← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 1412–1451 · переход к 1417.

стр. 1412

قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: خرج رجل، يعني من المسجد، بعد ما أذن المؤذن فقال: "أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ " الحديث، ففي هذا الحديث كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة إلا لعذر من انتقاض طهارة أو فوات رفقة أو صلاة في غيره (١)، والحديث يقتضي تحريم الخروج بعد الأذان وقبل الصلاة لكنه متروك الظاهر لوجهين، أحدهما: أن ذلك محمول على من خرج على نية ترك الصلاة مع الجماعة لأن الجماعة فرض عين أو كفاية أو سنة لا يعذر تاركها، ومن عزم على ترك فرض الكفاية أو العين أثم للوجه الثاني إذ المعصية قد تطلق ويراد بها الكراهة مجازًا لما بينهما من مطلق المخالفة للنهي كما ذكر بعض الأصوليين، وهذا كقوله ﷺ : "من تعلم الرمي ثم تركه فقد عصاني" (٢) مع أن ترك الرمي ونسيانه مكروه أو أنه محمول إما على نية ترك الجهاد كما قد فسره قوله ﷺ : "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات وفي قلبه شعبة من النفاق" (٣) وإما محمول على نية ترك فرض العين، ويحتمل وجه ثالث وهو أن الرجل الذي خرج كان منافقا معلوم النفاق لأبي هريرة، وإلا فالخروج من المسجد تقدم أنه غير

стр. 1413

محرم، ويحتمل وجه رابع وهو أن يكون المعنى فقد قارب أن يعصي أبا القاسم ﷺ ، ونظير هذا قوله ﷺ في تارك الرمي: "فقد عصاني" أي: قارب أن يعصيني وهو كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ (١) أي إذا قاربن بلوغ أجلهن يذهبن لأن بعد بلوغ الأجل وهو العدة لا رجعة، وكذلك قوله ﷺ : "من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله" (٢) يحتمل فقد قارب أن يحبط عمله، وقد أجاب الشافعي ﵀ بنحو ذلك في قوله ﷺ في حديث جبريل ﵇: "فصلى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل الشيء مثله" (٣) أي حين قارب أن يصير مثله، قاله ابن العماد في شرح العمدة (٤). قوله: فقال: "أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ " ففيه تعظيم الرجل بذكره بالكنية، ففي كتاب أسماء النبي ﷺ لابن دحية أن كنية النبي ﷺ أبو الأرامل، والذي في الذخائر أن كنيته ﷺ في الآخرة أبو الأرامل (٥)، روى الحاكم في المستدرك بسنده إلى محمد بن عجلان أن رسول الله ﷺ قال: "أنا أبو

стр. 1414

القاسم، الله يعطي وأنا أقسم" (١)، وقال أبو عبد الله الأشبيلي في كتاب الذخائر والأعلاق في آداب التقوى ومكارم الأخلاق وهو كتاب حسن نحو مجلدين: وكني رسول الله ﷺ بأبي القاسم لأنه يقسم الجنة بين الخلق يوم القيامة (٢)، وروى الحاكم بإسناد به ابن لهيعة عن أنس بن مالك قال: لما ولد إبراهيم بن النبي ﷺ أتاه جبريل ﵇، فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم (٣)، وفي الصحيحين عن جماعة من الصحابة منهم جابر (٤) وأبو هريرة (٥) أن رسول الله ﷺ قال: "تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي"، واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب فذهب الشافعي ومن وافقه إلى أن ذلك لا يحل لأحد

стр. 1415

سواء كان اسمه محمدًا أو غيره، وممن رواه عن الشافعي، البيهقي، والبغوي في تهذيبه في أول كتاب النكاح، وأبو القاسم بن عساكر في تاريخ دمشق (١). والمذهب الثاني: مذهب مالك أن ذلك جائز مطلقا لمن اسمه محمد وغيره، ويجعل النهي خاصا بحياة النبي ﷺ (٢). والمذهب الثالث: أنه لا يجوز لمن اسمه محمد ويجوز لغيره، قال الرافعي: يشبه أن يكون هذا الثالث أصح لأن الناس لم يزالون يكتبون به في جميع الأمصار من غير إنكار، قال النووي: وهذا الذي قاله صاحب هذا المذهب فيه مخالفة لظاهر الحديث يعني الذي في الصحيحين: "تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي" وأما إطباق الناس على فعله مع أن المتكنين به أئمة أعلام وأهل الحل والعقد الذين يقتدى بهم في فعل الدين ففيه تقوية لمذهب الإمام مالك في جوازه مطلقا ويكون قد فهموا من النهي الاختصاص بحياته ﷺ لما هو مشهور من سبب النهي في تكني اليهود بذلك ومناداتهم به للإيذاء وهذا المعنى قد زال (٣) والله أعلم. تنبيه: له ﷺ ثلاثة بنين القاسم وبه يكنى ولد قبل النبوة وتوفي وهو ابن سنتين وعبد الله ويسمى الطيب والطاهر وقد ولد بعد النبوة، وقيل الطيب والطاهر غير عبد الله والصحيح الأول والثالث إبراهيم ولد بالمدينة ومات

стр. 1416

بها سنة عشر وهو ابن سبعة عشر شهرا أو ثمانية عشرا وكلهم من خديجة ﵂ إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية وكلهم توفوا قبله الذكور والإناث إلا فاطمة ﵂ فإنها عاشت بعده ستة أشهر على الأصح والله أعلم. قوله ﵁: ثم قال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي" اعلم أن هذا الحديث من المرفوع وكذلك حديث "من لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله" (١) احتملا على أن يكون الصحابي سمع تحريم ذلك من النبي ﷺ ، وادعى ابن عبد البر في حديث الدعوة أنه مرفوع عندهم لَا يختلفون في ذلك (٢) قال عقيل: وللنظر فيه مجال وقال المنذري عن أبي القاسم الجوهري إنه موقوف (٣) انتهى قاله في شرح الإلمام. تنبيه: والمذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه الفقهاء وأصحاب الأصول والمحققون من المحدثين وصححه الخطيب البغدادي أن الحديث إذا رواه بعض الثقات متصلا وبعضهم مرسلا أو بعضهم مرفوعا وبعضهم موقوفا حكم بالاتصال وبالمرفوع ووجب العمل به لأنها زيادة ثقة وهي

стр. 1417

مقبولة عند الجماهير من كل الطوائف والله أعلم قاله النووي (١). قوله: عنه، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا يرجع إليه إلا منافق" النفاق أصغر وأكبر على ما فصله العلماء في كتبهم، فيكره الخروج من مسجد النبي ﷺ بعد الأذان، وهذا وإن كان عاما في كل مسجد إلا أنه يتأكد هنا، قاله الزركشي (٢). ٤٠٧ - وَرُوِيَ عَن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أدْركهُ الْأَذَان فِي الْمَسْجِد ثمَّ خرج لم يخرج لحَاجَة وَهُوَ لَا يُرِيد الرّجْعَة فَهُوَ مُنَافِق رَوَاهُ ابْن مَاجَه (٣). ٤٠٨ - وَعَن سعيد بن الْمسيب ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لا يخرج من الْمَسْجِد أحد بعد النداء إِلَّا مُنَافِق إِلَّا لعذر أخرجته حَاجَة وَهُوَ يُرِيد الرُّجُوع رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله (٤). قوله: عن سعيد بن المسيب هو الإمام الجليل أبو محمد سعيد بن

стр. 1418

المسيب القرشي المخزومي التابعي إمام التابعين، وأبو المسيب وجده (حزن) صحابيان، أسلما يوم فتح مكة، ويقال: المسيب بفتح الياء وكسرها والفتح أشهر، وحكى عنه أنه كان يكرهه، ومذهب أهل المدينة الكسر، ولد سعيد بن المسيب لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب، وقيل: أربع سنين ورأى عمر وسمع منه ومن عثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وجماعات كثيرة من الصحابة غير من ذكر، واتفق العلماء على إمامته وجلالته وتقدمه على أهل عصره في العلم والفضيلة ووجوه الخير، واتفقوا على توثيقه، وروى له البخاري ومسلم، توفي سنة ست وقيل سنه سبع وخمسين ومائة، وقيل: غير ذلك (١). قوله ﷺ : "لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلا منافق" المراد بالنداء الأذان، وتقدم معنى الحديث في الأحاديث قبله.

стр. 1419

[الترغيب في الدعاء بين الأذان والإقامة] ٤٠٩ - عَن أنس بن مَالك ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الدُّعَاء بَين الأذَان وَالْإِقَامَة لا يرد" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَزَاد فَادعوا (١) وَزَاد التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَة قَالُوا فَمَاذَا نقُول يَا رَسُول الله قَالَ سلوا الله الْعَافِيَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة (٢). قوله: عن أنس، تقدم. قوله ﷺ : "الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد" الحديث، فيستحب الدعاء بين الأذان والإقامة لهذا الحديث لأن الدعاء حينئذ مستحب، والمستحب أن يقعد فيها قعدة ينتظر فيها الجماعة لأن الذي رواه عبد الله بن زيد أنه أذن وقعد قعدة ثم قام إلا في صلاة المغرب لضيق وقتها، انتهى قاله الدميري (٣). وقال في تهذيب النفوس: [ومن مظان الإجابة عند الإقامة]، قال الشافعي: أخبرني من لا يتهم عن عبد العزيز بن عمر عن مكحول عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 1420

"اطلبوا الدعاء عند التقاء الجيوش وإقامة الصلاة ونزول الغيث" (١) قال وروينا عن غير واحد: طلب الإجابة عند نزول الغيث وإقامة الصلاة (٢)، قال البيهقي: وقد روينا في حديث موصول عن سهل بن سعد الساعدي عن النبي ﷺ : "أن الدعاء لا يرد عند النداء وعند [البأس] وتحت المطر" وروي عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: "تفتح أبواب السماء ويستجاب النداء في أربعة مواطن عند التقاء الصفوف وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلاة وعند رؤية الكعبة" (٣). فنلخص من هذا كله أن الدعاء مندوب إليه عند الأذان وبعد الفراغ منه وعند إقامة الصلاة يستجاب الدعاء بمكة وكانوا يرون أن الدعوة في تلك البلد مستجابة، قال الحسن البصري: الدعاء مستجاب هناك في خمسة عشر موضعا: في الطواف، وعند النوم، وتحت الميزاب، والبيت، وعلى الصفا والمروة، وفي السعي، وخلف المقام، وفي عرفات، والمزدلفة، وعند الجمرات، وفيها أحاديث، قاله الزركشي (٤)، فليكثر المرء من ذكر حاجاته فالكريم يعطي وبابه مفتوح.

стр. 1421

٤١٠ - وَعَن سهل بن سعد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ساعتان تفتح فيهمَا أَبْوَاب السَّمَاء وقلما ترد على دَاع دَعوته عِنْد حُضُور النداء والصف فِي سَبِيل الله وَفِي لفظ قَالَ ثِنْتَانِ لا تردان أَو قَالَ مَا يردان الدُّعَاء عِنْد النداء وَعند الْبَأْس حِين يلحم بعض بَعْضًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا إِلَا أَنه قَالَ فِي هَذِه عِنْد حُضُور الصَّلَاة (١). ٤١١ - وَفِي رِوَايَة لَهُ ساعتان لا ترد على دَاع دَعوته حِين تُقَام الصَّلَاة وَفِي الصَّفّ فِي سَبِيل الله" (٢) وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ وَرَوَاهُ مَالك مَوْقُوفًا (٣) قَوْله يلحم هُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي حِين ينشب بَعضهم بِبَعْض فِي الْحَرْب. قوله: عن سهل بن سعد، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "ساعتان يفتح فيهما أبواب السماء، وقل ما ترد على داع دعوته عند حضور النداء والصف في سبيل الله" الحديث، قال العيني: فيه الحض على الدعاء في أوقات الصلاة حين تفتح أبواب السماء للرحمة، وقد جاء في

стр. 1422

الحديث: "ساعتان لا يرد فيهما الدعاء حضرة النداء في الصلاة وحضرة الصف في سبيل الله" (١) فدلهم رسول الله ﷺ على أوقات الإجابة (٢). قوله: وفي لفظ قال: "ثنتان لا تردان الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضٌ بعضًا" الحديث، المراد بالنداء الأذان. وقوله: "حين يلحم" بالحاء المهملة، أي: حين ينشب بعضهم ببعض في الحرب، انتهى، قاله المنذري، وضبطه غيره بالحاء والجيم وكلاهما ظاهر، قاله النووي (٣)، وقال في النهاية: أي حين تشتبك الحرب بينهم ويلزم بعضهم بعضًا، فقال: ألحم الرجل واستلحم إذا نشب في الحرب فلم يجد له مخلصًا، وألحمه غيره فيها ولحم إذا قتل فهو ملحوم ولحيم والملحمة الحرب وموضع القتال، والجمع الملاحم مأخوذ من اشتباك الناس واختلاطهم فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسداء، وقيل: هو من اللحم لكثرة لحوم القتلى فيها، ومن أسمائه ﷺ نبي الرحمة ونبي الملحمة يعني: نبي القتال وهو كقوله الآخر بعثت بالسيف (٤). ٤١٢ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا نَادَى الْمُنَادِي فتحت أَبْوَاب السَّمَاء واستجيب الدُّعَاء فَمن نزل بِهِ كرب أَو شدَّة فليتحين الْمُنَادِي فَإِذا كبر

стр. 1423

كبر وَإِذا تشهد تشهد وَإِذا قَالَ حَيّ على الصَّلَاة قَالَ حَيّ على الصَّلَاة وَإِذا قَالَ حَيّ على الْفَلاح قَالَ حَيّ على الْفَلاح ثمَّ يَقُول اللَّهُمَّ رب هَذِه الدعْوَة التَّامَّة الصادقة المستجابة المستجاب لهَا دَعْوَة الْحق وَكلمَة التَّقْوَى أحينا عَلَيْهَا وأمتنا عَلَيْهَا وابعثنا عَلَيْهَا واجعلنا من خِيَار أَهلهَا أَحيَاء وأمواتا ثمَّ يسْأَل الله حَاجته رَوَاهُ الْحَاكِم من رِوَايَة عفير بن معدان وَهُوَ واه وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (١) قَوْله: فليتحين الْمُنَادِي أَي ينْتَظر بدعوته حِين يُؤذن الْمُؤَذّن فَيُجِيبهُ ثمَّ يسْأَل الله تَعَالَى حَاجته. قوله: عن أبي أمامة، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إذا نادى المنادي فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء" تقدم الكلام على النداء. قوله ﷺ : "فمن نزل به كرب أو شدة فليتحين المنادي، فإذا كبر كبر وإذا تشهد تشهد" الحديث. قوله: "فليتحين المنادي" أي: ينتظر بدعوته حين يؤذن المؤذن فيجيبه ثم يسأل الله تعالى حاجته قاله المنذري.

стр. 1424

قال في شرح الإلمام: وفيه الإجابة بكلمات الأذان [والتأمين] بلفظ الحيعلتين، وهي فائدة جليلة ودليل على أن كلا من الحوقلة والحيعلة تحصل به السنة. قال التيمي: قال بعضهم: الحيعلة دعاء إلى الصلاة فلا معنى لقول السامع ذلك لأن دعاء الناس إلى الصلاة سرًا لا فائدة له بل يجعل مكانه الحوقلة لأنها كنز من كنوز الجنة (١). وقال بعض العلماء: ولأن الحيعلة دعاء للصلاة فحسن لسامعها الإتيان بلا حول ولا قوة إلا بالله عوضًا عنها، والحاء والعين لا يجتمعان في كلمة واحدة أصلية الحروف لقرب مخرجهما إلا أن تؤلف كلمة بكلمتين كقولهم [حيعل] وبسمل إذا قال باسم الله وحوقل إذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله هكذا قاله الجوهري، وقال الأزهري وغيره: حولق بتقدم اللام على القاف، وسبحل إذا قال سبحان الله، وحمدل إذا قال الحمد لله، وهيلل إذا قال لا إله إلا الله، والجعفلة جعلت فداك، والطلبقة أطال الله بقاءك، والدمعزة أدام الله عزك (٢). قوله: في الكلام على الرواة رواه الحاكم من رواية عفير بن معدان وهو واه، هو: عفير بن معدان (أبو عائذ الحضرمي، ويقال: اليحصبي، ويقال: أبو معدان الحمصي المؤذن عن عطاء بن يزيد وعطاء بن أبي رباح وعدة وعنه الوليد بن مسلم وأبو اليمان وخلق ضعفوه).

стр. 1425

٤١٣ - وَعَن عبد الله بن عمرو ﵄ أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله إِن المؤذنين يفضلوننا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ قل كمَا يَقُولُونَ فَإِذا انْتَهَيْت فسل تعطه" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالا تعط بِغَيْر هَاء (١). قوله: عن عبد الله بن عمر، تقدم الكلام على مناقبه في أول هذا التعليق مبسوطًا. قوله: أن رجلًا قال: يا رسول الله: إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله ﷺ : "قل كما يقولون" الحديث، يفضلوننا يعني في الأجر والثواب، وتقدم الكلام أيضًا على فضل الأذان مبسوطًا وعلى الإجابة. قوله: "فإذا انتهيت فسل تعطه" رواه أبو داود بالهاء، ورواه النسائي وابن حبان وقال: "فسل تعط" يعني: تعطى.

стр. 1426

[الترغيب في بناء المساجد في الأمكنة المحتاجة إليها] قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (١) أي: تبنى (٢) كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾ (٣) فالرفع هنا إما حقيقي أو مجازي كالتطهر في قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ (٤) قال العلماء: والمراد بالبيوت هنا المساجد، وقيل: المساجد بيوت الله تضيء لأهل المساجد كما تضيء النجوم لأهل الأرض (٥). ٤١٤ - وَعَن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ أَنه قَالَ: عِنْد قَول النَّاس فِيهِ حِين بنى مَسْجِد رَسُول الله ﷺ إِنَّكُم أَكثرْتُم عَليّ وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من بنى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجه الله بنى الله لَهُ بَيْتًا فِي الْجنَّة وَفِي رِوَايَة بنى الله لَهُ مثله فِي الْجنَّة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (٦). قوله: عن عثمان بن عفان، يجوز في عفان الصرف وعدمه، وتقدم الكلام على مناقب عثمان مبسوطا والله أعلم.

стр. 1427

قوله ﵁: أنه قال عند قول الناس فيه حين بنى مسجد رسول الله ﷺ : إنكم أكثرتم وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة". وفي صحيح مسلم عن محمود بن لبيد أن عثمان بن عفان أراد بناء المسجد فكره الناس ذلك وأحبوا أن يدعه على هيئته فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من بنى مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة" قال الواقدي: وفي السنة التاسعة والعشرين وسع عثمان مسجد رسول الله ﷺ وابتدأ في بنيانه في شهر ربيع الأول، وبناه بالحجارة المنقوشة وزخرفه بالقصة وسقفه بالساج وجعل طوله ستين ومائة ذراع وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل له ستة أبواب، قال: وإنما وسعه لأنه ضاق بالناس، قاله ابن الجوزي (١)، وفي سنة ثمان وثمانين كان تجديد مسجد رسول الله ﷺ (٢)، روى أبو داود عن ابن عمر أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيًّا باللبن وسقفه بالجريد وعمده خشب النخل فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا وتخرب في عهد عمر فبناه على حاله وبناه عثمان وزاد فيه وبناه بالحجارة المنقوشة وجعل أعدمته من حجارة منقوشة وسقمه بالساج (٣).

стр. 1428

وروي أنه قيل لرسول الله ﷺ : هده أي أصلحه، فقال: عريش كعريش موسى (١) ثم إن الوليد هدمه في هذه السنة وزاد فيه وأدخل حجرات أمهات المؤمنين فيه وكان يتولى المدينة يومئذ عمر بن عبد العزيز واستعمل على هدمه وبنائه صالح بن كيسان، فبدأ في عمله في شهر صفر من هذه السنة حتى كمل على [أفخم هيّة وأحسن بنية وأتمّ إتقان] ثم وسعه المهدي سنة ستين ومائة وزاد فيه المأمون زيادة كثيرة ووسعه وعلى موضع زيادته مكتوب: أمر عبد الله المأمون بعمارة مسجد رسول الله ﷺ سنة اثنتين ومائتين، طلب ثواب الله وطلب كرماة الله تعالى فإن الله عنده ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعًا بصيرًا، أمر عبدُ الله عبدَ الله بتقوى الله ومراقبته وصلة الرحم والعمل بكتاب الله وسنة رسوله وتعظيم ما صغرته الجبابرة من حقوق الله وإحياء ما أماتوه من العدل وتصغير ما عظموه من الهوان والجور وأن تطيعوا الله وتعصوا من عصى الله فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى، انتهى، قاله في تاريخ كنز الدرر (٢). وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة أنهم كانوا يحملون اللبن إلى بناء المسجد ورسول الله ﷺ معهم، قال: فاستقبلت رسول الله ﷺ وهو

стр. 1429

عارض لبنة على بطنه فظننت أنها شقت عليه فقلت ناولنيها يا رسول الله قال: "خذ غيرها يا أبا هريرة فإنه لا عيش إلا عيش الآخرة" (١) ومعنى أن العيش عيش الآخرة أن الحياة المطلوبة الهنيئة الدائمة هي الدار الآخرة (٢) وهذا كقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ (٣) أي دار الحياة التي لا تزول ولا موت فيها (٤). تتمة: عن أنس بن مالك ﵁: قال: كان موضع مسجد النبي ﷺ لبني النجار وكان فيه نخل ومقابر المشركين، فقال لهم النبي ﷺ : "ثامنوني به" أي: بايعوني، قالوا: لا نأخذ له ثمنًا أبدًا، قال: وكان النبي ﷺ يبنيه وهم يناولونه والنبي ﷺ يقول: "أن إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة" قال: وكان النبي ﷺ يصلي قبل أن يبني المسجد حيث أدركته الصلاة، رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي (٥)، وبنو النجار: قبيلة من

стр. 1430

الأنصار وهم أخوال النبي ﷺ وذلك أن هاشما تزوج امرأة من بني النجار تسمى سلمى بنت عمرو بن زيد بن عدي بن النجار فولدت له عبد المطلب بن هاشم فمن هنا كانوا أخوال النبي ﷺ ، وذكر ابن سعد في الطبقات عن الواقدي أن النبي ﷺ اشتراه له من [بني عفراء] بدنانير دفعها عنه أبو بكر الصديق ﵁. (١)، فإن صح هذا فلم يأخذه النبي ﷺ إلا بالثمن لأنه كان ليتيمين، ولما كان ثمنه عشرة ضاعف الله فيه الصلاة إلى ألف حسنة لأن الحسنة بعشر أمثالها وضاعف الله المائة المضاعفة إلى ألف، ولما كان داود ﵊ اشترى موضع المسجد الأقصى بخمسة قناطير من الذهب جعل الله له الصلاة فيه بخمسمائة صلاة، ومال نبينا ﷺ الذي صرفه في المسجد قناطير داود الخمسة مرتين، وهذا المعنى ملحوظ من قوله ﷺ في الحديث: "سبق درهم مائة ألف درهم" وهذا الحديث ذكره الحافظ المنذري في ترغيبه في الصلاة وفسر معناه والله أعلم. قوله ﷺ : "من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة" وفي رواية: "بنى الله له بيتا في الجنة مثله" قال الإمام القرطبي: هذه المثلية ليست على ظاهرها ولا من كل الوجوه وإنما معناه: أن الله بنى له بثوابه بناء أشرف وأعظم وأرفع (٢)، انتهى. وقال السهيلي: جزاء الفعل يذكر بلفظ الفعل وإن كان أشرف

стр. 1431

منه كما جاء في قوله: "بنى الله مثله في الجنة" لم يرد مثله في كونه مسجدا ولا في صفته ولكن قابل البنيان بالبنيان، أي: كما بنى بني له فهاهنا وقعت المماثلة لا في ذات المبني (١)، انتهى. وهذا البيت هو والله أعلم مثل بيت خديجة زوج النبي ﷺ الذي قال فيه: "إنه من قصب لا صخب فيه ولا نصب" يريد من قصب الزمرد والياقوت (وسيأتي الكلام على بيت خديجة مبسوطًا)، ويعضد هذا بأن أجور الأعمال متضاعفة وأن الحسنة بعشر أمثالها، وهذا كما قال في القوة إنها تزداد حتى تكون مثل الجبل، ولكن هذا التضعيف إنما هو بحسب ما يقترن بالفعل من الإخلاص والإتقان والإحسان، ولما فهم عثمان ﵁ هذا المعنى تأتي في بناء المسجد وحسنه وأتقنه واخلف الله فيه رجاء أن يبنى له في الجنة قصر متقن، وقد فعل الله له ذلك وزيادة (٢) والله أعلم، قاله في الديباجة. فائدة: قال شيخ الإسلام النووي ﵀: يدخل في هذا الحديث من عمَّر مسجدًا قد استهدم، ويدخل فيه من أنشأ مسجدًا ولو اشترك جماعة في عمارة مسجد فهل يحصل لكل منهم بيت في الجنة كما لو أعتق جماعة عبدًا مشتركا بينهم فإنهم يعتقون من النار ويجوزون العقبة لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ وقد فسر النبي ﷺ فك الرقبة بعتق البعض، والقياس إلحاق المساجد بالعتق لأن فيه ترغيب وحملًا للناس على إنشاء

стр. 1432

المساجد وعمارتها (١)، انتهى. فرع: هل يمكن الكافر من بناء المساجد، قال البغوي في تفسيره: ذهب جماعات إلى أنه يمنع منه الكافر حتى لو أوصى به لم تنفذ وصيته (٢)، والصحيح جوازه لقوله ﵊: "إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" وكما لو تصدق أو وقف على الفقراء والمساكين فإنه يصح ولا يصير ببناء المسجد مسلمًا وإن عظمه حتى يأتي بالشهادتين بخلاف المسلم إذا بنى كنيسة واعتقد تعظيمها فإنه يكفر لأن الكفر يحصل بمجرد النية والإسلام لا يحصل إلا بالتلفظ بالشهادتين والله أعلم، قاله ابن العماد في شرح العمدة (٣). فرع آخر: لو اتخذ مسجدًا في مقبرة غير منبوشة كرهت الصلاة فيه استصحابًا لحكمها حتى نبش الموتى وتخرج، ولو اتخذ مسجدا في الوادي الذي نام فيه رسول الله عن صلاة الصبح كرهت الصلاة فيه لقوله ﷺ : "اخرجوا من هذا الوادي فإن فيه شيطانا" (٤) ويكره أيضًا اتخاذ المسجد بأرض بابل إن صح ما رواه أبو داود أن عليا مر بأرض بابل فأسرع الخروج منها ولم يصل فيها وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنها أرض ملعونة"

стр. 1433

والحديث سكت أبو داود عن تضعيفه وضعفه الخطابي (١)، وقال البخاري في الصحيح: ويذكر أن عليا كره الصلاة بخسف بابل، ولو اتخذ المسجد في الأماكن التي ندب الشرع إلى إسراع الخروج منها فالوجه الكراهة، ومن ذلك وادي محسر بأرض ثمود وقوم لوط وعاد، وقد بوب البخاري ﵀ كذلك بباب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب، وأورد حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ ، قال "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين" (٢) الحديث، وسيأتي هذا الحديث بتمامه والكلام عليه مبسوطا في كتاب الجنائز، ولو اتخذ الحمام مسجدا فالمتجه بقاء الكراهة استصحابا للحكم ولأن الشيطان قد ألفه وصار كالوداي ويحتمل خلافه لأن الشيطان إنما ألفه لما كان يكشف فيه من العورات ويفعل من المحرمات (٣) قاله ابن العماد. ٤١٥ - وَعَن أبي ذَر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من بنى لله مَسْجِدا قدر مفحص قطاة بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة" رَوَاهُ الْبَزَّار وَاللَّفْظ لَهُ وَالطَّبْرَانِيّ فِي الصَّغِير وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٤).

стр. 1434

قوله: عن أبي ذر، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ "من بنى لله مسجدا قدر مفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتا في الجنة" الحديث ولم يقل عشر بيوت تنبيها على أن هذا البيت يفوق سائر بيوت الدنيا فكذلك هذا البيت الذي يبنى له في الجنة يفوق سائر بيوت الجنة ولهذا ذكره لتعظيمه (١) ويأتي الكلام على مفحص القطاة في الحديث بعده. ٤١٦ - وَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من بنى لله مَسْجِدا يذكر فِيهِ بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة" رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٢). ٤١٧ - وَعَن جَابر بن عبد الله ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من حفر بِئْر مَاء لم يشرب مِنْهُ كبد حرى من جن وَلا إنس وَلا طَائِر إِلَا آجره الله يَوْم الْقِيَامَة وَمن بنى لله مَسْجِدا كمفحص قطاة أَو أَصْغَر بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة رَوَاهُ ابْن

стр. 1435

خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وروى ابْن مَاجَه مِنْهُ ذكر الْمَسْجِد فَقَط بِإِسْنَاد صَحِيح (١). وَرَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ إِلَّا أَنَّهُمَا قَالا كمفحص قطاة لبيضها (٢) مفحص القطاة بِفَتْح الْمِيم والحاء الْمُهْملَة وَهُوَ مجثمها. قوله: عن جابر تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ "من حفر بئرا لم يشرب منه كبد حري ولا إنس ولا طائر إلا أجاره الله يوم القيامة" سيأتي الكلام على ذلك في الصدقات. قوله ﷺ "ومن بنى لله مسجدا قدر مفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتا في الجنة" الحديث، وفي رواية الإمام أحمد "كمفحص قطاة لبيضها" ومفحص القطاة بفتح الميم والحاء المهملة هو مجثمها قاله الحافظ وقال بعضهم: وجثم الطائر جثوما وهو بمنزلة البروك للإبل قاله في النهاية (٣)، والمفحص

стр. 1436

مفعل من الفحص وجمعه مفاحص وهو موضعها الذي يجثم فيه وتبيض كأنها مفحص عنه التراب أي تكشفه والفحص الطلب والبحث والكشف وفحص رجليه ضرب بهما وتصير في موضع مطمئن مستو (١)، وخص القطاة بهذا لأن كل طير يجعل عشه ووكره في أعلى شجرة أو قمة جبل بخلاف القطاة فإنها لا تبيض في شجرة ولا على رأس جبل وإنما تجعل مجثمها على بسيط الأرض دون سائر الطير فلذلك شبه النبي ﷺ به المسجد ولأنها توصف بالصدق فكأنه أشار بذلك إلى الإخلاص في بنائه، كما قال سيدي الشيخ أبو الحسن الشاذلي: خالص العبودية الاندماج في طي الأحكام من غير شهوة ولا إرادة وهذا شأن هذا الطائر وقيل إنما شبه بذلك لأن أفحوصها يشبه محراب المسجد في استدارته وتكوينه (٢). ومقدار مفحص القطاة لبيضها لا يمكن أن يتخذ مسجدا وإنما ذكره ﷺ على سبيل المبالغة في الكلام (٣) وأن الشارع ﷺ يضرب المثل في الشيء بما لا يكاد يقع كقوله ﷺ "اسمعوا وأطيعوا ولو كان عبدا حبشيا" وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال "الأئمة من قريش" وقيل للوالي طاعة من ولاه الإمام عليكم ولو كان عبدا حبشيا (٤).

стр. 1437

تنبيه: والقطاة طائر معروف قدر الحمام وتشبهه ثم سميت بحكاية صوتها لأنها تقول قطاة قطاة لذلك تصفها العرب بالصدق فقالوا فلان أصدق من القطاة ويقال لها أم ثلاث لأنها أكثر ما تبيض ثلاث بيضات، والقطاة أنواع ولا تضع بيضها إلا أفرادا وفي طبعها أنها إذا أرادت الماء ارتفعت من أفاحيصها الثرايا لا متفرقة عند طلوع الفجر فتطلع إلى حين طلوع الشمس مسيرة سبع مراحل فحينئذ تقع على الماء وتشرب نهلًا والنهل شرب الإبل والغنم أول مرة فإذا شربت أقامت حول الماء متشاغلة إلى مقدار ساعتين أو ثلاث ثم تعود إلى الماء ثانية قال أبو زياد الكلابي: وإن القطاة تطلب الماء مسيرة عشرين ليلة وفوقها ودونها وحكم هذا الطائر يحل أكله، والله أعلم قاله في حياة الحيوان (١). ٤١٨ - وَرُوِيَ عَن أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من بنى لله مَسْجِدا صَغِيرا كَانَ أَو كبِيرا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (٢). ٤١٩ - وَعَن عبد الله بن عمرو ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من بنى لله مَسْجِدًا بنى الله لَهُ بَيْتا أوسع مِنْهُ رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد لين (٣).

стр. 1438

قوله: عن عبد الله بن عمرو وتقدم الكلام على ترجمته وترجمة أبيه ﵄. قوله ﷺ "من بنى لله مسجدا" الحديث، قوله: "بنى الله له بيتا أوسع منه" وفي الحديث الآخر "أفضل منه" وفي حديث "آخر مثله"، وفي رواية لابن وضاح في مصنفه عن عائشة مرفوعا: "من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة" قلت: يا رسول الله: وهذه المساجد التي بطريق مكة، قال: "وتلك" (١). ولو هنا للتقليل، وقد أثبته من معاني لو ابن هشام، وجعل منه: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"، المراد بالتقليل هنا إما الزيادة في المسجد، تنزيلا له منزلة ابتدائه، أو لأن الكلام خرج مخرج المبالغة، وتأمل كيف خص القطاة بالذكر دون غيرها لأن العرب يضربون بها المثل في الصدق، ففيه رمز خفي إلى [المحافظة على الإخلاص] في بنائه، والصدق في إنشائه، انتهى، قاله الزركشي (٢). وقال بعض العلماء: ويحتمل قوله: "بنى الله له مسجدًا" وجهين ذكرهما العلماء أحدهما أن يكون معناه: بنى الله له مثله في مسمى البيت ولكنه أنفس منه بزيادات كثيرة فلم يرد مثله في كونه مسجدا ولا في صفته ولكن قابل البنيان

стр. 1439

بالبنيان كما بنى بني له فهاهنا وقعت المماثلة لا في ذات المبنى لأن جزاء الفعل بذكر لفظ الفعل وإن كان أصوب منه، وأما صفته في السعة وغيرها فمعلوم فضلها وأنها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (١). الوجه الثاني: معناه أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا (٢)، وتقدم الكلام على شيء من هذا مختصرًا. ٤٢٠ - وَرُوِيَ عَن بشر بن حَيَّان قَالَ جَاءَ وَاثِلَة بن الأسْقَع وَنحن نَبْني مَسْجِدًا قَالَ فَوقف علينا فَسلم ثمَّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من بنى مَسْجِدا يصلى فِيهِ بنى الله لَهُ فِي الْجنَّة أفضل مِنْهُ رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ (٣). ٤٢١ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من بنى بَيْتا يعبد الله فِيهِ من مَال حَلَال بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة من دُرٍّ وَيَاقُوت رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَالْبَزَّار دون قَوْله من در وَيَاقُوت (٤).

стр. 1440

قوله: عن أبي هريرة، تقدم. قوله ﷺ : "من بنى بيتا يعبد الله فيه من مال حلال بنى الله له بيتا في الجنة من در وياقوت ولم يسمه مسجدا" الحديث، أراد ﷺ بالبيت القصر، يقال: هذا بيت فلان أي قصره وداره وشرفه (١) مثل بيت خديجة زوج النبي ﷺ الذي وصفه النبي ﷺ : "من قصب لا صخب فيه ولا نصب" يريد من قصب الزمرد والياقوت، قال أهل العلم واللغة: القصب في هذا الحديث لؤلؤ مجوف واسع كالقصب المنيف والصخب اختلاط الصوت والنصب التعب، فنفى عنه النصب والصخب لأنه ما من بيت في الدنيا سكنه قوم إلا كان بين أهله صخب وجلبة وإلا كان في بنائه وإصلاحه نصب وتعب، فأخبر أن قصور أهل الجنة خالية عن هذه الآفات (٢)، انتهى. ففي الحديث الذي ورد في فضل خديجة زوج النبي ﷺ وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب، قد رواه الخطابي مفسرا، وقال فيه: قالت خديجة يا رسول الله: هل في الجنة قصب؟ قال: "إنه قصب من لؤلؤ مجبأة" أي: مجوفة، قال: وتكلم أصحاب المعاني على هذا الحديث وقالوا:

стр. 1441

كيف لم يبشرها إلا ببيت، وأدنى أهل الجنة منزلة من يعطى مسيرة ألف عام في الجنة كما في حديث ابن عمر الذي خرجه الترمذي: وكيف لم يبعث هذا البيت بشيء من أوصاف النعيم والبهجة أكثر من نفي الصخب وهو رفع الصوت، وأما أبو بكر الإسكاف فقال في زوائد الأخبار: إن معنى الحديث أنها بشرت ببيت زائد على ما أعد الله تعالى له من الثواب لإيمانها وعملها، ولذلك قال: "لا صخب فيه ولا نصب" إنما عليه زيادة على جميع العمل الذي نصبت فيه، وقال الخطابي: البيت هنا عبارة عن القصر كما تقدم، يقال في القوم: هم أهل بيت شرف وبيت عز، وفي التنزيل: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ولكن لذكر البيت هاهنا بهذا اللفظ ولم يقل بقصر معنى لائق بصورة الحال، وذلك لأنها كانت ربة في بيت إسلام لم يكن على الأرض بيت إسلام إلا بيتها حين آمنت، وأيضًا فإنها أول من بنى امرأة في الإسلام يتزوجها رسول الله ورغبتها فيه وهذا الفعل يذكر بلفظ الفعل كما تقدم، وكما جاء: "من كسى مسلما على عري كساه الله من حلل الجنة، ومن سقى مسلما على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم" أي: كما قابل الكسوة بالكسوة والسقي بالسقي فهاهنا وقعت المماثلة لا في ذات المبنى أو الكسوة (١). وقوله في حديث خديجة: "لا صخب فيه ولا نصب" فإنما عبر بذلك لأنه ﵇ دعاها إلى الإيمان فأجابته ولم تحوجه إلى أن يصخب كما يصخب

стр. 1442

البعل إذا تعصت عليه حليلته، ولا أن ينصب فإنها كفته كلّ نصب وأمنته من كلّ وجه وهونت عليه كلّ مكروه وأراحته ببيتها من كلّ كدر ونصب فوصف منزلها الذي بشرت به بالصفة المقابلة لفعلها [وصورته]، وأما قوله: "من قصب" ولم يقل من لؤلؤ وإن كان المعنى واحدا ولكن في اختصاصه بهذا اللفظ من المشاكلة المذكورة والمقابلة بلفظ الجزاء للفظ العمل أنها ﵂ كانت قد أحرزت قصب السبق إلى الإيمان دون غيرها من الرجال والنسوان فاقتضت البلاغة أن يعبر بالعبارة المشاكلة لفعلها في جميع ألفاظ الحديث (١)، والله أعلم. ٤٢٢ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من بنى مَسْجِدا لا يُرِيد بِهِ رِيَاء وَلا سمعة بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (٢). قوله: عن عائشة، تقدم الكلام على بعض مناقبها، ومن مناقبها أيضًا أن الملك نزل على رسول الله بصفتها في سرقة من حرير فأراه إياها قبل أن

стр. 1443

يتزوجها ولم يتزوج بكرا غيرها، ونزلت آية التيمم ببركتها وأنزل عليه الوحي في لحافها ولم ينزل عليه في لحاف غيرها، وأقرأها جبريل ﵇ السَّلام على لسان بعلها، ورأته مع رسول الله ﷺ في حجرتها ونزل القرآن العظيم ببراءتها وقبول عذرها، وتوفي رسول الله ﷺ في يومها وليلتها، وقد امتزج ريقه المطهر بريقها ورأسه المقدس في حجرها، ومات بين حاقنتها وذاقنتها أو سحرها ونحرها، الحاقنة: [الوهدة المنخفضة بين الترقوتين] و (الذاقنة): طرف الحلقوم، وقيل: ما تناوله الذقن من الصدر (١)، وقيل: الحاقنة ما سفل من البطن، والذاقنة ما علا (٢)، وقيل: الحاقنة باقية الطعام، والذاقنة نقرة النحر، وقيل: طرف الحلقوم، والحواقن أسافله، والمراد أنها تحقن الطعام أي تجمعه (٣)، ومنه الحاقن للبول أي الجامع له بترك الإراقة (٤)، وكانت عائشة ﵂ أكرم أهل زمانها وعابدة أوانها، وأقامت بعد رسول الله ﷺ تسرد الصوم بقية عمرها وتفتي في الفقه ويؤخذ بقولها فأي فخر كفخرها، تزوجها رسول الله ﷺ بعد خديجة أم المؤمنين بثلاث سنين على ما ثبت من حديث حميد بن عبد الرحمن بن هشام وهي بنت ست سنين، وذلك بمكة، وبنى بها بمكة بإجماع وهي بنت تسع سنين،

стр. 1444

وروى عن عائشة ﵂ قالت: تزوجني رسول الله ﷺ في شوال وبني بي في شوال فأي نساء رسول الله كان أحظى عنده مني، وصدقت عائشة: كانت أحظى النساء عند رسول الله ﷺ وأحبهن إليه بعد خديجة ﵂، وثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنت عمران وآسية امرأت فرعون، وفضل عائشة ﵂ على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" هذا حديث صحيح مجمع على صحته، وقد رواه أنس، ومات رسول الله ﷺ وهي بنت ثمان عشرة سنة، ونشرت عنه علما كثيرًا لأنه روت عنه ﷺ فيما ذكر أصحاب الأعداد ألفين حديثًا ومائتين حديثًا وعشرة أحاديث، أخرجا لها في الصحيحين مائتين حديثًا وسبعة وتسعين حديثًا، اتفقا منها على مائة وأربعة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين حديثًا، ومسلم بتسعة وستين، ومنهم من يقول مائتان وخمسة وتسعون، المتفق عليها منها مائة وخمسة وسبعون حديثًا، وانفرد البخاري بثلاثة وخمسين ومسلم كما ذكرنا، قاله الحافظ القاضي ابن العربي في معجم صحابة الصحيحين من تأليفه، وكانت وفاتها بالمدينة سنة سبع وخمسين كما ذكره ابن المديني عن سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة، قاله خليفة بن خياط، وقد قيل: إنها توفيت سنة ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، وأمرت أن تدفن ليلا فدفنت بعد الوتر بالبقيع، وصلى عليها أبو هريرة، وكان أمير المدينة يومئذ، ونزل في

стр. 1445

قبرها خمسة عبد الله وعروة ابنا الزبير والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وعبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عبد الرحمن بن بن أبي بكر أيضًا، ذكر ذلك الزبير في جماعة من أهل السير والخبر، وكانت تكنى أم عبد الله بابن أختها عبد الله بن الزبير بأمر رسول الله ﷺ لما استأذنته في الكنية فقال لها رسول الله ﷺ : اكتني بابنك عبد الله، يعني بابن أختها ولم تلد قط ولا سقطت، هذا هو الصحيح (١) والله أعلم. فائدة فيها بشرى لأمة محمد ﷺ : كان رسول الله ﷺ يدخل على عائشة والجواري يلعبن عندها فإذا رأينه تفرقن فيسيرهن إليها، وقال لها يومًا وهي تلعب بلعبها: ما هذا يا عائشة؟ فقالت: خيل سليمان بن داود فضحك وطلب الباب فابتدرته واعتنقته فقال: "ما لك يا حميراء؟ " فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ادع الله أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، قالت: فرفع يديه حتى بان بياض إبطيه وقال: "اللهم اغفر لعائشة بنت أبي بكر ظاهرة وباطنة مغفرة لا يعاد ذنبا ولا تكسب خطيئة ولا إثما"، وقال ﷺ : "أفرحت يا عائشة؟ " فقلت: إي والذي بعثك بالحق، فقال: "أما والذي بعثني بالحق ما خصصتك بها من بين أمتي وإنها لصلاتي لأمتي في الليل والنهار فيمن مضى منهم ومن بقي ومن هو آت إلى يوم القيامة، وأما أدعو لهم والملائكة يؤمنون على دعائي"، قلت: إن في هذا الأمر من البشارة لأمة محمد ﷺ ما يوجب أن

стр. 1446

يدعو لواضعه في هذا الكتاب بالعفو والمسامحة والأخوة الصالحة، انتهى قاله في تاريخ كنز الدرر (١). قوله: عن عائشة أيضًا، تقدم الكلام على مناقبها. قوله ﷺ : "من بنى مسجدا لا يريد به رياء ولا سمعة بنى الله له بيتا في الجنة" الحديث، قال العُلماء مشروط بالإخلاص، فإن بنى بغير إخلاص أو على غير وجه مرضي فلا ثواب له ولا تعبد الله به وإن كان على ظاهر الشرع، حكم عمل المساجد من الاحترام والتعظيم وغير ذلك لأن النيات لا يطلع عليها إلا الله تعالى وكذلك النقط والخيانق والقناطر والمطاهر وكل بناء فإنه مشروط بذلك، قاله في شرح الإلمام. ٤٢٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن مِمَّا يلْحق الْمُؤمن من عمله وحسناته بعد مَوته علما علمه ونشره أَو ولدا صَالحا تَركه أَو مُصحفا وَرثهُ أَو مَسْجِدا بناه أَو بَيْتا لِابْنِ السَّبِيل بناه أَو نَهرا أجراه أَو صَدَقَة أخرجهَا من مَاله فِي صِحَّته وحياته تلْحقهُ من بعد مَوته" رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَإسْنَاد ابْن مَاجَه حسن (٢) وَالله أعلم.

стр. 1447

قوله: عن أبي هريرة، تقدم. قوله ﷺ : "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره" الحديث، تقدم الكلام على هذا الحديث في العلم مبسوطا. خاتمة: قال ابن الأثير في النهاية في حديث أبي هريرة: "إذا زوقتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدبار عليكم" هو بالفتح الهلاك (١) انتهى.

стр. 1448

[الترغيب في تنظيف المساجد وتطهيرها وما جاء في تخميرها] ٤٢٤ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنَّ امْرَأَة سَوْدَاء كَانَت تقم الْمَسْجِد ففقدها رَسُول الله ﷺ فَسَأَلَ عَنْهَا بعد أَيَّام فَقيل لَهُ: إِنَّهَا مَاتَت، فَقَالَ: "فَهَلا آذنتموني؟ " فَأتى قبرها فصلى عَلَيْهَا، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح وَاللَّفْظ لَهُ، وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ: إِن امْرَأَة كَانَت تلقط الْخرق والعيدان من الْمَسْجِد (١). ٤٢٥ - وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضًا وَابْن خُزَيْمَة عَن أبي سعيد ﵁ قَالَ: كَانَت سَوْدَاء تقم الْمَسْجِد فَتُوُفِّيَتْ لَيْلًا، فَلَمَّا أصبح رَسُول الله ﷺ أخبر بهَا فَقَالَ: "أَلا آذنتموني؟ " فَخرج بِأَصْحَابِهِ فَوقف على قبرها فَكبر عَلَيْهَا وَالنَّاس خَلفه ودعا لهَا ثمَّ انْصَرف (٢). قوله: "عن أبي هريرة"، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، ففقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها بعد أيام، فقيل له: إنها ماتت، قال: "فهلا آذنتموني؟ "

стр. 1449

فأتى قبرها فصلى عليها" الحديث. ورواه ابن خزيمة في صحيحه إلا أنه قال: "إن امرأة كانت تلتقط الخرق والعيدان من المسجد"، وروى أبو الشيخ الأصبهاني عن عبيد بن مرزوق قال: كانت امرأة بالمدينة تقم المسجد فماتت فلم يعلم بها النبي ﷺ فقال: "ما هذا القبر؟ " فقالوا: أم محجن، قال: "التي كانت تقم المسجد" قالوا: نعم، فصف الناس فصلى عليها، الحديث (١). وروى الطبراني عن ابن عباس أنه ﷺ أمرهم أن يعلموه بموتها فلم يعلموه بذلك كرهوا أن يشقوا عليه (٢) كما ذكر من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن مسكينة ماتت (٣) وهذه المسكينة هي المرأة في هذا الحديث، ويحكى أن امرأة كانت تكنس المساجد وكانت تُسمّى مسكينة فرؤيت في المنام فقيل لها: كيف حالك يا مسكينة؟ فقالت: هيهات ذهبت المسكنة (٤)، وروي عن ابن عباس قال: مات إنسان كان رسول الله ﷺ يعوده فمات بالليل فدفنوه ليلًا فلما أصبح أخبروه فقال: "ما منعكم أن تعلموني؟ " قالوا: كان الليل فكرهنا وكانت [ظلمة] فكرهنا أن نشق عليك، فأتى قبرها فصلى عليه،

стр. 1450

هذا لفظ البخاري، وهذا الحديث متفق عليه (١)، وفي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة: أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، أو شابًّا ففقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها أو عنه فقالوا: ماتت وذكر الحديث، إلى أن قال: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها بصلاتي عليها" وهذا الحديث قد اختلف فيه: هل كانت امرأة أو رجلًا، وقد روي بالشك، وعند ابن ماجه: أن امرأة سوداء، وعنه في طريق آخر ورجل فلعلهما اثنان. قوله ﷺ : "فهلا آذنتموني" إلى آخره، أي: فهل لا أعلمتموني؟ وفي رواية أبي الشيخ: أم محجن؛ والحاصل من الحديث أن من دفن بغير صلاة فإنه يصلى على قبره ولا يخرج ولا يترك بغير صلاة، وفيه سؤاله ﷺ عن هذه المسكينة، ففيه تنبيه على أن لا تحتقر مسلم ولا تصغر أمره. وفيه: بيان ما كان عليه النبي ﷺ من التواضع والرفق بأمته، وحسن تعهده وكرم أخلاقه ورأفته ورحمته والقيام بحقوقهم والاهتمام بمصالحهم في آخرتهم ودنياهم. وفيه: دليل على ما كان عليه النبي ﷺ من الخلق الجميل في العفو وأنه أمر أصحابه فلم يفعلوا ما أمرهم به وله معاتبتهم. وفيه: دليل لاستحباب الإعلام بالموت وذلك ردًّا على من قال: إذا مت لا تشعروا بي أحدًا [وسلوني] إلى ربي سلًا (٢)، وقد كان جماعة يكرهون

стр. 1451

ذلك ورخص فيه آخرون، ودلائل السنة تدل على جواز ذلك والحمد لله، فأما الذين كرهوا ذلك فابن مسعود وأصحابه، واختلف في ذلك عن ابن عمر وإبراهيم وعلقمة، قال إبراهيم: إذا كان من يحمل الجنازة فلا يؤذن أحدًا مخافة أن يقال: ما أكثر من اتبعه (١)، وقال علقمة بن قيس حين حضرته الوفاة: فإذا مت فلا تؤذنوا بي أحدًا، يتبعني من يحملني إلى حفرتي، ورخص في الإعلام بالموت جماعة منهم أبو هريرة وغيره، والأصل في الباب قوله ﷺ : "أفلا آذنتموني بها" ونعى النبي ﷺ النجاشي للناس، ونعى النبي ﷺ أيضًا أصحاب مؤتة على المنبر رجلًا رجلًا (٢)، قال أبو عمر: شهود الجنائز أجر وبر وتقوي، والإذن بها تعاون على البر والتقوى وإدخال الأجر على الشاهد والميت (٣)، وفيه دلالة على مذهب الشافعي والإمام أحمد وإسحاق وسائر أصحاب الحديث وابن وهب وابن عبد الحكم وابن [علي]، قال الإمام أحمد: رويت الصلاة على القبر من ستة وجوهٍ حسان كلها، زاد ابن عبد البر فيها وجهان، وقد فعل ذلك الصحابة مع النبي ﷺ وبعده، وعن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى على قبر بعد شهر، وعنه أنه ﷺ
следующие страницы →