← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 1097–1136 · переход к 1102.

стр. 1097

هذا قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ (١) والمراد من ذلك الحديث بيض موضع الوضوء من الوجوه والأيدي والأقدام (٢) انتهى. وقال النووي: ومعنى الحديث أنهم إذا دعوا على رؤوس الأشهاد أو إلى الجنة كانوا على هذه العلامة وأنهم يسمون بهذا الاسم لما يرى عليهم من آثار الو ضوء (٣) والله أعلم. واعلم أن هذه الأحاديث مصرحة باستحباب تطويل الغرة والتحجيل، أما تطويل الغرة فيكون في الوجه في موضعين الأول في الناصية ويستحب غسلها في الوضوء والثاني يستحب غسل الأذن كما نقله الدارمي عن الشافعي وكان ابن سريج يفعله وصفحة العنق كما قاله في المهذب (٤)؛ وقال النووي: قال أصحابنا: هو غسل شيء من مقدم الرأس وما يجاوز الوجه زائدا على القدر الذي يجب غسله لاستيقان كمال الوجه وأما تطويل التحجيل فهو غسل ما فوق المرفقين والكعبين وهذا مستحب بلا خلاف بين أصحابنا، واختلفوا في القدر المستحب في التحجيل على أوجه أحدها أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين وهذا مستحب من غير توقيت والثاني يستحب إلى نصف العضد والساق والعضد من الإنسان وغيره الساعد وهو ما بين المرفق إلى

стр. 1098

الكتف والثالث يستحب إلى المنكبين والركبتين كما كان يفعله أبو هريرة وأحاديث الباب تقتضي هذا كله وأما دعوى الإمام الحسن بن بطال المالكي والقاضي عياض اتفاق العلماء على أنه لا يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين فغير واضحة وكيف تصح دعواهما وقد ثبت فعل ذلك عن رسول الله ﷺ وأبي هريرة وهو مذهبنا لا خلاف عندنا فيه كما ذكرناه ولو خالف فيه من خالف كان محجوجا بهذه السنن الصحيحة وأما احتجاجهما بقوله ﷺ "من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" فلا يصح الاحتجاج به لأن المراد من زاد في عدد المرات أو نقمر عن المرة بأن لم يكملها (١) وقد استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة زادها الله تشريفًا. وقال آخرون ليس الوضوء مختص بهذه الأمة وإنما الذي اختصت به هذه الأمة الغرة والتحجيل فيه فقط واحتجوا بالحديث الآخر "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي " قال ابن العطار في باب التيمم: والمشهور من قول العلماء أن الوضوء لم يكن خاصا بهذه الأمة وخصت بالتيمم بدلا عن الوضوء والغسل ومنهم من قال الوضوء لنا وللأنبياء دون أممهم وأجاب الأولون عن هذا الحديث بجوابين أحدهما إنه حديث ضعيف معروف الضعف والثاني أنه لو صح احتمل أن يكون الأنبياء اختصت بالوضوء دون أممهم إلا هذه الأمة والله اعلم.

стр. 1099

قوله: "فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل" وقد قيل إن قوله "فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل" إنما هو مدرج من كلام أبي هريرة إلى آخره، قاله الحافظ المنذري. فائدة: في قوله "فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل" في الكلام حذف تقديره فمن استطاع أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل والعرب قد تحذف أحد الشيئين لدلالة الثاني عليه كقولهم: قطع الله يد ورجل من قالها ومعنى الحديث أي قدر أن يطيل غرته أي يغسل غرته بأن يوصل الماء من فوق الغرة إلى تحت الحنك طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضا فكنى بالغرة عن نور الوجه (١). سؤال: فإن قيل: من آمن من هذه الأمة ومات قبل أن يتوضأ والأطفال الذين ماتوا قبل سن التمييز هل يبعثون غرا محجلين لكونهم من الأمة أم يبعثون بغير غرة وتحجيل كما هو ظاهر الخبر أو يفصل بين من ترك الوضوء عمدا وبين غيره لأن التارك عمدًا يستحق الحرمان كما أن شارب الخمر إذا مات قبل التوبة لا يشربها وإن دخل الجنة فيه نظر وقال بعض العلماء ظاهر الحديث أن الغرة والتحجيل لا يكونان إلا لمن توضأ من أمته ﷺ فيدل على أن العصاة الذين لم يتوضأوا قط ولا صلوا لا يكون لهم غرة ولا تحجيل (٢)

стр. 1100

وقد نقل خلافه. وقال الشيخ أبو عمران الزناتى شارح رسالة ابن أبي زيد: قال العلماء الغرة والتحجيل حكم ثابت لأمة محمد ﷺ من توضأ منهم ومن لم يتوضأ كما قالوا لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة لأن أهل القبلة كل من آمن بالله من أمته وسواء صلى أم لم يصل ولم يعرف هذا النقل لغيره وقواعد السنة تساعده (١). لطيفة: قال الشيخ تقي الدين القشيري: قوله ﷺ "من آثار الوضوء" المعروف فيه ضم الواو ويجوز أن يقال بفتح الواو أي من آثار الماء المستعمل في الوضوء فإن الغرة والتحجيل نشأ عن الفعل بالماء فيجوز أن ينسب إلى كل منهما قال وقد ذكر في الحديث الأمر بتطويل الغرة ولم يذكر الأمر بتطويل التحجيل مع إن الحديث ورد بهما فلم خص الغرة بالتطويل دون التحجيل؟ وأجاب: بأنه غلب ذكر الغرة فهو من باب تغليب أحد الاثنين على الآخر إذا كان لشيء واحد (٢) انتهى.

стр. 1101

وأجاب غيره بشيئين آخرين: أحدهما: أنه إنما خص الغرة بالذكر لأن محلها أشرف أعضاء الوضوء وآكدها في الغسل. والثاني: أنه أول عضو يقع عليه البصر يوم القيامة (١) فلذلك خص بالذكر محافظة على تطويل الغرة فيه ليكثر نوره يوم القيامة حتى يصير كالعلم انتهى. ٢٨٣ - وَلمُسلم عَن أبي حَازِم قَالَ كنت خلف أبي هُرَيْرَة وَهُوَ يتَوَضَّأ للصَّلاة فَكَانَ يمد يَده حَتَّى يبلغ إبطه فَقلت لَهُ يَا أَبَا هُرَيْرَة مَا هَذَا الْوضُوء فَقَالَ يَا بني فروخ أَنْتُم هَاهُنَا لَو علمت أَنكُمْ هَاهُنَا مَا تَوَضَّأت هَذَا الْوضُوء سَمِعت خليلي رَسُول الله ﷺ يَقُول تبلغ الْحِلْية من الْمُؤمن حَيْثُ الْوضُوء" وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه بِنَحْوِ هَذَا إِلَّا أَنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الْحِلْية تبلغ مَوَاضِع الطّهُور (٢). "الْحِلْية" مَا يحلى بِهِ أهل الْجنَّة من الأساور وَنَحْوهَا. قوله: ولمسلم من رواية أبي حازم قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة فكان يمد يده حتى يبلغ إبطه فقلت له: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ أنتم ههنا لو علمت أنكم ههنا ما توضأت هذا الوضوء ...

стр. 1102

الحديث، أبو حازم بالحاء المهملة والزاي اثنان أحدهما أبو حازم الأشجعي الراوي عن أبي هريرة وغيره اسمه سلمان مولى عزة الأشجعية كوفي نبيل روى عن أبي هريرة وجالسه خمس سنين وعن الحسن والحسين وغيرهم وثقه الإمام أحمد وابن معين مات في خلافة عمر بن عبد العزيز في حدود المائة، والثاني هو أبو حازم الراوي عن سهل بن سعد هو الأعرج المدني واسمه سلمة بن دينار أبو عبد العزيز (١)، ففي هذه الراوية دلالة على استحباب تطويل الغرة والتحجيل وأنكرت المالكية ذلك وتقدم الكلام على ذلك ونسبوا أبا هريرة إلى الانفراد به وليس كما قالوا الشافعي قد قال بذلك وقد كان جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة يغسلون أيديهم إلى الآباط وأرجلهم إلى أنصاف الساقين (٢) قاله في شرح عمدة الأحكام. قوله: يا بني فروخ أنتم ههنا، فروخ بفتح الفاء وضم الراء المشددة وفتح الخاء المعجمة غير مصروف للعلمية والعجمة وهم العجم لكثرة هذه النسبة فيهم وقال صاحب العين: فروخ بلغنا أنه كان من ولد إبراهيم ﷺ من ولد كان بعد إسماعيل وإسحاق كثر نسله ونما عدده فولد العجم الذين هم في وسط البلاد (٣) انتهى قال القاضي عياض إنما أراد أبو هريرة هنا الموالي منهم وكان خطابه لأبي حازم فخاطبه وهو واحد بلفظ الجمع وإنما نظمه في

стр. 1103

سلكه لسؤاله عن ذلك بصيغة الإنكار فبكته لاعتراضه وجمعه مع من لا يفهم والله أعلم، قال القاضي: إنما أراد أبو هريرة بكلامه هذا أنه لا ينبغي لمن يقتدى به إذا ترخص في أمر في ضرورة أو تشدد فيه الوسوسة أو لاعتقاده في ذلك مذهبا شذ به عن الناس أن يفعله بحضرة العامة والجهلة لئلا يترخص برخصة لغير ضرورة أو يعتقد إنما يشدد فيه وهو الفرض اللازم (١) قاله في شرح الأحكام. قوله ﷺ "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء" أي ماء الوضوء قال الحافظ الحلية ما تحلى به أهل الجنة من الأساور ونحوها انتهى وقال بعض العلماء سميت حلية لأنها تحلي تلك الجوارح في أعين الناظرين (٢) والحلية النور الحاصل في الأعضاء من أثر الوضوء وهو جمال لصاحبه كما يكون الحلي جمال للمرأة يقال حليته أحليه تحلية إذا ألبسته الحلية (٣). ٢٨٤ - وَعنهُ ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ أتَى الْمقْبرَة فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم عَن قريب لاحقون وددت أَنا قد رَأينَا إِخْوَاننَا، قَالُوا أولسنا إخوانك يَا رَسُول الله قَالَ أنتُم أَصْحَابِي وإخواننا الَّذين لم يَأْتُوا بعد، قَالُوا كيفَ تعرف من لم يَأْتِ بعد من أمتك يَا رَسُول الله قَالَ

стр. 1104

أَرَأَيت لَو أَن رجلا لَهُ خيل غر محجلة بَين ظَهْري خيل دهم بهم أَلا يعرف خيله قَالُوا بلى يَا رَسُول الله، قَالَ فَإِنَّهُم يأْتون غرا محجلين من الْوضُوء وَأنا فرطهم على الْحَوْض" رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (١). قوله: وعنه، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: إن رسول الله ﷺ أتى المقبرة ... الحديث، المقبرة بضم الباء وفتحها وكسرها ثلاث لغات ولغة الكسر قليلة (٢). قوله: فقال "السلام عليكم دار قوم مؤمنين إنا إن شاء الله عن قريب بكم لاحقون" قال في النهاية (٣): سمى موضع القبر دارا تشبيها بدار الأحياء لاجتماع الموتى فيهم وفي حديث الشفاعة "فاستأذن علي ربي في داره" أي في حضرة قدسه وقيل في جنته فإن الجنة تسمى دار السلام. وفيه أن اسم الدار تقع على المقابر لأنها تقع على الخراب والمسكون (٤). تنبيه: قوله "دار" منصوب على النداء أي يا أهل دار فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامهم وقيل منصوب على الاختصاص قال صاحب

стр. 1105

المطالع: ويجوز جره على البدل من الضصر في "عليكم" (١). قوله: "وإنا إن شاء الله عن قريب بكم لاحقون" فأتى بالاستثناء مع أن الموت لا شك فيه، للعلماء فيه أقوال أحدها: أنه ليس للشك ولكنه ﷺ قاله للتبرك وامتثال أمر الله تعالى في قوله ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٢) (٣). والثاني: حكاه الخطابي وغيره أنه عادة المتكلم يحسن به كلامه ويزينه به كما يقول الرجل لصاحبه إنك إن أحسنت إلي شكرتك إن شاء الله وإن آذيتني لم أخنك إن شاء الله ولا يريد بذلك الشك في كلامه حكاه الخطابي وغيره (٤). والثالث: أن الاستثناء عائد إلى اللحوق في ذلك المكان وقيل إن بمعنى إذ ومعناه إذ شاء الله لأنه ﵇ على يقين من وفاته على الإيمان (٥) ففي هذا الحديث دليل على استحباب زيارة القبور والسلام على أهلها والدعاء لهم والترحم عليهم (٦) قال الخطابي وغيره فيه أن السلام على الأموات والأحياء في تقديم السلام على عليكم بخلاف ما كانت الجاهلية

стр. 1106

عليه من قولهم: عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ماشاء أن يترحما (١) وهذا هو الجواب عن حديث "لا تقل عليك السلام فإنها تحية الموتى" أي في أشعار العرب، وأما أحاديث تقدم السلام فكثيرة وهي السنة، فالمقصود أن سلام الأحياء والأموات مخالف لما كان عليه أهل الجاهلية وفي بعض طرق الحديث أن النبي ﷺ كان يخرج في آخر الليل فيزور البقيع وفيه فضيلة الدعاء آخر الليل وفضيلة زيارة قبور البقيع (٢). قوله ﷺ : "وددت أنا قد رأينا إخواننا قالوا أو لسنا بإخوانك يا رسول الله قال أنتم أصحابي وإخوننا الذين لم يأتوا بعد" قال العلماء ﵃: في هذا الحديث جواز التمني لا سيما في الخير ولقاء الفضلاء وأهل الصلاح والمراد بقوله ﷺ "وددت أنا قد رأينا إخواننا" أي رأيناهم في الحياة، قال القاضي عياض وقيل المراد تمني لقاءهم بعد الموت (٣). قوله: "قالوا أو لسنا بإخوانك يا رسول الله قال أنتم أصحابي" قال الإمام الباجي: "بل أنتم أصحابي" ليس نفيا لأخوتهم ولكن ذكر مزيتهم الزائدة بالصحبة فهؤلاء أخوة صحابة والذين لم يأتوا أخوة ليسوا بصحابة كما قال

стр. 1107

الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١) (٢) ففرق بين الصحبة والأخوة في الصداقة لمزيد الصحبة وزيادتها على الأخوة العامة قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وليس في قوله "بل أنتم أصحابي" يعني أنهم ليسوا بإخواني بل خصهم بأفضل مزيتهم ووصفهم بأفضل مراتبهم ووصفهم بأخص صفاتهم (٣) قال القاضي عياض: ذهب أبو عمر بن عبد البر في هذا الحديث وغيره من الأحاديث على أنه يجوز أن يكون في آخر أمته من هو أفضل من بعض الصحابة ولا حجة له في ذلك وإن قوله "خيركم قرني" على الخصوص معناه خير الناس قرني أي السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ومن سلك مسلكهم فهؤلاء أفضل الأمة وهم المرادون بالحديث (٤)، فإن الصحابة ﵃ جمعوا بين الأخوة والصحبة (٥). تنبيه: اختلفوا في المراد بالسابقين في الآية في قوله تعالى ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ (٦) فقال سعيد بن المسيب: هم من صلى إلى القبلتين وقال الشعبي: أهل بيعة الرضوان وقال محمد بن كعب القرظي وعطاء: هم أهل

стр. 1108

بدر (١). والله أعلم. وقوله ﷺ "أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله ... الحديث" أما "بين ظهري" فمعناه بينهما يقال هو نازل بين ظهريهم أي بينهم، وأما الدهم وهو الأسود والدهمة السمواد وأما البهم فجمع البهيم فقيل الشوداء أيضا وقيل البهم الذي لا يخالط لونه لون سواه سواء أكان أبيض أو أسود أو أحمر أو أصفر بل يكؤق لونه حالصا يقال أسود بهيم وأشقر بهيم وكميث بهيم وهذا قول ابن السكيت وأبي حاتم السجستاني وغيرهما (٢). تنبيه: قال في النهاية: وفي الحديث "ما من أمتي أحد إلا وأنا أعرفه يوم القيامة قالوا وكيف تعرفه مع كثرة الخلائق". قال أرأيت لو دخلت صيرة فيها خيل دهم وفيها فهرس أغر محجل أما كنت تعرفه منها؟ الحديث، الصيرة حظيرة تتخذ للداوب من الحجارة وأغصان الشجر وجمعها صير قال الخطابي قال أبو عبيد صيرة بالفتح وهو غلط (٣). قوله ﷺ : "فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض" الحديث، تقدم الكلام على الغرة والتحجيل وأما الفرط فهو

стр. 1109

الذي يقدم القوم الموارد ليصلح لهم الحياض والدلاء ونحوها من أمور الاستسقاء ويستسقي لهم ومنه قيل للطفل الميت الله اجعله لنا فرطا أي أجرا يتقدمنا حتى نرد عليه، وأنا فرطهم معناه أنه ﷺ يتقدم الأمة فيهيئ لهم في الجنة منزلا ونزلا كما يتقدم فرط القافلة ويعد لهم ما يفتقرون إليه من الأسباب (١)؛ وفي هذا الحديث بشارة لهذه الأمة زادها الله شرفا فهنيئا لمن كان رسول الله ﷺ فرطه (٢) اللهم أدخلنا في شفاعته وأمتنا على محبته آمين. ٢٨٥ - وَعَن زر عَن عبد الله ﵁ أَنهم قَالُوا يَا رَسُول الله كَيفَ تعرف من لم تَرَ من أمتك قَالَ غر محجلون بلق من آثَار الْوضُوء" رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٣) وَرَوَاهُ أَحْمد وَالطبَرَانِيّ بإسْنَاد جيد نَحوه من حَدِيث أبي أُمَامَة (٤). قوله: وعن زر عن عبد الله ﵁[هو ابن مسعود]. قوله: "إنهم قالوا يا رسول الله كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ قال: غر محجلون بلق من آثار الوضوء" تقدم تفسير ذلك.

стр. 1110

٢٨٦ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَنا أول من يُؤذن لَهُ بِالسّجُود يَوْم الْقِيَامَة وَأَنا أول من يرفع رَأسه فَأنْظر بَين يَدي فأعرف أمتِي من بَين الأُمَم وَمن خَلْفي مثل ذَلِك وَعَن يَمِيني مثل ذَلِك وَعَن شمَالي مثل ذَلِك فَقَالَ رجل كيفَ تعرف أمتك يَا رَسُول الله من بَين الأُمَم فِيمَا بَين نوح إِلَى أمتك قَالَ هم غر محجلون من أثر الْوضُوء لَيْسَ لاحَدَّ كذَلِك غَيرهم وأعرفهم أَنهم يُؤْتونَ كتبهمْ بأيمانهم وأعرفهم تسْعَى بَين أَيْديهم ذُرِّيتهمْ" رَوَاهُ أَحْمد وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة وَهُوَ حَدِيث حسن فِي المتابعات (١). قوله: عن أبي الدرداء، أبو الدرداء اسمه عامر وقيل عويمر تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة وأنا أول من يرفع رأسه" الحديث، سيأتي الكلام على ذلك في الشفاعة إن شاء الله تعالى في أواخر الكتاب.

стр. 1111

٢٨٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا تَوَضَّأ العَبْد الْمُسلم أَو الْمُؤمن فَغسل وَجهه خرج من وَجهه كل خَطِيئَة نظر إِلَيْهَا بِعَيْنيهِ مَعَ المَاء أَو مَعَ آخر قطر المَاء فَإِذا غسل يَدَيْهِ خرج من يَدَيْهِ كل خَطِيئَة كانَت بطشتها يَدَاهُ مَعَ المَاء أَو مَعَ آخر قطر المَاء فَإِذا غسل رجلَيْهِ خرجت كل خَطِيئَة مشتها رِجْلَاهُ مَعَ المَاء أَو مَعَ آخر قطر المَاء حَتَّى يخرج نقيا من الذُّنُوب" رَوَاهُ مَالك وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَلَيْسَ عِنْد مَالك وَالتِّرْمِذِيّ غسل الرجلَيْن (١). قوله: عن أبي هريرة، تقدم. قوله ﷺ : "إذا توضأ العبد المؤمن أو المسلم فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليه بعينه مع الماء أو مع آخر قطرة من الماء" الحديث، فقوله "إذا توضأ العبد المؤمن أو المسلم" هذا شك من الراوي وكذا قوله "مع الماء أو مع آخر قطرة من الماء" فهو شك من الراوي أيضًا (٢)، وقال: غير هذا القائل قوله "مع الماء أو مع آخر قطرة من الماء" ليس شك من الراوي بل هو لأحد الأمرين (٣)، قاله في شرح مشارق الأنوار. قوله ﷺ : "خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه" المراد بالخطايا الصغائر دون الكبائر كما جاء في الحديث الآخر ما لم تغش الكبائر، قال

стр. 1112

القاضي عياض: المراد بخروجها مع الماء المجاز والاستعارة في غفرانها لأنها ليست بأجسام فتخرج حقيقة (١)، وبهذا استدل أبو حنيفة على نجاسة الماء المستعمل ولا حجة فيه، وعند مالك: أن الماء المستعمل طاهر مطهر غير أنه يكره استعياله مع وجود غيره للخلاف فيه، وعند الشافعي وأصبغ: أنه طاهر غير مطهر، وقيل: إنه مشكوك فيه، وقد سماه بعضهم ماء الذنوب (٢)، والله أعلم. قوله ﷺ : "فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كانت تفعلها يداه ومشتها رجلاه" فمعناه: اكتسبتها (٣). قوله ﷺ : "فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه" الحديث، ففيه دليل لمذهب العلماء كافة أن الواجبب غسل الرجلين خلافا للشيعة الرافضة وإبطال قولهم الواجب مسح الرجلين دون الغسل (٤)، والله أعلم. ٢٨٨ - وَعَن عُثْمان بن عَفَّان ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من تَوضَّأ فَأحْسن الْوضُوء خرجت خطاياه من جسده حَتَّى تخرج من تَحت أَظْفَاره وَفِي رِوَايَة أَن عُثْمَان تَوَضَّأ ثمَّ قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ تَوَضَّأ مثل وضوئي هَذَا ثمَّ قالَ من تَوَضَّأ هَكَذَا غفر لَهُ مَا تقدم مق ذَنبه وَكَانَت صلَاته ومشيه إِلَى

стр. 1113

الْمَسْجِد نَافِلَة رَوَاهُ مسلم (١) وَالنَّسَائِيّ مُخْتَصرا وَلَفظه قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من امرئ يتَوَضَّأ فَيحسن وضوءه إِلَّا غفر لَهُ مَا بَينه وَبَين الصَّلاة الْأُخْرَى حَتَّى يُصليهَا وَإِسْنَاده على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه مُخْتَصرا بِنَحْوِ رِوَايَة النَّسَائِيّ وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا بِاخْتِصَار وَزَاد فِي آخِره وَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَلا يغتر أحد وَفِي لفظ النَّسَائِيّ قَالَ من أتم الْوضُوء كَمَا أمره الله فالصلوات الْخمس كَفَّارَات لما بَينهُنَّ (٢). قوله: عن عثمان، تقدم الكلام على بعض مناقبه وأنه يجوز صرف عفان وعدمه، ومن بعض مناقب عثمان ﵁: قال حذيفة بعث النبي ﷺ إلى عثمان في جيش العسرة وجيش العسرة هو جيش غزوة تبوك فبعث إليه عثمان بعشرة آلاف دينار فصبت بين يدي رسول الله ﷺ فجعل النبي ﷺ يقول بيده ويقلبها ظهرا لبطن ويقول "غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة ما يبالي عثمان ما عمل بعد هذا" (٣)

стр. 1114

والله اعلم. قوله ﷺ : "من توضأ فأحسن الوضوء" الحديث، الوضوء بضم الواو هو الفعل وأصل الوضوء من الوضاءة وهو الحسن والنظافة وتقدم الكلام على ذلك في أول الباب وكذلك تقدم الكلام على الطهارة، والوضوء بفتح الواو هو الماء الذي يتوضأ به، وإحسان الوضوء إكماله بمراعاة فرائضه وسننه وآدابه، والله أعلم. قوله ﷺ : "خرجت الخطايا من جسده" تقدم الكلام على خروج الخطايا من الماء وأن المراد بهذا الاستعارة والمقصود بها الإعلام بتكفير الخطايا ونحوها من كتاب الحفظة وأنها ليست بأجسام فتخرج حقيقة. قوله: وفي رواية أن عثمان توضأ تم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل وضوئي هذا ثم قال: "من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه" المراد بغفران الذنوب سترها، والمراد الصغائر كما سيأتي الكلام عليه. قوله ﷺ : "وكانت صلاته ومشيته إلى المسجد نافلة" يعني زيادة على ثواب الفرض. قوله: في رواية النسائي "ما من امرئ مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء" تقدم الكلام على إحسان الوضوء. قوله: في آخر الحديث وزاد ابن ماجه قال رسول الله ﷺ "ولا يغتر أحد"

стр. 1115

المراد بذلك والله أعلم أن الإنسان إذا أذنب ذنبا ثم توضأ ولم يتب من الذنب قد يغتر بذلك ويقول غفر لي بالوضوء (١) والله أعلم. ٢٨٩ - وَعنهُ ﵁ أَنه تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ قَالَ من تَوَضَّأ مثل وضوئي هَذَا ثمَّ أتى الْمَسْجِد فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ جلس غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه قَالَ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لا تغتروا" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره (٢). ٢٩٠ - وَعنهُ ﵁: أَيْضا أَنه دَعَا بِمَاء فَتَوَضَّأ ثمَّ ضحك فَقَالَ لاصحاب أَلا تَسْألونِي مَا أضحكني فَقَالُوا مَا أضْحكك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ تَوَضَّأ كمَا تَوَضَّأت ثمَّ ضحك فَقَالَ أَلا تَسْألونِي مَا أضْحكك فَقَالُوا مَا أضْحكك يَا رَسُول الله فَقَالَ إِن العَبْد إِذا دَعَا بِوضُوء فَغسل وَجهه حط الله عَنهُ كل خَطِيئَة أَصَابَهَا بِوَجْهِهِ فَإِذا غسل ذِرَاعَيْهِ كَانَ كَذَلِك وَإِذا طهر قَدَمَيْهِ كَانَ كَذَلِك رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَأَبُو يعلى وَرَوَاهُ الْبَزَّار بإِسْنَاد صَحِيح وَزَاد فِيهِ فَإِذا مسح رَأسه كَانَ كَذَلِك (٣). قوله: وعنه، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "إن العبد إذا دعا بوضوء فغسل وجهه حط الله عنه كل خطيئة

стр. 1116

أصابها بوجهه" الوضوء بفتح الواو هو الماء الذي يتوضأ به والمراد بحط الخطايا غفرانها والغفران الستر والمبراد الصغائر. ٢٩١ - وَعَن حمْرَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ دَعَا عُثْمَان ﵁ بِوضُوء وَهُوَ يُرِيد الْخُرُوج إِلَى الصَّلاة فِي لَيْلَة بَارِدَة فَجِئْته بِمَاء فَغسل وَجهه وَيَديه فَقلت حَسبك الله وَاللَّيْلَة شَدِيدَة الْبرد فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لا يسبغ عبد الْوضُوء إِلَّا غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن (١). قوله: عن حمران هو بضم الحاء المهملة وإسكان الميم وراء وهو حمران بن أبان مدني قرشي أموي كنيته أبو يزيد وقيل أبو زيد وكان من سبي عين التمر حين فتحها خالد بن الوليد في أول خلافة عمر وقيل في أول خلافة أبي بكر وهو رجل من النمر بن قاسط وقال ابن معين هو حمران بن أبا وقيل إنه وجد مختونا يوم سبي سباه المسيب بن نجية الفزاري في أيام أبي بكر الصديق وكان لعثمان بن عفان ﵁ عدة من الموالي المشهور منهم حمران وكيسان، وكان حمران يهوديا واسمه طويد وقيل غير ذلك كما تقدم وأسلم فأعتقه عثمان وكان يكتب له ويحجبه ثم تزوج امرأة في عدتها فجلده عثمان ونفاه إلى البصرة وهو الذي سعى بعامر بن عبد قيس حتى نفاه عثمان إلى الشام وذكره ابن سعد في الطبقات في الطبقة الثانية في التابعين من أهل المدينة

стр. 1117

وفي أهل البصرة فقال: حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان روى عن عثمان وتحول إلى البصرة فنزلها. وكان كثير الحديث ولم أرهم يحتجون بحديثه وقيل إنه أفشى سر عثمان فنفاه إلى البصرة وقيل سبب نفيه أن عثمان بعثه للكوفة ليكشف عما قيل عن الوليد بن عقبة فرشاه الوليد فلم يخبر عثمان وأخبر مروان فأخبر مروان عثمان ﵁. فنفاه (١). قوله: دعا عثمان بوضوء وهو يريد الخروج في ليلة باردة فجئته بماء فغسل وجهه ويديه فقلت حينئذ والليلة شديدة البرد، الحدلمجما، تقدم الكلام على الوضوء وأنه بفتح الواو وأنه الماء الذي يتوضأ به وبالضم هو الفعل ففي هذا الحديث دليل على جواز الاستعانة واستحبابها في حق من يحضر له الماء لأنه إعانة على طاعة، والاستعانة تفرض على ثلاثة أوجه: الأول: أن يستعين بمن يحضر له الماء ولا كراهة فيه (٢) والأولى ألا يفعل ذلك لأن العبد في مقام الطاعة ينبغي أن يكون عبدا فيكون خادما لا مخدوما وقال بعضهم لأنه نوع من التنعم والتكبر وذلك لا يليق بحال المتعبد والأجر على قدر النصب (٣) وأما في الأمور الدنيوية فله طلب الخدمة وقد نقل عن

стр. 1118

عمر ﵁ أنه كان لا يستعين بأحد من عبيده في ماء الوضوء مع كثرتهم. الوجه الثاني: أن يستعين بمن يصب عليه الماء فهذا إن كان لعذر لضعف ونحوه فلا كراهة (١) وقد استعان ﷺ بالمغيرة بن شعبة فصب عليه الماء لأنه ﷺ كان عليه جبة ضيقة الكمين وإن كان لغير عذر لم يكره على الصحيح (٢). الوجه الثالث: أن يستعين بمن يغسل له أعضاء الوضوء فهذا مكروه (٣) فإن استعان بجاريته أو زوجته لم يصح لأن اللمس ناقض إلا أن يغتسل بحائل أو تكون الجارية محرما له كالأخت والعمة (٤)، وقد تجب هذه الاستعانة كما في حق مقطوع اليدين فإن لم يجد من يعينه وجب عليه استئجار من يحضر له الماء ويغسل له أعضاء وضوءه (٥). قوله: فقلت له حسبك والليلة شديدة البرد، حسبك معناها يكفيك. قوله ﷺ : "لا يسبغ عبد الوضوء إلا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" تقدم الكلام على تفسير ذلك في الأحاديث قبله.

стр. 1119

لطيفة فيها بشرى: قال السهروردي: قد ورد في الآثار أن المؤمن إذا توضأ للصلاة تباعدت عنه الشياطين في أقطار الأرض خوفا منه لأنه يتأهب للدخول على الملك فإذا كبر حجب عنه إبليس وضرب بينه وبينه سرادق لا ينظر إليه وواجهه الجبار ﵎ بوجهه فإذا قال الله أكبر اطلع الملك في قلبه فإذا رآه ليس في قلبه أكبر من الله تعالى فيقول صدقت الله في قلبك كما تقول ويتشعشع من قلبه نور يلحق بملكوت العرش ويكشف له بذلك النور ملكوت السموات والأرض ويكتب له حشو ذلك النور حسنات (١) أ. هـ والله أعلم. ٢٩٢ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الْخصْلَة الصَّالِحَة تكون فِي الرجل فيصلح الله بهَا عمله كله وطهور الرجل لصلاته يكفر الله بطهوره ذنُوبه وَتبقى صلَاته لَهُ نَافِلَة"، رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط من رِوَايَة بشار بن الحكم (٢). قوله: وعن أنس بن مالك، تقدم الكلام.

стр. 1120

قوله ﷺ : "وطهور الرجل لصلاته يكفر الله بطهوره ذنوبه وتبقى صلاته له نافلة" الطهور بفتح الطاء الماء الذي يتطهر به وبضمها الفعل الذي هو المصدر والمراد به ههنا الوضوء والطهارة في اللغة النظافة وفي الشرع فعل ما يستباح به الصلاة من وضوء أو غسل أو تيمم أو إزالة نجاسة (١) ولفظها يشمل طهارة الجسم وطهارة النفس فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٢) ومن الثاني ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ (٣)، و ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (٤) (٥). قوله: "وتبقى له صلاته نافلة" أي زيادة. قوله: من رواية بشار بن الحكم [ضعفه ابن حبان وغيره وقال ابن عدي أرجو أنه لا بأس به]. ٢٩٣ - وَعَن عبد الله الصنَابحِي ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا تَوَضَّأ العَبْد فَمَضْمض خرجت الْخَطَايَا من فِيهِ فَإِذا استنثر خرجت الْخَطَايَا من أَنفه فَإِذا غسل وَجهه خرجت الْخَطَايَا من وَجهه حَتَّى تخرج من تَحت أشفار عَيْنَيْهِ فَإذا غسل يَدَيْهِ خرجت الْخَطَايَا من يَدَيْهِ حَتَّى تخرج من تَحت أظفار يَدَيْهِ فَإِذا

стр. 1121

مسح بِرَأْسِهِ خرجت الْخَطَايَا من رَأسه حَتَّى تخرج من أُذُنَيْهِ فَإِذا غسل رجلَيْهِ خرجت الْخَطَايَا من رجلَيْهِ حَتَّى تخرج من تَحت أظفار رجلَيْهِ ثمَّ كانَ مَشْيه إِلَى الْمَسْجِد وَصلاته نَافِلَة" رَوَاهُ مَالك وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وَلا عِلّة لَهُ والصنابحي صَحَابِيّ مَشْهُور (١). قوله: عن عبد الله الصنابجي قال الحافظ: هو صحابي مشهور انتهى، والصنابجي ممن قصد النبي ﷺ فقبض النبي ﷺ وهو بالجحفة فقدم المدينة فإذا رسول الله ﷺ قد قبض (٢). قوله ﷺ : "إذا توضأ العبد فتوضأ خرجت الخطايا من فيه" الحديث ولم يذكر غسل الكفين هنا وهو في مسند أحمد. قوله ﷺ : "فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه" وتقدم معنى خروج الخطايا وأنها الصغائر. قوله ﷺ : "حتى تخرج من تحت أشفار عينيه" وأشفار العينين حروف الأجفان التي ينبت عليها الشعر وهو الهدب الأعلى والأسفل وحرف كل شيء شفره (٣).

стр. 1122

قوله ﷺ : "حتى تخرج من أذنيه" وفي حديث الصنابجي هذا دليل لقول مالك أن الأذنين من الرأس والمراد بذلك أنهما يمسحان كما تمسح الرأس لأنهما يمسحان مع الرأس (١) ويحكى عن ابن شهاب أنه قال: ما أقبل منهما على الوجه فهو مع الوجه يغسل معه وما يلي الرأس من الرأس فيمسح معها (٢) انتهى قاله في الديباجة. ٢٩٤ - وَعَن عَمْرو بن عَنْبَسَة السّلمِيّ ﵁ قَالَ كنت وَأَنا فِي الْجَاهِلِيَّة أَظن أَن النَّاس على ضَلَالَة وَأنهُمْ لَيْسُوا على شَيْء وهم يعْبدُونَ الاَّوْثَان فَسمِعت بِرَجُل فِي مَكَّة يخبر أَخْبَارًا فَقَعَدت على رَاحِلَتي فَقدمت عَلَيْهِ فَإِذا رَسُول الله ﷺ فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ فَقلت يَا نَبِي الله فالوضوء حَدثيي عَنهُ فَقَالَ مَا مِنْكُم رجل يقرب وضوءه فيمضمض ويستنشق فيستنثر إِلَّاخرت خَطَايَا وَجهه من فِيهِ وخياشيمه ثمَّ إِذا غسل وَجهه كمَا أمره الله إِلَّاخرت خَطَايَا وَجهه من أَطْرَاف لحيته مَعَ المَاء ثمَّ يغسل يَدَيْهِ إِلَى الْمرْفقين إِلَّاخرت خَطَايَا يَدَيْهِ من أنامله مَعَ المَاء ثمَّ يمسح رَأسه إِلَّاخرت خَطَايَا رَأسه من أَطْرَاف شعره مَعَ المَاء ثمَّ يغسل رجلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِلَّاخرت خَطَايَا رجلَيْهِ من أنامله مَعَ المَاء فَإِن هُوَ قَامَ وَصلى فَحَمدَ الله تَعَالَى وَأثْنى عَلَيْهِ ومجده

стр. 1123

بِالَّذِي هُوَ لَهُ أهل وَفرغ قلبه لله تَعَالَى إِلَّا انْصَرف من خطيئته كيَوْم وَلدته أمه رَوَاهُ مُسلم (١). قوله: "ثم كان مشيه إلى المسجد وصلائه نافلة" تقدم معنى هذا في آخر حديث قبله. قوله: عن عمرو بن عبسة السلمي كنيته أبو نجيح وقيل أبو شعيب فهو عمرو بن عبسة بعين مهملة ثم باء موحدة مفتوحتين ثم سين مهملة على وزن عدسة وهذا الضبط لا خلاف فيه بين أهل الحديث والأسماء والتواريخ وهو عمرو بن عبسة بن عامر بن خالد السلمي الصحابي الصالح له رواية أسلم قديما وأنه قدم على رسول الله ﷺ فأسلم رابع أربعة فطلب من النبي ﷺ الإقامة بمكة معه فقال لا تقدر على ذلك الآن ولكن ارجع إلى قومك فإذا سمعت بخروجي فائتني وأنه أتى النبي ﷺ بعد ذلك مهاجرا وأقام ببني سليم حتى مضت بدر وأحد والخندق والحديبية وخيبر ثم قدم المدينة وشهد اليرموك ثم سكن حمص إلى أن مات وحديث هجرته طويل مشتمل على جمل من أنواع العلم والأصول والقواعد وهو بجملته في صحيح مسلم قبيل صلاة الخوف وكان أخا لأبي ذر لأمه أمهما رملة بنت رفعة بن حرام بن غفار روى عن النبي ﷺ وكان قبل أن يسلم يعتزل عبادة الأصنام ويراها باطلا وضلالا وكانت تظله سحابة في الهجير على قدر ما فيها فقيل لم يخرج له

стр. 1124

البخاري شيئا وإنما أخرج مسلم روى عنه جماعة من الصحابة منهم ابن مسعود وأبو أمامة وسهل بن سعد وجماعة من التابعين (١). قوله: فقلت يا رسول الله فالوضوء حدثني عنه "ما منكم رجل يقرب وضوءه" وفي رواية "ما من أحد" وهو أعم وعلى الأولى فالنساء كذلك لما ورد أنهم شقائق الرجال وإنما الخطاب كان مع الرجال فذكر الرجل كذلك. قوله: يقرب وضوءه معناه يحضر الماء الذي يتوضأ به. قوله: فيمضمض ويستنشق فيستنثر، أما حقيقة المضمضة قال النووي: فقال أصحابنا كمالها أن يجعل الماء في فمه ثم يديره ثم يمجه وأما أقله فإنه يجعل الماء في فيه ولا يشترط إدارته على الشرط الذي قاله الجمهور، وأما الاستنشاق فهو إيصال الماء إلى داخل الأنف وجذبه بالنفس إلى أقصاه، ويستحب المبالغة في المضمضة والاستنشاق إلا أن يكون صائما فيكره له ذلك لحديث لقيط بن سبرة أن النبي ﷺ قال "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" (٢) وهو حديث صحيح، قال أصحابنا وعلى أي صفة أوصل الماء إلى الأنف والفم حصلت المضمضة والاستنشاق (٣).

стр. 1125

وقوله: فيستنثر وقال جمهور أهل اللغة والفقهاء والمحدثين الاستنثار هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق مع ما في الأنف من مخاط وغبار وشبهه قيل ذلك لما فيه من المعونة على القراءة وتنقية مجرى النفس الذي به التلاوة وبإزالة ما به من الثقل تصح مجاري الحروف وجاء في بعض الروايات "فليستنثر فإن الشيطان يبيت على خياشيمه" (١) قاله الكرماني (٢) قال أهل اللغة مأخوذ من النثرة وهو طرف الأنف، قال الأزهري روى سلمة عن الفراء أنه قال نثر الرجل وانتثر إذا حرك النثرة في الطهارة (٣). واعلم أن السنة في المضمضة والاستنشاق تتأدى بالجمع والفصل على مذهب الشافعي ﵀ وهذا الخلاف في الأفضل والا فلو توضأ واستنشق كيف كان فقد أدى سنتها فالرافعي يصحح قول الفصل بغرفتين، ومعنى الفصل أن لا ينقل إلى الأنف حتى يفرغ من الفم، والنووي يصحح قول الجميع بثلاث غرف "جمع الغرفة بالضم" وهو قدر ما يغرف من الماء بالكف وجمعها غرف وهو الأكثر في الأحاديث فالجمع بين المضمضة والاستنشاق أفضل وعلى هذا فقيل يجمع بينهما بثلاث غرفات، وقوله: قطعا تبع فيه شرح المهذب والكفاية لكن في النهاية الجزم بامتناع الخلط إذا اشترطنا الترتيب بين المضمضة والاستنشاق فاستدرك التنبيه (٤).

стр. 1126

فائدة: المعتبر في المضمضة والاستنشاق عدد الغرفات وفي غيرها عدد الغسلات، واختلف العلماء في وجوب المضمضة والاستنشاق على أربعة مذاهب أحدها مذهب مالك والشافعي وأصحابهما أنهما سنتان في الوضوء والغسل وذهب إليه من السلف الحسن البصري والزهري وجماعات كبيرة والمذهب الثاني أنهما واجبان في الوضوء والغسل لا يصحان إلا بهما وهو المشهور عن أحمد بن حنبل ومذهب ابن أبي ليلى وحماد وإسحاق بن راهويه ورواية عن عطاء والمذهب الثالث أنهما واجبان في الغسل دون الوضوء وهو مذهب أبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري والمذهب الرابع أن الاستنشاق واجب في الوضوء والغسل والمضمضة سنة فيهما ومذهب أبي ثور وأبي عبيد وداود الظاهري وأبي بكر بن المنذر ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل (١) والله أعلم. وقد أجمع العلماء ﵃ على كراهية الزيادة على الثلاث والمراد بالثلاث المستوعبة للعضو وأما إذا لم يستوعب العضو إلا بغرفتين فهي غسلة واحدة ولو شك هل غسل ثلاثا أو اثنين جعل ذلك اثنتين وأتى بثالثة وهذا هو الصواب الذي قاله الجمهور من أصحابنا (٢). قوله ﷺ : "إلا خرت خطايا وجهه من فيه وخياشيمه" أي سقطت وذهبت ويروى "جرت" بالجيم أي جرت مع ماء الوضوء (٣) والصحيح بالخاء وهو

стр. 1127

رواية الجمهور (١) وفي الحديث إعلام بتكفير الخطايا ومحوها وإلا فليست أجساما حتى يصح منها الخروج، والمراد بالخطايا الصغائر دون الكبائر ثم لايبعد أن يكون بعض الأشخاص يغفر له الكبائر والصغائر بحسب ما يحضره من الإخلاص ويراعيه من الإحسان والآداب وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (٢). قوله: "من فيه وخياشيمه" والخياشيم جمع خيشوم وهو أقصى الأنف والخياشيم عظام رقاق في أصل الأنف بينه وبين الدماغ (٣). قوله ﷺ : "ثم يغسل يديه إلى المرفقين" والمرفقين مجتمع عظم الساعد وعظم العضد، وقيل رأس عظم الساعد فقط (٤). قوله ﷺ : "ثم يغسل رجليه إلى الكعبين" يستحب تقديم اليمنى في غسل اليدين والرجلين قال القفال في محاسن الشريعة: والحكمة في تقديم اليمين أن لفظها مأخوذ من اليمن وهو حصول الخير والشمال تسمى الشؤم (٥)، فإن قدم اليسرى كان مكروها نص عليه في الأم (٦) انتهى. قوله ﷺ : "فإن هو قام وصلى فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو له

стр. 1128

أهل وفرغ قلبه لله" الحديث، مجده ذكره بالتعظيم، وفرغ قلبه أي حاضرا لله وجعل خاليًا عن الأشغال الدنيوية (١). قوله ﷺ : "إلا انصرف من خطيئته كيوم ولدته أمه" يعني لا ذنب له، و"كيوم" يجوز فيه فتح الميم وكسرها والله أعلم. فائدة جليلة يذكر فيها الحكمة في غسل أعضاء الوضوء ذكرها الشيخ الإمام العلامة شمس الدين السعودي في كتابه تهذيب النفوس وهو كتاب نافع أربع مجلدات فقال: قلت: هذا الحديث يعني حديث عمرو بن عبسة وما أشبهه من الأحاديث محمولة على ما قاله الإمام أبو عبد الله بن الحاج المالكي في المدخل فإنه قال: أفعال الوضوء مرتبة على ما هو أسرع حركة من غيره بدأ به، فبدأ بالمضمضة أولا على سبيل السنة لأنه أكثر الأعضاء حركة فيما ذكر لأن غيره من الأعضاء قد يسلم وهو كثير العطب قليل السلامة في الغالب، ألا ترى ما ورد فى الحديث في شأنه وهو أن الأعضاء في كل يوم تناشده من أن يسلمها من آفاته لأنه إذا هلك لا يهلك وحده بل يهلك نفسه ويهلك إخوانه، فإذا جاء المؤمن إلى غسل فمه يذكر إذ ذاك أن طهارة الظاهر إنما هي إشارة إلى طهارة الباطن فوجد إذ ذاك أنه مطلوب منه الطهارة الباطنة فتاب إلى الله تعالى وأقلع مما تكلم به لسانه ونطق ثم يتوب إلى الله تعالى مما شم به أنفه واستنشق ثم يتوب إلى الله تعالى مما نظرت إليه

стр. 1129

العينان والتذت فإذا تاب من هذه الأمور دخل إذ ذاك في قوله ﵇: "التوبة تجب ما قبلها" جاء الحديث: "فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من أشفار عينيه" ثم بعد ذلك أمره الشرع بغسل اليدين لأنه إذا تكلم اللسان ونظرت العينان بطشت اليد أو لمست فاليدان بعدهما في ترتيب المخالفة فأمر بطهارتهما، فإذا جاء لطهارتهما ابتدأ بطهارتهما باطنا فتاب مما لمست يداه أو تحركت؛ الندم. توبة، التوبة تجب ما قبلها، جاء الحديث: "فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه" ثم بعد ذلك أمره الشرع بمسح رأسه، وإنما أمره بالمسح ولم يأمره والله أعلم بالغسل لأجل أنه لم يقع منه مخالفة بنفسه وإنما هو مجاور لمن يقع منه مخالفة وهو اللسان والعينان، فلما لم يكن بنفسه هو المخالف لكن كان مجاورًا للمخالف أعطي حكما بين حكمين فأمر بالمسح ولم يؤمر بالغسل، وأيضا فقد اختلف الناس في الأذنين هل هما من الرأس أم لا؟ والأذنان يسمعان ما لا ينبغي لكن لما كان السمع قد يطرأ على الإنسان في الغالب وهو لا يتعمده خفف أمره فكان المسح، فإذا مسحه قدم طهارته الباطنة بالتوبة مما سمعت منه الأذنان وما وقع فيه من مجاورة تلك الأعضاء، الندم توبة، التوبة تجب ما قبلها، جاء الحديث: "فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه" ثم أمر الشرع بعد ذلك بغسل رجليه لأن العينين إذا نظرتا وتكلم اللسان ولمست اليد وسمعت الأذن حينئذ تسعى الرجل فالرجل آخر الجميع في المخالفة فجعلت آخر

стр. 1130

الجميع في الغسل فغسلها إذ ذاك، وقدم طهارتهما الباطنة فابتدأ بالتوبة مما سعت فيه من المخالفة، الندم توبة، التوبة تجب ما قبلها، جاء الحديث: "فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أطفار رجليه" فلما أن غسل رجليه على هذا الترتيب أراد صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه أن يقيمه في أكمل الحالات وأتمها فقال: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع طرفه إلى السماء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" إشارة منه ﵇ إلى تطهير القلب من الالتفات إلى العوارض والخواطر والوسواس والنزعات ففهم المؤمن إذا ذاك المراد فامتثل طهارة القلب مما ينبغي من تجديد الإيمان وتجديد التوبة والإخلاص، ولهذا المعنى كان سيدي أبو محمد ﵀ يقول: ينبغي للمؤمن أن يكون إيمانه جديدا في كل وقت ويحترز عليه لئلا يكون خَلِقًا، والخلق أن لا يتعاهد نفسه بتجديد الشهادة والتوبة، كان بعض الفضلاء يستيقظ من الليل فيمر بيديه على وجهه ويتشهد فقيل له في ذلك فقال: أما تشهدي فأتفقد به الإيمان هل بقي أم لا؟ لأن أعمالي لا تشبه أعمال المؤمنين، وأما تمشية يدي على وجهي فأتفقده إن كان حول إلى القفا أو مسخ به أم لا؟ فإذا وجدته سالمًا حمدت الله الذي ستر علي بفضله ولم يعاقبني ويفضحني بعملي، هذا قوله، وكان له قدم في الدين وسبق وتقدم، وسيأتي اسم قائل ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى، فما بالك بأحوالنا اليوم على ما يشاهد بعضنا من بعض، فبالأولى

стр. 1131

والأحرى أن يتفقد الإيمان اليوم في كل وقت وحين، فلما أن أمره صاحب الشرع صلوات الله وسلامه بتطهير الباطن وتطهير الظاهر شرع له إذ ذاك الدعاء وهو قوله: "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين" إشارة منه إن شاء الله تعالى في قبول ما أتى به لقوله ﷺ : "الدعاء مخ العبادة" فكمل الحال وتمت النعمة، وقيل: الدعاء بتخييره من أي أبواب الجنة يدخل لأن هذا عبد قد تاب من كل ما جنى وتطهر باطنا وظاهرا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (١) ولأجل هذا المعنى جاء الحديث، فمن امتثل ما ذكر من إسباغ الوضوء وكماله إن صلاته نافلة، والنوافل: الزوائد، أي: لم تجد من الذنوب شيئا تكفره الصلاة للتوبة المتقدمة والتطهير الظاهر والباطن فبقيت صلاته نافلة، أي: زائدة، فكان موضعها رفع الدرجات لا غير؛ فيحصل لنا من هذا أنه يتوب مما تكلم به اللسان وشم الأنف ونظرت العينان وسمعت الأذن وبطشت اليد وسمعت الرجل وخطر بالقلب وإن كان سالما من ذلك كله كانت التوبة للغفلات الواقعة، فإن كان سالما من الغفلات كانت التوبة لعدم التوفية بحق الربوبية كما يجب لها، وذلك لا يقدر عليه العبد أصلا، فهذه سبعة منضمة إلى شروط وجوب الطهارة والفرائض والسنن، والفضائل التي نص عليها العلماء فيه (٢)، والله أعلم.

стр. 1132

٢٩٥ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَيّمَا رجل قَامَ إِلَى وضوئِهِ يُرِيد الصَّلَاة ثمَّ غسل كفيه نزلت كل خَطِيئَة من كفيه مَعَ أول قَطْرَة فَإِذا مضمض واستنشق واستنثر نزلت خطيئته من لِسَانه وشفتيه مَعَ أول قَطْرَة فَإِذا غسل وَجهه نزلت كل خَطيئَة من سَمعه وبصره مَعَ أول قَطْرَة فَإِذا غسل يَدَيْهِ إِلَى الْمرْفقين وَرجلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ سلم من كل ذَنْب كَهَيْئَته يَوْم وَلدته أمه قَالَ فَإذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة رفع الله دَرَجَته وَإِن قعد قعد سالمًا" رَوَاهُ أَحْمد وَغَيره من طَرِيق عبد الحميد بن بهْرَام عَن شهر بن حَوْشَب وَقد حسنها التِّرْمِذِيّ لغير هَذَا الْمَتْن وَهُوَ إِسْنَاد حسن فِي المتابعات لا بَأْس بِهِ (١). قوله: عن أبي أمامة، اسمه: صدي بن عجلان، تقدم. قوله ﷺ : "أيما رجل قام إلى وضوئه يريد الصلاة" الوضوء بفتح الواو هو الماء الذي يتوضأ به، وتقدم معنى الصلاة في اللغة والشرع في مواضع من هذا التعليق. قوله: "ثم غسل كفيه نزلت كل خطيئة من كفيه مع أول قطرة" تقدم معنى ذلك في الأحاديث قبله.

стр. 1133

قوله: "فإذا قام إلى الصلاة رفع الله درجته" رفع الدرجات أعلى المنازل في الجنة. قوله: قوله رواه أحمد وغيره من طريق عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوسب، هو عبد الحميد بن بهرام (الفزاري المدائني روى عن: شهر بن حوشب أحاديث كثيرة، وعن: عاصم الأحول حديثا واحدا في الدعاء، ورأي عكرمة مولى ابن عباس، ووصفه، وثَّقه أحمد وابنُ معين وأبو داود. وأثنى عليه شعبة، وقال: نعم الشيخ. وقال ابنُ معين في روايةٍ والنسائيُّ والعجليُّ، وابنُ عديّ: لا بأس به، وقال أبو حاتم: أحاديثه عن شهرٍ صحاح، لا أعلم روى عن شهر بن حوشب أحاديث أحسن منها ولا أكثر منها، وقال ابنُ عدي: هو في نفسه لا بأس به وإنما عابوا عليه كثرة رواياته عن شهر وشهر ضعيفٌ وقال الخطيبُ: الحمل في الصحيفة التي ذكر أنها منكرة على شهر، لا على عبد الحميد (١). ٢٩٦ - وَفِي رِوَايَة لَهُ أَيْضا قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من تَوَضَّأ فأسبغ الْوضُوء غسل يَدَيْهِ وَوَجهه وَمسح على رَأسه وَأُذُنَيْهِ وَغسل رجلَيْهِ ثمَّ قَامَ إِلَى صَلَاة مَفْرُوضَة غفر لَهُ فِي ذَلِك الْيَوْم مَا مشت إِلَيْهِ رجله وقبضت عَلَيْهِ يَدَاهُ وَسمعت إِلَيْهِ أذنَاهُ وَنظرت إِلَيْهِ عَيناهُ وَحدث بهِ نَفسه من سوء، قَالَ وَالله لقد سمعته من نَبِي الله ﷺ مَا لَا أحصيه (٢).

стр. 1134

٢٩٧ - وَرَوَاهُ أَيْضا بِنَحْوِهِ من طَرِيق صَحِيح وَزَاد فِيهِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الْوضُوء يكفر مَا قبله ثمَّ تصير الصَّلَاة نَافِلَة (١). ٢٩٨ - وَفِي أُخْرَى لَهُ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا تَوَضَّأ الرجل الْمُسلم خرجت ذنُوبه من سَمعه وبصره وَيَديه وَرجلَيْهِ فَإِن قعد قعد مغفورا لَهُ" وَإسْنَاد هَذِه حسن (٢). ٢٩٩ - وَفِي أُخْرَى لَهُ أَيْضًا إِذا تَوَضَّأ الْمُسلم فَغسل يَدَيْهِ كفر عَنهُ مَا عملت ليداه فَإِذا غسل وَجهه كفر عَنهُ مَا نظرت إِلَيْهِ عَيناهُ وَإِذا مسح بِرَأْسِهِ

стр. 1135

كفر بِهِ مَا سَمِعت أذنَاهُ فَإِذا غسل رجلَيْهِ كفر عَنهُ مَا مشت إِلَيْهِ قدماه ثمَّ يقوم إِلَى الصَّلَاة فَهِيَ فَضِيلَة، وَإسْنَاد هَذِه حسن أَيْضًا (١). ٣٠٠ - وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي الْكَبِير قَالَ أَبُو أُمَامَة لَو لم أسمعهُ من رَسُول الله ﷺ إِلَا سبع مَرَّات مَا حدثت بِهِ قَالَ إِذا تَوَضَّأ الرجل كَمَا أَمر ذهب الإِثْم من سَمعه وبصره وَيَديه وَرجلَيْهِ وَإِسْنَاده حسن أَيْضًا (٢). قوله: في رواية الطبراني: قال أبو أمامة: لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا سبع مرات ما حدثت به، الحديث أنه لا يرى ظاهره التحديث إلا بما سمعه أكثر من ذلك، ومعلوم أن من سمع مرة واحدة جاز له الرواية بل تجب عليه

стр. 1136

إذا تعين لها؟ وجوابه أن معناه لو لم أتحققه وأجزم به لما حدثت به، وذكر المرات بيانا لصورة حاله ولم يرد أن ذلك شرط (١)، والله أعلم. قوله ﷺ : "إذا توضأ الرجل كما أمر ذهب الإثم من سمعه وبصره ويديه ورجليه" الحديث، تحسين الوضوء، فيه الحكمة في غسل الأعضاء المذكورة في الوضوء دون ما عداها أنه ليس في البدن ما يتحرك للمخالفة أسرع من هذه الأعضاء فأمر أولا بغسلها تنبيها على طهارتها [الباطنة] (٢)؛ ترتب غسلها على ترتيب سرعة الحركة في المخالفة فما كان إلى التحرك أسرع من غيره أمر بغسله فأمر بالوجه أولا قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٣) فأمر بالوجه أولا وفيه الفم والأنف والعينان فابتدئ بالمضمضة على وجه السنة لأن اللسان أكتر الأعضاء وأشدهم حركة فيما ذكر لأن غيره من أعضاء قد يسلم وهو كثير العطب قليل السلامة غالبا، ثم الأنف ليتوب مما شم به، ثم غسل جميع الوجه ليتوب مما نظر ثم غسلت اليدان ليتوب من البطش تم خصت الرأس بالمسح لأنه مجاور لما يقع منه المخالفة وهو اللسان والعينان ولم يكن مخالفا بنفسه، ثم الأذن لأجل السماع، ثم الرجل لأجل المشي، ثم أرشده بعد ذلك إلى تجديد الإيمان بالشهادتين فافهم سر ذلك، قاله في هادي النبيه (٤)، وتقدم
следующие страницы →