← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 1482–1521 · переход к 1487.

стр. 1482

وقال بعض العلماء: الأمر بالبصاق عن يساره وتحت قدمه هو فيما إذا كان في غير المسجد، فأما إذا كان في المسجد فلا يبصق إلا في ثوبه (١). قوله: "فإن عجلت به بادرة" بالدال المهملة أي غلبته بصقة أو نخامة بدرت منه فلم يقدر على حبسها فليقل بثوبه هكذا ووضعه على فيه ودلكه. ٤٣٩ - وَعَن حُذَيْفَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ من تفل تجاه الْقبْلَة جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وتفلته بَين عَيْنَيْهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان في صَحِيحَيْهِمَا (٢) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من حَدِيث أبي أُمَامَة وَلَفظه قَالَ من بَصق فِي قبْلَة وَلم يوارها جَاءَت يَوْم الْقِيَامَة أحمى مَا تكون حَتَّى تقع بَين عَيْنَيْهِ (٣) تفل بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوق أَي بَصق بوزنه وَمَعْنَاهُ. قوله: عن حذيفة، هو حذيفة بن اليمان، أسلم حذيفة وأبوه وهاجرا إلى رسول الله ﷺ وشهدا بدرًا وأحدًا مع رسول الله وقتل أبوه يومئذ قتله المسلمون خطأ فوهب حذيفة لهم دمه، وأسلمت أم حذيفة وهاجرت، وكان حذيفة صاحب سر رسول الله ﷺ في المنافقين يعلمهم وحده، وكان حذيفة كثير السؤال لرسول الله ﷺ عن أحاديث الفتن والشر ليجتنبها، وكانت وفاته

стр. 1483

بعد قتل عثمان بأربعين ليلة، وفي صحيح مسلم عن حذيفة قال: أخبرني رسول الله ﷺ عما كان إلى أن تقوم الساعة، وفي صحيح مسلم أيضًا عنه قال: والله إني أعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وقال حذيفة: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، وتقدم الكلام أيضًا على مناقبه (١). قوله ﷺ : "من تفل تجاه القبلة" الحديث، تفل بالتاء المثناة من فوق وفتح اللام وتقدم معناه، قاله المنذري. والتفل نفخ معه أدنى بصاق وهو أكثر من النفث، قاله ابن الأثير (٢). قوله: ورواه الطبراني ولفظه: "من بصق في قبلة ولم يوارها" الحديث، بصق بالصاد المهملة والسين، وتقدم أن فيها ثلات لغات وأنكر ابن قتيبة بسق، وقال: قد أول بسق طال وارتفع، قال الله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ (٣) أي طويلات مرتفعات، قال الصيدلاني: وتجري اللغات في كلّ كلمة فيها صاد وقاف نحو صقر وسقر وزفر وكذلك الملصوق (٤). فرع: يجوز البصاق في سائر المدارس والربط لأن حرمتها ليست كحرمة المسجد، ولهذا يجوز للجنب اللبث فيها كدار السكن، وينبغي تحريم

стр. 1484

البصاق في قبلتها وكذا في قبلة مصلى العيد ونحو ذلك، ويدل عليه الأخبار السالفة (١) والله اعلم. تتمة: قال ابن بطال: فيه إكرام القبلة وتنزيهها لأن المصلي يناجي ربه فوجب عليه أن يكرم القبلة بما يكرم به المخلوقين إذا ناجاهم واستقبلهم بوجهه بل قبلة الله تعالى أولى بالإكرام، ومن أعظم الجفاء وسوء الأدب أن يتوجه إلى رب الأرباب وتتنخم في توجهك وقد أعلمنا الله بإقباله على من توجه إليه (٢) والله أعلم، انتهى. ٤٤٠ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "يبْعَث صَاحب النخامة فِي الْقبْلَة يَوْم الْقِيَامَة وَهِي فِي وَجهه" رَوَاهُ الْبَزَّار وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَهَذَا لَفظه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٣). قوله: عن ابن عمر تقدم الكلام على بعض مناقبه. قوله ﷺ : "يبعث صاحب النخامة في القبلة وهي في وجهه" الحديث، النخامة هي البزقة تخرج من أقصى الحلق ومن مخرج الخاء المعجمة (٤)، وذكر رزين العبدري بسنده عن عبيدة بن عمير أن رسول الله ﷺ رأى نخامة

стр. 1485

في قبلة المسجد فقال: "من فعل هذا؟ أيسر أحدكم أن تكون كية في وجهه يوم القيامة" (١) وفي رواية من حديث عقبة أن النبي ﷺ قال: "وأن المسجد لبيت كل تقي، ومن ابتلع ريقه في المسجد تعظيما له أعقبه الله صحة في جسمه وعافية في بدنه" (٢) وذكر أيضًا عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: "من ازدرد ريقه في المسجد تعظيما لحق المسجد جعل الله ذلك صحة في جسمه وكتب له حسنة ومحا عنه سيئة" (٣) فهذه الأحاديث صريحة في تحريم البصاق في المسجد والله أعلم. ٤٤١ - وَعَن أنس ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "البصاق فِي الْمَسْجِد خَطِيئَة وكفارتها دَفنهَا" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (٤). ٤٤٢ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "التفل فِي الْمَسْجِد سَيِّئَة وَدَفنه حَسَنة" رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ (٥).

стр. 1486

قوله: عن أنس، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها" الحديث، والخطيئة: الإثم والكفارة التكفير الخطايا أي تسترها ونحوها. واعلم أن البصق في المسجد خطيئة مطلقا سواء احتاج إلى البصاق أو لم يحتج بل يبصق في ثوبه فيحرم البصاق في المسجد كما جزم به النووي في التحقيق وشرح المهذب (١). قوله ﷺ : "البصاق في المسجد خطيئة" وكذا قال الصيمري: البصاق في المسجد معصية، كذا قال الروياني والجرجاني والمحاملي وسليم الرازي وغيرهم بالكراهة، الكراهة محمول على التحريم (٢) كما تقدم، فمن بصق في المسجد فقد ارتكب الخطيئة وعليه أن يكفر هذه الخطيئة، وهذا هو الصواب أن البصاق في المسجد خطيئة كما صرح به رسول الله ﷺ قاله العلماء. وأما قوله ﷺ : "وكفارتها" فمعناه: إن ارتكب هذه الخطيئة [٢١٨] فعليه تكفيرها كما أن الزنا وشرب الخمر وقتل الصيد في الإحرام محرمات وخطايا وإذا ارتكبها فعليه عقوبتها (٣)، فالتكفير هو فعل ما يجب بالحنث

стр. 1487

والاسم منه الكفارة والخطيئة هي فعله ولك أن تشدد الياء ومعناها الإثم كما تقدم (١)، قال ابن بطال وإنما كان البصاق في المسجد خطيئة لنهيه ﷺ عنها ومن فعل ما نهي عنه فقد أتى بالخطيئة ثم إنه ﷺ علم أنه لا يكاد يسلم من ذلك أحد فعرف أمته ﷺ كفارة تلك الخطيئة (٢). واختلف العلماء في المراد بدفنها فقال الجمهور يدفنها بتراب المسجد ورمله وحصائه إن كان فيه شيء من ذلك وإلا فيخرجها ولو مسحها بيده أو خرقة كان أفضل ولو كانت أرضا صلبة فليخرجها أو يمسحها بخرقة أو نحوها، وحكى الروياني من أصحابنا قولا أن المراد إخراجها من المسجد مطلقا، ولعله لاحظ خلاف بعضهم في نجاسة البصاق كما تقدم نقله بعضهم وقد حكاه ابن أبي شيبة عن سلمان الفارسي (٣). فرع: لا يجوز دلك البصاق بنعل فيه نجاسة أو قذر يلوث المسجد قطعا وهذا ما يتساهل فيه بعض الناس فيجتنب (٤)، وفي الحديث تنزيه المساجد عن النجاسات والمستقذرات ويكره تلويث المسجد بالأكل فيه ورمي العظم فيه (٥) ويستحب تطييبه بالبخور ونحوه وإزالة ما يقع فيه مما نهي عنه

стр. 1488

ولطخ مكانه بعبير ونحوه ولو خارقًا كما فعله ﷺ لما حكه من القبلة، وأما في التراب فكفارته دفنه، ومن رأى من يبصق في المسجد لزمه الإنكار ومنعه منه إن قدر ومن رأى بصاقا أو نحوه في المسجد فالسنة أن يزيله بدفنه أو إخراجه (١) والله أعلم. فائدة: حكى أبو العباس القرطبي عن بعضهم أنه قال: إنما يكون البصاق في المسجد خطيئة لمن تفل فيه ولم يدفنه لأنه يقذر المسجد ويتأذى به من تعلق به فأما من اضطر إلى ذلك ففعل ودفنه فلم يأت خطيئة ولهذا سماها كفارة فالتكفير التغطية فكأن دفنها غطى ما يكون عليه ممن الإثم، قال أبو العباس: ويدل على صحة هذا التأويل حديث أبي ذر: "وجدت في مساوئ أعمالها النخامة في المسجد لا تدفن" (٢) بأن تدلك ويضعها غير مدفونة (٣). قال القفال في فتاويه: وقد ذكر حديث "النخامة في المسجد خطيئة" هذا الخبر محمول على ما كان نزل من الرأس أما إذا كان من صدره نجسا فلا يجوز دفنه في المسجد انتهى قاله الزركشي الشافعي (٤)، قال العلماء: أما البصاق في غير المسجد وغير الصلاة عن اليمين وقبالة المسجد فلا تكره

стр. 1489

مطلقا حملا لمطلق الروايات على مقيدها، ويحتمل أن يقال إنما يحمل المطلق على المقيد في الأمر لا في النهي قاله الكمال الدميري (١). وفي أمره ﷺ بدفن النخامة في المسجد دليل على تنظيف المسجد وتنزيهه عما يستقذر وهو كذلك ويعضد ذلك أيضا ما روي عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد، لا تدفن". فهذه النخامة من مساوئ الأعمال فكيف بأعظم من ذلك أذى المسلم باليد واللسان وهتك العرض وانتهاك الحرمات، فيستحب لمن رأى نخامة في المسجد أن يدفنها أو يخرجها، فقد روى النسائي أن رسول الله ﷺ رأى نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمر وجهه، فجاءته امرأة من الأنصار فحكتها، وجعلت مكانها خلوقًا، فقال رسول الله ﷺ : "ما أحسن هذا" ولا خلاف أنه يحرم البصاق في المسجد بغير حاجة وأن من بصق في المسجد استهانة به كفر وكذلك لو بصق على القرآن بقصد الاستهانة كفر قاله ابن العماد في شرح العمدة (٢). فائدة أخرى في قوله ﷺ : "البصاق في المسجد خطيئة" الحديث، فإن قيل فحديث الصحيحين لا يدل على التحريم لأنه لا يلزم من الكفارة حصول

стр. 1490

الإثم فقد تكون الكفارة عن غيره كقتل الخطأ وقتل الصيد في الحرم خطأ والإحرام فقد يكون عن عمل لا إثم فيه ككفارة الحنث بالحلف بالله تعالى ومن قال لزوجته أو أمته أنت علي حرام يريد بذلك تحريم عينها فإن الكفارة تجب ولا إثم على قائله بل في الحديث دليل على الجواز لأنه لو كان معصية لم يكفر بالدين وحده بل بالتوبة والجواب أن التوبة عن كل ذنب معلوم وجوبه فيكون معنى قوله ﷺ وكفارتها دفنها أي مع التوبة أو أن ذلك شرطا من شروط التوبة بدليل تسميتها خطيئة وسيئة ولأنها جناية منه فاشترط لصحة التوبة إزالتها كما لا تصح التوبة من الغاصب والسارق إلا برد المغصوب والمسروق قاله أيضًا في شرح العمدة (١). ٤٤٣ - وَعَن أبي سهلة السَّائِب بن خَلاد من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ أَن رجلا أم قومًا فبصق فِي الْقبْلَة وَرَسُول الله ﷺ ينظر فَقَالَ رَسُول الله ﷺ حِين فرغ: "لا يُصَلِّي لكم هَذَا فَأَرَادَ بعد ذَلِك أَن يُصَلِّي لَهُم فمنعوه وَأَخْبرُوهُ بقول رَسُول الله ﷺ فَذكر ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ نعم وحسبت أَنه قَالَ إِنَّك آذيت الله وَرَسُوله" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٢). قوله: عن أبي سهلة السائب بن خلاد من أصحاب النبي ﷺ ، هو: أبو سهلة السائب بن خلاد [بن سويد بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة بن امرؤ

стр. 1491

القيس بن عمرو بن امرؤ القيس بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث الأنصاري، الخزرجي، وأمه ليلى بنت عبادة من بني ساعدة، والد خلاد بن السائب، له صحبة قال أبو عبيد: شهد بدرا، وولي اليمن لمعاوية، وله أحاديث. روى عنه ابنه خلاد (١)]. قوله: أن رجلا أم قوما فبصق في القبلة ورسول الله ﷺ ينظر، الحديث، قال العلماء إذا كان الإمام يرتكب المكروهات في الصلاة كره الاقتداء به لحديث أبي سهلة هذا، وينبغي للناظر وولي الأمر عزله إذ أن النبي ﷺ عزله بسبب بصاقه في قبلة المسجد وكذلك يكره الإقتداء به، والموسوس لأنه يشك في أفعال نفسه كما نقله أبو الفتوح العجلي (٢)، ومن المكروهات أيضًا السدل في الصلاة [وهو إرسال الثوب إلى السراويل] حتى تصيب الأرض، ويحرم على قصد الخلاء ولا يكره السدل حتى لمن طلب بالزيادة الستر ويكره أيضًا أن يصلي الرجل وهو متلثم لأنه ﷺ رأى رجلا كذلك فقال [اكشف وجهك واللحية] فإنها من الوجه، أورده في الحاوي (٣)، ويكره للمرأة أيضًا أن تصلي وهي منتقبة (٤) ذكره ابن العماد في كتابه. وتحريم البصاق في المسجد لأنه ﷺ سماها خطيئة وسيئة، وقد قال لفاعله: "إنك [آذيت الله ورسوله] وعزله عن

стр. 1492

ولاية الإمامة حين رأى ذلك والنبي ﷺ كان لا يغضب إلا أن تنتهك حرمات الله كما صرح البغوي بتحريم نضح المسجد بالماء المستعمل فتحريم البصاق أولى، وقال جماعة من الأصحاب لفظ الكراهة على البصاق في المسجد ولعل مرادهم كراهة التحريم للفعلين الأولين للتعبير عن التحريم بالكراهة، قال الصيدلاني في شرح المختصر: كانوا يتحرزون عن قولهم حرام تأدبا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ (١)، وقد سمى الله تعالى الحرام مكروهًا قال الله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (٢) قاله ابن العماد (٣). ٤٤٤ - وَعَن عبد الله بن عمرو ﵄ قَالَ أَمر رَسُول الله ﷺ رجلا يُصَلِّي بِالنَّاسِ الظّهْر فتفل فِي الْقبْلَة وَهُوَ يُصَلِّي للنَّاس فَلَمَّا كَانَت صَلَاة الْعَصْر أرسل إِلَى آخر فأشفق الرجل الأول فجَاء إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله أأنزل فِي شَيْء قَالَ لا وَلَكِنَّك تفلت بَين يَديك وَأَنت قَائِم تؤم النَّاس فآذيت الله وَالْمَلَائِكَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد جيد (٤). قوله: "عن ابن عمر"، تقدم الكلام على مناقبه.

стр. 1493

قوله: أمر رسول الله ﷺ رجلًا يصلي بالناس الظهر فتفل في القبلة، الحديث؛ تفل معناه بصق، وتقدم الكلام على البصاق وأن فيه ثلاث لغات. قوله: فلما كانت صلاة العصر أرسل إلى آخر فأشفق الرجل الأول، الإشفاق هو الخوف. ٤٤٥ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "إِن العَبْد إِذا قَامَ فِي الصَّلَاة فتحت لَهُ الْجنان وكشفت لَهُ الْحجب بَينه وَبَين ربه واستقبله الْحور الْعين مَا لم يمتخط أَو يتنخع" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِي إِسْنَاده نظر (١). قوله: عن أبي أمامة هو الباهلي، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "إن العبد إذا قام في الصلاة فتحت له الجنان وكشفت له الحجب بينه وبين ربه واستقبله الحور العين ما لم يتمخط أو يتنخع" سيأتي الكلام على فتح أبواب الجنان في ذكر الجنة وعلى كشف الحجب بين العبد وبين ربه وعلى الحور العين إن شاء الله تعالى، وتقدم الكلام على المخاط أنه من الأنف، قاله أهل اللغة، والتنخع والنخاعة وهي البزقة التي تخرج من أصل الفم مما يلي أصل النخاع (٢).

стр. 1494

٤٤٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول من سمع رجلًا ينشد ضَالَّة فِي الْمَسْجِد فَلْيقل لَا ردهَا الله عَلَيْك فَإِن الْمَسَاجِد لم تبن لهَذَا رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَغَيرهم (١). قوله: عن أبي هريرة، تقدم. قوله ﷺ : "من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك" الحديث، أي: يرفع صوته في المسجد، قال أهل اللغة: يقال: نشدت الضالة إذا طلبتها وأنشدتها إذا عرفتها، ورواية هذا الحديث ينشد ضالة بفتح الياء وضم الشين (٢)، وسمي ناشدا لها لرفع صوته بالطلب (٣)، والضالة لما ذهب عنه ولم يجده (٤)، وإنما نهي عن إنشاد الضالة في المسجد لما فيه من التشويش على المصلين والإقبال على الدنيا في موضع الآخرة وله مندوحة عن ذلك بأن يقف على بابه والشوارع والأسواق والمحافل، وأما المساجد فلا لما يتعلق لذكر الله وما يتعلق بأمور الآخرة وليست من أسواق الدنيا ولا بأس بالشيء الخفيف من ذلك كتفريق الصدقة وقسمة مال الغنيمة كما وضع ﵇ في مسجده المال الذي جاء من الغزو وقسمه فيه، ولا ينشد فيه الضالة إجماعًا (٥)، قاله في شرح الإلمام.

стр. 1495

قوله: وإنشاد الشعر أي: رفع الصوت به، وقيل: معنى نشدتك الله أي سألتك بالله برفع نشيدتي أي صوتي (١)، والضالة أيضا الحيوان يضل بنفسه (٢) واللقطة ما سواه من الأموال كالدراهم والدنانير ونحوها، وقد تطلق اللقطة على الضالة مجازا، والفرق بين اللقطة والمال الضائع معروف (٣)، تعرف اللقطة عند أبواب المساجد حال خروج الناس من الصلاة ولا تُعرف داخلها لكن صحح الماوردي والشافعي ذلك في المسجد الحرام (٤)، ولعل ذلك مخصوص بأيام الحج، وينبغي استثناء مسجد منى في أيام العشر ومسجد المدينة وبيت المسجد في أيام زيارتهما (٥) والله أعلم. قوله ﷺ : "فليقل له لا ردها الله عليك" دعاء عليه، وذهب بعض أهل العلم إلى إيجاب الدعاء عليه، وأوجب الأئمة الظاهرية بما ورد وعندنا لا يجب بل يستحب للأمر به وكأنه يستحق ذلك بعد أن علم، وهذا فيمن لم يقدر على أن يسكته أو يخرجه من المسجد وهو عالم بالنهي وإلا فالنهي والإحرام متعين أو مستحب، ولمن يقول بالكراهة أنه لا يفعل ذلك لعموم تحريمه بل يزجره بأي شيء كان والله أعلم قاله في شرح الإلمام.

стр. 1496

قوله ﷺ : "فإن المساجد لم تبن لهذا" أشار ﷺ للضالة، ويدخل في هذا كل أمر لم يبن المسجد له من معاملات الناس واقتضاء حقوقهم وغيره، وفي الحديث النهي عن نشد الضالة في المسجد وكراهة رفع الصوت فيه (١). ٤٤٧ - وَعنهُ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا رَأَيْتُمْ من يَبِيع أَو يبْتَاع فِي الْمَسْجِد فَقولُوا لَا أربح الله تجارتك وَإِذا رَأَيْتُمْ من ينشد ضَالَّة فَقولُوا لَا ردهَا الله عَلَيْك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِنَحْوِهِ بالشطر الأول (٢). قوله: وعنه، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد" الحديث يبتاع معناه: يشتري، قد كره بعض الشافعية البيع والشراء في المسجد وحرمه الظاهرية وظاهر الحديث يقتضي التحريم فينبغي أن لا يمسك ضالة في المسجد ولا

стр. 1497

يبيع ولا يشتري ولا يؤجر ولا يستأجر، ويلتحق بالبيع والشراء ما في معناه من العقود، وللشافعي قول إنه لا يكره فيه البيع ولا الشراء، ورخص للمعتكف البيع والشراء في المسجد من غير إحضار السلعة فيه للحاجة، وذكر صاحب البيان المسألة في كتاب الاعتكاف، وحكى فيه قولين عن حكاية ابن الصباغ فإن يكون محتاجا إلى شراء قوته وما لابد منه لم يكره، وإن كان أكثر من ذلك لم يبطل اعتكافه قاله الزركشي (١)، وذهبت الحنفية إلى أن المراد بالحديث أن يتخذ المسجد سوقا، وظاهر الحديث يأبي ذلك، وقال ابن خزيمة في صحيحه: لو لم يكن البيع منعقد لم يكن لقول النبي ﷺ "لا أربح الله تجارتك" معنىً (٢)، وقال الطحاوي ﵀: هذا إذا غلب عليه كالمستغرق، أما الفعل القليل منه فلا بأس به، وينبغي اجتنابه، وقد قال الرافعي في كتاب الشهادات، قال صاحب العمدة: من الصغائر البيع والشراء في المسجد، قال في الروضة في [زوائد الروضة في آخر كتاب الجمعة:] البيع في المسجد مكروه يوم الجمعة وغيره على الأظهر، ومنها: الجلوس للبيع والشراء للتجارة وهو ممنوع منه إذ حرمة المسجد تأبي اتخاذه حانوتًا (٣). قوله: "فقولوا لا أربح الله تجارتك" تقدم الكلام على أن المراد بذلك الدعاء عليه وأن بعض العلماء ذهب إلى إيجاب الدعاء عليه كما تقدم.

стр. 1498

قوله ﷺ : "وإذا رأيتم من ينشد ضالة، فقولوا لا رد الله عليك" تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله. فائدة في رد الضالة: روي عن ابن عمر أنه قال: من ضلت ضالته يصلي ركعتين ثم يقول بعد الفراغ من التشهد: اللهم يا هادي الضالة ويا راد الضالة اردد علي ضالتي بعزك وسلطانك فإنه من فضلك وعطائك (١)، انتهى. ٤٤٨ - وَعَن بُرَيْدَة ﵁ أَن رجلًا نَشد فِي الْمَسْجِد فَقَالَ من دَعَا إِلَى الْجمل الْأَحْمَر فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَا وجدت إِنَّمَا بنيت الْمَسَاجِد لما بنيت لَهُ رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (٢). قوله: عن [بريدة هو ابن الحصيب وتقدم ترجمته]. قوله: أن رجلًا نشد في المسجد فقال: من دعا لي الجمل الأحمر، فقال رسول الله ﷺ : "لا وجدت" الحديث، قوله: من دعا لي الجمل الأحمر، هو بإسكان الياء من (إلي) يريد من وجده فدعا إليه لا أنه نهى أن تنشد الضالة في

стр. 1499

المسجد قاله في النهاية (١)، وظاهر كلام الشيخين وابن الرفعة أن إنشاد الضالة في المسجد حرام، وقد نقول فيه الكراهة كما جزم به في شرح المهذب في آخر باب [الجناية] وحكى الماوردي الاتفاق على تحريمه (٢). قوله: "لا وجدت" قال ﷺ : ذلك له حيث طلب ضالته في المسجد وطلب الضالة فيه ورفع الصوت بغير الذكر مكروه، وقوله ﷺ : "إن يقال له مثل هذا فهو عقوبة له على مخالفته وعصيانه" فينبغي للسامع أن يقول له: لا وجدت فإن المساجد لم تبن لهذا أو يقول: لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له كما قال: رسول الله ﷺ " (٣). قوله ﷺ : "لما بنيت له" معناه لذكر الله تعالى والقرآن والصلاة والعلم والمذاكرة في الخير ونحوها فليكن ذلك فعل الداخل فيه قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (٤) الآية، قال القاضي عياض: فيه دليل على منع عمل الصنائع في المسجد كالخياطة وشبهها كما تقدم قال ومنع بعض العلماء من تعليم الصبيان في المسجد قال وقال بعض مشايخنا إنما تمنع المساجد من عمل الصنائع التي يختص بنفعها آحاد الناس ويكتسب به فلا يتخذ المسجد متجرًا، أما الصنائع التي يشمل نفعها

стр. 1500

المسلمون في دينهم كالمثاقفة وإصلاح آلات الجهاد مما لا امتهان فيه للمسجد في عمله فلا بأس، وحى بعضهم خلافا في تعليم الصبيان فيها (١) والله أعلم. تتمة: تتعلق بما نحن فيه أو من ضاع له شيء أو يجمع الله بينه وبين إنسان: عن جعفر الخلدي قال: ودعت أبا الحسن المزين الصغير فقلت له: زودني شيئًا فقال لي: إذا ضاع منك شيء أو أردت أن يجمع الله بين وبين إنسان فقل: يا جامع الناس ليوم ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد اجمع بيني وبين كذا فإن الله يجمع بينك وبين ذلك الشيء أو ذلك الإنسان، قال: فما دعوت بها في شيء إلا استجيب لي، توفي الشيخ أبو الحسن بمكة سنة ثمان وعشرين وثلثمائة، انتهى، قاله في حياة الحيوان (٢). ٤٤٩ - وَعَن ابْن سِيرِين ﵁ أَو غَيره قَالَ سمع ابْن مَسْعُود رجلا ينشد ضَالَّة فِي الْمَسْجِد فأسكته وانتهره وَقَالَ قد نهينَا عَن هَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَابْن سِيرِين لم يسمع من ابْن مَسْعُود وَتقدم حَدِيث وَاثِلَة فِي الْبَاب قبله جَنبُوا مَسَاجِدكُمْ صِبْيَانكُمْ وَمَجَانِينكُمْ وشراءكم وَبَيْعكُمْ الحَدِيث (٣).

стр. 1501

٤٥٠ - وَعَن مولى لأبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: بَينا أَنا مَعَ أبي سعيد وَهُوَ مَعَ رَسُول الله ﷺ إِذْ دَخَلنَا الْمَسْجِد فَإِذا رجل جَالس فِي وسط الْمَسْجِد مُحْتَبِيًا مشبكا أَصَابِعه بَعْضهَا فِي بعض فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ فَلم يفْطن الرجل لإشارة رَسُول الله ﷺ فَالْتَفت إِلَى أبي سعيد فَقَالَ إِذا كَانَ أحدكُم فِي الْمَسْجِد فَلَا يشبكن فَإِن التشبيك من الشَّيْطَان وَإِن أحدكُم لا يزَال فِي صَلَاة مَا كَانَ فِي الْمَسْجِد حَتَّى يخرج مِنْهُ رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (١). ٤٥١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فِي بَيته ثمَّ أَتَى الْمَسْجِد كَانَ فِي الصَّلَاة حَتَّى يرجع فَلَا يقل هَكَذَا وَشَبك بَين أَصَابِعه رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وَفِيمَا قَالَه نظر (٢). ٤٥٢ - وَعَن كَعْب بن عجْرَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِذا تَوَضَّأ أحدكُم ثمَّ خرج عَامِدًا إِلَى الصَّلَاة فَلَا يشبكن بَين يَدَيْهِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاة رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد جيد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ من رِوَايَة سعيد المَقْبُري عَن رجل عَن كَعْب بن عجْرَة وَابْن مَاجَه من رِوَايَة سعيد المَقْبُري

стр. 1502

أَيْضا عَن كَعْب وَأسْقط الرجل الْمُبْهم (١). ٤٥٣ - وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد ﵁ قَالَ: دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ فِي الْمَسْجِد وَقد شبكت بَين أَصَابع فَقَالَ لي يَا كَعْب إِذا كنت فِي الْمَسْجِد فَلَا تشبكن بَين أصابعك فَأَنت فِي صَلَاة مَا انتظرت الصَّلَاة" وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِنَحْوِ هَذِه (٢). قوله: عن مولى لأبي سعيد الخدري قال: بينا أنا مع أبي سعيد الخدري وهو مع رسول الله ﷺ إذ دخلنا المسجد فإذا رجل جالس وسط المسجد محتبيًا مشبكًا أصابعه بعضها في بعض، الحديث، هذا الرجل المشبك أصابعه هو أبو ثمامة الحناط ويقال القماح، ووسط فيه لغتان الإسكان والتحريك، وقيل: ما صلح فيه بين سكن وما لا حرك، وأما الوسط بمعنى الخيار فيحرك لا غير والله أعلم، وقال بعضهم أيضًا الوسط بفتح السين قال أهل اللغة: كل ما كان يبين بعضه من بعض كوسط الصف [والقلادة والسبحة وحلقة الناس ونحو ذلك فهو وسط بالإسكان] وما كان مصمتا لا

стр. 1503

يبين بعضه من بعض كالدار والسباخة والرأس فهو سوط بفتح السين، قال الأزهري والجوهري وغيرهما: وقد أجازوا في المفتوح الإسكان ولم يجيزوا في الساكن الفتح (١)، انتهى. وقوله: محتبيا، الاحتباء بالمد وهو أن يقعد الإنسان على أليتيه ويعتمد بهما ويحتوي عليهما بثوب آخر أو نحوه أو ببدنه، وهذا القعدة يقال لها الحبوة بضم الحاء وكسرها وكان هذا الاحتباء عادة العرب في مجالسهم فنهي عنه إذا أدى إلى انكشاف العورة بأنه يكون عليه ثوب واحد قصير، فإذا قعد على هذه الهيئة انكشفت عورته ولو كان عليه ثياب كثيرة وكلها قصيرة بحيث تنكشف عورته إذا جلس هكذا كان حرامًا أيضًا (٢)، ومنه حديث "الاحتباء حيطان العرب"، أي: ليس في البوادي حيطان فإذا أرادوا أن يستندوا احتبوا لأن الثوب يمنعهم من السقوط ويصير لهم كالجدار، ويقال: احتبى يحتبي احتباء والجمع حُبا وحِبا، ومنه أيضًا أنه نهي عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب، وإنما نهي عنه لأن الاحتباء يجلب النوم فلا يسمع الخطبة ويعرض طهارته للانتقاض، قاله في النهاية (٣) والله أعلم. فائدة: ومن هيئات القعود القرفصاء: وهو بضم القاف وسكون الراء وفتح الفاء أو ضمها وبالمهملة ممدودًا أو مقصورًا ضرب من القعود، وإذا قلت

стр. 1504

قعد فلان القرفصاء فكأنَّك قلت: قعد قعودا مخصوصا وهو أن يجلس على أليَتيه ويلصق فخذيه ببطنه ويحتبي بيديه فيضمهما على ساقيه (١) والله أعلم. قوله: مشبكًا أصابعه بعضها في بعض، قال الخطابي ﵀: وردنا آثار مرسلة وغير مرسلة في النهي عن تشبيك الأصابع منها: هذا الحديث، ومنها: حديث أبي هريرة الذي رواه ابن خزيمة والحاكم، ومنها: حديث كعب بن عجرة الذي رواه الإمام وغيرهما (٢)، وهو: كعب بن عجرة، وعجرة بضم العين وإسكان الجيم وكعب بن عجرة كان حليفا للأنصار، وتأخر إسلامه وشهد بيعة الرضوان وغيرها، روي له عن رسول الله ﷺ سبعة وأربعون حديثا، اتفقا منها على حديثين وانفرد مسلم بآخر، روى عنه: ابن عمر وابن عباس وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمرو بن العاصي وطارق بن شهاب وأبو وائل وابن أبي ليلى وبنوه إسحاق وهبد الملك ومحمد والربيع أولاد كعب وزيد بن وهب والشعبي وغيرهم، سكن الكوفة وتوفي بالمدينة سنة إحدى وقيل: اثنتين، وقيل: ثلاث وخمسين وله سبع وسبعون سنة، وقيل: خمس وسبعون (٣)، قاله في الديباجة، والشعبي المذكور فيمن روى عن كعب ابن عجرة، بفتح الشين، اسمه: عامر بن شراحيل، وقيل: ابن شرحبيل، والأول هو المشهور منسوب إلى شطب بطن من همدان، ولد بست سنين

стр. 1505

خلت من خلافة عمر بن الخطاب، وكان الشعبي إماما عظيما جليلا جامعا للتفسير والحديث والفقه والمغازي والعبادة (١). قوله: في حديث كعب، رواه الترمذي من حديث سعيد المقبري عن رجل، قال النووي: يقال [لكل واحد] من الابن والأب المقبري، وإن كان الأصل هو الأب، واسم أبي سعيد [كيسان] والمقبري بضم الباء وفتحها منسوب إلى مقبرة بمدينة رسول الله ﷺ كان مجاورا لها، وقيل: كان منزله عند المقابر، وقيل: جعله عمر على حفر القبور، ويحتمل أنه اجتمع فيه الأمران، والمقبري صفة لأبي سعيد (٢)، وسيأتي الكلام عليه أيضا مبسوطا. قال الخطابي ﵀: تشبيك اليد هو إدخال الأصابع بعضهما في بعض والإمساك بها (٣)، وقيل: كره ذلك كما كره عقص الشعر واشتمال الصماء، والاحتباء وقد فعله بعض الناس عبثا وبعضهم يفعله ليفرقع أصابعه، وقيل: إنما كره لأنه إذا احتبى [بيديه يريد] الاستراحة وشبك بين أصابعه ربما غلبه النوم فتنتقض طهارته فنهي عن ذلك لئلا تنتقض طهارته، فقيل: لمن تطهر وخرج إلى المسجد متوجها إلى الصلاة لا تشبك بين أصابعك لأن جميع ما ذكرنا من هذه الوجوه على اختلاف أنواعها لا يلائم شيء منها الصلاة (٤).

стр. 1506

وقسم بعض المتأخرين التشبيك إلى أقسام، أحدها: إذا كان الإنسان في الصلاة ولا شك في كراهته، وثانيها: إذا كان في المسجد يباشر الصلاة أو هو عامد إلى المسجد يريدها بعد ما تطهر، فالظاهر كراهته لحديث كعب هذا، وثالثها: أن يكون في المسجد بعد فراغه من الصلاة وليس يريد صلاة ولا ينتظرها فلا يكره لحديث ذي اليدين الذي رواه البخاري وغيره أن النبي ﷺ شبك بين أصابعه في المسجد بعد ما سلم من الصلاة عن ركعتين وشبك في غيره لأن الكراهة إنما في حق الصلاة وقاصد الصلاة، وهذا كان منه ﷺ بعدها، رابعها: في غير المسجد فهو أولى بالإباحة وعدم الكراهة (١)، وقال الإمام مالك: إنهم ينكرون التشبيك في المسجد وما به بأس وإنما يكره في الصلاة، وقال الكرماني: فتفيد أنه كان إذا كان التشبيك لغرض صحيح جاز بخلاف العبث (٢). تنبيه: وتأوله بعضهم أن يشبك اليد كناية عن ملابسة الخصومات والخوض فيها، واحتج بقوله ﵊ حين ذكر الفتن فشبك بين أصابعه وقال بيده فكانوا هكذا (٣) انتهى. ٤٥٤ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ خِصَال لَا ينبغين فِي الْمَسْجِد لا يتَّخذ طَرِيقا وَلَا يشهر فِيهِ سلَاح وَلا ينبض فِيهِ بقوس

стр. 1507

وَلا ينثر فِيهِ نبل وَلَا يمر فِيهِ بِلَحْم نيء وَلا يضْرب فِيهِ حد وَلَا يقْتَصّ فِيهِ من أحد وَلَا يتَّخذ سوقا رَوَاهُ ابْن مَاجَه (١) وروى مِنْهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (٢) وَلا تَتَّخِذُوا الْمَسَاجِد طرقا إِلَّا لذكر أَو صَلَاة وَإسْنَاد الطَّبَرَانِيّ لا بَأْس بِهِ. قَوْله وَلَا ينبض فِيهِ بقوس يُقَال أنبض الْقوس بالضاد الْمُعْجَمَة إِذا حرك وترها لترن نيء بِكَسْر النُّون وهمزة بعد الْيَاء ممدودا هُوَ الَّذِي لم يطْبخ وَقيل لم ينضج. قوله: عن ابن عمر، تقدم الكلام على مناقبه في أول الكتاب. قوله ﷺ : "خصال لا ينبغين في المسجد: لا يتخذ طريقا، ولا يشهر فيه سلاح" الحديث، المرور في المسجد واتخاذه طريقا من غير صلاة قلة احترام للمسجد (٣)، وقد روي عن ابن عمر أن النبي ﷺ نهي أن تتخذ المساجد طرقا أو تقام فيها الحدود أو تنشد فيها الأشعار، أورده عبد الحق في الأحكام (٤).

стр. 1508

قوله: "ولا يشهر فيه سلاح" يستحب لمن دخل المسجد ومعه سلاح أن يمسك حده كنصل السيف وسنان الرمح ونحوه لحديث جابر ﵁ أن رجلا مر بسهامه في المسجد فقال له رسول الله ﷺ : "أمسك بنصالها" (١) وكذلك أمر رسول الله من يمر في السوق أن يفعل ذلك مخافة أن يصيب أحدا، رواه البيهقي، والأولى أن لا يدخل المسجد بسلاح من غير حاجة، ولأن في حمل السلاح من غير حاجة تضييقا على المصلين (٢). قوله: "ولا ينبض فيه بقوس" يقال: أنبض القوس الصياد إذا حرك وترها لترن قاله المنذري. قوله: "ولا يمر فيه بلحم نيء" والنيء بكسر الهمزة بعد الياء ممدودا هو الذي لم يطبخ، وقيل: لم ينضج قاله المنذري. قال بعض العلماء: فيحرم على الإنسان أن يدخل معه المسجد لحم نيء إذ خشي التلويث (٣) والله أعلم. قوله: "ولا يضرب فيه حد" ولا يقتص فيه من أحد، فقد أوردنا النهي عن إقامة الحدود في المسجد مبسوطًا، قال عمر: فمن لزمه حد أخرجاه من المسجد، ويذكر عن علي نحوه، قال معاذ بن جبل ﵁: إن المساجد

стр. 1509

طهرت من خمس: من أن يقام فيها الحدود، أو يقتص فيها، أو ينشد فيها الأشعار، أو ينشد فيها الضالة، أو تتخذ سوقًا (١)، ولم ير بعض العلماء في القضاء في المسجد بأسًا لأن النبي ﷺ لاعن بين العجلاني وبين امرأته في المسجد، ولاعن عمر عند منبر النبي ﷺ (٢)، وقد ذكر شيء من ذلك في الباب قبله في حديث: "جنبوا مساجدكم صبيانكم" الحديث. فرع: قال العلماء: لا بأس بإغلاق المسجد في غير أوقات الصلاة صيانة وحفظًا لها خلافًا لأبي حنيفة فإنه منع من إغلاقها بحال قاله الدميري في شرح الكفاية (٣) ونقله في الروضة عنه وأقره، وفي بعض كتب الحنفية: يكره غلق المسجد لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (٤) وخولف في ذلك فقيل: كان هذا في زمان السلف، فأما في زماننا فقد كثرت فيه الخيانات فلا بأس بإغلاقها على متاع المسجد، وتحرزا على بيوت الجيران من المسجد، انتهى قاله الزركشي. فائدة في السؤال في المسجد: قال أبو مطيع البلخي: لا يحل لرجل أن يعطي سؤال المسجد، قال: والمختار أنه إذا كان السائل لا يتخطى رقاب

стр. 1510

الناس ولا يفرض يمين المصلي ولا يسأل الناس إلحافًا فلا بأس بالسؤال والإعطاء لأن السُّؤال كانوا يسألون على عهد رسول الله ﷺ في المسجد حتى يروى أن عليًّا ﵁ تصدق بخاتمه وهو في الركوع فمدحه الله تعالى بقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (١)، وإن كان يتخطى رقاب الناس ويمر بين يدي المصلي وغيره يكره إعطاؤه لأنه إعانة له على أذى الناس حتى قيل [هذا فلس] واحد يحتاج إلى سبعين عليه كفارته هذا في كتاب الكسب لمحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة قاله الزركشي (٢). وقال ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين: يكره السؤال في المسجد وكذلك تخطى رقاب الناس أو يتخطاهم من يحيي له الناس لم يجز ذلك فيجب على كل قادر إنكار ذلك منهم، وقد يضم السؤال إلى ذلك القراءة على عدم الصحة وذكر الأحاديث الموضوعة والآثار المكذوبة والقصص الباطلة فيتأكد وجوب الإنكار ويعظم الإثم في السكوت لأن المسجد يمتنع عنه هذا الفعل إنتهاء لا إيهاما والعوام أن ذلك جائز [فيكون سببا] منه لتجري غيره على مثل فعله وسببا لعطاء العوام أو ترغيبهم له في ذلك [الفعل]، وقد قال بعض الحنفية: لو تصدق بأربعين فلسا خارج المسجد لم يكن ذلك كفارة [لذلك الفلس] الذي أعطاه للسائل في المسجد حكاه ظهير الدين في فتاويه، فإن كان المعطي ممن يعظم أو يتوهم الناس من عطائه أن ذلك جائز عظم

стр. 1511

الإثم في عطائه بمساعدته له وترغيبه له بالسكوت مع ما ترتب عليه من إثم السكوت عن الإنكار عليه والله أعلم (١). ٤٥٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ أَبُو بدر أرَاهُ رَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ قَالَ "إِن الْحَصَاة تناشد الَّذِي يُخرجهَا من الْمَسْجِد" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد جيد وَقد سُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَذكر أَنه رُوِيَ مَوْقُوفا على أبي هُرَيْرَة وَقَالَ رَفعه وهم من أبي بدر (٢) وَالله أعلم. قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه. قوله: "إن الحصاة تناشد الذي يخرجها من المسجد" الحديث، قال الجوهري: الحصاة واحدة الحصى والجمع حصيات مثل تمرة وتمرات، وحصاة المسك [قطعة صلبة توجد في فأرته]، وفلان ذو حصاة أي ذو عقل ولب (٣)، قال النووي ﵀: [لا يجوز] أخذ شيء من أجزاء المسجد

стр. 1512

كحجر وحصاة وتراب وغيره لهذا الحديث (١) ولأنه يفرش المسجد، قال الزركشي: ومثله الزيت والشمع، وقال ابن عباس لنفيع: ردها وإلا خاصمتك يوم القيامة، ورواه ابن أبي شيبة (٢). قال بعض العلماء: يجوز أخذ الحصى من الحصر وأخذه من المسجد إن كان جزءا منه، وللمسجد موضع، وفي شرح المهذب: الجزم بتحريم أخذ الحصى من المسجد لهذا الحديث (٣)، وقد صحح النووي: أنه لا يجوز التيمم بتراب المسجد وقال: إن الشافعي ﵀ كره للمحرم أخذ الحجر من ثلاثة مواضع من الحش ومن المسجد والمرمي أما المسجد فلأنه فرشه ويكره تعطيل فرش المسجد وأما الحش فلأن أحجاره نجسة، ويكره الرمي بالنجس والحش بضم الحاء المهملة وكسرها هو المرحاض، وأصله في اللغة [البستان] وأما المرمي فلأن ما بقي من الحجارة منها مردود غير مقبول (٤). قوله: وقد سئل [الدارقطنى] عن هذا الحديث فذكر أنه روي موقوفا على أبي هريرة، تقدم الكلام على فضائله ومناقبه، وتقدم الكلام أيضًا على الحديث الموقوف في اصطلاح المحدثين.

стр. 1513

٤٥٦ - وَعَن عبد الله يَعْنِي ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ سَيكون فِي آخر الزَّمَان قوم يكون حَدِيثهمْ فِي مَسَاجِدهمْ لَيْسَ لله فيهم حَاجَة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (١). قوله: عن عبد الله بن مسعود، تقدم الكلام على ترجمته. قوله ﷺ : "سيكون في آخر الزمان ناس من أمتي حديثهم في مساجدهم فليس لله فيهم حاجة" وفي حديث آخر قال رسول الله ﷺ : "يأتي آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد ويقعدون فيها حلقا حلقا ذكرهم الدنيا فلا تقعدوا معهم ولا تخالطوهم ولا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة" قال العلماء: يكره للإنسان أن يقعد في المسجد ويخوض في الحديث المباح وحديث الدنيا ونحو ذلك وكذلك رفع الصوت واللغط فيه لحديث على بن أبى طالب ﵁ المطول: "إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء وعد منها: إذا رفعوا الأصوات في المساجد" (٢) وسيأتي هذا الحديث في أواخر هذا التعليق والكلام عليه مبسوطًا، قال العلماء أيضًا: جلوس الناس في المسجد لحديث الدنيا بدعة إذ المساجد إنما بنيت لذكر الله والصلاة وانتشار العلم ونحو ذلك، وعلى هذا كان يجتمع السلف الصالح في

стр. 1514

المساجد لأنها تذكر الآخرة، وحديث رسول الله ﷺ وذكر الله تعالى لا يتحدثون فيها عن الدنيا (١)، وقد ورد الخبر عن النبي ﷺ أن مسجدا ارتفع بأهله إلى السماء يشكوهم إلى الله تعالى لما يتحدثون فيه من أحاديث الدنيا (٢)، وقد ورد أن الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش أو النار الحطب (٣)، قال الكمال الدميري: هذا الحديث [باطل من الأحاديث] المشهورة، وقال سعيد بن المسيب: من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه [فما حقه أن يقول إلا] خيرًا (٤). فائدة تتعلق بذكر النوم في المسجد: قال شيخ الإسلام النووي: يجوز النوم في المسجد كما نص عليه الشافعي في الأم، قال ابن المنذر في الإشراف [رخص في] النوم في المسجد ابن المسيب وعطاء والشافعي، وقال ابن عباس: لا تتخذوه مرقدًا، وروي عنه ﵁[إن كنت تنام] فيه للصلاة فلا بأس كما تقدم عنه، وقال الإمام أحمد بن حنبل: إن كان مسافرًا [أو شبهه] فلا بأس وإن اتخذه مبيتا مقيلًا فلا، وهذا قول إسحاق وهذا ما حكاه ابن المنذر واحتج من يجوزه بنوم علي بن أبي طالب وابن عمر وأهل الصفة والمرأة صاحبة الوشاح وثمامة بن أثال وصفوان بن أمية وغيرهم

стр. 1515

أحاديثهم في الصحيحين مشهورة (١). ويجوز أن يمكن الكافر من دخول المسجد بإذن المسلمين ويمنع من دخوله بغير إذن (٢). خاتمة تتعلق بالمسجد: [عارية حصر] المسجد وقناديله في الولائم والأفراح ونحو ذلك لا يجوز بل لا يجوز أن يعاروا لمسجد آخر فكيف وفي الغالب لا ترجع الحصر إلا وقد تقطع بعضها إن سلمت من التنجيس حتى لقد أخبرني من أثق بهم أنهم يأخذون البسط الموقوفة على الصخرة والمسجد فارغ فيفترشها النظار في بيوتهم ويتعاطون عليها ما لا يجوز ثم بعد تنجيسها يردونها إلى المسجد، والحاصل أنهم يأخذون أحسن منها يردونها في الصيف ويأخذون غيرها في الشتاء حتى لا يكاد يسلم شيء من البسط من تنجيسهم له وامتهانهم إياه ويأتي المصلون فيصلون عليها ولا يشعرون بتنجيسها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قاله ابن النحاس في تنبيه الغافلين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد صنف أيضا كتابا مستقلا في الجهاد نحوا من أذكار النووي أو الرياض وقد قتل ﵀ شهيدًا ودفن بثغر دمياط قال ذلك بعض الأصحاب أنه شاهد دفنه وهو مقتول ودفن بجوار مزار لبعض الصالحين وقبره مشهور ورؤي له منامات حسنة تدل على صلاحه أعاد الله على سائر المسلمين من بركاته آمين (٣).

стр. 1516

[الترغيب في المشي إلى المساجد سيما في الظهر وما جاء في فضلها] ٤٥٧ - عَن أبي هُرَيرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ صَلَاة الرجل فِي الْجَمَاعَة تضعف على صلَاته فِي بَيته وَفِي سوقه خمْسا وَعشْرين دَرَجَة وَذَلِكَ أَنه إِذا تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ خرج إِلَى الصَّلَاة لا يُخرجهُ إِلَا الصَّلَاة لم يخط خطْوَة إِلَا رفعت لَهُ بهَا دَرَجَة وَحط عَنهُ بهَا خَطِيئَة فَإِذا صلى لم تزل الْمَلَاِئكَة تصلي عَلَيْهِ مَادَامَ فِي مُصَلَّاهُ اللَّهُمَّ صل عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارحمه وَلا يزَال فِي صَلَاة مَا انْتظر الصَّلَاة"، وَفِي رِوَايَة: "اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ تب عَلَيْهِ مَا لم يؤذ فِيهِ مَا لم يحدث فِيهِ" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه بِاخْتِصَار (١)، وَمَالك فِي الْمُوَطَّأ وَلَفظه من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ خرج عَامِدًا إِلَى الصَّلَاة فَإِنَّهُ فِي صَلَاة مَا كانَ يعمد إِلَى الصَّلَاة وَإنَّهُ يكْتب لَهُ بِإِحْدَى خطوتيه حَسَنَة ويمحى عَنهُ بِالْأُخْرَى سَيِّئَة فَإِذا سمع أحدكُم الإِقَامَة فَلَا يسع فَإِن أعظمكم أجرا أبعدكم دَارا قَالُوا لم يَا أَبَا هُرَيْرَة قَالَ من أجل كَثْرَة الخطا (٢). ٤٥٨ - وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من حِين يخرج أحدكم من منزله إِلَى مَسْجِدي فَرجل تكْتب لَهُ حَسَنَة وَرجل تحط عَنهُ

стр. 1517

سَيِّئَة حَتَّى يرجع وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم بِنَحْوِ ابْن حبَان وَلَيْسَ عِنْدهمَا حَتَّى يرجع وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرط مُسلم (١) وَتقدم فِي الْبَاب قبله حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فِي بَيته ثمَّ أَتَى الْمَسْجِد كانَ فِي صَلَاة حَتَّى يرجع الحَدِيث. قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه خمسا وعشرين درجة" المراد به صلاته في بيته وسوقه منفردا وهذا هو الصواب (٢). ففيه دليل على جواز الصلاة فى السوق لكن مع الكراهة لأنها تشغل قلب المصلي من شرور الناس ونحوه، وكذلك تكره الصلاة مستقبل إنسان. وفيه دليل على أن الجماعة ليست فرضًا لأنه أثبت لها فضلًا في السوق والبيت، وفيه دليل أيضا على أن إقامة الصلاة في المسجد أفضل من إقامتها في السوق والبيت والحديث أن الصلاة في المسجد تفضل على الصلاة في البيت بخمس وعشرين درجة ما لو صلى منفردًا أورده عبد الحق في

стр. 1518

الأحكام (١) والمعنى فيه شرف البقعة ولو كان المسجد مع الجماعة بخروجه إلى المسجد فينبغي أن لا يفوت على نفسه الصلاة في المسجد والمشي إليه واذا رجع صلى بمن لم يمكنه الخروج إلى المسجد من الزوجة وغيرها قاله المحاملي أما النساء فصلاتهن في البيوت أفضل كما سيأتي ذلك في بابه واستحب جماعتهن في البيوت وقد كانت عائشة ﵂ تؤم النسوة وكذلك أم سلمة وكان لعائشة ﵂ عبد يصلي بها في المنزل قاله في شرح العمدة. فصلاة الرجل في جماعة أفضل من صلاة المنفرد بخمس وعشرين درجة وفي رواية بخمس وعشرين جزءا وفي رواية بسبع وعشرين درجة أنه أراد بالدرجة الجزء وبالجزء الدرجة وقيل الدرجة غير الجزء وهذه غفلة من قائله وفي الصحيحين سبعا وعشرين درجة وخمسا وعشرين درجة فاختلف القدر مع اتحاد لفظ الدرجة والجمع بينهما من ثلاثة أوجه أحدها أنه لا منافاة بين الروايتين، فذكر القليل لا ينفي الكثير ومفهوم العدد باطل عند الأصوليين، والثاني: أن يكون الخبر أولا بالقليل ثم أعلمه الله تعالى زيادة الفضل فأخبر بها، الثالث: أن يختلف باختلاف المصلين والصلاة فيكون لبعضهم خمس

стр. 1519

وعشرون درجة ولبعضهم سبع وعشرون درجة بحسب كمال الصلاة ومحافظته على هيئاتها وخشوعها وكثرة جماعاتها وفضلهم وشرف البقعة فهذه الأجوبة المعتمدة واحتج أصحاب الشافعي والجمهور بهذه الأحاديث على أن الجماعة ليست بشرط لصحة الصلاة والله أعلم (١). [وأخرج ابن ماجه بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : صلاة الرجل في بيته بصلاة وصلاته في المسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في مسجدى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وفيه أبو الخطاب الدمشقى قال الذهبي: أبو الخطاب ليس بمشهور، وقال الشيخ ابن حجر العسقلاني: مجهول نقله وقال ابن حجر: قيل إنه حديث منكر؛ لأنه مخالف لما رواه الثقات، وقال بعضهم: إنما كانت بسبع وعشرين لأن أقل الجمع ثلاث والحسنة بعشر أمثالها فواحدة أصل وتسعة مضاعفة وذلك سبع وعشرين ثم إن الله أعطى ذلك للاثنين تفضلا وذلك فاسد من وجهين أن الواحد إذا صلى وحده كانت بعشر حسنات واحدة أصل وتسعة مضاعفة فالزيادة سبعة عشر لا سبع وعشرين والثانى أن ذلك لا يدل لصلاة الاثنين والصواب ما ذكره الحليمى فى المنهاج: أن ذلك راجع إلى تحصيل عبادات تحصل بالحضور إلى الجماعات فإنه قال تحتمل إنما فضلت الجماعة على

стр. 1520

الفذ بسبع وعشرين لأن كل صلاة أقيمت فى جماعة كصلاة يوم وليلة إذا أقيمت لا فى جماعة لأن فرائض اليوم والليلة سبعة عشر والرواتب عشر فالجمع سبع وعشرون (١)]. قوله ﷺ : "وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء" تقدم معنى إحسان الوضوء في صفة الوضوء. قوله ﷺ : "ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة" المسجد مشتمل على الشرف وإظهار الشعار وكثرة الجماعة فإن كان إذا صلى في بيته صلى جماعة وإذا صلى في المسجد صلى منفردا فصلاته في بيته أفضل ولو كانت جماعة بيته أكثر من جماعة المسجد فقال الماوردي المسجد أفضل وقال القاضي أبو الطيب بيته أولى والله أعلم (٢). وهذا الحديث يفهم منه أن فضل المسجد لأجل الجماعة فقط بل لما يلازمها من الأحوال كفضل الجماعة ونقل الخطوات إليه وصلاة الملائكة عليه وغير ذلك قال ويعتمد مالك ﵀ في قوله لا تفضل جماعة لاشتراكهم في تلك الأمور قاله في الديباجة. قوله ﷺ : "لا يخرجه إلا الصلاة" قال الحافظ شرف الدين الدمياطي في كتابه المتجر الرابح في العمل الصالح ومشى فيه نحو ما مشى الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب قال: قلت الذي يظهر من قوله ﷺ : "لا

стр. 1521

يخرجه إلا الصلاة" أن هذا الثواب العظيم لا يحصل إلا بشرط أن يكون خروجه من بيته بقصد الصلاة لا غير، فلو خرج يريد الصلاة ومعها حاجة أخرى لا يحصل له ثواب الخطى على التمام، والذي يظهر من قوله ﷺ : "لا يخرجه إلا الصلاة" أن هذا الثواب العظيم لا يحصل إلا بشرط أن يكون خروجه من بيته بقصد الصلاة ولا غير، فلو خرج يريد الصلاة ومعها حاجة أخرى لا يحصل له ثواب الخطا على التمام، والذي يظهر أنه يحصل له تضعيف [الصلاة لأنه] قد حصل إيقاعها في الهيئة الاجتماعية (١) والله أعلم. قال الإمام المازري: ينبغي أن [يكون المؤمن] محافظا على نيته ابتداء فإذا أراد أن يزيد في عمله فينظر أولا في نيته فيتمها [فيحسنها] وقال في آخره مثال ذلك ثلاثة رجال يخرجون إلى الصلاة أحدهم: يخرج وينظر إن كانت له حاجة لنفسه أو لبيته قضاها وهو في طريقه ساه عن نيته التقرب بذلك إلى الله تعالى، فهذا له أجر الصلاة فقط ليس إلا، والخطى التي استعملها للمسجد قد ذهبت لقوله ﷺ : "لا يخرجه إلا الصلاة" فشرط ﵊ في هذا الحديث بأنه لا يريد إلا الصلاة، وهذا المذكور قد أراد غيرها بالحاجة التي نوى قضاءها، الثاني: خرج إلى الصلاة ليس إلا ولم يخلط مع هذه النية غيرها فهذا أعظم أجرًا من الأول، لأنه حصل له بركة الخطى إلى المسجد؛ والثالث: خرج بما خرج به الثاني لكنه عند خروجه نظر في نيته فأمكنه تنمية ما فيها هنا فنوى أنه إن وجد اثنين يختصمان أصلح
следующие страницы →