← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 1132–1171 · переход к 1137.

стр. 1132

٢٩٥ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَيّمَا رجل قَامَ إِلَى وضوئِهِ يُرِيد الصَّلَاة ثمَّ غسل كفيه نزلت كل خَطِيئَة من كفيه مَعَ أول قَطْرَة فَإِذا مضمض واستنشق واستنثر نزلت خطيئته من لِسَانه وشفتيه مَعَ أول قَطْرَة فَإِذا غسل وَجهه نزلت كل خَطيئَة من سَمعه وبصره مَعَ أول قَطْرَة فَإِذا غسل يَدَيْهِ إِلَى الْمرْفقين وَرجلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ سلم من كل ذَنْب كَهَيْئَته يَوْم وَلدته أمه قَالَ فَإذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة رفع الله دَرَجَته وَإِن قعد قعد سالمًا" رَوَاهُ أَحْمد وَغَيره من طَرِيق عبد الحميد بن بهْرَام عَن شهر بن حَوْشَب وَقد حسنها التِّرْمِذِيّ لغير هَذَا الْمَتْن وَهُوَ إِسْنَاد حسن فِي المتابعات لا بَأْس بِهِ (١). قوله: عن أبي أمامة، اسمه: صدي بن عجلان، تقدم. قوله ﷺ : "أيما رجل قام إلى وضوئه يريد الصلاة" الوضوء بفتح الواو هو الماء الذي يتوضأ به، وتقدم معنى الصلاة في اللغة والشرع في مواضع من هذا التعليق. قوله: "ثم غسل كفيه نزلت كل خطيئة من كفيه مع أول قطرة" تقدم معنى ذلك في الأحاديث قبله.

стр. 1133

قوله: "فإذا قام إلى الصلاة رفع الله درجته" رفع الدرجات أعلى المنازل في الجنة. قوله: قوله رواه أحمد وغيره من طريق عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوسب، هو عبد الحميد بن بهرام (الفزاري المدائني روى عن: شهر بن حوشب أحاديث كثيرة، وعن: عاصم الأحول حديثا واحدا في الدعاء، ورأي عكرمة مولى ابن عباس، ووصفه، وثَّقه أحمد وابنُ معين وأبو داود. وأثنى عليه شعبة، وقال: نعم الشيخ. وقال ابنُ معين في روايةٍ والنسائيُّ والعجليُّ، وابنُ عديّ: لا بأس به، وقال أبو حاتم: أحاديثه عن شهرٍ صحاح، لا أعلم روى عن شهر بن حوشب أحاديث أحسن منها ولا أكثر منها، وقال ابنُ عدي: هو في نفسه لا بأس به وإنما عابوا عليه كثرة رواياته عن شهر وشهر ضعيفٌ وقال الخطيبُ: الحمل في الصحيفة التي ذكر أنها منكرة على شهر، لا على عبد الحميد (١). ٢٩٦ - وَفِي رِوَايَة لَهُ أَيْضا قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من تَوَضَّأ فأسبغ الْوضُوء غسل يَدَيْهِ وَوَجهه وَمسح على رَأسه وَأُذُنَيْهِ وَغسل رجلَيْهِ ثمَّ قَامَ إِلَى صَلَاة مَفْرُوضَة غفر لَهُ فِي ذَلِك الْيَوْم مَا مشت إِلَيْهِ رجله وقبضت عَلَيْهِ يَدَاهُ وَسمعت إِلَيْهِ أذنَاهُ وَنظرت إِلَيْهِ عَيناهُ وَحدث بهِ نَفسه من سوء، قَالَ وَالله لقد سمعته من نَبِي الله ﷺ مَا لَا أحصيه (٢).

стр. 1134

٢٩٧ - وَرَوَاهُ أَيْضا بِنَحْوِهِ من طَرِيق صَحِيح وَزَاد فِيهِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الْوضُوء يكفر مَا قبله ثمَّ تصير الصَّلَاة نَافِلَة (١). ٢٩٨ - وَفِي أُخْرَى لَهُ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا تَوَضَّأ الرجل الْمُسلم خرجت ذنُوبه من سَمعه وبصره وَيَديه وَرجلَيْهِ فَإِن قعد قعد مغفورا لَهُ" وَإسْنَاد هَذِه حسن (٢). ٢٩٩ - وَفِي أُخْرَى لَهُ أَيْضًا إِذا تَوَضَّأ الْمُسلم فَغسل يَدَيْهِ كفر عَنهُ مَا عملت ليداه فَإِذا غسل وَجهه كفر عَنهُ مَا نظرت إِلَيْهِ عَيناهُ وَإِذا مسح بِرَأْسِهِ

стр. 1135

كفر بِهِ مَا سَمِعت أذنَاهُ فَإِذا غسل رجلَيْهِ كفر عَنهُ مَا مشت إِلَيْهِ قدماه ثمَّ يقوم إِلَى الصَّلَاة فَهِيَ فَضِيلَة، وَإسْنَاد هَذِه حسن أَيْضًا (١). ٣٠٠ - وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي الْكَبِير قَالَ أَبُو أُمَامَة لَو لم أسمعهُ من رَسُول الله ﷺ إِلَا سبع مَرَّات مَا حدثت بِهِ قَالَ إِذا تَوَضَّأ الرجل كَمَا أَمر ذهب الإِثْم من سَمعه وبصره وَيَديه وَرجلَيْهِ وَإِسْنَاده حسن أَيْضًا (٢). قوله: في رواية الطبراني: قال أبو أمامة: لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا سبع مرات ما حدثت به، الحديث أنه لا يرى ظاهره التحديث إلا بما سمعه أكثر من ذلك، ومعلوم أن من سمع مرة واحدة جاز له الرواية بل تجب عليه

стр. 1136

إذا تعين لها؟ وجوابه أن معناه لو لم أتحققه وأجزم به لما حدثت به، وذكر المرات بيانا لصورة حاله ولم يرد أن ذلك شرط (١)، والله أعلم. قوله ﷺ : "إذا توضأ الرجل كما أمر ذهب الإثم من سمعه وبصره ويديه ورجليه" الحديث، تحسين الوضوء، فيه الحكمة في غسل الأعضاء المذكورة في الوضوء دون ما عداها أنه ليس في البدن ما يتحرك للمخالفة أسرع من هذه الأعضاء فأمر أولا بغسلها تنبيها على طهارتها [الباطنة] (٢)؛ ترتب غسلها على ترتيب سرعة الحركة في المخالفة فما كان إلى التحرك أسرع من غيره أمر بغسله فأمر بالوجه أولا قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٣) فأمر بالوجه أولا وفيه الفم والأنف والعينان فابتدئ بالمضمضة على وجه السنة لأن اللسان أكتر الأعضاء وأشدهم حركة فيما ذكر لأن غيره من أعضاء قد يسلم وهو كثير العطب قليل السلامة غالبا، ثم الأنف ليتوب مما شم به، ثم غسل جميع الوجه ليتوب مما نظر ثم غسلت اليدان ليتوب من البطش تم خصت الرأس بالمسح لأنه مجاور لما يقع منه المخالفة وهو اللسان والعينان ولم يكن مخالفا بنفسه، ثم الأذن لأجل السماع، ثم الرجل لأجل المشي، ثم أرشده بعد ذلك إلى تجديد الإيمان بالشهادتين فافهم سر ذلك، قاله في هادي النبيه (٤)، وتقدم

стр. 1137

شيء من ذلك فيما قاله صاحب المدخل. فائدة فيها بشرى: روى الإمام أحمد في المسند عن أبي أمامة أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ما من عبد مسلم يسمع أذان صلاة فقام إلى وضوئه إلا غفر له بأول قطرة تصيب كفه من ذلك الماء فبعدد ذلك القطر حتى يفرغ من وضوئه إلا غفر له ما سلف من ذنوبه وقام إلى صلاته وهي نافلة" قال أبو غالب قلت لأبي أمامة أنت سمعت هذا من النبي ﷺ فقال: أي والذي بعثه بالحق بشيرا ونذيرا غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس ولا ست ولا سبع ولا ثمان ولا عشر وصفق بيديه (١) والله أعلم. ٣٠١ - وَعَن ثَعْلَبَة بن عباد عَن أَبِيه ﵁ قَالَ: مَا أَدْرِي كم حَدَّثَنِيهِ رَسُول الله ﷺ أَزْوَاجًا أَو أفرادا قَالَ مَا من عبد يتَوَضَّأ فَيحسن الْوضُوء فَيغسل وَجهه حَتَّى يسيل المَاء على ذقنه ثمَّ يغسل ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يسيل المَاء على مرفقيه ثمَّ غسل رجلَيْهِ حَتَّى يسيل المَاء من كعبيه ثمَّ يقوم فَيصَلي إِلَّا غفر لَهُ مَا سلف من ذَنبه" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد لين (٢).

стр. 1138

الذقن بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَالْقَاف أَيْضًا وَهُوَ مُجْتَمع اللحيين من أسفلهما. قوله: عن ثعلبة بن عباد [العبدي البصري، روى عن: سمرة بن جندب، وأبيه عباد العبدي، وله صحبة، قال علي بن المديني: الأسود يروي عن مجاهيل منهم: ثعلبة بن عباد وذكره بن حبان في الثقات وقال بن حزم مجهول وتبعه بن القطان وكذا نقل ابن المواق عن العجلي (١)]. قوله ﷺ : "من عبد يتوضأ فيحسن الوضوء" الحديث، أي يأتي به تاما بكمال صفته وآدابه وفي هذا الحديث الحث على الاعتناء بتعليم آداب الوضوء وشروطه والعمل بذلك والاحتياط فيه والحرص على أن يتوضأ على وجه يصح عند جميع العلماء ولا يترخص بالاختلاف فينبغي أن يحرص على التسمية والنية والمضمضة والاستنشاق ومسح جميع الرأس ومسح الأذنين ودلك الأعضاء والتتابع في الوضوء وترتيبه وغير ذلك منت المختلف فيه وتحصيل ماء طهور بالإجماع فقد روى الإمام أحمد بمسنده أن رسول الله ﷺ قال: "مفتاح الجنة الصلاة ومفتاح الصلاة الطهور".

стр. 1139

قوله ﷺ : "حتى يسيل الماء على ذقنه"، الذقن بفتح الذال المعجمة والقاف مجتمع اللحيين من أسفلهما قاله المنذري، واللحيان بفتح اللام العظمان الذان عليهما الأسنان واحدهما لحي بفتحهما. قوله ﷺ : "ثم يقوم فيصلي إلا غفر له ما سلف من ذنب" الحديث. فائدة: المغفرة مأخوذة من الغفر وهو الستر وغفران الذنوب هو سترها في الآخرة، وأما الرحمة فهي إنعام الله تعالى على عبده أو إرادة ذلك، فعلى الأول هي صفة فعل، وعلى الثاني فهي صفة ذات، والرحمة أعم من المغفرة فهي من باب ذكر العام بعد الخاص كما في قوله تعالى: ﴿فَاغْفِرْ لِي إنك أنت الغفور الرحيم﴾ الغفور في مقابلة اغفر لي والرحيم في مقابلة ارحمني فالأول للأول والثاني للثاني، وقد يأتي على خلاف ذلك بمعنى آخر وفيه التصريح بتفرده تعالى بذلك وانحصاره فيه لا إله غيره قاله في شرح الإلمام. تتمة: واعلم أن للوضوء فروض وشروط وآداب ونواقض، ففروض الوضوء أربعة: قال الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (١) هذه الآية تقتضي فرضية هذه الأعضاء الأربعة قال الجمهور: معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة محدثين وبهذا قرأ ابن عباس أو فسره فالفرائض المتفق عليها هي ما قال الله تعالى في كتابه العزيز فأول ما ذكر الله تعالى غسل الوجه، الفرض الثاني غسل اليدين إلى المرفقين فرض

стр. 1140

فيه، الفرض الثالث مسح الرأس اكتفى فيه الشافعي فيما يصدق عليه اسم الرأس من ثلاث شعرات أو شعرة واحدة وعن مالك الكل أو الثلثان أو الثلث وعن أبي حنيفة مقدار الناصية والصحيح من مذهبه مقدار ثلاثة أصابع ولا يختلفون أن مسح الرأس كله أفضل لأن رسول الله ﷺ فعله غالبا ومذهب الإمام أن مسح الرأس جميعها فرض، الفرض الرابع غسل الرجلين إلى الكعبين أي معهما هذه جملة متفق على فرضيتها أعني الأعضاء الأربعة وهذا القدر اقتصر عليه أبو حنيفة وزاد مالك والشافعي وأحمد النية عند غسل الوجه وكيفيتها أن ينوي رفع الحدث أو الطهارة عن الحدث أو الطهارة للفرض أو أداء فرض الوضوء أو أداء الوضوء بحذف الفرض أو أداء الطهارة كما ذكره في تقريبه أو الوضوء على الأصح أو استباحة الصلاة أو فريضة الوضوء وتقدم شيء من ذلك في باب الغسل والترتيب وزاد مالك والشافعي في القديم وأحمد الولاء وهو غسل العضو قبل جفاف الآخر وقبل الاشتغال بعمل آخر بين العضوين، وزاد الإمام أحمد بن حنبل التسمية والمضمضة والاستنشاق ذكره ابن الجوزي في منهاجه (١) قاله في تهذيب النفوس. وأما شروط الوضوء فهي ثلاثة عشر: الإسلام والتمييز فالمميز هو من يفهم الخطاب ويحسن رد الجواب ولا ينضبط بسن بل يختلف باختلاف الأذهان (٢) والعقل والعلم بكيفية الوضوء وتمييز فرائضه من سننه وقال

стр. 1141

بعض العلماء إن اعتقد أن الجميع فرض صح وإلا فلا وهذا للعامة، والنقاء من الحيض والنفاس وألا يمنع مانع من جريان الماء على العضو من دهن كثيف ونحوه كوشم وكشطه واجب إن لم يخف ضررا يوجبما فوت العضو وكوسخ تحت ظفر فيقلم أظفاره ويزيل الوسخ أو المانع منه ومن جميع الأعضاء (١) ودوام النية حكما لا ذكرا وذلك بأن يصرفها إلى غيره كتبرد ونحوه ولو قطعها صح ما مضى ونوى لبقية أعضائه نية جديدة والماء المطلق والعلم بإطلاقه وأن يكون بعد تيقن الحدث وأن يكون بعد دخول الوقت في حق أصحاب الضرورات كمن به سلس البول والمستحاضة وألا يكون على يديه نجاسة علمية ولا حكمية (٢). فرع: الشرط في اصطلاح العلماء ما يلزم من عدمه العدم لذاته ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم قيل ما كان خارج الماهية إلى آخرها وما كان داخلها وانقطع فإنه يسمى ركنا (٣) والله أعلم قاله في شرح الإلمام. وأما آداب الوضوء، فمن آدابه استقبال القبلة لما روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال "خير المجالس ما استقبل به القبلة" وأن يصلي عقبه، وأن يبدأ

стр. 1142

في غسل وجهه بأعلاه وفي غسل اليدين والرجلين من أطراف الأصابع إن كان يغسل بنفسه، فإن صب عليه غيره غسل من مرفقيه وعقبه إلى أطراف الأصابع وأن يجعل الماء عن يساره وإن كان يقلب منه فإن غرف فعن يمينه والجلوس بحيمث لا يناله رشاش والشرب من فضل الوضوء بعد الفارغ من هيئاته ولا يلطم وجهه بالماء ولا يتكلم في أثنائه إلا بذكر الله (١) ويكره الكلام بغير ذلك إلا لضرورة، وإياك والوسوسة في الوضوء فإنها من البدع التي تؤدي إلى الجنون، واعلم أن الشيطان الموكل بالوضوء يسمى الولهان يلعب بابن آدم أعاذنا الله منه بمنه وكرمه. تتمة يذكر فيها طرف من أقوال العلماء في نواقض الوضوء على مذاهب الأئمة الأربعة: أما نواقض الوضوء على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة (٢): الخارج من السبيلين معتادا كان أو غيره ينقض عند أبي حنيفة وأصحابه سوى الريح الخارجة من القبل غير منتنة ودودة من ذكر أو فرج لكن يستحب لها الوضوء والخارج من غير السبيلين ينقض إن سال نجسا والقيء ملء الفم بأن لا يضبط إلا بتكلف أو علق أو طعام أو ماء ولو من معدته والدم والقيح والصديد ولو من أذنه بوجع أو ماء أصفر من سرته أو دموع من عينيه من

стр. 1143

بعينيه رمد ومص العلقة ممتلئة لا القراد وغرز الإبرة إذا ظهر أكثر من رأسها وقيل لا ينقض وكذا الحلال ونوم مضطجع ولو مريضا أو في الصلاة في الصحيح، والصحيح أنه إذا كان مقعده على الأرض لا ينقض كيف ما كان أو متكئا ولو على يديه قاعدا مربعا أو مادا رجليه أو محتبيا أو مقعيا أو قائما أو راكعا في الصلاة لا سجدة الشكر عند الإمام، وقهقهة مصل بالغ منتبه، والإغماء والجنون والسكر والنعاس الثقيل الذي يخفي عليه عامة ما قيل عنده والمباشرة الفاحشة بلا اشتراط مماسة الفرجين في الظاهر، ولا ينقض مس فرج أو ذكر أو دبر وسقوط لحم أو دودة من جرح أو فم أو أنف. أو أذن أو خروج ريح من جائفة أو عرق مدمى وماء من الأذن هذه الجملة منقولة من كتاب الشامل والله أعلم. نواقض الوضوء عند الإمام مالك بن أنس ﵀: قال الإمام أبو عبد الله القرطبي (١): الذي يوجما الوضوء عند أهل المدينة مالك وأصحابه أربعة أنواع أحدها ما يخرج من المخرجين ما خلا المني فإنه يوجما الغسل، والحجة في ذلك قوله تعالى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (٢) وذلك كناية عن كل ما يخرج من الفرجين معتادا معروفا دون ما خرج منها نادرا. الثاني: ما غلب على العقل من الإغماء والنوم الثقيل والسكر والصرع، فإن كان النوم خفيفا لا يخامر العقل ولا يغمره لم يضر.

стр. 1144

الثالث: الملامسة وهو ما دون الجماع من دواعي الجماع فمن قبل امرأة بشهوة كانت من ذوات محارمه أو غيرهن وجب عليه الوضوء التذ أو لم يلتذ وسواء مس منها عند مالك شعرها أو سائر جسدها. الرابع: مس الذكر واختلف عن مالك فيمن مس فرجه ناسيا أو بظاهر كفه وهو مع ذلك يستحب منه الوضوء، وفي أصحاب مالك من يجعل مسه من باب الملامسة ويعتبر في ذلك اللذة ويوجب الوضوء منه وإعادة الصلاة في الوقت وبعده وكان مالك ﵀ لا يوجب إعادة الصلاة منه إلا في الوقت والله أعلم. نواقض الوضوء على مذهب الإمام الشافعي: أما مذهب الشافعي وأصحابه رضي الله تعالى عنهم في النواقض فالمعتبر عنهم أنها أربعة أشياء (١) أحدها: ما خرج من القبل أو الدبر سواء النادر كنحو الحصاة والمعتاد كالعذرة والبول وسواء العين والريح والنجس، والظاهر واستثنى من الظاهر المني لأنه لا ينقض على المعتمد حتى لو احتلم من نام ممكن المقعدة لم ينقض وضوءه وفائدة ذلك أنه لا يعيد وضوءه عند الاغتسال هذا إذا كان المخرج أصليا فإن كان المخرج الأصلي منسدا وانفتح مخرج غيره فإن كان تحت المعدة والمراد بها السرة وما حاذاها نقض الخارج منه إن كان الخارج معتادا وكذا النادر ولا ينقض ما خرج من

стр. 1145

السبيلين كدم الفصد والحجامة والقيئ والرعاف وغير ذلك. والثاني: زوال العقل بجنون أو إغماء وكذا السكر على المعتمد والمراد بالسكر الناقض ما ليس معه شعور دون أوائل النشوة وأما النوم الذي لا شعور معه فينقض إلا إذا أمكن المقعدة من الأرض بتربع أو تورك وكذا إن نام محتبيا على الأصح وملا يضر النعاس ولا الاستغراق في حديث النفس، ولو شك هل نعس أو نام أو هل مكن المقعدة أم لا لم يضره هذا الشك على أن الشافعي ﵀ والأصحاب قالوا إنه يستحب الوضوء من النوم مع تمكين المقعدة للخروج من خلاف العلماء ﵃. الثالث: حصول الملامسة من بشرتي ذكر وأنثى لا محرمية بينهما وهما في مظنة الشهوة ولا أثر لمس الشعر والسن والظفر والعضو المنفصل والصغيرة التي لا تشتهى على المعتمد في الجميع نعم العجوز الشوهاء ينقض على الأرجح فما ساقطة إلا ولها لاقطة والمراهق كالجل والخصي وكذا لمس العضو الأشل والزائد وبغير شهوة وعن غير قصد على الصحيح في الجميع نعم فلو لمس محرما بشهوة فكلمسها بغير شهوة. الرابع: مس فرج آدمي ببطن الكف بسبب أو غيره صغير أو كبير ذكر أو أنثى حي أو ميت قبلا كان الملموس أو دبرا أو محل الذكر المقطوع ينقض بلمسه إن بقي شيء شاخص قطعا وكذا إن لم يبق على الصحيح ولا أثر لمس فرج بهيمة ولا للمس بظهر الكف ولا برؤوس الأصابع وحروفها والله أعلم.

стр. 1146

نواقض الوضوء على مذهب الإمام أحمد بن حنبل: فقال ابن الجوزي ونواقض الوضوء سبعة (١): أحدها: الخارج من السبيلين نادرا كان أو معتادا طاهرا كان أو نجسا كالريح والبول. الثاني: خروج النجاسات من بقية البدن فإن كانت بولا أو عذرة فلا فرق من قليلها أو كثيرها وإن كانت غير ذلك لم ينقض قليلها وينقض كثيرها وهو ما فحش في النفس. والثالث: زوال العقل إلا بالنوم اليسير جالسا أو قائما راكعا أو ساجدا، وعن أحمد أن نوم الراكع والساجد ينقض بكل حال. والرابع: أن يمس بشرة أنثى بشهوة وفي نقض الملموس روايتان. والخامس: مس فرج الآدمي قبلا كان أو دبرا كبيرا أو صغيرا حيا أو ميتا. والسادس: أكل لحم الجزور في أظهر الروايتين فإن شرب من ألبانها فعلى روايتين وإن أكل من كبدها أو طحالها فعلى وجهين. والسابع: غسل الميت. فهذه الشروط والفروض والآداب والنواقض قد ذكرت وما عداها سنن وكل ذلك نقل من تهذيب النفوس. تنبيه: الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من فقهاء المسلمين على ترك الوضوء مما مست النار وأن ذلك كان ثم نسخ كما قال جابر ﵁ (٢).

стр. 1147

٣٠٢ - وَعَن أبي مَالك الأشْعَرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الطّهُور شطر الإِيمَان وَالْحَمْد لله تملأ الْمِيزَان وَسُبْحَان الله وَالْحَمْد لله تملآن أَو تملأ مَا بَين السَّمَاء وَالأرْض وَالصَّلَاة نور وَالصَّدَقَة برهَان وَالصَّبْر ضِيَاء وَالْقُرْآن حجَّة لَك أَو عَلَيْك كل النَّاس يَغْدُو فبائع نَفسه فمعتقها أَو موبقها" رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه إِلَّا أَنه قَالَ إسباغ الْوضُوء شطر الإِيمَان وَرَوَاهُ النَّسَائيِّ دون قَوْله كل النَّاس يَغْدُو إِلَى آخِره (١). قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم وَقد أفردت لهَذَا الحَدِيث وطرقه وَحكمه وفوائده جُزْءًا مُفردًا. قوله: عن أبي مالك، أبو مالك هذا أخرج له مسلم حديثين أحدهما هذا والثاني "أربع من أمر الجاهلية" وفي البخاري حديث رواه أبو عامر الأشعري أو أبو مالك الأشعري كذا على الشك وقد اختلف في اسم أبي مالك فقالى ابن أبي حاتم اسمه كعب بن عاصم ويقال عمرو وقالى ابن حبان اسمه الحارث بن مالك وقيل الحارث بن الحارث وقيل عبيد وقيل عبد الله وهو معدود في الشاميين فبهذا الاعتبار حال السند كلهم دمشقيون، توفي ﵁ في خلافة عمر (٢). قوله ﷺ : "الطهور شطر الإيمان" هذا حديث عظيم، أصل من أصول الإسلام، قد اشتمل على مهمات من قواعد الإسلام والأحكام (٣)، فأما

стр. 1148

الطهور فالمراد به عند الأكثرين: الفعل فالطهور بالضم التطهر، وبالفتح الماء الذي يتطفر به كالوضوء والوضوء والسحور والسحور (١)، قال سيبويه: الطهور بالفتح يقع على الماء والمصدر معًا (٢) فعلى هذا يجوز أن يكون الحديث بفتح الطاء وضمها، والمراد بهما التطهر (٣)، والماء الطهور في الفقه هو الذي يرفع الحدث ويزيل النجس والماء الطاهر غير الطهور هو الذي لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس كالمستعمل في الوضوء والغسل، ومنه حديث: "ماء البحر هو الطهور ماؤه" أي المطهر، قاله في النهاية (٤). قوله ﷺ : "شطر الإيمان " قال النووي: وأصل الشطر النصف، واختلفوا في معنى قوله ﷺ : "الطهور شطر الإيمان " فقيل: إن معناه أن الأجر فيه ينتهي تضعيف ثوابه إلى نصف أجر الإيمان، وقيل: الإيمان يجب ما قبله من الخطايا، وكذلك الوضوء لكن الوضوء تتوقف صحته على الإيمان فصار نصفا، وقيل: المراد من الإيمان هنا الصلاة كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٥) أي: صلاتكم ببيت المقدس، وإنما جعل الطهارة شطر في صحة الصلاة، وشطر الشيء. نصفه لأن صحة الصلاة باجتماع أمرين الأركان والشرائط وأظهر الشروط وأقواها الطهارة فجعلت كأنها الشرط كله،

стр. 1149

والشرط ما لابد منه وجعلت الطهارة شطر الإيمان على الاتساع لأن الإيمان هو الداعي إلى الصلاة والباعث عليها والطهور هو السبب إليها وليس يلزم من الشطر أن يكون نصفا حقيقيا، قال النووي وهذا القول أقرب الأقوال (١). وقال أبو العباس القرطبي: إنه قول فاسد إذ لا يكون شرط الشيء شطره لغة ولا معنى (٢)، قال وقيل معناه أن الإيمان تصديق بالقلب وانقياد في الظاهر وهما شطر الإيمان (٣) وقال أبو منصور الديلمي من حديث أنس الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر، وروى الحافظ أبو نعيم والخطيب من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "الصبر نصف الإيمان" (٤). وروى الطبراني وابن حيان أن النبي ﷺ سئل عن الإيمان فقال "الصبر والسماحة" (٥).

стр. 1150

قوله ﷺ : "والحمد لله تملأ الميزان" أي ثوابها يملأ الميزان خيرًا، والمراد أن الثواب على ذلك كثير جدا بحيث لو كان له سلما لملأ ما بين السماء والأرض، وهذا الحديث طاهر في ثبوت الميزان في المعاد حقيقة خلافًا للمعتزلة أو بعضهم إذ قالوا الميزان الوارد ذكره في الكتاب والسنة كناية عن لإقامة العدل في الحساب لا أنه ميزان حقيقة ذو كفتين ولسان كما يقال يد فلان ميزان، والظواهر في إثبات كونه حقيقة مع أهل السنة وقد قيل للنبي ﷺ أين نجدك يا رسول الله في القيامة؟ قال: "عند الحوض أو الصراط أو الميزان " (١) وهو كما تراه ظا هر فيما ذكرنا (٢) والله أعلم. قوله ﷺ : "وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض"

стр. 1151

هذا التردد في تملآن أو تملأ شك من بعض الرواة وكلا الأمرين جائز لغة لأن سبحان الله والحمد لله جملتان في اصطلاح النحاة ويصدق عليهما كلمة عند أهل اللغة كما يسمون الخطبة والرسالة والقصيدة كلمة ويقولون قال فلان كلمة، ومعنى سبحان اله نزهت الله عما لا يليق به ومعناه أن ثوابهما لو قدر جسما لملأ ما بين السماء والأرض كما تقدم وسببهما اشتملتا عليه من التنزيه لله تعالى والتفويض إلى الله تعالى والاتكال عليه وشكر نعمه والاعتراف بسعة كرمه (١). قوله ﷺ : "والصلاة نور" معناه أن الصلاة إذا فعلت بشروطها المصححة والمكملة نورت القلب بحيث تشرق فيه أنوار المعارف والمكاشفات حتى ينتهي أمر من يراعيها حق رعايتها أن يقول وجعلت قرة عيني في الصلاة، وأيضًا إنها تنور بين يدي مراعيها يوم القيامة في تلك الظلم وتنور وجه المصلي يوم القيامة فيكون ذا غرة وتحجيل لقوله ﷺ "إن أمتى يدعون يوم القيامة غرًّا محجلين من الوضوء" وقيل معثاه أن الصلاة تمنع من المعاصي وتنهى عن الفحشاء والمنكر وتهدي إلى الصراط المستقيم كما أن النور يستضاء به فهي نور بهذا الاعتبار، وقيل أن ثوابها يكون نورًا لصاحبها يوم القيامة وقيل لأنها نورًا ظاهرًا على وجهه يوم القيامة وكذلك تكون في الدنيا فمن صلى بالليل نار وجهه بالنهار (٢) انتهى.

стр. 1152

قوله ﷺ : "والصدقة برهان" ذكر النووي فيه قولين أحدهما: أنها حجة لصاحبها في أداء حق المال، الثاني: أنها حجة في إيمان صاحبها لأن المنافق لا يفعلها غالبا والدليل على أنه حجة، لطالب الأجر من أجل أنها فرض يجازي الله به وعليه وقيل هي دليل على صحة إيمان صاحبها لطيب نفسه بإخراجها وذلك لعلاقة ما بين النفس والمال (١). قوله: برهان، فالبرهان هو الحجة المركبة من مقدمات قاطعة وأصل البرهان الوضوح ويقال هذا برهان هذا أي وضوحه وهو مصدر كالقرآن والعداون (٢). قوله ﷺ : "والصبر ضياء" هذه هي الرواية المشهورة ورواه بعضهم "والصوم" بالميم ووجهه أن الصوم يبر عنه بالصبر وسمى النبي ﷺ شهر رمضان شهر الصبر كما سيأتي في الصوم، ومعناه الصبر المحبوب من الشرع وهو الصبر على طاعة الله تعالى والصبر عن معصية الله تعالى والصبر على النائبات وأنواع المكاره الدنيويات لأن الصبر تجرع المرارات مع الرضا بالقدر والمراد أن الصبر لا يزال صاحبه مهتديًا مستمرًا على الصراط المستقيم (٣) قال إبراهيم الخواص: الصبر الثبات على الكتاب والسنة قال

стр. 1153

ابن عطاء هو الوقوف على البلاء بحسن الأدب وقال الأستاذ أبو علي الدقاق: حقيقة الصبر ألا يعترض على المقدور فإما إظهار البلاء لا على الشكوى فلا ينافي الصبر لقول الله تعالى في أيوب ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ (١) مع أنه قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (٢) (٣) وسيأتي الكلام على الصبر في بابه مبسوطًا. قوله ﷺ : "والقرآن حجة لك أو عليك " يعني إن عملت به واهتديت بأنواره كان حجة لك فين أعرضت عنه ولم تعمل به كان حجة عليك (٤). قوله ﷺ : "كل الناس يغدو فبائع نفسه" الحديث، معناه كل إنسان يسعى بنفسه فمنهم من يبيعها لله تعالى بطاعته فيعتقها من العذاب، ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى باتباعها فيوبقها أي يهلكها بسخط الله (٥). ٣٠٣ - وَعَن عقبَة بن عَامر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا من مُسلم يتَوَضَّأ فيسبغ الْوضُوء ثمَّ يقوم فِي صلَاته فَيعلم مَا يَقُول إِلَّا انْفَتَلَ وَهُوَ كَيَوْم وَلدته أمه الحَدِيث رَوَا مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيِّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم

стр. 1154

وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (١). قوله: عن عقبة بن عامر، هو عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو الجهني ولي مصر لمعاوية بن أبي سفيان ومات بها سنة ثمان وخمسين كان بريدا لعمر بن الخطاب ﵁ فأتاه إلى المدينة بفتح الشام وأخبره به ثم رجع إلى الشام من المدينة في يومين ونصف بدعائه عند قبر رسول الله ﷺ وتوسله به في تسهيل طريقه ومناقبه كثيرة مشهورة (٢). قوله ﷺ : "ما من مسلم يتوضأ فيسبغ الوضوء" الحديث، الإسباغ عبارة عن الإتيان بالوضوء بكمال سننه وآدابه (٣) وفي الشرع عبارة عن غسل أعضاء مخصوصة مفتتحه بالنيه (٤) وتقدم الكلام عليه مبسوطا. قوله ﷺ : "ثم يقوم في صلاته فيعلم ما يقول إلا انفتل كيوم أمه" أي رجع لا ذنب له.

стр. 1155

٣٠٤ - وَعَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إسباغ الْوضُوء فِي المكاره وإعمال الأقْدَام إِلَى الْمَسَاجِد وانتظار الصَّلاة بعد الصَّلَاة يغسل الْخَطَايَا غسلا رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (١). قوله: عن علي، هو علي بن أبي طالب كنيته أبو الحسن وكناه رسول الله ﷺ أبا تراب وهو أخو رسول الله ﷺ وهو أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة وأحد أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض وأحد الخلفاء الراشدين وأحد العلماء الربانيين والشجعان المشهورين والزهاد المذكورين وأحد السابقين للإسلام ولم يسجد لصنم قط وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين نفسه وبات ليلة الهجرة على فراشه يقيه بنفسه وكان يحمل راية النبي ﷺ العظمى يتقدم بها في نحر العدو وشهد معه المشاهد كلها إلا تبوك فإن النبي ﷺ استخلفه على المدينة (٢).

стр. 1156

قوله ﷺ : "إسباغ الوضوء على المكاره" المكاره هي جمع مكرهة وهو ما يكرهه الإنسان ويشق عليه والكره بالضم والفتح المشقة والمعنى أن يتوضأ مع البرد الشديد والعلل التي يتأذى معها بمس الماء ومع إعوازه والحاجة إلى طلبه والسعي في تحصيله أو ابتياعه بالثمن الغالي وما أشبه ذلك من الأسباب الشاقة (١)، فإسباغ الوضوء. في شدة البرد من أفضل الأعمال ومن أعلى خصال الإيمان فلو لم يسبغ الوضوء بالغسل حتى ترك قدرا يسيرا من أي عضو من أعضاء الوضوء لم تصح طهارته (٢) واستحق على ذلك العقوبة إذا ترك شيئا بذلك وكذا لو كان على أعضاء الوضوء ما يمنع وصول الماء إلى البشرة كشمعة أو أثر عجين أو طعام أو غير ذلك (٣)، وقد توعد على ذلك بالنار ففي الحديث "ويل للأعقاب من النار" (٤) وقد أجمحت الأمة على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب ولا فرق بين صلاة الفرض والنفل، فلو صلى محدثا متعمدا بلا عذر أثم، وهل يكفر، قال جماعة من العلماء منهم أبو حنيفة أنه يكفر لتلاعبه (٥).

стр. 1157

فائدة: نذكر فيها أحوال القوم في وضوءهم كان علي بن الحسين ﵁: إذا توضأ اصفر لونه فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء؟ فيقول: أتدرون بين يدي من أقوم (١)، وقد روى عن داود بن رشيد قال: قام رجل ليلة باردة ليتوضأ للصلاة فأصاب الماء باردا فنودي أما ترضى أنا أنمثاهم وأقمناك حتى تبكي علينا خرجه ابن السمعاني (٢)، وقال داود بن رشيد أيضا: قام بعض أخواني في ليلة شديد البرد وكان عليه خلقان فضربه البرق فبكى فهتف به هاتف أقمناك وأنمناهم تبكي علينا (٣)، وروى ابن سعد بإسناده أن عمر ﵁: وصى ابنه عند موته فقال له: يا بني عليك بخصال الإيمان قال وما هي؟ قال الصوم في شدة الحر أيام الصيف وقتل الأعداء بالسيف والصبر على المعصية وإسباغ الوضوء في اليوم الشات وتعجيل الصلاة في يوم المغنم وترك ردغة الخبال، قال: وما ردغة الخبال؟ قال: شرب الخمر (٤)، وفي كتاب الزهد للإمام أحمد بن حنبل عن عطاء بن يسار قال: قال موسى ﷺ : "يا رب، من هم أهلك الذين تظلهم في ظل عرشك؟ قال: هم البرية أيديهم، الطاهرة قلوبهم، الذين يتحابون

стр. 1158

بجلالي، الذين إذا ذكرت ذكروا بي، وإذا ذكروا ذكرت بذكرهم، الذين يسبغون الوضوء في المكاره، وينيبون إلى ذكري؛ كما تنيب النسور إلى أوكارها، ويكلفون بحبي؛ كما يكلف الصبي بحب الناس، ويغضبون لمحارمي إذا استحلت؛ كما يغضب النمر إذا حرب" (١). ٣٠٥ - وَعَن أبي هُرَيرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَلا أدلكم على مَا يمحو الله بِهِ الْخَطَايَا وَيرْفَع بِهِ الدَّرَجَات قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ إسباغ الْوضُوء على المكاره وَكثْرَة الخطا إِلَى الْمَسَاجِد وانتظار الصَّلاة بعد الصَّلاة فذلكم الرِّبَاط فذلكم الرِّبَاط فذلكم الرِّبَاط رَوَاهُ مَالك وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيِّ وَابْن مَاجَه بِمَعْنَاهُ وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ إِلَّا أنَّهُمَا قَالا فِيهِ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا أدلكم على مَا يكفر الله بِهِ الْخَطَايَا وَيزِيد بِهِ فِي الْحَسَنَات وَيكفر بِهِ الذُّنُوب قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ إسباغ الْوضُوء على المكروهات وَكثْرَة الخطا إِلَى الْمَسَاجِد وانتظار الصَّلاة بعد الصَّلاة فذلكم الرِّبَاط رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن شُرَحْبِيل بن سعد عَنهُ (٢).

стр. 1159

قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات" الحديث، قال القاضي عياض ﵀ (١): محو الخطايا كناية عن غفرانها، قال ويحتمل محوها من كتاب الحفظة ويكون دليل على غفرانه، والعفو الستر كما تقدم ورفع الدرجات أعلى المنازل في الجنة. قوله ﷺ "وإسباغ الوضوء على المكاره" وإسباغ الوضوء إتمامه وإكماله وتقدم ذلك مبسوطا والمكاره يكون بشدة البرد والحر ونحو ذلك ويجوز أن يراد به إعواز الماء وضيقه حتى لا يقدر عليه إلا بالثمن الغالي (٢) كما تقدم. قوله ﷺ "وكثرة الخطى إلى المساجد" وكثرة الخطى يكون ببعد الدار وكثرة التكرار (٣). قوله ﷺ "فذلك الرباط" أي الرباط المرغب فيه وأصل الرباط الحبس على الشيء كأنه حبس نفسه على هذه الطاعة وقيل ويحتمل أنه أفضل الرباط كما قيل الجهاد جهاد النفس ويحتمل أنه الرباط المتيسر الممكن أي أنه من أنواع الرباط هذا كلام القاضي وكله حسن (٤)، وأما حكمة تكراره

стр. 1160

فذلكم الرباط ثلاثا فقيل للاهتمام به وتعظيم شأنه وقيل كرره ﷺ على عادته في تكرار الكلام ليفهم عنه والأول أظهر (١) والله أعلم. قوله: عن جابر بن عبد الله تقدم. قوله ﷺ "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفر به الذنوب" وفي الحديث "ويرفع به الدرجات بدل "ويكفر به الذنوب" وهذا الباب من تعداد المكفرات والأعمال المضاعفات واسع جدا ولا يبرح المؤمن بين أمر مكفر وأمر رافع للدرجات ثم إن المكفرات لذنوب المؤمن لا تنحصر في أعماله الصالحة بل تكون مما يجريه الله عليه ويقدره من الأسقام والآلام والأعراض التي لا ينفك عنها الإنسان وآخرها الموت وهو كفارة لكل مسلم كما صح في الحديث. فإن قلت: قد قيد بعض الأحاديث التكفير بالصغائر فماذا يصنع صاحب الكبائر؟ قلت: يلجأ إلى الله تعالى بالتوبة فإن الله يحب توبة العبد ما لم يغرغر كما ثبت في الحديث مما رواه الترمذي وقال فيه: حديث حسن. قوله: رواه ابن حبان عن شرحبيل بن سعد [أبو سعد الخطمي المدني مولى الأنصار يروي عن أبي هريرة وابن عباس وجابر وعنه ابن أبي ذئب ومالك وكنى عنه ولم يسمه، قال ابن عيينة: كان يفتي ولم يكن أحد أعلم

стр. 1161

بالمغازي والبدريين منه، ثم احتاج فكأنهم اتهموه، وكانوا يخافون إذا جاء إلى الرجل يطلب منه فلم يعطه أن يقول: لم يشهد أبوك بدرا ضعفوه وقال الدارقطني ضعيف يعتبر به (١)]. ٣٠٦ - وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁: عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من أَسْبغ الْوضُوء فِي الْبرد الشَّديد كَانَ لَهُ من الأجر كفلان" رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الأوْسَط (٢). قوله: عن علي بن أبي طالب تقدم. قوله ﷺ "من أسبغ الوضوء في البرد الشديد كان له من الأجر كفلان" أي نصيبان والكفل هو النصيب من الأجر أو الوزر. ٣٠٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أتانِي اللَّيْلَة آتٍ من رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّد أَتَدْرِي فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الأعْلَى قلت نعم فِي الْكَفَّارَات والدرجات وَنقل الأقْدَام للجماعات وإسباغ الْوضُوء فِي السبرات وانتظار الصَّلاة بعد الصَّلاة وَمن حَافظ عَلَيْهِنَّ عَاشَ بِخَير وَمَات بِخَير وَكَانَ من ذنُوبه كيَوْم وَلدته أمه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيث يَأْتِي بِتَمَامِهِ إِن شَاءَ الله

стр. 1162

تَعَالَى فِي صَلاة الْجَمَاعَة وَقَالَ حَدِيث حسن (١) السبرات جمع سُبْرَة وَهِي شدَّة الْبرد. قوله: عن ابن عباس تقدم. قوله ﷺ "أتاني الليلة آت من ربي فقال يا محمد أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى قلت نعم قال في الدرجات والكفارات ونقل الأقدام للجماعات وإسباغ الوضوء في السبرات" الحديث، ويختصم الملأ الأعلى معناه يزدحم ويستبق في ترقيه إلى الله تعالى لأن الملأ الأعلى يتقرب إلى الله تعالى برفع الأعمال الصالحات (٢) وقيل معنى يختصم يناظر ويتمنى (٣) والملأ الأعلى هم الملائكة المقربون كجبريل وميكائيل وغيرهم من الملائكة المقربين (٤) وسيأتي الكلام على رفع الدرجات ونقل الأقدام في الحلقات وأما السبرات فجمع سبرة وهي شدة البرد قاله المنذري. وأما قوله "أتاني الليلة آت من ربي" قال السهيلي (٥): الوحي على سبعة أوجه:

стр. 1163

أحدها: نزول الملك في صورة دحية. الثاني: على صورته له ستمائة جناح. الثالث: نزول إسرافيل في أول البعث. الرابع: النفث في الروع. الخامس: المنام كما في هذا الحديث. السادس: الصلصلة. السابع: بلا واسطة من وراء حجاب. أهـ. ولم يذكر أنواعا أخرى كمجيء جبريل كشاب شديد بياض الثوب شديد سواد الشعر كما في حديث الإيمان والإسلام المطول وملك الجبال لما أتى إليه وقال: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، وقال في الديباجة: قال الخطابي وغيره: قال بعض العلماء: أقام ﷺ يوحى إليه ثلاثا وعشرين سنة عشر سنين بالمدينة وثلاث عشرة بمكة وكان قبل ذلك ستة أشهر يرى في المنام الوحي وهو جزء من ستة وأربعين جزءا (١) والله أعلم وسيأتي كلام على الوحي مبسوطًا. ٣٠٨ - وَعَن ابْنِ عُمَرَ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من تَوَضَّأ وَاحِدَة فَتلك وَظِيفَة الْوضُوء الَّتِي لا بُد مِنْهَا وَمن تَوَضَّأ اثْنَيْنِ فَلهُ كفلان من الأجر وَمن تَوَضَّأ ثَلَاثًا فَذَلِك وضوئي ووضوء الأَنبِيَاء قبلي رَوَاهُ الإِمام أَحْمد وَابْن مَاجَه وَفِي إسنادهما زيد الْعمي وَقد وثق وَبَقِيَّة رُوَاة أَحْمد رُوَاة الصَّحِيح وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أطول مِنْهُ من حَدِيث عَنْ أُبَيِّ بْنِ كعْبٍ بِإِسْنَاد ضَعِيف (٢).

стр. 1164

قوله: عن أبي بن كعب تقدم. قوله ﷺ "من توضأ واحدة فتلك وظيفة الوضوء التي لابد منها" الحديث أي غسل كل عضو مرة واحدة واستوعبه بالغسل. قوله ﷺ : "من توضأ اثنين" أي غسل كل عضو اثنين. قوله "فله كفلان من الأجر" تقدم معنى الكفل أنه النصيب من الأجر أو الوزر. قوله ﷺ "من توضأ ثلاثًا فذلك وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي" وفي البخاري عن ابن عباس أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة (١). قال الشيخ تقي الدين: لم يزل الناس يفهمون من هذا اللفظ الاقتصار على

стр. 1165

مرة واحدة في غسل كل عضو وهو المعلوم منه (١)، وأما الاقتصار على المرة فقال مالك لا أحبها إلا من العالم لأنه لابد من إيصال الماء إلى ما تحت الشعور الخفيفة وما استثني من الكثيفة وخالف فيه بعض المالكية (٢). قال النووي: أجمع العلماء على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة مرة وعلى أن الثلاث سنة وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالغسل مرة مرة وثلاثا ثلاثا وبعض الأعضاء ثلاثا وبعضها مرتين وبعضها مرة. قال العلماء فاختلافها دليل على جواز ذلك كله وأن الثلاث هي الكمال والواحدة تجزئ فعلى هذا يحمل اختلاف الأحاديث وأما اختلاف الرواة فيه عن الصحابي الواحد في القصة الواحدة فذلك محمول على أن بعضهم حفظ وبعضهم نسي فيؤخذ بما زاد الثقة كما تقرر في قبول زيادة الثقة الضابط واختلف العلماء في مسح الرأس فذهب الشافعي في طائفة إلى أنه يستحب فيه المسح ثلاث مرات كما في باقي الأعضاء. وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد والاكثرون إلى أن السنة مرة واحدة ولا يزاد عليها واحتج الشافعي وبما رواه أبو داود في سننه أنه ﷺ مسح رأسه ثلاثا وبالقياس على باقي الأعضاء وأجاب عن أحاديث المسح مرة واحدة بأن ذلك لبيان الجواز وأجمعوا على وجوب غسل

стр. 1166

الرجلين فخالفت الرافضة فأجازوا المسح وأخطئوا فخالفوا النصوص المتظاهرة (١) والله أعلم. قوله: وفي إسنادهما زيد العمي. فروع لما تعلق بما ذكر: الأول: تكره الزيادة على الثلاث لما روي أن رسول الله ﷺ توضأ ثلاثا وفي حديث آخر "فمن زاد على هذا ونقص فقد أساء وظلم" رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح (٢)، أي أساء الأدب بتركه السنة والتأدب بأدب الشرع وظلم نفسه بما نقصها من الثواب بترداد المرات في الوضوء (٣) وقال ابن الرفعة أيضا مراده أساء بالتعدي عن المرات وظلم بالزيادة على الثلاث وقيل عكسه فالزيادة على الثلاث مكروه على الصحيح وقيل حرام وقيل خلاف الأولى (٤) ونقل الدارمي عن قوم أنه متى زاد على الثلاث لم يصح وضوءه (٥). الثاني: توضأ مرة مرة ثم توضأ ثانيا كذلك قبل صلاة ثم ثالثًا كذلك نال

стр. 1167

فضيلة التثليث كما أفهمه كلام الفوراني والروياني والإمام وغيرهم، وفي فروق الجويني ما يقتضي خلافه (١)، والله أعلم. الثالث: يكره الإسراف في الماء في الوضوء وكذا الغسل أيضا جزم المتولي بتحريمه (٢) لما روى البيهقي في الشعب عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أن النبي ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ فقال: "ما هذا السرف يا سعد؟ " قال: أفي الوضوء إسراف، وفي بعض الروايات: أفي الماء إسراف؟ قال: "نعم وإن كنت على نهر جار" (٣)، وقال الشافعي ﵀: وقد يرفق الفقيه بالقليل فيكفي ويخرق الجاهل بالكثير فلا يكفي (٤)، والفقهاء يذكرون أنه ﵊ توضأ بماء لا يبل الثرى (٥)، ولم أجد له في المسانيد أثرًا (٦)، قاله شارح الإلمام. الرابع: ما ابتدعه كثير من المتعبدين والمتفقهين في الوضوء أو الغسل من الوسواس في الطهارة، وقد سماه النبي ﷺ اعتداء، قال ﷺ : "سيكون في هذه

стр. 1168

الأمة قوم يعتدونٍ في الطهور والدعاء" رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه (١)، قال ابن القيم (٢): لما ذكر حديث: "سيكون في هذه الأمة قوم يعتدونٍ في الطهور" إذا قرنت هذا الحديث بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٣) وعلمت أن الله يحب عبادته أنتج لك هذا أن وضوء الموسوس ليس بعبادة. وقال (٤): فمنهم من ينتظر الحوض في الحمام حتى يفيض ثم يغتسل منه وحده ولا يمكن أحدا من استعماله حتى يفرغ، وهذا مبتدع مخالف للسنة، وقال ابن القيم: قال شيخنا: ويستحق التعزير البليغ الذي يزجره وأمثاله عن أن يشرعوا في الدين ما يأذن به الله ويعبدوا الله بالبدع (٥)، انتهى. وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ كان يغتسل هو وعائشة من قصعة بينهما فيها أثر العجين، وفي الصحيحين عن ابن عمر أنه قال: كان الرجال والنساء على عهد رسول الله ﷺ يتوضئون من إناء واحد مع أن آنيتهم لم تكن قدر حوض الحمام ولا قريبا منه، بل صح أن الإناء الذي كان النبي ع ﷺ يغتسل منه هو وأهله قدر الفرق وهو قريب من خمسة أرطال بالدمشقي،

стр. 1169

وتقدم الكلام على الفرق في أوائل هذا التعليق في حديث الغار (١)، ومنهم من يتوضأ مرات ويغتسل مرات، وهذا أيضًا مبتدع مكروه على الصحيح، وقيل: حرام وإليه ذهب جماعات من العلماء واستدلوا فيه بقول النبي ﷺ : "فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم" وتقدم تفسير ذلك في الفرع الأول وهو دليل ظاهر، وحكي أبو الفرج ابن الجوزي عن أبي الوفاء بن عقيل أن رجلا لو انغمس في الماء مرارًا كثيرة وشك هل صح لي الغسل أم لا، فماذا ترى في ذلك؟ فقال له الشيخ: اذهب فقد سقطت عنك الصلاة، قال: وكيف ذلك؟ لأن النبي ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة المجنون حتى يفيق والنائم حتى يستيقظ والصبي حتى يبلغ" ومن ينغمس في الماء مرارا وشك هل أصابه الماء أم لا فهو مجنون (٢)، قلت: ومحل الخلاف في الكراهية والتحريم إنما هو إذا فعل ذلك بما يملكه أو في ثهر ونحوه، وأما إذا فعل ذلك في الحمام فإن ذلك حرام قطعا إذ يخرج وذمته مغمورة بمال الغير لاستعماله ما زاد على حاجته، وكذلك إذا توضأ من الحياض المسبلة التي تحمل إليها الماء لاستعمال غيره فإنه يحرم عليه أن يستعمل منها ما زاد على قدر الحاجة، انتهى، قاله ابن النحاس في تنبيهه (٣)، وتقدم شيء من ذلك. الفرع الخامس: شك في أثناء وضوئه في غسل بعض الأعضاء بني على

стр. 1170

اليقين وهو أنه لم يفعل وإن شك بعد الفراغ فالأظهر المختار الصحة، قاله الكمال الدميري (١). السادس: يرتفع حدث كل شيء بغسله، وقال الإمام: يتوقف على فارغ الأعضاء وتطهر، فائدة الخلاف فيما لو أحدث في الأثناء هو أو غيره أن يتوضأ بماء كان قد استعمله في الأعضاء السابقة، فإن قلنا بالأول لم يجز أو بمقالة الإمام جاز، قاله أيضا الكمال في شرحه (٢). السابع: في نفض أعضاء الوضوء وتنشيفها، أما نفض أعضاء الوضوء فقد قال العلماء في كتب الفقه وأن لا ينفض يديه لقوله ﷺ : "إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم فإنها مرواح الشياطين" (٣) ثم إذا خالف ونفض يديه لم يكره لحديث ميمونة ﵂ أنه ﷺ اغتسل فأتيته بالمنديل فلم يأخذها وجعل ينفض

стр. 1171

الماء بيديه، متفق عليه (١)، وهذا رجح النووي في الروضة أنه لا يكره نفض اليد في الوضوء والغسل، وجزم الرافعي بأنه مكروه (٢)، وأما تنشيف أعضاء الوضوء فيستحب أن لا ينشف أعضاء الوضوء وهو الأصح لحديث ميمونة المذكور، ففيه دليل على أنه لا يستحب تنشيف الأعضاء من ماء الطهارة، وقيل: يستحب، وقيل: يكره، وقيل: فعله وتركه سيان، وقيل: يكره صيفا لا شتاء، وبعضهم قال: إن كان هناك غبار لم يكره لأنه يتعلق بالجسد عند الرطوبة (٣)، ويستثنى من عدم الاستحباب ما إذا اغتسل وفي توبه دم براغيث. فإنه لو لبسه على الرطوبة لانتشرت النجاسة، فمن قال إن دم البراغيث لا يعفى عنه إذا انتشر بعرق؟ نقول هنا كذلك، ومن قال بالعفو هناك في الظاهر أنه لا يقول به هاهنا لأنه يمكنه تنشيف بدنه قبل لبس الثوب ولا يمكنه دفع العرق (٤)، والله أعلم، قاله ابن العماد في شرح العمدة. الثامن: وفي مسح الرقبة بعد الأذنين أوجه، أحدهما: أنه ليس بماء جديد لما روى عنه ﷺ أنه قال: "مسح الرقبة أمان من الغل يوم القيامة" (٥)، واختاره
следующие страницы →