← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 1622–1661 · переход к 1627.

стр. 1622

ما ذكره الخطابي، ويخصون الحديث بمساجد البلد لعموم المشقة إذ يشق على الزوج خروج زوجته إلى مكة مع بعد المسافة وتخصيص العموم بالقياس جائز عند أكثر العُلماء والله أعلم. ثانيهما: أن لا تكون متزينة. ثالثها: أن لا تكون ذات خلاخل يسمع صوتها. رابعها: أن لا يكون ذات ثياب فاخرة. خامسها: أن لا يكون مختلطة بالرجال. سادسها: أن لا تكون شابة ونحوها ممن يفتتن لها. سابعها: أن لا يكون في الطريق ما تخاف منه مفسدة ونحوها (١)، فإذا وجدت هذه الشروط كره منعهن من الزوج كراهة تنزيه، والخطاب لا يتعلق بالأزواج والسادات، فإذا لم يكن لها زوج أو سيد حرم منعهن من الخروج إذا وجدت الشروط، هذا في الخروج إلى الجماعة أما خروجها للاستفتاء فيجوز بغير إذن السيد والزوج إلا أن يكون من أهل الاستفتاء فتستفتي منهما أو يقول نحن نستفتي لك العُلماء فلا تخرج حينئذ ولو أعسر الزوج أو السيد بالنفقة فلها الخروج بغير الإذن لتحصيل النفقة (٢)، وقد اختلف العُلماء في العجائز فذهب أبو حنيفة أنه لا بأس لهن بالخروج إلى الفجر والمغرب والعشاء، وذهب أبو يوسف ومحمد إلى أنهن يخرجن للصلوات كلها وهذا

стр. 1623

كله في زمانهم أما في زماننا فمكروه بالاتفاق (١)، وقال النووي في شرح مسلم: وهذا النهي عن منعهن من الخروج محمول على كراهة التنزيه إذا كانت المرأة ذات زوج أو سيد ووجدت الشروط المذكورة، فإن كانت خلية حرم المنع إذا وجدت الشروط، ومراده بالشروط أن لا تكون متزينة ولا ذات جلاجل ولا ثياب فاخرة ولا مختلطة بالرجال (٢) كما تقدم. قوله ﷺ : "وبيوتهن خير لهن" في هذا الحديث حجة لمن لم يستحب لهن شهود الجماعة وهو قول أهل الكوفة (٣). وكان إبراهيم النخعي يمنع نساءه الجمعة والجماعة (٤). ٥١٤ - وَعنهُ ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الْمَرْأَة عَورَة وَإِنَّهَا إِذا خرجت من بَيتهَا استشرفها الشَّيْطَان وَإِنَّهَا لا تكون أقرب إِلَى الله مِنْهَا فِي قَعْر بَيتهَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (٥). قوله: وعنه، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "المرأة عورة" الحديث جعلها نفسها عورة لأنها إذا ظهرت

стр. 1624

يستحيى منها كما يستحى من العورة إذا ظهرت (١)، والعورة في الأصل كل ما يستحيى منه إذا ظهر (٢)، وقال أهل اللغة: سميت العورة عورة لقبح ظهورها ولغض الأبصار عنها مأخوذة من العور وهو النقص والعيب والقبح ومنه عور العين، والكلمة العوراء هي القبيحة (٣)، وجاء في رواية: "لا ينظر الرجل إلى عرية الرجل ولا المرأة إلى عرية المرأة" (٤)، وفي ضبطها ثلاثة أوجه، ضم العين وفتح الراء وتشديد الياء، وضم العين وإسكان الراء، وكسر العين وإسكان الراء، وهي متجردة (٥)، وستر العورة واجب بالإجماع وهي من الرجل ما بين السرة والركبة، ومن المرأة الحرة جميع جسدها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين، ومن الأمة مثل الرجل، وما يبدوا منها في حال البيع كالرأس والرقبة والساعد فليس بعورة وستر العورة في الصلاة وغير الصلاة واجب، وفيه: عند الخلوة [خلاف]، قاله في النهاية (٦). قوله: "وأنها إذا خرجت استشرفها الشيطان" أي يتنصب ويرفع بصره إليها ويهم بها لأنها قد تعاطت سببا من أسباب تسلطه عليها وهو خروجها من بيتها، قاله الحافظ.

стр. 1625

٥١٥ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ صَلَاة الْمَرْأَة فِي بَيتهَا أفضل من صلَاتهَا فِي حُجْرَتهَا وصلاتها فِي مخدعها أفضل من صلَاتهَا فِي بَيتهَا" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَتردد فِي سَماع قَتَادَة هَذَا الْخَبَر من مُورق (١) والمخدع بِكَسْر الْمِيم وَإِسْكَان الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الدَّال الْمُهْملَة هُوَ الخزانة فِي الْبَيْت قوله: عن عبد الله بن مسعود، تقدم. قوله: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها" قال الحافظ شرف الدين الدمياطي تلميذ الحافظ المنذري في كتابه المتجر الرابح في العمل الصالح: والمراد أن المرأة كلما استقرت وبعد منظرها عن أعين الناس كان أفضل لصلاتها فصلاتها في الخزانة داخل البيت أفضل من صلاتها في البيت وصلاتها في البيت أفضل من صلاتها في حجرة البيت وصلاتها في الحجرة أفضل من صلاتها في الدار خارج الحجرة وصلاتها في الدار أفضل من صلاتها في المسجد، وقد صرح ابن خزيمة وجماعة من العُلماء بأن صلاتها في دارها أفضل من صلاتها في المسجد وإن كان مسجد مكة أو المدينة أو بيت المقدس، والإطلاق في الأحاديث يدل على ذلك، وقد صرح النبي ﷺ بذلك في حديث أم حميد المتقدم في أول

стр. 1626

الباب فالرجل كلما بعد ممشاه وكثرت خطاه زاد أجره وعظمت حسناته، والمرأة كلما بعد ممشاها قل أجرها ونقصت حسناتها، ولذلك قال النبي ﷺ : "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها" فذكر الحديث إلى أن قال: "وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها" (١). قوله ﷺ : "وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها" المخدع: قال الحافظ ﵀ بكسر الميم وإسكان الخاء المعجمة وفتح الدال لا غير هو الخزانة يكون في البيت والخزانة بكسر الخاء المعجمة اسم المكان الذي يخزن فيه هو يوضع داخل البيت قاله المنذري وقد ذكر الجوهري للمخدع ثلاث لغات ضم الميم وفتحها وكسرها مثاله المصحف (٢) قوله وتردد في سماع قتادة هذا الخبر من مورق ومُورق بضم الميم وفتح الواو كسر الراء المشددة وهو مورق بن المشمرج بضم الميم الأولى وفتح الشين المعجمة وكسر الراء والجيم. ٥١٦ - (٣) - وَعنهُ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْمَرْأَة عَورَة فَإِذا خرجت استشرفها الشَّيْطَان رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا بِلَفْظِهِ وَزَاد وَأقرب مَا تكون من وَجه رَبهَا وَهِي فِي قَعْر بَيتهَا (٤).

стр. 1627

قوله: عنه أيضًا تقدم الكلام. قوله: "ما صلت المرأة من صلاة أحب إلى الله من أشد مكان في بيتها" تقدم الكلام على ذلك في الأحاديث قبله قوله ورواه بن خزيمة في صحيحه من رواية إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص، إبراهيم الهجري ضعفه ابن معين والنسائي وقال أبو حاتم ليس يقوى وكان يلعب بالشطرنج، والهجري بفتح الهاء والجيم وكسر الراء نسبة إلى هجر مدينة من بلاد اليمن معروفة ينسب إليها كثير من الناس لذا قاله في الأنساب (١) وقال الجوهري اسم بلد مذكر مصروف والنسبة إليها هاجري على غير قياس (٢). ٥١٩ - وعنه أيضًا ﵁ قال: "ما صلَّتْ امرأةٌ من صلاةٍ أحبَّ إلى الله من أشدَّ مكانٍ في بيتها ظُلْمةً" رواه الطبراني في الكبير، ورواه ابن خزيمة في صحيحه من رواية إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عنه عن النبي ﷺ قال: "إنَّ أحبَّ صلاةِ المرأة إلى الله في أشد مكانٍ في بيتها ظلْمة" (٣). وَفِي رِوَايَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ قَالَ النِّسَاء عَورَة وَإِن الْمَرْأَة لتخرج من بَيتهَا وَمَا بهَا بَأْس فيستشرفها الشَّيْطَان فَيَقُول إِنَّك لَا تمرين بِأحد إِلَّا أَعْجَبته وَإِن الْمَرْأَة

стр. 1628

لتلبس ثِيَابهَا فَيُقَال أَيْن تريدين فَتَقول أَعُود مَرِيضا أَو أشهد جَنَازَة أَو أُصَلِّي فِي مَسْجِد وَمَا عبدت امْرَأَة رَبهَا مثل أَن تعبده فِي بَيتهَا وَإسْنَاد هَذِه حسن (١) قَوْله فيستشرفها الشَّيْطَان أَي ينْتَصب وَيرْفَع بَصَره إِلَيْهَا ويهم بهَا لِأَنَّهَا قد تعاطت سَببا من أَسبَاب تسلطه عَلَيْهَا وَهُوَ خُرُوجهَا من بَيتهَا. قوله: في رواية الطبراني و"إن المرأة لتخرج من بيتها وما بها باش فيستشرفها الشيطان" تقدم معناه من كلام المنذري قوله: فيقول إنك لا تمرين بأحد إلا أعجيتيه ٥٢٠ - وَعَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ أَنه رأى عبد الله يخرج النِّسَاء من الْمَسْجِد يَوْم الْجُمُعَة وَيَقُول اخرجن إِلَى بيوتكن خير لَكن" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبير بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ (٢). قوله: عن أبي عمرو الشيباني واسمه سعد بن إياس. قوله أنه رأى عبد الله يخرج النساء من المسجد يوم الجمعة ويقول أخرجن إلى بيوتكن خير لكن الحديث قال النووي قال أصحابنا وصلاتهن

стр. 1629

فيما كان من بيوتهن أستر وأفضل لهذا الحديث (١) وفي هذه الأحاديث دليل على أنه لا ينبغي للنساء أن يخرجن إلى المساجد إذا حدث في الناس الفساد (٢) فإذا أرادت المرأة حضور الجماعة في المسجد قال الأصحاب إن كانت كبيرة تشتهى كره لها وكره لزوجها ووليها تمكينها منه وإن كانت عجوزا لا تشتهى [لم يكره] (٣) وقال أبو حنيفة أكره للنساء شهود الجمعة وأرخص للعجوز أن تشهد العشاء والفجر وأما غير ذلك من الصلوات فلا وقال أبو يوسف لا بأس للعجائز أن يخرجن في الصلوات وقال الثوري ليس للمرأة خير من بيتها وإن كانت عجوزا (٤) وقد جاءت أحاديث صحيحة في هذا التفصيل منها حديث ابن عمر إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد ومنها. قوله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" فإن منعها لا يحرم عليه هذا مذهبنا قال البيهقي وبه قال عامة العُلماء ويجاب عن حديث لا تمنعوا إماء الله مساجد الله أنه نهي تنزيه لأن حق الزوج بها ملازمة المسكن واجب فلا يترك للفضيلة (٥).

стр. 1630

خاتمة: إذا أرادت المرأة حضور المسجد لصلاة الجماعة فإن كان هناك من ينظر إليها بشهوة حرم على الزوج أن يأذن لها في ذلك وكذلك يحرم على الولي وقد قال الشيخ عز الدين بن عبد السَّلام ﵀ لو كان لرجل امرأة تنظر من طاقة الغرفة إلى الأجانب أو ينظرون منها إليها وجب عليها بناء الطاقة أو سدها وإن كانت عجوزًا لا تشتهي لم يكره واستحب لزوجها أن يأذن لها في ذلك وليس لها الخروج بغير إذن وإذا حضرت المسجد فلتصل في آخر بنائه وأفضل صفوف النساء إذا صلين مع الرجال آخرها (١) والله أعلم.

стр. 1631

[الترغيب في الصلوات الخمس والإيمان بوجوبها] ٥٢١ - عَن النَّبِي ﷺ قَالَ بني الإِسْلَام على خمس شَهَادَة أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وإقام الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة وَصَوْم رَمَضَان وَحج الْبَيْت رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا عَن غير وَاحِد من الصَّحَابَة (١). قوله فيه حديث ابن عمر تقدم الكلام علي مناقب ابن عمر. قوله ﷺ : "بني الإسلام على خمس" الحديث قوله بني الإسلام أي أسس على خمس جاء على خمسة وكلاهما صحيح، والمراد بروايتها أي خمسة أركان أو أشياء، وبرواية حذف الهاء أي خمس خصال أو دعائم أو قواعد أو ذلك هي خصاله المذكورة، أي: إن لم تلحق الهاء في خمس (٢). فقوله ﷺ : "بني الإسلام على خمس" تقتضي أن الخمس غيره لأن المبني قيد المبني عليه، وجوابه: أن الإسلام كالقبة المبنية على الدعائم الخمس، وإنما ذكر من جملتها الإسلام مع أنه أصلها لأنها لا تستمسك إلا به، يعني: أن هذه الخمس أساس دين الإسلام وقواعد ثقلها تبنى عليها وبها تقوم، والمراد من هذا الحديث: أن الإسلام مبني على هذه الخمس فهي كالأركان والدعائم لبنيانه، وقد خرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة

стр. 1632

ولفظه: "بني الإسلام على خمس دعائم" (١) فذكره، والمقصود تمثيل الإسلام ببنيان ودعائم، والبنيان هذه الخمس ولا يثبت البنيان بدونها، وبقية خصال الإسلام التي البنيان فإذا فقد منها شيء نقص البنيان وهو قائم لا ينقص بخلاف ذلك تقل هذه الدعائم الخمس فإن الإسلام نزول بفقدها جميعا بغير أشكال ولذلك يزول بفقد الشهادتين (٢). قوله ﷺ : "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله" والمراد من الشهادتين الإيمان بأن لا إله إلا الله وأني رسوله، وفي رواية لمسلم على أن تعبد الله وتكفر بما دونه (٣) وبهذا يعلم أن الإيمان بالله ورسوله داخل في ضمن الإسلام (٤). واعلم أن هذه الدعائم الخمس بعضها مرتبط ببعض وقد روي أنه لا يقبل بعضها دون بعض (٥) كما في مسند الإمام أحمد عن زياد بن نعيم قالت: قال رسول الله ﷺ : "أربع فرضهن الله في الإسلام فمن جاء بثلاث، لم يغنين عنه شيئًا، حتى يأتي بهن جميعا الصلاة، والزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت" (٦).

стр. 1633

قوله ﷺ : "وإقام الصلاة" أصله إقامة الصلاة ولكن حذفت التاء في لغة القرآن وحذفت في اللغة طلبا للازدواج مع وإيتاء الزكاة والحذف ونحوها للازدواج كثير في لغة العرب نحو (الغدايا والعشايا و"ارجعن مأزورات غير مأجورات" و"الرجس النجس" وهو كثير) (١). والصلاة في اللغة الدعاء بخير والصلاة من الله الرحمة وهي في الشرع أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم مع النية بشرائط مخصوصة وقيل لإنها تفضي إلى المغفرة والمغفرة صلاة قال الله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (٢) أي مغفرة والأصل في وجوب الصلاة قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٣) أي حافظوا عليها قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٤) أي محتمة مؤقتة (٥) وكان فرض الصلاة ليلة المعراج قبل الهجرة بسنة وقيل بستة عشر شهرًا وتختص الوقت وجوبا موسعا إلى أن لا يبقى ما يسعها كلها، فإذا أراد تأخيرها إلى أثناء الوقت (لزمه العزم) على فعلها في أصح الوجهين ويجريان في كل واجب موسع (٦) انتهى. قوله ﷺ : "وإيتاء الزكاة" محذوف المفعول أي: وإيتاء الزكاة

стр. 1634

أهلها بدليل ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ (١) والإيتاء: الإعطاء وآت الزكاة فهي في اللغة الزيادة والنماء وفي الشرع إخراج جزء مقدر من مال مخصوص إلى جهة مخصوصة على القربة (٢). قوله ﷺ : "وصوم رمضان"، الصوم في اللغة الإمساك وفي الشرع إمساك ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس عن المفطرات الشرعية بنية القربة وسمي رمضان لاشتداد حر الرمضاء فيه حين وضع له هذا الاسم (٣). قوله ﷺ : "وحج البيت"، والحج في اللغة القصد وفي الشرع قصد المسجد الحرام وما حوله لأداء النسك (٤). وإنما خص هذه بالذكر ولم يذكر معها الجهاد، مع أنه به ظهر الدين، وانقمع به عتاة الكافرين؛ لأن هذه الخمس فرض دائم على الأعيان، ولا تسقط عمن اتصف بشروط ذلك، والجهاد من فروض الكفايات، وقد يسقط في بعض الأوقات، بل وقد صار جماعة كثيرة إلى أن فرض الجهاد قد سقط بعد فتح مكة، وذكر أنه مذهب ابن عمر، والثوري، وابن سيرين (٥). وفي هذا الحديث تعظيم لأمر الصلاة والزكاة والحج والصيام والمبالغة

стр. 1635

في ذلك حتى أن مفهومه أن من لم يأت بها لم يكن مسلما ولابد من تأويله إما بجحود أو بحق وإما وأما من لم يكن له مال ولا استطاعة سقط عنه ركنان ويقوم بناؤه على ثلاثة أركان ولا نقص فيه غير أنه يحرم أجرهما إلا أن ينوي أو يتمنى أن يكون له مال حتى يفعلهما انتهى. واعلم أن الشرع تعبد الناس في أبدانهم وأموالهم فلذلك كانت العبادات إما بدنية كالصلاة أو مالية كالزكاة ومركبة كالحج والصوم لدخول التكفير بالمال فيهما وعمل البدن فيهما ظاهر كالطواف (وتجويع) البدن وظاهر هذا الحديث أن من ترك شيئًا من هذه الخمس يخرج عن ملة الإسلام بقدر ما ترك منها (لكنه لا يدخل) في الكفر إلا أنه لا يترك في ذلك جاحدا [لوجوبه إذ قد بينا] أن الإسلام غير الإيمان وإنما يكفر من فارق الإيمان بأن كذب على الله وملائكته وكتبه واليوم الآخر أو [بعضها] وأما من فارق [الإسلام] أو [بعضه] فإنما [يدخل] في الفسق [لا في] [*] الكفر، وظاهر هذا التقرير أن تارك الصلاة تهاونا لا يكفر بخلاف المشهور من قول (الحنابلة) (١). وهاهنا تقسيم هو أن الإيمان والإسلام قد عرف عقيدتهما أو معناهما فمن أتاها فهو مؤمن ومن تركها فهو كافر، ومن ترك الإسلام وحده فهو فاسق مؤمن ناقص، ومن ترك الإيمان وحده فهو منافق يؤمن بلسانه وفعله ويكفر باعتقاده ومرجع هذا الحديث من الكتاب إلى قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا

стр. 1636

اللَّهُ﴾ (١)، وقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (٢) الآية ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٣) ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٤) ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٥) ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٦) ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٧) انتهى قاله الطوفي (٨). لطيفة: قوله بني الإسلام على خمس قال الواحدي في الوسيط (٩): عن ابن عباس ﵄ أنه قال أمر نبيه ﵊ بشهادة أن لا إله إلا الله فلما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة فلما صدقوا بها زادهم الزكاة فلما صدقوا بها زادهم الصيام فلما صدقوا به زادهم الحج فلما صدقوا به زادهم الجهاد ثم أكمل لهم الدين وهذا يدل على الترتيب بينهم كما ذكره في الحديث (١٠) والله أعلم. قاله ابن رجب في شرح الأربعين النووية (١١).

стр. 1637

٥٢٢ - وَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ بَيْنَمَا نَحن جُلُوس عِنْد رَسُول الله ﷺ إِذْ طلع علينا رجل شَدِيد بَيَاض الثِّيَاب شَدِيد سَواد الشّعْر لا يرى عَلَيْهِ أثر السّفر وَلا يعرفهُ منا أحد حَتَى جلس إِلَى النَّبِي ﷺ فأسند رُكبَتَيْهِ إِلَى رُكبَتَيْهِ وَوضع كفيه على فَخذيهِ فَقَالَ يَا مُحَمَّد أَخْبرنِي عَن الإِسْلَام فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أَن تشهد أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة وتصوم رَمَضَان وتحج الْبَيْت. الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (١) وَهُوَ مَرْوِيّ عَن غير وَاحِد من الصَّحَابَة فِي الصِّحَاح وَغَيرهَا. قوله: "عن عمر بن الخطاب ﵁ من أشراف قريش ولما بعث رسول الله ﷺ كان عمر شديدًا عليه وعلى المسلمين ثم لطف الله تعالى وأسلم قديما بعد أربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة وسبب إسلامه مشهور وهو أن أخته فاطمة بنت الخطاب كانت زوجة سعيد بن زيد أحد العشرة وكانت قد أسلمت مع زوجها فسمع عمر بذلك (فقصدهما) ليعاتبهما فقرأت عليه القرآن فأوقع الله تعالى في قلبه الإسلام فأسلم ثم جاء ثم جاء النبي ﷺ وأصحابه وهم مجتمعون في دار عند الندوة فأظهر إسلامه فكبر المسلمون فرحا بإسلامه ثم خرج إلى مجامع قريش فنادى بإسلامه وضربه جماعة

стр. 1638

وضربهم ولم يزل كذلك إلى أن أظهر الله الإسلام وقال ابن مسعود كان إسلام عمر فتحا وكانت هجرته نصرا وكانت إمامته رحمة (ولقد) رأيتنا وما نستطيع (أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا) وقيل أن رسول الله ﷺ خطب الناس ثم بكى وقال أين عمر بن الخطاب قال: فوثب إليه عمر وقال: ها أنا يا رسول الله فقال ادن مني فدنا منه فضمه على صدره وقبل بين عينيه وبكى حتى خرجت دموعه على صدره ثم قال: بأعلى صوته معاشر المسلمين هذا عمر بن الخطاب هذا شيخ المهاجرين والأنصار هذا الذي أمرني الله أن أتخذه مشيرا وظهيرا هذا الذي أنزل الله الحق على لسانه هذا الذي يقول الحق وإن كان مرا هذا الذي لا يخاف في الله لومة لائم هذا سراج أهل الجنة هذا الذي يفر منه الشيطان فعلى مبغضه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين والله تعالى بريء ممن (يبغضه وأنا منه بريء) ثم قال اجلس يا عمر (فقد غفر الله) وفضائله (أشهر) من أن تذكر وأكثر من أن تحصى (١) اهـ. قاله في مجمع الأحباب وتقدم الكلام على مناقبه. قوله: "بينا نحن جلوس عند رسول الله ﷺ " قيل أصل بينا بين أشبعت فتحته فتولدت منها ألف وقد يزاد فيها ما فيقال بينما وكلاهما ظرف زمان من المفاجأة فإن إلى جملة من فعل وفاعله أو مبتدأ أو خبره ويحتاجان إلى

стр. 1639

جواب يتم به المعنى والله أعلم ذكره صاحب المغيث (١). قوله: "لا يرى أثر السفر عليه" قال القاضي عياض أو النووي على الشك ضبطاه بالياء المثناة من تحت المضمومة وكذلك ضبطاه في الجمع بين الصحيحين وغيره على ما لم يسم فاعله وضبطه الحافظ أبو حازم العبدري هنا نرى بالنون المفتوحة على تسمية الفاعل وكذلك هو في مسند أبي يعلى الموصلي وكلاهما صحيح (٢) والله أعلم. قوله: "ووضع كفيه على فخذيه" معناه أن الرجل الداخل وضع كفيه على فخذي نفسه وجلس على هيئة المتعلم ذكره النووي في شرح مسلم (٣). قوله ﷺ : "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله" هذا بيان لأصل الإيمان وهو التصديق الباطن وبيان لأصل الإسلام وهو الاستسلام والانقياد الظاهر وحكم الإسلام في الظاهر يثبت بالشهادتين وأن الصلاة والزكاة والصوم والحج لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها وبقيامه بها يتم الاستسلام، وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده واختلاله ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر الإسلام في هذا الحديث وسائر الطاعات لكونها ثمرات التصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان ومقويات ومتممات وحافظات له ولهذا فسر النبي ﷺ الإيمان في حديث وفد عبد القيس بالشهادتين والصلاة والزكاة وصوم رمضان وإعطاء الخمس من المغنم

стр. 1640

وقيل غير ذلك هذا [ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو بدل فريضة لأن اسم الشيء مطلقا يقع على الكامل منه ولا يستعمل في الناقص ظاهرا إلا بقيد ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله ﷺ لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن واسم الإسلام يتناول أيضًا ما هو أصل الإيمان وهو التصديق الباطن ويتناول أصل الطاعات فإن ذلك كله استسلام قال فخرج مما ذكرناه وحققنا أن الإيمان والإسلام يجتمعان ويفترقان وأن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا قال وهذا تحقيق وافر بالتوفيق بين متفرقات نصوص الكتاب والسنة الواردة في الإيمان والإسلام التي طالما غلط فيها الخائضون وما حققناه من ذلك موافق لجماهير العُلماء من أهل الحديث وغيرهم هذا آخر كلام الشيخ] أبي عمرو بن الصلاح (١). [قوله ﷺ فى هذا الحديث: "وأن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله" الحديث الملائكة هو جمع ملك نظرًا إلى أصله الذي هو ملاك مفعل من الألوكة بمعنى الرسالة والتاء زيدت فيه لتأكيد معنى الجمع أو لتأنيث الجمع وهم أجسام علوية نورانية متشكلة بما شاءت من الأشكال (٢). قوله ﷺ : وكتبه ورسله تقدم الكلام على الكتب المنزلة ورسله جمع رسول وهو النبي الذى أنزل عليه الكتاب والنبي أعم منه (٣) والله أعلم].

стр. 1641

وسيأتي هذا الحديث بتمامه والكلام عليه مبسوطا فى موضع آخر إن شاء الله تعالى. ٥٢٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول أَرَأَيْتُم لَو أَن نَهرا بِبَاب أحدكم يغْتَسل فِيهِ كلّ يَوْم خمس مَرَّات هَل يبْقى من درنه شَيْء قَالُوا لا يبْقى من درنه شَيْء، قَالَ فَكَذَلِك مثل الصَّلَوَات الْخمس يمحو الله بِهن الْخَطَايَا" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (١) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث عُثْمَان (٢). الدَّرن بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَالرَّاء جَمِيعًا هُوَ الْوَسخ. قوله: عن أبي هريرة [تقدم الكلام على فضائله] قوله ﷺ : "أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم" الحديث أي أخبروني لو أن نهرا إشارة إلى سهولته وقرب متناوله (٣). قوله ﷺ : "هل يبقى من درنه شيء" قد فسر الحافظ ﵀ الدرن بأنه الوسخ ا. هـ.

стр. 1642

ومنه حديث الزكاة ولم يعط الهرمة ولا الدرنة أي الجرباء وأصله من الوسخ. قاله في النهاية (١). ٥٢٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الصَّلَوَات الْخمس وَالْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة كَفَّارَة لما بَينهُنَّ مَا لم تغش الْكَبَائِر" رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا (٢). قوله: عن أبي هريرة أيضًا تقدم الكلام عليه أيضًا. قوله ﷺ : "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن" الحديث أي باترات ماحيات لما بينهن من الأثام وحمله القاضي عياض على غفران الصغائر خاصة وقال هذا المذكور في الحديث من غفران الذنوب ما لم تغش الكبائر هو مذهب أهل السنة وأن الكبائر إنما يكفرها التوبة أو رحمة الله تعالى وفضله فإن قال قائل اجتناب الكبائر مكفر للصغائر بنص القرآن فأي شيء تكفر الصلوات وغيرها قلنا إذا لم تجد الصلاة ذنوبا تكفرها فلا يبعد أن الله تعالى يرفع لفاعلها الدرجات وينزل ذلك منزلة تكفير الخطيئات (٣). وأما ما يحكى عن أبي إسحاق الإسفرايني أنه قال: الذنوب كلها كبائر وليس فيها صغائر فليس المراد أنها مستوية في الإثم بحيث يكون إثم النظرة المحرمة كإثم الوطء المحرم وإنما المراد أنها بالنسبة إلى عظمة

стр. 1643

من عصي بها كلها كبائر ومع هذا فبعضها أكبر من بعض وعلى هذا فالأمر في ذلك لفظي لا يرجع إلى معنى (١) قاله ابن عقيل في شرحه الأحكام. ٥٢٥ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول الصَّلَوَات الْخمس كَفَّارَة لما بَينهَا ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَرَأَيت لَو أَن رجلًا كَانَ يعتمل وَكانَ بَين منزله وَبَين معتمله خَمْسَة أَنهَار فَإِذا أَتَى معتمله عمل فِيهِ مَا شَاءَ الله فَأَصَابَهُ الْوَسخ أَو الْعرق فَكلما مر بنهر اغْتسل مَا كانَ ذَلِك يبقي من درنه فَكَذَلِك الصَّلَاة كلما عمل خَطِيئَة فَدَعَا واستغفر غفر لَهُ مَا كَانَ قبلهَا، رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْكَبِير بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ (٢) وشواهده كَثِيرَة. ٥٢٦ - وَعَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مثل الصَّلَوَات الْخمس كمثل نهر جَار غمر على بَاب أحدكُم يغْتَسل مِنْهُ كلّ يَوْم خمس مَرَّات رَوَاهُ مُسلم. (٣) والغمر بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الْمِيم بعدهمَا رَاء هُوَ الْكثير.

стр. 1644

قوله: وعن جابر تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر" الحديث. أما الغمر من الماء فهو الماء الكثير كذا فسره الحافظ ﵀ وهو بفتح الغين المعجمة الموحّدة وإسكان الميم بعدهما راء. قال بعض العُلماء: هو الماء الكثير الذي يغمر ويغطي من دخله، قال: وهو من الرجال الكثير العطاء فإن الماء الكثير إنما سمي غمرا بمصدر فعله لأنه يغمر الأشياء غمرا أي يغطيها، يقال: غمره الماء يغمره وهو غامره، وشبه الرجل الكبير العطاء لأنه يغمر السؤال بغطاء ومنها الحديث "أعوذ بك من موت الغمر" أي الغرق (١). ٥٢٧ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تحترقون تحترقون فَإِذا صليتم الصُّبْح غسلتها ثمَّ تحترقون تحترقون فَإِذا صليتم الظّهْر غسلتها ثمَّ تحترقون تحترقون فَإِذا صليتم الْعَصْر غسلتها ثمَّ تحترقون تحترقون فَإِذا صليتم الْمغرب غسلتها ثمَّ تحترقون تحترقون فَإِذا صليتم الْعشَاء غسلتها ثمَّ تنامون فَلَا يكْتب عَلَيْكُم حَتَّى تستيقظوا" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط وَإِسْنَاده حسن وَرَوَاهُ فِي الْكَبِير مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَهُوَ أشبه وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (٢).

стр. 1645

قوله: عن عبد الله بن مسعود تقدم الكلام على فضائله. قوله ﷺ : "تحترقون تحترقون فإذا صليتم الصبح غسلتها" الحديث المراد بالاحتراق الذنوب، والمراد بغسلها غفرانها والغفران هو ستر ذنوب العبد. سؤال: من صلى هذه الصلوات أولا؟ قيل: أول من صلى الفجر آدم ﷺ ، والظهر إبراهيم ﷺ والعصر يونس ﵇، والمغرب عيسى ﵇، والعتمة موسى ﵇، وقال أول من صلى هذه الصلوات الملائكة فأمهم جبريل ﵇، ويقال أول من صلى هذه الصلوات أدم شكرا لقبول توبته، فائدة: فيها بشرى فلم أمر بسبع عشر ركعة في الليل والنهار وهي خمس صلوات قيل لأن المفاصل سبعة عشر مفصلا فأراد أن يعتق بكل مفصل قاله في كشف الأسرار (١). فائدة أخرى: جليلة فيها بشرى لبني أدم روي عن وهب أن عبادة أهل السماء الدنيا القيام يعني في الصلاة، وعبادة أهل السماء الثانية الركوع، وعبادة أهل السماء الثالثة السجود، وعبادة أهل السماء الرابعة القراءة، وعبادة أهل السماء الخامسة التسبيح، وعبادة أهل السماء السادسة الذكر، وعبادة أهل

стр. 1646

السماء السابعة الجلوس في التحيات قلت سبحان الله ما أحسن هذا الحديث في تشريف ابن أدم على الملائكة، وكون الشريعة هي مجموع عبادات أهل السموات السبع في فروض الصلاة لابن آدم قاله في كنز الدرر (١). ٥٢٨ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لله ملكا يُنَادي عِنْد كلّ صَلَاة يَا بني آدم قومُوا إِلَى نيرانكم الَّتِي أوقدتموها فأطفئوها" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالصَّغِير وَقَالَ تفرد بِهِ يحيى بن زُهَيْر الْقرشِي (٢). قَالَ المملي ﵁: وَرِجَاله كلهم مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح سراة. قوله: عن أنس بن مالك تقدم الكلام ترجمته. قوله ﷺ "إن لله ملكا ينادي عند كل صلاة يا بني أدم قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموهما" الحديث المراد بذلك الذنوب كما تقدم.

стр. 1647

قوله: "عن أنس تفرد به يحيى القرشي" هو يحيى بن زهير أبو عبد الرحمن القرشي الفهري حدّث عن: محمد بن ربيعة الكلابي، وعبد الرحمن بن مسهر، وجرير ابن عبد الحميد، وأزهر بن سعد السمان، روى عنه: يعقوب بن إسحاق المخرمي، وأحمد بن محمد بن يزيد الزعفراني، وإسماعيل بن العبَّاس الوراق، ومحمد بن مخلد الدوري (١). ٥٢٩ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ يبْعَث مُنَاد عِنْد حَضْرَة كل صَلَاة فَيَقُول يَا بني آدم قومُوا فأطفئوا مَا أوقدتم على أَنفسكُم فَيقومُونَ فيتطهرون وَيصلونَ الظّهْر فَيغْفر لَهُم مَا بَينهمَا فَإِذا حضرت الْعَصْر فَمثل ذَلِك فَإِذا حضرت الْمغرب فَمثل ذَلِك فَإِذا حضرت الْعَتَمَة فَمثل ذَلِك فينامون فمدلج فِي خير ومدلج فِي شرّ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (٢). قوله: "عن عبد الله بن مسعود" تقدم. قوله: "يبعث مناد عند حضرة كل صلاة فيقول يا بني أدم أوقدتم على

стр. 1648

أنفسكم" أي قوموا إلى الصلاة فأطفئوا ما أوقدتم على أنفسكم أي من الذنوب التي فعلتموها. قوله: فإذا حضرت العصر أي جاء وقت فعلها، ويقال حضرت بفتح الضاد المعجمة وكسرها لغتان مشهورتان الفتح أشهر. قوله: في آخر الحديث فمدلج في خير ومدلج في شر المدلج وهو المسافر أول الليل والله أعلم. ٥٣٠ - وَعَن طَارق بن شهَاب أَنه بَات عِنْد سلمَان الْفَارِسِي ﵁ لينْظر مَا اجْتِهَاده قَالَ فَقَامَ يُصَلِّي من آخر اللَّيْل فَكَأَنَّهُ لم ير الَّذِي كَانَ يظنّ فَذكر ذَلِك لَهُ فَقَالَ سلمَان حَافظُوا على هَذِه الصَّلَوَات الْخمس فَإِنَّهُنَّ كَفَّارَات لهَذه الْجِرَاحَات مَا لم تصب المقتلة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير مَوْقُوفا هَكَذَا بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى (١). قوله: عن طارق بن شهاب هو أبو عبد الله طارق بن شهاب بن عبد شمس بن سملة الكوفي البجلي الأحمسي بالحاء والسين المهملتين منسوب إلى أحمس بن الغوث بن أنمار أدرك الجاهلية، وصحب النبي ﷺ وغزا في زمن أبي بكر وعمر ثلاثًا وثلاثين أو ثلاثًا وأربعين غزوة، وروى عن الخلفاء الأربعة وابن مسعود وسلمان وخالد وأبي موسى وحذيفة، وروى عنه

стр. 1649

جماعات من التابعين منهم قيس بن مسلم ومخازن بن عبد الله وإسماعيل بن أبي خالد سليمان بن ميسرة وغيرهم سكن الكوفة وتوفي سنة ثلاث وثمانين (١). قوله أنه بات عند سلمان الفرسي لينظر ما اجتهاده. سلمان هو أبو عبد الله سلمان الخير مولى رسول الله ﷺ وسئل عن نسبه فقال: إنا سلمان بن الإسلام أصله من فارس من حي قرية من قرى أصبهان وقيل غير ذلك وسبب إسلامه مشهور أنه هرب من أبيه وكان مجوسيا فجلس براهب ثم بجماعة رهبان واحد بعد واحد يصحبهم إلى وفاتهم إلى أن دله الأخير على الذهاب إلى الحجاز وأخبره بظهور النبي ﷺ فقصده وقصته مشهورة وأول مشاهده مع رسول الله ﷺ الخندق ولم يتخلف عن مشهد بعدها وأخى رسول الله ﷺ بين أبي الدرداء وسلمان الفارسي وكان من فضلاء الصحابة، وزهادهم وعلمائهم وسكن العراق وكان يعمل الخوص بيده فيأكل منه وكان أبو الدرداء قد سكن الشام فكتب إلى سلمان أما بعد فإن الله رزقني بعدا ممالا وولد ونزلت الأرض المقدسة فكتب إليه سلمان أما بعد فإنك كتبت إليّ أن الله رزقك مالا وولدا فأعلم أن الخير ليس بكثرة المال والولد ولكن أن يكثر الله حلمك وينفعك علمك وكتبت إلى أنك في الأرض المقدسة وأن الأرض لا تقدس أحدا، ونقلوا اتفاق العلماء على أن سلمان الفارسي عاش مائتين وخمسين سنة وقيل ثلاثمائة وخمسين سنة وقيل أنه أدرك وصي عيسى ﵇ روي له عن رسول الله ﷺ ستون

стр. 1650

حديثًا اتفق البخاري ومسلم منها على ثلاثة ولمسلم ثلاثة توفى ﵁ بالمدائن في أول سنة ست وثلاثين وقيل غير ذلك وكان له ثلاث بنات بنت بأصبهان وبنتان بمصر ومناقبه كثيرة مشهورة (١). قوله: على هذه الصلوات الخمس فإنهن كفارات لهذا الجراحات المراد بالجراحات الصغائر. قوله ما لم تصب المقتلة المقتلة عبارة عن ارتكاب الذنوب الكبائر التى لا تغفر إلا بالتوبة أو يغفرها الله لمن شاء (٢) والله أعلم. لطيفة: قال أبو محمد الجريري قصدت الجنيد فوجدته في الصلاة فأطال جدًا فقلت قد كبرت ووهن عظمك ورق جلدك وضعفت قوتك فلو اقتصرت على بعض صلاتك فقال: اسكت طريق عرفنا به ربنا لا ينبغي أن نقتصر منه على بعضه (٣). ودخلوا على الجنيد عند موته وهو يصلي فقالوا في هذا الوقت فقال الآن حين تطوى الصحائف (٤). ٥٣١ - وَعَن عَمْرَو بن مرّة الْجُهَنِيّ ﵁ قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِن شهِدت أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَأنَك رَسُول الله وَصليت الصَّلَوَات الْخمس وَأديت الزَّكَاة وَصمت رَمَضَان وقمته فَمِمَّنْ أَنا

стр. 1651

قَالَ من الصديقين وَالشُّهَدَاء. رَوَاهُ الْبَزَّار وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَاللَّفْظ لِابْنِ حبَان (١). قوله وعن عمرو بن مرة الجهني هو (عمرو بن مرة بن عبس بن مالك بن الحارث بن مازن بن سعد بن مالك ابن رفاعة بن نصر بن مالك بن غطفان بن قيس بن جهينة الجهني، ثم أحد بني غطفان، ويقال: الأسدي، ويقال: الأزدي، والأول أكثر. يكنى أبا مريم وفد إلى النبي ﷺ وقال: آمنت بكل ما جئت به من حلال وحرام، وإن أرغم ذلك كثيرًا من الأقوام. وكان إسلامه قديما، وشهد مع رسول الله ﷺ أكثر المشاهد، وسكن الشأم، روى عنه عيسى بن طلحة، وسبرة بن معبد، ومضرس بن عثمان، وغيرهم (٢). قوله: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت أن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الصلوات الخمس وأديت الزكاة وصمت رمضان تقدم الكلام على الصلاة والزكاة وصوم رمضان قريبًا والله أعلم. الصديقون فجمع صديق وهو كثير الصدق وأما الشهداء فجمع شهيد

стр. 1652

وهو من قتل في سبيل الله في معركة الكفار بسبب من أسباب. ٥٣٢ - وَعَن أبي مُسلم التغلبي قَالَ دخلت على أبي أُمَامَة ﵁ وَهُوَ فِي الْمَسْجِد فَقلت يَا أَبَا أُمَامَة إِن رجلًا حَدثنِي عَنْك أنَك سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من تَوَضَّأ فأسبغ الْوضُوء فَغسل يَدَيْهِ وَوَجهه وَمسح على رَأسه وَأُذُنَيْهِ ثمَّ قَامَ إِلَى صَلَاة مَفْرُوضَة غفر الله لَهُ فِي ذَلِك الْيَوْم مَا مشت إِلَيْهِ رِجْلَاهُ وقبضت عَلَيْهِ يَدَاهُ وَسمعت إِلَيْهِ أذنَاهُ وَنظرت إِلَيْهِ عَيناهُ وَحدّث بِهِ نَفسه من سوء فَقَالَ وَالله قد سمعته من النَّبِي ﷺ أمرا" رَوَاهُ أَحْمد وَالْغَالِب على سَنَده الحسن (١) وَتقدم لَهُ شَوَاهِد فِي الْوضُوء وَالله أعلم. قوله: عن أبي مسلم التغلبي أبو مسلم اسمه (٢). قوله ﷺ : "من توضأ فأحسن الوضوء" تقدم الكلام على معنى الوضوء وأنه من الوضاءة وهو الحسن وتقدم الكلام أيضًا على إحسان الوضوء فى عدة مواضع من هذا التعليق.

стр. 1653

قوله ﷺ : "غفر الله له في ذلك اليوم ما مشت إليه رجلاه" الحديث فالذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنص القرآن والسنة وإجماع الأمة والاعتبار فالذي يكفره الوضوء والصلاة والصغائر لقوله ﷺ في الصحيحين "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" وقد يقال إذا كفر الوضوء فماذا تكفر الصلاة وإذا كفرت الصلوات فماذا تكفر الجماعات ورمضان إلى رمضان وكذلك صوم يوم عرفة كفارة سنتين يوم عاشوراء كفارة سنة وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه والجواب: ما أجاب به العلماء ﵃ أن كل واحدة من هذا المذكورات صالح للتكفير فإن وجد ما يكفر من الصغائر وإن لم يصادق صغيرة ولا كبيرة كتب له بها حسنات ورفعت له بها درجات وأن صادق كبيرة أو كبائر ولم يصادق صغيرة رجونا أن يخفف من الكبائر (١). ٥٣٣ - وَعَن سلمَان الْفَارِسِي ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "الْمُسلم يُصَلِّي وخطاياه مَرْفُوعَة على رَأسه كلما سجد تحات عَنهُ فيفرغ من صلَاته وَقد تحاتت عَنهُ خطاياه"، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالصَّغِير وَفِيه أَشْعَث بن أَشْعَث السعداني لم أَقف على تَرْجَمته (٢).

стр. 1654

قوله: "في حديث سلمان وفيه أشعث بن أشعت السعداني" من أهل البصرة، يروي عن: عمران القطَّان، يروي عنه بشر بن آدم، ابن ابنة أزهر السمان، يغرب (١). قوله: "عن أبي عثمان كنت مع سلمان تحت شجرة فأخذ غصنا منها يابسا فهزه حتى تحات ورقه". أبو عثمان هذا اسمه (عبد الرحمن بن مل بن عمرو بن عدي بن وهب بن ربيعة بن سعد بن جذيمة أبو عثمان النهدي الكوفي، سكن البصرة، أدرك الجاهلية وأسلم على عهد النبي ﷺ وصدق إليه، ولم يلقه، متفق على توثيقه (٢). ٥٣٤ - وَعَن أبي عُثْمَان قَالَ: كنت مَعَ سلمَان ﵁ تَحت شَجَرَة فَأخذ غصنا مِنْهَا يَابسا فهزه حَتَّى تحات ورقه ثمَّ قَالَ: يَا أَبَا عُثْمَان أَلا تَسْأَلنِي لم أفعل هَذَا قلت وَلم تَفْعَلهُ قَالَ هَكَذَا فعل بِي رَسُول الله ﷺ وَأَنا مَعَه تَحت

стр. 1655

شَجَرَة وَأخذ مِنْهَا غصنًا يَابسًا فهزَّه حَتَّى تحات ورقه فَقَالَ: يَا سلمَان أَلا تَسْأَلنِي لم أفعل هَذَا؟ قلت: وَلم تَفْعَلهُ؟ قَالَ: إِن الْمُسلم إِذا تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ صلى الصَّلَوَات الْخمس تحاتت خطاياه كَمَا تحات هَذَا الْوَرق وَقَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ (١)، رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ ورواة أَحْمد مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح إِلَّا عَليّ بن زيد (٢). وتقدم الكلام على سلمان. قوله ﷺ : "أن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى الصلوات الخمس" الحديث تقدم الكلام على ألفاظ هذا الحديث في الأحاديث قبله وفي الصحيح عن ابن مسعود أن رجلًا أصاب من امرأة قبله فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ فقال الرجل: لمن

стр. 1656

هذا يا رسول الله؟ قال: "لمن عمل بها في أمتي" هذا الرجل هو أبو يسر كعب بن عمرو (١). قوله: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ أي: ساعة بعد ساعة، يقرب بعضها من بعض، الواحدة زلفة، وعني بالزلف من الليل المغرب والعشاء (٢). وقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ اعلم أن صغائر الذنوب تقع مكفرات بما يتبعها من الحسنات، وكذا ما خفي من الكبائر، لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وقوله ﵇: "أتبع الحسنة السيئة تمحها"، فأما ما ظهر منها وتحقق عند الحاكم لم يسقط حدها إلا بالتوبة، وفي سقوطه بها خلاف، وخطيئة هذا الرجل في حكم المخفي، لأنه ما بينها، فلذلك سقط حدها بالصلاة، سيما وقد انضم إليها ما أشعر بإنابته عنها وندامته عليها (٣). ٥٣٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد ﵄ قَالا: خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ ثَلَاث مَرَّات ثمَّ أكب فأكب كل رجل منا يبكي لا نَدْرِي على مَاذَا حلف ثمَّ رفع رَأسه وَفِي وَجهه الْبُشْرَى وَكَانَت أحب

стр. 1657

إِلَيْنَا من حمر النعم قَالَ: مَا من رجل يُصَلِّي الصَّلَوَات الْخمس ويصوم رَمَضَان وَيخرج الزَّكاة ويجتنب الْكَبَائِر السَّبع إِلَّا فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى إِنَّهَا لتصطفق" ثمَّ تَلا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ (١)، وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد (٢). قوله: عن أبي هريرة وعن أبي سعيد تقدم الكلام على مناقبهما ﵄. قوله: "والذي نفسي بيده ثلاث مرات" الحديث فيه جواز الحلف من غير ضرورة لكن المستحب تركه إلا لحاجة كتأكيد أمر وتفخيمه والمبالغة في تحقيقه وتمكينه من النفوس وعلى هذا يحمل ما جاء في الأحاديث من الحلف (٣). قوله ﷺ : "والذي نفسي بيده" ولفظ اليد من المتشابهات وفي مثله افترقت الأمة فرقتين مفوضة وهم الذين يفوضون الأمر فيها إلى الله قائلين ﴿وَمَا

стр. 1658

يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) ومؤولة وهم الذين يؤولونها كما يقال المراد من اليد القدرة عاطفين ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (٢) على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ والأول أسلم والثاني أحكم (٣) والله أعلم. وقال بعض العُلماء في قوله "بيده" والمراد في قبضته وقدرته ومما أفاد بعض علمائنا أن آيات الصفات وأحاديثها لا تذكر إلا حيث ذكرت وليس لأحد أن يتكلم بذلك ويقول أردت كذا فإن له مندوحة من ذلك بالتصريح بمراده على مورد التنزيه [كلمة غير واضحة] تأويل وهو أعلم أو بإمراره على ما ورد مع القطع بنفي التشبيه وهو أسلم والله أعلم قاله فى شرح الإلمام. تنبيه: وهذه كانت غالب يمين رسول الله ﷺ وكذلك ومقلب القلوب وسببه ما فيهما من التنبيه على تسليم الأمر كله لله وأن جميع حركاته وتقلباته بيد خالقه فينشأ عن ذلك الرضا بالقضاء وسكون القلب إلى القضاء والقدر. قوله: "فرفع رأسه وفي وجهه البشرى وكانت أحب إلينا من حمر النعم حمر بضم الحاء المهملة والميم الإبل الحمر" وهي أنفس أموال العرب يضربون بها المثل في نفاسة الشيء وأنه ليس أعظم منه قاله النووي في شرح مسلم (٤).

стр. 1659

قوله ﷺ : "وتجتنب الكبائر السبع" الحديث فهذا يدل على تعظيم هذه السبعة وأن من سلم منها كان على نجا إلى إن وقع في غيرها أو ليس فيه نفي ما عداها أن يكون كبيرة بل إنها أعظم الكبائر والتنصيص عليها اهتماما بأمرها وإلا فهي إلى السبعين أقرب بل إلى السبعمائة ولهذا أسماها الموبقات أي المهلكات. قال في المفهم يحتمل أن يكون اقتصر عليها لأنها هي التي أعلم بها في ذلك الوقت بالوحي ثم أعلم بعد ذلك بغيرها أو لأن تلك السبع هي التي دعت الحاجة إليها في ذلك الوقت أو التي سئل عنها فيه وكذلك القول في كل حديث خص عددا من الكبائر (١). ٥٣٦ - وَعَن عُثْمَان ﵁ قَالَ حَدثنَا رَسُول الله ﷺ عِنْد انصرافنا من صَلَاتنَا أرَاهُ قَالَ الْعَصْر فَقَالَ مَا أَدْرِي أحدّثكُم أَو أسكت قَالَ فَقُلْنَا يَا رَسُول الله إِن خيرا فحدّثنا وَإِن كَانَ غير ذَلِك فَالله وَرَسُوله أعلم قَالَ مَا من مُسلم يتَطَهَّر فَيتم الطَّهَارَة الَّتِي كتب الله عَلَيْهِ فَيصَلي هَذِه الصَّلَوَات الْخمس إِلَّا كَانَت كفَّارَات لما بَينهَا وَفِي رِوَايَة أَن عُثْمَان ﵁ قَالَ وَالله لأحدّثكم حَدِيثا لَوْلا آيَة فِي كتاب الله مَا حَدَّثتكُمُوهُ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لا يتَوَضَّأ رجل فَيحسن وضوءه ثمَّ يُصَلِّي الصَّلَاة إِلَّا غفر الله لَهُ مَا بَينهَا وَبَين الصَّلاة الَّتِي تَلِيهَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٢).

стр. 1660

٥٣٧ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من تَوَضَّأ للصَّلَاة فأسبغ الْوضُوء ثمَّ مَشى إِلَى الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة فَصلاهَا مَعَ النَّاس أَو مَعَ الْجَمَاعَة أَو فِي الْمَسْجِد غفر لَهُ ذنُوبه (١). ٥٣٨ - وَفِي رِوَايَة أَيْضا قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من امرئ مُسلم تحضره صَلَاة مَكْتُوبَة فَيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إِلَّا كَانَت كَفَّارَة لما قبلهَا من الذُّنُوب مَا لم تؤت كبِيرَة وَذَلِكَ الدَّهْر كُله (٢). قوله: وعن عثمان كنيته أبو عمرو ويقال أبو عبد الله وأبو ليلى عثمان بن عفان القرشي الأموي المكي ثم المدني أمير المؤمنين أمه أروى بنت كريز بن ربيعة وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ هاجر عثمان الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة فهاجر بزوجته رقيه بنت رسول الله ﷺ الهجرتين الأولى والثانية ويقال لعثمان ذو النورين لأنه تزوج بنتي رسول الله ﷺ إحداهما بعد الأخرى قالوا أو لا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غير عثمان تزوج رقية قبل النبوة توفيت عنده في أيام غزوة بدر في شهر رمضان السنة الثانية من الهجرة وكان ﵁ تأخر عن بدر لتمريضها بإذن رسول الله ﷺ فجاء البشير بنصر المؤمنين ببدر يوم دفنها بالمدينة ﵂ ثم تزوج بعد وفاتها أختها أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ وتوفيت عنده سنة تسع من الهجرة ولم تلد له شيئًا روي لعثمان عن رسول الله ﷺ مائة

стр. 1661

حديث وستة وأربعون حديثًا اتفق البخاري ومسلم منها على ثلاثة وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بخمسة ولد عثمان في السنة السادسة بعد الفيل وقتل شهيدا يوم الجمعة لثمان عشرة خلون من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وقيل يوم الأربعاء وهو ابن تسعين سنة وقيل غير ذلك وبويع لعثمان بالخلافة [١٦٣ المغربي] غرة المحرم سنة أربع وعشرين فكانت خلافته ثنتي عشرة سنة إلا ليالي، قال ابن عبد البر (١): بويع يوم السبت بعد دفن عمر بثلاثة أيام وحج فيها بالناس عشر سنين متوالية وصلى عليه جبير بن مطعم ودفن ليلًا بالبقيع وأخفى قبره ذلك الوقت ثم أظهر وقيل صلى عليه حكيم بن حزام وقيل المسور بن مخرمة وإنما دفن ليلا للعجز عن إظهار دفنه بسبب غلبة قاتليه وعثمان بن عفان أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وروي أنه قال رأيتُ رسول الله ﷺ في المنام وأبا بكر وعمر فقالوا اصبر فإنك تفطر عندنا الليلة القابلة ثم دعا بالمصحف فقتل وهو بين يديه واعتق عشرين مملوكا وهو محصور ﵁ ومناقبه كثيرة مشهورة (٢). قوله: "ما أدري أحدّثكم أو أسكت" الحديث فيحتمل أن يكون معناه ما أدري هل ذكري لكم هذا الحديث في هذا الزمن مصلحة أم لا ثم ظهرت مصلحته في الحال عنده ﷺ فحدّثهم به لما فيه من ترغيبهم في الطهارة وسائر أنواع الطاعات وسبب توقفه أولا أنه خاف مفسدة اتكالهم ثم رأى المصلحة
следующие страницы →