← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 1272–1311 · переход к 1277.

стр. 1272

تسامحنا في ذلك إذا لا يتعلق بها حكم شرعي فنبحث عن صحتها (١)، والله أعلم. والحكمة من دخوله من أبواب الجنة الثمانية التنويه بقدره ورفع ذكره، ولهذا يدعى أبو بكر الصديق من جميعها وكذا من شأنه، ولعل الحديث المذكور فيمن لم يغلب عليه عمل يدعى به فيدعى منها، وأما من غلب عليه الصلاة فيدخل من بابها، وإن دعى من الجميع وكذا في الصدقة والجهاد وغيرها (٢). تنبيه: ذكر الشيخ يحيى الدين النووي في الأذكار أن من بلغه حديث في فضل عمل فليعمل به ولو مرة ليدخل في زمرة أهله (٣)، قال العلماء: فلما أن أمر صاحب الشرع صلوات الله وسلامه المتوضئ بتطهير الباطن وتطهير الظاهر، شرع له إذ ذاك الدعاء وهو قوله: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين إشارة منه إن شاء الله تعالى في قبول ما أتى به لقوله ﷺ : "الدعاء مخ العبادة" فكمل الحال وتمت النعمة وقبل الدعاء بتخييره ﷺ بقوله: "فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" لأن هذا عبد قد تاب من كل ما جنى وتطهر باطنًا وظاهرًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ

стр. 1273

الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (١) ولأجل هذا المعنى جاء الحديث، فيمن امتثل ما ذكر من إسباغ الوضوء وإكماله أن صلاته نافلة له والنوافل الزوائد أي إن لم يجد من الذنوب شيئًا تكون الصلاة للتوبة المتقدمة والتطهير الظاهر والباطن فبقيت صلاته نافلة أي زائدة فكان موضعها رفع الدرجات لا غير (٢)، انتهى، قال في حدائق الأولياء بعد سياق حديث عمر، من العناية والإكرام ما لا يخفى من الإنعام ومناسبة لرفع الدرجات ومضاعفة الأجور والثواب، ولله منح مواهب وعطيات سوالف (٣)، انتهى. ٣٥١ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من قَرَأَ سُورَة الْكَهْف كَانَت لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة من مقَامه إِلَى مَكَّة وَمن قَرَأَ عشر آيَات من آخرهَا ثمَّ خرج الدَّجَّال لم يضرّهُ وَمن تَوَضَّأ فَقَالَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أشهد أَن لا إِلَه إِلَا أَنْت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك كتب فِي رق ثمَّ جعل فِي طَابع فَلم يكسر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح وَاللَّفْظ لَهُ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَقَالَ فِي آخِره ختم عَلَيْهَا بِخَاتم فَوضعت تَحت الْعَرْش فَلم تكسر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَصوب وَقفه على أبي سعيد (٤).

стр. 1274

قوله: "عن أبي سعيد الخدري"، تقدم. قوله ﷺ : "من قرأ سورة الكهف كانت له نورًا يوم القيامة من مقامه إلى مكة ومن قرأ عشر آيات من آخرها" الحديث، يعني: من: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) إلى آخرها أو خرج الدجال لم يضره، قال أبو الليث السمرقندي ﵀: ورد في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "ما من نبي إلا أنذر قومه بالأعور الكذاب" والإنذار التخويف "إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر" (٢) روى حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مع الدجال ماء ونار فماؤه نار وناره ماء" (٣) وروى عن فاطمة بنت قيس أن رسول الله ﷺ أخر ليلة صلاة العشاء ثم خرج فقال: "إنما حبسني حديث كان يحدثنيه تميم الداري أن ابن عمر رحب البحر فوقع في جزيرة من

стр. 1275

جزائر البحر، فإذا هو بقصر فيه رجل يجر شعره، مسلسل عليه الأغلال، فقال له: من أنت؟ قال: أنا الدجال، أخرج رسول الله ﷺ للأميين بعد؟ قال: نعم، قال: أفطاعوه أم عصوه؟ قلت: بل أطاعوه، قال: ذاك خير لهم" (١) قال الفقيه أبو الليث السمرقندي: الناس اختلفوا في أمره قال بعضهم: إنه محبوس ويخرج في آخر الزمان، وقال بعضهم: إنه لم يولد بعد وسيولد في آخر الزمان يخرج ويدعو الناس إلى عبادة نفسه فيتبعه من اليهود ما لا يحصى ويطوف في البلدان ويفتتن به كثير من الناس ثم ينزل عيسى بن مريم فيقاتله فيقتله، ويظهر الإسلام في جميع الأرض (٢). ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضع كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفع ينحدر منه جمان كاللؤلؤ ولا يحل الكافر أن يجد ريح نفسه إلا ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه حتى يدركه عند باب لد فيقتله، المنارة: بفتح الميم، وهذه المنارة موجودة إلى الآن في دمشق، ودمشق: بكسر الدال وفتح الميم هذا هو المشهور، وحكى صاحب المطالع كسر الميم، وهذا الحديث من فضائل دمشق، والمهردتان: يروى بدال مهملة وبذال معجمة والمهملة أكثر والوجهان مشهوران للمتقدمين والمتأخرين من أهل اللغة والغريب وغيرهم، وأكثر ما يقع في النسخ بالمهملة كما هو المشهور، ومعناه: لابس مهرودتين أي ثوبان

стр. 1276

مصبوغين بورس ثم الزعفران وقيل لها شقان والشقة نصف الملأ (١). قوله: وطأطأ رأسه، أي: إذا خفض رأسه، سال منه، يعني العرق. وقوله: ينحدر منه الجمان، هو بضم الجيم وتخفيف الميم حبات من الفضة على هيئة اللؤلؤ الكبار، والمراد: ينحدر منه الماء على هيئة اللؤلؤ في صفائه فسمي الماء جمانا لشبهه به في الصفاء والحسن (٢). قوله: فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، هكذا الرواية، فلا يحل بكسر الحاء، ونفسه بفتح الفاء، ومعنى: لا يحل لا يمكن ولا يقع، وباب لد بضم اللام وتشديد الدال وهو بلدة قريبة من بيت المقدس (٣)، قاله في الديباجة، وذكر مسلم. من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين سنة" الشك من الراوي قال: "فيبعث الله عيسى بن مريم ﷺ كأنه عروة بن مسعود الثقفي فيطلبه فيهلكه ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحدا في قلبه مثقال ذرة من خير إلا قبضته حتى لو أن أحدكم دخل في كبد

стр. 1277

جبل لدخلت عليه حتى تقبضه" قال: سمعتها من رسول الله ﷺ (١) الحديث. قوله ﷺ : "ومن توضأ فقال سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك" الحديث، اختلف في: "سبحانك اللهم وبحمدك" فقيل: جملة واحدة والواو زائدة، وقيل: جملتان والواو عاطفة، أي: وبحمدك سبحانك، وقال الخطابي: المعنى: وبمعونتك التي هي نعمة توجب على حمدك سبحتك لا بحولي وقوتي، ويستحب أن تأتي بهذا الذكر مستقبل القبلة، قاله الرافعي، وفي الإحياء والبحر: يومئ بطرفه إلى السماء ويصلي على النبي ﷺ ، وفي حلة ابن الصلاح عن أبي الحسن علي بن أحمد بن الحسن البردي الشافعي أنه قال في كتاب الغنية يستحب أن يقرأ سورة القدر ووفاة المذكور سنة إحدى وخمسين وخمس مائة، وروى النسائي وابن السني عن أبي موسى الأشعري أنه قال: أتيت النبي ﷺ بوضوء فتوضأ فسمعته يقول "اللهم اغفر لي ذنبي ووسع لي داري وبارك لي في رزقي" فقلت: يا رسول الله سمعتك تدعوا بكذا وكذا، فقال: "وهل تركن من شيء" (٢) ولو كتب في رق بفتح الراء (٣). قوله: "ثم جعل في طابع فلم يكسر إلى يوم القيامة" والطابع بفتح الباء

стр. 1278

وكسرها لغتان فصيحتان وهو الخاتم بمعنى طبع ختم (١)، ويؤيد هذا التفسير رواية النسائي وفي آخرها ختم عليها بخاتم فوضعت تحت العرش فلم تكسر إلى يوم القيامة معناه: لا يتطرق إليه إبطال وإحباط (٢). ٣٥٢ - وَرُوِيَ عَن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ أَنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من تَوَضَّأ فَغسل يَدَيْهِ ثمَّ مضمض ثَلَاثًا واستنشق ثَلَاثًا وَغسل وَجهه ثَلَاثًا وَيَديه إِلَى الْمرْفقين ثَلَاثًا وَمسح رَأسه ثمَّ غسل رجلَيْهِ ثمَّ لم يتكَلَّم حَتَّى يَقُول أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله غفر لَهُ مَا بَين الوضوءين" رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالدَّارَقُطْنِيّ (٣). قوله: عن عثمان بن عفان، يجوز في عفان الصرف وعدمه، عثمان: هو أمير المؤمنين بن عفان بن أبي العاص بن أسد بن عبد شمس بن عبد مناف يجتمع نسبه مع النبي ﷺ في عبد مناف كان يكنى في الجاهلية أبو عمرو فلما ولدت له رقية في الإسلام غلاما سماه عبد الله واكتنى به أبو عبد الله القرشي العدوي الأموي ذي النورين وصاحب الهجرتين وزوج الابنتين، وأمه:

стр. 1279

أروى أسلمت وهاجرت وبايعت النبي ﷺ ، توفيت في خلافة ابنها عثمان وصلى عليها ودفنها بالبقيع وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وهو ثالث الخلفاء الراشدين والأئمة المهتدين. تنبيه: فإن قلت فعبد الله بن سلام من المبشرين بالجنة ولا يحصر في العشرة، قلت: الخبر بالعدد لا ينفي الزائد، والمراد بالعشرة الذي بشروا بها دفعة واحدة وإلا فالحسن والحسين بالاتفاق وكذا أزواجه ﷺ من أهل الجنة (١)، والله أعلم؛ أسلم عثمان ﵁ على يد أبي بكر الصديق وهو أول من هاجر إلى الحبشة ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ ثم عاد إلى مكة وهاجر إلى المدينة ولما أن هاجر عثمان برقية إلى الحبشة قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده إنه لأول من هاجر بعد إبراهيم ولوط عليهما الصلاة والسلام" قالوا: ولا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره (٢) وفتح الله على يديه كثيرا من الأقاليم والأمصار ففتح بلاد الري وبلاد الإسكندرية والقيروان وأفريقية وبلاد المغرب وبلاد اصطخر وما والاها وبلاد فارس وبلاد الأندلس وأطراف خراسان وما والاها وفتح كثيرا من بلاد الهند (٣) وكان عثمان ﵁ حسن الشكل مليح الوجه كريم الأخلاق قد اشتمل على حياء كثير وكرم عزيز (٤)، ومن مناقبه الكبار وحسناته العظيمة أنه

стр. 1280

جمع الناس عند المصحف وحرق سائر المصاحف، وسبب ذلك خشية الاختلاف في القرآن العظيم، وقال: قد ركب حذيفة إلى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها كاختلاف اليهود والنصارى في كتبهم فعند ذلك جمع عثمان الصحابة وشاورهم في ذلك فاتفقوا على كتابة المصحف وأن يجتمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون ما سواه فاستدعى بالمصحف الذي كان الصديق قد أمر زيد بن ثابت الأنصاري بكتابتها وجمعها فكانت عند الصديق أيام حياته ثم كانت عند عمر بن الخطاب فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين فاستدعى بها عثمان وأمر زيد بن ثابت أن يكتب وأن يملي عليه سعيد بن العاصي بحضرة جماعة من الصحابة وأمر إن اختلفوا فقي شيء أن يكتبوه بلغة قريش فكتب لأهل الشام مصحفا ولأهل مصر آخر وبعث إلى البصرة مصحفا وإلى الكوفة وآخر إلى مكة وآخر إلى اليمن وأقر في المدينة مصحفا وبعث إلى البصرة مصحفا، وليس فيها شيء بخط عثمان وإنما هي بخط زيد بن ثابت وإنما قال المصاحف العثمانية نسبة إلى أمره وزمانه وخلافته (١)، وقيل: لما نسخ عثمان المصاحف دخل عليه أبو هريرة فقال: أصبت ووفقت أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أشد أمتي حياء يأتون من بعدي ولم يروني يعملون بما في الورق المعلق" فقلت: أي ورق؟ حتى رأيت المصحف فأعجب عثمان وأمر لأبي هريرة بعشرة آلاف (٢) ثم عمد عثمان إلى بقية

стр. 1281

المصاحف التي بأيدي الناس مما يخالف ما كتبه فأحرقه لئلا يقع بسببه اختلاف، وقيل إن رسول الله ﷺ خطب الناس يوما وقال في خطبته: "أين عثمان بن عفان؟ " فقال عثمان: ها أنا يا رسول الله، فقال له: "ادن مني" فدنا منه فضمه إلى صدره وقبل بين عينيه ورأينا دموع النبي ﷺ تجري على لحيته ثم أخذ بيد عثمان وقال بأعلى صوته: "معاشر المسلمين هذا عثمان بن عفان، هذا شيخ المهاجرين والأنصار، هذا عثمان بن عفان، هذا الذي أمرني الله أن أتخذه سندًا، وختنا على ابنتي، هذا الذي جهز جيش العسرة هذا الذي حفر بئر رومة، هذا الذي استحيت منه الملائكة، فعلى من أبغضه لعنة الله والله منه بريء، فمن أحب أن يبرأ من الله تعالى ومني فليبرأ من عثمان بن عفان فليبلغ الشاهد منكم الغائب" ثم قال له: "اجلس يا عثمان فقد غفر الله لك ذنبك" (١). تنبيه: قوله: "هذا الذي جهز جيش العسرة" جيش العسرة هو جيش غزوة تبوك، سمي بها لأنه ندب الناس إلى الغزو في شدة الغيظ وكان وقت إيناع الثمرة وطيب الظلال فعسر ذلك عليهم وشق العسر ضد اليسر وهو الضيق والشدة والصعوبة، انتهى، قاله في النهاية (٢). قوله ﷺ : "من توضأ فغسل يديه ثم مضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا ويديه إلى المرفقين ثلاثا ومسح رأسه ثم غسل رجليه" تقدم

стр. 1282

الكلام على ذلك كله. قوله: "ثم لم يتكلم حتى يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" قال العلماء: من آداب الوضوء ترك الكلام عليه حتى يفرغ منه ويقول هذا المذكور. قوله: "غفر له ما بين الوضوئين" والغفران المراد به الستر وهو غفران الصغائر دون الكبائر كما تقدم بيانه وكما سيأتي بيانه أيضًا مبسوطًا.

стр. 1283

الترغيب في ركعتين بعد الوضوء ٣٥٣ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لِبلَال يَا بِلَال حَدثنِي بأرجى عمل عملته فِي الْإِسْلَام إِنِّي سَمِعت دف نعليك بَين يَدي فِي الْجنَّة قَالَ مَا عملت عملا أَرْجَى عِنْدِي من أَنِّي لم أتطهر طهُورا فِي سَاعَة من ليل أَو نَهَار إِلَّا صليت بذلك الطّهُور مَا كتب لي أَن أُصَلِّي" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (١). الدُّف بِالضَّمِّ صَوت النَّعْل حَال الْمَشْي. قوله: عن أبي هريرة، تقدم. قوله ﷺ لبلال: "حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام" الحديث، هو بلال بن رباح بفتح الراء وبخفة الموحدة الحبشي القرشي التيمي، وأمه: حمامة، كان قديم الإسلام من أول من أظهر الإسلام وكان ممن يعذب في الله على إسلامه مع جماعة يلبسون أذرع من الحديد ويصهرون في الشمس وكان شجيعا على دينه وهانت نفسه عليه في الله فكانوا يعطونه للولدان يطوفون به في شهاب مكة والحبل في عنقه وهو يقول: أحد أحدٌ، فيقول له أبو بكر الصديق: إي والله يا بلال أحد، فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر الصديق: لو كان عندنا مال اشترينا بلالا فقال أبو بكر للعباس اشتره لنا فقال العباس لسيدته هل لك أن تبيعي هذا قبل أن تحرمي ثمنه، قالت: ما

стр. 1284

تصنع به إنه خبيث فاشتراه العباس فبعث به إلى أبي بكر فأعتقه، وقيل: اشتراه وهو مدفون في الحجارة فأعتقه، وقيل: اشتراه بسبع أواني وقيل: خمس، وكان أمية بن خلف الجمحي بضم الجيم وفتح الميم وبالمهملة ممن يعذبه على إسلامه ويوالي عليه العذاب فكان من قدر الله تعالى أن بلالا قتله يوم بدر فقال أبو بكر الصديق فيه أبياتًا منها: هنيئا زادك الرحمن خيرًا ... فقد أدركت ثأرك يا بلال وكان ﵁ يؤذن لرسول الله ﷺ فلما مات رسول الله ﷺ أراد أن يخرج إلى الشام فقال أبو بكر: بلى تكون عندي، فقال: إن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني وإن كنت أعتقتني لله فذرني أذهب إلى الله، فقال: اذهب فذهب إلى الشام مجاهدا وكان ممن شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ولم يؤذن لأحد بعد النبي ﷺ فيما روي إلا مرة لعمر حين قدم الشام فلم ير باك أكثر من ذلك اليوم، وفي قدمة قدمها المدينة لزيارة قبر النبي ﷺ طلب الصحابة منه ذلك فأذن ولم يتم الأذان (١). قوله ﷺ لبلال: "حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام" أرجى: من أسماء التفضيل التي بنيت للمفعول، فإن العمل مرجو به الصواب وعلو الدرجة، ويجوز أن تكون إضافته إلى العمل لأنه سبب الرجاء، ويكون المعنى: حدثني بما أنت أرجى من نفسك به من أعمالك (٢).

стр. 1285

قوله ﷺ لبلال: "فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة" الحديث، الدف بالضم صوت النعل حال المشي، قاله المنذري، وقال البيضاوي في شرح المصابيح: الدف بفتح الدال ومعناه صوت دف نعليك، والدف والدفيف السير واللين (١)، وقال بعضهم أيضا: الدف بالفاء صوت النعل وحركته على الأرض (٢)، وقال في النهاية: دف نعليك في الجنة أي صوتهما عند الوطئ عليهما، أو يروي بالدال المهملة (٣)، وقال صاحب المغيث في قوله: "دف نعليك" أي خفضهما وما يحس من صوتهما عند وطئهما، ذكر صاحب التتمة بالذال المعجمة، وأصله السير السريع؛ ومنه قول الحسن: إنهم وإن دففت بهم الهمائج أي: أسرعت، وقد يقال: دف نعليك بالدال المهملة، ومعناهما: قريبان (٤)، والله أعلم. قوله: ما عملت عملا أرجى عندي من أني لم أتطهر طهورا في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلى، المراد بالطهور الوضوء، فيسن للمتوضئ صلاة ركعتين، وسيأتي الكلام على ذلك بعد. ٣٥٤ - وَعَن عقبَة بن عَامر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من أحد يتَوَضَّأ فَيحسن الْوضُوء وَيُصلي رَكْعَتَيْنِ يقبل بِقَلْبِه وَوَجهه عَلَيْهِمَا إِلَا وَجَبت لَهُ

стр. 1286

الْجنَّة" رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه فِي حَدِيث (١). قوله: عن عقبة بن عامر، هو: عقبة بن عامر الجهني بن عمرو بن عدي بن عمرو بن رفاعة، واختلف في كنيته فقيل: أبو حامد، وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو سعاد، وقيل: أبو عمرو، وقيل: أبو الأسود، وقيل: أبو أسد، أسلم بعد قدوم النبي ﷺ المدينة، واشتهر عن عقبة بين المصريين أنه رديف رسول الله ﷺ ، وذكر الحافظ ابن منده: المردفين ثلاثة وثلاثون مردوفا، ولم يذكر فيهم عقبة بن عامر، والذي صح أنه قاد بغلة رسول الله ﷺ وأمر عقبة بالركوب هنية، رواه الإمام أحمد بن حنبل، وقيل: كان عقبة كبير الشأن من رفعة أصحاب رسول الله ﷺ وصاحب بغلته يقود به في الأسفار وكان شريفا عالما فرضيا شاعرا مقرئا، وكان من أحسن الناس صوتا بالقرآن وكان من الغزاة ومن الرماة المذكورين، وشهد فتوح الشام وكان البريد إلى عمر بن الخطاب بفتح دمشق ورسول عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاصي حين كتب يأمره بالرجوع إن لم يكن قد دخل مصر لما توجه إلى فتحها فلم يقرأ الكتاب حتى دخل أرض مصر وولي الديار المصرية لمعاوية بن أبي سفيان وعتبة بن أبي سفيان أخي معاوية في سنة أربع وأربعين وأقام عقبة بن عامر الجهني أميرا في الديار المصرية سنتين وثلاثة أشهر، وقيل: ثلاث سنين، وقيل: ثلاث سنين

стр. 1287

وشهور، وولي عقبة على الصحيح من قول الحافظ ابن عساكر ومحمد بن سعد وأبو سعيد ابن يونس في سنة ثمان وخمسين من الهجرة بمصر، ودفن بمقبرتها بسفح الجبل المقطم وقبره معروف. بها يتبرك به وهو معروف بإجابة الدعاء عنده وزرته مرارا وجربت ذلك، ولما دفن ﵁ بهذه الجبانة كانوا يسمعون التلاوة من قبره، قاله ابن لهيعة في تاريخه، ذكره ابن الفرات الحنفي في تاريخه (١)، والله أعلم. قوله ﷺ : "ما من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين" الحديث. قوله: ما من أحد دخل من هنا لاستغراق الجنس (٢) والمراد من المسلمين كما صرح به في صحيح مسلم ولا فرق بين الذكر والأنثى والحر والعبد والصغير والكبير في ذلك والله أعلم. قوله: فيتوضأ فيحسن الوضوء وإحسان الوضوء إسباغه وإكماله بالتثليث فيه وغير ذلك (٣) مما سبق مبسوطًا. قوله: ويصلي ركعتين، والمراد بالركعتين ما يستحب فعلهما بعد الوضوء ويحصل ذلك بكل صلاة نافلة كانت أو فرضا ركعتين أو أكثر وتتأدى السنة بذلك لوجود المعنى كما قالوا في تحية المسجد فإنها تتأدى بالفرض

стр. 1288

والضحى وغيره (١). قوله: يقبل عليهما بقلبه ووجهه، والمراد بالإقبال على الصلاة الإقبال بالوجه ترك الالتفات والنظر إلى موضع السجود وبالقلب قطع الفكر عنه فيما سوى العبادة (٢)، قاله في الديباجة. وقال في شرح الإلمام: قوله يقبل بقلبه ووجهه عليهما أي يجمع بين خشوع الظاهر والباطن ولا يضره ما يخطر في قلبه ما خطر في نفسه إذا دفعه حالًا وفيه الجناس البديع بين حروف يقبل والقلب (٣). قوله: "إلا وجبت له الجنة أي بمقتضى الوعد والفضل فإنه تعالى لا يجب عليه شيء عند أهل السنة وظاهر هذا الحديث ترتب دخول الجنة على ذلك، وفي الصحيح لا يدخل أحدكم الجنة بعمله" والجمع بينهما أن العمل المذكور وغيره من منة الله تعالى على عبده فصار الدخول بالرحمة والدرجات بالرحمة وكذلك ما في الآيات من قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٤) ونحوها فإنه أيضا من النعم ليحث به عباده على الجد في طاعته ففي الحقيقة الجميع منه وما أصابكم من نعمة فمن الله ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٥) وهذا ما لم يخش الكبائر وحقوق العباد وإلا فهو

стр. 1289

تحت مشيئة الله في المؤاخذة وعدمها ولابد للجنة بعد ذلك قاله في شرح الإلمام (١)، وقال في الديباجة: فإن قيل أيجوز أن يقطع بالجنة لمن صلى ركعتين أحضر فيهما قلبه لقوله ﷺ في الحديث إلا وجبت له الجنة؟ فالجواب إنا لا نقطع لأحد بعينه لأنه ربما لا يأتي بالحضور المطلوب كما ينبغي وربما وجبت الجنة لشخص ثم حال بينه وبينها عمل من أعماله القباح ولكن نرجو هذا (٢) والله أعلم. ٣٥٥ - وعن زيد بن خالد الجهني ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "مَن توضأَ فأحسنَ الوُضوءَ، ثم صلّى ركعتين، لا يسهو فيهما؛ غُفرَ له ما تقدم [من ذَنْبِهِ] ". رواه أبو داود (٣). قوله: عن زيد بن خالد الجهني [هو أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو طلحة، وقيل: أبو زرعة، سكن المدينة، وشهد الحديبية، وكان معه لواء جهينة يوم الفتح، روي له عن رسول الله ﷺ أحد وثمانون حديثا، اتفقا على خمسة،

стр. 1290

وانفرد مسلم بثلاثة. روى عنه السائب بن يزيد، والسائب بن خلاد الصحابيان، وجماعة من التابعين. توفى بالمدينة، وقيل: بالكوفة، وقيل: بمصر، سنة ثمان وستين، وهو ابن خمس وثمانين سنة، وقيل: توفى سنة خمسين، وقيل: سنة اثنتين وسبعين، وقيل: سنة ثمان وتسعين، رضى الله عنه (١)]. قوله ﷺ : "من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين لا يسهو فيهما غفر له ما تقدم من ذنبه" تقدم معنى إحسان الوضوء في الأحاديث المتقدمة. قوله: ثم صلى ركعتين لا يسهو فيهما، وتقدم الكلام على صلاة الركعتين في حديث قبله وإذا سهى الإنسان في صلاته استحب له سجود السهو وفائدته جبر خلل لزيادة أو نقصان مخصوص (٢) وعبارة بعضهم يشرع سجود السهو لترك مأمور أو ارتكاب منهي (٣) والأول أولى وسواء في ذلك صلاة الفرض والنافلة على المذهب (٤)، ثم قاعدة الباب أنه متى شك في فعل مأمور مما يسجد لتركه بعد فوات محله سجد للسهو لأن الأصل أنه لم يفعل، قال العلماء: وإذا شك في عدد الركعات وهو في الصلاة بنى الأمر على

стр. 1291

اليقين وهو الأصل ويأتي بما بقي ويسجد للسهو سجدتين للحديث الوارد بذلك وسجود السهو سنة فإن تركه جاز ومحله قبل السلام وقال في موضع آخر إن كان السهو زيادة فمحله بعد السلام والأول أصح (١) فمن أراد الزيادة على ذلك فعليه بكتب الفقه هكذا هو عند الشافعية. قوله: "غفر له ما تقدم من ذنبه" والمراد بغفران الذنوب ما تقدم من ذنبه الصغائر دون الكبائر كما تقدم والمغفرة الستر والتغطية والاستغفار طلب ذلك وغفرانك مصدر منصوب على المفعول أي هبنا ذلك وأعطنا قاله القاضي عياض (٢). قوله: رواه أبو داود اسمه سليمان ويقال لأبي داود السجستاني اتفق العلماء على الثناء على أبي داود ووصفه بالحفظ التام والعلم الوافر والإتقان والورع والدين والفهم الثاقب في الحديث وغيره قال النووي: وروينا عن إبراهيم الحربي قال لما صنف أبي داود هذا الكتاب يعني كتاب السنن ألين لأبي داود الحديث كما ألين لنبي الله داود الحديد وروينا عن عبد الله بن محمد بن مخلد قال: كان أبو داود يفي بالمذاكرة مائة ألف حديث ولما صنف كتاب السنن وقرأه على الناس صار كتابه لأهل الحديث كالمصحف يتبعونه ولا يخالفونه وأقر له أهل زمانه بالحفظ والتقدم فيه

стр. 1292

وروينا عن الإمام أبي سليمان الخطابي قال: سمعت أبا سعيد بن الأعرابي ونحن نسمع منه كتاب السنن لأبي داود وأشار إلى النسخة وهي بين يديه يقول: لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شيء من العلم البتة وهذا كما قال، وروينا عن الحسن بن محمد بن إبراهيم الواراني قال: رأيت النبي ﷺ في المنام وقال من أراد أن يستمسك بالسنن فليقرأ كتاب أبي داود ومناقب أبي داود وكتبه كثيرة مشهورة وفيما ذكر كفاية وقال أبو بكر بن داسة: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله خمسمائة ألف حديث فانتخبت منها ما ضمنته كتاب السنن جمت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث وذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه، ولد أبو داود قدس الله سرة سنة ثنتين ومائتين وتوفي بالبصرة لأربع عشرة بقيت من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين (١) وتقدم الكلام أيضا على بعض مناقبه. ٣٥٦ - وَعَن حمْرَان مولى عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ أَنه رأى عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ دَعَا بِوضُوء فأفرغ على يَدَيْهِ من إنائه فغسلهما ثَلَاث مَرَّات ثمَّ أَدخل يَمِينه فِي الْوضُوء ثمَّ تمضمض واستنشق واستنثر ثمَّ غسل وَجهه ثَلَاثًا وَيَديه إِلَى الْمرْفقين ثَلَاثًا ثمَّ مسح بِرَأْسِهِ ثمَّ غسل رجلَيْهِ ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يتَوَضَّأ نَحْو وضوئي هَذَا ثمَّ قَالَ من تَوَضَّأ نَحْو وضوئي هَذَا ثمَّ صلى

стр. 1293

رَكْعَتَيْنِ لا يحدث فيهمَا نَفسه غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (١). قوله: وعن حمران مولى عثمان بن عفان، هو حمران بن أبان مولى عثمان من سبي عين التمر اشتراه عثمان وأعتقه ونفاه إلى البصرة أو الكوفة وسبب نفيه ما روى رشدين بن سعد عن يحيى بن بكير قال حدثني الليث بن سعد أن عثمان بن عفان اشتكى شكاية خاف فيها فأوصى، واستخلف عبد الرحمن بن عوف، وكان عبد الرحمن في الحج، وكان الذي ولي كتابه ووصيته حمران مولى عثمان، فأمره أن لا يخبر بذلك أحدا فعوفي عثمان من مرضه، وقدم عبد الرحمن بن عوف، فلقيه حمران، فسأله عن حال عثمان، فأخبره بالذي أصابه من المرض، وأسر إليه الذي كان من استخلافه إياه، فَقَالَ عبد الرحمن لحمران: ماذا صنعت؟ مالي بد من أن أخبره. فَقَالَ حمران: إذا والله تهلكني. فَقَالَ: والله ما يسعني ترك ذلك لئلا يأمنك على مثلها، ولكن لا أفعل حتى أستأمنه لك. فَقَالَ عبد الرحمن لعثمان: إن لبعض أهلك ذنبا ليس عليك إثم في العفو عنه، ولست مخبرك حتى تؤمنه. فقال عثمان: قد فعلت. فأخبره بالذي أسر إليه حمران، فدعا حمران فَقَالَ: إن شئت جلدتك مائة، وإن شئت فاخرج عني. فاختار الخروج فخرج إلى الكوفة فلما قدم "الحجاج" "البصرة" آذاه

стр. 1294

وأخذ منه مائة ألف درهم. فكتب إلى "عبد الملك بن مروان" يشكوه، فكتب "عبد الملك" إلى "الحجاج": إن "حمران" أخو من مضى، وعمّ من بقي، فأحسن مجاورته، ورد عليه ماله، وأحسن مجاورته وقد أدرك أبا بكر وعمر فدعا بحمران فقال: كم أغرمناك قال مائة ألف فبعث بها إليه مع غلمان وقال هي لك مع الغلمان العشرة فقسمها حمران على أصحابه وأعتق الغلمان (١). مات حمران بعد سنة خمس وسبعين روى له الجماعة وهو تابعي ثقة والله أعلم وتقدم الكلام عليه مبسوطًا. قوله: إنه رأى عثمان بن عفان دعا بوضوء فأفرغ على يديه من إنائه فغسلهما ثلاث مرات ثم أدخل يمينه في الوضوء ثم تمضمض واستنشق واستنثر، الحديث، هذا الحديث أصل عظيم في صفة الوضوء (٢). قوله: دعا بوضوء، الوضوء بفتح الواو الماء الذي يتوضأ به وبضم الواو هو الفعل (٣) وتقدم ذلك مرات ففي هذا الحديث الاستعانة بطلب الماء وإفراغ الماء على اليد قبل غمسها ثم إدخالها فيه ولم يذكر نية الاغتراف وسيأتي الكلام على ذلك، والاستعانة في الوضوء قال الأصحاب: هي على ثلاثة أقسام: أن يستعين في إحضار الماء من البئر والبيت ونحوهما وتقديمه إليه وهذا

стр. 1295

جائز ولا يقال خلاف الأولى. والثاني: أن يستعين بمن يغسل الأعضاء فهذا مكروه كراهة تنزيه إلا أن يكون معذورا بمرض أو غيره. والثالث: أن يستعين بمن يصب عليه فإن كان لعذر فلا بأس به وإلا فهو خلاف الأولى. وهل يسمى مكروها فيه وجهان أصحهما ليس بمكروه لأنه لم يثبت فيه نهي، وأما استعانة النبي ﷺ بأسامة والمغيرة بن شعبة في غزوة تبوك وبالربيع بنت معوذ فلبيان الجواز ويكون أفضل في حقه حينئذ لأنه مأمور بالبيان وأنه لا كراهة في المناولة وكذا الصب عليه على الأصح بخلاف الاستعانة في غسل الأعضاء مع القدرة فإنه يكره جزما (١). وفي ابن ماجه "كان رسول الله ﷺ لا يكل طهوره إلى أحد، ولا صدقته التي يتصدق بها، يكون هو الذي يتولاها بنفسه" (٢). قوله: فأفرغ على يديه، أي فأفرغ عليهما من الإناء ففيه دليل على استحباب غسل اليدين ثلاثا قبل الوضوء وإنه إن شك في طهارتهما كره غمسهما في الإناء قبل غسلهما ثلاثا، فإن غسلهما دون الثلاث لم تزل

стр. 1296

الكراهة المستفادة من مخالفة الأمر وتزول الكراهة من جهة الشك في النجاسة فإن النجاسة المشكوك فيها تزول بالغسل مرة أو مرتين وإن تحقق طهارة يده لم يكره غمسهما في الإناء قبل غسلهما وإذا لم يمكنه عند الشك في طهارة يده الإفراغ عليهما من الإناء استعان بمن يصب عليه فإن لم يجد أخذ بفمه أو بطرف منديله وصبه عليه (١). قوله: فغسلهما ثلاث مرات، فيه دليل على أن السنة غسلهما قبل الوضوء سواء تحقق طهارتهما قبل الغسل أم لا (٢). قوله: ثم أدخل يمينه في الوضوء، فيه دليل على استحباب أخذ الماء بيمينه في الوضوء والغسل (٣) وقد كان النبي ﷺ يحب التيمن في وضوءه في شأنه كله (٤) الحديث. وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا. قوله: ثم تمضمض واستنشق واستنثر، تقدم الكلام على ذلك أيضا مبسوطا. قوله: ثم غسل وجهه ثلاثا، فيه دليل على جواز الاغتراف للوجه بيد واحدة وهو أرفق في استعمال الماء فلو اغترف بيديه جميعا لوجهه كان أيسر

стр. 1297

لأن الوجه يغسل باليدين جميعا (١). قوله: ويديه إلى المرفقين ثلاثا، وفي رواية ثم أدخل يديه مرتين إلى المرفقين المعنى أدخل يديه فاغترف فغسلهما مرتين خارج الإناء على المرفقين أي مع المرفقين، وفيه دليل على أن نية الاغتراف لا تجب فيه غسل الوجه فإن غسل اليد عن الحدث إنما يصح بعد غسل الوجه مراعاة لترتيب اليد مع الوجه (٢). فائدة: واعلم أن نية الاغتراف تكون صارفة للنية لا قاطعة لها ويدخل وقتها بالغسلة الأولى من الوجه فإذا وضع يده في الماء بعد الغسلة الأولى من الوجه فله ثلاثة أحوال: أحدها: أن يضعها بنية رفع الحدث عن اليد فما غسله من اليد في الماء يرتفع حدثه ويصير الماء مستعملا بالنسبة إلى الباقي. الثاني: أن يطلق فيصير مستعملا أيضا لأنه إذا وضع اليد في الماء يرتفع حدثها عن الباقي. الثالث: أن يضعها بنية أن يغترف للغسلة الثانية أو الثالثة من الوجه فلا يصير مستعملا لأجل صرف الغسل إلى الوجه، وكذلك إذا وضعها بعد غسل الوجه ثلاثا ونوى الاغتراف ليغسل اليد خارج الإناء لا يصير مستعملًا لأن اليد حينئذ تصير كالآلة التي ينقل بها الماء (٣).

стр. 1298

والجنب تكون نية اغترافه بعد النية لعدم الترتيب (١) وفيه دليل على أن الثلاثة سنة في الوضوء وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالغسل مرة مرة وثلاثا ثلاثا وبعض الأعضاء ثلاثا وبعضها مرتين وبعضها مرة لحديث حمران فيه غسل الأعضاء ثلاثا ثلاثا ومسح الرأس مرة واحدة وفي حديث عبد الله بن زيد أنه غسل بعض الأعضاء مرتين ولا خلاف أن الأولى هو غسل الأعضاء ثلاثا ثلاثا أكمل وأفضل (٢). قال العلماء: فاختلافها دليل على جواز ذلك كله وأن الثلاثة هي الأكمل والواحدة تجزئ (٣) واختلف العلماء في مسح الرأس فهل السنة أن يمسحه ثلاثة أو واحدة؟ قال ابن عبد البر: وجمهورهم يقول بمسح الرأس مسحة واحدة وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد والأكثرون إلى أن السنة مرة واحدة كاملة لا يزيد عليهم إلا الشافعي ﵀ فإنه قال: من توضأ ثلاثا ثلاثا مسح رأسه ثلاثا على ظاهر الأحاديث في أن رسول الله ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا وفي بعض الروايات اثنان عن عثمان في صفة وضوء النبي ﷺ ، ثم مسح ثلاثا وأكثرها على مرة واحدة (٤)، قال أبو داود: أحاديث عثمان الصحاح تدل على أنه ﷺ

стр. 1299

مسح مرة (١) انتهى. وأجمع العلماء على وجوب مسح الرأس واختلفوا في قدر الواجب فيه فذهب الشافعي في جماعة إلى أن الواجب ما يطلق عليه الاسم ولو شعرة واحدة وذهب مالك وأحمد وجماعة إلى وجوب استيعاب الرأس وقال أبو حنيفة في رواية الواجب ربعه (٢) قال ابن عبد البر كان مالك يقول في مسح الرأس يبدأ بمقدم رأسه ثم يذهب بيديه إلى مؤخره ثم يردهما إلى مقدمه على حديث عبد الله بن زيد، قال: وهو أبلغ ما سمعت في مسح الرأس وهو قول الشافعي (٣). وقال في الغاية: والأظهر أن يضع كفيه وأصابعه على مقدم رأسه ومدهما إلى قفاه على وجه يستوعب جميع رأسه ثم يمسح أذنيه بأصبعيه (٤) والسنة أن يمسح أذنيه بماء الرأس عند أبي حنيفة وأصحابه خلافا للشافعي (٥) لما في رواية أبي داود عن المقدام بن معد كرب أن النبي ﷺ مسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما وأدخل أصابعه في صماخها (٦).

стр. 1300

فائدة: روى الدارقطني وغيره عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : إن الله أعطاني نهرا يقال له الكوثر في الجنة لا يدخل أحد أصبعيه في أذنيه إلا سمع خرير ذلك النهر، قالت: فقلت يا رسول الله فكيف ذلك؟ قال: أدخلي أصبعيك في أذنيك وسدي، فالذي تسمعيه فيهما فمن خرير الكوثر (١)، وهذا النهر خاص بالنبي ﷺ يتشعب منه جميع أنهار الجنة (٢)، انتهى. قوله: في حديث عثمان رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ نحو وضوئي هذا ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا، ولم يقل مثل وضوئي، وهل بين النحو والمثل فرق؟ والجواب: إنما قال ﷺ نحو وضوئي هذا ولم يقل مثل وضوئي لوجوه: الأول: أنه ﷺ رتب حصول ذلك الثواب على الإتيان بوضوء يقارب وضوءه لأن النحو يطلق على ما قارب الشيء في غالب وجوه الشبه وإن خالفه في أدنى مخالفة ولم يشرط في الحصول الإتيان بذلك الحصول ليتسع ذلك على الأمة، والتوسعة عليهم في أبواب الفضل ويقرب منه قوله ﷺ "سددوا وقاربوا" أي إنكم لم تستطيعوا الإتيان بما أمرتم به فقاربوا الإتيان بمثله والذي يقرب من الشيء نحوه (٣) كما تقدم.

стр. 1301

الثاني: إنه ﷺ إنما قال نحو وضوئي هذا ولم يقل مثل وضوئي هذا لأن أحدا من الأمة لا يستطيع أن يأتي بمثل العبادة التي أتى بها النبي ﷺ في صفاتها الكاملة من الإخلاص وحضور القلب والخشوع والمراقبة وحسن الأداء والإشارة إلى ذلك لقوله ﷺ : "أنا أتقاكم لله وأشدكم له خشية" وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ (١) إنما قال ذلك لأن عبادته ﷺ مقطوع بقبولها وقيل إن فرائضه لا تكمل من نوافله لكمالها وعدم نقصها بخلاف الأمة فإن النوافل تجبر ما يقع في فرائضها من الخلل (٢). الثالث: لابد في حصول ذلك من مراعاة النحو فيأتي بوضوء يقارب ذلك الفعل ولا يأتي به بعيدا عنه لأن مدلول النحو القصد ونحا إذا قصد ونحا نحوه إذا قصد قصده (٣). الرابع: إنما قال ﷺ نحو وضوئي ولم يقل مثل وضوئي، لأن المثل شرطه أن يكون مساويا في سائر وجوه الشبه وفي التعبير بالنحو توسعة للمكلفين لأن أفعال المكلفين مغيرة كتغاير الدواب فالمثلية فيها لا تتحقق لقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ (٤) ومن جملة آيات الله تعالى اختلاف

стр. 1302

أفعالنا أيضا، حق إن الشخص الواحد لا يماثل فعله اليوم فعله بالأمس وقال شيخ الإسلام القشيري: إن لفظة نحو لا تقتضي المساواة من كل وجه بخلاف لفظة مثل (١) كما تقدم، وقال في حديث: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول" إن لفظة مثل لا تقتضي المساواة من كل وجه فإنه لا يريد مماثلة في رفع الصوت وغيره (٢) انتهى. وقال في كتاب الديباجة: والمراد بنحو وضوئي أن يكون عالما بأن الوضوء يمحو الذنوب بشرط تقدم التوبة فإنها إذا تقدمت وجاء الوضوء بعدها تمت فإن قيل التوبة وحدها مسقطة للذنوب فما فعل الوضوء؟ فالجواب: إن الوضوء متم كذلك لأنه نور على نور إذ به يعلم أن التوبة الأولى مقبولة وعلى كل حال فالأمر مشكل انتهى. وقال بعض العلماء: رتب المغفرة على ثلاثة شروط: الأول: الإتيان بنحو وضوئه ومراعاة الكيفية المذكورة من تثليث الغسل في الأعضاء والإتيان بغسل الكف والمضمضة والاستنشاق بأن نقص عن ذلك أو ترك هذه السنن وأتى بواجبات الوضوء احتمل حصول الثواب وحصول المغفرة لأن من أتى الواجب فقد أتى بنحو فعله فعلى هذا إذا توضأ مرة مرة ثم صلى غفر له ويحتمل منع الوصول لتفريطه في السنة بترك

стр. 1303

الإتيان بكل ما فعله ولو زاد في الوضوء فغسل أربع مرات أو أسرف في الماء من غير حاجة فالمتجه عدم الحصول لأنه زاد على النحو وغلا في الدين وعد من المسرفين، وقد حكى الدارمي في الاستدراك قولا أنه لا يصح وضوءه كمن زاد في الصلاة ركوعا أو سجودا أو تشهدا (١). قوله ﷺ : "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد". الثاني: قوله ﷺ "ثم صلى ركعتين" وفي رواية "ثم قام فصلى ركعتين" فيه دليل على اشتراط الصلاة من قيام هذه الزيادة في مسلم أيضا فلو صلى من قعود لم يحصل هذا الثواب المرتب لإخلاله بالقيام. الثالث: أنه لو صلى ركعة واحدة لم يحصل له ذلك لأن الأجر إذا رتب على درهمين لم يحصل على درهم ولو زاد على ركعتين فصلى أربع ركعات أو ثلاثا فالظاهر الحصول لأنه قد أتى بالركعتين وزيادة (٢). تنبيه: لم يبين في الحديث ماذا ينوي بالركعتين وقد قيل ينوي بهما سنة الوضوء لحديث بلال السابق المخرج في الصحيح أنه متى توضأ صلى أي ركعتين وقال: إنه أرجى عمل له قال. النووي في شرح مسلم: في هذا الحديث دليل على استحباب ركعتين فأكثر عقيب الوضوء وهو سنة مؤكدة، قال: قال أصحابنا: ويفعل هذه الصلوات في أوقات النهي وغيرها لأن لها سببا، واستدلوا بحديث بلال أنه

стр. 1304

كلما توضأ صلى ركعتين وقال: إنه أرجى عمل له، قال: ولو صلى فريضة أو نافلة مقصودة حصلت هذه الفضيلة كما تحصل تحية المسجد بصلاة ركعتين (١)، ولو توضأ وأحرم بأربع ركعات ثم ينتهي في ركعتين وحضر قلبه في ركعتين ثم سلم، فظاهر الحديث حصول هذا الثواب لأنه صدق عليه أنه صلى ركعتين لم يحدت فيهما نفسه، وهل يستحب في هاتين التطويل أم الإسراع؟ المتجه استحباب الإسراع تعجيلا لحصول المغفرة ولأنه قد يموت قبل إكمالهما إذا طولهما وروى أبو هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: "إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين" وقد ذكروا له معنيين أحدها الإسراع والمبادرة إلى حل عقد الشيطان كما ورد في قوله ﷺ "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد" الحديث وفي رواية ابن ماجه "يعقد الشيطان في حبل على قافية رأس أحدكم" والحبل هنا مجاز ولطوله مناسبة لقوله ﷺ "عليك ليل طويل" قال بعض أشياخنا: المراد بقوله ﷺ إذا هو نام النوم عن صلاة العشاء لأن من صلى العشاء ثم نام لا يصبح خبيث النفس وإنما يصبح خبيثا إذا ترك الواجب (٢). والثاني: إذا قام من الليل وشرع في الصلاة فربما بقيت عنده بقايا نوم وشوائب

стр. 1305

فإذا صلى ركعتين حصل له إدمان على الطاعة وإقبال على العبادة (١). قال الحليمي: ولهذه الحكمة قدمت النوافل على الفرائض (٢) وعلى المعنيين يستحب الإسراع في ركعتي الفجر والتطويل في صلاة الصبح ويقرب من هذا المعنى الأول أقوال حكاها بعض العلماء في أن الإتيان بكلمة الشهادة هل يستحب فيها المد بالإسراع قيل يستحب المد فيقول لا إله إلا الله بالمد وقد ورد في الحديث "من قال لا إله إلا الله مادا بها صوته" وقال ﷺ "يغفر للمؤذن مد صوته" وفي رواية أحمد "مد صوته" والمراد بمد الصوت الموضع الذي ينتهي إليه صوته ومدى الشيء نهايته (٣). والقول الثاني: إنه يستحب القصر مخافة أن يموت قبل إتمامها. والثالث: إن كان كافرا يستحب له القصر لئلا يموت قبل إتمامها فيكون كافرا وإن كان مسلما استحب له المد كالمؤذن (٤). قوله ﷺ : "ثم قام فصلى" فيه دليل على اشتراط الصلاة، لكنه معارض بما رواه الترمذي عن النبي ﷺ أن العبد إذا توضأ خرج نقيا من الذنوب ورواه الإمام أحمد وزاد "فإذا صلى كانت صلاته نافلة" (٥) وفيه دليل

стр. 1306

على أنه لابد وأن يترك الوسوسة في أول صلاته وينبغي أن يأتي بالصلاة عقيب الوضوء لتتصل الوسيلة بالتوسل إليه (١). فإن قيل: لما قال ﷺ "ثم قام فصلى" فأتى بثم في الأول وبالفاء في الثاني قلت لأن الصلاة لا تقع في موضع الوضوء ولا تفعل إلا في مكان آخر غالبا فلابد من مهلة في الزمان يمكنه المشي فيها إلى موضع الصلاة المهيأ لها فلذلك أتى بثم وإذا قام إلى الصلاة استحب التحرم عقيب القيام وترك الوسوسة عند التكبير وهذا سر لطيف فاعرفه. الرابع: قوله ﷺ "لا يحدث فيهما نفسه" اعلم أن الغزالي ﵀ قد ذكر في كتاب الجواهر أن النفس والروح والعقل بمعنى، قال وهو السر الرباني وللناس في هذا اختلاف كبير وترجيح فالذي يقرب أن الإنسان له نفسان نفس حيوانية ونفس روحانية، فالنفس الحيوانية لا تفارقه إلا بالموت والنفس الروحانية التي هي من أمر الله فبها يفهم ويعقل وهي التي يتوجه لها الخطاب وهي التي تفارق الإنسان عند الموت وإليها الإشارة بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (٢) وأما النفس الحيوانية فلا تفارق الإنسان بالنوم فلهذا يتحرك الإنسان ويتنفس وحرارة جسمه باقية وإذا مات

стр. 1307

فارقه جميع ذلك (١)، وأما قوله ﷺ : "لا يحدث فيهما نفسه" المراد النفس الروحانية والمراد به لا يحدث نفسه بشيء من أمور الدنيا وما لا يتعلق بالصلاة ولو عرض له حديث ما فأعرض عنه بمجرد عروضه عفي عن ذلك وحصلت له هذه الفضيلة إن شاء الله لأن هذا ليس فعله وقد عفي لهذه الأمة عن الخواطر التي تعرض ولا تستقر قاله الماوردي (٢) والقاضي والنووي فقالوا: حديث النفس في الحديث هو المجتلب والمكتسب وأما ما يقع في الخواطر غالبا فليس هو المراد لأنه قل من تسلم صلاته من حديث النفس وإنما حصلت له هذه المرتبة لمجاهدة نفسه من خطوات الشيطان ونفيها عنه ومجاهدته ومحافظته عليها حتى لم يشتغل عنها طرفة عين وسلم من الشيطان باجتهاده وتفريغ قلبه وقال بعضهم هذا الذي يكون من غير قصد يرجى أن تقبل معه الصلاة ويكون دون صلاة ومن لم يحدث نفسه بشيء لأن النبي ﷺ إنما ضمن الغفران لداعي ذلك لأنه قل من تسلم صلاته من حديث النفس (٣). قوله ﷺ : "غفر له ما تقدم من ذنبه" قال النووي في شرح مسلم: الصغائر من الذنوب فقد قال الأصحاب نظير ذلك في قوله ﷺ في صوم عرفة "أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده" أنهم ذكروا أن

стр. 1308

المراد الصغائر (١) ونازعهم صاحب الذخائر وقال: ما قالوه يحتاج إلى دليل وفضل الله أوسع من ذلك (٢) وظاهر هذا يقتضي العموم في جميع الذنوب لأن قوله ﷺ : "ما تقدم من ذنبه" صيغة عموم ولكنه قد خصص بقوله ﷺ : "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر" وفي هذا الحديث وقفة وهو أن قوله ﷺ : "ما اجتنبت الكبائر" هل هو قيد في التكفير حتى ولو كان مصرا على الكبائر لم يغفر له شيء من الصغائر أو هو قيد في التعميم أي تعميم المغفرة فعلى هذا تغفر الصغائر وإن ارتكب الكبائر والأقرب الثاني وإلا لم يكن لذلك تأثير في التكفير لأن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر بدليل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ (٣) الآية (٤) وفي الآية: والحديث دليل على انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر وقد خالف الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني وقال: ليس في الذنوب صغيرة والذنوب كلها كبائر نظرا إلى عظمة من يعصى وفي الآية والحديث دليل على أن الكبائر متميزة عن الصغائر وحكي الشبلي في التذكرة قولا أن الكبائر مبهمة في المعاصي كما أخفى الله ليلة القدر في رمضان وساعة الإجابة في يوم الجمعة وفائدة إبهام الكبائر التحامي عن

стр. 1309

الوقوع في سائر المعاصي لأنه ما من معصية إلا ويجوز أن تكون من الكبائر وهذا القول غير بعيد (١) واعلم أن من الأعمال ما يرفع الذنب السابق ولا يرفع اللاحق ومنها ما يرفع الذنب السابق واللاحق ويسمى رافعا ودافعا فمن صلى ركعتين بالصفة المذكورة غفر له ما تقدم من ذنبه فالركعتان رافعتان للذنب وصوم يوم عرفة يكون رافعا لذنوب السنة الماضية ولذنوب السنة المستقبلة حتى إذا فعل ذنبا لم تأخذه عليه الملائكة وصدقة الفطر طهرة للصائم من لغوه ورفثه الواقع في رمضان كما جاء في الخبر وعندنا يجوز تقدمهما من أول رمضان فهي حينئذ تكون دافعة لما يقع من الصائم من اللغو والرفث وإن تأخرت كانت رافعة (٢) فمن صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه فقد قام بهذه الأوصاف فلذلك يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ومن صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه فقد دخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٣). فائدة صوفية جليلة: قوله ﷺ : "ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه" إشارة إلى مقام الإحسان وهو أن تعبد الله كأنك تراه وإذا كنت تراه اشتغلت بمناجاته وغفلت عن نفسك وعما تحدث فيها من الفواحش الواردة من جهة النفس

стр. 1310

والوساوس الواردة من جهة الشيطان فإن حصلت له غفلة وخطرت له وساوس أو هواجس أضرب عنها واشتغل بالمناجاة وتدبر معاني القرآن فإذا فعل ذلك ولم يشتغل بحديث نفسه ومطاوعتها غفر له ما تقدم هذا إن كان عليه ذنب وإلا فقد روى الإمام أحمد في المسند أن الرجل إذا توضأ وأحسن الوضوء خرج نقيا من الذنوب فإن صلى كانت صلاته نافلة فإن اتصف بذلك كانت صلاته نافلة ورفع في الدرجات (١) فإن قيل أحد الخبرين يدل على حصول المغفرة بالوضوء وحده والآخر يقتضي أن المغفرة لا تحصل إلا بصلاة ركعتين لا يحدث فيهما نفسه مع الوضوء، وطريق الجمع بين الحديثين أنه يحتمل أنه ﷺ رتب المغفرة أولا على الوضوء وصلاة ركعتين ثم رتبها ثانيا على الوضوء وحده فيكون في ذلك البشارة مرتين كما في قوله ﷺ : "صلاة الجماعة تزيد على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة" وفي الرواية الأخرى "بسبع وعشرين" قال ذلك ليبشرهم ثانيًا بالزيادة وكما قال ﷺ لأصحابه: "ألا ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبرنا ثم قال ألا ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبرنا ثم قال ألا ترضون أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبرنا" (٢) بشرهم ﷺ ثلاث مرات انتهى.

стр. 1311

[أما تكبيرهم فلسرورهم بهذه البشارة العظيمة، وأما قوله ربع أهل الجنة ثم ثلث أهل الجنة ثم الشطر ولم يقل أولا شطر أهل الجنة فلفائدة حسنة وفي أن ذلك أوقع في نفوسهم وأبلغ في إكرامهم فإن إعطاء الإنسان مرة بعد أخرى دليل على الاعتناء به ودوام ملاحظته وفيه فائدة أخرى هي تكريره البشارة مرة بعد أخرى وفيه أيضا حملهم على تجديد شكر الله تعالى وتكبيره وحمده على كثرة نعمه والله أعلم ثم إنه وقع في هذا الحديث شطر أهل الجنة وفي الرواية الأخرى نصف أهل الجنة وقد ثبت في الحديث الآخر أن أهل الجنة عشرون ومائة صف هذه الأمة منها ثمانون صفا فهذا دليل على أنهم يكونون ثلثي أهل الجنة فيكون النبي ﷺ أخبر أولا بحديث الشطر ثم تفضل الله سبحانه بالزيادة فأعلم بحديث الصفوف فأخبر به النبي ﷺ بعد ذلك ولهذا نظائر كثيرة في الحديث معروفة (١)]. تنبيه: ويحسن أن يقال إن الشخص إذا دخل في الصلاة بطهارة واحدة ولم يحدث نفسه غفرت له الصغائر وإن دخل بالطهارتين جميعا أي طهارة بالقلب وطهارة الأعضاء غفر له الجميع والإنسان إذا عالج قلبه وأخرج منه الحقد والغل والكبر والحسد وأمراض القلب كلها فقد دخل بالطهارتين قيل وإذا طهارة القلب إشارة لقوله ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأبشاركم ولكن ينظر إلى قلوبكم" (٢) وقال الغزالي ﵀: وإلى طهارة القلب
следующие страницы →