← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 1377–1416 · переход к 1382.

стр. 1377

تعالى الرحمة، قال إسماعيل السدي: قال بنو إسرائيل لموسى ﵊: أيصلي ربنا فكبر ذلك على موسى ﵇ فأوحى الله تعالى إليه أن قل لهم: إني أصلي، صلاتي رحمتي (١)، والمراد بالوسيلة هنا: منزلة في الجنة كما في الحديث، وإنما سميت الوسيلة لأنها منزلة يكون الواصل إليها قريبا من الله تعالى فائزا بلقائه فيكون كالوصلة التي يتوصل بالوصول إليها والحصول فيها إلى الزلفى من الله تعالى (٢)، وروى الإمام أحمد من طريق ابن لهيعة عن موسى بن وردان قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله ﷺ : "الوسيلة درجة عند الله ليس فوقها درجة فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة" (٣) وجاء في الحديث: "إنها درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد وأرجوا أن أكون أنا هو". فقوله ﷺ : "وأرجوا أن أكون أنا هو" يجوز أن يكون قد قال ذلك على وجه التواضع (٤)، ويحتمل أن يكون إذ ذاك لم يقطع بذلك لنفسه. قوله ﷺ : "فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة" يروي: "حلت له

стр. 1378

الشفاعة" ويروي "حلت عليه الشفاعة" فمن رواها باللام فمعناها: حصلت له، ومن رواها بعلى فمعناه وقعت عليه شفاعتي، قاله في حادي الأرواح (١)، وقال بعضهم في قوله: "حلت له الشفاعة" أي: استحقت لأن من كان الشيء حلاله كان مستحقًا لذلك (٢)، وقال في الديباجة: "حلت له الشفاعة" أي: وجبت، وقيل: نالته ونزلت به (٣)، وقال بعضهم أيضًا في قوله: "حلت له شفاعتي" معناه: غشيته وحلت عليه لأنها كانت حراما عليه قبل ذلك، واللام هنا بمعنى على، وذلك موجود في القرآن، قال الله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ (٤) يعني على الأذقان سجدًا (٥). وقوله ﷺ : "حلت" من حل يحل بالكسر أي: وجب حل يحل بالضم أي نزل (٦) وكأنها لزمته ولم تنفصل عنه، ويؤيده التعدية بعلى، وسبب ذلك الإيمان بها والتصديق بمقتضاها وتأكيده بالسؤال لها (٧) والله أعلم. وفي هذا الحديث إثبات الشفاعة للأمة صالحا وطالحا لزيادة الثواب أو إسقاط العذاب، وفيه حجة على المعتزلة حيث خصصوها بالمطيع لزيادة

стр. 1379

درجاته فقط (١)، قال العلماء: له ﷺ شفاعات متعددة يوم القيامة، أولاها: تخليص الناس من هول الموقف فهذه الشفاعة يندرج فيها الخليل والكليم، الثانية: في تخليص الناس من دخول النار، بعد أن استوجبوها، والثالثة: في إدخال قوم إلى الجنة بغير حساب، الرابعة: في إخراج الموحدين من النار وأنكرت المعتزلة هذه الرابعة وقالوا بتخليد أهل الكبائر ويكفي في إبطال ما ذهبوا إليه قوله ﷺ : "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"، والخامسة: في زيادة الدرجات في الجنة، والسادسة: قوله لعمه أبي طالب في التخفيف عنه وقال: لعله تنفعه شفاعتي فتجعل في ضحضاح من نار تبلغ كعبيه يغلى منه دماغه، فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ (٢) قيل: لا تنفع في الخروج من النار (٣)، وسيأتي الكلام على الشفاعة أطول من هذا في بابه آخر الكتاب إن شاء الله تعالى. ٣٩٠ - وَعَن عمر بن الخطاب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا قَالَ الْمُؤَذّن الله أكبر الله أكبر فَقَالَ أحدكُم الله أكبر الله أكبر ثمَّ قَالَ أشهد أَن لا إِلَه إِلَا الله قَالَ أشهد أَن لا إِلَه إِلَا الله ثمَّ قَالَ أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله قَالَ أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ثمَّ قَالَ حَيّ على الصَّلاة قَالَ لا حول وَلا قُوَّة إِلَا بِالله ثمَّ قَالَ حَيّ على الْفَلاح قَالَ لا حول وَلا قُوَّة إِلَا بِالله ثمَّ قَالَ الله أكبر الله أكبر قَالَ الله

стр. 1380

أكبر الله أكبر ثمَّ قَالَ لا إِلَه إِلَا الله قَالَ لا إِلَه إِلَا الله من قلبه دخل الْجنَّة" رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (١). قوله: عن عمر بن الخطاب، تقدم الكلام علي مناقبه مبسوطا في أوائل هذا التعليق. قوله ﷺ : "إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر" إلى أن قال: "ثم قال حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله" الحديث، قال النووي: وريناه في كتاب ابن السني عن معاوية قال: كان النبي ﷺ إذا سمع المؤذن يقول حي على الفلاح، قال: "اجعلنا مفلحين" (٢) وفي شرح المهذب وفي محيط الحنفية يقول في الحيعلة الأولى: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وفي الثانية: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لأن إعادة الحيعلتين يشبه المحاكاة (٣)، ومعنى: حي على الصلاة أي تعالوا على الصلاة وأقبلوا

стр. 1381

إليها قال: وفتحت الياء لسكونها وسكون الياء السابقة المدغمة (١)، وقال في النهاية (٢): أي هلموا إليها وأقبلوا وتعالوا مسرعين، ومعنى: حي على الفلاح، أي: هلموا إلى الفلاح وهو الفوز والنجاة والبقاء الدائم (٣)، وقال بعض العلماء: الفلاح الظفر بالمطلوب والنجاة من المرهوب (٤)، وقال في النهاية: الفلاح البقاء والفوز والظفر وهو من أفلح كالنجاح من أنجح أي هلموا إلى سبب البقاء في الجنة والفوز بها وهو الصلاة والجماعة، ومنه حديث الخليل: "من ربطها عدة في سبيل الله فإن شبعها وجوعها وريعها وأظفارها وأرواثها وأبوالها فلاح في موازينه يوم القيامة" أي: ظفر وفوز (٥)، وقال بعض العلماء: ليس في كلام العرب كلمة أجمع للخير من لفظة الفلاح (٦)، أي: أقبلوا على سبب الفوز في الآخرة من النجاة من النار والبقاء في الجنة (٧)، وقال الزمخشري في الكشاف: والمفلح الفائز بالبغية كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه، والمفلج بالجيم مثله، ومنه قولهم للمطلقة: استفلجي بأمرك بالحاء والجيم، والتركيب دال على معنى الشق

стр. 1382

والفتح (١)، والفلح بفتح الفاء واللام لغة في الفلاح حكاها الجوهري (٢)، وقال في مختصر الكفاية: ولأن الحيعلة دعاء، فلو قالها السامع، لكان الناس كلهم دعاة، فمن يبقى المجيب؛ فحسن من السامع الحوقلة (٣) وتسمى الحيعلة والحولقة والحوقلة وهي عبارة لا حول ولا قوة إلا بالله، ومثله قولهم الحمدلة إشارة إلى الحمد لله، والبسملة وهي إشارة إلى بسم الله، والهيللة وهي لا إله إلا الله، والسبحلة وهي سبحان الله (٤)، قال الروياني: ويقول لا حول ولا قوة إلا بالله مرتين مرة عند حي على الصلاة ومرة عند حي على الفلاح لأنه ظاهر التثنية، قال: ويحتمل خلافه (٥) والله أعلم. وأما الحولقة والحوقلة كما تقدم فإنها كنز من كنوز الجنة كما ورد في السنن، وقد ألف في فضل ذلك الأحاديث كتابا ليس له نظير، وكذلك تكلم عليه ابن عبد البر في مقاصد الصلاة بما يتعين الوقوف عليه والله أعلم. ومعنى: لا حول ولا قوة إلا بالله، قال الهروي وغيره: الحول الحركة، أي: لا حركة ولا قوة إلا بالله، وقيل: لا حول عن معصية الله تعالى إلا بعصمته ولا قوة على طاعته إلا بمعونته، وقيل: لا حول في دفع شر ولا قوة

стр. 1383

في تحصيل خير إلا بالله، وحكى هذا عن ابن مسعود (١) وفي الصحاح لغة غريبة ضعيفة لا حيل ولا قوة إلا بالله بالياء بدل الواو يقال: والحيل والحول بمعنى (٢). تنبيه: في إعراب لا حول ولا قوة إلا بالله -يجوز فيه خمسة أوجه، أحدها: فتح اللام وتاء التأنيث بلا تنوين، والثاني: فتح الأول ونصب الثاني منونا، والثالث: رفعهما بالتنوين، والرابع: فتح الأول ورفع الثاني منونا، والخامس: عكسه (٣)، والله أعلم. قوله ﷺ : "ثم قال لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة" إشارة إلى قصد الإخلاص، فلا يدخل المرائي وكذا العاصي ونحوه. وقوله ﷺ : "دخل الجنة" محمول على من لم يتعلق بمظالم العباد والكبائر إلا أن يتوب أو يكون جاء بعد المقاصة أو بعفو الله أو برضا غرماءه كما في نظير هذا الحديث، وقد جاء في الصحيح: "حتى إذا هذبوا ونقوا" (٤) "يقال: تواهبوا فيما بينكم وادخلوا الجنة برحمتي" (٥)، قال القاضي عياض: وإنما حاز المجيب هذا الثواب العظيم لأن ذلك توحيد وثناء على الله تعالى

стр. 1384

وانقيادًا لطاعته وتفويض إليها بقوله لا حول ولا قوة إلا بالله، فمن حصل هذا فقد حاز حقيقة الإيمان مشتملة على نوعيه من العقليات والسمعيات، والأول: إثبات الذات مما يستحب من الكمال والتنزيه عن ضد ذلك، وذلك بقوله: الله أكبر، وهذه الأمور السابقة دالة على ما ذكرناه، ثم صرح بإثبات الوحدانية مع نفي ضدها من الشرك المستحيل في حقه ، وهذه عمدة الإيمان والتوحيد المقدمة على كل تصانيف الدين، ثم صرح بإثبات النبوة والشهادة بالرسالة لنبينا محمد ﷺ وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية وموضعها بعد التوحيد لأنها دليل الأفعال الجائزة الوقوع وتلك المقدمات من باب الواجبات وبعد هذه الواجبات كملت العقائد العقليات فيما يجب ويستحيل ويجوز في حقه ، ثم دعا إلي ما دعاهم إليه من العبادات فدعاهم إلى الصلاة وحقها بعد إثبات النبوة لأنه معرفة وجوبها من جهة النبي ﷺ لا من جهة العقل، ودعاهم إلى الفلاح وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم، وفيه: إشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء وهي آخر عقائد تراجم الإسلام، ثم كرر ذلك بإقامة الصلاة للإعلام بالشروع فيها وهو متضمن لتأكيد الإيمان، وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان وليدخل المصلي فيه على بينة من أمره وتعبيره من إيمانه، ويستشعر عظيم ما دخل فيه وعظمة حق من يعبده وجزيل ثوابه (١) والله أعلم، قاله في شرح الإلمام.

стр. 1385

٣٩١ - وَعَن جَابر بن عبد الله ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من قَالَ حِين يسمع النداء اللَّهُمَّ رب هَذِه الدعْوَة التَّامَّة وَالصَّلاة الْقَائِمَة آت مُحَمَّدًا الْوَسِيلَة والفضيلة وابعثه مقَاما مَحْمُودًا الَّذِي وعدته حلت لَهُ شَفَاعَتِي يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (١) وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه الْكُبْرَى وَزَاد فِي آخِره إِنَّك لا تخلف الميعاد (٢). قوله: عن جابر، تقدم الكلام على ترجمته. قوله ﷺ : "من قال حين يسمع النداء" أي: الأذان أي بعد الإجابة، وقد جاء مصرحًا في الحديث. قوله ﷺ : "اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة" إلى آخره، فقوله: "اللهم" أصله يا الله فحذفت ياءه وعوض عنها الميم، ولهذا لا يجوز الجمع بينهما (٣)، قوله: "رب هذه الدعوة التامة" الدعوة: بفتح الدال هي دعوة الأذان، وسميت بهذا لكمالها وعظيم موقعها وسلامتها من نقص يتطرق إلى غيرها (٤)، وإنما وصفها بالتمام لأنها ذكر الله يدعو بها إلى عبادته، وهذه الأشياء وما يشبهها هي التي تستحق صفة الكمال والتمام،

стр. 1386

وما سواها من أمور الدنيا معرض للنقص والفساد أو لأنها محمية عن النسخ والإبدال وعملها باقية إلى يوم التناد (١). قوله ﷺ : "والصلاة القائمة" أي: التي ستقوم أي تقام وتفعل بصفاتها (٢). قوله ﷺ : "آت محمدًا" فهذا هو الأولى لأن مقام دعاء مقام ذلة وخضوع فلا تقول: آت سيدنا محمد على أن حقيقة هذا المقام لمن كثرت خصاله المحمودة فهو أعلى ما يذكر، وفيه مناسبة للمقام المحمود، وهذه فضيلة الذكر عند ذكره في الصلاة عليه، وهل الأولى سلوك الأدب أو امتثال الأمر ولكل منهما وجهة. قوله ﷺ : "الوسيلة" والوسيلة درجة في الجنة لا تنبغي إلا له، والوسيلة: أصلها ما يتوصل إلى الشيء، والجمع: وسائل، والمراد بها القرب من الله تعالى، وقيل: الوسيلة منزلة في الجنة، ففي صحيح مسلم وفي شرح التنبيه للعيني: الوسيلة قبتان على أعلى عليين أحدهما من لؤلؤة بيضاء يسكنها محمدا وآله، والأخرى من ياقوتة صفراء يسكنها إبراهيم ﵇ وآله، انتهى. وقال في حادي الأرواح عن الوسيلة (٣): وسميت درجة النبي ﷺ الوسيلة لأنها أقرب الدرجات من الرب ﵎ وهي أقرب الدرجات إلى الله تعالى كما تقدم، ومعنى الوسيلة: من الوصلة ولهذا كانت أفضل الجنة

стр. 1387

وأشرفها نورًا، ولما كان رسول الله ﷺ أعلى الخلق عبودية لربه وأعظمهم له محبة وأعلمهم وأشدهم له خشية كانت منزلته أقرب المنازل إلى الله تعالى وهي أعلى درجة في الجنة كما تقدم، وأمر النبي ﷺ أن يسألوها له لينالوا بهذا الدعاء الزلفى من الله تعالى وزيادة الإيمان، وأيضًا فإن الله قدرها له أسباب، منها: دعاء أمته له بها بما نالوه على يده من الإيمان والهدى. تنبيه: قال ابن العربي في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) الآية، دليل على أنه لا بأس بطلب الدعاء من الغير وإن كان الطالب أفضل من المطلوب منه (٢)، وهذه المسألة تكلم فيها الإمام محمد بن جرير الطبري لما تكلم في قول النبي ﷺ لعمر: "سيأتيكم أمداد اليمن، فيهم أويس بن عامر، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل" رواه مسلم (٣). قوله ﷺ : "والفضيلة"، أي: المرتبة الزائدة على سائر الخلق (٤)، ووقع في الشرح والروضة والمحرر: بعد الفضيلة زيادة والدرجة الرفيعة ولا وجود لهما في كتب الحديث (٥).

стр. 1388

قوله ﷺ : "وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته" قال النووي: قوله "مقاما محمودا" ففى هذا الحديث وقع منكرًا، هكذا في البخاري وجميع كتب الحديث، فينبغي الإتيان به كذلك تأدبا مع القرآن بقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١) (٢)، وأنكر قوله معرفا في كتب الفقه، وهذا ليس بصحيح لأنه ثبت في البيهقي معرفًا، وكذا رواه ابن حبان في صحيحه عن شيخه ابن خزيمة بالتعريف أيضًا (٣)، والله أعلم، ولم يأت في آخره يا أرحم الراحمين، ووقع في شرح ابن يونس بيان التنبيه في آخر الدعاء يا أرحم الراحمين، وزاد البيهقي في آخر الحديث أيضًا: "إنك لا تخلف الميعاد" وتقدم على هذا الدعاء الصلاة عليه ﷺ كما صح، قلت: وكذا السلام، قاله في هادي التنبيه (٤). واعلم أنه جاء في حق السامع خمس سنن: الإجابة ثم الوسيلة ثم الصلاة على النبي ﷺ ثم يقول: رضيت بالله ربًّا وبمحمد ﷺ رسولًا وبالإسلام دينًا،

стр. 1389

ثم يدعو الله تعالى فإن الدعاء حينئذ لا يرد، وفي هذا الخمس المذكورة أحاديث عدة، ويشترك معه المؤذن في الأربعة الأخيرة، والله أعلم. فائدة جليلة: المقام المحمود هو مقام الشفاعة العظمى في القيامة المختصة به ﷺ ، سمي بذلك لأنه ﷺ أوتي مقاما محمودًا يحمده فيه الأولون والآخرون (١)، وقال مجاهد والطبري: المقام المحمود أن الله تعالى يجلسه على العرش (٢)، والحكمة في سؤال هذا المقام مع أنه موعود به ﷺ بوعد الله تعالى إنما هو إظهار لشرفه وكمال منزلته وعظيم حقه ورفيع ذكره وتوقيره (٣)، وهذا ظاهر في مزية الأذان والاعتناء بهذا الدعاء بحقه ليحصل الفوز والامتنان. فائدة جليلة أيضًا: وجدوا هذا التعليق على كاتب غيره من كتاب العلم المشهور لابن دحية الكلبي وهو كتاب جليل بأمثال سمعتها من ابن طلحة أن رجلا يمنيا سأل الله تعالى أن يرى النبي ﷺ في المنام فوفقه الله لرؤيته ﷺ وألهمه الله تعالى أن قال: يا رسول الله علمني كلمات أدخل بها الجنة فقال ﷺ : "عليك بمؤذن إيلياء" فاستيقظ الرجل فرحا وسافر إلى إيلياء فاجتمع بمؤذنها فأخبره بالمنام فقال له المؤذن: إني أقول بعد فراغ كل أذان: (أبدًا أبدًا لا إله إلا الله عليها أحيي وعليها أموت وعليها أبعث حيا إن شاء الله تعالى

стр. 1390

أشهد بها مع الشاهدين وأرغم بها أنف الجاحدين ذخيرة إلى يوم الدين وأشهد أن الرسول كما أرسل وأن الكتاب كما أنزل وأن القضاء كما قدر وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (١) قال: فلم يزل يواظب عليها بقية عمره وأخبر بها جملة من العلماء فقالوا: اعتقاد صحيح ومعنى مليح غفرانك وثناؤك وإليك المصير. ٣٩٢ - وَعَن سعد بن أبي وَقاص ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من قَالَ حِين يسمع الْمُؤَذّن وَأَنا أشهد أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله رضيت بِالله رَبًّا وَبِالإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولا غفر الله لَهُ ذنُوبه" رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَأَبُو دَاوُد وَلم يقل ذنُوبه وَقَالَ مُسلم غفر لَهُ ذَنبه (٢). قوله: عن سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص مالك بن أهيب بضم الهمزة، وقيل: وهيب بن عبد بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، أحد العشرة، أسلم بعد أربعة وله سبع عشرة سنة، فتح مدائن كسرى وولاه عمر بن الخطاب العراق، هو أول من أراق دما في سبيل الله وأول من رمى

стр. 1391

سهما في سبيل الله، رمى يوم أحد ألف سهم، توفي بالعقيق على أميال من المدينة وحمل إليها سنة خمس وخمسين ومناقبه كثيرة مشهور (١). قوله ﷺ : "من قال حين يسمع المؤذن وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله" الحديث، المراد بذلك غفران الصغائر كما تقدم في نظائره، قال في حدائق الأولياء بعد سياق الحديث: قلت وأي راحة أعظم من ذلك وسعادة أبلغ مما هنالك وقد زال الخوف والقلق ونامت العين وزال الأرق (٢). ٣٩٣ - وَعَن هِلَال بن يسَاف ﵁ أَنه سمع مُعَاوِيَة يحدث أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول من سمع الْمُؤَذّن فَقَالَ مثل مَا يَقُول فَلهُ مثل أجره رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن الْحِجَازِيِّينَ لَكِن مَتنه حسن وشواهده كَثِيرَة (٣). قوله: عن هلال بن يساف، في يساف ثلاث لغات: بكسر الياء المثناة تحت وبعدها سين مهملة مفتوحة وبعد الألف فاء هكذا يقوله المحدثون، قاله صاحب المطالع، وقال أبو عبيد: ويقال إساف بكسر الهمزة، وقال غيره وهو

стр. 1392

كلام العرب (١)، قال صاحب المطالع: وقال بعضهم هو بفتح الباء لأنه لم يأت في كلام العرب كلمة أولها ياء مكسورة إلا قولهم يسار لليد (٢)، وهذا الذي قاله حكاه العزيزي في الياء اليسار في آخر كتابه (٣)؛ وسئل الشيخ أبو محمد عبد الله بن بوي: كم تم كلمة أولها ياء مكسورة فقال: لغتان قولهم يسار في اسم اليد، ويقاظ جمع يقظان، فقيل له قولهم في اسم الرجل فقال هلال بن يساف، فقال: يلحق بهما لأن الياء بدل من الهمزة في إساف ولا تكون الياء إلا مكسورة كما كانت الهمزة، قال النووي: قلت والأشهر عند أهل اللغة إساف بالهمزة، وقد ذكر ابن السكيت وابن قتيبة وغيرهما فيما يغيره الناس ويكنون فيه فقالوا: هو هلال بن إساف (٤). قوله ﷺ : "من سمع المؤذن فقال مثلما يقول فله مثل أجره" الحديث، يترتب أن يتابع عقب كل كلمة لا معها ولا يتأخر عنها، وعبر بالسامع ليؤخذ منه المستمع من باب أولى، قالوا: ولا فرق بين الاستحباب بين المتطهر والمحدث والجنب والحائض وغيرهم ممن لا مانع له، وفيه نظر لما روي من قوله ﷺ : "كرهت أن أذكر الله إلا على طهر" والتوسط أنه يستحب للمحدث دون الجنب والحائض لأنه كان يذكر الله على كل إيحانه إلا

стр. 1393

الجنابة (١) والله أعلم. قوله: من رواته إسماعيل بن عياش، تقدم. ٣٩٤ - وَرُوِيَ عَن مَيْمُونَة أَن رَسُول الله ﷺ قَامَ بَين صف الرِّجَال وَالنِّسَاء فَقَالَ يَا معشر النِّسَاء إِذا سَمِعْتُمْ أَذَان هَذَا الحبشي وإقامته فَقُلْنَ كَمَا يَقُول فَإِن لَكِن بِكُل حرف ألف ألف دَرَجَة قَالَ عمر ﵁ هَذَا للنِّسَاء فَمَا للرِّجَال قَالَ ضعفان يَا عمر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِيه نَكَارَة (٢). قوله: عن ميمونة، هي أم المؤمنين بنت الحارت بالمثلثة بن حزن ابن هلال بن عامر، تزوجها رسول الله ﷺ سنة ست أو سبع من الهجرة، روي لها عن رسول الله ﷺ ستة أربعون حديثا، خرج البخاري منها ثمانية، توفيت ﵂ بسرف بفتح السين وكسر الراء وبالفاء: موضع على عشرة أميال من مكة سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ست وستين في المكان الذي تزوجها فيه رسول الله ﷺ ، قيل: إنها آخر أزواج النبي ﷺ إذ لم يتزوج بعدها وهي أخت لبابة بضم اللام وموحدة خفيفة مكررة زوجة العباس وأم أولاده عبد الله والفضل وغيرهما، وهي أول امرأة أسلمت بعد خديجة، وكان النبي ﷺ يزورها وهي لبابة الكبرى وأختها لبابة الصغرى أم خالد بن الوليد، كانت ميمونة قبل رسول الله ﷺ تحت أبي رُهم، وقيل:

стр. 1394

تحت سخبرة بن أبي رُهم (١) والله أعلم. قوله ﷺ : "إذا سمعتم أذان هذا الحبشي وإقامته" الحديث، الحبشي هو بلال بن حمامة مؤذن رسول الله ﷺ ، تقدم الكلام على مناقبه مبسوطًا، وتقدم الكلام أيضًا على الأذان والإقامة قريبًا. قوله ﷺ : "فإن لكن بكل حرف ألف ألف درجة" قال عمر: هذا للنساء فما للرجال؟ قال: "ضعفان يا عمر"، ضعفا الشيء مثلاه مرتين. ٣٩٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فَقَامَ بِلَال ويُنَادي فَلَمَّا سكت قَالَ رَسُول الله ﷺ من قَالَ مثل مَا قَالَ هَذَا يَقِينا دخل الْجنَّة رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (٢). وَرَوَاهُ أبُو يعلى عَن يزِيد الرقاشِي عَن أنس بن مَالك (٣) وَلَفظه أَن رَسُول الله ﷺ عرس ذَات لَيْلَة فَأذن بِلَال فَقَالَ رَسُول الله ﷺ من قَالَ مثل مقَالَته وَشهد مثل شَهَادَته فَلهُ الْجنَّة.

стр. 1395

عرس الْمُسَافِر بتَشْديد الرَّاء إِذا نزل آخر اللَّيْل ليستريح. قوله: عن أبي هريرة، تقدم. قوله: فقام بلال ينادي، المراد بالنداء الأذان، وقد اختلف فيه هل هو فرض كفاية أو سنة، على وجهين: أصحهما الثاني، والمراد أنه سنة كفاية وبماذا يحصل ذلك، فقيل بانتشاره في جميع أهل ذلك المكان، فإن كانت قرية صغيرة فبحيث إنه إذا أذن واحد سمعوه كلهم وإن كانت كبيرة فيؤذن في كل ناحية واحد بحيث ينتشر في جميعهم (١)، قال الفوراني: ويسقط الفرض بأذان واحد في كل يوم وليلة، قال الإمام: ولم أر لأصحابنا إيجابه لكل صلاة، قال النووي: وهذا خلاف ظاهر، وكلام أصحابنا مقتضاه وجوبه لكل صلاة، وهذا على القول بأنه فرض كفاية وهو الصواب (٢)، ونقل عن مالك أنه فرض كفاية في مساجد الجماعات، وعند الظاهرية أنه فرض عين، وقيل: هو فرض سفرًا وحضرًا للجماعة، وقيل: هو فرض في السفر، وقال أبو حنيفة: إنه سنة مطلقًا (٣)، وقد كان الأذان أمانا من القتال فإذا لم يسمع في قرية أغير عليهم (٤)، ويستحب أن يؤذن في كل مسجد واحد وإن قربوا (٥)،

стр. 1396

واختلف هل الأذان حق للوقت أو للصلاة أو للجماعة، الصحيح الأول (١). ويستحب في الأذان أمور منها: الطهارة فيكره للمحدث وللجنب أشد (٢)، ومنها: الصوت الرفيع الحسن المتحزن (٣)، ومنها: أن يكون على موضع عال قائما (٤)، ومنها: أن يكون عدلا ثقة فقيل: إن العدالة للحر والثقة للعبد، وقيل: أن يكون عدلا في دينه ثقة في علمه بالوقت (٥)، ومنها: أن يكون بصيرًا أو معه بصير يخبره به (٦)، ومنها: أن يجعل أصبعيه في أذنيه لحديث أبي جحيفة (٧)، ومنها ألا يستدبر القبلة لما في سنن أبي داود أنه التفت في الحيعلتين يمينا وشمالا ولم يستدبر (٨)، ومنها أن يستقبل القبلة في الأذان والإقامة لحديث "إن لكل شيء شرفا وشرف المجلس ما استقبل به

стр. 1397

القبلة" (١) رواه الحاكم (٢). قوله: ورواه أبو يعلى عن يزيد الرقاشي عن أنس، أبو يعلى اسمه [أحمد بن عليّ بن المثني بن يحيى بن عيسى بن هلال التَّميميّ، أبو يعلى الموصليّ الحافظ المتوفى: ٣٠٧ هـ، قال يزيد بن محمد الأزديّ من أهل الصَّدق والأمانة والدَّين والحِلْم. غلقت أكثر الأسواق يوم موته، وحضر جنازته من الخلق أمر عظيم. وكان عاقلًا حليمًا صبورًا، حسَن الأدب، وقال أبو عَمْرو بن حمدان وذكر أبا يعلى ففضّله على الحَسَن بن سفيان، فقيل له: كيف تفضله على الحَسَن بن سفيان ومسند الحَسَن أكبر، وشيوخه أعلى؟ قال: لأنّ أبا يعلى كان يحدّث احتسابًا، والحسن كان يحدّث اكتسابًا]. ويزيد الرقاشي قد وثق على ضعفه وقد روى عن أنس بن مالك والحسن البصري وغيرهما وكان رجلًا صالحًا روى الناس عنه وليس بالقوي في الحديث، حج يزيد الرقاشي مرة وكان يبكي الليل كله وإذا مرة بجبل يقول:

стр. 1398

يا جبل تصير هباء منثورا ويبقى على يزيد الحساب، وكان يقول: رأيت النبي ﷺ في النوم فقرأت عليه سورة فلما فرغت قال: يا يزيد هذه القراءة فأين البكاء، وكان من البكائين، عطش نفسه أربعين سنة لم يفطر فيها إلا خمسة أيام، وكان يبكي على نفسه ويقول: يا يزيد إذا مت من يتصدق عليك، إذا مت من يصوم عنك، وكان إذا دخل بيته بكى وإذا جلس إلى إخوانه بكى وأبكاهم فقال له ابنه يوما: يا أبتي لم تبكي يا أبتي والله لو كانت النار خلقت لك ما زدت على البكاء، فقال: ثكلتك أمك يا بني وهل خلقت النار إلا لي ولأصحابي ولأخواننا من الجن أما تقرأ يا يبني ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)﴾ (١) أما تقرأ ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾ (٢) وجعل يبكي ويقرأ حتى تناثرت أشفار عينيه (٣). ومن كلامه: أيها المنفرد في حفرته المتخلي في قبره بوحدته المستأنس في بطن الأرض بأعماله ليت شعري بأي أعمالك استبشرت وبأي أخوانك اغتبطت ثم بكى حتى بل عمامته ثم يقول: استبشر والله بأعماله الصالحة واغتبط والله بأخوانه المتعاونين على الطاعة وكان يبكي يسقط ثم يفيق ثم يسقط فيحمل مغشيا عليه، وكان يقول: ابكوا قبل البكاء ونوحوا قبل يوم النياحة وتوبوا قبل انقطاع التوبة، إنما سمي نوحا لأنه كان نواحا فنوحوا

стр. 1399

معشر الكهول والشباب على أنفسكم، وكان يتكلم والدموع جارية على لحيته وخديه وكان يقول: إن العبد إذا وضع في قبره احتوشته أعماله ثم ينطقها الله تعالى فتقول: أيها العبد المنفرد في حفرته انقطع عنك الأخلاء والأهلون فلا أنيس لك اليوم غيرنا ثم يبكي يزيد ويقول طوبى لمن كان أنيسه صالحا والويل لمن كان أنيسه عليه [وبالا] ثم يتمثل بهذا البيت: وإنا لنفرح بالأيام نقطعها ... وكل يوم مضى يدني من الأجل وكان يقول: ليتنا لم نخلق وليتنا إذا خلقنا لم نمت، وليتنا إذا متنا لم نحاسب وليتنا إذا حوسبنا لم نعذب، وليتنا إذا عذبنا لم نخلد. دخل يزيد يوما على عمر بن عبد العزيز فقال له: عظني فقال أنت أول خليفة تموت يا أمير المؤمنين، قال: زدني. قال: لم يبق أحد من آبائك من لدن آدم إلى أن بلغت النوبة إليك إلا وقد ذاق الموت، قال زدني قال ليس بين الجنة والنار منزل والله يقول: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ (١) وأنت أبصر ببرك وفجورك فبكى عمر حتى سقط عن سريره، ولما حضرته الوفاة قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢) ألا إن الأعمال محضرة والأجور مكملة ولكل ساع ما سعى وغاية الدنيا وأهلها إلى الموت ثم بكى، وقال: يا من القبر مسكنه بين يدي الله موقفه والنار غدا مرده ماذا

стр. 1400

قدمت لنفسك ماذا أعددت لصرعك ماذا أعددت لوقوفك بين يدي ربك، وقيل له عند الموت لم تبكي؟ قال: على ما يفوتنني من قيام الليل وصيام النهار (١). قوله: عرس النبي ﷺ ذات ليلة فأذن بلال، الحديث، عرس المسافر بتشديد الراء إذا نزل آخر الليل ليستريح قاله الحافظ، وسيأتي الكلام على التعريس قريب كتاب الوتر مبسوطًا. ٣٩٦ - وَعَن جَابر بن عبد الله ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من قَالَ حِين يُنَادي الْمُنَادِي اللَّهُمَّ رب هَذِه الدعْوَة التَّامَّة وَالصَّلاة النافعة صل على مُحَمَّد وَارْضَ عني رضى لَا سخط بعده اسْتَجَابَ الله لَهُ دَعوته رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَفِيه ابْن لَهِيعَة (٢) وَسَيَأْتِي فِي بَاب الدُّعَاء بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة حَدِيث أبي أُمَامَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قوله عن جابر هو ابن عبد الله تقدم. قوله ﷺ : "من قال حين ينادي" النداء هو الأذان وتقدم. قوله ف: "اللهم رب" أصله يا الله حذفت ياؤه وعوض عنها الميم أي

стр. 1401

صاحبها وقيل المتمم لها والزائد في أهلها والعمل بها والإجابة لها قاله في النهاية (١)، ووصف هذه الدعوة بالتمام لأنها ذكر الله تعالى، قال الكرماني: ومعنى بالدعوة الأذان المشتمل على شهادة الإخلاص والرسالة ولذلك استحق الدخول في الإسلام (٢). قوله ﷺ : "والصلاة القائمة" أي التي ستقام وتفعل بصفاتها كما تقدم. قوله: صل على محمد، تقدم معنى الصلاة في عدة مواضع وسمي نبينا محمد لكثرة خصاله المحمودة وتقدم ذاك أيضا مبسوطا في الخطبة وغيرها. قوله: وارض عني رضا لا سخط بعده، الرضا ضد السخط قال قحيف العقيلي: إذا رضيت علي بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها (٣) ٣٩٧ - وَعَن عبد الله بن عمرو ﵄ أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله إِن المؤذنين يفضلوننا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ قل كَمَا يَقُولُونَ فَإِذا انْتَهَيْت فسل تعطه" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٤).

стр. 1402

٣٩٨ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَقُول إِذا سمع الْمُؤَذّن اللَّهُمَّ رب هَذِه الدعْوَة التَّامَّة وَالصَّلَاة الْقَائِمَة صل على مُحَمَّد وأعطه سؤله يَوْم الْقِيَامَة وَكَانَ يسْمعهَا من حوله وَيُحب أَن يَقُولُوا مثل ذَلِك إِذا سمعُوا الْمُؤَذّن قَالَ وَمن قَالَ مثل ذَلِك إِذا سمع الْمُؤَذّن وَجَبت لَهُ شَفَاعَة مُحَمَّد ﷺ يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبْرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (١) وَلَفظه كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا سمع النداء قَالَ اللَّهُمَّ رب هَذِه الدعْوَة التَّامَّة وَالصَّلَاة الْقَائِمَة صل على عَبدك وَرَسُولك واجعلنا فِي شَفَاعَته يَوْم الْقِيَامَة قَالَ رَسُول الله ﷺ من قَالَ هَذَا عِنْد النداء جعله الله فِي شَفَاعَتِي يَوْم الْقِيَامَة، وَفِي إسنادهما صَدَقَة بن عبد الله السمين. قوله: عن أبي الدرداء، أبو الدرداء اسمه عويمر تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "من قال إذا سمع المؤذن اللهم رب هذه الدعوة التامة" تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله. قوله: "وجبت له شفاعة محمد ﷺ " وجبت معناها حقت ولزمت وثبتت

стр. 1403

وأنه لابد منها بوعده الصادق وفي ذلك بشارة لأمته ﷺ لأنه ﷺ شافع مشفع لا ترد له شفاعة لا في حياته ولا بعد وفاته ولا في عرصات القيامة، وتقدم الكلام على الشفاعة وسيأتي الكلام عليها أيضا مبسوطا في أواخر الكلام في هذا الباب. ٣٩٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ سلوا الله لي الْوَسِيلَة فَإِنَّهُ لم يسْأَلهَا لي عبد فِي الدُّنْيَا إِلَا كنت لَهُ شَهِيدا أَو شَفِيعًا يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط من رِوَايَة الْوَليد بن عبد الْملك الْحَرَّانِي عَن مُوسَى بن أعين والوليد مُسْتَقِيم الحَدِيث فِيمَا رَوَاهُ عَن الثِّقَات وَابْن أعين ثِقَة مَشْهُور (١). ٤٠٠ - وَرَوَاهُ فِي الْكَبِير أَيْضا وَلَفظه قَالَ من سمع النداء فَقَالَ أشهد أَن لا إِلَه إِلَا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وبلغه دَرَجَة الْوَسِيلَة عنْدك واجعلنا فِي شَفَاعَته يَوْم الْقِيَامَة وَجَبت لَهُ الشَّفَاعَة" وَفِيه إِسْحَاق بن عبد الله بن كيسَان وَهُوَ لين الحَدِيث (٢).

стр. 1404

قوله: عن ابن عباس تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ "سلوا الله لي الوسيلة" الحديث، تقدم الكلام عن الوسيلة واشتقاقاتها والمراد بها في الحديث القرب من الله تعالى وقيل هي الشفاعة يوم القيامة وقيل هي منزلة من منازل الجنة وكل ما جاء في هذا الباب تقدم الكلام عليها مبسوطا. قوله: وفيه الوليد بن عبد الملك الحراني وهو مستقيم الحديث وفيه ابن أعين وهو ثقة مشهور واسم ابن أعين [موسى بن أعين الجزري، أبو سعيد الحراني مولى بني عامر بن لؤي وهو والد محمد بن موسى بن أعين، وعم الحسن بن محمد بن أعين]. قوله: في رواية الطبراني في آخر الحديث، وفيه إسحاق بن عبد الله بن كيسان وهو لين الحديث. ٤٠١ - وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا سمع الْمُؤَذّن يتَشَهَّد قَالَ وَأَنا وَأَنا" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإسْنَاد (١).

стр. 1405

قوله: عن عائشة، تقدم الكلام على مناقبها. قوله: إن رسول الله ﷺ كان إذا سمع المؤذن يتشهد قال: "وأنا وأنا" الحديث، استعمال لفظة: "وأنا" يكره إطلاقه في الشرع لأن إبليس قال: وأنا (١)، وقد صح أن النبي ﷺ لما استأذن عليه جابر وقال: "من بالباب" قال: أنا، فخرج رسول الله ﷺ وهو يقول: "أنا أنا ينكر ذلك على جابر" (٢). وقال الحريري في شرحه لملحة الإعراب (٣): يحرم على الشخص أن يقول عن نفسه نحن فعلنا لأن في ذلك نوع عظمته وليس ذلك إلا لله ، فلفظه: أنا، من غير أن يضاف إليها فلان تضمن نوع كبر كأنه يقول: أنا الذي لا أحتاج أن أسمي نفسي أو أتكبر عن تسميتها، فيكره لهذا أيضًا (٤)، ويستثني من كراهة قوله أنا مواضع منها: إذا سمع المؤذن يستحب أن يقول وأنا أشهد لأنه مقام يطلب فيه تعظيم بالشاهد، ومنها: إذا قرأ أو سمع: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٥) الآية، استحب أن يقول وأنا أشهد بما شهد الله وأستودع الله هذه الشهادة، وهذه الشهادة وديعة لي عند الله يؤديها

стр. 1406

إلىَّ يوم القيامة، كما أورد الواحدي في ذلك حديثًا في تفسيره (١)؛ ومنها: إذا بارز العدو يقول أنا فلان ليرهب عدوه، قال علي ﵁: أنا الذي سمتني أمي حيدرة؛ ومنها: إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ (٢) قال: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، وما أشبه ذلك.

стр. 1407

الترغيب في الإقامة ٤٠٢ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا نُودي بِالصَّلَاةِ أدبر الشَّيْطَان وَله ضراط حَتَّى لَا يسمع التأذين فَإِذا قضي الْأَذَان أقبل فَإذا ثوب أدبر الحَدِيث تقدم وَالْمرَاد بالتثويب هُنَا الْإِقَامَة (١). قوله: عن أبي هريرة، تقدم. قوله ﷺ : "إذا نودي بالصلاة أدبر وله ضراط حتى لَا يسمع التأذين" تقدم الكلام على ذلك وعلى الحكمة في ذلك. قوله: "فإذا ثوب أدبر" المراد بالتثويب هنا الإقامة، قاله المنذري. ٤٠٣ - وَعَن جَابر ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا ثوب بِالصَّلاةِ فتحت أَبْوَاب السَّمَاء واستجيب الدُّعَاء رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة (٢). قوله: عن جابر، هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام بفتح الحاء والراء المهملتين، الأنصاري السلمي بفتح السين واللام، يقارب إلى سلمة بكسر اللام، قال ابن الصلاح: وأكثر أهل الحديث يكسرونها في النسبة على الأصل وهو لحن، وقال غيره: هي لغة ضعيفة، كنيته: أبو عبد الله على الصحيح،

стр. 1408

وقيل: أبو عبد الرحمن، مات بالمدينة سنة ثمان وسبعين، وقيل: تسع، وقيل: غير ذلك، وكان من الكثيرين الحفاظ، وكف بصره في آخر عمره، وأبوه صحابي ممن شهد أحد، كلمه الله كفاحا، وفي الصحابة ثلاثة كلهم اسمه جابر بن عبد الله (١)، وتقدم الكلام عليه مبسوطا، قاله في شرح الإلمام. قوله ﷺ : "إذا ثوب بالصلاة فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء" سيأتي في باب الدعاء بين الأذان والإقامة المواطن التي يستحب فيها الدعاء إن شاء الله قريبا، وتقدم أن المراد بالتثويب هنا اسم لإقامة الصلاة، والأصل في التثويب: أن يجيء الرجل مستصرخا فيلوح بوثبه ويشتهر فسمى الدعاء تثويبا لذلك (٢)، وكل داع مثوب، وقيل: إنما سمي تثويب من باب يثوب إذا رجع فهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة، فإن المؤذن إذا قال: حي على الصلاة فقد دعاهم إليها، فإذا قال بعده الصلاة خير من النوم فقد رجع إلى كلام معناه المبادرة إليها، ومنه حديث بلال قال: أمرني رسول الله. ألا أثوب في شيء من الصلاة إلا في صلاة الفجر وهو قوله: الصلاة خير من النوم مرتين، قاله ابن الأثير (٣).

стр. 1409

فائدة: قال العلماء: الإقامة إحدى عشرة كلمة لحديث عبد الله بن زيد ولحديث أنس (١) الذي رواه البخاري ومسلم، قال: "أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة"، وفي رواية: "إلا الإقامة" (٢) وتكون الإقامة أخفض صوتا من الأذان لأنه إعلام من حضر والأذان إعلام لمن غاب (٣) فيستحب لمن سمع الإقامة أن يجيب المقيم كما في الأذان ويقول في كلمتي الإقامة: أقامها الله وأدامها ما دامت السموات والأرض، فإذا فرغ المؤذن قام إلى الصلاة، هذا هو المذهب المنصوص (٤)، وقال الماوردي: هذا في حق الشاب السريع النهضة، أما الشيخ البطيء النهضة فينبغي أن يقوم عند قوله: قد قامت الصلاة والجمهور على عدم التفصيل (٥). فرع: من دخل المسجد والمؤذن في الإقامة، قال الشيخ أبو حامد: يستحب أن يقعد ثم يقوم إلى الصلاة ليخلص قيامه مثلها، وعند القاضي حسين: يستحب أن يدوم قائما ليحرز فضيلة انتظار العبادة وليحترز من ترك التحية (٦) وصححه النووي (٧) قاله في مختصر الكفاية.

стр. 1410

٤٠٤ - وَعَن سهل بن سعد ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "ساعتان لَا ترد على دَاع دَعوته حِين تُقَام الصَّلَاة وَفِي الصَّفّ فِي سَبِيل الله" رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (١). قوله: عن سهل بن سعد الساعدي (هو أبو العباس، وقيل: أبو يحيى سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الساعدي المدني، كان اسمه حزنا، فسماه النبي ﷺ سهلًا. شهد سهل قضاء رسول الله ﷺ فى المتلاعنين. قال الزهري: سمع من النبي ﷺ ، وكان له يوم وفاة النبي ﷺ خمس عشرة سنة. وتوفي بالمدينة سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. قال ابن سعد: هو آخر من مات من أصحاب النبي ﷺ بالمدينة ليس فيه خلاف. وقال غيره: بل فيه خلاف. روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. روى عنه الزهري، وأبو حاتم، وغيرهما (٢). قوله ﷺ : "ساعتان لا ترد على داع دعوته حين تقام الصلاة وفي الصف في الصلاة"، سيأتي الكلام على الدعاء في الصف في سبيل الله في الجهاد إن شاء الله.

стр. 1411

[الترهيب من الخروج من المسجد بعد الأذان لغير عذر] ٤٠٥ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ خرج رجل بَعْدَمَا أذن الْمُؤَذّن فَقَالَ أما هَذَا فقد عصى أَبَا الْقَاسِم ﷺ ثمَّ قَالَ أمرنَا رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا كُنْتُم فِي الْمَسْجِد فَنُوديَ بِالصَّلَاةِ فَلَا يخرج أحدكُم حَتَّى يُصَلِّي" رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَإِسْنَاده صَحِيح (١) وَرَوَاه مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (٢) دون قَوْله أمرنَا رَسُول الله ﷺ الخ. ٤٠٦ - وَعنهُ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يسمع النداء فِي مَسْجِدي هَذَا ثمَّ يخرج مِنْهُ إِلَا لحَاجَة ثمَّ لَا يرجع إِلَيْهِ إِلَّا مُنَافِق" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (٣).

стр. 1412

قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: خرج رجل، يعني من المسجد، بعد ما أذن المؤذن فقال: "أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ " الحديث، ففي هذا الحديث كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة إلا لعذر من انتقاض طهارة أو فوات رفقة أو صلاة في غيره (١)، والحديث يقتضي تحريم الخروج بعد الأذان وقبل الصلاة لكنه متروك الظاهر لوجهين، أحدهما: أن ذلك محمول على من خرج على نية ترك الصلاة مع الجماعة لأن الجماعة فرض عين أو كفاية أو سنة لا يعذر تاركها، ومن عزم على ترك فرض الكفاية أو العين أثم للوجه الثاني إذ المعصية قد تطلق ويراد بها الكراهة مجازًا لما بينهما من مطلق المخالفة للنهي كما ذكر بعض الأصوليين، وهذا كقوله ﷺ : "من تعلم الرمي ثم تركه فقد عصاني" (٢) مع أن ترك الرمي ونسيانه مكروه أو أنه محمول إما على نية ترك الجهاد كما قد فسره قوله ﷺ : "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات وفي قلبه شعبة من النفاق" (٣) وإما محمول على نية ترك فرض العين، ويحتمل وجه ثالث وهو أن الرجل الذي خرج كان منافقا معلوم النفاق لأبي هريرة، وإلا فالخروج من المسجد تقدم أنه غير

стр. 1413

محرم، ويحتمل وجه رابع وهو أن يكون المعنى فقد قارب أن يعصي أبا القاسم ﷺ ، ونظير هذا قوله ﷺ في تارك الرمي: "فقد عصاني" أي: قارب أن يعصيني وهو كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ (١) أي إذا قاربن بلوغ أجلهن يذهبن لأن بعد بلوغ الأجل وهو العدة لا رجعة، وكذلك قوله ﷺ : "من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله" (٢) يحتمل فقد قارب أن يحبط عمله، وقد أجاب الشافعي ﵀ بنحو ذلك في قوله ﷺ في حديث جبريل ﵇: "فصلى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل الشيء مثله" (٣) أي حين قارب أن يصير مثله، قاله ابن العماد في شرح العمدة (٤). قوله: فقال: "أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ " ففيه تعظيم الرجل بذكره بالكنية، ففي كتاب أسماء النبي ﷺ لابن دحية أن كنية النبي ﷺ أبو الأرامل، والذي في الذخائر أن كنيته ﷺ في الآخرة أبو الأرامل (٥)، روى الحاكم في المستدرك بسنده إلى محمد بن عجلان أن رسول الله ﷺ قال: "أنا أبو

стр. 1414

القاسم، الله يعطي وأنا أقسم" (١)، وقال أبو عبد الله الأشبيلي في كتاب الذخائر والأعلاق في آداب التقوى ومكارم الأخلاق وهو كتاب حسن نحو مجلدين: وكني رسول الله ﷺ بأبي القاسم لأنه يقسم الجنة بين الخلق يوم القيامة (٢)، وروى الحاكم بإسناد به ابن لهيعة عن أنس بن مالك قال: لما ولد إبراهيم بن النبي ﷺ أتاه جبريل ﵇، فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم (٣)، وفي الصحيحين عن جماعة من الصحابة منهم جابر (٤) وأبو هريرة (٥) أن رسول الله ﷺ قال: "تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي"، واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب فذهب الشافعي ومن وافقه إلى أن ذلك لا يحل لأحد

стр. 1415

سواء كان اسمه محمدًا أو غيره، وممن رواه عن الشافعي، البيهقي، والبغوي في تهذيبه في أول كتاب النكاح، وأبو القاسم بن عساكر في تاريخ دمشق (١). والمذهب الثاني: مذهب مالك أن ذلك جائز مطلقا لمن اسمه محمد وغيره، ويجعل النهي خاصا بحياة النبي ﷺ (٢). والمذهب الثالث: أنه لا يجوز لمن اسمه محمد ويجوز لغيره، قال الرافعي: يشبه أن يكون هذا الثالث أصح لأن الناس لم يزالون يكتبون به في جميع الأمصار من غير إنكار، قال النووي: وهذا الذي قاله صاحب هذا المذهب فيه مخالفة لظاهر الحديث يعني الذي في الصحيحين: "تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي" وأما إطباق الناس على فعله مع أن المتكنين به أئمة أعلام وأهل الحل والعقد الذين يقتدى بهم في فعل الدين ففيه تقوية لمذهب الإمام مالك في جوازه مطلقا ويكون قد فهموا من النهي الاختصاص بحياته ﷺ لما هو مشهور من سبب النهي في تكني اليهود بذلك ومناداتهم به للإيذاء وهذا المعنى قد زال (٣) والله أعلم. تنبيه: له ﷺ ثلاثة بنين القاسم وبه يكنى ولد قبل النبوة وتوفي وهو ابن سنتين وعبد الله ويسمى الطيب والطاهر وقد ولد بعد النبوة، وقيل الطيب والطاهر غير عبد الله والصحيح الأول والثالث إبراهيم ولد بالمدينة ومات

стр. 1416

بها سنة عشر وهو ابن سبعة عشر شهرا أو ثمانية عشرا وكلهم من خديجة ﵂ إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية وكلهم توفوا قبله الذكور والإناث إلا فاطمة ﵂ فإنها عاشت بعده ستة أشهر على الأصح والله أعلم. قوله ﵁: ثم قال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي" اعلم أن هذا الحديث من المرفوع وكذلك حديث "من لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله" (١) احتملا على أن يكون الصحابي سمع تحريم ذلك من النبي ﷺ ، وادعى ابن عبد البر في حديث الدعوة أنه مرفوع عندهم لَا يختلفون في ذلك (٢) قال عقيل: وللنظر فيه مجال وقال المنذري عن أبي القاسم الجوهري إنه موقوف (٣) انتهى قاله في شرح الإلمام. تنبيه: والمذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه الفقهاء وأصحاب الأصول والمحققون من المحدثين وصححه الخطيب البغدادي أن الحديث إذا رواه بعض الثقات متصلا وبعضهم مرسلا أو بعضهم مرفوعا وبعضهم موقوفا حكم بالاتصال وبالمرفوع ووجب العمل به لأنها زيادة ثقة وهي
следующие страницы →