016

قوله: عن جابر، هو: جابر بن عبد الله، وتقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر" الحديث، الإيمان في اللغة هو التصديق بالقلب واليوم الآخر هو يوم القيامة، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا في حديث جبريل المطول. وقوله: "ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام" الحليلة: هي الزوجة، كان الإمام أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء يتورعون عن دخول الحمام، وذكر القاضي عياض في القسم الثاني من الشفاعة أنه حكي عن أحمد بن حنبل قال: كنت يومًا مع جماعة تجردوا ودخلوا الحمام فاستعملت الحديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر" ولم أتجرد، فرأيت تلك الليلة قائلا يقول لي: يا أحمد، أبشر فإن الله تعالى قد غفر لك باستعمال السنة وجعلك إماما يقتدى بك، قلت: من أنت؟ قال: جبريل (١)، قاله في الديباجة. ٢٦٧ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ستفتح عَلَيْكُم أَرض الْعَجم وستجدون فِيهَا بُيُوتًا يُقَال لَهَا الحمامات فَلَا يدخلنها الرِّجَال إِلَّا بالأزر وامنعوها النِّسَاء إِلَّا مَرِيضَة أَو نفسَاء رَوَاهُ ابْن مَاجَه

стр. 1017

وَأَبُو دَاوُد وَفِي إِسْنَاده عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم (١). قوله: عن عبد الله بن عمرو بن العاص، تقدم. قوله ﷺ : "ستفتح عليكم أرض العجم، وستجدون فيها بيوتا يقال لها الحمامات فلا يدخلها الرجال إلا بالأزر وامنعوها النساء إلا مريضة أو نفساء" الحديث؛ الحمامات: جمع حمام كما تقدم، وأول من اتخذ الحمام نبي الله سليمان بن داود ﵉، روى الحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: "أول من صنعت له النورة ودخل الحمام سليمان بن داود ﵉، فلما دخله وجد حرة وغمة، فقال: أوه أوه من عذاب الله قبل أن لا يكون أوه" (٢)، وحكي عن غير

стр. 1018

واحد من العلماء الإجماع على دخوله (١)، وسيأتي تفصيل ذلك، وذكر بعضهم في دخوله خلافًا بين الصحابة على أقوال، أحدها: الجواز مطلقًا وهو قول أبي الدرداء وابن عباس وغيرهما. الثاني: المنع منه مطلقًا، وهو محكي عن ابن عمر روي عنه أنه قال: الحمام من النعيم الذي أحدثوه، فهذا يقتضي أن تركه أولى، الثالث: المنع منه إلا لمريضة أو نفساء وهو مروي أيضًا عن ابن عمر وعائشة ﵄، والرابع: منع النساء مطلقًا دون الرجال بالأزر (٢)، فقد روي في ذلك أحاديث ستأتي إن شاء الله تعالى، فعن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من بيتها إذا هي في قعر بيتها" (٣). وقد جاء في دخول الحمام عن السلف آثار متعارضة في الإباحة والكراهة على أقوال، وأما أصحاب الشافعي فكلامهم فيه قليل، وممن تكلم فيه الإمام الفقيه الحافظ أبو بكر بن السمعاني الروزي (٤)، قال النووي: وجملة القول

стр. 1019

في دخول الحمام أنه مباح للرجال بشرط الستر وغض البصر ومكروه للنساء إلا بعذر من نفاس أو مرض، وإنما كره للنساء لأن أمرهن مبني على المبالغة في الستر، ولما في وضع ثيابهن في غير بيوتهن من الهتك، ولما في خروجهن واجتماعهن من الفتنة. فائدة: وللداخل آداب منها أن يتذكر بحره حر النار، ويستعيذ بالله من حرها وشمأله الجنة وأن يكون قصده التنظيف والتطهير دون التنعم والترفه، وأن لا يدخله إذا رأى فيه عاريًا، ولا يقرأ القرآن ولا يسلم، ويستغفر الله تعالى إذا خرج، ويصلي ركعتين، فقد كانوا يقولون: يوم الحمام يوم إثم؟ وذكر الغزالي في الإحياء كلامًا حسنًا طويلًا مختصره أنه لا بأس بدخول الحمام، دخل أصحاب رسول الله ﷺ الحمامات بالشام، وعلى داخله واجبات وسنن، فمن الواجبات وت عورته عن نظر غيره ومسه، ف يتعاطى أمرها وإزالة وسخها إلا بيده، وواجبات في عورة غيره أن يغض بصره عنها، وأن ينهي عن كشفها لأن النهي عن المنكرات واجب فعليه ذلك، قال: ولا يسقط الإنكار في هذه الأزمان بترك دخول الحمام إذ لا يخلو من عورات مكشوفة لاسيما فوق العانة وتحت السرة، ولهذا يستحب إخلاء الحمام، قال: والسنن عشرة، النية بأن لا يدخل عبثًا لا لغرض الدنيا بل يقصد التنظيف المحبوب وأن يعطي الحمامي الأجرة قبل دخوله، ويقدم رجله اليسرى في دخوله قائلًا: بسم الله الرحمن الرحيم من الرجس والنجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم، وأن يدخل وقت الخلوة أو يتكلف إخلاء

стр. 1020

الحمام وأن لا يعجل بدخول البيت الحار حتى يعرق في الأول، وأن لا يكثر ضب الماء بل يقتصر على قدر الحاجة فهو المأذون فيه، وأن يتذكر بحرارته حرارة جهنم، وأن لا يكثر من الكلام ويكره دخلوه بين المغرب والعشاء وقريبا من المغرب، وأن يشكر الله إذا فرغ على هذه النعمة وهي النظافة، وقيل: إن الحار في الشتاء من النعيم الذي يسأل عنه، وقال ابن عمر: الحمام من النعيَم الذي أحدثوه، هذا من جهة الشرع، وأما من جهة الطب فقد قيل: بولة في الشتاء في الحمام قائما خير من شربة دواء، قال في الإحياء أيضًا: أجمع أربعون طبيبًا على أن البول قائما في الشتاء دواء من تسعين داء وغسل القدمين بالماء البارد بعد الخروج من الحمام أمان من النقرس، ويكره، من جهة الطب صب الماء البارد على الرأس عند الخروج من الحمام وشربه، ولا بأس بقوله لغيره عافاك الله ولا بالمصافحة ولا بأن يدلكه غيره يعني في غير عورته (١). ٢٦٨ - وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن دُخُول الحمامات ثمَّ رخص للرِّجَال أَن يدخلوها فِي المآزر" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلم يُضعفهُ وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَلم يرخص للنِّسَاء (٢).

стр. 1021

قَالَ الْحَافِظ ﵀ رَوَوْهُ كلهم من حَدِيث أبي عذرة عَن عَائِشَة وَقد سُئِلَ أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ عَن أبي عذرة هَل يُسمى فَقَالَ لا أعلم أحدا سَمَّاهُ وَقَالَ أَبُو بكر بن حَازِم لا يعرف هَذَا الحَدِيث إِلَّا من هَذَا الْوَجْه وَأَبُو عذرة غير مَشْهُور وَقَالَ التِّرْمِذِيّ إِسْنَاده لَيْسَ بِذَاكَ الْقَائِم. قوله: عن عائشة، تقدم الكلام على مناقبها. قوله: نهى رسول الله ﷺ ثم رخص للرجال أن يدخلوها في المأزر؛ وزاد ابن ماجه: نهى الرجال والنساء، وزاد أيضًا: ولم يرخص للنساء، الحديث، فدخول الحمام مباح للرجال، قال الغزالي في الإحياء (١): دخل أصحاب رسول الله ﷺ حمامات الشام، وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح أن ابن عباس ﵄ دخل حمام الجحفة (٢)، وروى أيضًا عن أبي الدرداء أنه كان يدخل الحمام ويقول: نعم البيت الحمام، يذهب الطينة يعني الوسخ ويذكر بالنار؛ وروى عن ابن عمر نحوه (٣)، وقال أبو هريرة: نعم البيت الحمام يدخله المؤمن فيزيل به الدرن ويستعيذ بالله فيه من النار؛ وجاء أن عليا وابنه الحسين وابن عمر وأبا هريرة وجرير بن عبد الله البجلي وعطاء

стр. 1022

وغير واحد دخلوه (١)، فدخول الحمام مباح للرجال، هذا إذا دخله الإنسان إزالة الأوساخ والتنظيف ونحوه فإن دخله لغير حاجته بل يقصد الترفه والتزيين للأغراض الدنيوية فظهر كلام الغزالي في الإحياء وأبو بكر السمعاني إنه مكروه (٢). واعلم أن دخول الحمام للرجال ينقسم على خمسة أقسام: واجب، ومستحب، ومباح، ومكروه، وحرام، فقد يعرض وجوبه في بعض الأحوال، وذلك كالدخول للغسل من الجنابة أو حصول نجاسة على البدن، ويتعذر إزالة ذلك في البيت أو بالماء البارد، فهذا يجب به دخول الحمام لأن ما لا يتم بالواجب إلا به فهو واجب، وقد يعرض استحبابه كما إذا دخله لغسل مندوب كالعيدين والجمعة ونحوهما أو لإزالة وسخ يتأذى به وانتهى به إلى حد يمنع الخشوع في الصلاة، ولم يمكنه الاغتسال خارجه، وقد تعرض إباحته كما إذا دخله لاتساخ رأسه أو بدنه أو للتداوي، وقد تعرض كراهته كما إذا دخله لغرض فاسد أو دخله بني المغرب والعشاء أو قبل الغروب فإن ذلك وقت انتشار الشياطين، وقد أمر النبي ﷺ بكف الصبيان حتى تذهب فحمة العشاء، أو دخله وهو صائم فإنه يضعف عن الصوم أو دخله وفيه مبتلى، وقد تعرض الكراهة من جهة الطب كما إذا دخله من به حمى أو ورم

стр. 1023

أو أخلاط مستعدة لأن تعفن فتجلب حمى أو تسيل فتجلب ورمًا أو دخله وهو شبعان قبل هضم الطعام، وقد تعرض له الحرمة بأن يكون دخوله حراما كما إذا دخله مكشوف العورة أو دخله وفيه من لم يستر عورته أو أداه الدخول إلى خلوة محرمة كالخلوة بالأمرد الحسن ونحوه أو كان فيه تصاوير أو للفخر والترفه، ويكثر من استعمال الماء ويسرف فيه، فليعلم المرء المسلم أن ماء الحمام مال وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال (١)، فهذا تحريم دخوله الحمام، فإذا نوى الداخل بدخوله الغسل الواجما أو المستحب أو تنظيف رأسه أو بدنه فإن ذلك مندوب إليه الرجال مأمورون به، قال النبي ﷺ : "حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما يغسل فيه رأسه وجسده" أخرجاه في الصحيحين (٢)، وقال الإمام أحمد حدثنا يعقوب فذكره إلى أن قال عن طاوس: قلت لعبد الله بن عباس يزعمون أن رسول الله ﷺ قال: "اغتسلوا يوم الجمعة واغسلوا رؤوسكم وإن لم تكونوا جنبا ومسوا من الطيب" فقال ابن عباس: أما الطيب فلا أدري وأما الغسل فنعم (٣)، هذا حكم الرجال (٤).

стр. 1024

٢٦٩ - وعنها ﵂ قَالَت: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: "الْحمام حرَام على نسَاء أمتِي " رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الإِسْنَاد (١). قوله: وعنها، تقدم الكلام عنها ﵂. قوله ﷺ : "الحمام حرام على نساء أمتي" الحديث، أما النساء فاختلف في إباحة الدخول لهن، فنقل عن الروياني وغيره عن أبي هريرة أنه يحرم عليهن الدخول مطلقا إلا لضرورة، وهذا ظاهر كلامه في الإحياء، ويدل عليه حديث أبي مليح كما سيأتي، وإستدل في الإحياء بقوله: "لا يحل للرجل أن يدخل حليلته الحمام إلا والبيت مستحم" وروى الحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال "بيت بالشام لا يحل لمؤمنين أن يدخلوه ولا بمئزر" ولا يحل للمؤمنات أن تدخله البتة وهذا إذا لم تدع ضرورة، فإن دعت ضرورة كغسل من حيض أو نفاس أو جنابة أو وسخ ولم يمكنها الغسل خارجه جاز الدخول، قال الغزالي: وحينئذ فتدخل بمئزر سابغ، وصحح النووي في باب الجزية من الروضة جواز الدخول للمرأة مطلقا لكن مع الكراهة، وكذلك في شرح المهذب في أواخر باب الغسل، والجواب عن أحاديث الباب فيه عسر وإنما يباح لهن الدخول بشروط: الأول: أن يأذن لها الزوج في ذلك فإن لم يأذن حرم، ويكره للزوج أن يأذن لها فيه، قال الغزالي في الإحياء: ويكره له أن يدفع لها الأجرة لأنه يعينها على

стр. 1025

المكروه، وهذا إذا لم تدع ضرورة كما تقدم (١). الثاني: أن لا يختلطن بالرجال فإن دخل في الحمام رجال ونساء نظر إن خلا فيه رجل بامرأة أجنبية حرم لأن ذلك محرم في غير الحمام ففيه أولى (٢). الثالث: أن لا يدخلن إلا بمئزر وليس ذلك خاصا بالمرأة بل يشترك فيه الرجل والمرأة والخنثى ولابد في الثوب أن يكون مانعا من ظهور البشرة كالصلاة، ثم الواجب على المرأة الداخلة مع نسوة أن تستر ما بين السرة والركبة ولا يجب عليها بستر الزائد على ذلك وهذا معنى قول الغزالي: ألا تدخل إلا بمئزر سابغ أي للعورة (٣). واعلم أن للمرأة أربع عورات: إحداها: عورة الصلاة في جميع بدنها إلا الوجه والكفين. ثانيها: عورتها بالنسبة إلى محارمها الذكور وهي ما بين السرة إلى الركبة على الصحيح. ثالثها: عورتها بالنسبة إلى نظر الذمية وهو ما زاد على البادي حال المهنة، وأما البادي حال المهنة فلا يحرم كشفه بحضرة الذمية ولا تمنع منه الذمية على الأشبه في الرافعي وهذا تفريع على أنه يحرم نظر الذمية إلى المسلمة. رابعها: عورتها بالنسبة إلى الزوج وهو حلقة الدبر خاصة لأن للزوج النظر

стр. 1026

إلى جميع بدنها وليس له النظر إلى حلقة الدبر كما قاله الدارمي في الاستذكار، وفي تحريم نظره إلى فرجها وجهان أصحهما الجواز مطلقا مع الكراهة، ونظره إلى باطن فرجها أشد كراهة، يقال إن الولد بسبب ذلك يخلق أعمى، وتقدم شيء من ذلك قريبًا (١). الشرط الرابع: أن لا يدخلن الحمام إلا مع نسوة المسلمين فإذا دخلت امرأة مع نسوة كتابيات أو حربيات فوجهان أصحهما في الشرح والروضة في كتابي النكاح والجزية التحريم لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ (٢)، واعلم أن ما صححه الرافعي من تحريم الدخول مع الكتابيات محمول على ما إذا كشفت المسلمة الزائد على ما بين السرة والركبة كما هو الغالب، أما إذا سزت الجميع إلا ما يبدوا حال المهنة فلا وجه للتحريم في الحمام مع الجواز في غيره، ولو كان في الحمام كتابيات فدخلت مسلمة وانفردت بخلوة لم يمتنع لانتفاء المعنى، والله أعلم (٣). فائدة: الرافعي هو الحبر العلامة إمام الدين عبد الكريم القزويني كان رحمه من بيت عالم أبوه وجده وجدته، قال في الأمالي: إنها كانت تفتي النساء في الرقائق، إنه منسوب إلى رافعان بلدة معروفة بقزوين، وقيل: إلى

стр. 1027

رافع بن خديج الصحابي، رآه ابن الصلاح والحافظ المنذري، توفي سنة ثلاث أو أربع وعشرين وستمائة وهو ابن ست وستين سنة، وكان إذا خرج إلى المسجد أضاءت له الكروم وكذلك والده، قاله الدميري في شرح المنهاج (١). فائدة: إذا أتى الداخل الحمام قال الغزالي (٢): يستحب له أن يقول عند إرادة الدخول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم، ويقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج كالخلاء (٣)، وتقدم الكلام على ضبط هذا الذكر قريبًا، فإذا أراد أن ينزع ثوبه قال: بسم الله لما رواه ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان من حديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "ستر ما بين أعين الجن عورات بني آدم إذا نزع الرجل ثوبه أن يقول باسم الله ولا ينزع ثوبه حتى يسد المئزر" (٤).

стр. 1028

مسألة: هل يسلم على ما في الحمام أم لا؟ قال بعض الحنفية: لا نص عليه في الخلاصة، الثاني: يصح، الثالث: على المستتر ولا يسلم على المكشوف، حكاه البخاري عن حماد عن إبراهيم النخعي، وكذا قال أبو الليث: يسلم على من كان مستورا، وتوقف الإمام أحمد بن حنبل في هذه المسألة، وقال: وقال لا احفظ فيها شيئا، وقال في الإحياء: فإن سلم عليه لم يرد، قيل يسكت ولا بأس بأن يصافح غيره. تنبيه: ينبغي لداخل الحمام إذا دخله أن يتذكر به عذاب جهنم ويستعيذ بالله من النار ويسأله الجنة فقد كان السلف ﵃ يذكرون النار بدخول الحمام وكان ذلك لهم عبادة، دخل ابن وهب الحمام فسمع تاليا يتلو ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ (١) فغشي عليه، وتزوج صلة بن أشيم فدخل الحمام ثم دخل على زوجته تلك الليلة فظل يصلي حتى أصبح وقال دخلت بالأمس بيتا ذكرني بالنار ودخلت الليلة بيتا ذكرني بالجنة ولم يزل فكري فيهما حتى أصبحت، كان بعض السلف إذا أصابه كرب الحمام يقول: يا بر يا رحيم من علينا وقنا عذاب السموم، صب بعض الصالحين على نفسه ماء من الحمام فوجده شديد الحر فبكى وقال: ذكرت قوله تعالى ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ (٢) فهذه الدار الفانية ممزوجة بالنعيم والألم فما فيها من النعيم يذكر بنعيم الجنة وما فيها من الألم يذكر بألم النار،

стр. 1029

فبعض البقاع يذكر بالنار كالحمام (١) والله أعلم. فائدة أخرى: يجوز الطلاء بالنورة للرجال والنساء، روى الحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: "أول من صنعت له النورة ودخل الحمام سليمان بن داود ﵉" الحديث تقدم في أول الباب بزيادة "وأما النساء فإنهن مأمورات بإظهار الزينة للزوج وهذا منه (٢)، وقد ذكر الحسن أن بلقيس كان شعراء الساقين وإنهم بسبب ذلاك اتخذوا لسيدنا سليمان النورة والحمام، وقد ذكر ابن أبي شيبة عن عبد الله بن شداد قال: ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ (٣) فإذا امرأة شعراء فقال سليمان ﵊: ما يذهب هذا؟ قالوا: النورة، قال: فجعلت النورة يومئذ (٤)، وأما الرجال فيجوز لهم ذلك لما روي في سنن ابن ماجه أن أم سلمة قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أطلى بدأ بعورته فطلاها وسائر جسده" الحديث إسناده صحيح ورجاله ثقات (٥) ورواه أبو داود الطيالسي عن أم سلمة أن النبي ﷺ كان يتنور ويلي عانته بيده (٦)، وفي مراسيل أبي داود عن ابي معشر زياد بن كليب أن رجلا نور رسول الله ﷺ

стр. 1030

فلما بلغ العانة كف ونور رسول الله ﷺ نفسه (١)، وعن مكحول قال: لما قدم أبو الدرداء وأصحاب رسول الله ﷺ الشام دخلوا الحمام وأطلوا بالنورة (٢)، وروى ابن أبي شيبة عن مالك بن إسماعيل عن كامل عن حبيب قال: دخل الحمام عطاء وطاوس ومجاهد فأطلوا فيه (٣)، وقد كره طائفة من السلف الإطلاء بالنورة (٤)، أسند الخرائطي عن ابن عباس قال: أيها الناس اتقوا الله بى لا تكذبوا فوالله ما أطلى نبي قط (٥)، وروى ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب (٦) قال: كان عمر رجلًا أهدب وكان يحلق عنه الشعر، وذكرت له النورة فقال: النورة من النعيم (٧)، وروى عن الحسن قال: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر لا يطلون وهذا من مراسيل الحسن (٨)، وقد تكلم فيها بعضهم والصحيح الأول وأن الإطلاء بها حسن مالم يفض ذلك إلى ما يتوصل به إلى محرم (٩)، انتهى. تنبيه: النورة من الأجسام الحجرية الحريفية وأجودها البيضاء وغير

стр. 1031

المطفأة شديدة الحرارة محرقة والمطفأة منها إذا بقيت يومين أو ثلاثة فإنها لا تحرق والمغسولة خفيفة يابسة (١)، وقال في الإحياء (٢): قد قيل من جهة الطب أن الحمام بعد النورة أمان من الجذام، وقيل النورة في كل شهر تطفئ الحرارة وتبقي اللون وتزيد في الجماع. لطيفة: قال أبو الليث السمرقندي (٣): يكره للإنسان أن يتنور وهو نجب فقد روي عن خالد بن معدان عن النبي ﷺ أنه قال: "من تنور قبل أن يغتسل جاءته كل شعرة يوم القيامة فتقول يا رب سله لما ضيعني ولم يغسلني" وإذا أراد الرجل أن يتنور ينبغي له أن لا يقرب النساء قبل ذلك بيوم وليلة وإذا خرج من الحمام لا يقرب امرأته بعد تمام يوم وليلة. انتهى. ٢٧٠ - وَعَن أبي أَيُّوب الأنْصَارِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم جَاره وَمن كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فَلا يدْخل الْحمام إِلَّا بمئزر وَمن كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فَلْيقل خيرا أَو ليصمت وَمن كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر من نِسَائِكُم فَلا يدْخل الْحمام، قَالَ فَنَمَيْتُ بذلك إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁: فِي خِلافَته فَكتب إِلَى أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم أَن سل مُحَمَّد بن ثَابت عَن حَدِيثه فَإِنَّهُ رَضِي فَسَألهُ ثمَّ كتب إِلَى عمر فَمنع النِّسَاء عَن الْحمام، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ
следующие страницы →