← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 1062–1101 · переход к 1067.

стр. 1062

حلال لذكور أمتي في الأرض حرام على إناث أمتى" الوصب المرض قاله الحافظ والدرن الوسخ وتقدم الكلام على دخول الرجال والنساء الحمامات بالشروط المتقدمة واللّه أعلم. فائدة: قال الغزالي في الإحياء (١): يستحب للإنسان أن يعطي الأجرة قبل الدخول فإن ما يستوفيه مجهول وكذا ما ينتظره الحمامي فتسليم الأجرة قبل الدخول دفع للجهالة من أحد العوضين انتهى. خاتمة الباب: تتعلق بالطب: قال الفقيه أبو الليث السمرقندي في كتابه بستان العارفين: إذا أراد الإنسان أن يدخل الحمام لا ينبغي له أن يدخل بدفعة واحدة في البيت الداخل ولكن ينبغي أن يمكث في كل بيت قليلا ثم يدخل في الآخر وكذلك في حال الخروج ويكره أن يصب على رأسه بعدما يخرج ماء بارد. أو يشرب ماء باردًا فإن ذلك يضر البدن، ويقال دخول الحمام في أيام الصيف أنفع للبدن من أيام الشتاء ولا ينبغي للحمام أن يكون سخينا جدًّا في أيام الصيف فإن ذلك يخاف منه الآفة وإذا خرج من الحمام في أيام الشتاء ينبغي له أن يلبس ثيابا أسرع ما أمكنه كيلا يجد برد الهواء فيضره، وينبغي له أن يغطي رأسه لكيلا يصيبه وجع الرأس فإن أراد أن يتنور يستحب له أن لا يقرب النساء قبل ذلك بيوم وليلة ويقال إكثار الاغتسال بالماء البارد يشوه

стр. 1063

البشرة ويهيج به المرء، ويقال الغسل في أيام الصيف أرفق بالبدن إذا لم يكن حارا شديدا ولا باردًا شديدًا، ودخول الحمام جائعا يتولد منه اليبوسة في البدن، وإن كان في حال الامتلاء يخاف منه داء في البطن والديدان في الأمعاء، وقال ابن المقنع من دخل الحمام وهو شبعان فأصابه القولنج فلا يلومن إلا نفسه، ومن أكل السمك الطري وقام من المائدة ودخل الحمام فأصابه القولنج والفالج فلا يلومن إلا نفسه (١) انتهى.

стр. 1064

الترهيب من تأخير الغسل لغير عذر الغسل هو بفتح الغين وضمها والفتح أفصح عند اللغويين والضم أشهر عند الفقهاء، وبالكسر ما يغسل به من سدر ونحوه فالغسل بضم الغين هو اسم للاغتسال وهو في الاصطلاح غسل البشرة والشعر وهو المراد هنا وهو أيضًا اسم الماء الذي يغتسل به كالأكل لما يؤكل وهو الاسم أيضًا من غسلته، وأما الغسل بالفتح فهو مصدر غسل الشيء غسلًا (١) قاله النووي في شرح مسلم: لو أريد به الماء فهو مضموم وأما في المصدر فيجوز به الضم والفتح لغتان مشهورتان (٢) واعلم أن حقيقته هو جريان الماء على العضو (٣)، ولا يشترط الدلك وإمرار اليد تقول العرب غسلتني السماء ولا يدخل فيه لإمرار اليد، وقد وصفت عائشة ﵂ غسل رسول اللّه ﷺ من الجنابة ولم تذكر دلكا (٤)، ولما كان الغسل من الجنابة معلوما قبل الإسلام بقية من دين إبراهيم وإسماعيل ﵉ كما بقي الحج والنكاح لم يحتاجوا إلى تفسيره بل خوطبوا ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٥) الآية وهي

стр. 1065

دليل الباب وذلك نذر أبو سفيان ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو رسول اللّه ﷺ (١)، وأما الحدث الأصغر فلم يكن معروفا عندهم قبل الإسلام فلذلك بين أعضاءه وكيفيته والسبب الموجب له (٢) انتهى. ٢٧٨ - عَن عمار بن يَاسر ﷺ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ ثَلاثَة لا تقربهم الْمَلَائِكَة جيفة الْكَافِر والمتضمخ بالخلوق وَالْجنب إِلَا أَن يتَوَضَّأ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن الْحسن بن أبي الْحسن عَن عمار وَلم يسمع مِنْهُ (٣) وَرَوَاهُ هُوَ وَغَيره عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن يحيى بن يعمر عَن عمار قَالَ قدمت على أَهلِي لَيْلَا وَقد تشققت يداي فخلقوني بزعفران فَغَدَوْت على رَسُول اللّه ﷺ فَسلمت عَلَيْهِ فَلم يرد عَليّ السَّلَام وَلم يرحب بِي وَقَالَ اذْهَبْ فاغسل عَنْك هَذَا فغسلته ثمَّ جِئْت فَسلمت عَلَيْهِ فَرد عَليّ ورحب بِي وَقَالَ إِن الْمَلأئِكَة لا تحضر جَنَازَة الْكَافِر بِخَير وَلا المتضمخ بزعفران وَلا الْجنب قَالَ وَرخّص للْجنب إِذا نَام أَو أكل أَو شرب أَن يتَوَضَّأ (٤).

стр. 1066

قَالَ الْحَافِظ ﵀ المُرَاد بِالْمَلَائِكَةِ هُنَا هم الَّذين ينزلون بِالرَّحْمَةِ وَالْبركَة دون الْحفظَة فَإِنَّهُم لا يفارقونه على حَال من الأحْوَال ثمَّ قيل هَذَا فِي حق كل من أخر الْغسْل لغير عذر ولعذر إِذا أمكنه الْوضُوء فَلم يتَوَضَّأ وَقيل هُوَ الَّذِي يُؤَخِّرهُ تهاونا وكسلا ويتخذ ذَلِك عَادَة وَاللّه أعلم. قوله: عن عمار بن ياسر تقدمن الكلام على فضائله. قوله ﷺ : "ثلاثة لا تقربهم الملائكة جيفة الكافر، والمتضمخ بالخلوق، والجنب إلا أن يتوضأ" قال الحافظ قدس اللّه سره: والمراد بالملائكة هنا هم الذين ينزلون بالرحمة والبركة دون الحفظ فإنهم لا يفارقونه على حال من الأحوال (١) انتهى، وزاد بعض العلماء أيضا: المراد بالملائكة غير الحفظة وغير ملائكة الموت، وقيل أراد لا تحضره الملائكة بخير (٢). قوله: "جيفة الكافر" المراد بجيفة الكافر ذاته حيا لأنه نجس قال اللّه تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٣) (٤)، وقد جاء في رواية أبي داود عن عطاء الخراساني عن يحيى بن يعمر عن عمار فذكره إلى أن قال: "إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر بخير" والجنازة بكسر الجيم وفتحها وسيأتي الكلام على ذلك في الجنائز مبسوطًا.

стр. 1067

وعطاء الخراساني كنيته أبو عثمان، قال الحافظ أبو نعيم: كان عطاء الخراساني يغازي ويحيي الليل صلاة فإذا ذهب من الليل ثلثه أو نصفه نادى يا فلان ويا فلان قوموا وصلوا فإن قيام هذا الليل وصيام هذا النهار أيسر من شراب الصديد ومقطعات الحديد الوحا الوحا النجا النجا ثم يقبل على صلاته، أسند عن أنس بن مالك وعبد اللّه بن عمر وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة توفي سنة خمس وثلاثين ومائة (١) قاله في مختصر مجمع الأحباب. قوله: "والمتضمخ بالخلوق" المتضمخ بالضاد والخاء المعجمتين أي متدهن بالطيب مكثر منه يقال تضمخ بالطيب إذا تلطخ به وتلوث وأكثر منه (٢)، والخلوق بفتح الخاء طيب معروف مركب يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب وتغلب عليه الحمرة والصفرة وهو العبير أيضا على تفسير الأصمعي (٣) قال أبو عبيد: العبير بفتح العين وكسر الموحدة عند العرب هو الزعفران وحده (٤) وقد ورد تارة بإباحته وتارة بالنهي عنه والنهي أكثر وأثبت وإنما نهي عنه لأنه من طيب النساء وكن أكثر استعمالا له منه والظاهر أن أحاديث النهي ناسخة قاله في النهاية (٥)، وقال بعض العلماء وكراهة الخلوق

стр. 1068

إنما هو للرجال والخنثاء دون النساء (١)، وقد صح النهي عن التخلق بالخلوق والحكمة في ذلك أن التخلق تشبه بالنساء (٢) وقد ثبت أنه ﷺ قال "لعن اللّه المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجل" (٣). قوله: وروى أبو داود وغيره عن عطاء الخراشي عن يحيى بن يعمر عن عمار قال: قدمت على أهلي ليلًا وقد تشققت يداي فلقوني بزعفران "أي لطخوني بمال خلقتني به" فتخلق أي تلطخ فغدوت على رسول اللّه ﷺ فسلمت عليه فلم يرد علي السلام ولم يرجب بي وقال: "اذهب فاغسل هذا عنك" فذهبت فغسلته ثم جئت فسلمت عليه فرد علي ورحب بي انتهى قاله المنذري، وقد يروى في حديث أنس بن مالك قال: "نهى رسول اللّه ﷺ أن يتزعفر الرجل" رواه الشيخان (٤) قال الترمذي: معنى كراهة التزعفر للرجل أن يتطيب به (٥)، وقال البغوي (٦): النهي عن التزعفر للرجل يتناول الكثير منه

стр. 1069

أما القليل منه فقد وردت الرخصة فيه للرجل فإنَّ النبي- ﷺ رأى عبد الرحمن بن عوف وعليه ردع من زعفران فقال "مهيم" فقال: تزوجت امرأة فقال "ما أصدقتها؟ " قال: وزن نواة من ذهب قال "بارك اللّه لك أولم ولو بشاة" (١) الحديث، الردع بالراء والدال والعين المهملات لطخ من بقية لون الزعفران وقيل أثر الزعفران ولونه (٢) قال النووي: والصحيح في معنى هذا الحديث أنه تعلق به أتر من الزعفران وغيره من طيب العروس ولم يقصده ولم يتعمد التزعفر، وقد ثبت في الصحيح النهي عن التزعفر للرجال وكذا نهي الرجال عن الخلوق لأنه شعار النساء وقد نهي الرجال عن التشبه بالنساء، وهو الصحيح في معنى الحديث وهو الذي اختاره القاضي والمحققون قال القاضي وقيل إنه رخص في ذلك العروس أيام عرسه وقد جاء ذلك في أثر ذكره أبو عبيدة أنهم كانوا يرخصون في ذلك للشاب أيام عرسه وقيل كان في أول الإسلام من تزوج لبس ثوبًا مصبوغًا علامة لسروره وزواجه قال وهذا غير معروف وقيل لعله كان يسيرا فلم يكره وقيل يحتمل أنه كان بثيابه دون بدنه وقد ذهب مالك وأصحابه إلى جواز لبس الثياب المزعفرة وحكاه مالك

стр. 1070

عن علماء المدينة وهو مذهب ابن عمر وغيره، وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يجوز ذلك للرجل (١). وقوله: "مهيم" كلمة يمانية معناها ما شأنك؟ أو ما هذه الحالة (٢). وقوله: "وزن نواة من ذهب" قال الخطابي النواة اسم لقدر معلوم عندهم فسروها بخمسة دراهم من ذهب وكذا فسرها أكثر العلماء (٣)، وقال أحمد بن حنبل: هي ثلاثة دراهم وثلث وقيل المراد نواة التمر أي وزنها من ذهب والصحيح الأول وقال بعض المالكية ربع دينار عند أهل المدينة وظاهر كلام أبي عبيد أنه دفع خمسة دراهم قال ولم يكن هناك ذهب إنما خمسة دراهم تسمى نواة كما تسمى الأربعون أوقية (٤) والله أعلم. قوله: "ولا الجنب إلا أن يتوضأ" وفي الرواية الأخرى، ورخص للجنب إذا نام أو أكل أو شرب إن توضأ، قال الحافظ: "ثلائة لا تقربهم الملائكة" وعد منهم الجنب ثم قيل هذا في حق كل من أخر الغسل لغير عذر ولعذر إن أمكنه الوضوء فلم يتوضأ وقيل هو الذي يؤخره تهاونا وكسلا واتخذ ذلك عادة والله أعلم انتهى. قال العلماء وسمي الجنب جنبا لأنه يجتنب الصلاة والمسجد والقراءة

стр. 1071

ويتباعد عنها والجنابة في اللغة البعد وسمي الجنب جنبا أيضا لأنه نهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر وقيل لمجانبته الناس ضى يغتسل، والجنب في الشرع الذي يجب عليه الغسل بالجماع وخروج المني ويقع على الواحد وعلى الاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد فقال رجل جنب ورجلان جنب ورجال جنب وامرأة وامرأتان ونسوة جنب بلفظ واحد وقد يجمع على أجناب وجنبين وأجنب جنب أجنابًا (١) قاله في الديباجة. وقيل ليس معناه من أصابته جنابة فأخر الاغتسال ولكنه الجنب الذي يتهاون بالغسل ويتخذ تركه عادة لأن النبي ﷺ كان ينام وهو جنب ويطوف على نساءه بغسل واحد انتهى، وزاد بعض العلماء على ما قاله المنذري أنه يدل على قلة دينه وخبث باطنه (٢). تنبيه: وأما أحكام المسلم فيحرم على الجنب الصلاة والطواف ومس المصحف وحمله واللبث في المسجد وقراءة القرآن ويجوز له العبور من غير لطف سواء كان لحاجة أم لا، وحكي عن سفيان الثوري وأبي حنيفة وأصحابه وإسحاق بن راهويه أنه لا يجوز له العبور إلا أن لا يجد بدا منه فيتوضأ ثم يمر، وقال أحمد يحرم المكث ويباح العبور للحاجة لا لغيرها وقال المزني وداود وابن المنذر: يجوز للجنب المكث في المسجد مطلقًا (٣) انتهى قاله في الديباجة.

стр. 1072

قوله: ورخص للجنب إذا نام أو أكل أو شرب أن يتوضأ، قال العلماء يستحب للجنب أن لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يجامع حتى يغسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة (١)، ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك (٢)، وفي الحديث أيضا قالوا يا رسول اللّه أيرقد أحدنا وهو جنب قال نعم إذا توضأ أحدكم فليرقد (٣) ففيه دليل على استحباب الوضوء للجنب قبل النوم ويستحب للمحدث أيضا حدثا أصغر أن يتوضأ قبل النوم نقله النووي عن الأصحاب (٤) واختلفوا في وضوء الجنب فعند الشافعية أنه يستحب وفي مذهب مالك قولان أحدهما: الوجوب وعليه داود الظاهري وقد ورد بصيغة الأمر في بعض الروايات الصحيحة وهو قوله ﷺ "توضأ وانضح ذكرك" (٥) لما سأله عمر أنه تصيبه الجنابة من الليل والقائلون بالوجوب اختلفوا في علته فقال النووي قال أصحابنا علته لأنه يخفف الحدث فشأنه أنه يرفع الحدث عن أعضاء الوضوء وربما نشط للغسل فيغتسل بالبيت على إحدى الطهارتين خشية أن يموت في يومه

стр. 1073

ذلك ولأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه جنب فيزول ذلك بالوضوء (١) واختلف في وجوبه للجنب عند المالكية وقال به أهل الظاهر، ونقله ابن العربي عن الشافعي ولا يعرف في مذهبه غير الاستحباب وعليه أكثر العلماء وقال بعض أشياخ المالكية: لا تسقط العدالة بتركه لاختلاف العلماء فيه والمراد به الوضوء الشرعي وفي رواية شعبة اغسل ذكرك ثم توضأ وارقد هذا هو الصحيح يعني الأمر بغسل الذكر قبل الوضوء (٢) وقال الطوسي الأكبر: وإنما أمر بالوضوء عند النوم لأن الأرواح تصعد إلى اللّه تعالى وهي تبعث على ما فارقت أجسادها عليه في الدنيا (٣)، والطوسي الأكبر هو أبو حامد أحمد بن محمد الغزالي الأكبر عم حجة الإسلام وهو أحد الأئمة من أصحاب الوجوه متفقة على أبي طاهر الزيادي ومات بطوس سنة خمس وثلاثين وأربعمائة قاله تاج الدين السبكي في طبقاته (٤) قاله في شرح الإلمام. تتمة: هذا الوضوء لا يبطله الحدث وإنما يبطل بالواقع بين الجماعين بمعاودة الجماع وإذا نام ولم يتوضأ فليستغفر اللّه تعالى، وتقدم أن مالكا لا

стр. 1074

يجوزه على قول قاله ابن العربي، وعلله بأنه لم يشرع لرفع حدث ينقضه الحدث، وإنما شرع عبادة فلا ينقضه إلا ما أوجبه (١) والله أعلم. فرع في الوضوء بعد الوطئ: إذا قيل ما الوضوء وحقيقته؟ فهل الأولى أن ينوي به رفع الحدث الأصغر أو سنة العود أو رفع جنابة ما أصابه الماء من الأعضاء المغسولة؟ الظاهر الأولى لتكون عبادة مستقلة أو مخففة للحدث بزوال أحد الحدثين ويندرج فيه سنة الغسل (٢) واللّه أعلم. ٢٧٩ - وَعَن عَليّ بن أبي طَالب كرم اللّه وَجهه عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لا تدخل الْمَلائِكَة بَيْتا فِيهِ صُورَة وَلا كلب وَلا جنب" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٣). ٢٨٠ - وَعَن الْبَزَّار بِإِسْنَاد صَحِيح عَن ابْن عَبَّاس قَالَ ثَلَاثة لا تقربهم الْمَلائِكَة الجنب والسكران والمتضمخ بالخلوق (٤).

стр. 1075

قوله: عن علي بن أبي طالب تقدم. قوله ﷺ : "لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب" الحديث قال الخطابي إن الجنب تصحيف وصوابه جبت بالباء الموحدة وبالتاء المثناة فوق ومرده ما رواه الإمام أحمد في مسنده "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا ذو جنابة" أي ولا صاحب جنابة تقدم الكلام على الجنب وسيأتي الكلام على الصورة والكلب في بابهما إن شاء اللّه تعالى. سؤال: لم أمر بغسل جميع البدن في الجنابة دون البول؟ قيل: لأن تحت كل شعرة جنابة وأيضا كل عضو من أعضائك وجد لذة التمتع فيجب لكل عضو شكر وأيضا لمخالفة الكفار فإنهم لا يغتسلون فأمرك بالغسل لمخالفتهم ويقال لأنه ليس في الجنة اغتسال ليريهم قدر الجنة وأيضا التمتع على وفاق النفس والاغتسال على مخالفتها وخلاف الهوى واجب ولأن المني جاوز مياه المشركين في صلب آدم ﷺ فقال اغتسل منه لأن زهومة مياه المشركين أصاب ماءك قاله في كشف الأسرار (١). فائدة: قال الغزالي في الإحياء (٢): ولا ينبغي أن يحلق أو يقلم أو يستحد أو يخرج الدم أو يبين من نفسه جزءًا وهو جنب إذ ترد إليه سائر أجزائه في

стр. 1076

الآخرة فيعود جنبًا ويقال إن كل شعرة تطالبه بجنابتها. انتهى. فائدة أخرى: خروج المني يوجب الغسل من الرجل والمرأة في النوم واليقظة ولا فرق عند الشافعي وأصحابه بين خروجه بجماع أو احتلام أو استمناء أو نظر أو بغير سبب سواء خرج بشهوة أو غيرها وسواء تلذذ بخروجه أو لا وسواء خرج كثيرا أو يسيرا من الرجل والمرأة العاقل أو المجنون فإن رأى منيا في فراش نام فيه هو وغيره ممن يمكن أن يمني فلا غسل عليه احتمال أنه من صاحبه ولا يجب على صاحبه لاحتمال أنه من الآخر ولا يجوز أن يصلي أحدهما خلف الآخر قبل الاغتسال والمستحب لكل واحد منهما أن يغتسل نص عليه الشافعي في الأم، واختلف فيما إذا اغتسل الجنب ثم خرج منه مني بعد ذلك فقال الشافعي ﵀ إذا أمنى واغتسل ثم خرج مني منه على القرب بعد غسله لزمه الغسل ثانية سواء كان ذلك قبل أن يبول بعد المني أو بعد بوله وبه قال الليث بن سعد وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، وقال أبو حنيفة: إن كان بعد البول فلا غسل عليه وقبله فيه الغسل وهو رواية ثانية عن الإمام أحمد وعنه رواية ثالثه أنه يجب الغسل مطلقا، وقال مالك وسفيان والثوري وأبو يوسف وإسحاق بن راهويه لا غسل عليه على الإطلاق وعن الإمام أحمد رواية نحوه وهي أشهر الروايات عنه (١) انتهى واللّه أعلم.

стр. 1077

فائدة ثالثه: قال النووي ﵀ (١): والنية شرط في صحة الوضوء والغسل والتيمم وقال أبو حنيفة والثوري يصح الوضوء والغسل بغير نية وقال في الإلمام ومحل النية القلب باتفاق العلماء فلو نوى بقلبه ولم يتكلم بلسانه أجزأته النية، فإذا اتفقت النية واللسان فهو أكمل وقيل أن مالكا كره النطق باللسان فيما فرضه النية (٢) وقال الإمام أبو العباس بن تيمية قد قال العلماء هل يستحب التلفظ بالنية على قولين: فقالت طائفة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد: يستحب التلفظ بها لكونه أوكد وقالت طائفة من أصحاب مالك وأحمد لا يستحب التلفظ بها لأن ذلك بدعة لم ينقل عن رسول اللّه ﷺ أحد من أمته أنه تلفظ بالنية ولا علم ذلك أحد من المسلمين ولو كان مشروعا لم يهمله ﷺ وأصحابه مع أن الأمة مبتلاة به كل يوم وليلة قال: وهذا القول أصح [الأقوال] (٣) بل التلفظ بالنية نقص في العقل والدين أما في الدين فإنه بدعة وأما في العقل فلأن هذا بمنزلة من إذا كان يأكل طعاما فقال أنوي بوضع يدي في هذا الإناء أخذ لقمة منه فأضعها في فمي فأمضغها ثم أبلعها لأشبع فهذا حمق وجهل وذلك لأن النية تتبع العمل فمتى علم العبد ما يفعل كان قد نواه ضرورة فلم يتصور ما وجود العلم بالفعل أن يفعل بلا نية إنما يتصور عدم النية إذا لم يعلم ما يريد مثل من نسي الجنابة واغتسل

стр. 1078

من نظافة ومن يريد أن يعلم غيره الوضوء ولم يرد أن يتوضأ لنفسه (١) انتهى. فروع: الأول: من وجب عليه وضوء وغسل أجزأه الغسل على ظاهر المذهب لأنهما طهارتان فتداخلتا كغسل الجنابة والحيض (٢). الثاني: إذا اجتمع على المرأة غسل جنابة وغسل حيض فاغتسلت لأحدهما أجزأها عنهما لأن فرضهما واحد فأجزأ نية أحدهما (٣). الثالث: يكره الوضوء بعد الغسل إذا لم يحدث لم روي في أبي داود عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول اللّه ﷺ لا يتوضأ بعد الغسل (٤)، فحاصله أنه لا يشرع وضوءان في غسل واحد سواء أكان جنبا محدثا أو جنبا فقط (٥). الرابع: في كيفية النية في الغسل إذا أراد الإنسان الغسل الواجب نوى الغسل من الجنابة إن كان جنبا أو الحيض إن كانت المرأة حائضا وكذا الغسل من النفاس إن كانت نفساء لأنه الذي عليه فلو نوى أحدهما غير ما

стр. 1079

عليه فإن تعمد فلا يصح وإن غلط صح كما قاله النووي في شرح المهذب (١) وتكون النية مقارنة للفعل كما قاله أصحاب الشافعي (٢)، ويكفيه أيضا نية إذا فرض الغسل وكذا في الغسل بحذف الفرض وكذا الغسل لفروض أو فريضة الغسل أو الطهارة للصلاة أو رفع الحدث عن جميع البدن وكذا إن أطلق في الأصح لأن الحدث هو المنع من الصلاة والواجب من الغسل النية أي لا عمل بدونها للمخير والمشهور وقتها عند غسل أول جزء من البدن فأي جزء بدأ بغسله واقترنت النية اعتد به وبما بعده لأنه لا ترتيب في الغسل (٣). والواجب منه أيضا إيصال الماء للشعر والبشرة سواء قل الشعر أو كثر خف أو كثف وسواء شعر الرأس أو البدن وسواء أصوله وما استرسل منه لأن الحدث عم جميع البدن فوجب تعميمه بالغسل (٤) ولقوله ﷺ "تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة" رواه أبو داود وقد روي عنه ﷺ أنه قال "من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسله فعل به كذا وكذا من النار" وهو صحيح الإسناد فلو بقيت شعرة لم يغسلها ويصبها الماء لم يجزه ويجب غسل الذؤابة "الذؤابة جمعها الذوائب وهي الشعر المضفر من شعر الرأس وذؤابة الجميع أعلاه واللّه أعلم" ونقض الضفائر إن لم يصل الماء

стр. 1080

للشعر والبشرة إلا به (١) ويلزم الثيب أيضا غسل ما ظهر من فرجها إذا قعدت لقضاء الحاجة على الأصح (٢) واللّه أعلم. الخامس: احتلم ولم ير المني أو شك هل خرج منه شيء أو لا لم يلزمه الغسل فإن رأى المني ولم يذكر احتلاما لزمه الغسل لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يجد البلل ولم يذكر احتلاما؟ قال: "يغتسل"، وعن الرجل يرى أنه احتلم ولم يجد البلل فقال: "لا غسل عليه" رواه الدارمي وأبو داود والترمذي وغيرهم لكنه ضعيف (٣). السادس: إذا رأى في ثوبه منيا أو في فراش لا ينام فيه غيره ولم يذكر احتلاما وجب عليه الغسل على الصحيح المنصوص ويجب عليه إعادة كل صلاة لا يحتمل حدوث المني بعدها وأطلق الجمهور المسألة وقيدها الماوردي بما إذا رأى المني في باطن الثوب فإن رآه في ظاهره فلا يحل لاحتمال أنه أصابه من غيره ولأن لبن الخفاش يشبه مني الآدمي في لونه ورائحته وفي ذلك قصة غريبة اتفقت لأبي يوسف مع أبي حنيفة رحمهما اللّه (٤). السابع: خرج منه شيء وأشكل عليه أهو مني أو مذي فالأصح أنه يتخير من أن يجعله منيا فيغتسل أو مذيا فيتوضأ ويغسل ما أصابه منه (٥).

стр. 1081

الثامن: في الوضوء قبل الغسل: ففي الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنه ﷺ توضأ وضوءه للصلاة، وعن أبي ثور أنه شرط ونقل ابن المنذر الإجماع على خلافه والأصح. استحباب التسمية في أوله وقيل: لا لأن نظمها نظم القرآن وقيل الأولى أن يقول بسم اللّه العظيم الحمد للّه على الإسلام قال ابن الصلاح: لم أجد لأحد من أصحابنا تعرضا لنيته إلا لمحمد بن عقيل الشهرزوري كما روي فإنه قال ينوي به الغسل قال وأنا أقول إن كان غير محدث فالأمر كما قال وإن كان جنبا محدثا فينوي بوضوئه رفع الحدث الأصغر إلا أن يكون جنبا غير محدث فينوي سنة الغسل ويتصور في تجرد الجنابة عن الحدث في إتيان الغلام والبهيمة فإذا لف على ذكره خرقة وأولج في فرج امرأة وإذا أنزل بنظر أو فكر أو احتلم قاعدا (١) انتهى قاله كمال الدين الدميري. التاسع: يحرم بالجنابة ما يحرم بالحدث من الصلاة والطواف ومس المصحف وحمله بل هي أولى لغلظ حكمها (٢). فائدة في المني: اختلف العلماء في طهارته ونجاسته فقال الشافعي وأحمد بطهارته وقال مالك وأبو حنيفة بنجاسته، والذين قالوا بنجاسته اختلفوا في كيفية إزالته فقال مالك يغسل رطبه ويابسه وقال أبو حنيفة يغسل رطبه ويفرك يابسه ودليل الطهارة قول عائشة ﵂ كنت أفرك المني من ثوب

стр. 1082

رسول اللّه ﷺ فركا فيصلي فيه، فإنه لو كان نجسا لما طهر بالفرك لأن النجس لا يطهر إلا بالماء وفي البخاري عن ابن عباس أنه قال أمطه عنك ولو بإذخرة فإنما هو كالمخاط والبصاق وعن عائشة ﵂ أنه نزل بها ضيف فأعطته ملاءة فنام فيها فأجنب فغسلها ثم ردها فقالت من قال له يفسد علينا ملاءتنا لقد كنت أفركه من ثوب رسول اللّه ﷺ فيصلي فيه (١)، وقال النووي رحمه اللّه تعالى (٢): ذهب كثيرون إلى طهارة المني روي ذلك عن علي بن أبي طالب وان عمر وعائشة وداود وأحمد في أصح الروايتين عنه وهو مذهب الشافعي وأصحاب الحديث ولنا قول شاذ أن مني المرأة نجس دون مني الرجل وقول أشذ منه أن مني الرجل والمرأة نجس والأصح طهارة المني من سائر الحيوان إلا من الكلب والخنزير واستدل الشافعي على طهارته بقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (٣) وإن من جملة بني آدم الأنبياء ولم يكن ليخلقهم من ماء نجس (٤). والاستدلال بحديث: "كنت أفركه من ثوب رسول اللّه ﷺ " قد ضعف فإنه يحتمل أن يكون ذلك من مني النبي ﷺ والنبي ﷺ فضلاته طاهرة فلا

стр. 1083

يلزم من طهارة منيه طهارة مني غيره والجواب بعد تسليم الحكم أن الغالب كون هذا المعنى عن جماع لأنه ﷺ لا يحتلم لأن الشيطان لا يعترضه في النوم وإذا كان عن جماع فالغالب أنه يختلط بماء المرأة فيدل ذلك على الطهارة مطلقا وبه استدل على [طهارة] رطوبة فرج المرأة (١). تنبيه: منى المرأة يبرز إلى ظاهر فرجها ودليل ذلك حديث هل على المرأة من غسل إذا احتلمت قال: "نعم إذا رأت الماء" خلافا لمن أنكر ذلك وأوجب الغسل عليها بإنزال المني إلى باطن فرجها والمنقول عن مالك أنه يوجب الغسل بإنزال المني من الصلب حتى لو نزل إلى ذكره فأمسك ذكره فرجع المني وجب عليه الغسل وعند الشافعي لا يجب لأنه لم يبرز من الذكر وقياس ما ذكره في الرجل أن يقول في المرأة مثله حتى يجب عليها الغسل بوصول المني إلى باطن الفرج (٢) قاله ابن العماد في شرح العمدة. فرع: إذا سبق مني الرجل مني المرأة يشبه الولد بالوالد وإن سبق مني المرأة مني الرجل يشبه الوالدة (٣). فرع آخر في المذي: وهو ماء أبيض رقيق لزج يخرج عند الملاعبة وعند شهوة الجماع لا بشهوة ولا تدفيق ولا يعقبه فتور ويكون ذلك في الرجل والمرأة وفي النساء أكثر منه في الرجال ويقال أنه مني لم يكمل لكنه نجس

стр. 1084

لأن الولد لا يخلق منه والغالب أن الرجل إذا خالط أهله يسبقه المذي فإذا واقع أهله عقيب خروج المذي صار منيه متنجسا لملاقته لرأس الذكر وكذلك لو بال ولم يغسل ذكره ثم جامع أهله وخرج منيه كمن غير جماع فعليه التحرز من رطوبة الفرج حال الجماع لأنها تتنجس بملاقاة رأس الذكر وفيه لغات مذي بفتح الميم وإسكان الذال المعجمة ومذي بكسر الذال وتشديد الياء ومذي بكسر الذال وتخفيف الياء فالأولتان مشهورتان أولهما أفصحهما وأشهرهما والثالثة حكاها أبو عمرو الزاهد عن ابن الأعرابي يقال مذي وأمذى ومذي الثالثة بالتشديد (١). وأما حكم خرج المذي: فقد أجمع العلماء على أنه لا يوجب الغسل وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد يوجب الوضوء لهذا الحديث وهو: كنت مذاء وفي الحديث من الفوائد أنه لا يوجب الغسل فإنه يوجب الوضوء وأنه نجس ولهذا أوجب النبي ﷺ غسل الذكر والمراد به عند الشافعي والجماهير غسل ما أصابه المذي لا غسل جميع الذكر وحكي عن مالك وأحمد في رواية عنهما إيجاب غسل جميع الذكر واللّه أعلم (٢). فرع آخر: إذا أحدث الإنسان في أثناء غسله جاز له أن يتمه ولا يمنع الحدث صحته لكن لا يصلي به حتى يتوضأ كذا في زوائد الروضة وحمله في المهمات على صورة خاصة وهو ما إذا أحدث بعد فراغ أعضاء الوضوء (٣) انتهى.

стр. 1085

فرع آخر: لا يجوز الغسل بحضرة الناس إلا مستور العورة ويجوز في الخلوة مكشوفها والستر أفضل وينبغي للمغتسل من الإناء كالإبريق أن يتفطن لدقيقة قد يغفل عنها وهو أنه إذا استنجى وطهر محل الاستنجاء بالماء أن يغسله بعد ذلك بنية غسل الجنابة لأنه إذا لم يغسله ربما غفل عنه بعد ذلك فلا يصح غسله لتركه ذلك ولو ذكره احتاج إلى مس فرجه فينتقض وضوءه أو إلى كلفة إلى لف خرقة على يده (١) واللّه أعلم. تنبيه: ومن سنن الغسل استصحاب النية إلى آخر الغسل والابتداء بالميامن يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر وهذا متفق على استحبابه وكذا الابتداء بأعلى البدن واستقبال القبلة وتكرار الغسل ثلاثا ويستحب إفاضة الماء على جميع البدن ثلاث مرات صرح به خلق من العلماء وعدوه منه قال النووي: مذهبنا إن ذلك الأعضاء في الغسل وفي الوضوء سنة ليس بواجب وبه قال العلماء كافة إلا مالكا والمزني فإنهما شرطاه في صحة الغسل والوضوء واختلف العلماء في المضمضة والاستنشاق في الغسل فأوجبهما أبو حنيفة ونفى الوجوب مالك والشافعي لقوله ﷺ في الرواية الأخرى "أما أنا فإني أفيض على رأسي أكفًّا" المراد ثلاث حفنات (٢). أجمع المسلمون على أن الماء الذي يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدر بل يكفي فيه القليل والكثير إذا وجد شرط الغسل وهو

стр. 1086

جريان الماء على العضو وقد يرفق بالقليل فيكفي ويخرق بالكثير فلا يكفي والمستحب ألا ينقص في الغسل عن صاع ولا في الوضوء عن مد والصاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي والمد رطل وثلث وذلك معتبر على التقريب لا على التحديد ولنا وجه أن الصاع ههنا ثمانية أرطال والمد رطلان (١) وبغداد بدالين معجمتين ومهملتين ومهملة ثم معجمة وعكسه وبغدان ومغدان ومعدان والزوراء ومدينة السلام (٢) قاله ابن الأبياني في شرح التبريزي وأجمع العلماء على أن النهي في الإسراف في الماء لو كان على شاطئ البحر والأظهر أنه مكروه كراهة تنزيه وقيل تحريم (٣) وقال ابن العماد في القول التمام في آداب دخول الحمام والزيادة في الغسل على الثلاث مكروهة على الصحيح وقيل حرام وقيل خلاف الأولى ومحل الخلاف ما إذا توضأ من نهر أو ماء مملوك فإن توضأ من ماء موقوف على من يتطهر أو يتوضأ منه حرمت الزيادة وحرم السرف بلا خلاف لأن الزيادة غير مأذون فيها والماء الذي في المدارس من هذا القبيل لأنه إنما يوقف إنما يوقف ويساق لمن يتوضأ الوضوء الشرعي ولم تقصد إباحته في غير ذلك (٤). انتهى.

стр. 1087

الترغيب في الوضوء وإسباغه أصل الوضوء في اللغة من الوضاءة وهي الحسن والنظافة وسمي وضوء الصلاة وضوءا لأنه ينظف المتوضأ ويحسنه وكذلك الطهارة أصلها النظافة والتنزه (١). وفي الشريعة غسل أعضاء مخصوصة ومسح الرأس (٢). والمعنى اللغوي موجود فيه مشاهدة فإن الذي يواظب على الوضوء يكون وجهه أحسن ممن لا يواظب وإن استويا فى أصل الخلقة والجمال ولذلك يرى المواظب على الصلاة حسن الوجه نيره والذي لا يصلي على وجهه ظلمة وقتام لأن ترك الصلاة من أعظم الكبائر وقال ابن عمر ﵄ لا أعلم بعد الشرك وقتل النفس أعظم من ترك الصلاة ذكره ابن حزم واختاره فالذي يصلي تظهر الحسنة على وجهه لأن اللّه تعالى سمى الصلوات حسنات فقال ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٣) والمراد بالحسنات هنا الصلوات بدليل أن النبي ﷺ فسر ذلك كذلك قاله في تهذيب النفوس. فائدة: قال القاضي عياض: اختلفوا متى فرضت الطهارة للصلاة فذهب

стр. 1088

ابن الجهم إلى أن الوضوء في أول الإسلام كان سنة ثم نزل فرضه في آية التيمم وقال الجمهور بل كان قبل ذلك فرضا قال واختلفوا في أن الوضوء فرض على كل قائم إلى الصلاة على المحدث خاصة فذهب ذاهبون من السلف إلى أن الوضوء كالصلاة فرض بدليل قوله ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (١) وذهب قوم إلى أن ذلك كان ثم نسخ وهل لكل صلاة على الندب فيه قولان، وقيل بل لم يشرع إلا لمن أحدث ولكن تجديده لكل صلاة مستحب وعلى هذا أجمع أهل الفتوى بعد ذلك ولم يبق بينهم فيه خلاف ومعنى الآية عندهم إذا قمتم محدثين هذا كلام القاضي، قال النووي واختلف أصحابنا في الموجب للوضوء على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يجب بالحدث وجوبًا موسعًا. والثاني: لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة. والثالث: يجب بالأمرين. وهذا هو الراجح عند أصحابنا وأجمعت الأمة على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب ولا فرق بين الصلاة المفروضة والنافلة وسجود التلاوة والشكر وصلاة الجنازة وأما المعذور كمن لم يجد ماء ولا ترابًا ففيه أربعة أقوال للشافعي وهي مذاهب العلماء، قال فكل واحد منها قائلون أصحها عند أصحابنا يجب عليه أن يصلي على حاله ويجب أن يعيد إذا

стр. 1089

تمكن من الطهارة. والثاني: يحرم عليه أن يصلي ويجب القضاء. والثالث: يستحب أن يصلي ويجب القضاء. والرابع: يجب أن يصلي ولا يجب القضاء وهذا القول اختيار المزني وأشهب وهو أقوى الأقوال دليلا (١) والله أعلم قاله في الديباجة. تنبيه: أشهب قال الشافعي: ما رأيت أفقه من أشهب لولا طيش فيه وأشهب المذكور هو ابن عبد العزيز بن داود الفقيه المالكي المصري ولد في السنة التي ولد فيها الشافعي وهي سنة وخمسين ومائة وتوفي بعد الشافعي بثمانية عشر يوما. قال ابن عبد الحكم: سمعت أشهب يدعوا على الشافعي بالموت فذكر ذلك للشافعي فقال رحمة الله عليه: تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد فقل للذي يبقى خلاف الذي ... مضى تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد قال: فمات الشافعي فاشترى أشهب من تركته عبدا فاشتريته من تركته بعد ثلاثين يوما، والطيش خفة العقل (٢). ٢٨١ - عَن ابْن عمر ﵄ عَن النَّبِي ﷺ فِي سُؤال جِبْرَائِيل إِيَّاه عَن الإِسْلَام فَقَالَ: "الإِسْلام: أَن تشهد أَن لا إِلَه إِلَا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَأَن تقيم الصَّلاة وتؤتي الزَّكاة وتحج وتعتمر وتغتسل من الْجَنَابَة وَأَن تتمّ

стр. 1090

الْوضُوء وتصوم رَمَضَان قَالَ فَإِذا فعلت ذَلِك فَأَنا مُسلم قَالَ: نعم، قَالَ: صدقت، رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه هَكَذَا وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا بِنَحْوهِ بِغَيْر هَذَا السِّيَاق (١). قوله: عن ابن عمر، تقدم، والمراد به عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال أبو الفرج بن الجوزي: كنية ابن عمر أبو عبد الرحمن عبد الله بن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأمه: زينب بنت مظعون، أسلم قبل أبيه بمكة ولم يكن بالغًا وهاجر مع أبيه إلى المدينة وعرض على رسول الله ﷺ يوم بدر فرده ويوم أحد فرده وعرض عليه يوم الخندق وهو ابن خمسة عشر سنة فأجازه (٢)، قال نافع: فحدثت به عمر بن عبد العزيز في الغزو فقال: هذا فصل بين الصغير والكبير (٣)، فهذا الحديث هو عمدة الجمهور في أن البلوغ يكون باستكمال خمس عشرة سنة قمرية، وروى الدارقطني أن النبي قال: "إذا بلغ المولود خمس عشرة سنة كتب ما له وما عليه وأقيمت عليه الحدود" (٤) فبلوغ الصبي عند استكماله خمس عشرة

стр. 1091

سنة قمرية، وقيل: بالطعن فيها، وقيل: حتى ستة أشهر منها واعتبر الشافعي ﵀ أن يكون ذلك من تمام ولادته، وهكذا جميع الأحكام المترتبة عليه لا تثبت بخروج بعضه ولا أكثره عند الشافعي بل بجميعه من الإرث والعدة وغيرهما، وهذا السن تحديد لا تقريب، ولا فرق في ذلك بين الغلام والجارية، وعن مالك إنكار البلوغ بالسن، وعن أبي حنيفة أن بلوغ الغلام بثماني عشرة، وفي الجارية عنه روايتان إحداهما كذلك والثانية لتسع عشرة؛ والبلوغ يحصل بذلك أو بخروج المني لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ (١) ولقوله ﷺ : "رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم" (٢) وهذا بالإجماع في الغلام والصحيح أن الجارية كذلك للآية والحديث، وفي وجه ضعيف أن الاحتلام ليس بلوغا في النساء لندرته فيهن (٣) فعلى هذا قال الأصحاب: إذا احتلمت تؤمر بالاغتسال كما تؤمر بالوضوء من الحدث، وخالفهم الإمام ووقت إمكانه استكمال تسع سنين ولا عبرة بما يخرج قبل ذلك، وقيل: بمضي ستة أشهر من العاشرة، وقيل بتمامها (٤)، وتزيد المرأة حيضا وحبلا فيحكم ببلوغ الحامل إذا كاثت ذات زوج إذا ولدت قبل ولادتها بستة أشهر ولحظة وإن كانت مطلقة وأتت بولد يلحقه

стр. 1092

بحكم بلوغها قبل الطلاق بلحظة (١)، انتهى، قاله في الديباجة. ومن مناقب عبد الله بن عمر بن الخطاب أنه قال: رأيت في المنام كأن بيدي قطعة إستبرق، ولا أشير بها إلى مكان من الجنة إلا طارت فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ فقال: "إن أخاك رجل صالح"، أخرجاه في الصحيحين (٢)، وعن عبيد الله بن عدي وكان مولى لابن عمر أنه قدم من العراق فقال لابن عمر: أهديت لك هدية، قال: وما هي؟ قال: جوارش، قال: وما هي؟ قال: تهضم الطعام، قال: والله ما ملأت بطني طعامًا منذ أربعين سنة فما أصنع بهديتك (٣)؛ وجاء سائل لابن عمر فقال لابنه: أعطه دينارًا فأعطاه فلما انصرف قال له ابنه: تقبل الله منك يا أبتاه فقال: لو أعلمت أن الله يقبل مني سجدة واحدة أو صدقة درهم فلم يكن غائبًا أحب إلى من الموت، أتدري ممن يتقبل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤) (٥). قوله ﷺ في سؤال جبريل إياه عن الإسلام، فقال: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة" الحديث، جبريل ﵊ قال علماء التأويل: جبر اسم وائل من أسماء الله

стр. 1093

تعالى فخير بمنزلة عبد وائل هو الله تعالى، ومعناه: عبد الله، وقد ثبت أن جبريل ﵇ كان يأتي النبي ﷺ في صورة دحية الكلبي، وقال ابن عباس: جبريل صاحب الوحي والعذاب إذا أراد الله تعالى أن يهلك قوما سلطه عليهم كما فعل بقوم لوط، وقال الكلبي: سأل النبي ﷺ جبريل أن يأتيه في صورته التي خلقه الله عليها فقال: لا تستطيع أن تثبت، فقال: "بلى" فظهر في ستمائة جناح سد الأفق جناح منها فشاهد رسول الله ﷺ أمرًا عظيمًا فصعق، فذلك معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ (١)، وقال ابن عباس قال رسول الله ﷺ لجبريل: "إن الله وصفك بالقوة والطاعة والأمانة فأخبرني عن ذلك" فقال: أما قوتي فإني رفعت قرى قوم لوط من تخوم الأرض على جناحي إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم قلبتها عليهم، وأما طاعة المخلوقات لي فإني آمر رضوان خازن الجنة متي شئت بفتحها، وكذلك مالك خازن النار، وأما أمانتي فإن الله أنزل من السماء مائة كتاب وأربعة كتب لم يأمن عليها غيري (٢). قوله: فقال الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله والفرق بين الإسلام والإيمان ألف الشيخ عز الدين بن عبد السلام فيه جزءًا لطيفًا (٣) وأحسن ما قيل أن كلا منهما يطلق على الآخر من ناحية الشرع لا من جهة اللغة وأن كل

стр. 1094

واحد شرط في الآخر (١). قوله: وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة إلى آخره وتحج وتعتمر الحديث إلى آخره سيأتي الكلام على كل واحدة من ذلك في موضعها مبسوطا في حديث جبريل الطويل وسيأتي بغير هذا السياق والله أعلم. ٢٨٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن أمتِي يدعونَ يَوْم الْقِيَامَة غرا محجلين من آثَار الْوضُوء فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يُطِيل غرته فَلْيفْعَل" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٢) وَقد قيل إِن قَوْله من اسْتَطَاعَ إِلَى آخِره إِنَّمَا هُوَ مدرج من كلَام أبي هُرَيْرَة مَوْقُوف عَلَيْهِ ذكره غير وَاحِد من الْحفاظ وَالله أعلم. قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على فضائله، واختلف العلماء في اسمه اختلافا كثيرًا جدًا، قال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر: لم يختلف في اسم أحد في الجاهلية ولا في الإسلام كالاختلاف فيه، وذكر ابن عبد البر أنه اختلف فيه على عشرين قولا، وذكر غيره نحو ثلاثين قولا، واختلف العلماء في الأصح منها والأصح عند المحققين والأكثرين ما صححه البخاري وغيره من المتقنين أنه عبد الرحمن بن صخر، وذكر الحافظ تقي الدين محمد بن مخلد الأندلسي في مسنده لأبي هريرة خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة

стр. 1095

وسبعين حديثا (١)، وتقدم الكلام على إسلام أمه وعليه مبسوطًا. قوله ﷺ : "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًّا محجلين من آثار الوضوء" الحديث الأمة: الجماعة، وأمة محمد ﷺ على معنيين أمة الدعوة وهي من بعث إليهم النبي ﷺ ، وأمة الإجابة الذين آمنوا وصدقوه، وهذه هي المراد بها هنا، وأما أمة الدعوة فليس هذا الحكم ثابت لجميعهم لأن من أمة الدعوة اليهود والنصارى (٢)، وقد قال ﷺ : "لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بي إلا وجبت له النار" (٣). وقوله: "يدعون" إما من الدعاء بمعنى النداء أي: ينادون إلى موقف الحساب والميزان وغير ذلك بصفتهم وهي الغرة والتحجيل ويعرفون من بين سائر الأمم بهذه العلامة كما يعرف المجرمون بسيماهم، وإما من الدعاء بمعنى التسمية نحو دعوت ابني زيدًا أي: سميته به (٤)، قاله ابن العماد في شرح عمدة الأحكام. قوله: "غرًّا محجلين من آثار الوضوء"، غرًّا جمع أغر أي: ذو غرة، وهي بالضم أي: بيض الوجوه واليدين والرجلين من نور الوضوء بالفرس الأغر،

стр. 1096

والأغر الأبرص، قال أهل اللغة: الغرة بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم، واستعمل في الشهرة وطيب الذكر؛ والتحجيل: بياض في قوائم الفرس في يديها ورجليها أو في ثلاث منها أو في رجليه قل أو كثر، وإذا كان البياض في قوائمه الأربع فهو محجل، وإذا كان في الرجلين جميعا فهو محجل الرجلين وإن كان في إحدى رجليه فهو محجل الرجل اليمنى أو اليسرى، وإن كان في ثلاث قوائم بدون رجل أو يد فهو محجل الثلاث، وأصله من الحجل وهو الخلخال ثم استعير للنور الذي يعلو أعضاء المتوضئ يوم القيامة (١)؛ وقد جاء في الحديث: "غرًّا من السجود محجلين من الوضوء" سمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرة وتحجيلا تشبيهًا بغرة ألفرس وتحجله، وذلك أن النبي ﷺ قال: "لكم سيما ليست لأحد من الأمم" والسيما العلامة فيها ثلاث لغات تقصر وهو الأفصح وبه جاء القرآن والمد والثالثة السيمياء بزيادة ياء مع المد لا غير (٢) قاله في الديباجة، وقال الحافظ شرف الدين الدمياطي تلميذ الحافظ المنذري: الغرة بياض في وجه الفرس والتحجيل بياض في قوائمه، وذلك مما يكسبه حسنًا وجمالًا فشبه النبي ﷺ النور الذي يكون يوم القيامة في أعضاء الوضوء بالغرة والتحجيل ليفهم أن هذا البياض في أعضاء الإنسان مما يزينه لا مما يشينه وقريب من

стр. 1097

هذا قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ (١) والمراد من ذلك الحديث بيض موضع الوضوء من الوجوه والأيدي والأقدام (٢) انتهى. وقال النووي: ومعنى الحديث أنهم إذا دعوا على رؤوس الأشهاد أو إلى الجنة كانوا على هذه العلامة وأنهم يسمون بهذا الاسم لما يرى عليهم من آثار الو ضوء (٣) والله أعلم. واعلم أن هذه الأحاديث مصرحة باستحباب تطويل الغرة والتحجيل، أما تطويل الغرة فيكون في الوجه في موضعين الأول في الناصية ويستحب غسلها في الوضوء والثاني يستحب غسل الأذن كما نقله الدارمي عن الشافعي وكان ابن سريج يفعله وصفحة العنق كما قاله في المهذب (٤)؛ وقال النووي: قال أصحابنا: هو غسل شيء من مقدم الرأس وما يجاوز الوجه زائدا على القدر الذي يجب غسله لاستيقان كمال الوجه وأما تطويل التحجيل فهو غسل ما فوق المرفقين والكعبين وهذا مستحب بلا خلاف بين أصحابنا، واختلفوا في القدر المستحب في التحجيل على أوجه أحدها أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين وهذا مستحب من غير توقيت والثاني يستحب إلى نصف العضد والساق والعضد من الإنسان وغيره الساعد وهو ما بين المرفق إلى

стр. 1098

الكتف والثالث يستحب إلى المنكبين والركبتين كما كان يفعله أبو هريرة وأحاديث الباب تقتضي هذا كله وأما دعوى الإمام الحسن بن بطال المالكي والقاضي عياض اتفاق العلماء على أنه لا يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين فغير واضحة وكيف تصح دعواهما وقد ثبت فعل ذلك عن رسول الله ﷺ وأبي هريرة وهو مذهبنا لا خلاف عندنا فيه كما ذكرناه ولو خالف فيه من خالف كان محجوجا بهذه السنن الصحيحة وأما احتجاجهما بقوله ﷺ "من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" فلا يصح الاحتجاج به لأن المراد من زاد في عدد المرات أو نقمر عن المرة بأن لم يكملها (١) وقد استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة زادها الله تشريفًا. وقال آخرون ليس الوضوء مختص بهذه الأمة وإنما الذي اختصت به هذه الأمة الغرة والتحجيل فيه فقط واحتجوا بالحديث الآخر "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي " قال ابن العطار في باب التيمم: والمشهور من قول العلماء أن الوضوء لم يكن خاصا بهذه الأمة وخصت بالتيمم بدلا عن الوضوء والغسل ومنهم من قال الوضوء لنا وللأنبياء دون أممهم وأجاب الأولون عن هذا الحديث بجوابين أحدهما إنه حديث ضعيف معروف الضعف والثاني أنه لو صح احتمل أن يكون الأنبياء اختصت بالوضوء دون أممهم إلا هذه الأمة والله اعلم.

стр. 1099

قوله: "فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل" وقد قيل إن قوله "فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل" إنما هو مدرج من كلام أبي هريرة إلى آخره، قاله الحافظ المنذري. فائدة: في قوله "فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل" في الكلام حذف تقديره فمن استطاع أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل والعرب قد تحذف أحد الشيئين لدلالة الثاني عليه كقولهم: قطع الله يد ورجل من قالها ومعنى الحديث أي قدر أن يطيل غرته أي يغسل غرته بأن يوصل الماء من فوق الغرة إلى تحت الحنك طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضا فكنى بالغرة عن نور الوجه (١). سؤال: فإن قيل: من آمن من هذه الأمة ومات قبل أن يتوضأ والأطفال الذين ماتوا قبل سن التمييز هل يبعثون غرا محجلين لكونهم من الأمة أم يبعثون بغير غرة وتحجيل كما هو ظاهر الخبر أو يفصل بين من ترك الوضوء عمدا وبين غيره لأن التارك عمدًا يستحق الحرمان كما أن شارب الخمر إذا مات قبل التوبة لا يشربها وإن دخل الجنة فيه نظر وقال بعض العلماء ظاهر الحديث أن الغرة والتحجيل لا يكونان إلا لمن توضأ من أمته ﷺ فيدل على أن العصاة الذين لم يتوضأوا قط ولا صلوا لا يكون لهم غرة ولا تحجيل (٢)

стр. 1100

وقد نقل خلافه. وقال الشيخ أبو عمران الزناتى شارح رسالة ابن أبي زيد: قال العلماء الغرة والتحجيل حكم ثابت لأمة محمد ﷺ من توضأ منهم ومن لم يتوضأ كما قالوا لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة لأن أهل القبلة كل من آمن بالله من أمته وسواء صلى أم لم يصل ولم يعرف هذا النقل لغيره وقواعد السنة تساعده (١). لطيفة: قال الشيخ تقي الدين القشيري: قوله ﷺ "من آثار الوضوء" المعروف فيه ضم الواو ويجوز أن يقال بفتح الواو أي من آثار الماء المستعمل في الوضوء فإن الغرة والتحجيل نشأ عن الفعل بالماء فيجوز أن ينسب إلى كل منهما قال وقد ذكر في الحديث الأمر بتطويل الغرة ولم يذكر الأمر بتطويل التحجيل مع إن الحديث ورد بهما فلم خص الغرة بالتطويل دون التحجيل؟ وأجاب: بأنه غلب ذكر الغرة فهو من باب تغليب أحد الاثنين على الآخر إذا كان لشيء واحد (٢) انتهى.

стр. 1101

وأجاب غيره بشيئين آخرين: أحدهما: أنه إنما خص الغرة بالذكر لأن محلها أشرف أعضاء الوضوء وآكدها في الغسل. والثاني: أنه أول عضو يقع عليه البصر يوم القيامة (١) فلذلك خص بالذكر محافظة على تطويل الغرة فيه ليكثر نوره يوم القيامة حتى يصير كالعلم انتهى. ٢٨٣ - وَلمُسلم عَن أبي حَازِم قَالَ كنت خلف أبي هُرَيْرَة وَهُوَ يتَوَضَّأ للصَّلاة فَكَانَ يمد يَده حَتَّى يبلغ إبطه فَقلت لَهُ يَا أَبَا هُرَيْرَة مَا هَذَا الْوضُوء فَقَالَ يَا بني فروخ أَنْتُم هَاهُنَا لَو علمت أَنكُمْ هَاهُنَا مَا تَوَضَّأت هَذَا الْوضُوء سَمِعت خليلي رَسُول الله ﷺ يَقُول تبلغ الْحِلْية من الْمُؤمن حَيْثُ الْوضُوء" وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه بِنَحْوِ هَذَا إِلَّا أَنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الْحِلْية تبلغ مَوَاضِع الطّهُور (٢). "الْحِلْية" مَا يحلى بِهِ أهل الْجنَّة من الأساور وَنَحْوهَا. قوله: ولمسلم من رواية أبي حازم قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة فكان يمد يده حتى يبلغ إبطه فقلت له: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ أنتم ههنا لو علمت أنكم ههنا ما توضأت هذا الوضوء ...
следующие страницы →