← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 1307–1346 · переход к 1312.

стр. 1307

فارقه جميع ذلك (١)، وأما قوله ﷺ : "لا يحدث فيهما نفسه" المراد النفس الروحانية والمراد به لا يحدث نفسه بشيء من أمور الدنيا وما لا يتعلق بالصلاة ولو عرض له حديث ما فأعرض عنه بمجرد عروضه عفي عن ذلك وحصلت له هذه الفضيلة إن شاء الله لأن هذا ليس فعله وقد عفي لهذه الأمة عن الخواطر التي تعرض ولا تستقر قاله الماوردي (٢) والقاضي والنووي فقالوا: حديث النفس في الحديث هو المجتلب والمكتسب وأما ما يقع في الخواطر غالبا فليس هو المراد لأنه قل من تسلم صلاته من حديث النفس وإنما حصلت له هذه المرتبة لمجاهدة نفسه من خطوات الشيطان ونفيها عنه ومجاهدته ومحافظته عليها حتى لم يشتغل عنها طرفة عين وسلم من الشيطان باجتهاده وتفريغ قلبه وقال بعضهم هذا الذي يكون من غير قصد يرجى أن تقبل معه الصلاة ويكون دون صلاة ومن لم يحدث نفسه بشيء لأن النبي ﷺ إنما ضمن الغفران لداعي ذلك لأنه قل من تسلم صلاته من حديث النفس (٣). قوله ﷺ : "غفر له ما تقدم من ذنبه" قال النووي في شرح مسلم: الصغائر من الذنوب فقد قال الأصحاب نظير ذلك في قوله ﷺ في صوم عرفة "أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده" أنهم ذكروا أن

стр. 1308

المراد الصغائر (١) ونازعهم صاحب الذخائر وقال: ما قالوه يحتاج إلى دليل وفضل الله أوسع من ذلك (٢) وظاهر هذا يقتضي العموم في جميع الذنوب لأن قوله ﷺ : "ما تقدم من ذنبه" صيغة عموم ولكنه قد خصص بقوله ﷺ : "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر" وفي هذا الحديث وقفة وهو أن قوله ﷺ : "ما اجتنبت الكبائر" هل هو قيد في التكفير حتى ولو كان مصرا على الكبائر لم يغفر له شيء من الصغائر أو هو قيد في التعميم أي تعميم المغفرة فعلى هذا تغفر الصغائر وإن ارتكب الكبائر والأقرب الثاني وإلا لم يكن لذلك تأثير في التكفير لأن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر بدليل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ (٣) الآية (٤) وفي الآية: والحديث دليل على انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر وقد خالف الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني وقال: ليس في الذنوب صغيرة والذنوب كلها كبائر نظرا إلى عظمة من يعصى وفي الآية والحديث دليل على أن الكبائر متميزة عن الصغائر وحكي الشبلي في التذكرة قولا أن الكبائر مبهمة في المعاصي كما أخفى الله ليلة القدر في رمضان وساعة الإجابة في يوم الجمعة وفائدة إبهام الكبائر التحامي عن

стр. 1309

الوقوع في سائر المعاصي لأنه ما من معصية إلا ويجوز أن تكون من الكبائر وهذا القول غير بعيد (١) واعلم أن من الأعمال ما يرفع الذنب السابق ولا يرفع اللاحق ومنها ما يرفع الذنب السابق واللاحق ويسمى رافعا ودافعا فمن صلى ركعتين بالصفة المذكورة غفر له ما تقدم من ذنبه فالركعتان رافعتان للذنب وصوم يوم عرفة يكون رافعا لذنوب السنة الماضية ولذنوب السنة المستقبلة حتى إذا فعل ذنبا لم تأخذه عليه الملائكة وصدقة الفطر طهرة للصائم من لغوه ورفثه الواقع في رمضان كما جاء في الخبر وعندنا يجوز تقدمهما من أول رمضان فهي حينئذ تكون دافعة لما يقع من الصائم من اللغو والرفث وإن تأخرت كانت رافعة (٢) فمن صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه فقد قام بهذه الأوصاف فلذلك يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ومن صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه فقد دخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٣). فائدة صوفية جليلة: قوله ﷺ : "ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه" إشارة إلى مقام الإحسان وهو أن تعبد الله كأنك تراه وإذا كنت تراه اشتغلت بمناجاته وغفلت عن نفسك وعما تحدث فيها من الفواحش الواردة من جهة النفس

стр. 1310

والوساوس الواردة من جهة الشيطان فإن حصلت له غفلة وخطرت له وساوس أو هواجس أضرب عنها واشتغل بالمناجاة وتدبر معاني القرآن فإذا فعل ذلك ولم يشتغل بحديث نفسه ومطاوعتها غفر له ما تقدم هذا إن كان عليه ذنب وإلا فقد روى الإمام أحمد في المسند أن الرجل إذا توضأ وأحسن الوضوء خرج نقيا من الذنوب فإن صلى كانت صلاته نافلة فإن اتصف بذلك كانت صلاته نافلة ورفع في الدرجات (١) فإن قيل أحد الخبرين يدل على حصول المغفرة بالوضوء وحده والآخر يقتضي أن المغفرة لا تحصل إلا بصلاة ركعتين لا يحدث فيهما نفسه مع الوضوء، وطريق الجمع بين الحديثين أنه يحتمل أنه ﷺ رتب المغفرة أولا على الوضوء وصلاة ركعتين ثم رتبها ثانيا على الوضوء وحده فيكون في ذلك البشارة مرتين كما في قوله ﷺ : "صلاة الجماعة تزيد على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة" وفي الرواية الأخرى "بسبع وعشرين" قال ذلك ليبشرهم ثانيًا بالزيادة وكما قال ﷺ لأصحابه: "ألا ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبرنا ثم قال ألا ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبرنا ثم قال ألا ترضون أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبرنا" (٢) بشرهم ﷺ ثلاث مرات انتهى.

стр. 1311

[أما تكبيرهم فلسرورهم بهذه البشارة العظيمة، وأما قوله ربع أهل الجنة ثم ثلث أهل الجنة ثم الشطر ولم يقل أولا شطر أهل الجنة فلفائدة حسنة وفي أن ذلك أوقع في نفوسهم وأبلغ في إكرامهم فإن إعطاء الإنسان مرة بعد أخرى دليل على الاعتناء به ودوام ملاحظته وفيه فائدة أخرى هي تكريره البشارة مرة بعد أخرى وفيه أيضا حملهم على تجديد شكر الله تعالى وتكبيره وحمده على كثرة نعمه والله أعلم ثم إنه وقع في هذا الحديث شطر أهل الجنة وفي الرواية الأخرى نصف أهل الجنة وقد ثبت في الحديث الآخر أن أهل الجنة عشرون ومائة صف هذه الأمة منها ثمانون صفا فهذا دليل على أنهم يكونون ثلثي أهل الجنة فيكون النبي ﷺ أخبر أولا بحديث الشطر ثم تفضل الله سبحانه بالزيادة فأعلم بحديث الصفوف فأخبر به النبي ﷺ بعد ذلك ولهذا نظائر كثيرة في الحديث معروفة (١)]. تنبيه: ويحسن أن يقال إن الشخص إذا دخل في الصلاة بطهارة واحدة ولم يحدث نفسه غفرت له الصغائر وإن دخل بالطهارتين جميعا أي طهارة بالقلب وطهارة الأعضاء غفر له الجميع والإنسان إذا عالج قلبه وأخرج منه الحقد والغل والكبر والحسد وأمراض القلب كلها فقد دخل بالطهارتين قيل وإذا طهارة القلب إشارة لقوله ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأبشاركم ولكن ينظر إلى قلوبكم" (٢) وقال الغزالي ﵀: وإلى طهارة القلب

стр. 1312

الإشارة لقوله ﷺ : "الطهور شطر الإيمان" ومعناه التصديق بالقلب (١) قاله ابن العماد بشرح عمدة الأحكام. ٣٥٧ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: "من تَوَضَّأ فَأحْسن وُضُوءَهُ ثمَّ قَامَ فصلى رَكْعَتَيْنِ أَو أَرْبعًا يشك سهل يحسن الذِّكر والخشوع ثمَّ اسْتغْفر الله غفر لَهُ" رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (٢). قوله: عن أبي الدرداء تقدم الكلام عن مناقبه. قوله ﷺ : "من توضأ فأحسن الوضوء" تقدم الكلام على إحسان الوضوء. قوله ﷺ : "ثم قام فصلى ركعتين يحسن فيهما الركوع والخشوع" الحديث، قال البغوي: السنة في الركوع عند عامة العلماء أن يضع راحتيه على ركبتيه ويفرج بين أصابعه ويجافي مرفقيه عن جنبيه ويسوي ظهره وعنقه ورأسه وفي الحديث: "نهى رسول الله ﷺ أن يدبح الرجل في الصلاة كما يدبح الحمار" (٣)

стр. 1313

وأراد بالتدبيح أن يطأطأ رأسه حتى يكون أخفض من ظهره (١). وفي المسند عن علي بن أبي طالب قال: كان النبي ﷺ إذا ركع لو وضع قدح ماء على ظهره لم يهراق (٢)، وقد اختلف العلماء في الطمأنينة في الركوع والاعتدال والسجود فذهب الجمهور إلى أن ذلك فرض لا تصح الصلاة إلا به (٣) وذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أن الطمأنينة واجبة والواجب ما يأثم بتركه ولا تفسد به صلاته وذكر النيسابوري في كتاب المعاني. والحكم: الصلاة أربعة أشياء حضور وشهود وخضوع وخشوع فالحضور بالنفس والشهود بالقلب والخضوع بالأركان والخشوع بالنفس فمن لم يحضر بالنفس فهو ساه ومن لم يشهد بالقلب فهو لاه ومن لم يخضع بالأركان فهو واه ومن لم يخشع بالسر فهو مضاه (٤) والله أعلم.

стр. 1314

[كتاب الصلاة] [الترغيب في الأذان وما جاء في فضله] تقدم الكلام على اشتقاق الكتاب في كتاب الطهارة وغيرها وأما الصلاة فهي العبادة المخصوصة، وأصلها في اللغة عبارة عن الدعاء قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (١) الآية، أي: ادع لهم، والصلاة في الشرع أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم مع النية بشرائط مخصوصة (٢)، وسميت العبادة المذكورة بذلك لاشتمالها على الدعاء من باب إطلاق اسم الجزء على الكل مجازًا، وأطلقت الصلاة على بقية العبادات لأن موضعها من الدين كموضع الرأس من الجسد وهي أول شرائع الأحكام بعد شهادة الحق ولأنها أفضل عبادات البدن، ومنها أنه ليس في العبادات بعد الإيمان عبادة سماها الله تعالى إيمانا وسمى رسوله تركها كفرًا إلا الصلاة، ومنها: اشتمالها على الإيمان إذ لابد فيها من الشهادتين ولا تنعقد إلا بذكر الله تعالى وتعظيمه وهو التكبير كما لا ينعقد الإيمان إلا بذكر الله تعالى وتوحيده وتتعلق صحتها بقراءة القرآن الذي هو حجة النبوة فتنزل منزلة الشهادة، ومنها: أن رسول الله ﷺ جعل إقامتها من أسباب حقن الدم فقال: "نهيت عن قتل المصلين"، ومنها: أنها أشغل العبادات للزمان بعد

стр. 1315

الإيمان لتكررها خمس مرات في اليوم والليلة مع سننها وروايتها ونوافلها فجميع الأوقات محتملة للصلاة إلا أوقات الكراهة وهي يسيرة من كثير، ومنها: أنها لا تسقط بالأعذار ولا تترك إلى الأبدال ولا تجزي فيها النيابة، ومنها: كثرة أركانها وفرائضها وسننها، ومنها: أنها من جنس عبادة الملائكة لأنهم موصوفون بالقيام والركوع والسجود والذكر والتسبيح بخلاف الزكاة والصيام والحج، ومنها: أن الله تعالى فرضها على نبيه ﷺ وعلى أمته من غير واسطة بخلاف غيرها من العبادات فإنها بواسطة الوحي، ومنها: أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، ومنها: أنها اشتملت على التوبة وفيها الحمد وفيها الصيام لأن المصلى يأكل ولا يشرب، وفيها الصيام لأن المصلي لا يأكل ولا يشرب وفيها الجهاد لأنه يجاهد النفس والشيطان (١). قوله: الترغيب في الأذان وما جاء في فضله، الأذان هو في اللغة الإعلام ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢) أي إعلام ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (٣) أي أعلمهم وفي الاصطلاح الذكر المخصوص سمي به لأنه شرع في الأصل للإعلام بدخول وقت الفريضة والأصل في مشروعيته قبل الإجماع قوله تعالى ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿إِذَا

стр. 1316

نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (١) وفي الباب أحاديث كثيرة وأصحها بما نحن فيه حديث عبد الله بن زيد وفيه ذكر الناقوس (٢) وذكر الغزالي والإمام القاضي حسين أن عبد الله بن زيد قال لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس يعمل ليضرب به لجمع الناس للصلاة طاف بي رجل وأنا نائم يحمل ناقوسا في يده فقلت يا عبد الله تبيع الناقوس فقال وما تصنع به فقلت ندعو به للصلاة فقال ألا أدلك على ما هو خير من ذلك فقلت له بلى قال فقال الله أكبر الله أكبر وساق الأذان إلى آخرة سوى الترجيع ثم استأخر غير بعيد ثم قال تقول إذا قمت إلى الصلاة الله أكبر الله أكبر وساق كلمات الإقامة إلى آخره قال فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت فقال: "إنها رؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتا منك" فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه فقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى فقال ﷺ : "فلله الحمد" رواه أبو داود وغيره (٣) وذكر الغزالي والإمام والقاضي حسين أن عبد الله بن زيد أذن مرة بإذن رسول الله ﷺ وهو أول مؤذن في الإسلام، قال ابن الصلاح لم أجد هذا

стр. 1317

بعد البحث عنه (١) وهذه القصة بالمدينة إذ بها شرع الأذان والجمعة والجماعة انتهى قاله في مختصر الكفاية. ٣٥٨ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَو يعلم النَّاس مَا فِي النداء والصف الأول ثمَّ لم يَجدوا إِلَّا أَن يستهموا عَلَيْهِ لاستهموا وَلَو يعلمُونَ مَا فِي التهجير لاستبقوا إِلَيْهِ وَلَو يعلمُونَ مَا فِي الْعَتَمَة وَالصُّبْح لأتوهما وَلَو حبوا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٢). قَوْله: "لاستهموا" أَي لاقترعوا والتهجير هُوَ التبكير إِلَى الصَّلَاة. قوله: عن أبي هريرة تقدم. قوله ﷺ : "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول" الحديث، قال النووي ﵀: المراد بالنداء الأذان (٣) وستأتي كلمات الأذان وكم هي والإقامة أيضا، والمراد بالصف الأول هو الذي يلي الإمام سواء تخلله منبر أو مقصورة أو أعمدة وغيرها وسواء جاء صاحبه متقدما أو متأخرا هذا هو الصحيح الذي تقتضيه ظواهر الأحاديث وصرح به المحققون، وقالت طائفة من العلماء: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه لا تتخلله مقصورة ولا نحوها بأن يخلل الذي يلي الإمام شيء فليس بأول بل

стр. 1318

الأول ألا يتخلله شيء وإن تأخر، وقيل الصف الأول عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أولا وإن كان في صف متأخر، وهذان القولان غلط صريح (١) والله أعلم. قوله ﷺ : "ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا" الاستهام الاقتراع كذا فسره الحافظ ومعنى الحديث لو يعلمون ما في التأذين والصف الأول من الفضل والثواب ثم لم يجدوا له طريقا إلا الاستهام أي الاقتراع وطلب السهم بالقرعة لاقترعوا حرصا ويحتمل أن كون المراد به الإقامة على تقدير المضاف وهو أوفق لما بعده أي لو يعلمون ما في حضور الإقامة ونحوها لأقام والوقوف في الصف الأول ولم يجدوا إلا بالسهام لاستهموا (٢). تنبيه: فيه دليل لمالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء في العمل بالقرعة من القسم بين الزوجات وفي العتق والوصايا والقسمة ونحو ذلك وقد جاءت بها أحاديث كثيرة قال أبو عبيد: وقد عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين يونس وزكريا ومحمد ﷺ قاله ابن المنذر: واستعمالها كالإجماع من أهل العلم فيما يقسم بين الشركاء وقال: فلا معنى لمن ردها وأبطلها والمشهور عن أبي حنيفة إبطالها وحكي عنه إجازتها (٣) والله أعلم.

стр. 1319

قوله ﷺ : "ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه" التهجير هو التبكير إلى الصلاة قاله المنذري أي صلاة كانت قاله الهروي وغيره، وخصه الخليل بالجمعة والصواب المشهور الأول (١)، وقال في النهاية: التهجير: التبكير إلى كل شيء والمبادرة إليه. يقال: هجر يهجر تهجيرا، فهو مهجر، وهي لغة حجازية، أراد المبادرة إلى أول وقت الصلاة. وفي حديث الجمعة "فالمهجر إليها كالمهدي بدنة" (٢) أي المبكر إليها (٣)، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في الجمعة. قوله ﷺ : "ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا" فيه الحث العظيم على حضور الجماعة في هاتين الصلاتين والفضل في ذلك لما فيهما من المشقة على النفوس من تنغيص أول يومها وآخره ولهذا كانت أثقل صلاة على المنافقين وفي هذا الحديث تسمية العشاء عتمة وقد ثبت النهي عنه وجوابه من وجهين: أحدهما: أن هذه التسمية بيان للجواز وأن ذلك النهي ليس للتحريم. والثاني: وهو الأظهر أن استعمال العتمة هنا لمصلحة ونفي مفسدة لأن العرب كانت تستعمل لفظ العشاء في المغرب فلو قال "لو يعلمون ما في

стр. 1320

العشاء والصبح" لحملوها على المغرب ففسد المعنى وفات المطلوب فاستعمل العتمة التي يعرفونها ولا يشكون فيها وقواعد الشرع متظاهرة على أخف المفسدتين لرفع أعظمها (١). قوله ﷺ : "لآتوهما ولو حبوا" هو بإسكان الباء وإنما ضبطته لأني رأيت من الكبار من يصحفه والله أعلم قاله النووي (٢). (ومن حبى الصبي حبوا إذا توكأ على أربع ودب على إسته (٣). ٣٥٩ - وَعَن أبي سعيد ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: لَو يعلم النَّاس مَا فِي التأذين لتضاربوا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ" رَوَاهُ أَحْمد وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة (٤). قوله: عن أبي سعيد هو الخدري، تقدم. قوله ﷺ : "لو يعلم الناس ما في التأذين لتضاربوا عليه بالسيوف" الحديث، أي: لو يعلمون ما فيه من الأجر والثواب، والمضاربة هي المقاتلة وهي معروفة. ٣٦٠ - وَعَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة عَن أَبِيه أَن أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ لَهُ إِنِّي أَرَاك تحب الْغنم والبادية فَإِذا كنت فِي غنمك أَو

стр. 1321

باديتك فَأَذنت للصَّلَاة فارفع صَوْتك بالنداء فَإِنَّهُ لا يسمع مدى صَوت الْمُؤَذّن جن وَلَا إنس وَلَا شَيء إِلَّا شهد لَهُ يَوْم الْقِيَامَة قَالَ أَبُو سعيد سمعته من رَسُول الله ﷺ وَرَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَالنَّسَائيّ وَابْن مَاجَه وَزَاد وَلَا حجر وَلَا شجر إِلَّا شهد لَهُ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَا يسمع صَوته شجر وَلَا مدر وَلَا حجر وَلَا جن وَلَا إنس إِلَّا شهد لَهُ (١). قوله: عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه، هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري المازني المدني، ثقة (٢)، وعبد الرحمن هذا من تابعي التابعين، يروي عن أبيه عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، أبوه تابعي، روى عنه: ابناه محمد وعبد الرحمن وأيوب، سمع أبا سعيد الخدري، ومنهم من يقول فيه عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة فينسب عبد الله إلى جده، ومنهم من يقول عبد الرحمن بن أبي صعصعة فينسب إلى جد أبيه، روى عن السائب بن خلاد أن كان محفوظًا وعن أبيه عبد الله بن عبد الرحمن، روى عنه: سفيان بن عيينة وغيره وهو ثقة (٣)، قاله في الديباجة.

стр. 1322

قوله ﷺ : "فإذا كنت في غنمك أو باديتك فارفع صوتك بالنداء" أي: بالأذان، قال العلماء: ويرفع صوته بالأذان لحديث أبي سعيد الخدري هذا، وقيل: إن انتظر حضور جماعة رفع وإلا فلا، والمراد برفعه أن يبالغ في رفعه ما أمكنه فإن لم يبالغ ولكنه أسمع بعض الناس حصل الأذان قطعا، وإن أذن بحيث لم يسمع إلا نفسه فإن كان منفردا صح عند الجمهور وإن لم يسمع نفسه فليس بأذان ولا يسمى كلاما، وبذلك يعلم أن رفع الصوت منقسم إلى واجب ومستحب وخلاف الأولى (١)؛ قال النووي في منهاجه: والجديد ندبه للمنفرد أي سواء كان في بلد أو صحراء هذا إذا لم يبلغ المنفرد أذان غيره فإن بلغه، ففي شرح مسلم: لا يؤذن، وفي [(شرح الوسيط) و (التحقيق): الأصح استحبابه، وهو مقتضى كلام (الشرح الصغير)، وعليه الفتوى (٢)] والقديم لا يستحب لانتفاء المعنى المقصود منه وهو الإعلام، وقيل: إن رجا المنفرد حضور جماعة أذن وإلا فلا، أ. هـ، قاله الكمال الدميري في شرحه (٣). فرع: يستحب أن يكون الأذان بقرب المسجد ويستحب أن لا يكتفي أهل المساجد المتقاربة بأذان بعضهم بل يؤذن في كل مسجد (٤). قوله ﷺ : "فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة" [المدى: الغاية: أي يستكمل مغفرة الله إذا استنفد وسعه في رفع

стр. 1323

صوته، فيبلغ الغاية في المغفره إذا بلغ الغايه في الصوت (١)] قال الخطابي: مدى الشيء غايته (٢)، قال بعض العلماء: وغاية الصوت تكون أخفى لا محالة فإذا شهد له من بعد عنه ووصل إليه همس صوته فلأن يشهد له من هو أدنى منه وسمع مبادئ صوته أولى (٣) وإنما قال ذلك ولم يقل لا يسمع صوت المؤذن ليكون أبلغ وأشد تحريضًا وحثا له على رفع الصوت، وقد استحب العلماء رفع الصوت في الأذان ما أمكنه لتكثر شهداؤه على فعله ذلك (٤)، والله أعلم. تنبيه: وأنكر بعض العلماء أهل اللغة مد صوته، وقال الصواب: مدى صوته، وليس هو بمنكر بل هما لغتان مدى أشهر ويشهد للغة مد صوته رواية من قال: "يغفر للمؤذن مد صوته" بالتشديد أي بقدر مده صوته (٥)، والله أعلم. ٣٦١ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "يغْفر للمؤذن مُنْتَهى أَذَانه ويستغفر لَهُ كل رطب ويابس سَمعه" رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْبَزَّار إِلَا أَنه قَالَ ويجيبه كل رطب ويابس (٦).

стр. 1324

٣٦٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قال الْمُؤَذّن يغْفر لَهُ مدى صَوته ويصدقه كل رطب ويابس" رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَعِنْدَهُمَا وَيشْهد لَهُ كل رطب ويابس (١) وَالنَّسَائِيّ (٢) وَزَاد فِيهِ وَله مثل أجر من صلى مَعَه، وَابْن مَاجَه وابن حبان في "صحيحه" (٣) وَعِنْده يغْفر لَهُ مد صَوته ويستغفر لَهُ كل رطب ويابس وَشَاهد الصَّلَاة تكْتب لَهُ خمس وَعِشْرُونَ حَسَنة وَيكفر عَنهُ مَا بَينهمَا. قَالَ الْخطابِيّ ﵀ مدى الشَّيْء غَايَته وَالْمعْنَى أَنه يستكمل مغْفرَة الله تَعَالَى إِذا استوفى وَسعه فِي رفع الصَّوْت فَيبلغ الْغَايَة من الْمَغْفِرَة إِذا بلغ الْغَايَة من الصَّوْت، قَالَ الْحَافِظ ﵀ وَيشْهد لهَذَا القَوْل رِوَايَة من قَالَ يغْفر لَهُ مد صَوته، بتَشْديد الدَّال أَي بِقدر مُدَّة صَوته، قَالَ الْخطابِيّ ﵀ وَفِيه وَجه آخر وَهُوَ أَنه كَلَام تَمْثِيل وتشبيه يُرِيد أَن الْكَلَام الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ الصَّوْت لَو يقدر أَن يكون مَا بَين أقصاه وَبَين مقَامه الَّذِي هُوَ فِيهِ ذنُوب تملأ تِلْكَ الْمسَافَة غفرها الله (٤) انْتهى قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.

стр. 1325

قوله ﷺ : "المؤذن يغفر له مدى صوته ويصدقه كل رطب ويابس" وزاد النسائي: "وله مثل أجر من صلى معه" تقدم الكلام على مدى صوته، والمعنى: أنه استكمل مغفرة الله تعالى إذا استوفى وسعه في رفع الصوت فيبلغ الغاية من المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت كذا نقله الحافظ عن الخطابي. ٣٦٣ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ أَن نَبِي الله ﷺ قَالَ إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الصَّفّ الْمُقدم والمؤذن يغْفر لَهُ مدى صَوته وَصدقه من سَمعه من رطب ويابس وَله أجر من صلى مَعَه" رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَاد حسن جيد (١) وَرَوَاهُ الطَّبْرَانِيّ عَن أبي أُمَامَة وَلَفظه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْمُؤَذّن يغْفر لَهُ مد صَوته وأجره مثل أجر من صلى مَعَه (٢). قوله: عن البراء بن عازب، البراء بفتح الباء والراء، وبالمد هو الصحيح المشهور عند طوائف العلماء من أهل الحديث، والتواريخ، والأسماء، واللغات، والمؤتلف والمختلف، وغيرهم، وحكي فيه القصر، وهو [أبو عمارة، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو الطفيل البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن

стр. 1326

الأوس الأنصاري] الأوسي الحارثي المدني، وأمه: حبيبة بنت أبي حبيبة، وأبوه: عازب صحابي ذكر محمد بن سعد في الطبقات أنه أسلم، نزل الكوفة وتوفي بها زمن مصعب بن الزبير، استصغره النبي ﷺ يوم بدر وأول مشاهده أحد، وفي البخاري عن البراء قال: غزوت مع النبي ﷺ خمس عشرة غزوة، وفي البخاري أيضًا عن البراء قال: ما جاء رسول الله ﷺ إلى المدينة مهاجرا حتى قرأت سبح اسم ربك الأعلى في سور مثلها من المفصل، وشهد البراء مع أبي موسى غزوة تستر، وشهد مع علي الجمل وصفين والنهروان هو وأخوه عبيد بن عازب، وكان للبراء ابنان يزيد وسويد، ومناقبه كثيرة مشهورة (١). قوله ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدم والمؤذن يغفر له مد صوته" الحديث، تقدم معنى الصلاة في الأحاديث المتقدمة. قوله ﷺ : "يغفر للمؤذن مد صوته" قال بعض العلماء: معناه أن ذنوبه لو كانت أجساما غفر له قدر ما يملأ المسافة التي بينه وبين منتهى صوته (٢)، وقيل: تمد له الرحمة بقدر مدى الأذان لكن لا ينبغي أن يبالغ بحيث يشق عليه (٣)، والله أعلم، وكذلك تقدم معنى مدى صوته في أحاديث الباب والله أعلم.

стр. 1327

٣٦٤ - وَرُوِيَ عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَد الرَّحْمَن فَوق رَأس الْمُؤَذّن وَإنَّهُ ليغفر لَهُ مدى صَوته أَيْن بلغ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأَوْسَط (١). قوله: روى عن أنس، تقدم. قوله ﷺ : "يد الرحمن فوق رأس المؤذن وأنه ليغفر له مدى صوته أين بلغ" اليد في حق الله تعالى تؤول بما يليق بجلاله كما يقال: المراد من اليد القدرة، أو في معنى ذلك (٢). قوله ﷺ : "إنه ليغفر له مدى صوته أين بلغ" قال بعض العلماء: معناه أن ذنوبه لو كانت أجساما غفر له قدر ما يملأ المسافة التي بينه وبين منتهى صوته كما تقدم مثله عن الخطابي وقيل: تمد له الرحمة بقدر مدى الأذان لكن لا ينبغي أن يبالغ بحيث يشق عليه والله أعلم. ٣٦٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الإِمَام ضَامِن والمؤذن مؤتمن اللَّهُمَّ أرشد الأئِمَّة واغفر للمؤذنين، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا فأرشد الله الأئِمَّة وَغفر للمؤذنين وَلابْن خُزَيْمَة رِوَايَة كَرِوَايَة أبي دَاوُد (٣).

стр. 1328

٣٦٦ - وَفِي أُخْرَى لَهُ قَالَ رَسُول الله ﷺ المؤذنون أُمَنَاء وَالأئِمَّة ضمناء اللَّهُمَّ اغْفِر للمؤذنين وسدد الْأَئِمَّة ثَلَاث مَرَّات (١). وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث أبي أُمَامَة بِإِسْنَاد حسن (٢). قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم ارشد الأئمة واغفر للمؤذنين" الحديث الضمان فى اللغة الكفالة والحفظ والرعاية قاله الهروي وغيره (٣)، وقال الخطابي فقوله: الإمام ضامن تأويله أنه يحفظ على القوم صلاتهم وليس من الضمان الموجب للغرامة وقال في الأحوذي شرح الترمذي: معنى ضمان الإمام لصلاة المأموم هو التزام شروطها وحفظ صلاته في نفسه لأن صلاة المأموم تبتني عليها (٤) وقيل معناه: أنهم إذا قاموا بالصلاة بالجماعة سقط فرض الكفاية عن سائر الناس بفعلهم قاله

стр. 1329

النووى (١)، فعلم من ذلك أفضلية الإمامة وأن مرتبة الإمامة عظيمة لما فيها من التكفل بصلاتهم واقتدائهم به والحمل عنهم ومراعاة ضعيفهم ودعائه لهم وأن لا يخص نفسه به دونهم (٢)، وأما قول الشافعي: حال الأمين خير من حال الضمين فيشير إلى سلامته فإن الإمامة خطرة فإن وفيت حقها تعدد ثوابه بعدد من صلى وراءه لأنه حصل الجماعة لهم ويقويه الدعاء له بالإرشاد، وللمؤذن بالمغفرة ليعلم ما بين الدرجتين قاله فى شرح الإلمام، فالأمانة أعلى من الضمان، والمغفرة أعلى من الإرشاد (٣). قال الشافعي ﵀ في الأم: يحتمل أنهم ضامنون لما ائتمنوا عليه من الإسرار بالقراءة والذكر (٤)، وقيل: المراد ضمان الدعاء فيعم القوم به، ولا يخص به نفسه (٥)، وقيل: معناه: أنه يتحمل القراءة عن المسبوق في بعض الأحوال وكذا القيام عمن أدركه راكعا، حكاهما البغوي في شرح السنة (٦)، أ. هـ. وقال ابن الأثير في النهاية في قوله: "المؤذن مؤتمن" أي: مؤتمن القوم

стр. 1330

الذي يثقون إليه ويتخذونه أمينا حافظا، يقال: ائتمن الرجل فهو مؤتمن يعني: أن المؤذن أمين الناس على صلاتهم وصيامهم (١)، وقال في موضع آخر: أما أمانة المؤذنين فعلى مواقيت الصلاة فلا يؤذن قبل دخولها (٢)، وقيل: على حرم الناس لأنهم يشرفون على المواضع العالية (٣) أ. هـ. وقيل: إنه أمين في تبرعه بالقيام بالأذان لأنه ليس بفرض (٤) والأمين أحسن حالا من الضمين كما فسره المحاملي في التجريد، فقال: إن الأمين متطوع بما يفعله، والضامن يفعل ما يجب عليه (٥). قوله ﷺ : "فأرشد الله الأئمة" قال صاحب المحكم الرشد والإرشاد نقيض الغي (٦)، وقال الهروي: الرشد والرشاد الهدى والاستقامة (٧)، وقال الواحدي: الرشد في اللغة إصابة الخير وهو نقيض الغي (٨). قوله ﷺ : في الرواية الأخرى "المؤذنون أمناء والأئمة ضمناء" وتقدم أن الأمانة أعلى من الضمان وقال الشافعي ﵀ في الأم: في قوله الأئمة

стр. 1331

ضمناء: يحتمل أنه ضامنون لما ائتمنوا عليه من الأسرار والذكر وقيل المراد ضمان الدعاء فيعم القوم به ولا يخص به نفسه وقيل أن يتحمل القراءة عن المسبوق في بعض الأحوال وكذلك القيام عمن أدركه راكعا حكاه البغوي في شرح السنة. ٣٦٧ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الإِمَام ضَامِن والمؤذن مؤتمن فأرشد الله الأئِمَّة وَعَفا عَن المؤذنين، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (١). قوله عن عائشة: تقدم الكلام على مناقبها. قوله: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن" الحديث: تقدم الكلام على ذلك في الأحاديث قبله وأما حكم أفضلية الأذان على الإمامة وعكسه ففيه أربعة أوجه لأصحاب الشافعي أصحها عند العراقيين والسرخسي والبغوي أن الأذان أفضل وهو نصه في الأم، قال النووي: وبه قال أكثر الأصحاب (٢)

стр. 1332

لدعائه ﷺ له بالمغفرة وللإمام بالإرشاد، والثاني أن الإمامة أفضل منه وهو الأصح عند الخراسانيين ونقلوه عن النص وصححه القاضي أبو الطيب وقطع به الدارمي وهو الذي صححه الرافعي لمواظبة الشارع ﷺ والخلفاء عليها ووقع في الكفاية أن الروياني يرجح هذا وحكاه من نص الشافعي ﵀ في كتاب الإمامة وعلله بأنها أشق وليس كذلك فالذي رجحه في البحر وحكاه عن النص في كتاب الإمامة التفرقة بين أن يعلم من نفسه القيام بحقوق الإمامة فيكون أفضل أو لا فالأذان أفضل ما علمه قال في هادي النبيه: والثالث هما سواء والرابع إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة وجميع خصالها فهي أفضل وإلا فالأذان أفضل وقد نص الشافعي في الأم على كراهة الإمامة للضمان وما على الإمام فيها هذا نصه (١). سؤال: لما كان النبي ﷺ يؤم ولا يؤذن؟ فقال النيسابوري وغيره: لأنه لو أذن لكان كل من يخلف عن الإجابة يكون كافرا قال النيسابوري ولأنه كان داعيا فلم يجز أن يشهد لنفسه وقال غيره: لو أذن وقال أشهد أن محمدا رسول الله لتوهم أن هناك نبيا غيره وقيل لأن الأذان رآه غيره في المنام فوكله إلى غيره وأيضا كان ﷺ لا يتفرغ من إليه من أشغاله وأيضا قال ﷺ الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن فدفع الأمانة إلى غيره (٢) وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: إنما لم يؤذن لأنه كان إذا عمل

стр. 1333

عملا أثبته أي جعله ديمة وهو كان لا يتفرغ لذلك لاشتغاله بتبليغ الرسالة وهذا كما قال عمر ﵁: لولا الخلافة لأذنت، قال: وأما من قال أنه امتنع لئلا يعتقد أن الرسول غيره فخطأ لأنه ﷺ كان يقول في خطبته وأشهد أن محمدا رسول الله (١). تنبيه: وقد أذن رسول الله ﷺ مرة في سفر، رواه الترمذي (٢) وقال بعض الشراح: لم يؤذن وإنما أمر بالتأذين فنسب إليه وقد جاء مصرحا بالأمر به في مسند الإمام أحمد في تلك الواقعة بذلك السند (٣) والله أعلم قاله في شرح الإلمام. فائدة: اعلم أن ألفاظ الأذان مشهورة قال العلماء والأذان تسع عشرة كلمة والترجيع عندنا سنة وهو أنه إذا قال بعال صوته الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر قال سرًّا بحيث يسمع نفسه ومن بقربه أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله ثم يعود إلى الجهر وإعلاء الصوت فيقول أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، والحكمة في الترجيع أنه يقول سرا بتدبر وإخلاص والتثويب عندنا أيضا سنة وهو أن يقول في أذان الصبح خاصة بعد فراغة من حي على الفلاح الصلاة خير من النوم الصلاة

стр. 1334

خير من النوم وقد جاءت الأحاديث بالترجيع والتثويب وهي مشهورة واعلم أنه لو ترك الترجيع والتثويب صح أذانه وكان تاركا للأفضل (١). تتمة: اختلف العلماء في لفظ الإقامة فالمشهور من مذهبنا الذي تظاهرت عليه نصوص الشافعي وقال أحمد وجمهور العلماء إن الإقامة إحدى عشرة كلمة الله أكبر الله أكبر الله أكبر إلى آخره، وقال مالك هي عشر كلمات فلم يثن لفظ الإقامة وهو قول قديم للشافعي، ولنا قول شاذ أنه يقول في الأول الله أكبر وفي الأخير الله أكبر ويقول: قد قامت الصلاة مرة فيكون ثماني كلمات، والصواب الأول، وقال أبو حنيفة الإقامة تسع عشرة كلمة يثنيها كلها ودليله ما تقدم، قال الخطابي: مذهب جمهور العلماء والذي جرى به العمل في الحرمين والحجاز والشام واليمن ومصر والمغرب إلى أقصى بلاد الإسلام أن الإقامة فرادى مع تكرر قوله قد قامت الصلاة إلا مالكا فإن المشهور عنه أنه لا يكررها (٢). تنبيه: الحكمة في إفراد الإقامة وتثنية الأذان أن الأذان لإعلام الغائبين فيكرره ليكون أبلغ في إعلامهم والإقامة للحاضرين فلا حاجة لتكرارها، ولهذا يرفع صوته في الأذان بخلاف الإقامة، وإنما كرر لفظ الإقامة خاصة لأنه مقصودها (٣).

стр. 1335

واعلم أن الأذان والإقامة سنتان عند الشافعية على المذهب الصحيح المختار وسواء في ذلك أذان الجمعة وغيرها أي من سنن الكفاية لأمره ﷺ بذلك والمواظبة عليه ودلت الأخبار على أنه ليس بفرض عين ولا كفاية ولأن النبي ﷺ لم يأمر بهما الأعرابي في حديث المسيء صلاته مع ذكره الوضوء والاستقبال وجمع النبي ﷺ بي صلاتين فترك الأذان للثانية والجمع بين صلاتين سنة فلو كان الأذان واجبا لما تركه لأجل سنة، وقال بعض أصحابنا فرض كفاية في الجمعة دون غيرها، فإن قلنا فرض كفاية فتركه أهل بلد أو محلة قوتلوا على تركه، وإن قلنا سنة لم يقاتلوا على المذهب الصحيح المختار كما لا يقاتلون على سنة الظهر وغيرها، وقال بعض أصحابنا: يقاتلون لأنه شعار ظاهر، أ. هـ؛ قاله النووي (١). فائدة: وشرط المؤذن: الإسلام فلا يصح أذان الكافر لأنه ليس من أهل الصلاة فلا يكون داعيا إليها، والتمييز لأن غير المميز ليس من أهل العبادة والعقل، ولذلك لا يصح أذان السكران الذي لا تمييز له في الأظهر كالمجنون، والذكورة فلا يصح أذان المرأة والخنثى للرجال قياسا على إمامتهما لهم، فلو بانت ذكورة الأنثى بعد أذانهما فالوجه إجزاؤه، ويشترط أيضا أن يكون عارفا بالوقت إذا كان راتبا (٢)، قال النووي: "ووقع في كلام بعضهم أنه مستحب وهو مؤول" (٣)، ويستَحب أن يكون حرًّا بالغًا لما روى البيهقي أن عمر ﵁ قال

стр. 1336

لقيس بن أبي حازم التابعي الجليل: من مؤذنوكم؟ قال: مؤذنونا كذا وعبيدنا، فقال: إن ذلك لنقص كبير، ويصح أذان الأعمى لكن يكره إذا لم يكن معه بصير (١)، ومن شرط الأذان الوقت لأنه إعلام به فلا يصح قبله اتفاقا إلا الصبح فمن نصف الليل وفيه أقوال، الخامس منها: أنه من السحر قبيل طلوع الفجر وصححه النووي تبعا للقاضي والبغوي والمتولي، وضبطه بين الفجر الكاذب والصادق لأنه المنقول عن بلال ﵁ (٢) والله أعلم. ٣٦٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا نُودي بِالصَّلَاةِ أدبر الشَّيْطَان وَله ضراط حَتَّى لا يسمع التأذين فَإِذا قضي الأذَان أقبل فَإِذا ثوب أدبر فَإِذا قضي التثويب أقبل حَتَّى يخْطر بَين الْمَرْء وَنَفسه يَقُول اذكر كَذَا اذكر كَذَا لما لم يكن يذكر من قبل حَتَّى يظل الرجل مَا يدْرِي كم صلى، رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (٣)، قَالَ الْخطابِيّ ﵀ التثويب هُنَا الإِقَامَة والعامة لا تعرف التثويب إِلَا قَول الْمُؤَذّن فِي صَلَاة الْفجْر الصَّلاة خير من النّوم وَمعنى التثويب الإِعْلَام بالشَّيْء والإنذار بِوُقُوعِهِ وَإِنَّمَا سميت الإِقَامَة تثويبا لِأَنَّهُ إِعْلَام بِإِقَامَة الصَّلَاة وَالأَذَان إِعْلَام بِوَقْت الصَّلَاة. قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.

стр. 1337

قوله ﷺ : "إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين"؛ لطيفة: شبه إشغال الشيطان نفسه وإغفالها عن سماع التأذين بالصوت ثم سماه ضراطًا تقبيحًا له (١)، وقيل: إن الحمار إذا كان حمله ثقيلا جدا أو يعدو يخرج منه الضراط لثقل الحمل وشدة العدو، وكذلك الشيطان يخرج منه الضراط لثقل الأذان عليه وهو مثل معنى يثقل عليه الأذان كما يثقل على أحدكم الحمل حتى يخرج منه الضراط، انتهى، قاله في شرح المصابيح (٢)؛ قال العلماء ﵃: وإنما أدبر الشيطان عند الأذان لئلا يسمعه فيضطر إلى أن يشهد له بذلك يوم القيامة لقوله ﷺ : "لا يسمع قول المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة" قال القاضي عياض: وقيل: إنما يشهد له المؤمنون من الجن والإنس فأما الكافر فلا شهادة له ولا يقبل هذا من قائله لما جاء في الآثار من خلافه، وقيل: هذا فيمن تصح منه الشهادة فمن يسمع، وقيل: بل هو عام في الحيوان والجماد وأن الله تعالى يخلق لهما ولما لا يعقل من الحيوان إدراكًا للأذان وعقلا ومعرفة، وقيل: إنما يدبر الشيطان لعظم أمر الأذان لما اشتمل عليه من قواعد التوحيد وإظهار شعائر الإسلام وإعلانه، وقيل: ليأسه من وسوسة الإنسان عند الإعلان بالتوحيد قاله النووي في شرح مسلم (٣).

стр. 1338

تنبيه: فإن قلت كيف يهرب الشيطان عند الأذان ولا يهرب عند الصلاة فيهما قراءة القرآن؟ قلت: لما يرى من أنها إنفاق الكل على الإعلان بشهادة التوحيد وإقامة شعار الشريعة ومن نزول الرحمة العامة عليهم ومن يأسه أن يردهم عما أعلنوا، وقيل: لا فلا يضطر إلى الشهادة لابن آدم بشهادة اعترافه بالوحدانية يوم القيامة كما تقدم، قاله الكرماني (١). فائدة: روى النسائي في آخر سننه الكبرى من حديث الحسن عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل فإذا تغولت لكم الغيلان فبادروا بالأذان" (٢) قال النووي ﵀ (٣): ولذلك ينبغي أن يؤذن أذان الصلاة إذا عرض للإنسان شيطان لما روي مسلم عن سهيل بن أبي صالح أنه قال: أرسلني أبي إلى بني حارثة ومعي غلاء لنا أو صاحب لنا فناداه مناد من حائط باسمه فأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئا فذكرت ذلك لأبي فقال: لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك ولكن إذا سمعت صوتا فناد بالصلاة فإني سمعت أبا هريرة حدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا الشيطان إذا نودي بالصلاة أدبر" (٤) انتهى، قاله في حياة الحيوان (٥).

стр. 1339

قوله ﷺ : "فإذا قضى الأذان أقبل فإذا ثوب أدبر فإذا قضى التثويب أقبل" قال الحافظ نقلا عن الخطابي المراد بالتثويب هنا الإقامة ومعنى التثويب الإعلام بالشيء والإنذار بوقوعه، وإنما سميت الإقامة تثويبا لأنه إعلام بإقامة الصلاة والأذان إعلام بوقت الصلاة، انتهى، مأخوذ من قولهم ثاب إذا رجع (١). قوله ﷺ : "حتى يخطر بين المرء ونفسه" الحديث، يخطر بضم الخاء وكسرها هما لغتان حكاهما القاضي عياض في المشارق (٢)، قال: ضبطناه عن المتقنين بالكسر وسمعناه من أكثر الرواة بالضم، قال: والكسر هو الوجه في هذا ومعناه أنه يوسوس ومنه رمح خطا رأى ذو اضطراب وهو من قولهم خطر الفحل بذنبه إذا حركه فضرب به فجذبه، وفسره الخليل بهذا وأما بضم الطاء فمن السلوك والمرور أي يدنوا منه فيمن بين نفسه وبينه وبين قلبه فيذهله عما هو فيه، وبهذا فسره الشارحون للموطأ وغيره (٣). تنبيه: قوله ﷺ : "حتى يخطر بين المرء وبين نفسه" أو قال "قلبه"، فإن قلت: كيف يتصور خطورة بين المرء ونفسه وهما عبارتان عن شيء واحد؟ قلت: إما أن يراد بالنفس الروح أو القلب فهو كقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (٤) وإما أن يكون تمثيلا لغاية القرب منه، أ. هـ. قاله الكرماني (٥).

стр. 1340

قوله ﷺ : "حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى" وظل هنا بالظاء القائمة المفتوحة بمعنى يصير كما في قوله تعالى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (١) كذا رواهما فيها وكذا قال الداودي، وقيل: يظل هاهنا يبقى ويدوم كما قال ظللت ردائي فوق رأسي قاعدا، وحكى الداودي أنه روى يضل بكسر الضاد وهو من الضلال وهو التحير والكسر في المستقبل أشهر كما قال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٢) أي تنسى وهو صحيح والضلال النسيان أيضًا وهذا التفسير يأتي على رواية مالك في كتابه فإنه إنما ذكره هو بالظاء بمعنى يصير وهو أليق بالكلام أهـ، قاله عياض (٣). والمقصود أن الشيطان يسهيه في صلاته. ٣٦٩ - وَعَن جَابر ﵁ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: "إِن الشَّيْطَان إِذا سمع النداء بِالصَّلَاةِ ذهب حَتَّى يكون مَكَان الروحاء"، قَالَ الرَّاوِي والروحاء من الْمَدِينة على سِتَّة وَثلاثِينَ ميلًا رَوَاهُ مُسلم (٤). قوله: عن جابر هو جابر بن عبد الله الصحابي بن الصحابي كنيته أبو عبد الله وقيل أبو عبد الرحمن وقيل أبو محمد جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بالراء بن الخزرج الأنصاري السلمي المدني هو أحد المكثرين الروايات عن

стр. 1341

رسول الله ﷺ كما تقدم روي له عن رسول الله ﷺ ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعون حديثا اتفق البخاري ومسلم منها على ستين حديثًا وانفرد البخاري بستة وعشرين حديثًا ومسلم بمائة وستة وعشرين حديثا توفي جابر بالمدينة سنة ثلاث وسبعين. وقيل سنة ثمان وسبعين وهو ابن أربع وتسعين سنة وكان قد عمى بصره في آخر عمره ومناقبه كثيرة مشهورة فحيث أطلق جابر في كتب الحديث فهو جابر بن عبد الله هذا وإذا أرادوا جابر بن سمرة قيدوه بسمرة (١) والله أعلم. قوله ﷺ : "إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء" قال الراوي: والروحاء من المدينة على ستة وثلاثين ميلا رواه مسلم قاله المنذري، وقال غيره من العلماء والروحاء بفتح الراء والحاء المهملتين والمد وهي موضع من عمل الفرع بضم الفاء وإسكان الراء المهملة من عمل المدينة وقيل اسم بلد وبينها وبين مدينة رسول الله ﷺ ستة وثلاثون ميلا كما ذكره الراوي في صحيح مسلم (٢). وحكى صاحب المطالع أن بينهما أربعين ميلًا وأن في كتاب ابن أبي شيبة بينهما ثلاثين ميلا كما تقدم (٣)، روي أنه كان لبني سليم معدن لا يزال يصاب فيهم الإنسان من قبل الجن فشكوا ذلك إلى زيد بن أسلم فأمرهم بالأذان فيه وأن

стр. 1342

يرفعوا به أصواتهم ففعلوا فانسلخ ذلك عنهم (١) قاله في شرح مشارق الأنوار. ٣٧٠ - وَعَن مُعَاوِيَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول المؤذنون أطول النَّاس أعناقا يَوْم الْقِيَامَة، رَوَاهُ مُسلم (٢) وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ (٣). قوله: عن معاوية هو معاوية بن أبي سفيان تقدم الكلام مبسوطًا. قوله ﷺ : "المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة" الحديث، هذا عام أريد به الخصوص فلا يدخل فيه الأنبياء ونحوهم بل يحمل على أنهم أطول الأمة فى ذلك فأما الأنبياء والعلماء والأولياء والشهداء فلهم مراتب أخرى أعلى من ذلك ولا يلزم من اتصافهم بوصف أن لا يفوقهم غيرهم في أوصاف أخر (٤). قوله ﷺ : "أعناقًا"، هو بفتح الهمزة على المشهور وهو جمع عنق واختلف السلف والخلف في معناه فقيل معناه أكثر الناس تشوفا إلى الله

стр. 1343

تعالى لأن المتشوف يطيل عنقه لما يتطلع إليه فمعناه كثرة ما يرونه من الثواب (١) وقيل معناه أكثر الناس رجاء يوم القيامة لأن من رجا شيئا مد عنقه إليه (٢)، وقال ابن الأعرابي معناه أكثر الناس أعمالا وقالوا فلان عنق من الخير أي قطعه (٣) وقيل هو من طول الأعناق حقيقة لأن الناس يوم القيامة إذا كانوا في الكرب والعرق والازدحام منهم من يلحقه العرق ومنهم من يبلغ شحمة أذنه ومنهم من يعلوه فوق رأسه كان المؤذنون يومئذ أطول الناس رقابا وأرفعهم رؤوسا مشرئبين أي رافعي رؤوسهم لأن يؤذن لهم في دخول الجنة مجازاة لهم على ليهم أعناقهم يمينا وشمالا في الحيعلتين (٤). قال الشيخ شرف الدين الدمياطي: قلت ويحتمل أعناقهم لا تزيد طولا وإنما هو لعلو مكانهم وأنهم يكونون يوم القيامة على كثيب المسك والناس في أرض المحشر كما سيأتي في حديث ابن عمر "فرؤوس الناس مستوية" الاستواء موقفهم وطولهم فهم يشرفون على الناس بطولهم وأعناقهم بعلو مكانهم وارتفاع مما تحت أرجلهم وهذا ليس ببعيد (٥) وقيل معناه أكثر الناس أتباعا يقال فلان جاء في عنق من الناس أي في جماعة كثيرة ومنه قوله تعالى

стр. 1344

﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] أي جماعاتهم أي المؤذنون أكثر الناس أتباعا وهم من أجابوه إلى الصلاة (١) وقيل معناه أنهم سادة رؤساء والعرب تصف السادة بطول الأعناق (٢) وقيل طول العنق كناية عن علو درجته وأنافته على غيره إذ العرب تصف السادة بطول الأعناق كما تقدم كما أن خضوع العنق وانكساره كناية عن الحيرة والهوان والهيم (٣) أو وصفهم بطول الأعناق لأنهم مشرئبون يومئذ تحقيقا لطمعهم في دخول الجنة (٤) وأن من رجى شيئًا طال إليه عنقه وهو وجه حسن لما فيه من المطابقة بين المؤذنين وبين ما وصفوا به وذلك لأنهم يمدون أعناقهم إذا رفعوا أصواتهم بالأذان فيجازون في القيامة بما يناسب حالهم في العبادة وهو أن الناس يكونون في الكرب وهم في الروح أي الرحمة فيشرئبون أن يؤذن لهم في دخول الجنة (٥). وفي جميل الغرائب تفسيره الدنو من رحمة الله تعالى (٦)، وفي نوادر الأصول "المؤذنون هم دعاة إلى الله" فزيدوا على الناس مرتبة بطول أعناقهم ليشرفوا على الناس بأعناقهم وهذا الطول عندنا في شخصهم وخيالهم فأما نفس الخلقة فحيث خلقها الله من جنس خلق أهل الجنة (٧)، ورواه بعضهم

стр. 1345

إعناقا بكسر الهمزة أي أكثر إسراعا إلى الجنة ومنه الحديث: "لا يزال المؤمن معنقا صالحا ما لم يصب دما حرامًا" أي مسرعا في طاعته منبسطا في عمله والأعناق والعنق السير بسرعة وقال بعضهم العنق الخطو الفسيح ومنه أيضا الحديث الثابت عن رسول الله ﷺ "أنه كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص" والنص فوق العنق (١). ٣٧١ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "لَو أَقْسَمت لبررت إِن أحب عباد الله إِلَى الله لرعاة الشَّمْس وَالْقَمَر يَعْنِي المؤذنين وَإِنَّهُم ليعرفون يَوْم الْقِيَامَة بطول أَعْنَاقهم"، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأَوْسَط (٢). قوله عن أنس تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لو أقسمت لبررت" القسم الحلف.

стр. 1346

قوله: لبررت ومعناه لم أحنث في حلفي. قوله ﷺ : "إن أحب عباد الله إلى الله لرعاة الشمس والقمر" يعني المؤذنين وإنهم ليعرفون بطول أعناقهم تقدم الكلام على ذلك في حديث معاوية. ٣٧٢ - وَعَن ابْن أبي أوفى ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "إِن خِيَار عباد الله الَّذين يراعون الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم لذكر الله" رَواهُ الطَّبَرَانِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَزَّار وَالْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح الإِسْنَاد ثمَّ رَوَاهُ مَوْقُوفًا وَقَالَ: هَذَا لَا يفْسد الأول لِأَن ابْن عُيَيْنَة حَافظ وَكَذَلِكَ ابْن الْمُبَارك انْتهى، وَرَواهُ أَبُو حَفْص بن شاهين وَقَالَ تفرد بِهِ ابْن عُيَيْنَة عَن مسعر وَحدث بِهِ غَيره وَهُوَ حَدِيث غَرِيب صَحِيح (١). قوله: عن ابن أبي أوفى الصحابي ابن الصحابي كنيته أبو إبراهيم وقيل: أبو محمد وقيل: أبو معاوية عبد الله بن أبي أوفى واسم ابن أبي اوفى علقمة وقيل:
следующие страницы →