← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 1657–1696 · переход к 1662.

стр. 1657

إِلَيْنَا من حمر النعم قَالَ: مَا من رجل يُصَلِّي الصَّلَوَات الْخمس ويصوم رَمَضَان وَيخرج الزَّكاة ويجتنب الْكَبَائِر السَّبع إِلَّا فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى إِنَّهَا لتصطفق" ثمَّ تَلا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ (١)، وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد (٢). قوله: عن أبي هريرة وعن أبي سعيد تقدم الكلام على مناقبهما ﵄. قوله: "والذي نفسي بيده ثلاث مرات" الحديث فيه جواز الحلف من غير ضرورة لكن المستحب تركه إلا لحاجة كتأكيد أمر وتفخيمه والمبالغة في تحقيقه وتمكينه من النفوس وعلى هذا يحمل ما جاء في الأحاديث من الحلف (٣). قوله ﷺ : "والذي نفسي بيده" ولفظ اليد من المتشابهات وفي مثله افترقت الأمة فرقتين مفوضة وهم الذين يفوضون الأمر فيها إلى الله قائلين ﴿وَمَا

стр. 1658

يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) ومؤولة وهم الذين يؤولونها كما يقال المراد من اليد القدرة عاطفين ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (٢) على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ والأول أسلم والثاني أحكم (٣) والله أعلم. وقال بعض العُلماء في قوله "بيده" والمراد في قبضته وقدرته ومما أفاد بعض علمائنا أن آيات الصفات وأحاديثها لا تذكر إلا حيث ذكرت وليس لأحد أن يتكلم بذلك ويقول أردت كذا فإن له مندوحة من ذلك بالتصريح بمراده على مورد التنزيه [كلمة غير واضحة] تأويل وهو أعلم أو بإمراره على ما ورد مع القطع بنفي التشبيه وهو أسلم والله أعلم قاله فى شرح الإلمام. تنبيه: وهذه كانت غالب يمين رسول الله ﷺ وكذلك ومقلب القلوب وسببه ما فيهما من التنبيه على تسليم الأمر كله لله وأن جميع حركاته وتقلباته بيد خالقه فينشأ عن ذلك الرضا بالقضاء وسكون القلب إلى القضاء والقدر. قوله: "فرفع رأسه وفي وجهه البشرى وكانت أحب إلينا من حمر النعم حمر بضم الحاء المهملة والميم الإبل الحمر" وهي أنفس أموال العرب يضربون بها المثل في نفاسة الشيء وأنه ليس أعظم منه قاله النووي في شرح مسلم (٤).

стр. 1659

قوله ﷺ : "وتجتنب الكبائر السبع" الحديث فهذا يدل على تعظيم هذه السبعة وأن من سلم منها كان على نجا إلى إن وقع في غيرها أو ليس فيه نفي ما عداها أن يكون كبيرة بل إنها أعظم الكبائر والتنصيص عليها اهتماما بأمرها وإلا فهي إلى السبعين أقرب بل إلى السبعمائة ولهذا أسماها الموبقات أي المهلكات. قال في المفهم يحتمل أن يكون اقتصر عليها لأنها هي التي أعلم بها في ذلك الوقت بالوحي ثم أعلم بعد ذلك بغيرها أو لأن تلك السبع هي التي دعت الحاجة إليها في ذلك الوقت أو التي سئل عنها فيه وكذلك القول في كل حديث خص عددا من الكبائر (١). ٥٣٦ - وَعَن عُثْمَان ﵁ قَالَ حَدثنَا رَسُول الله ﷺ عِنْد انصرافنا من صَلَاتنَا أرَاهُ قَالَ الْعَصْر فَقَالَ مَا أَدْرِي أحدّثكُم أَو أسكت قَالَ فَقُلْنَا يَا رَسُول الله إِن خيرا فحدّثنا وَإِن كَانَ غير ذَلِك فَالله وَرَسُوله أعلم قَالَ مَا من مُسلم يتَطَهَّر فَيتم الطَّهَارَة الَّتِي كتب الله عَلَيْهِ فَيصَلي هَذِه الصَّلَوَات الْخمس إِلَّا كَانَت كفَّارَات لما بَينهَا وَفِي رِوَايَة أَن عُثْمَان ﵁ قَالَ وَالله لأحدّثكم حَدِيثا لَوْلا آيَة فِي كتاب الله مَا حَدَّثتكُمُوهُ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لا يتَوَضَّأ رجل فَيحسن وضوءه ثمَّ يُصَلِّي الصَّلَاة إِلَّا غفر الله لَهُ مَا بَينهَا وَبَين الصَّلاة الَّتِي تَلِيهَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٢).

стр. 1660

٥٣٧ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من تَوَضَّأ للصَّلَاة فأسبغ الْوضُوء ثمَّ مَشى إِلَى الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة فَصلاهَا مَعَ النَّاس أَو مَعَ الْجَمَاعَة أَو فِي الْمَسْجِد غفر لَهُ ذنُوبه (١). ٥٣٨ - وَفِي رِوَايَة أَيْضا قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من امرئ مُسلم تحضره صَلَاة مَكْتُوبَة فَيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إِلَّا كَانَت كَفَّارَة لما قبلهَا من الذُّنُوب مَا لم تؤت كبِيرَة وَذَلِكَ الدَّهْر كُله (٢). قوله: وعن عثمان كنيته أبو عمرو ويقال أبو عبد الله وأبو ليلى عثمان بن عفان القرشي الأموي المكي ثم المدني أمير المؤمنين أمه أروى بنت كريز بن ربيعة وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ هاجر عثمان الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة فهاجر بزوجته رقيه بنت رسول الله ﷺ الهجرتين الأولى والثانية ويقال لعثمان ذو النورين لأنه تزوج بنتي رسول الله ﷺ إحداهما بعد الأخرى قالوا أو لا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غير عثمان تزوج رقية قبل النبوة توفيت عنده في أيام غزوة بدر في شهر رمضان السنة الثانية من الهجرة وكان ﵁ تأخر عن بدر لتمريضها بإذن رسول الله ﷺ فجاء البشير بنصر المؤمنين ببدر يوم دفنها بالمدينة ﵂ ثم تزوج بعد وفاتها أختها أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ وتوفيت عنده سنة تسع من الهجرة ولم تلد له شيئًا روي لعثمان عن رسول الله ﷺ مائة

стр. 1661

حديث وستة وأربعون حديثًا اتفق البخاري ومسلم منها على ثلاثة وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بخمسة ولد عثمان في السنة السادسة بعد الفيل وقتل شهيدا يوم الجمعة لثمان عشرة خلون من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وقيل يوم الأربعاء وهو ابن تسعين سنة وقيل غير ذلك وبويع لعثمان بالخلافة [١٦٣ المغربي] غرة المحرم سنة أربع وعشرين فكانت خلافته ثنتي عشرة سنة إلا ليالي، قال ابن عبد البر (١): بويع يوم السبت بعد دفن عمر بثلاثة أيام وحج فيها بالناس عشر سنين متوالية وصلى عليه جبير بن مطعم ودفن ليلًا بالبقيع وأخفى قبره ذلك الوقت ثم أظهر وقيل صلى عليه حكيم بن حزام وقيل المسور بن مخرمة وإنما دفن ليلا للعجز عن إظهار دفنه بسبب غلبة قاتليه وعثمان بن عفان أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وروي أنه قال رأيتُ رسول الله ﷺ في المنام وأبا بكر وعمر فقالوا اصبر فإنك تفطر عندنا الليلة القابلة ثم دعا بالمصحف فقتل وهو بين يديه واعتق عشرين مملوكا وهو محصور ﵁ ومناقبه كثيرة مشهورة (٢). قوله: "ما أدري أحدّثكم أو أسكت" الحديث فيحتمل أن يكون معناه ما أدري هل ذكري لكم هذا الحديث في هذا الزمن مصلحة أم لا ثم ظهرت مصلحته في الحال عنده ﷺ فحدّثهم به لما فيه من ترغيبهم في الطهارة وسائر أنواع الطاعات وسبب توقفه أولا أنه خاف مفسدة اتكالهم ثم رأى المصلحة

стр. 1662

في التحديث به، وأما قولهم إن كان خيرا فحدّثنا فيحتمل أن يكون معناه إن كان بشارة لنا وسببا لنشاطنا وترغيبنا في الأعمال أو تحذيرا وتنفيرا من المعاصي والمخالفات فحدّثنا به لنحرص على عمل الخير والإعراض عن الشر وإن كان حديثًا لا يتعلق بالأعمال ولا ترغيب فيه ولا ترهيب فالله ورسوله أعلم ومعناه فإذا فيه رأيك والله أعلم (١). قوله: فقلنا يا رسول الله إن كان خيرا فحدّثنا وإن كان غير ذلك فالله ورسوله أعلم الحديث، هذا من حسن أدبهم وأنهم علموا أنه ﷺ لا يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب فعرفوا أنه ليس المراد مطلق الإخبار بما يعرفون والله أعلم، قاله النووي في شرح مسلم (٢). قوله ﷺ : "ما من مسلم يتطهر فيتم الطهارة التي كتب الله عليه فيصل هذه الصلوات الخمس إلا كانت كفارة لما بينها" الحديث هذه الرِّواية فيها فائدة نفيسة وهي قوله ﷺ "فيتم الطهارة التي كتب الله عليه" فإنه دل على أن من اقتصر في وضوئه على طهارة الأعضاء الواجبة المذكورة في الآية وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٣) وترك السنن المستحبات كانت هذه الفضيلة حاصلة له وإن كان من أتى

стр. 1663

بالسنن أكمل وأشد تكفيرا والله أعلم. قول عثمان: والله لولا آية في كتاب الله الحديث فيه جواز الحلف من غير ضرورة ولا أستحلف وتقدم هذا قريبا قوله ﵁ لولا آية في كتاب الله ما حدّثتكم، قال: عروة الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ (١) الآية معناه لولا أن الله تعالى أوجب على من علم علما إبلاغه لما كنت حريصا على تحديثكم ولست متكثرا بتحديثكم وهذا كلّه ما وقع في الأصول التي ببلادنا ولأكثر الناس من غيرهم لولا آية بالياء المثناة من تحت ومد الألف ورواه الباجي بالنون في الحديث، فقال: لولا أنه قال القاضي عياض اختلف العُلماء في تأويل ذلك ففي مسلم قال عروة الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ الآية التي ذكرت وعلى هذا فتح رواية النون وفي الموطأ قال مالك أراه يريد الآية ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ (٢) الآية (٣). سمعتُ رسول الله ﷺ يقول "لا يتوضأ رجل فيحسن وضوءه" تقدم معنى ذلك مرارا عديدة. قوله ﷺ : "ثم يصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة التي تليها بعدها وغفران الذنوب سترها" قوله ﷺ وفي رواية مسلم "من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس أو مع الجماعة أو في

стр. 1664

المسجد غفر له ذنوبه" تقدم معنى الإسباغ والمشي إلى المسجد وسيأتي الكلام على فضل الصلاة في الجماعة وفي غفران الذنوب هل يشمل الصغائر والكبائر أو يختص بالصغائر، قوله ﷺ في الرِّواية الأخرى: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة" الصلاة المكتوبة هي المفروضة التي كتبها الله تعالى على عباده وهو احتراز من النافلة فإنها وإن كانت من وظائف الإسلام لكنها ليست من أركانه فتحمل المطلقة هاهنا على المقيدة في الرِّواية الأخرى جمعا بينها والله أعلم، قاله الكرماني (١). قوله: إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة وذلك الدهر كله الحديث معناه أن الذنوب كلها تغفر إلا الكبائر فإنها لا تغفر وليس المراد أن الذنوب تغفر ما لم تكن كبيرة فإن كانت لا يغفر شيء من الصغائر فإن هذا وإن كان محتملا فسياق الحديث يأباه قال القاضي عياض ﵀ هذا المذكور في الحديث من غفران الذنوب ما لم تكن كبيرة هو مذهب أهل السنة وأن الكبائر إنما يكفرها التوبة أو رحمة الله وفضله وتقدم ذلك (٢) والله أعلم. قوله: وذلك الدهر كله أي ذلك مستمر في جميع الأزمان ثم إنه وقع في هذا الحديث ما من امرئ تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة وفي

стр. 1665

الحديث الآخر الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر، وقد يقال إذا كفر الوضوء فماذا تكفر الصلاة وإذا كفرت الصلوات فماذا تكفر الصلوات الجماعات ورمضان إلى رمضان وكذلك صوم يوم عرفة كفارة سنتين يوم عاشوراء كفارة سنة وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه، الجواب: ما أجاب به العُلماء ﵃ أن كلّ واحدة من هذه المذكورات صالح للتكفير فإن وجد ما يكفر من الصغائر كفره وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كتب لديها حسنات ورفعت له بها درجات وأن صادفت كبيرة أو كبائر ولم يصادق صغيرة رجونا أن يخفف من الكبائر (١) والله أعلم. قال فى حدائق الأولياء: بعد سياق الحديث عند قوله وذلك الدهر كلها أي لا خصوصية مكان ولا زمان ولا شخص ولا حال فالإحسان زائد وتعميم التكفير متزايد (٢). ٥٣٩ - وَعَن أبي أَيُّوب ﵁ أَن النَّبِي ﷺ يَقُول إِن كلّ صَلَاة تحط مَا بَين يَديهَا من خَطِيئَة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (٣).

стр. 1666

٥٤٠ - وَعَن الْحَارِث مولى عُثْمَان قَالَ جلس عُثْمَان ﵁ يَوْمًا وَجَلَسْنَا مَعَه فجَاء الْمُؤَذّن فَدَعَا بِمَاء فِي إِنَاء أَظُنهُ يكون فِيهِ مد فَتَوَضَّأ ثمَّ قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يتَوَضَّأ وضوئي هَذَا ثمَّ قَالَ من تَوَضَّأ وضوئي هَذَا ثمَّ قَامَ يُصَلِّي صَلَاة الظّهْر غفر لَهُ مَا كانَ بَينهَا وَبَين الصُّبْح ثمَّ صلى الْعَصْر غفر لَهُ مَا كانَ بَينهَا وَبَين الظّهْر ثمَّ صلى الْمغرب غفر لَهُ مَا كانَ بَينهَا وَبَين الْعَصْر ثمَّ صلى الْعشَاء غفر لَهُ مَا كانَ بَينهَا وَبَين الْمغرب ثمَّ لَعَلَّه يبيت يتمرغ ليلته ثمَّ إِن قَامَ فَتَوَضَّأ فصلى الصُّبْح غفر لَهُ مَا بَينهَا وَبَين صَلَاة الْعشَاء وَهن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات قَالُوا هَذِه الْحَسَنَات فَمَا الْبَاقِيَات يَا عُثْمَان قَالَ هِيَ لا إِلَه إِلَّا الله وَسُبْحَان الله وَالْحَمْد لله وَالله أكبر وَلا حول وَلا قُوَّة إِلَّا بِالله رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّار (١).

стр. 1667

وعن الحارث مولي عثمان (هو أبو صالح الحارث بن عبد مولى عثمان بن عفان روى عنه أبو عقيل زهرة بن معبد حديث الوضوء مات في ولاية معاوية (١). قوله: جلس عثمان يومًا وجلسنا معه فجاء المؤذن فدعا بماء في إناء أظنه يكون فيه مد فتوضأ الحديث المد رطل وثلث قيل سمي مدا لأنه ملء كفي الإنسان إذا مدهما طعاما (٢) والصاع أربعة أمداد (٣) والمكوك مكيال معروف بالعراق بفتح الميم وتشديد الكاف بعدها يسع صاعا ونصفا من صاع النبي ﷺ بالمد ويجمع مكاكي ومكاكيك وبالروايتين جاء في صحيح مسلم قاله القاضي عياض (٤). قال [الترمذي]: وقال الشافعي وأحمد وإسحاق ليس معنى الحديث التوقيت أنه لا يجوز أكثر منه ولا أقل منه بل ما يكفي ثم عقبه حديث أبي بن كعب أن النبي ﷺ قال "إن الوضوء شيطانا يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء" قال أبو عيسى وهو حديث غريب (٥) ا. هـ.

стр. 1668

قال ابن العربي ومعناه أن يكون بالكيل لا بالوزن لأن كيل المد والصاع بالماء أضعافه بالوزن فتفطن لهذه الدقيقة (١) ا. هـ. وقد نقل الطبري إجماع المسلمين على أن ماء الطهارة ليس له قدر معلوم لا يجوز النقص عنه والعبرة بالإسباغ وهذا الاختلاف يدل على عدم الحرج فإن الأمر واسع الصاع والمد تقريب لا تحديد ويستحب تقليل الماء وعدم الإسراف (٢) ا. هـ. فائدة: والمستحب [١٦٤ المغربي] أن لا ينقص الغسل عن صاع ولا في الوضوء عن مد اقتداء برسول الله ﷺ والأصح أن المداد بالصاع والمد هنا صاع ومدها غسل الصاع هنا ثمانية أرطال والمدد رطلان وقال وإذا وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وكلام الأصحاب يدل على أن المستحب الاقتصار على الصاع والمد روي أنه ﷺ قال: "سيأتي أقوام يستقلون فمن رغب في سنتي وتمسك بها بعث معي في حظيرة القدس" فإن نقص عن ذلك وأسبغ أجزأه وقد نص عليه الشافعي رحمه الله تعالى لأن الله تعالى لم يقدرهما بشيء وفعله ﷺ محمول على الاستحباب يدل عليه أنه ﷺ توضأ بما لا يبل الثرى ذكره في مختصر الكفاية لابن النقيب (٣).

стр. 1669

تنبيه: قال شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السَّلام: إذا كان المتوضئ ضئيلا أو متفاحش الطول والعرض يستحب له أن يستعمل ما يكون نسبته إلى جسده كنسبة المد إلى يد رسول الله ﷺ وكذلك الغسل فلا يمكن أن يكون في الوجود أعلم منه ﷺ ولا أرفق ولا أحوط ولا أسوس (لمراد) الشريعة ومكارم الأخلاق منه ﷺ (١) انتهى. قوله رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وضوئي هذا ثم قال "من توضأ هكذا ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما كان بينها وبين صلاة الصبح" الحديث المراد بذلك غفران صغائر الذنوب كما تقدم. وللظهر ثلاث أسماء الأول الظهر وسميت ظهر لأنها تفعل في وقت الظهيرة أو لأنها أول صلاة ظهرت بفعل جبريل ﵇، والثاني: الصلاة الأولى لأنها أول صلاة ظهرت في الإسلام، والثالث: صلاة الهجيرة لأنها تفعل في وقت الهاجرة ذكره ابن العماد في كتاب القدوة (٢). قوله ﷺ "غفر له ما كان بينها وبين صلاة الصبح" يعني الصغائر على ما تقدم من أقوال العُلماء وسيأتي الكلام على أسماء بقية الصلوات الخمس إن شاء الله تعالى. ٥٤١ - وَعَن جُنْدُب بن عبد الله ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من صلى الصُّبْح فَهُوَ فِي ذمَّة الله فَلَا يطلبكم الله من ذمَّته بِشَئ فَإِنَّهُ من يَطْلُبهُ من ذمَّته

стр. 1670

بِشَيْء يُدْرِكهُ ثمَّ يكبه على وَجهه فِي نَار جَهَنَّم رَوَاهُ مُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهم (١). وَيَأْتِي فِي بَاب صَلَاة الصُّبْح وَالْعصر إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قوله: وعن جندب بن عبد الله تقدم الكلام عليه قوله ﷺ "من صلى الصبح فهو في ذمة الله" الحديث الذمة والذمام وهما بمعنى العهد والأمان والضمان والحرمة والحق وسمي أهل الذمة بذلك لدخولهم في عرف المسلمين وأمانهم قاله في النهاية (٢) وسيأتي الكلام على بقية ألفاظ هذا الحديث في بابه وسيأتي الكلام على هذا الحديث في صلاة الصبح إن شاء الله تعالى مبسوطا ٥٤٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يتعاقبون فِيكُم مَلَائِكَة بِاللَّيْلِ وملائكة بِالنَّهَارِ ويجتمعون فِي صَلَاة الصُّبْح وَصَلَاة الْعَصْر ثمَّ يعرج الَّذين باتوا فِيكُم فيسألهم رَبهم وَهُوَ أعلم بهم كَيفَ تركْتُم عبَادي فَيَقُولُونَ تركناهم وهم يصلونَ وأتيناهم وهم يصلونَ رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ (٣). قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة قوله ﷺ : "يتعاقبون

стр. 1671

فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" الحديث ومعنى يتعاقبون تأتي طائفة بعد طائفة، وقال: بعضهم هو أن يأتي هذا في عقب هذا وهذا في عقب هذا على باب المفاعلة ومنه تعقب الجيوش وهو أن يذهب إلى ثغر قوم ويجيء آخرون (١). قوله ﷺ : "ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" اختلف العُلماء في المراد بهؤلاء الملائكة هل هم الحفظة أو غيرهم، فحكى صاحب المفهم عن الجمهور أنهم الحفظة وكذا قال القاضي عياض الأظهر وقول الأكثرين أن هؤلاء الملائكة هم الحفظة الكتاب وقال صاحب المفهم أن الأظهر عنده أنهم غير الحفظة وما ذكر أنه الأظهر هو الذي لا يتجه غيره لأنه لم ينقل لأن حفظة الليل غير حفظة النهار، وقال القاضي عياض وقيل يحتمل أن يكونوا من جملة الملائكة كجملة الناس غير الحفظة (٢). قوله ﷺ : "يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر" الحديث أما اجتماعهم في الفجر والعصر ففيه لطف من الله تعالى بعباده المؤمنين وتكرمة لهم أن جعل اجتماع الملائكة عندهم ومفارقتهم لهم في أوقات عباداتهم واجتماعهم على طاعة ربهم فتكون شهادتهم لهم بما شاهدوه من الخير ولم يجعل اجتماعهم معهم في حالة خلواتهم ولذاتهم وانهماكهم على شهواتهم

стр. 1672

فله الحمد على توفيقه للخير وإظهاره والإثابة عليه وعلى ستره للقبيح ومحبته ستره وكراهة إشاعته (١) وفيه فضيلة صلاة العصر والصبح لاجتماع الملائكة فيهما وهما المراد بقوله ﵎: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (٢) كما قاله جرير بن عبد الله (٣). قوله ﷺ : "ثم الذين باتوا فيكم" الحديث ولم يذكر عروج الملائكة الذين كانوا بالنهار ولا أن الله تعالى يسألهم كيف تركتم عبادي كما سأل ملائكة الليل فهل يظهر لذلك معنى أو لا؟ والجواب عنه: أن الليل محل اختفاء واستتار عن الأعين وإغلاق الناس أبوابهم على ما يبيتون عليه فكان سؤال ملائكة الليل أبلغ في أنهم لم يروا إلا خيرا من مجيئهم إليهم وهم يصلون وتركهم وهم يصلون بخلاف النهار فإنه محل الانتشار والإظهار وإن أمكن الاختفاء فيه والإظهار في الليل ولكن جرى على غالب الأحوال (٤). سؤال آخر: ملائكة الليل إذا صلوا معهم صلاة الصبح عرجوا فحسن سؤالهم ليجيبوا بما فارقوهم عليه وملائكة النهار قد لا يعرجون بعد الصلاة بل يستكملون في الأرض بقية النهار لأنهم يضبطون ما وقع في جميع النهار

стр. 1673

بناء على القول بأنهم الحفظة وعلى تقدير كونهم غير الحفظة فقد أخبر ﷺ أنهم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار والظاهر منهم استيعاب النهار وإذا لم يفارقوا بني أدم عقيب الصلاة أمكن أن يطرأ بعد الصلاة ما لا يريد الله منهم الإخبار به وهو أعلم وما لا يريدون هم أن يشهدوا به فلم يسألهم عن ذلك (١). قوله ﷺ : "فيسألهم ربهم هو أعلم بكم كيف تركتم عبادي" الحديث فهذا السؤال على ظاهره وهو تعبد منه لملائكته كما أمرهم بكتب الأعمال وهو أعلم بالجميع. ٥٤٣ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أول مَا افْترض الله على النَّاس من دينهم الصَّلَاة وَآخر مَا يبْقى الصَّلَاة وَأول مَا يُحَاسب بِهِ الصَّلَاة وَيَقُول الله انْظُرُوا فِي صَلَاة عَبدِي فَإِن كَانَت تَامَّة كتبت تَامَّة وَإِن كَانَت نَاقِصَة يَقُول انْظُرُوا هَل لعبدي من تطوع فَإِن وجد لَهُ تطوع تمت الْفَرِيضَة من التَّطَوُّع ثمَّ قَالَ انْظُرُوا هَل زَكَاته تَامَّة فَإِن كَانَت تَامَّة كتبت تَامَّة وَإِن كَانَت نَاقِصَة قَالَ انْظُرُوا هَل لَهُ صَدَقَة فَإِن كَانَت لَهُ صَدَقَة تمت لَهُ زَكَاته رَوَاهُ أَبُو يعلى (٢). قوله: وروي عن أنس بن مالك تقدم الكلام على أنس.

стр. 1674

قوله ﷺ : "عن أول ما افترض الله على الناس من دينهم الصلاة وآخر ما يبقى الصلاة" قال البندنيجى: وكان فرض الصلوات الخمس ليلة المعراج قبل الهجرة بسنة وقيل لستة عشر شهرًا في شوال وفرض الصوم قبل الهجرة بثلاث سنين والحج بعدها بست وقيل غير ذلك، والزكاة قبل الصوم وقيل بعده (١) ا. هـ. قاله في مختصر الكفاية. وقوله ﷺ : "وأول ما يحاسب به العبد المسلم الصلاة المكتوبة فإن أتمها وإلا فقيل انظروا هل له من تطوع" الحديث، والحديث أيضًا عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء" قال النووي: أن حديث هذا الباب فيها بين العبد وبين الله وحديث ابن مسعود فيها بين العباد فليس أحدهما مخالفا للآخر (٢). قوله تعالى: "فيقول انظروا في صلاة عبدي فإن كانت تامة كتبت وإن كانت ناقصة يقول انظروا هل لعبدي من تطوع فإن وجدوا له تطوعا تمت الفريضة من الصلاة" الحديث قال شيخ الإسلام ابن عبد السَّلام ما ورد في الحديث أن نوافل الصلوات تكملوا الفرائض قال البيهقي: معنى ذلك أنها تجبر السنن التي في الصلوات ولا يمكن أن يعدل شيء من السنن واجبا أبدًا والذي يدل على هذا الذم في قوله ﷺ حكاية عن الله تعالى "وما تقرب إلي أحد بمثل ما أداء ما افترضت عليه" الحديث ففضل الفرض على النفل سواء قل أو كثر

стр. 1675

ولا شك أن هذا وإن كان يعضده الظاهر إلا أنه يشكل من جهة أن الثواب والعقاب مرتبتان على حسب المصالح والمفاسد ولا يمكنا أن نقول عن درهم من الزكاة الواجبة تربى مصلحته على مصلحة ألف درهم تطوعا وأن قيام الدهر كلّه لا يعدل ركعتي الصبح هذا على خلاف قواعد الشريعة (١). قال في الإحياء: أن العبد إذا صلى ركعتين عجبت منه عشرة صفوف من الملائكة كلّ صف [١٦٥ المغربي] منهم فيه عشرة الألف وباهي الله به مائة ألف ملك وذلك أن العبد قد جمع الله له في عبادته بين القيام والقعود والركوع والسجود وقد فرق ذلك على أربعين ألف ملك لا يركعون إلا يوم القيامة والساجدون لا يرفعون إلا يوم القيامة وهكذا الراكعون والقاعدون فإن ما رزق الملائكة من القرب والرتبة لازم لهم مستمر على حال واحدة واحدة لا تزيد ولا تنقص ولذلك قالوا: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ (٢) وفارق الإنسان الملائكة في الترقي من درجة إلى درجات فإنه لا يزال إلى الله تعالى ويستفيد بقربه زيادة درجة حتى يقرب رتبة الملائكة إذا باب المزيد مسدود عليهم وليس لكل واحد منهم إلا التي وقف عليها وعبادته التي هو مشغول بها لا يتنفل إلى غيرها ولا فتر عنها كما قال ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ (٣) ومفتاح مزيد الدرجات هو الصلاة وقال الله عز

стр. 1676

وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ (١) فمدحهم بعد الإيمان بصلاة مخصوصة وهي المقرونة بالخشوع ثم ختم أوصاف المفلحين بالصلاة أيضًا فقال الله تعالى في آخرها: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤)﴾ (٢) ثم قال تعالى في ثمرة تلك الصفات: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ (٣) وما عندي أن هدرمة اللسان مع غفلة القلب تنتهي درجته إلى هذا ولذلك قال تعالى: في أضدادهم ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ (٤) فالمصلون هم ورثة الفردوس وهم المشاهدون لنور الله تعالى والمتنعمون بقربه وذكره من قلوبهم نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم وأن يعيذنا من عقوبته بمنه وكرمه (٥) ا. هـ، قاله في الديباجة. اعلم أن التطوع من النوافل والنوافل هي الزيادة ولذلك سمي النفل نفلا وهو ما ينفله الإمام لمن يراه زائدا على نصيبه من الغنيمة قال الله : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ (٦) أي زيادة لك من فضلنا على اقتضيت ما الفرائض لك واعلم أن الله لم يوجب شيئًا من

стр. 1677

الواجبات غالبا إلا وجعل من جنسه نافلة إذا قام العبد بذلك الواجب وفيه خلل ما جبر بالنافلة التى هى من جنسه ولذلك جاء فى أنه ينظر فى صلاة العبد فإن قام بها كما أمر الله بها جوزى عليها وأثبتت له وإن كان فيها خلل أكملت من نافلته ا. هـ. قاله ابن عطاء في كتابه لطائف المنن (١) والله أعلم. وقال بعض العُلماء أيضًا: يقوم النفل مقام الفرض في الدار الآخرة ويحسب عنه بشرط أن يترك الفرض ساهيا فإذا جاء العبد يوم القيامة وعليه فرائض من صلاة أو صيام أو حج أو زكاة كملت الفرائض بالنوافل وكملت الزكاة بصدقة التطوع، قال الإمام الشافعي ﵁: هذا إن ترك الفرض ناسيا في الدنيا (٢). وقال أبو عمر ابن عبد البر في كتاب التمهيد: في إكمال الفريضة من التطوع إنما يكون ذلك والله أعلم فيمن سها عن فريضة فلم يأت بها أو لم يحسن ركوعها ولا سجودها ولم يدر قدر ذلك، وأما من تعمد تركها أو نسي ثم ذكرها فلم يأت بها عامدا واشتغل بالتطوع عن أداء فريضة وهو ذاكر له فلا تكمل له فريضة تلك من تطوعه (٣). وقال الإمام أبو عبد الله القرطبي في التذكرة: فينبغي للإنسان أن يحافظ على أداء فرضه فيصليه كما أمر من إتمام ركوع وسجود وحضور قلب فإن

стр. 1678

غفل عن شيء من ذلك فيجتهد بعد ذلك في نفله ولا يتساهل فيه ولا في تركه ومن لا يحسن أن يصلي الفرض فأحرى أن لا يحسن النفل لا جرم بل تنفل الناس في أشد ما فيكون من النقصان والخلل في التمام لخفة النفل عندهم وتهاونهم به، ولعمر الله لقد نشاهد في الوجود من يشار إليه ويطربه العلم تنفله كذلك بل فرضه إذا ينقره نقر الديك فكيف بالجهال الذين لا يعلمون وإذا كان هذا فكيف يكمل بهذا النفل ما نقص من الفرض هيهات هيهات ما علموا أية الصلاة بهذه الصفة دخل صاحبها في معنى قوله تعالى: ﴿خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ (١) الآية. قال: جماعة من العُلماء التضييع للصلاة هو أن لا يضيع يقيم حدودها من مراعاة وقت وطهارة وإتمام ركوع وسجود ونحو ذلك وهو مع ذلك يصليها ولا يمنع من القيام بها في وقتها وغير وقتها قالوا فأما من تركها أصلًا ولم يصليها فهو كافر (٢) وسيأتي اختلاف العُلماء في ذلك في باب ترك الصلاة إن شاء الله تعالى. فائدة: من ترك الصلاة عمدا من غير عذر مع علمه بوجوبها وفرضها ثم تاب وندم فقال الأئمة الأربعة توبته بالندم والاشتغال بأداء الفرائض المستأنفة وقضاء الفرائض المتروكة وشذ أهل الظاهر فقالوا لا تقضي الصلاة بل يتوب بالندم والملازمة في المستقبل حجه الجمهور قوله ﷺ :

стр. 1679

"من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها" (١) فأوجب القضاء على الناسى فالعامل أولى فكيف يظن بالشارع ﷺ أنه يخفف عن هذا المفرط العامد العاصي ويوجب على النائم والناسي ولأن الصلاة خارج الوقت بدل عن الصلاة فى الوقت والعبادة إذا كان لها بدل وتعذر المبدل انتقل المكلف إلى البدل كالتيمم مع الوضوء (٢). وفي قوله ﷺ "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها" قال العُلماء يؤخذ منه الحث على المبادرة إلى فعلها خشية الموت فإن مات وعليه صلاة لا تقضى عنه كما تقضى يقضى الحج ولا يعطي عنها الكفارة كما يعطى عن الصوم وهذا الحديث حجه في الرد على قائل ذلك ويؤخذ من هذا الحديث أن النافلة لا تجبر الفريضة في الدار الآخرة وقد ورد في الحديث أن الشخص إذا حوسب على الصلاة ونقص شيء من الفرائض جبرت بالنوافل وهو حديث الباب الذي تقدم الكلام عليه وأنه يوجد سائر الأعمال على حساب ذلك والشافعي حمل ذلك على ما إذا ترك ركعة من الصلاة أو سجدة ناسيا أو ترك صلاة ناسيا ولم يتذكر حتى مات فأما إذا ترك الصلاة متعمدا أو ترك قضائها متعمدًا فلا تجبرها النوافل ونقل ذلك القرطبي عن الشافعي (٣) ا. هـ قاله في شرح العمدة.

стр. 1680

سؤال: من أخل بشيء من العبادات هل يقضيه يوم القيامة والجواب أنه لا قضاء هناك بالفعل وإنما قضاؤه أن يؤخذ من نوافل ذلك العمل ما يكمل به ما وقع فيه الخلل من فرائضه كما تقدم فإن لم يكن له نوافل فمن حسناته من جنس آخر قال فإن لم يكن له حسنات فيطرح عليه بمقدار ما بقي عليه سيئات إلا أن يغفر الله له ويسمح له والله أعلم. قاله شيخ الإسلام ابن حجر رحمه الله تعالى. فرع. ومن عليه فوات لا يعرف عددها قال القفال: يقضي ما تحقق تركه، وقال القاضي حسين يقضي ما زاد على ما حقّق فعلا وهو ما قاله الكمال الدميري (١). فائدة: من صلى جاهلا بكيفية الصلاة لم تصح صلاته وإن أصاب كما لو توضأ جاهلا بكيفية الوضوء بل لابد من تعلم الفرض قبل الشروع وهذا كما أن من فسر آية من كتاب الله تعالى بغير علم يأثم وإن أصاب وكما أن القاضي إذا حكم بين الناس وهو يجهل حكم الله تعالى يدخل النار وإن أصاب وهو كما أن الطبيب إذا عالج الداء وهو لا يعرف الطب يأثم وإن أصاب ويكون ضامنا لقوله ﷺ : "من تطبب ولم يعرف الطب فهو ضامن" رواه أبو داود وابن ماجه (٢) وعلى هذا لو وصف دواء لأبيه أو زوجته وهو لا

стр. 1681

يعرف الطب فمات أو ماتت لم يرث منهما لتعديه وإن وصف لهما الدواء وهو عارف بالطب وماتا ورثهما ولو ماتت زوجته بالطلق من وطئه ورثها لأنه غير قاتل بدليل أنه كفارة عليه وكل قتل لا تجب به كفارة لا يمنع الإرث غالبا (١) والله أعلم. وفي أبي داود عن ابن عمر كانت الصلوات خمسين والغسل من الجنابة سبعا وغسل البول من الثوب سبع مرات فلم يزل النبي ﷺ "يسأل ربه حتى جعل الصلوات خمسا والغسل مرة" (٢) والله أعلم. ٥٤٤ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ خمس من جَاءَ بِهن مَعَ إِيمَان دخل الْجنَّة من حَافظ على الصَّلَوَات الْخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن وَصَامَ رَمَضَان وَحج الْبَيْت إِن اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَآتى الزَّكَاة طيبَة بهَا نَفسه وَأدّى الأمَانَة قيل يَا رَسُول الله وَمَا أَدَاء الأمَانَة قَالَ الْغسْل من الْجَنَابَة إِن الله لم يَأْمَن ابْن آدم على شَيْء من دينه غَيرهَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد (٣).

стр. 1682

قوله: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن الحديث سيأتي الكلام على ذلك في أماكن متفرقة. ٥٤٥ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول خمس صلوَات كتبهن الله على الْعباد فَمن جَاءَ بِهن وَلم يضيع مِنْهُنَّ شَيْئا اسْتِخْفَافًا بحقهن كَانَ لَهُ عِنْد الله عهد أَن يدْخلهُ الْجنَّة وَمن لم يَأْتِ بِهن فَلَيْسَ لَهُ عِنْد الله عهد إِن شَاءَ عذبه وَإِن شَاءَ أدخلهُ الْجنَّة، رَوَاهُ مَالك وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (١). ٥٤٦ - وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول خمس صلوَات افترضهن الله من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وَأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن كَانَ لَهُ على الله عهد أَن يغْفر لَهُ وَمن لم يفعل فَلَيْسَ على الله عهد إِن شَاءَ غفر لَهُ وَإِن شَاءَ عذبه (٢).

стр. 1683

قوله: وعن عبادة بن الصامت تقدم الكلام عليه قوله ﷺ : "خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن" أي استهانة قاله عياض (١). وفي حديث الإسراء هي خمس وهن خمسون (٢) وفي حديث معاذ في الصحيحين وأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليله (٣) وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ (٤) الآية فقبل طلوع الشمس صلاة الفجر وقبل الغروب الظهر والعصر ومن الليل المغرب والعشاء والإجماع منعقد على ذلك وكان فرض الصلوات الخمس ليلة المعراج قبل الهجرة بسنة وقيل بستة عشر شهرا كما تقدم قريبًا. قوله: "كان له على الله عهد أن يدخله الجنة" الحديث. العهد في القرآن على تسعة أوجه: أحدها: الأمر كقوله في البقرة ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ (٦).

стр. 1684

والثاني: الفرائض كقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ (١). والثالث: الجنة كقوله تعالى: ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (٢). والرابع: الوعد كقوله في البقرة: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ (٣). الخامس: الكرامة كقوله في البقرة لا ينال عهدي الظالمين. والسادس: الوحي كقوله في آل عمران أن الله عهد إلينا. والسابع: لا إله إلا الله كقوله في الرعد: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ (٤)، ومريم: ﴿مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ (٥). والثامن: اليمين كقوله في النحل: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٦). والتاسع: العقل كقوله في يس: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ (٧) (٨) انتهى قاله في الديباجة. قوله ﷺ في رواية أبي داود: "خمس صلوات افترضهن الله من أحسن

стр. 1685

وضوئهن وصلاهن وأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن" الحديث الخشوع السكون والتذلل يقال خشع له يقال خشع له وتخشع، قاله في الغريبين (١) وقال الليث الخشوع قريب من الخضوع إلا أن الخضوع في البدن والخشوع في القلب والصوت (٢) ا. هـ. وقيل: الخشوع قيام القلب بين يدى الرب ﵎ بالخضوع والذل، والجمعية عليه، قال الجنيد: الخشوع تذلل القلوب لعلام الغيوب، وأجمع العارفون على أن الخشوع محله القلب، وثمرته على الجوارح، وهي تظهره (٣)، "ورأى النبي ﷺ رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: لو خض قلب هذا لخشعت جوارحه" (٤) "قال النبي ﷺ التقوى هاهنا وأشار إلى صدره ثلاث مرات" (٥). وهذا الحديث فيه دليل على عدم تكفير تارك الصلاة إذا اعتقد وجوبها خلافا للإمام أحمد حيث قال بتكفيره ووافقه بعض الشافعية. وهذا الحديث فيه دليل على عدم تكفير تارك الصلاة إذا اعتقد وجوبها فالمصلي خاطب، قال رسول الله ﷺ : "المصلي خاطب وأكثركم أزواجا في

стр. 1686

الجنة أكثركم صلاة في الدنيا" (١) فالذي يقوم في الصلاة "فإنما هو مناج لربه تبارك تعالى" (٢) كما صح بذلك الحديث وهو قارع باب الملك كما روى البيهقي عن ابن مسعود ﵁ قال من كان في الصلاة فهو يقرع باب الملك ومن يقرع باب الملك يوشك أن يفتح له (٣)، يوشك أي يسرع فانظر رحمك الله كيف تقرع باب الملك بأدب وخشوع وتضرع وكان الجريري لا يمد رجليه في الخلوة فقيل له إنه ليس يراك أحدا وقد خلوت بنفسك فهلا مددت رجليك فقال: حفظ الأدب مع الله أحق وكان إبراهيم يصلي قاعدا فجلس ومد رجليه فهتف به هاتف هكذا يجلس المملوك بين يدي الملك (٤)، وقال علي بن أبي طالب ﵁ لا خير في صلاة لا خشوع فيها ولا خير في قراءة لا تدبر فيها ولا خير في عبادة لا فقه فيها (٥)، ورأى أبو الدرداء رجلًا يخشع في صلاته قال إني لأرجو أن تدخل الجنة وأنت تضحك رأى بعضهم رجلًا خاشع المنكبين والبدن فقال: يا فلان الخشوع هاهنا وأشار إلى صدره لا هاهنا وأشار إلى منكبه، وكان بعضهم يقول أعوذ بالله من خشوع النفاق فقيل له

стр. 1687

وما خشوع النفاق فقال: أن ترى البدن خاشعًا والقلب غير خاشع، وقال: حذيفة ﵁ أول ما تفقدون من دينكم الخشوع يوشك أن تدخل الجماعة فلا ترى فيهم خاشعًا، وقال سهل رحمة الله عليه: من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان (١)، وسيأتي الكلام على الخشوع مطولًا قريبًا إن شاء الله. ٥٤٧ - وَعَن سعد بن أبي وَقاص ﵁ قَالَ كَانَ رجلَانِ أَخَوان فَهَلَك أَحدهمَا قبل صَاحبه بِأَرْبَعِينَ لَيْلَة فَذكرت فَضِيلَة الأول مِنْهُمَا عِنْد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ألم يكن الآخر مُسلمًا قَالُوا بلَى وَكَانَ لا بَأْس بِهِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَمَا يدريكم مَا بلغت بِهِ صلَاته إِنَّمَا مثل الصَّلَاة كمثل نهر عذب غمر بِبَاب أحدكُم يقتحم فِيهِ كلّ يَوْم خمس مَرَّات فَمَا ترَوْنَ فِي ذَلِك يبقي من درنه فَإِنَّكُم لا تَدْرُونَ مَا بلغت بِهِ صلاته رَوَاهُ مَالك وَاللَّفْظ لَهُ (٢) وَأحمد بِإِسْنَاد حسن وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ عَن عَامر بن سعد بن أبي وَقاص قَالَ سَمِعت سَعْدًا وناسًا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يَقُولُونَ كَانَ رجلَانِ أَخَوان فِي عهد رَسُول الله ﷺ وَكَانَ أَحدهمَا أفضل من الآخر فَتوفي الَّذِي هُوَ أفضلهما ثمَّ عمر الآخر بعد أَرْبَعِينَ لَيْلَة ثمَّ توفّي فَذكر ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ ألم يكن يُصَلِّي قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله وَكَانَ لا بَأْس بِهِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وماذا يدريكم مَا بلغت بِهِ صلَاته الحَدِيث (٣).

стр. 1688

قوله: وعن سعد ابن أبي وقَّاص هو الإمام فارس الإسلام سعد بن أبي وقَّاص قال: أبو الفرج اسم أبيه مالك كنيته أبو وقَّاص بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن عبد مناف يلتقي نسبه مع النبي ﷺ في الأب الخامس أسلم قديما وهو ابن سبع عشر سنة وكان ثالثا في الإسلام وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وكان يقال له بفارس الإسلام وكان من أراء رسول الله ﷺ وكان مجاب الدعوة مسدد الرمية رمى في يوم أحد ألف سهم وولاه أمير المؤمنين عمر العراق ولقد استعمله على الجيوش التى ذهبت لقتال الفرس وكان هو أمير الجيش والفتح على يديه هو الذي فتح أيضًا مدائن كسرى وهو الذي بنى الكوفة وقال سعد: قال لي رسول الله ﷺ : "اللهم سدد رميته وأجب دعوته" دعا سعد فقال: يا رب إن لي بنين فأخر عني الموت حتى يبلغا فأخر عنه الموت

стр. 1689

حتى بلغ عشرين ولي الكوفة لعمر مرتين ولعثمان ولزم بيته وجماعته ومات في قصره بالعتق وهو على عشرة أميال من المدينة وحمل على رقاب ودفن بالعقيق سنة خمس وخمسين وقيل سنة ست وقيل وله بضع وسبعون وقيل نيف وثمانون (١) ا. هـ. روي لسعد بن أبي وقَّاص عن رسول الله ﷺ مائتا حديث وسبعون حديثًا (٢). قوله ﷺ "إنما مثل الصلاة كمثل نهر غمر عذب بباب أحدكم" يقتحم فيه كلّ يوم خمس مرات تقدم الكلام على النهر وأن فيه لغتين التحريك والسكون والعذب هو الحلو والغمر هو الذي يغمر من دخل فيه. وقوله يقتحم فيه الاقتحام هو الدخول في (الشيء بغتة من غير روية). قوله: "فما ترون؟ " أى تظنون والدرن الوسخ. قوله ورواه ابن خزيمة في صحيحه إلا أنه قال: عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاص، وعامر ابنه روى عن أبيه وعثمان والعباس وعائشة وأبي هريرة وغيرهم قال: ابن سعد كان فقيها أكثر الحديث توبها سنة أربع ومائة وقيل ثلاث ومائة وقيل ست وتسعين (٣) قاله في شرح الإلمام تقدم تفسير ذلك بها أول الباب.

стр. 1690

٥٤٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ كَانَ رجلَانِ من بلي حَيّ من قضاعة أسلما مَعَ رَسُول الله ﷺ فاستشهد أَحدهمَا وَأخر الآخر سنة قَالَ طَلْحَة بن عبيد الله فَرَأَيْت الْمُؤخر مِنْهُمَا أَدخل الْجنَّة قبل الشَّهِيد فتعجبت لذَلِك فَأَصْبَحت فَذكرت ذَلِك للنَّبِي ﷺ أَو ذكر لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَليْسَ قد صَامَ بعده رَمَضَان وَصلى سِتَّة آلاف رَكعَة وَكذَا وَكذَا رَكعَة صَلَاة سنة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ كلهم عَن طَلْحَة بِنَحْوِهِ أطول مِنْهُ وَزَاد ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي آخِره فَلَمَّا بَينهمَا أبعد من السَّمَاء وَالأرْض (١). قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة قوله كان رجلًا من بلى حي من قضاعة الحديث، أما معنى الحي فقال: صاحب المطالع الحي اسم لمنزل القبيلة ثم سميت القبيلة به لأن بعضهم يحيا ببعض (٢)، وبلى اسم قبيلة والله أعلم. قوله: من قضاعة أسلما مع رسول الله ﷺ فاستشهد أحدهما وأخر الآخر سنة الحديث قضاعة اسم قبيلة وهو قضاعة ابن مالك ابن حمير بن سبأ (٣) ا. هـ.

стр. 1691

قوله: أسلما مع رسول الله ﷺ فأستشهد أحدهما يحتمل أنه أراد بالمعية الصحبة اللائقة. [١٦٧ المغربي] قوله: قال: طلحة فرأيت المؤخر منهما أدخل الجنة قبل الشهيد الحديث هو طلحة بن عبيد الله كنيته أبو محمد بن عثمان بن كعب بن عمرو بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التميمي المكي المدني يجتمع نسبه مع النبي ﷺ في مرة بن كعب وكان كثير الكرم والجود وباع أرضا له بسبع مائة ألف فأصبح وعنده منها درهمًا واحدا، وعن موسى بن طلحة عن أبيه قال: لما رجع النبي ﷺ من أحد صعد المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قرأ قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (١) الآية فقام إليه رجل فقال يا رسول الله من هؤلاء قال طلحة فأقبلت وعلي ثوبان أخضران فقال رسول الله ﷺ : "أيها السائل هذا منهم"، وقالت عائشة: بينما رسول الله مع أصحابه إذ أقبل طلحة بن عبيد الله فقال رسول الله ﷺ "من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة"، وأمه الصعبة بنت الحضرمي أخت العلاء بن الحضرمي أسلمت وهاجرت واسم الحضرمي عبد الله بن عمار بن أكبر وطلحة أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة وأحد الثمانية السابقين إلى الإسلام وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق ﵁ سماه رسول الله ﷺ طلحة الخير وطلحة الجود، وهو من المهاجرين الأولين ولم يشهد بدرا

стр. 1692

لكن ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه كمن حضر وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد روي لطلحة عن رسول الله ﷺ ثمانية وثلاثون حديثًا اتفق البخاري ومسلم منها على (حديثين) وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة قتل ﵁ يوم الحمل لعشر خلوان من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وهذا لا خلاف فيه وكان عمره أربعا وستين سنة وقيل ثمان وخمسين وقيل غير ذلك وقبره في البصرة مشهور يزار ويتبرك به وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن أبي وقَّاص ومناقبه كثيرة مشهورة (١). قوله: فقال رسول الله ﷺ : "أليس قد صام بعده رمضان وصلى ستة آلاف ركعة وكذا كذا ركعة صلاة سنة فلما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض" الحديث قال سعيد بن عامر وهو مذكور فى سند هذا الحديث (حسبته أنا) فبلغت صلاة السنة ستة آلاف ركعة وثماني عشرة ركعة كلّ يوم سبع عشرة ركعة قاله ابن زنجويه في ترغيبه. الموتى في قبورهم يتحسرون على زيادة في أعمالهم بتسبيحة أو بركعة ومنهم من يسأل الرجعة إلى الدنيا لذلك فلا يقدرون على ذلك قد حيل بينهم وبين العمل، وغلقت منهم الرهون، رئي بعضهم في المنام فقال: قدمنا على أمر عظيم نعلم ولا نعمل وأنتم تعملون لا تعلمون والله لتسبيحة أو تسبيحتان أو ركعة أو ركعتان في صحيفة أحدنا أحب إليه من الدنيا وما فيها (٢).

стр. 1693

وقيل لبعض السلف طاب الموت، قال: لا لفعل لساعة تعيش فيها تستغفر الله خير لك من موت الدهر وقيل لشيخ كبير منهم: تحب الموت، قال: لا، قيل: ولم، قال: ذهب الشباب وشده وجاء الكبر وحيره فإذا قمت قلت باسم الله وإذا قعدت قلت الحمد لله فأنا أحب أن يقر لي هذا (١). وبكى يزيد الرقاشي عند موته وقال أبكي على ما يفوتني من قيام الليل وصيام النهار ثم بكى وقال من يصلي لك يا يزيد بعدك ومن يصوم ومن تتقرب لك بالأعمال الصالحة ومن يتوب لك من الذنوب السالفة، وجذع بعضهم عند موته وقال إنما أبكي على أن يصوم الصائمون ولست فيهم ويصلي المصلون ولست فيهم ويذكر الذاكرون ولست فيهم فذلك الذي أبكاني وأحوال القوم كبيرة لا تنحصر (٢). ٥٤٩ - وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ثَلَاث أَحْلف عَلَيْهِنَّ لَا يَجْعَل الله من لَهُ سهم فِي الإِسْلَام كمن لا سهم لَهُ وأسهم الإِسْلَام ثَلَاثَة الصَّلاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَلا يتَوَلَّى الله عبدًا فِي الدُّنْيَا فيوليه غَيره يَوْم الْقِيَامَة وَلا يحب رجل قوما إِلَّا جعله الله مَعَهم وَالرَّابِعَة لَو حَلَفت عَلَيْهَا رَجَوْت أَن لا إِثْم لا يستر الله عبدا فِي الدُّنْيَا إِلَّا ستره يَوْم الْقِيَامَة، رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد (٣) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من حَدِيث ابْن مَسْعُود (٤).

стр. 1694

قوله: "عن عائشة ﵂" تقدم الكلام على فضائلها. قوله ﷺ : "لا يجعل الله من له سهم كمن لا سهم له وأسهم الإسلام ثلاثة الصلاة والصوم والزكاة ولا يتولى الله عبدا يوم الدنيا فيوليه غيره يوم القيامة الحديث المراد بالسهم هنا" [النصيب]. ٥٥٠ - وَعَن جَابر بن عبد الله ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مِفْتَاح الْجنَّة الصَّلَاة. رَوَاهُ الدَّارمِيّ وَفِي إِسْنَاده أَبُو يحيى القَتَّات (١). قوله: "عن جابر بن عبد الله تقدم الكلام عليه"، قوله ﷺ : "مفتاح الجنة الصلاة" وتقدم الكلام على المفتاح رواه الدارمي، الدارمي كنيته أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن منسوب إلى دارم جد قبيلة.

стр. 1695

قوله: "في إسناده أبو يحيى القتات" وقد اختلف في اسمه فقيل عبد الرحمن بن دينار وقيل غير ذلك وهو كوفي ولا يحتج بحديثه وهو منسوب إلى بيع القت (١). ٥٥١ - وَعَن عبد الله بن قرط ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد يَوْم الْقِيَامَة الصَّلَاة فَإِن صلحت صلح سَائِر عمله وَإِن فَسدتْ فسد سَائِر عمله" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَلا بَأس بِإِسْنَادِهِ إِن شَاءَ الله (٢). ٥٥٢ - وَرُوِيَ عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد يَوْم الْقِيَامَة الصَّلَاة ينظر فِي صلَاته فَإِن صلحت فقد أَفْلح وَإِن فَسدتْ خَابَ وخسر رَوَاهُ فِي الْأَوْسَط أَيْضًا (٣).

стр. 1696

قوله: عن عبد الله بن قرط، عبد الله بن قرط كان اسمه شيطان بن قرط فسماه رسول الله ﷺ عبد الله وقرط بضم القاف وسكون الراء المهملة وبعدها طاء مهملة (١). قوله ﷺ : "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة" تقدم الكلام في ذلك وعلى قوله في الحديث الآخر "أول ما يقضي بين الناس يوم القيامة في الدماء" (٢). قوله ﷺ : "فإن صلحت صلح سائر عمله" وفي حديث آخر "فقد أفلح وأنجح" أي صارت حاجته نافذة (٣)، وحديث أنس بعده فقد أفلح "وإن فسدت فقد خاب وخسر" أي إن لم يؤدي بسببه جميع الفرائض أو إذا أداها غير صحيحة فقد خاب وخسر (٤). ٥٥٣ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لا إِيمَان لمن لا أَمَانَة لَهُ وَلا صَلَاة لمن لَا طهُور لَهُ وَلا دين لمن لا صَلَاة لَهُ إِنَّمَا مَوضِع الصَّلَاة من الدّين كموضع الرَّأْس من الْجَسَد، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالصَّغِير وَقَالَ تفرد بِهِ الْحُسَيْن بن الحكم الْحبرِي (٥).
следующие страницы →