← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 1447–1486 · переход к 1452.

стр. 1447

قوله: عن أبي هريرة، تقدم. قوله ﷺ : "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره" الحديث، تقدم الكلام على هذا الحديث في العلم مبسوطا. خاتمة: قال ابن الأثير في النهاية في حديث أبي هريرة: "إذا زوقتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدبار عليكم" هو بالفتح الهلاك (١) انتهى.

стр. 1448

[الترغيب في تنظيف المساجد وتطهيرها وما جاء في تخميرها] ٤٢٤ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنَّ امْرَأَة سَوْدَاء كَانَت تقم الْمَسْجِد ففقدها رَسُول الله ﷺ فَسَأَلَ عَنْهَا بعد أَيَّام فَقيل لَهُ: إِنَّهَا مَاتَت، فَقَالَ: "فَهَلا آذنتموني؟ " فَأتى قبرها فصلى عَلَيْهَا، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح وَاللَّفْظ لَهُ، وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ: إِن امْرَأَة كَانَت تلقط الْخرق والعيدان من الْمَسْجِد (١). ٤٢٥ - وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضًا وَابْن خُزَيْمَة عَن أبي سعيد ﵁ قَالَ: كَانَت سَوْدَاء تقم الْمَسْجِد فَتُوُفِّيَتْ لَيْلًا، فَلَمَّا أصبح رَسُول الله ﷺ أخبر بهَا فَقَالَ: "أَلا آذنتموني؟ " فَخرج بِأَصْحَابِهِ فَوقف على قبرها فَكبر عَلَيْهَا وَالنَّاس خَلفه ودعا لهَا ثمَّ انْصَرف (٢). قوله: "عن أبي هريرة"، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، ففقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها بعد أيام، فقيل له: إنها ماتت، قال: "فهلا آذنتموني؟ "

стр. 1449

فأتى قبرها فصلى عليها" الحديث. ورواه ابن خزيمة في صحيحه إلا أنه قال: "إن امرأة كانت تلتقط الخرق والعيدان من المسجد"، وروى أبو الشيخ الأصبهاني عن عبيد بن مرزوق قال: كانت امرأة بالمدينة تقم المسجد فماتت فلم يعلم بها النبي ﷺ فقال: "ما هذا القبر؟ " فقالوا: أم محجن، قال: "التي كانت تقم المسجد" قالوا: نعم، فصف الناس فصلى عليها، الحديث (١). وروى الطبراني عن ابن عباس أنه ﷺ أمرهم أن يعلموه بموتها فلم يعلموه بذلك كرهوا أن يشقوا عليه (٢) كما ذكر من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن مسكينة ماتت (٣) وهذه المسكينة هي المرأة في هذا الحديث، ويحكى أن امرأة كانت تكنس المساجد وكانت تُسمّى مسكينة فرؤيت في المنام فقيل لها: كيف حالك يا مسكينة؟ فقالت: هيهات ذهبت المسكنة (٤)، وروي عن ابن عباس قال: مات إنسان كان رسول الله ﷺ يعوده فمات بالليل فدفنوه ليلًا فلما أصبح أخبروه فقال: "ما منعكم أن تعلموني؟ " قالوا: كان الليل فكرهنا وكانت [ظلمة] فكرهنا أن نشق عليك، فأتى قبرها فصلى عليه،

стр. 1450

هذا لفظ البخاري، وهذا الحديث متفق عليه (١)، وفي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة: أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، أو شابًّا ففقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها أو عنه فقالوا: ماتت وذكر الحديث، إلى أن قال: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها بصلاتي عليها" وهذا الحديث قد اختلف فيه: هل كانت امرأة أو رجلًا، وقد روي بالشك، وعند ابن ماجه: أن امرأة سوداء، وعنه في طريق آخر ورجل فلعلهما اثنان. قوله ﷺ : "فهلا آذنتموني" إلى آخره، أي: فهل لا أعلمتموني؟ وفي رواية أبي الشيخ: أم محجن؛ والحاصل من الحديث أن من دفن بغير صلاة فإنه يصلى على قبره ولا يخرج ولا يترك بغير صلاة، وفيه سؤاله ﷺ عن هذه المسكينة، ففيه تنبيه على أن لا تحتقر مسلم ولا تصغر أمره. وفيه: بيان ما كان عليه النبي ﷺ من التواضع والرفق بأمته، وحسن تعهده وكرم أخلاقه ورأفته ورحمته والقيام بحقوقهم والاهتمام بمصالحهم في آخرتهم ودنياهم. وفيه: دليل على ما كان عليه النبي ﷺ من الخلق الجميل في العفو وأنه أمر أصحابه فلم يفعلوا ما أمرهم به وله معاتبتهم. وفيه: دليل لاستحباب الإعلام بالموت وذلك ردًّا على من قال: إذا مت لا تشعروا بي أحدًا [وسلوني] إلى ربي سلًا (٢)، وقد كان جماعة يكرهون

стр. 1451

ذلك ورخص فيه آخرون، ودلائل السنة تدل على جواز ذلك والحمد لله، فأما الذين كرهوا ذلك فابن مسعود وأصحابه، واختلف في ذلك عن ابن عمر وإبراهيم وعلقمة، قال إبراهيم: إذا كان من يحمل الجنازة فلا يؤذن أحدًا مخافة أن يقال: ما أكثر من اتبعه (١)، وقال علقمة بن قيس حين حضرته الوفاة: فإذا مت فلا تؤذنوا بي أحدًا، يتبعني من يحملني إلى حفرتي، ورخص في الإعلام بالموت جماعة منهم أبو هريرة وغيره، والأصل في الباب قوله ﷺ : "أفلا آذنتموني بها" ونعى النبي ﷺ النجاشي للناس، ونعى النبي ﷺ أيضًا أصحاب مؤتة على المنبر رجلًا رجلًا (٢)، قال أبو عمر: شهود الجنائز أجر وبر وتقوي، والإذن بها تعاون على البر والتقوى وإدخال الأجر على الشاهد والميت (٣)، وفيه دلالة على مذهب الشافعي والإمام أحمد وإسحاق وسائر أصحاب الحديث وابن وهب وابن عبد الحكم وابن [علي]، قال الإمام أحمد: رويت الصلاة على القبر من ستة وجوهٍ حسان كلها، زاد ابن عبد البر فيها وجهان، وقد فعل ذلك الصحابة مع النبي ﷺ وبعده، وعن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى على قبر بعد شهر، وعنه أنه ﷺ

стр. 1452

صلى على قبر بعد ثلاث ليال، رواه الدارقطني، وعن سعيد بن المسيب أن أم سعد ماتت والنبي ﷺ غائب فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر، رواه الترمذي (١)، وروى الإمام أحمد من حديث ابن أبي مليكة أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق توفي فحمل على الرقاب ستة أميال إلى مكة وكانت عائشة قد قدمت بعد ذلك فقالت: أروني قبر أخي فأروها، فصلت عليه وكان قدومها بعد ذلك بشهور (٢)، انتهى (٣). وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما: لا تعاد الصلاة ولا يصلى على القبر وبه قال الثوري والأوزاعي والحسن بن حي والليث بن سعد، وتأول أصحاب مالك بحيث منعوا الصلاة على القبر بتأويلات لا فائدة في ذكرها لظهور فسادها (٤)، فمنها: أن ذلك لا يجوز بحيث لم يصل الوالي أو الولي فإن كان كذلك جاز للولي والوالي أن يصلي عليه وهو ﵇، قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٥)، ومنها: أن النبي ﷺ كان وعدها أن

стр. 1453

يصلي عليها ووفى بوعده، ومنها: أن ذلك مخصوص بالنبي ﷺ ، قيل: الأصل فيه التخصيص قال ابن القاسم قلت: لمالك فالحديث الذي جاء أنه ﷺ صلى على قبر امرأة، قال: جاء هذا [الحديث] وليس عليه العمل، قلت: عمل من ذكرناه والحمد لله، وإنما أراد عمل عصره، [وقال أبو عمر] من صلى على جنازة قد صلي عليها فقد فعل خيرًا، ولم يأت بما يدلّ على منعه ولا نسخه، وقد أجمع العُلماء أنه لا يصلى على القبور القديمة قاله القرطبي في شرح [الموطأ] (١)، وفيه [نظر ونقل ابن الصباغ من الشافعية عن مذهبه وجها] بإنه يصلي على القبر أبدًا (٢)، فعلى هذا تجوز الصلاة على قبور الصحابة [إلى اليوم]، وقيل: غير ذلك وهذا كلّه في غير قبر النبي ﷺ فلا تجوز الصلاة على قبره ﷺ على الأوجه كلها، والحكمة فيه أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام [يرفعون] بعد موتهم (٣)، وقال أبو الوليد النيسابوري: تجوز الصلاة عليه فرادى لا جماعة [والنهي الوارد] في الأحاديث الصحيحة إنما هو عن الجماعة فيها، وكان أبو الوليد يقول: أنا أصلي [اليوم على قبور] الأنبياء والصالحين، وقطع بهذا أبو الطيب والمحاملي ورجحه أبو حامد وغير من أكابر الشافعية (٤)، انتهي، قاله في شرح الإلمام، وفيه: الحث على

стр. 1454

عيادة المريض وإباحة عيادة المرأة بشرطه، وفيه: أن الصلاة على القبر واقفا يفعل كما يفعل على الجنائز سواء، وفيه: الصف على الجنائز وجواز التكبير عليها أربع تكبيرات (١)، وسيأتي ما يدعى به للميت وما يقوله في كلّ تكبيرة في بابه إن شاء الله تعالي، وفيه: أن الدفن كان ليلا، وقد جاء النهي أن يقبر الرجل ليلًا، وقد اختلف العُلماء في الدفن بالليل فكرهه الحسن البصري وغيره من السلف فإن اضطر إلى ذلك فلا بأس، وقال جماهير العُلماء من السلف والخلف لا يكره الدفن بالليل واستدلوا بأن أبا بكر الصديق، وجماعة من السلف دفنوا ليلًا من غير إنكار وبحديث المرأة السوداء المذكور في الباب أنه توفيت ليلا فدفنت بالليل، وقال النبي ﷺ "أفلا آذنتموني" (٢) والله أعلم. ٤٢٦ - وروى الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن امْرَأَة كانَت تلقط القذى من الْمَسْجِد فَتُوُفِّيَتْ فَلم يُؤذن النَّبي ﷺ بدفنها فَقَالَ النَّبِي ﷺ : "إِذا مَاتَ لكم ميت فآذنوني" وَصلَّى عَلَيْهَا وَقَالَ إِنِّي رَأَيْتهَا فِي الْجنَّة تلقط القذى من الْمَسْجِد (٣).

стр. 1455

٤٢٧ - وروى أَبُو الشَّيْخ الأصْبَهَانِيّ عَن عبيد الله بن مَرْزُوق قَالَ كَانَت امْرَأَة بِالْمَدِينةِ تقم الْمَسْجِد فَمَاتَتْ فَلم يعلم بهَا النَّبِي ﷺ فَمر على قبرها فَقَالَ مَا هَذَا الْقَبْر فَقَالُوا قبر أم محجن قَالَ الَّتِي كَانَت تقم الْمَسْجِد قَالُوا نعم فَصف النَّاس فصلى عَلَيْهَا ثمَّ قَالَ أَي الْعَمَل وجدت أفضل قَالُوا يَا رَسُول الله أتسمع قَالَ مَا أَنْتُم بأسمع مِنْهَا فَذكر أنَّهَا أَجَابَتْهُ قُم الْمَسْجِد وَهَذَا مُرْسل. (١) قُم الْمَسْجِد: بِالْقَافِ وَتَشْديد الْمِيم هُوَ كَنْسه. قوله ﷺ في رواية الطبراني: أن امرأة كانت تلقط القذى من المسجد، الحديث، والقذى جمع قذاة وهو ما يقع فى الماء والعين والشراب من تراب أو تبن أو ريح أو غير ذلك (٢)، ويؤيد ذلك أيضًا ما في حديث أبي هريرة الذي رواه ابن خزيمة وغيره أن امرأة كانت تلقط الخرق والعيدان من المسجد (٣). ٤٢٨ - وَرُوِيَ عَن أبي قرصافة أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول ابْنُوا الْمَسَاجِد وأخرجوا القمامة مِنْهَا فَمن بنى لله مَسْجِدا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله وَهَذِه الْمَسَاجِد الَّتِي تبنى فِي الطَّرِيق قَالَ نعم وَإِخْرَاج القمامة

стр. 1456

مِنْهَا مُهُور الْحور الْعين رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (١). القمامة بِالضَّمِّ الكناسة وَاسم أبي قرصافة بِكَسْر الْقَاف جندرة بن خيشنة. قوله: "عن أبي قرفاصة"، واسم أبي قرفاصة بكسر القاف: جندرة بن خيشنة، كذا قاله الحافظ المنذري. قوله ﷺ : "نظفوا المساجد وأخرجوا القمامة منها" الحديث، القمامة بالضم الكناسة، قاله المنذري، والجمع: قمام، قاله الجوهري (٢). ٤٢٩ - وَعَن أنس ﵁: قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "عرضت عَليّ أجور أُمتِي حَتَّى القذاة يُخرجهَا الرجل من الْمَسْجِد، وَعرضت عَليّ ذنُوب أمتِي فَلم أر ذَنبًا أعظم من سُورَة من الْقُرْآن أَو آيَة أوتيها رجل ثمَّ نَسِيَهَا" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه كلهم من رِوَايَة الْمطلب ابن عبد الله بن حنْطَب عَن أنس، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، قَالَ وذاكرت بِهِ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يَعْنِي البُخَارِيّ فَلم يعرفهُ وَاسْتَغْرَبَهُ، وَقَالَ مُحَمَّد: لَا أعرف للمطلب بن عبد الله سَمَاعًا من أحد من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ إِلَّا قَوْله: حَدثنِي من شهد خطْبَة النَّبِي ﷺ ، وَسمعت عبد الله بن عبد الرَّحْمَن يَقُول: لا نَعْرِف للمطلب سَمَاعًا من أحد من أَصْحَاب

стр. 1457

النَّبِي ﷺ ، قَالَ عبد الله: وَأنكر عَليّ بن الْمَدِينِيّ أَن يكون الْمطلب سمع من أنس (١). قَالَ الْحَافِظ: عبد الْعَظِيم قَالَ أَبُو زرْعَة: الْمطلب ثِقَة أَرْجُو أَن يكون سمع من عَائِشَة وَمَعَ هَذَا فَفِي إِسْنَاده عبد الْمجِيد بن عبد الْعَزِيز بن أبي رواد وَفِي توثيقه خلاف يَأْتِي فِي آخر الْكتاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قوله: "عن أنس"، تقدم. قوله ﷺ : "عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد" الحديث، الأجور جمع أجر وهو ما جزى الله به العبد في الآخرة في مقابلة الأعمال الصالحات، وتقدم تفسير القذاة في الحديث قبله، ورووه كلهم من رواية المطلب بن عبد الله بن حنطب، قال الحافظ: قال أبو زرعة المطلب فقد جاز أن يكون سمع من عائشة، انتهى. قال في الديباجة: المطلب بن عبد الله بن حنطب أبو الحكم المدني قال ابن سعد: روى عن أبيه وعمر بن الخطاب وابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك وأبي موسى الأشعري وأبي هريرة وأبي رافع وعائشة وأم سلمة، قال ابن سعد: قد كان كثير الحديث لا يحتج به لأنه كان يرسل عن النبي ﷺ كثيرًا وليس له لقي، وعامة أصحابه يدلسون وعامة أحاديثه مرسلة، وقال الدَّارقُطْنِي: هو ثقة وكذا قال أبو زرعة فيه كما تقدم من قول المنذري، والده

стр. 1458

عبد الله بن حنطب فهو صحابي، وقيل: لا صحبة له، وروى له الترمذي، ووقع في رواية عن عبد العزيز بن المطلب عن أبيه عن جدّه عن عبد الله بن حنطب، وذلك وهم وليس عن جدّه عن عبد الله بن حنطب، قال الترمذي: هذا مرسل عبد الله بن حنطب يرسل عن النبي ﷺ (١) انتهى. قوله: "ففي إسناده عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد"، قال النووي: اسم أبي رواد ميمون، وعبد العزيز يكنى أبا عبد الرحمن وهو خراساني، سمع نافعًا وسالمًا وعكرمة، قال ابن معين: هو ثقة صدوق (٢)، وقال شقيق: ذهبت بصر عبد العزيز عشرين سنة ولم يعلم به أهله ولا ولده فتأمله ابنه [ذات يوم فقال: يا أبت] ذهبت عيناك، قال نعم يا بني، الرضا عن الله أذهب عين أبيك منذ عشرين سنة (٣)، وقال يوسف بن أسباط: مكث عبد العزيز بن أبي رواد أربعين سنة لم يرفع طرفه إلى السماء، فبينما هو يطوف حول الكعبة إذ طعنه المنصور بإصبعه في خاصرته فالتفت إليه وقال: قد علمت أنها طعنة جبار (٤)، أسند عبد العزيز عن جماعة من كبار التابعين وهو مولى المهلب بن أبي صفرة الأزدي، أخو عثمان وجبلة والحكم وعباد، وفي اسم أبيه أقوال، قال القطَّان: ثقة لا يترك حديثه لرأي أخطأ فيه وهو

стр. 1459

الإرجاء، وثقه ابن معين وأبو هشام، وقال ابن المبارك: أنه كان يتكلم ودموعه تسيل وكان من أعبد الناس وتوفي بمكة سنة تسع وخمسين ومائة (١)، قاله في كتاب مختصر مجمع الأحباب. ٤٣٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أخرج أَذَى من الْمَسْجِد بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَفِي إِسْنَاده احْتِمَال للتحسين (٢). قوله: "عن أبي سعيد الخدري"، تقدم. قوله ﷺ : "من أخرج أذى من المسجد" الحديث، تقدم الكلام على إخراج القمامة من المسجد وغيرها. ٤٣١ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب ﵁ قَالَ: "أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نتَّخذ الْمَسَاجِد في دِيَارنَا وأمرنا أَن ننظفها" رَوَاهُ أَحْمد وأبو داود (٣) وَقَالَ حَدِيث صَحِيح (٤).

стр. 1460

٤٣٢ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: "أمرنَا رَسُول الله ﷺ بِبِنَاء الْمَسَاجِد فِي الدّور وَأَن تنظف وتطيب" رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح إِلَيّ وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (١) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مُسْندًا ومرسلا وَقَالَ فِي الْمُرْسل هَذَا أصح (٢). قوله: عن سمرة بن جندب، كنيته: أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الرحمن وأبو عبد الله وأبو سليمان وأبو سمرة، جندب بن هلال بن حريج بحاء مفتوحة ثم راء مكسورة ثم مثناة تحت ثم جيم، توفي أبوه وهو صغير فقدمت به أمه المدينة فتزوجها أنصاري وكان في حجره حتى كبر قبل إجازة النبي ﷺ يوم أحد، وغزى مع رسول الله ﷺ غزوات، سكن البصرة، يروي عن رسول الله ﷺ مائة حديث وثلاثة وعشرون حديثًا، اتفقا منها على حديثين، فانفرد البخاري بحديثين ومسلم بأربعة أحاديث، توفي بالبصرة سنة تسع وخمسين وقيل سنة ثمان وخمسين، وقال البخاري: توفي سمرة بعد أبي هريرة يقال: آخر سنة تسع وخمسين، ويقال: سنة ست (٣). قوله: أمرنا رسول الله ﷺ أن نجمل المساجد في ديارنا، قال ذو النسيبين

стр. 1461

ابن دحية في كتابه العلم المشهور إذا قال الصحابي: أمرنا رسول الله بكذا ونهانا عن كذا وجب حمله على الوجوب، وحكى عن أبي بكر بن داود إذا قال: لا يحمل على الوجوب حتى ينقل إلينا لفظ الرسول ﷺ وما قاله ليس بصحيح لأن معرفة الأمر من غير طريقة اللغة، وإذا كنا نحتج في اللغة والتمييز بين الأمر وغيره بقول امرؤ القيس والنابغة وهما كأقران فبأن يحتج بقول الصحابي أولى لكونهم من أفصح العرب وما يقترن بذلك من ثناء الله عليهم بالفضل والدين والصحبة لسيد المرسلين ﷺ (١) انتهى. قوله: "وأن نتخذ المساجد في ديارنا وأمرنا أن ننظفها" وفي رواية من حديث سمرة "أن نصلح صنعها" وفي حديث عائشة الذي بعده فقالت: أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد كما تقدم وأن تنظف وتطيب، الحديث، قال سفيان: الدور هي القبائل والمحال، قال العُلماء: يستحب بناء المساجد وعمارتها واتخاذها في السكك والمحال والدور، ولا يمنع أحد من بناء المساجد إلا أن يقصد به الضرر فيمنع، ففيه الرخصة لمن بعد عن المسجد أن يبني في محلته مسجدا [وإن قدر على] الإتيان من البعد وليس هذا من باب تفريق الجماعات فإن ذلك عند القرب بخلاف [كلمة غير واضحة] المسجد تجد المسجد أو قريبا منه، فإن ذلك يشبه مسجد الضرار وربما يكعون للمباهاة، والافتخار، وإن كان ضيقا استحب توسعته واتخاذ

стр. 1462

مسجدًا آخر (١)، قال البغوي (٢): قال عطاء: لما فتح الله تعالى على عمر بن الخطاب الأمصار أمر المسلمين ببناء المساجد وأمرهم أن لا يبنوا في مدينتهم مسجدين يضار أحدهما الآخر، وقال القاضي أبو بكر ابن العربي: أمر النبي ﷺ قبائل الأنصار ببناء المساجد فيهم لئلا يشق عليهم الاختلاف إلى مسجده ﷺ فيؤدي ذلك إلى إسقاط الجماعة (٣). قوله: "وأمرنا أن ننظفها" أو في حديث عائشة: "وأن تنظف" ففيه استحباب كنس المساجد وتطهيرها، ويستحب أن لا يمتهن بأكل ما يلوثها ونحو ذلك (٤). وأما الوضوء فيها فقد بوب ابن ابي شيبة في مصنفه على أجره، ونقل فعله عن النبي ﷺ وعن جماعة من الصحابة وغيرهم، قال: ولا أعلم أحدًا كرهه (٥). وكره ابن عباس أن يتخذ المسجد مقيلًا ومبيتًا، وقد نقل نوم أهل الصفة فيه وغير ذلك فتحمل كراهته على من كان له مأوى بخلاف الغريب

стр. 1463

ونحوه (١)، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا. قوله: "وتطيب"، فيه استحباب تجمير المساجد بالبخور ونحوه وهو مطلوب معمول به وكما تنظف من الأشياء الحسية فكذلك المعنوية كاللغط والكذب والأقوال والأفعال المكروهة وكذلك الطيب المعنوي بالقراءة والذكر والصلاة ونحوها (٢)، والله أعلم. ٤٣٣ - وَرُوِيَ عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "جَنبُوا مَسَاجِدكُمْ صِبْيَانكُمْ وَمَجَانِينكُمْ وشراءكم وَبَيْعكُمْ وَخُصُومَاتكُمْ وَرفع أَصْوَاتكُم وَإِقَامَة حُدُودكُمْ وسل سُيُوفكُمْ وَاتَّخذُوا على أَبْوَابهَا الْمَطَاهِر وَجَمِّرُوهَا فِي الْجمع" رَوَاهُ ابْن مَاجَه (٣) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَن أبي الدَّرْدَاء وَأبي أُمَامَة وواثلة (٤) وَرَوَاهُ فِي الْكَبِير أَيْضا بِتَقْدِيم وَتَأْخِير من

стр. 1464

رِوَايَة مَكْحُول عَن معَاذ وَلم يسمع مِنْهُ. (١) جمروها أَي بخروها وزنا وَمعنى. قوله: عن واثلة بن الأسقع، تقدم. قوله ﷺ : "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم" الحديث، الصبيان بكسر الصاد هي اللغة المشهورة، وحكى ابن دريرد ضمها، قال الجوهري الصبي الغلام والجمع صبية وصبيان، والجارية صبية والجمع الصبايا مثل مطية ومطايا، والصبا أيضًا مر الشوق، فقال منه: تصابا وصبا يصبو صبوة، أي: مال إلى الجهل (٢). قال الشاعر: شيئان يعجز ذو الرياضة عنهما ... رأي النساء وإمرة الصبيان أما النساء فميلهن إلى الهوى ... وأخو الصبا يجري بغير عنان (٣)

стр. 1465

والصبوة الميل إلى الجهل ومنه قولهم لكل شاب صبوة ولكل جواد كبوة ولكل عالم غفلة، وكما قالوا الجواد يكبو والنار تخبو والصارم ينبو، والإنسان محل النسيان (١) انتهى. قاله في الديباجة. قال النووي ﵀: قال جماعة منهم المتولي: يكره إدخال البهائم والمجانين والصبيان الذين لا يميزون المسجد من غير حاجة مقصودة لأنه لا يؤمن بتنجيسهم المسجد ولا يحرم ذلك لأنه ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ صلى حاملا أمامة بنت زينب وطاف على بعيره ولا ينفي هذا الكراهة لأنه ﷺ فعل ذلك بيانا للجواز أو ليظهر ليقتدى به ﷺ فيكون حينئذ أفضل في حقه فإن البيان واجب عليه ﷺ (٢)، ونقل في الروضة في كتاب الشهادات باب العدة أن إدخال الصبيان والمجانين المسجد حرام (٣) انتهى. وأطلق النووي في الروضة المنع من دخول الصبيان والمجانين في المسجد وهو ظاهر في المجانين إذا خيف منهم تلوث أما مع الأمن والتمييز فلا لأن غير المميز كالبهيمة ويحمل على أن لا نمنعه من إدخاله المسجد وإن كان الأولى فيه تنزيه المسجد عمن لا يؤمن منه حدّث. فرع: ثياب الصبيان وأبدانهم ولعابهم محمولة على الطهارة حتى تتيقن النجاسة فيجوز الصلاة في ثيابهم والأكل معهم في المائع إذا غمسوا فيه

стр. 1466

أيديهم ودلائل هذا كلّه من السنة والإجماع مشهورة قاله النووي (١). قوله: وشراؤكم وبيعكم وسيأتي الكلام على البيع والشراء في المسجد قريبا إن شاء الله تعالى. قوله: وخصوماتكم ورفع أصواتكم" يكره اللغط ورفع الصوت في المسجد، ففي مصنف ابن أبي شيبة أن عمر ﵁ رجلًا رافعا صوته في المسجد، فقال: "أتدري أين أنت؟ " وحكى بن عبد البر في كتاب العلم عن مالك أن سئل عن رفع الصوت في المسجد للعلم فقال لا خير في ذلك العلم ولا في غيره لقد أدركت الناس قديما يعيبون ذلك في مجلسه وأنا أكره ذلك ولا أرى فيه خيرا، قال أبو عمر: وأجاز ذلك قوم منه أبو حنيفة ومسلمة بن مسلمة من المالكية (٢). قوله ﷺ : "وإقامة حدودكم" يكره إقامة الحدود في المسجد الحرام وغيره من المساجد، قال أبو حنيفة يحرم إقامة الحدود في المسجد الحرام على من جنى خارجه ثم التجأ إليه لاحتمال تلوث المسجد بجرح أو حدّث نص عليه الإمام الشافعي في الأم ونقله عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى خالف فيه، فلو فعل ذلك في المسجد وقع الموقع لكن هل يكون حراما ظاهر كلام البغوي والرافعي في باب حد الشرب أنه حرام لأنه ما شبهاه بالصلاة بالأرض المغصوبة يعصي وتجزئ وعليه اقتصر بن الصباغ في باب الأقضية وصرح

стр. 1467

الرافعي في باب الأقضية بأنه مكروه كراهة تنزيه وبه صرح الروياني في البحر، ولعل وجه من حرمه أنه مظنة خروج النجاسة فالتحق بالحائض في تحريم العبور إذا خافت التلويث وعبارة الشافعي في المختصر والأم لإقامة الحدود في المسجد كره قال الروياني فإن كان في إقامته تلويمث المسجد كقطع يده في السرقة ونحوه حرم فعله في المسجد قال ابن المنذر: وروينا عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄ أنهما أمرا بإخراج من عليه عقوبة من المسجد وهو مذهب عكرمة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق والقاضي وابن البلخي وروينا عن الشعبي أنه ضرب يهوديا حدا في المسجد وقال ابن أبي ليلى فيه قول ثالث وهو التسهيل في ضرب الدرة والدرتين في المسجد ومنع إقامة الحدود فيه الأكثرون من أهل العلم على القول الأول ولا يتبين لي أن يأثم من إقامة الحد في المسجد لأني لم أجد الدلالة على ذلك قال الروياني وحكم التعزير حكم الحد في أنه لا يقام في المسجد إلا التعزير بالكلام فلا بأس به في أي موضع كان والله أعلم قاله الزركشي (١). فائدة: يكره اتخاذ المسجد أيضًا مجلسًا للحكم والفصل بين الخصوم ولأن مجلس القاضي معرض لحضور الخصوم وربما كان فيهم الكافر والحائض والجنب وربما ارتفعت أصواتهم وحصل منهم اللغط. في الخصومات وقد نهى النبي ﷺ عن رفع الصوت في المساجد فإن اتخذه مجلسًا للحكم فطريقه ألا يمكن أحدًا من المسجد

стр. 1468

الخصوم بل يتركون خارجه لما تجري بينهم من خصومة ونحوها كحلف وصلح وغير ذلك ثم يستدعي المتداعين والشهود ومن دعته الضرورة إلي عنده ويأمرهم بحفظ حرمة المسجد، وقال الإمام مالك لا يكره الجلوس في المسجد للقضاء ولعله محمول على غير أوقات الصلاة فأما أوقات الصلاة فإنه يجوز بشرط أن لا يشوش على الحاضرين والمصلين لأن البقعة مستحبة للصلاة والقراءة ونحوها ونص الشافعي في الأم على كراهة القضاء أيضًا واختلف كلام ابن الصباغ فأجاب في الأقضية بالتحريم وفي باب الحدود بالكراهة وقال الصيدلاني في شرح المختصر: أما إذا اتفق حكم في المسجد فلا بأس إنما المكروه أن يتخذ المسجد لهذا، قال: وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز، قال: ويستحب أن يكون مجلس القاضي بقرب المسجد لتؤكد اليمين به والله أعلم قاله ابن العماد في الكتاب الذي ألفه لزوار المساجد (١). قوله ﷺ : "وسل سيوفكم" والمعنى في ذلك تأكيد لحرمة المسجد لئلا يروع بها أو يؤذى بها لأن المساجد مملوءة بالخلق ولاسيما أوقات الصلاة (٢) ويكره أيضًا سل السيوف في المسجد، وأما إقراره ﷺ الحبشة على لعبهم بالحراب والسيوف في المسجد يوم العيد فهو مخصوص بما أقره ﷺ من جهة التدريب على الحرب والتمرين فيه والتفنن

стр. 1469

عليه فهو من باب المندوب ويلتحق به ما في معناه من الأسياف المعينة للجهاد وأنواع البر (١). قوله ﷺ : "واتخذوا على أبوابها المطاهر": يجوز بناء المطاهر بالقرب من المساجد والتوضأ منها (٢). قوله ﷺ : "وجمروها في الجمع" أي بخروها وزنه ومعناه قاله الحافظ المنذري وقال بعضهم التجمير مأخوذ من جمر النار ولأن الغالب في البخور أن يجعل الجمر في المجمر ويوضع عليه الطيب ما كان من عود أو نحوه ثم يتبخر به فقال المنذري يلي ذلك مجمر ومجمر، ومنه نعيم المجمر كان يلي أجمار مسجد رسول الله ﷺ قاله في كتاب المغيث (٣) وأنكر الإمام مالك تجمير المسجد، واستحب بعض السلف تخليق المساجد بالزعفران والطيب وروي عنه ﷺ فعله وقاله الشعبي هو سنة وذكر بن أبي شيبة عن أبي نجيح أن ابن الزبير لما بنى الكعبة طلى حيطانها بالمسك قاله الزركشي (٤).

стр. 1470

[الترهيب من البصاق في المسجد وإلى القبلة، الباب إلى آخره] ٤٣٤ - عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: "بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ يخْطب يَوْمًا إِذْ رأى نخامة فِي قبْلَة الْمَسْجِد فتغيظ على النَّاس ثمَّ حكها قَالَ: وَأَحْسبهُ قَالَ فَدَعَا بزعفران فلطخه بِهِ وَقَالَ إِن الله قبل وَجه أحدكُم إِذا صلى فَلَا يبصق بَين يَدَيْهِ" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ (١). ٤٣٥ - وروى ابْن مَاجَه عَن الْقَاسِم بن مهْرَان وَهُوَ مَجْهُول عَن أبي رَافع عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ رأى نخامة فِي قبْلَة الْمَسْجِد فَأقبل على النَّاس فَقَالَ مَا بَال أحدكُم يقوم مُسْتَقْبل ربه فيتنخع أَمَامه أَيُحِبُّ أحدكُم أَن يسْتَقْبل فيتنخع فِي وَجهه إِذا بَصق أحدكُم فليبصق عَن شِمَاله أَو ليتفل هَكَذَا فِي ثَوْبه ثمَّ أَرَانِي إِسْمَاعِيل يَعْنِي ابْن علية يبصق فِي ثَوْبه ثمَّ يدلكه (٢). قوله: عن ابن عمر تقدم الكلام على فضائله. قوله: "بينا رسول الله ﷺ يخطب إذ رأى نخامة في قبلة المسجد" الحديث، المسجد بكسر الجيم ويقال بفتحها المسجد لموضع السجود.

стр. 1471

قوله: "إذ رأى نخامة في قبلة المسجد" النخامة بضم النون وبالخاء المعجمة والميم قال ابن الأنباري هي بمعنى النخاعة بالعين وهما بمعنى ما يطرحه الإنسان من فيه من رطوبة صدره أو رأسه وفرق بعضهم بينهما فجعله من الرأس بالميم ومن الصدر بالعين فقال تنخم وتنخع حكاهما في المشارق (١)، وفي رواية "رأى مخاطا أو بصاقا في قبلة المسجد" قال أهل اللغة: المخاط من الأنف والبصاق من الفم (٢) وفيه ثلاث لغات بالصاد والسين والزاي مشهورة وهم على وزن فعال بضم الفاء والثلاثة بمعنى واحد والمخاط أيضًا بوزنهم قاله الكرماني (٣). قوله: "في قبلة المسجد" اختلفت الأحاديث في البصاق الذي وجده النبي ﷺ في القبلة هل كان في مسجده ﷺ أو في مسجد آخر، فقيل إنه كان في مسجد الأنصار بدليل (٤) ما رواه مسلم وأبو داود من رواية عبادة بن الوليد قال: أتينا جابرًا وهو في مسجده فقال: أتانا رسول الله ﷺ في مسجدنا هذا، وفي يده عرجون ابن طاب، فرأى في قبلة المسجد نخامة فحكها بالعرجون، الحديث (٥)، وعرجون بن طاب نوع من تمور المدينة قاله عياض (٦).

стр. 1472

وفيه أن البصاق والمخاط والنخاعة طاهرات وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين إلا ما حكاه الخطابي عن إبراهيم النخعي أنه قال البصاق نجس قال النووي ولا أظنه يصح عنه (١) فإنه لو لم يكن طاهرا لما أمر بدفنه في المسجد في قوله ﷺ "البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها" (٢) ولا بأن يبصقه في ثوبه ويدلكه كما هو مذكور في آخر الحديث في قوله ثم أراني إسماعيل يعني ابن عليه يبصق في ثوبه ثم يدلكه (٣). قوله: "فتغيظ على الناس" وفي حديث أبي سعيد الخدري الذي بعده "ثم أقبل على الناس مغضبا" كما سيأتي ما يدلّ على تحريم البصاق في القبلة أو في المسجد، وهذا النهي هل هو على التحريم أو التنزيه قال أبو عبد الله القرطبي: هذه الأحاديث تدل على التحريم (٤) وأطلق جماعة من الشافعية كراهة البصاق في المسجد منهم المحاملي وسليمان الرازي والروياني وأبو العبَّاس الجرجاني وصاحب البيان والكراهة هنا محمولة على التحريم، وجزم النووي في شرح المهذب والتحقيق بتحريمه وكأنه تمسك بقوله ﷺ في الحديث الصحيح "البصاق في المسجد خطيئة" (٥) وحكى القرطبي عن

стр. 1473

ابن مكي أنه إنما يكون خطيئة لمن تفل فيه ولم يدفنه (١). قوله: فدعا بزعفران فلطخه به وهذا يدلّ على استحباب تزيين المساجد بالصفرة والحمرة وقد قال عطاء لا بأس بكتابة القرآن في قبلة المسجد (٢)، وعن عثمان ﵁ أنه غير مسجد رسول الله ﷺ فزاد فيه زيادة كبيرة وزينها بالحجارة المنقوشة والفضة وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج لكنه معارض بما روى أبو داود في سننه عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ "ما أمرت بتشييد المساجد"، وقال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى" (٣) وروى البخاري عن عمر أنه أمر ببناء المساجد وقال: أكن الناس [من المطر وإياك] أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس، وقال أنس: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلًا (٤)، وفي الصحيحين عن عائشة أن النبي ﷺ صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، وفي آخر الحديث قال: "فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي" (٥)، والخميصة كساء مربع له أعلام، وفي الحديث دليل على كراهة ما يلهي قلب المصلي بسببه، فكره

стр. 1474

وجلان قلبه مما يشاهده ويراه، ومن ذلك الصلاة على الحصر المخططة والثياب التي فيها خطوط وألوان مختلفة كالثياب اليمينية التي تنسخ للصلاة عليها، ولذلك الصلاة على الجدران المزوقة بحمرة أو صفرة، ومذهبنا أنه يكره كتابة القرآن في جدران المسجد وسقفه وفي غير المسجد احتراما للقرآن فإنه يعرضه بالكتابة لوقوع الغبار عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (١) والمكنون المصون (٢)، [فتجب صيانته من وقوع الغبار عليه، ولأنه ربما سقط الجدار فوقع بالأرض وتفرَّقت حروفه ولو سقطت ورقة فيها آية مكتوبة أو اسم من أسماء الله تعالى فإن أمكنه صيانتها فى موضع يأمن عليها من الامتهان فعل وإن لم يمكنه حفظها وصيانتها فنقل القمولى فى الجواهر عن الشيخ عز الدين ابن عبد السَّلام إن شاء غسلها وإن شاء حرقها ولا يضعها فى مكان لأنها قد تسقط فتوطأ بالأقدام قال بعض مشايخنا الحرق على قصد صيانة اسم الله تعالى أولى من الغسل لأن الصحابة حرقوا مصاحف كتبت من القرآن ولأن كعب بن مالك ألقى الصحيفة التى جائته من ملك غسان فى التنور وفيها اسم الله قال الحليمى فى المنهاج: ومن تعظيم الله ﷻ وتعظيم رسوله ﷺ أن لا يحمل على مصحف القرآن، ولا على جوامع السنن كتاب ولا شيء من متاع البيت ما كان. وإن ينفض الغبار عنه إذا أصابه، وأن لا يمس أحد يده من

стр. 1475

طعام ولا غيره بورقة فيها ذكر الله أو ذكر رسوله ﷺ ولا يمزقها تمزيقًا (١)، لما فيه من تقطيع الحروف وتفريق الكلم وفى ذلك إزراء بالمكتوب والله أعلم (٢)] انتهى. وفيه: أن البصاق لا تبطل الصلاة وكذا النخع إن لم يبن منه حرفان أو كان مغلوقا عليه والله أعلم (٣). قوله ﷺ : "فإن الله قبل وجه أحدكم" قبل بفتح القاف وفتح الباء هو الجهة أي: رحمة الله وفضله وإقباله عليه فلا تقابل ذلك بالبصاق المستقذر الذي يحتقر به ويهان من يلقى عليه، وهذا أيضًا على سبيل التشبيه أي كأنه تعالى في مقابل وجهه، وفيه تعظيم جهة القبلة وتحذير من الاستخفاف بحقها، وقد جاء أن الرحمة تواجه المصلي (٤). وفيه: النهي عن البصاق بين يدي المصلي وعن يمينه، وهذا عام في المسجد وغيره (٥). وأجمع العُلماء على أن العمل القليل في الصلاة لا يضرها (٦)، قال ابن عبد البر في التمهيد عند ذكر هذا الحديث: فما أدري أراد العمل القليل نفس البصاق أو أراد ما ورد في حديث

стр. 1476

آخر من كونه يبصق في ثوبه أو أراد أن النبي ﷺ حكه من القبلة وهو في الصلاة وهو الظاهر (١) والله أعلم. قوله ﷺ : "ما بال أحدكم يقوم مستقبل القبلة" أو قال: "فيتنخع أمامه" بفتح الهمزة أي: قدامه، لعل النهي عن البصاق أمامه بكونه مناجاة لله، قاله في حديث ابن عمر في أول الباب، فإن الله قبل وجهه إذا صلي، أي: الجهة التي عظمها ولا منافاة بين هذا الحديث، فإن المراد إقبال الله على المصلي قال صاحب المفهم: إنه لما كان المصلي توجه بوجهه وقصده وكليته إلى هذه الجهة نزلها في حقه منزلة وجود الله تعالى فيكون هذا من باب الاستعارة كما قال في الحجر الأسود: "يمين الله في الأرض" أي: بمنزلة يمين الله، وقد أول الإمام أحمد بن حنبل هذا الحديث قال الإمام أبو عبد الله القرطبي، وقد يجوز أن يكون من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه فكأنه قال: مستقبل قبلة ربه أو رحمة ربه (٢). قال النووي: معنى الحديث، فإن الله قبل الجهة التي عظمها، وقيل: فإن قبلة الله وقبلة ثوابه ونحو ذلك [فلا يقابل هذه الجهة] بالبصاق الذي هو الاستخفاف لمن يبزق إليه وتحقيره (٣)، فإن قلت: ما معنى كون

стр. 1477

الرب بينه وبين القبلة إذ لا يصح على ظاهره، لأن الله تعالى منزه عن الحلول في المكان تعالى عنه، قلت: معناه: للتشبيه أي كأنه بينه وبين القبلة، قال الخطابي معناها أن توجهه إلى القبلة ينبي بالقصد منه إلى ربه فصار في التقدير كأن مقصوده بينه وبين قبلته فأمر أن تصان تلك الجهة عن البصاق ونحوه من أثقال البدن (١) والله أعلم. قوله: في رواية ابن ماجه عن القاسم بن مهران وهو مجهول [كذا هو قال وإنما هو القاسم بن مهران القيسي، مولى بني قيس بن ثعلبة، وهو خال هشيم قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن مَعين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح (٢)]. قوله: رواه إسماعيل، يعني ابن علية، هو إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن علية بضم العين وفتح اللام الإمام المشهور قاضي دمشق، كان يقال له ريحانة الفقهاء وسيد المحدّثين، قال الإمام أحمد بن حنبل: له المنتهى في التثبت بالبصرة، قال: وفاتني مالك فأخلف الله عليّ سفيان بن عيينة وفاتني حمَّاد بن زيد فأخلف الله عليّ ابن علية، وقال أبو داود: ما أحد من المحدّثين إلا وقد أخطأ إلا ابن علية وبشر بن الفضل ولا أحفظ للشافعي غلطا وكانت عُليّةَ أمه من الصالحات قرأ عليها صالح المري وغير توفي في سنة ثلاث وتسعين ومائة، روى له الجماعة (٣) انتهى قاله في الديباجة.

стр. 1478

٤٣٦ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِي ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُعجبهُ العراجين أَن يمْسِكهَا بِيَدِهِ فَدخل الْمَسْجد ذَات يَوْم وَفِي يَده وَاحِد مِنْهَا فَرَأى نخامات فِي قبْلَة الْمَسْجِد فحتهن حَتَّى أنقاهن ثمَّ أقبل على النَّاس مغضبا فَقَالَ أَيُحِبُّ أحدكم أَن يستقبله رجل فيبصق فِي وَجهه إِن أحدكم إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة فَإِنّمَا يسْتَقْبل ربه وَالْملك عَن يَمِينه فَلَا يبصق بَين يَدَيْهِ وَلا عَن يَمِينه الحَدِيث رَوَاهُ ابْن خُزَيمَة فِي صحِيحه (١). ٤٣٧ - وَفي رِوَايَة لَهُ بِنَحْوِهِ إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ فَإِنَّ الله بَين أَيْدِيكُم فِي صَلَاتكُمْ فَلَا توجهوا شَيْئا من الْأَذَى بَين أَيْدِيكُم الحَدِيث وَبَوَّبَ عَلَيْهِ ابْن خُزَيْمَة بَاب الزّجر عَن تَوْجِيه جَمِيع مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم أَذَى تِلْقَاء الْقبْلَة فِي الصَّلَاة (٢). قوله: عن أبي سعيد الخدري، تقدم. قوله: أن رسول الله ﷺ كان يحب العراجين أن يمسكها بيده، الحديث؛ العراجين: جمع عرجون وهو عود [الكباسة] الذي يتفرق منه الشماريخ إذا يبس واعوج، قاله الأصمعي (٣). قوله: فرأى نخامات في قبلة المسجد، والنخامات جمع نخامة، وتقدم

стр. 1479

الكلام على النخامة والنخاعة والبزاق في أول الباب في الكلام على الحديث الأول والله أعلم. قوله: فحتهن حتى أنقاهن، قال ابن بطال (١): جاءني في بعض الطرق أنه حتها بعد الصلاة، والحت: حت الورق من الغصن أي إسقاطه وإزالته ثم إن كان ذلك في الصلاة فهو عمل يسير لا يؤثر في الصلاة كما تقدم قريبا، قاله الكرماني (٢). قوله: "إن أحدكم إذا قام إلى الصلاة فإنما يستقبل ربه والملك عن يمينه فلا يبصقن بين يديه ولا عن يمينه" الحديث، وإنما نهى عن البصاق عن اليمين تشريفا لها، وفي رواية البخاري: "فلا يبصقن أمامه ولا عن يمينه" فإن عن يمينه ملكا، قال القاضي عياض ﵀: والنهي عن البصاق عن يمينه هو مع إمكان غير اليمين، فإن تعذر غير اليمين بأن يكون عن يساره مصلٍ فله البصاق عن اليمين لكن الأولى تنزيه اليمين عن ذلك ما أمكن (٣). قوله: "فإن عن يمينه ملكا" وعلل النهي بذلك، قال صاحب المفهم يقال على هذا إن صح هذا التعليل لزم عليه أن لا يبصق عن يساره، فإن عليه أيضًا ملكًا بدليل قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ (٤) قال: والجواب

стр. 1480

بعد تسليم أن على شماله ملكا أن ملك اليمين أعلى وأفضل فاحترم ما لم يحترم به غيره (١). تنبيه: فإن قلت: عن اليسار أيضًا ملك إذ كلّ إنسان يلزمه ملكان كاتب الحسنات على اليمين وكاتب السيئات على الشمال، قال الله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧)﴾ (٢). قلت: عند الصلاة التي هي أم الحسنات البدنية لا دخل لكاتب السيئات فليس عند المصلي إلا ملك اليمين أو يقال: المراد بهذا الملك غير الكرام الكاتبين (٣) والله أعلم. فائدة: ينبغي أن يستثنى من كراهة البصاق عن اليمين إذا كان في مسجد النبي ﷺ مستقبل القبلة فإن بصاقه عن يمينه أولى لأن النبي ﷺ عن يساره، وفي الأثر كما روى ابن عساكر عن عبادة بن الصامت عن معاذ بن جبل قال: ما بزقت عن يميني منذ أسلمت (٤). ٤٣٨ - وَعَن جَابر بن عبد الله ﵁ قَالَ: "أَتَانَا رَسُول الله ﷺ فِي مَسْجِدنَا وَفِي يَده عرجون فَرَأى فِي قبْلَة الْمَسْجِد نخامة فَأقبل عَلَيْهَا فحتها بالعرجون ثمَّ قَالَ أَيّكُم يحب أَن يعرض الله عَنهُ إِن أحدكم إِذا قَامَ يُصَلِّي فَإِن الله تَعَالَى

стр. 1481

قبل وَجهه فَلَا يبصقن قبل وَجهه وَلَا عَن يَمِينه وليبصق عَن يسَاره تَحت رجله الْيُسْرَى فَإِن عجلت بِهِ بادرة فليتفل بِثَوْبِهِ هَكَذَا وَوَضعه على فِيهِ ثمَّ دلكه" الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره (١). قوله: "عن جابر بن عبد الله"، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "أتانا رسول الله ﷺ في مسجدنا وفي يده عرجون"، تقدم الكلام على العرجون وعلى النخامة وعلى بقية ألفاظ الحديث. قوله: "وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى"، الحديث، وقد ورد في حديث آخر: الإذن في البصاق خلفه، رواه النسائي، وفي حديث جابر ما يثبت أن الترخص في البصاق في المسجد ما هو إذا كان فراش المسجد حصرًا وترابًا أو رملًا دون ما كان رخامًا أو بلاطًا أو بساطا أو حصيرًا، وقد حكاه صاحب المفهم عن بعضهم فقال: وقد سمعت من بعض مشايخنا أن ذلك إنما يجوز إذا لم يكن في المسجد إلا التراب أو الرمل كما كانت مساجدهم في الصدر الأول، فأما إذا كان في المسجد بسط أو ما له من الحصر مما يفسده البصاق ويقذره فلا يجوز احترامًا للملائكة، قال في شرح الأحكام: قلت: وقد ورد دلكها بالتفل عوضًا عن الدفن فيما رواه مسلم من حديث عبد الله ابن الشخير (٢).

стр. 1482

وقال بعض العلماء: الأمر بالبصاق عن يساره وتحت قدمه هو فيما إذا كان في غير المسجد، فأما إذا كان في المسجد فلا يبصق إلا في ثوبه (١). قوله: "فإن عجلت به بادرة" بالدال المهملة أي غلبته بصقة أو نخامة بدرت منه فلم يقدر على حبسها فليقل بثوبه هكذا ووضعه على فيه ودلكه. ٤٣٩ - وَعَن حُذَيْفَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ من تفل تجاه الْقبْلَة جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وتفلته بَين عَيْنَيْهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان في صَحِيحَيْهِمَا (٢) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من حَدِيث أبي أُمَامَة وَلَفظه قَالَ من بَصق فِي قبْلَة وَلم يوارها جَاءَت يَوْم الْقِيَامَة أحمى مَا تكون حَتَّى تقع بَين عَيْنَيْهِ (٣) تفل بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوق أَي بَصق بوزنه وَمَعْنَاهُ. قوله: عن حذيفة، هو حذيفة بن اليمان، أسلم حذيفة وأبوه وهاجرا إلى رسول الله ﷺ وشهدا بدرًا وأحدًا مع رسول الله وقتل أبوه يومئذ قتله المسلمون خطأ فوهب حذيفة لهم دمه، وأسلمت أم حذيفة وهاجرت، وكان حذيفة صاحب سر رسول الله ﷺ في المنافقين يعلمهم وحده، وكان حذيفة كثير السؤال لرسول الله ﷺ عن أحاديث الفتن والشر ليجتنبها، وكانت وفاته

стр. 1483

بعد قتل عثمان بأربعين ليلة، وفي صحيح مسلم عن حذيفة قال: أخبرني رسول الله ﷺ عما كان إلى أن تقوم الساعة، وفي صحيح مسلم أيضًا عنه قال: والله إني أعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وقال حذيفة: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، وتقدم الكلام أيضًا على مناقبه (١). قوله ﷺ : "من تفل تجاه القبلة" الحديث، تفل بالتاء المثناة من فوق وفتح اللام وتقدم معناه، قاله المنذري. والتفل نفخ معه أدنى بصاق وهو أكثر من النفث، قاله ابن الأثير (٢). قوله: ورواه الطبراني ولفظه: "من بصق في قبلة ولم يوارها" الحديث، بصق بالصاد المهملة والسين، وتقدم أن فيها ثلات لغات وأنكر ابن قتيبة بسق، وقال: قد أول بسق طال وارتفع، قال الله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ (٣) أي طويلات مرتفعات، قال الصيدلاني: وتجري اللغات في كلّ كلمة فيها صاد وقاف نحو صقر وسقر وزفر وكذلك الملصوق (٤). فرع: يجوز البصاق في سائر المدارس والربط لأن حرمتها ليست كحرمة المسجد، ولهذا يجوز للجنب اللبث فيها كدار السكن، وينبغي تحريم

стр. 1484

البصاق في قبلتها وكذا في قبلة مصلى العيد ونحو ذلك، ويدل عليه الأخبار السالفة (١) والله اعلم. تتمة: قال ابن بطال: فيه إكرام القبلة وتنزيهها لأن المصلي يناجي ربه فوجب عليه أن يكرم القبلة بما يكرم به المخلوقين إذا ناجاهم واستقبلهم بوجهه بل قبلة الله تعالى أولى بالإكرام، ومن أعظم الجفاء وسوء الأدب أن يتوجه إلى رب الأرباب وتتنخم في توجهك وقد أعلمنا الله بإقباله على من توجه إليه (٢) والله أعلم، انتهى. ٤٤٠ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "يبْعَث صَاحب النخامة فِي الْقبْلَة يَوْم الْقِيَامَة وَهِي فِي وَجهه" رَوَاهُ الْبَزَّار وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَهَذَا لَفظه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٣). قوله: عن ابن عمر تقدم الكلام على بعض مناقبه. قوله ﷺ : "يبعث صاحب النخامة في القبلة وهي في وجهه" الحديث، النخامة هي البزقة تخرج من أقصى الحلق ومن مخرج الخاء المعجمة (٤)، وذكر رزين العبدري بسنده عن عبيدة بن عمير أن رسول الله ﷺ رأى نخامة

стр. 1485

في قبلة المسجد فقال: "من فعل هذا؟ أيسر أحدكم أن تكون كية في وجهه يوم القيامة" (١) وفي رواية من حديث عقبة أن النبي ﷺ قال: "وأن المسجد لبيت كل تقي، ومن ابتلع ريقه في المسجد تعظيما له أعقبه الله صحة في جسمه وعافية في بدنه" (٢) وذكر أيضًا عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: "من ازدرد ريقه في المسجد تعظيما لحق المسجد جعل الله ذلك صحة في جسمه وكتب له حسنة ومحا عنه سيئة" (٣) فهذه الأحاديث صريحة في تحريم البصاق في المسجد والله أعلم. ٤٤١ - وَعَن أنس ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "البصاق فِي الْمَسْجِد خَطِيئَة وكفارتها دَفنهَا" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (٤). ٤٤٢ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "التفل فِي الْمَسْجِد سَيِّئَة وَدَفنه حَسَنة" رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ (٥).

стр. 1486

قوله: عن أنس، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها" الحديث، والخطيئة: الإثم والكفارة التكفير الخطايا أي تسترها ونحوها. واعلم أن البصق في المسجد خطيئة مطلقا سواء احتاج إلى البصاق أو لم يحتج بل يبصق في ثوبه فيحرم البصاق في المسجد كما جزم به النووي في التحقيق وشرح المهذب (١). قوله ﷺ : "البصاق في المسجد خطيئة" وكذا قال الصيمري: البصاق في المسجد معصية، كذا قال الروياني والجرجاني والمحاملي وسليم الرازي وغيرهم بالكراهة، الكراهة محمول على التحريم (٢) كما تقدم، فمن بصق في المسجد فقد ارتكب الخطيئة وعليه أن يكفر هذه الخطيئة، وهذا هو الصواب أن البصاق في المسجد خطيئة كما صرح به رسول الله ﷺ قاله العلماء. وأما قوله ﷺ : "وكفارتها" فمعناه: إن ارتكب هذه الخطيئة [٢١٨] فعليه تكفيرها كما أن الزنا وشرب الخمر وقتل الصيد في الإحرام محرمات وخطايا وإذا ارتكبها فعليه عقوبتها (٣)، فالتكفير هو فعل ما يجب بالحنث
следующие страницы →