← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 1517–1556 · переход к 1522.

стр. 1517

سَيِّئَة حَتَّى يرجع وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم بِنَحْوِ ابْن حبَان وَلَيْسَ عِنْدهمَا حَتَّى يرجع وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرط مُسلم (١) وَتقدم فِي الْبَاب قبله حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فِي بَيته ثمَّ أَتَى الْمَسْجِد كانَ فِي صَلَاة حَتَّى يرجع الحَدِيث. قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه خمسا وعشرين درجة" المراد به صلاته في بيته وسوقه منفردا وهذا هو الصواب (٢). ففيه دليل على جواز الصلاة فى السوق لكن مع الكراهة لأنها تشغل قلب المصلي من شرور الناس ونحوه، وكذلك تكره الصلاة مستقبل إنسان. وفيه دليل على أن الجماعة ليست فرضًا لأنه أثبت لها فضلًا في السوق والبيت، وفيه دليل أيضا على أن إقامة الصلاة في المسجد أفضل من إقامتها في السوق والبيت والحديث أن الصلاة في المسجد تفضل على الصلاة في البيت بخمس وعشرين درجة ما لو صلى منفردًا أورده عبد الحق في

стр. 1518

الأحكام (١) والمعنى فيه شرف البقعة ولو كان المسجد مع الجماعة بخروجه إلى المسجد فينبغي أن لا يفوت على نفسه الصلاة في المسجد والمشي إليه واذا رجع صلى بمن لم يمكنه الخروج إلى المسجد من الزوجة وغيرها قاله المحاملي أما النساء فصلاتهن في البيوت أفضل كما سيأتي ذلك في بابه واستحب جماعتهن في البيوت وقد كانت عائشة ﵂ تؤم النسوة وكذلك أم سلمة وكان لعائشة ﵂ عبد يصلي بها في المنزل قاله في شرح العمدة. فصلاة الرجل في جماعة أفضل من صلاة المنفرد بخمس وعشرين درجة وفي رواية بخمس وعشرين جزءا وفي رواية بسبع وعشرين درجة أنه أراد بالدرجة الجزء وبالجزء الدرجة وقيل الدرجة غير الجزء وهذه غفلة من قائله وفي الصحيحين سبعا وعشرين درجة وخمسا وعشرين درجة فاختلف القدر مع اتحاد لفظ الدرجة والجمع بينهما من ثلاثة أوجه أحدها أنه لا منافاة بين الروايتين، فذكر القليل لا ينفي الكثير ومفهوم العدد باطل عند الأصوليين، والثاني: أن يكون الخبر أولا بالقليل ثم أعلمه الله تعالى زيادة الفضل فأخبر بها، الثالث: أن يختلف باختلاف المصلين والصلاة فيكون لبعضهم خمس

стр. 1519

وعشرون درجة ولبعضهم سبع وعشرون درجة بحسب كمال الصلاة ومحافظته على هيئاتها وخشوعها وكثرة جماعاتها وفضلهم وشرف البقعة فهذه الأجوبة المعتمدة واحتج أصحاب الشافعي والجمهور بهذه الأحاديث على أن الجماعة ليست بشرط لصحة الصلاة والله أعلم (١). [وأخرج ابن ماجه بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : صلاة الرجل في بيته بصلاة وصلاته في المسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في مسجدى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وفيه أبو الخطاب الدمشقى قال الذهبي: أبو الخطاب ليس بمشهور، وقال الشيخ ابن حجر العسقلاني: مجهول نقله وقال ابن حجر: قيل إنه حديث منكر؛ لأنه مخالف لما رواه الثقات، وقال بعضهم: إنما كانت بسبع وعشرين لأن أقل الجمع ثلاث والحسنة بعشر أمثالها فواحدة أصل وتسعة مضاعفة وذلك سبع وعشرين ثم إن الله أعطى ذلك للاثنين تفضلا وذلك فاسد من وجهين أن الواحد إذا صلى وحده كانت بعشر حسنات واحدة أصل وتسعة مضاعفة فالزيادة سبعة عشر لا سبع وعشرين والثانى أن ذلك لا يدل لصلاة الاثنين والصواب ما ذكره الحليمى فى المنهاج: أن ذلك راجع إلى تحصيل عبادات تحصل بالحضور إلى الجماعات فإنه قال تحتمل إنما فضلت الجماعة على

стр. 1520

الفذ بسبع وعشرين لأن كل صلاة أقيمت فى جماعة كصلاة يوم وليلة إذا أقيمت لا فى جماعة لأن فرائض اليوم والليلة سبعة عشر والرواتب عشر فالجمع سبع وعشرون (١)]. قوله ﷺ : "وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء" تقدم معنى إحسان الوضوء في صفة الوضوء. قوله ﷺ : "ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة" المسجد مشتمل على الشرف وإظهار الشعار وكثرة الجماعة فإن كان إذا صلى في بيته صلى جماعة وإذا صلى في المسجد صلى منفردا فصلاته في بيته أفضل ولو كانت جماعة بيته أكثر من جماعة المسجد فقال الماوردي المسجد أفضل وقال القاضي أبو الطيب بيته أولى والله أعلم (٢). وهذا الحديث يفهم منه أن فضل المسجد لأجل الجماعة فقط بل لما يلازمها من الأحوال كفضل الجماعة ونقل الخطوات إليه وصلاة الملائكة عليه وغير ذلك قال ويعتمد مالك ﵀ في قوله لا تفضل جماعة لاشتراكهم في تلك الأمور قاله في الديباجة. قوله ﷺ : "لا يخرجه إلا الصلاة" قال الحافظ شرف الدين الدمياطي في كتابه المتجر الرابح في العمل الصالح ومشى فيه نحو ما مشى الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب قال: قلت الذي يظهر من قوله ﷺ : "لا

стр. 1521

يخرجه إلا الصلاة" أن هذا الثواب العظيم لا يحصل إلا بشرط أن يكون خروجه من بيته بقصد الصلاة لا غير، فلو خرج يريد الصلاة ومعها حاجة أخرى لا يحصل له ثواب الخطى على التمام، والذي يظهر من قوله ﷺ : "لا يخرجه إلا الصلاة" أن هذا الثواب العظيم لا يحصل إلا بشرط أن يكون خروجه من بيته بقصد الصلاة ولا غير، فلو خرج يريد الصلاة ومعها حاجة أخرى لا يحصل له ثواب الخطا على التمام، والذي يظهر أنه يحصل له تضعيف [الصلاة لأنه] قد حصل إيقاعها في الهيئة الاجتماعية (١) والله أعلم. قال الإمام المازري: ينبغي أن [يكون المؤمن] محافظا على نيته ابتداء فإذا أراد أن يزيد في عمله فينظر أولا في نيته فيتمها [فيحسنها] وقال في آخره مثال ذلك ثلاثة رجال يخرجون إلى الصلاة أحدهم: يخرج وينظر إن كانت له حاجة لنفسه أو لبيته قضاها وهو في طريقه ساه عن نيته التقرب بذلك إلى الله تعالى، فهذا له أجر الصلاة فقط ليس إلا، والخطى التي استعملها للمسجد قد ذهبت لقوله ﷺ : "لا يخرجه إلا الصلاة" فشرط ﵊ في هذا الحديث بأنه لا يريد إلا الصلاة، وهذا المذكور قد أراد غيرها بالحاجة التي نوى قضاءها، الثاني: خرج إلى الصلاة ليس إلا ولم يخلط مع هذه النية غيرها فهذا أعظم أجرًا من الأول، لأنه حصل له بركة الخطى إلى المسجد؛ والثالث: خرج بما خرج به الثاني لكنه عند خروجه نظر في نيته فأمكنه تنمية ما فيها هنا فنوى أنه إن وجد اثنين يختصمان أصلح

стр. 1522

بينهما وإن رأى منكرًا أزاله إلى غير ذلك، فهذا له من الأجر على قدر نيته والله أعلم (١). قوله ﷺ : "لم يخط خطوة" الحديث، وفي الحديث أيضًا: "من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله تعالى ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداهما تخط خطيئة والأخرى ترفع درجة" رواه مسلم (٢)، الرواية في قوله "خطوة" بضم الخاء وهي واحدة الخطا وهي ما بين القدمين، والخطوة بفتح الخاء فهي المصدر المرة من خطوت (٣). قوله ﷺ : "إلا رفعت بها درجة وحط عنه بها خطيئة" الدرجة واحدة الدرجات وهي الطبقات من المراتب، والخطيئة الإثم، قال الداودي: إن كانت له ذنوب حطت عنه وإلا رفعت له درجات، قال بعض العلماء: وهذا يقتضي أن الحاصل بالخطوة الواحدة درجة واحدة، أما الخطوات الرفع، وقال غيره: والحاصل بالخطوة الواحدة ثلاثة أشياء لقوله في الحديث: "كتبت له بكل خطوة حسنة ويرفع له درجة ويحط عنه بها سيئة" (٤) والله أعلم. تنبيه: قوله في الحديث: "حطت خطاياه" أي: أسقطت قال: لأنه كان حاملا لها فحط حملها كما تحط حمل الدابة، انتهى قاله عياض (٥).

стр. 1523

قوله ﷺ : "قد صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه" الحديث، الصلاة من الله تعالى بمعنى الرحمة ومن الملائكة بمعنى الاستغفار ومن الأدميين تضرع ودعاء (١)، وتقدم الكلام على الصلاة في اللغة وفي الشرع على مواضع من هذا التعليق. قوله: "اللهم ارحمه" وفي رواية: "اللهم اغفر له" فإن قيل: ما الفرق بين المغفرة والرحمة؟ قيل: المغفرة ستر الذنوب، والرحمة إفاضة الإحسان عليه (٢). قوله ﷺ : "لا يزال في صلاة ما كان ينتظر الصلاة" ظاهره أن صلاة الملائكه عليه مشروطة بدوامه في صلاة بعد صلاة، وكذا جاء مصرحا به في الموطأ "فإذا صلى أحدكم فجلس في مصلاه لم تزل الملائكة تصلي عليه فإن قام من مصلاه فجلس في المسجد ينتظر الصلاة لم يزل في صلاة حتى يصلي"، وظاهر هذا الحديث: أن انتظار الصلاة يختص بالمصلى في جماعة في المسجد، فلو صلى في غير جماعة وقعد ينتظر الصلاة لم تحصل له هذا الفضيلة، وسئل الإمام مالك عمن صلى في غير جماعة وقعد ينتظر الصلاة أتراه في صلاة كمن ينتظر الصلاة في المسجد؟ قال: نعم إن شاء الله تعالى (٣).

стр. 1524

وقال ابن بطال في شرح البخاري: من كان كثير الذنوب وأراد أن يحطها الله تعالى عنه فليكثر من ملازمة مكان مصلاه بعد الصلاة ليستكثر من دعاء الملائكة واستغفارهم له [فهو مرجو إجابته] لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (١) وقد أخبر ﵊ "من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" وتأمين الملائكة إنما هو مرة واحدة عند تأمين الإمام ودعاؤهم لمن قعد في مصلاه دائما أبدا مادام قاعدًا فيه فهو أحرى بالإجابة، وقد شبه ﵇ انتظار الصلاة بعد الصلاة بالرباط، وأكد ذلك بتكراره مرتين بقوله: "فذلكم الرباط، فذلكم الرباط"، قال: فعلى هذا كل مؤمن عاقل سمع هذه الفضائل الشريفة عليه أن يحرص على الأخذ بأوفر الحظ منها ولا تمر عنه صفحًا (٢) انتهى، قاله في الديباجة. قوله: وفي رواية تقول الملائكة: "اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه" ومعناه: ما لم يؤذ أحدكم الملائكة بنتن الحدث أو ما لم ينقض الوضوء (٣)، وقال بعض العلماء: ما لم يؤذ أي ما لم يتكلم كلام الدنيا (٤)، فمفهوم الحديث أن صلاة الملائكة عليه تنقطع عنه لا أنه يؤمر بالخروج منه للحدث فيجوز للمحدث الحدث الأصغر الجلوس في المسجد، وادعى

стр. 1525

بعضهم فيه الإجماع (١)، ودليله أن أهل الصفة كانوا ينامون في مسجد رسول الله ﷺ (٢)، ويؤخذ من تقرير النبي ﷺ لمن نام في المسجد أنه لا يمنع منه أحد وأن يعفى عما يخرج من الإنسان من ريح ونحوه بالنوم وغيره ما لم يؤذ أحدا أو يلوث، فإن أذى أحدا ولوث حرم ويمنع، ومن الأثار على العفو هذا الحديث، وأما الأذى فمنع منه في المسجد وغيره والله أعلم قاله في شرح الإلمام. والمراد بالحدث هاهنا ما يحدث للإنسان من المنع من الصلاة بسبب من أسباب الحديث، واعلم أن أسباب الحدث أربعة بول أو غائط أو نوم أو لمس، سمي حدثا لأنه لم [يكن] ثم كان وكل ما لم يكن ثم كان شيء حدثا وحادثا، فالمتوضيء إذا قال نويت رفع الحدث فمعناه رفع المنع الذي حدث له ومنعه الصلاة عن حدوث سبب من أسبابه، فإذا نوى رفع السبب دون المسبب بأن نوى رفع البول أو المس لم يصح وضوئه والله أعلم. فائدة: لا يحرم إخراج الريح من الدبر في المسجد ولكن الأولى اجتنابه لقوله ﷺ : "فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" (٣) وقال بعض المتكلمين على الحديث: من أحدث في المسجد يحرم بها استغفار الملائكة ودعاؤهم المرجو بركته يدل عليه قوله ﷺ : "البصاق في المسجد خطيئة

стр. 1526

وكفارتها دفنها" فلما كان للنخامة كفارة قيل [للمتنخم تمادى في المجلس في صلاتك وابق فيه] مدعوا لك، ولما لم يكن للحدث في المسجد كفارة ترفع أذاها كما رفع الدفن أذى النخامة لم يتأد الاستغفار له ولا الدعاء وجب زوال الملائكة عنه قال الزركشي (١). فرع: إذا أحدث وهو في المسجد أو في الصلاة يجعل [فليجعل يده على أنفه ثم ينصرف] للحديث الوارد في ذلك قال العلماء وليس جعل اليد على الأنف [من] الرياء بل هو من الرياء المباح أو المستحب أبيح له أن يظهر للناس من أنه أحدث لئلا يخوضوا في عرضه أو يتهموه بترك الصلاة أو يقولوا أحدث أو نافق فيأثمون بسبب ذلك (٢) قاله في شرح العمدة. قوله: رواه البخاري ومسلم وأبو داود تقدم الكلام على مناقبهما وأما أبو داود فقد أسند ابن دحية عن أبي داود من طريق ابن داسة أنه قال: كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب يعني كتاب السنن جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث أحدها "الأعمال بالنيات" ثانيها "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" ثالثها "لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضي لأخيه ما يرضي

стр. 1527

لنفسه" رابعها "الحلال بين والحرام بين" الحديث (١)، وتقدم الكلام على أبي داود مبسوطًا. قوله: ورواه مالك في الموطأ، له تصنيف الموطأ فعمل من كان يومئذ بالمدينة الموطآت فقيل للإمام مالك شغلت نفسك بهذا الكتاب وقد شاركك فيه الناس وعملوا أمثاله، فقال ﵁[ائتوني بها فنظر فيها ثم نبذها وقال لتعلمن ما أريد به وجه الله تعالى (٢)] انتهى. سمي الكتاب الموطأ أي المتفق على حديثه وقيل إنما سمي الموطأ من التوطئة وهو التذليل والتليين والتسهيل كأنه مسهل ممهد بحسن التصنيف وترتيب التأليف وتسهيل المطلب لما يراد الوقوف عليه منه وتسهل الهمزة فيقال الموطى وتكتب بالياء (٣) والله أعلم قاله عياض (٤). قوله ﷺ : "من توضأ فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى الصلاة فإنه في صلاة ما كان يعمد إلى صلاة" يعمد بكسر الميم في المضارع وفتحها في الماضي ومعناها يقصد وفي هذا الحديث دليل على أنه يستحب للذاهب إلى الصلاة أن لا يعبث بيده ولا يتكلم بقبيح ولا ينظر نظرا محرما ويجتنب ما أمكنه حتى يصل للمصلى فإن وصل للمسجد وقعد ينتظر الصلاة كان

стр. 1528

الاعتباء بما ذكرناه آكد (١) والله أعلم. قوله ﷺ : في رواية مالك: "فإذا سمع أحدكم الإقامة فلا يسع" أي فلا يسرع. فائدة: ورد في صحيح البخاري "إذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون، عليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" (٢) واختلف في هذه اللفظة فقيل "فأتموا" وقيل "اقضوا" وكلاهما صحيح، قال [الماوردي] من خشي فوت الجماعة والجمعة لم يجب السعي بل يمشي على سجيته وإن فاتته الجماعة والجمعة للأحاديث الواردة قال بعض العلماء إنما نهي عن السعي إلى الصلاة لأنه في الترهيب والخشوع لما يحصل للساعي من الجهد والتعب، وفيه دليل على وجوب الخشوع وإلا لم يترك الواجب قاله في التسهيل لابن العماد (٣). قال بعض العلماء أيضا: والحكمة في إتيانها بسكينة والنهي عن السعي أن الذاهب إلى صلاة عامد في تحصيلها ومتوصل إليها فينبغي أن يكون متأدبا بآدابها وعلى أكمل الأحوال فقال ﵇: "فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" فحصل فيه تنبيه وتأكيد لئلا يتوهم متوهم أن النهي إنما هو لمن لم يخف فوت بعض الصلاة فصرح بالنهي وإن فات من الصلاة ما فات وبين ما

стр. 1529

يفعل فيما فات (١). تنبيه: فإن قيل السير إلى المسجد إلى الجماعة والجمعة يجب عليه التأني وترك العجلة لقوله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها تسعون" الحديث كان عليه في السفر ترك العجلة مطلقًا. جوابه: أن في سرعة المشي في السفر فوائد منها سرعة قطع المسافة ومنها إراحة الدابة من طول زمان الحمل عليها وكذا إراحة الراكب وكذلك الأمن من خوف يحدث في الطريق والله أعلم. ٤٥٩ - وَعَن عقبَة بن عَامر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: "إِذا تطهر الرجل ثمَّ أَتَى الْمَسْجِد يرْعَى الصَّلَاة كتب لَهُ كاتباه أَو كَاتبه بِكُل خطْوَة يخطوها إِلَى الْمَسْجِد عشر حَسَنَات والقاعد يرْعَى الصَّلَاة كالقانت وَيكْتب من الْمُصَلِّين من حِين يخرج من بَيته حَتَّى يرجع إِلَيْهِ" رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَبَعض طرقه صَحِيح وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ ابْن حبَان في صَحِيحه مفرقًا فِي موضِعين (٢).

стр. 1530

الْقُنُوت يُطلق بِإِزَاءِ معَان مِنْهَا السُّكُوت وَالدُّعَاء وَالطَّاعَة والتواضع وإدامة الْحَج وإدامة الْغَزْو وَالْقِيَام فِي الصَّلَاة وَهُوَ المُرَاد فِي هَذَا الحَدِيث وَالله أعلم. قوله: عن عقبة بن عامر، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "إذا تطهر الرجل ثم أتى المسجد" الحديث، المراد بقوله تطهر الوضوء الشرعي. قوله: "يرعى الصلاة" أي ينتظر الصلاة. قوله: "كتب له كاتباه أو كاتبه بكل خطوة يخطوها عشر حسنات" تقدم الكلام على الخطوة في الحديث قبله والحسنات ضد السيئات. قوله ﷺ : "والقاعد يرعى الصلاة كالقانت" أي القاعد ينتظر الصلاة كالقائم المصلي أي أجره كأجر المصلي قائمًا. قوله: "كالقانت" قال الحافظ القنوت يطلق بإزاء معان منها السكوت والدعاء والطاعة والتواضع وإدامة الحج وإدامة الغزو والقيام في الصلاة وهو المراد في هذا الحديث انتهى. واعلم أن القنوت هو الطاعة كما ذكره الحافظ هذا هو الأصل ومنها قوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ (١) وسمي القيام في الصلاة قنوتًا (٢)، وقوله في الحديث الآخر "أفضل الصلاة طول القنوت" (٣) أخرجه مسلم والمراد أفضل

стр. 1531

العبادة وفيه إشكال من حيث أن طول القراءة في قيامها ليس واجبا بل الواجب الفاتحة وقدر القيام فيها والفرض أفضل من غيره. والجواب: أن القيام كله يوحي بالوجوب على القول المرجح وأيضا فإن القيام ذكره قرآن وهو أفضل من غيره (١) ويحتمل أن يكون المراد أفضل أفعالها المسنونة ولا إشكال حينئذ قاله في شرح الإلمام. وقال القاضي عياض: وقيل أصل القنوت الدوام على الشيء (٢) قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد وإذا كان هذا أصله فمديم الطاعة قانت وكذلك الداعي والقائم في الصلاة والمخلص فيها والساكت فيها كلهم فاعلون للقنوت قال فصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيها قال المراد هنا القيام في الصلاة كما تقدم في فرض القادر (٣). ولكن تستثنى لحاجة أو ضرورة مسائل منها: راكب السفينة يخاف الغرق أو دوران الرأس صلى قاعدًا ولا يعيد، ومنها المريض إذا أمكنه القيام منفردا ولو صلى في جماعة قعد في بعضها نص الشافعي على جواز الأمرين وقعوده أفضل،

стр. 1532

ومنها السلس الذي إذا قام استرسل بوله يصلي قاعدًا على الصحيح ولا إعادة قال القفال: يصلي قائمًا محافظة على الركن كما يصلي العاري ومنها إذا قال طبيب ثقة لمن بعينيه ماء: إن صليت مستلقيًا أمكن مداواتك، فله ترك القيام على الأصح، والثاني لا يجوز قال في الوسيط لأن ابن عباس استفتى عائشة وأبا هريرة فلم يرخصا له فيه وهذا لا يصح إنما روي أنه كره ذلك وفي المهذب أن عبد الملك بن مروان حمل إليه الأطباء على البرد فنعتوا له ذلك فاستفتى عائشة وأم سلمة فنهتاه، وإنما تولى عبد الملك الخلافة بعد موتهما وموت أبي هريرة بسنين أما إذا قال إن صليت قاعدا أمكن مداواتك فقال الإمام يجوز القعود قطعا ونازعه الرافعي في هذا انتهى قاله الكمال الدميري (١). فائدة فيها بشرى: خرج الطبراني بإسناد فيه نظر عن أبي مالك الأشعري عن النبي ﷺ قال: "إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان: أعطني صحيفتك، فيعطيه إياها، فما وجد في صحيفته من حسنة محا بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان وكتبهن حسنات" (٢) ذكره ابن رجب في شرح الأربعين النووية (٣).

стр. 1533

٤٦٠ - وَعَن عبد الله بن عمرو ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من رَاح إِلَى مَسْجِد الْجَمَاعَة فخطوة تمحو سَيِّئَة وخطوة تكْتب لَهُ حَسَنَة ذَاهِبًا وراجعا" رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (١). قوله: عن عبد الله بن عمرو تقدم الكلام على مناقبه ومناقب أبيه ﵄. قوله ﷺ : "من راح إلى مسجد الجماعة فخطوة تمحو سيئة وخطوة تكتب له حسنة" الحديث تقدم الكلام على المرواح إلى المسجد وهو الذهاب إلى المسجد وعلى الخطوة والسيئة والحسنة. ٤٦١ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "على كل ميسم من الإِنْسَان صَلَاة كل يَوْم فَقَالَ رجل من الْقَوْم هَذَا من أَشد مَا أوتينا بِهِ قَالَ أَمرك بِالْمَعْرُوفِ ونهيك عَن الْمُنكر صَلَاة وحلمك على الضَّعِيف صَلَاة وإنحاؤك القذر عَن الطَّرِيق صَلَاة وكل خطْوَة تخطوها إِلَى الصَّلَاة صَلَاة" رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (٢).

стр. 1534

قوله: عن ابن عباس تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ "على كل ميسم من الإنسان صلاة كل يوم" الميسم بكسر الميم وسكون الياء المثناة تحت وفتح السين وهي حديدة توسم بها الإبل فهي آلة الوسم وقال الجوهري المكواة وإن شئت قلت في جمعه مياسم وإن شئت قلت مواسم على الأصل (١) وأصله كله من السمة وهي العلامة ومثله موسم الحج أي معلم لجمع الناس وفلان موسوم بالخير وعليه وسمة الخير أي علامته وتوسمت فيه كذا رأيت فيه علامته (٢) لقوله "على كل ميسم" قال الإمام إسماعيل: إن كان محفوظا فمعنى الميسم العلامة أي على كل عضو موسوم بالصنع صنع الله وإن كانت الرواية منسما بالنون فالمراد به العظم (٣) انتهى. وقال بعضهم: يريد بميسم كل عضو على حدته مأخوذ من الوسم وهو العلامة إذ ما من عظم ولا عرق ولا عصب إلا عليه أثر صنع الله تعالى فعلى العبد الشكر على ذلك لله والحمد على خلقه سويا صحيحا وهذا هو المراد بقوله ﷺ "صلاة كل يوم" كأن الصلاة تحتوي على الحمد والشكر والثناء

стр. 1535

ذكره ابن رجب في شرح النووية (١). قوله: "وإنحاؤك القذر عن الطريق صلاة" القذر كل ما يؤذي المار كالعظم والشوك وما أشبه ذلك. ٤٦٢ - وَعَن عُثْمَان ﵁ أَنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من تَوَضَّأ فأسبغ الْوضُوء ثمَّ مَشى إِلَى صَلَاة مَكْتُوبَة فَصلاهَا مَعَ الإِمَام غفر لَهُ ذَنبه رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة أَيْضًا (٢). قوله عن عثمان بن عفان: تقدم الكلام على فضائله. قوله: "من توضأ فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى صلاة مكتوبة فصلاها مع الإمام غفر له ذنبه" تقدم الكلام على إسباغ الوضوء والمراد بالصلاة المكتوبة المفروضة وتقدم الكلام على غفران الذنوب وأن المراد بذلك ستر ذنوب العبد عن الخلائق يوم القيامة. ٤٦٣ - وَعَن سعيد بن الْمسيب ﵁ قَالَ حضر رجلا من الأَنْصَار الْمَوْت فَقَالَ إِنِّي محدثكم حَدِيثا مَا أحدثكموه إِلَّا احتسابا إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ خرج إِلَى الصَّلَاة لم يرفع قدمه الْيُمْنَى إِلَا كتب الله لَهُ حَسَنة وَلم يضع قدمه الْيُسْرَى إِلَّا حط الله عَنهُ سَيِّئَة فليقرب أحدكُم أَو ليبعد فَإِن أَتَى الْمَسْجِد فصلى فِي جمَاعَة غفر

стр. 1536

لَهُ فَإِن أَتَى الْمَسْجِد وَقد صلوا بَعْضًا وَبَقِي بعض صلى مَا أدْرك وَأتم مَا بَقِي كَانَ كَذَلِك فَإِن أَتَى الْمَسْجِد وَقد صلوا فَأَتمَّ الصَّلَاة كَانَ كَذَلِك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (١). قوله عن سعيد بن المسيب: هو سعيد بن المسيب بن حزن بن عمرو المخزومي القرشي، قال النبي ﷺ لحزن وقد أسلم يوم الفتح ما اسمك؟ قال حزن، قال بل أنت سهل، قال لا أغير اسما سمانيه أبي فكان سعيد يقول ما زالت الحزونة فينا بعد (٢). قال النووي: لم يرو عن المسيب إلا ابنه سعيد وقال وفيه رد على الحاكم أبي عبد الله الحافظ فيما قاله، ولم يخرج البخاري عن أحد ممن لم يرو عنه إلا راو واحد قال ولعله أراد من غير الصحابة قاله الكرماني (٣). قوله: "حضر رجلًا من الأنصار الموت" الحديث، الأنصار هم الذين نصروا رسول الله ﷺ حين هاجر إلى المدينة وسيأتي الكلام على ذلك أبسط من هذا. قوله: "إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج إلى الصلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة ولم يضع قدمه اليسرى إلا حط

стр. 1537

الله عنه سيئة" الحديث. تقدم الكلام على ذلك وسيأتي الكلام على المسجد في ذلك الباب مبسوطًا. ٤٦٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَتَانِي اللَّيْلَة آتٍ من رَبِّي فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ قَالَ لي يَا مُحَمَّد أَتَدْرِي فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الأَعْلَى قلت نعم فِي الدَّرَجَات وَالْكَفَّارَات وَنقل الأقْدَام إِلَى الْجَمَاعَة وإسباغ الْوضُوء فِي السبرات وانتظار الصَّلَاة بعد الصَّلَاة وَمن حَافظ عَلَيْهِنَّ عَاشَ بِخَير وَمَات بِخَير وَكانَ من ذنُوبه كيَوْم وَلدته أمه الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى (١). قوله: عن ابن عباس تقدم. قوله ﷺ : "أتاني الليلة آت من ربي" وفي رواية "ربي" قال رؤيا الأنبياء في المنام وحي قال الجمهور المراد بالوحي هنا الإلهام والرؤيا في المنام تسمى وحيا، وكان النبي ﷺ إذا أوحي إليه ينحدر منه مثل الجمان من العرق من شدة الوحي وثقله عليه والوحي أصله الإعلام بأمور شرعية ثم هو في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على ثلاثة أضرب: أحدها: سماع الكلام القديم كسماع موسى لنص القرآن ومحمد في صحيح الآثار.

стр. 1538

ثانيا: وحي رسالة بواسطة ملك. ثالثها: تلقي آي بالقلب وذكر أن هذا كان وحي داود ﷺ وروي عن نبينا ﷺ مثله كقوله ﷺ "إن روح القدس نفث في روعي" أي في نفسي والوحي إلى غير الأنبياء بمعنى الإلهام كالوحي إلى الناس الإشارة كقوله ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (١) ثم اعلم في كيفية الوحي على رسول الله ﷺ سبع صور: الأولى: المنام كما جاء في هذا الحديث. ثانيها: أن ينفث في روعه الكلام والروع بضم الراء القلب والخلد أي في نفسي وخلدي وروح القدس هو جبريل ﵇. ثالثها: أن يأتيه الوحي مثل صلصة الجرس. رابعها: أن يتمثل له الملك رجلًا. خامسها: أن يتراءى له جبريل بصورته التي خلق عليها له ستمائه جناح ينتشر منها اللؤلؤ والياقوت وقد رآه رسول الله ﷺ في صورته مرتين. سادسها: أن يكلمه الله من وراء حجاب أما في اليقظة كليلة الإسراء على الصحيح في الإسراء أنه يقظة. سابعها: وحي إسرافيل كما ثابت عن عامر بن شراحيل الشعبي أنه ﷺ وكل به إسرافيل فكان يتراءى له ثلاث سنين ويأتيه بالكلمة والشيء حتى جاء جبريل ﵇ ووقع لبعضهم أنه ميكائيل ومن قال بذلك قال لم ينزل

стр. 1539

عليه قرآن على أن جبريل ﵇ ابتدأ فيها الوحي (١) والله أعلم. قوله: "أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى" الحديث يسارع ويستبق إلى رفعه إلى الله تعالى لأن الملائكة يتقربون إلى الله تعالى برفع العمل الصالح لبني آدم والملأ الأعلى الملائكة المقربون (٢). قوله: "وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه" أي لا ذنب له وكيوم يجوز فيه فتح الميم وكسرها وجهان والفتح أشهر. ٤٦٥ - وَعَن أبي هُرَيرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يتَوَضَّأ أحدكم فَيحسن وضوءه فيسبغه ثمَّ يَأْتِي الْمَسْجِد لا يُرِيد إِلَا الصَّلَاة إِلَا تبشش الله إِلَيْهِ كَمَا يتبشش أهل الْغَائِب بطلعته رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (٣). قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "لا يتوضأ أحدكم فيحسن وضوءه فيسبغه" تقدم تفسير ذلك. "إلا تبشش الله إليه" الحديث التبشيش التأنيس والمواصلة والفرح بالشيء والسرور إليه وهو هنا مجاز عن المضاعفة والإكرام (٤) وقال في النهاية البش

стр. 1540

فرح الصديق بالصديق واللطف في المسألة والإقبال عليه، وقد بششت به أبش، وهذا مثل ضربه لتلقيه إياه ببره وتقريبه وإكرامه (١). ولذلك قال بعضهم: إذا كان الرجل يكون متعلقا بالمسجد منذ خرج منه إلى أن يعود إليه من السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم القيامة. ٤٦٦ - وَعَن جَابر ﵁ قَالَ خلت الْبِقَاع حول الْمَسْجِد فَأَرَادَ بَنو سَلمَة أَن يَنْتَقِلُوا قرب الْمَسْجِد فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُم بَلغنِي أَنكُمْ تُرِيدُونَ أَن تنتقلوا قرب الْمَسْجِد قَالُوا نعم يَا رَسُول الله قد أردنَا ذَلِك فَقَالَ يَا بني سلم دِيَاركُمْ تكْتب آثَاركُم دِيَاركُمْ تكْتب آثَاركُم فَقَالُوا مَا يسرنَا أَنا كنَّا تَحَوَّلْنَا رَوَاهُ مُسلم وَغَيره وَفِي رِوَايَة لَهُ بِمَعْنَاهُ وَفِي آخِره إِن لكم بِكُل خطْوَة دَرَجَة (٢). قوله عن جابر: هو ابن عبد الله تقدم الكلام على مناقبه وفضله. قوله ﷺ : "خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد" بنو سلمة بكسر اللام قبيلة معروفة من الأنصار بين دورهم وبين

стр. 1541

مسجد الرسول ﷺ مسافة بعيدة يلحقهم تعب في سواد الليل إذا مشوا إلى المسجد فأرادوا أن يتركوا دورهم ويتخذوا دورا بقرب المسجد (١). قوله: فقال لهم رسول الله ﷺ بنو سلمة دياركم تكتب آثاركم" والمعنى الزموا دياركم فإنكم إذا ألزمتموها تكتب آثاركم الكثيرة إلى المسجد وتكتب آثاركم بالجزم على جواب الأمر المتقدم والديار منصوب على الإغراء والمراد بالآثار الخطى إلى المساجد فإذا كانت الخطى أكثر كان الثواب أيضا أكثر (٢) والمراد يكتبها الكتبة للثواب أو ما يؤثر أي يكتب وفي السنن وقيل الآثار حرصكم على الطاعات وجدكم واجتهادكم في حضور الجماعات ويقتدى بكم من بعدكم كذا قاله البيضاوي في شرح المصابيح (٣). ٤٦٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ كَانَت الأَنْصَار بعيدَة مَنَازِلهمْ من الْمَسْجِد فأرادوا أَن يتقربوا فَنزلت ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ (٤) فثبتوا" رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد جيد (٥). قوله: "عن ابن عباس" تقدم. قوله: "كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد فأرادوا أن يتقربوا فنزلت ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فثبتوا المنازل" الدور جمع دار وهي المنازل

стр. 1542

المسكونة المحال وتجمع أيضًا على ديار وأراد بها ههنا القبائل وكل مكان اجتمعت في محله سميت تلك المحلة دارًا وسمي ساكنوها بها مجازًا على حذف المضاف أي أهل الدور قاله في النهاية (١)، والأنصار جمع نصير كشريف وأشراف وقيل جمع ناصر والأنصار هم الذين آووا رسول الله ﷺ ونصروه على أعدائه من أهل الشرك وآووا أصحابه ﵃ وهما قبيلة الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة والنسب مذكور إلى قحطان اختصر (٢) وقحطان أصل العرب وسمي قحطان لأنه أول من تجبر وظلم وقحط أموال الناس (٣). قوله: "فنزلت ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ " وآثارهم خطاهم. ٤٦٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ الأبْعَد فالأبعد من الْمَسْجِد أعظم أجرا" رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَقَالَ حَدِيث صَحِيح مدنِي الإِسْنَاد (٤). قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام على ترجمته. قوله ﷺ : "الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا" أي من أجل كثرة الخطأ (٥)

стр. 1543

فهذا الحديث والأحاديث قبله دال على أن الأرض البعيدة أفضل على المشي أفضل ثم هذا كله في حق من هو متفرغ لذلك ولا يفوته بكثرة خطاه ومشيه إلى المسجد مهمة من مهمات الدين فإن كان يفوته ذلك كالاشتغال بالعلم والتعلم والتعليم ونحو ذلك من فرض الكلمات فالدار القريبة في حقه أفضل وكذلك الضعيف عن المشي ونحوه والله أعلم قاله في المقاصد (١). قال العلماء ينبغي أن يستثنى من أفضلية الأبعد الإمام فإن النبي ﷺ ، والأئمة بعده لم يتباعد عن المسجد لطلب الأجر، ويدل أحد أقوال الأصحاب يستحب التبكير للغير إلا الإمام فلا يستحب بل يأتي حين يصعد إلى المنبر كما كان النبي ﷺ يفعله بنفسه (٢) فإن قيل روى الإمام أحمد في مسنده فضل البيت القريب من المسجد على البعيد منه كفضل المجاهد على القاعد عن الجهاد فالجواب إن هذا في نفس البقعة وذاك في الفعل فالبعيد دارًا مشيه أكثر وثوابه أعظم والبيت القريب أفضل من البيت البعيد (٣) ولهذا قيل في قوله ﷺ : "الشؤم في ثلاثة المرأة والدار والفرس" (٤) إن شؤم الدار أن تكون بعيدة عن المسجد لا يسمع ساكنها الأذان (٥) والله أعلم.

стр. 1544

٤٦٩ - وَعَن زيد بن ثَابت ﵁ قَالَ كنت أَمْشِي مَعَ رَسُول الله ﷺ وَنحن نُرِيد الصَّلَاة فَكَانَ يُقَارب الخطا فَقَالَ أَتَدْرُونَ لم أقَارِب الخطا قلت الله وَرَسُوله أعلم قَالَ لا يزَال العَبْد فِي صَلَاة مَادَامَ فِي طلب الصَّلَاة وَفِي رِوَايَة إِنَّمَا فعلت لتكثر خطاي فِي طلب الصَّلَاة" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير مَرْفُوعا وموقوفا على زيد وَهُوَ الصَّحِيح (١). قوله: عن زيد بن ثابت هو الأنصاري المدني الكاتب كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ وكان يكتب له المراسلات إلى الناس أيضا وكان يكتب لأبي بكر وعمر وهما في خلافتهما وهو الذي كتب المصحف المكرم وكان أحد الثلاثة الذين جمعوا المصحف أمره بذلك أبو بكر وعمر وكان قد حفظ من القرآن قبل قدوم رسول الله ﷺ ست عشرة سورة وأعطاه رسول الله ﷺ يوم تبوك راية بني النجار وقال القرآن مقدم وزيد أكثر أخذا القرآن وقتل أبوه وعمره ست سنين واستصغره النبي ﷺ يوم بدر فرده وشهد أحدا والخندق وما بعدهما من المشاهد مع رسول الله ﷺ وكان عمر يستخلفه إذا حج وكذلك عثمان، وقال ابن أبي داود كان زيد بن ثابت أعلم الصحابة بالفرائض وكان من الراسخين في العلم للحديث "أفرضكم زيد" وكان على بيت المال لعثمان وقيل إن ابن عباس أخذ لزيد بن ثابت بالركاب فقال زيد تنح

стр. 1545

يا ابن عم رسول الله ﷺ فقال ابن عباس هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا روي له عن رسول الله ﷺ اثنان وسبعون حديثا اتفق البخاري ومسلم منها على خمسة وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بحديث قال الواقدي مات زيد سنة خمس وأربعين وهو ابن ست وخمسين سنة ومناقبه كثيرة مشهورة (١). قوله: "كنت أمشي مع رسول الله ﷺ ونحن نريد الصلاة فكان يقارب الخطا فقال أتدرون لم أقارب الخطا قلت الله ورسوله أعلم"، وفي آخره "إنما فعلت لتكثر خطاي في طلب الصلاة" قال العلماء في هذه الأحاديث المتقدمة دليل على أن الدار البعيدة عن المسجد تكتب للآتي منها أجر كبير على قدر بعدها وأنها كلما بعدت كان الأجر أكثر لزيادة الخطا (٢) ألا ترى إلى قوله كان يقارب الخطى ولقوله ﷺ في الرواية الأخرى "إنما فعلت هذا لتكثر خطاي في طلب الصلاة" وهذا ظاهر لقوله ﵇ لم يخطو خطوة إلا رفعت له بها درجة فكلما ازدادت الخطى كان أجرا ولكن في مسند الإمام أحمد بسند فيه ابن لهيعة عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله ﷺ "فضل الدار القريبة من المسجد على الدار الشاسعة كفضل الغازي على القاعد" وهذا الحديث مخالف للأصول وفي سنده ابن لهيعة وابن لهيعة فيه كلام مطول. فائدة: اختلف العلماء ﵃ فيما إذا قربت داره من مسجد، قيل الأفضل أن يصلي في ذلك المسجد الجوار لحق جواره أو يذهب إلى المكان البعيد فقالت طائفة الصلاة في البعيد أفضل عملا على ظاهر الأحاديث

стр. 1546

المتقدمة وقيل الصلاة في القريب أفضل لما روى الدارقطني أن النبي ﷺ قال "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" صلاة كاملة ولإحياء حق المسجد ولما له من الجوار قال العلماء في كتب الفقه فإن كان في جواره مسجد ليس فيه جماعة أي بصلاته فيه تحصل الجماعة كان فعلها في المسجد الجوار أفضل لما في ذلك من عمارة المسجد الجوار وإحيائه بالجماعة هذا هو المذهب أما إذا لو كان صلى في الجوار صلى وحده فالبعيد أفضل منه، وقال القاضي حسين والبغوي الأولى أن يصلي فيه منفردا ثم يدرك مسجد الجماعة ليصلي فيه ليحوز الفضيلتين، ولو كان إذا صلى في بيته صلى جماعة وإذا صلى في المسجد صلى وحده ففي بيته أولى (١). فروع: الأول: بجواره مسجدان استوت جماعتهما فإن سمع أحدهما فهو أولى وإن سمعه منهما فالأقرب أولى، فإن استويا تخير، قاله الروياني (٢)، والجوار: بكسر الجيم وضمها قاله في مختصر الكفاية (٣). الفرع الثاني: لو كان إذا صلى منفردا خشع وإذا صلى في جماعة سها، وافق الغزالي أن الإنفراد أولى ووافق الشيخ عز الدين فيما إذا حضر رأيًا وفيه نظر (٤) انتهى.

стр. 1547

الفرع الثالث: لا شك أن جماعة مكة والمدينة وبيت المقدس أفضل من غيرها من المسجد بل الإنفراد فيها أفضل من غيرها وممن صرح به مع وضوحه المتولي قاله في هادي النبيه (١). النوع الرابع: قال بعض أصحاب القفال في شرحه لغيبة ابن شريح: جار المسجد أربعون دارا من كل جانب وهو نظير ما لو أوصي لجيرانه فإنه يصرف لأربعين من كل جانب والآخر أن يقال: جار المسجد من سمع النداء لما روى مسلك عن أبي هريرة قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فذكر الحديث إلى أن قال: "فهل تسمع النداء بالصلاة" قال: نعم، قال: "فأجب"، وقال أبو داود في هذا الحديث "لا أجد لك رخصة" وفي أبي داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر لم تقبل منه الصلاة التي صلاها" (٢) فهذه الأحاديث مبينة للجار في قوله ﷺ : "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (٣) قاله ابن العماد (٤).

стр. 1548

٤٧٠ - وَعَن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "إِن أعظم النَّاس أجرا فِي الصَّلَاة أبعدهم إِلَيْهَا ممشى فأبعدهم وَالَّذِي ينْتَظر الصَّلَاة حَتَّى يُصليهَا مَعَ الإِمَام أعظم أجرا من الَّذِي يُصليهَا ثمَّ ينَام" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (١). قوله: عن أبي موسى الأشعري، تقدم الكلام على فضائله. قوله ﷺ : "أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم ممشى" الحديث، ففي هذا الحديث الحث على كثرة الخطا إلى العبادات وجبر من بعدت داره بذلك، فإن بني سلمة أرادوا أن يتحولوا من منازلهم ليقربوا من المسجد فيفوزوا فقال: "ألا تحتسبون آثاركم" يعني خطاكم، وكره أن تعري المدينة فرأى عمارتها وكثرة الخطا في العبادة تعادل قربهم إذا احتسبوه عند الله تعالى وأخلصوا فيه، وسبب ذلك أن بكل خطوة ترفع درجة وتحط خطيئة ذهابا واختلفوا في الإياب، والظاهر أنه كذلك، وفي صحيح مسلم: "إني أحب أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت" وفي آخره: "قد جمع الله لك ذلك كله" (٢) وهذا على قدر الشدة كما جاء في الصحيح: "لا ينهزه إلا الصلاة"، وفيه المشقات في العبادات تكثر الأجور كما جاء في إسباغ الوضوء على المكاره وغير ذلك، وقد يأتي الأمر بخلاف ذلك في أشياء محصورة والغالب الأول (٣)، وقد جاء أنه عليه الصلاة السلام قال لعائشة: "أجرك على

стр. 1549

قدر نصبك" (١) قال الطبري: وفيه من الفقه أن تقارب الخطى في ذلك أفضل من الإسراع أي طلبا للسكينة الوقار (٢) المأمور بهما. فيه قوله: "والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام" الحديث دليل على ما كان من عدم وجوب الجماعة لأنه أثبت للمصلي وحده أجرا وجعل ذلك أعظم أجرًا وهو دليل على تقديم الإمام الراتب على غيره وأن لا يتقدمه أحد، واستثنى الفقهاء ما إذا كان المسجد مصروفا ولم تخش فتنة فجوزوا ذلك (٣) والله أعلم، قاله في شرح الإلمام. ٤٧١ - وَعَن أبي بن كَعْب ﵁ قَالَ: كَانَ رجل من الأنْصَار لا أعلم أحدا أبعد من الْمَسْجِد مِنْهُ كَانَت لا تخطئه صَلَاة فَقيل لَهُ لَو اشْتريت حمارا تركبه فِي الظلماء وَفِي الرمضاء فَقَالَ مَا يسرني أَن منزلي إِلَى جنب الْمَسْجِد إِنِّي أُرِيد أَن يكْتب لي ممشاي إِلَى الْمَسْجِد ورجوعي إِذا رجعت إِلَى أَهلِي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ قد جمع الله لَك ذَلِك كُله وَفِي رِوَايَة فتوجعت لَهُ فَقلت لَهُ يَا فلَان لَو أَنَّك اشْتريت حمارا يقيك الرمضاء وهوام الأرْض قَالَ أما وَالله مَا أحب أَن بَيْتِي مطنب بِبَيْت مُحَمَّد ﷺ قَالَ فَحملت بِهِ حملا حَتَّى أتيت نَبِي الله ﷺ فَأَخْبَرته فَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك وَذكر أَنه يَرْجُو أجر الأَثر فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَك مَا احتسبت رَوَاهُ مسلم وَغَيره وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه بِنَحْوِ الثَّانِيَة (٤).

стр. 1550

الرمضاء ممدودًا هِيَ الأرْض الشَّدِيدَة الْحَرَارَة من وَقع الشَّمْس. قوله: عن أبي بن كعب، تقدم الكلام على مناقبه، ونسبه في حديث الخضر في كتاب العلم مبسوطًا. قوله: كان رجل من الأنصار لا أعلم أحدا أبعد من المسجد منه وكانت لا تخطئه صلاة أي: لا تفوته صلاة في المسجد، وتقدم الكلام على الأنصار في حديث ابن عباس قبل قبله. قوله: فقيل له: لو اشتريت حمارا فتركبه في الظلماء وفي الرمضاء، وفي الرواية الأخرى: تقيك الرمضاء وهوام الأرض، الحديث، الرمضاء ممدود هي الأرض الشديدة الحرارة من وقع الشمس قاله الحافظ وهوام الأرض معروف كالحية والعقرب ونحوهما. تتمة تتعلق بالرمضاء: خرج الطبراني بإسناده أن رجلًا في عهد النبي ﷺ قزع ثيابه ثم تمرغ في الرمضاء وهو يقول لنفسه: ذوقي، نار جهنم أشد حرًا حقيرة بالليل بطال بالنهار فرآه النبي ﷺ فقال: يا رسول الله غلبتني نفسي، فقال النبي ﷺ : "لقد فتحت لك أبواب السماء وباهى الله بك الملائكة" (١) أ. هـ.

стр. 1551

المباهاة المفاخرة. قوله: فقال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، الحديث؛ في هذا الحديث إثبات الثواب فى الخطا في الرجوع من الصلاة كما ثبت في الذهاب (١). فائدة: قال ابن الصلاح والنووي رحمهما الله: وفي هذا الحديث رد على الإمام الغزالى في الرجوع من المسجد ليس بقربة بدليل إنه لا يكره الركوب في الرجوع من الجنازة وغيرها، فإن قيل: لعل أبا المنذر أبي بن كعب كان يقصد الرجوع للصلاة في المنزل أو حينئذ فيكون قاصد للعبادة فلأن يدخل فيه من رجع لغير قصد العبادة، ويدل على أنه قصد العبادة قوله ﷺ : "أفضل صلاة المرء في بيته" والظاهر منة حال الصحابة رضي الله تعالى عنهم الأخذ بالأفضل، وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خلفات عظام سمان" قلنا: نعم، قال: "فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان" (٢)، قال: فالجواب عنه من وجهين أحدهما: أنه لا يصح قصد الصلاة في المنزل بعد الصبح وصلاة العصر، والحديث أعم من ذلك، الثاني: أنه لم يرتب ذلك

стр. 1552

على قصد الصلاة بل رتبه على المشي في الرجوع من الصلاة، والإضمار يحتاج إلى دليل وأيضًا فمتعلقات الصلاة باقية بدليل استحباب رجوع المصلي من غير طريق الذهاب والله أعلم، ويدل أيضًا على قول من قال: الرجوع قربة لما رواه الإمام أحمد والطبراني وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "من راح إلى مسجد الجماعة فخطوة تمحو سيئة وخطوة تكتب حسنة ذاهبًا وراجعًا" (١) والله أعلم. قوله: وفي رواية: أما والله ما أحب أن بيتي مطنب ببيت محمد ﷺ ، الحديث، مطنب: بفتح النون المشددة والطنب أحد أطناب الخيمة يعني: ما أحب أن بيتي إلى جانب بيته أي ملاصقا طنبه بضم الطاء أي مشدودا إليه وهو الحبل الذي يشد إلى الوتد، والجمع: أطناب ثم استعمل فيما تقارب من المنازل استعارة قاله عياض (٢)، والمعنى: بل أحب أن أكون بعيد منه ليكثر ثوابي وخطاي إليه (٣). قوله: فحملت به حملا، هو بكسر الحاء قال القاضي: كذا ضبطناه عن

стр. 1553

شيوخنا ورواه بعضهم: بفتح الحاء، قال القاضي عياض معناه: أنه أعظم عليّ وثقل واستعظمه لبشاعة لفظه، وهمني ذلك وليس المراد به الحمل على الظهر والله أعلم قاله النووي في شرح مسلم (١). قوله: وذكر أنه يرجوا أجر الأثر، أي: الخطا (٢). قوله ﷺ : "ما احتسبت" أي: الذي احتسبته أي احتسابك، وإنما قيل: احتسب العمل لمن ينوي وجه الله تعالى لأنه له حينئذ أن يعتمد فعله فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد قاله شارح مشارق الأنوار الشيخ وجيه الدين (٣) والله أعلم. ٤٧٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كل سلامى من النَّاس عَلَيْهِ صَدَقَة كل يَوْم تطلع فِيهِ الشَّمْس تعدل بَين الِاثْنَيْنِ صَدَقَة وَتعين الرجل فِي دَابَّته فتحمله عَلَيْهَا أَو ترفع لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعه صَدَقَة والكلمة الطّيبَة صَدَقَة وَبِكُل خطْوَة يمشيها إِلَى الصَّلَاة صَدَقَة وتميط الأَذَى عَن الطَّرِيق صَدَقَة" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٤) السلامى بِضَم السِّين وَتَخْفِيف اللَّام وَالْمِيم مَقْصُور هُوَ وَاحِد السلاميات وَهِي مفاصل الأَصَابِع قَالَ أَبُو عبيد هُوَ فِي الأصْل عظم

стр. 1554

يكون فِي فرسن الْبَعِير فَكَانَ الْمَعْنى على كل عظم من عِظَام ابْن آدم صَدَقَة تعدل بَين الِاثْنَيْنِ أَي تصلح بَينهمَا بِالْعَدْلِ تميط الأذَى عَن الطَّرِيق أَي تنحيه وتبعده عَنْهَا. قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله ﷺ : "على كل سلامي من الناس كل يوم تطلع فيه الشمس صدقة" الحديث، قد فسر الحافظ السلامي بضم السين وتخفيف اللام والميم مقصورًا، وواحده السلاميات، والسلاميات بفتح السين المهملة وتخفيف الياء، أ. هـ، قال الحافظ، فكان المعنى على كل عظم من عظام بني آدم صدقة، أ. هـ. وقال في تحفة المتهجد: أي على كل عظم ومفصل وأصله عظام الكف والأكارع (١)، وقال بعض العلماء: معنى الحديث أن تركيب هذه العظام وسلامتها من أعظم نعم الله تعالى على عبده فيحتاج كل عضو منها إلى صدقة يتصدق ابن آدم عنه فيكون ذلك شكرا لهذه النعمة (٢) وظاهر التعبير في هذا الحديث بقوله: "عليه صدقة كل يوم" أن ذلك من الواجبات لأن السنن لا توصف بأنها على المكلف (٣)، والجواب: أن هذا قد يطلق في الفعل المتأكد وإن لم يكن واجبا، وقد قال العلماء: المراد بالصدقة صدقة ندب

стр. 1555

وترغيب لا إيجاب وإلزام (١). قوله ﷺ : "يعدل بين الاثنين صدقة" أي: يصلح بينهما بالعدل كذا فسره الحافظ، وقال غيره: أن يراد به الإصلاح العدل في الأحكام من القضاة والله أعلم، ويحتمل أن يراد به الإصلاح بين الناس وإن كان من غير من له ولاية على ذلك ولا تسليط وهو الظاهر لأن عدل القضاة والأمراء واجب لا تطوع (٢). قوله: "ويعين الرجل في دابته" هو أن يركب العاجز عن الركوب على دابته وهكذا أن يحمل معه على دابته متاعه وبوب عليه البخاري، ويمكن أن يحمل على الوجوب في المكاره فإنه يجب عليه إركاب الشيخ لعجزه عن الركوب وحده ويجب عليه إبراك الجمل للمرأة لعجزها أو المشقة عليها في ركوب البعير قائمًا (٣)، والله أعلم. قوله: "والكلمة الطيبة صدقة" يحتمل أن يراد بها المخاطبة للناس كأن يجيب السائل بكلمة طيبة من غير إفحاش، ويجوز ذلك وهو الظاهر كما في قوله ﵇ في حديث آخر: "تبسمك في وجه أخيك صدقة" وفي حديث آخر: "ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط إليه" ويحتمل أن يراد بها الكلمة من الأذكار فالتحميد والتسبيح والتهليل كلمة، ومصرح به في حديث

стр. 1556

عائشة ﵂ (١). قوله: "وكل خطوة تمشيها إلى المسجد صدقة" تقدم الكلام على الخطا وهي المشي إلى المساجد في الأحاديث المتقدمة. قوله: "وتميط الأذى عن الطريق صدقة" قد فسره الحافظ تفسير مختصر فقال: أي تنحيه وتبعده عنها، وفسره غيره تفسير مبسط فقال المراد بإماطة الأذى عن الطريق: إزالة ما يؤذي المار من حجر أو شوك وكذا قطع الأشجار من الأماكن الوعرة كما يفعل في طريق الحاج، وكذا كنس الطريق عن التراب الذي يتأذى به المار وردم ما فيه من حفرة أو وهدة وقطع شجرة تكون في الطريق، وفي معناه: توسيع الطريق الذي يضيق على المارة وإقامة من يبيع أو يشتري في وسط الطرق العامة كمحل السعي بين الصفا والمروة ونحو ذلك، فكله من باب إماطة الأذي عن الطريق، ومن ذلك ما يرتفع إلى درجة الوجوب كالحفر التي في وسط الطريق التي يخشى أن يسقط فيها الأعمى والصغير والدابة فإنه يجب طمسها أو التحويط عليها إن لم يضر ذلك للمارة والله أعلم؛ وزاد البخاري في هذا الحديث: "ودل الطريق صدقة" وهو أن يدل من لا يعرف الطريق عليها (٢). ٤٧٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَلا أدلكم على مَا يمحو الله بِهِ الْخَطَايَا وَيرْفَع بِهِ الدَّرَجَات قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ إسباغ الْوضُوء
следующие страницы →