← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 1832–1871 · переход к 1837.

стр. 1832

[الترهيب من ترك حضور الجماعة لغير عذر] ٦١٦ - عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من سمع النداء فَلم يمنعهُ من اتِّبَاعه عذر قَالُوا وَمَا الْعذر قَالَ خوف أَو مرض لم تقبل مِنْهُ الصَّلَاة الَّتِي صلى" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَابْن مَاجَه بِنَحْوِهِ (١). قوله: عن ابن عباس، تقدم الكلام على فضائله. قوله ﷺ : "من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر" الحديث، المراد بالنداء الأذان، وتقدم الكلام على ذلك. قوله: "فلم يمنعه من اتباعه عذر" ففيه: أنه إذا خلف لعذر فلا لوم عليه، ومن الأعذار البرد والريح والمطر، وشرط كون المطر عذرا أن يحصل به مشقة كما صرح به الرافعي في الكلام على المرض فعلى هذا لا يعذر بالخفيف ولا بالشديد إذا كان يمشى فى كن (٢) والله أعلم؛ ومن الأعذار أيضًا الوحل لأنه أشق المطر (٣)، وأما الثلج فإن بل الثوب فكذلك (٤)، ومن

стр. 1833

الأعذار أيضا الزلزلة فهذه الأعذار العامة (١)، وأما الأعذار الخاصة: فالمرض لأن النبي ﷺ لما مرض ترك الخروج إلى الجماعة أياما كثيرة وضبطه الأصحاب بأن يشق معه القصد إلى الجماعة مشقة كمشقة المشي في المطر، فإن كانت مشقة يسير كوجع الضرس والصداع اليسير والحمى الخفيفة فليس بعذر (٢)، وأما الخوف فالمراد به الخوف من ظالم على نفس أو مال فالمراد النفس والمال المعصومان، والنووي هنا وفي باب التيمم نكر النفس والمال ليشمل ماله ومال غيره ممن يلزمه الذب عنه، ولهذا كان أحسن من قول الشرحين والروضة إلا أن يخاف على نفسه أو ماله، قال الرافعي: ولا عبرة بالخوف ممن يطالبه بحق هو ظالم بمنعه بل عليه الحضور وتوفية الحق، ويدخل في باب الخوف ما إذا كان خبزه فى التنور أو قدره على النار ولا متعهد لهما (٣)، والمراد بالعذر أن يسقط إثمه على قول الفرض والكراهة على قول السنة، واختلفوا إذا تركها لعذر هل يحصل له فضلها فقطع في شرح المهذب بعدم الحصول، قال النووي: وهو ظاهر إذا لم يكن عادة بها فإن كان لازما لها يحصل لقوله ﷺ : "إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحا مقيما" رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري، وقال الروياني وابن الرفعة: كما ينفي العذر الحرج تحصل فضيلة الجماعة إذا كان قصده

стр. 1834

الجماعة لولا العذر وبه قال القفال والغزالي في الخلاصة وهو الصواب ففي سنن أبي داود والنسائي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال "من توضأ فأحسن الوضوء ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا" وذكر الرافعي في باب صفة الصلاة: "أن من صلى قاعدًا حصلت له فضيلة القيام" وقال في شرح المهذب: لا خلاف فيه (١) انتهى. ومن الأعذار الخاصة: الجوع والعطش ومدافعة الحدث وخوف الظالم كما تقدم والغريم المعسر وعقوبة يرجى العفو عنها بالتغيب واستشكله الإمام وأكل ذي ريح كريهة ولو كان فجلا كما رواه الطبراني (٢)، ومن الأعذار أيضًا التمريض للقريب والصهر والصديق وسفر الرفيق والخوف على الخبز من الحريق، ومنها: غلبة النعاس والنوم وكذا السمن المفرط المانع من الحضور قاله ابن حبان (٣)، ومنها: كونه في نوبة من يقسم لها لأن حقها واجب فهو كذلك، قاله في شرح الإلمام. قوله: "لم تقبل منه الصلاة التي صلى" حمل الجمهور قول الصحابة وما جاء في الحديث من أنه لا صلاة له على نقصان الأجر والفضيلة، والمراد به

стр. 1835

لم يقبل صلاته قبولا تاما كاملا وإن كان نفي الحقيقة أقرب لكن الجمع بين الأحاديث بذلك أولى، وهذا إذا صلى منفردا ولم يأت المسجد، أما إذا أتى إليه من غير تقصير ولم يدرك الجماعة فإنه يكتب له أجرها. ٦١٧ - وَعنهُ ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من سمع النداء فَلم يجب فَلَا صَلَاة لَهُ إِلَّا من عذر" رَوَاهُ الْقَاسِم بن أصبغ فِي كتَابه وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (١). قوله: وعنه، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر" الحديث يجيب عنه بأن النداء نداء جمعة، والمراد بالإجابة هنا الإجابة بالقدم لا باللسان قاله في تهذيب النفوس. قوله: "إلا من عذر" تقدم الكلام على بعض الأعذار التي ذكرها العلماء في كتب الفقه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢)

стр. 1836

وسئل ابن عباس عن العذر قال: خوف أو مرض كما تقدم في أول الباب، وتقدم نفس الخوف والمرض في الحديث الأول فكل هذه أعذار لفوت حضور الجماعة فمن أراد الزيادة على ذلك فعليه بكتب الفقه والله أعلم. قوله: رواه قاسم بن أصبغ في كتابه هو قاسم بن أصبغ بالغين المعجمة بن محمد بن يوسف بن واضح بن عطاء مولى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك يعرف بالبياني كنيته أبو محمد، سمع من أئمة المشرق والأندلس، ويحقق بعلم الحديث وكان أحد الحفاظ المتقنين ولد سنة سبع وأربعين ومائتين، وتوفي سنة أربعين وثلثمائة (١) قاله في شرح الإلمام. ٦١٨ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من ثَلَاثَة فِي قَرْيَة وَلَا بَدو لَا تُقَام فيهم الصَّلَاة إِلَّا قد استحوذ عَلَيْهِم الشَّيْطَان فَعَلَيْكُم بِالْجَمَاعَة فَإِنَّمَا يَأْكل الذِّئْب من الْغنم القاصية رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم (٢) وَزَاد رزين فِي جَامعه وَإِن ذِئْب الْإِنْسَان الشَّيْطَان إِذا خلا بِهِ أكله (٣). وَتقدم حَدِيث ابْن مَسْعُود ﵁

стр. 1837

وَفِيه وَلَو أَنكُمْ صليتم فِي بُيُوتكُمْ كلمَا يُصَلِّي هَذَا المتخلف فِي بَيته لتركتم سنة نَبِيكُم وَلَو تركتُم سنة نَبِيكُم لَضَلَلْتُمْ الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهمَا (١). ٦١٩ - وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَلَو تركْتُم سنة نَبِيكُم لكَفَرْتُمْ (٢)، وَتقدم حَدِيث أبي أُمَامَة فِي الْمَعْنى مَرْفُوعًا. قوله: عن أبي الدرداء واسمه عويمر تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان" الحديث، استحوذ أي: استولى عليهم وغلب وتمكن وحواهم إليه، وهذه اللفظة أحد ما جاء على الأصل من غير إعلال خارجة عن أخواتها، نحو استقال واستقام قاله ابن الأثير في النهاية (٣)، واستحواذ الشيطان لا يكون إلا بترك الواجب (٤). قوله ﷺ : "فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية" القاصية البعيدة المتنحية عن القطيع، وفي بعض النسخ "عن الأغنام" والقاصي البعيد والقصاء الناحية، وفي بعض الأحاديث القاصية والشاذة المنفردة (٥)، يعني: أن الشيطان بعيد من الجماعة كما أن الذئب

стр. 1838

لا يأكل الغنم المجتمعة لإطلاع الراعي عليها ويستولي الشيطان على من فارق الجماعة كما أن الذئب يأكل الشاة المنفردة عن الأغنام والراعي للجماعة نظر الله تعالى (١)، شبه النبي ﷺ تمكن الشيطان من المنفرد عن الجماعة بتمكن الذئب من الشاة المنفردة البعيدة عن الأهل والغنم (٢). ويؤيد: ذلك أيضًا قوله ﷺ : "وإن ذئب الإنسان الشيطان إن خلا به أكله" كما رواه رزين العبدري في جامعه والله أعلم. ٦٢٠ - وَعَن معَاذ بن أنس ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ الْجفَاء كل الْجفَاء وَالْكفْر والنفاق من سمع مُنَادِي الله يُنَادي إِلَى الصَّلَاة فَلَا يجِيبه رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة زبان بن فائد (٣). ٦٢١ - وَفِي رِوَايَة للطبراني قَالَ: رَسُول الله ﷺ بِحَسب الْمُؤمن من الشَّقَاء والخيبة أَن يسمع الْمُؤَذّن يثوب بِالصَّلَاةِ فَلَا يجِيبه (٤) التثويب هَاهُنَا اسْم لإِقَامَة الصَّلَاة.

стр. 1839

قوله: عن معاذ بن أنس هو: معاذ بن أنس [هو معاذ بن أنس الجهني، والد سهل سكن مصر، روى عنه ابنه سهل، وله نسخة كبيرة عند ابنه سهل، أورد منها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود، والنسائي، وأبو عيسى، وابن ماجه، والأئمة بعدهم في كتبهم (١)]. قوله ﷺ : "الجفا كل الجفا والكفر والنفاق من سمع منادي الله ينادي إلى الصلوات فلا يجيبه" الجفا معروف مشهور، والكفر ينقسم إلى أربعة أقسام، الأول: النفاق، والثاني: كفر عناد وهو أن يعلم الحق ويترك الإيمان عنادًا كما قال أبو طالب: لقد علمت دين محمد ... من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مقيما الثالث: كفر الجحود وهو أن يعترف أولا ثم يجحد الاعتراف ومنه كفر المرتد. والرابع: كفر الاعتقاد أعاذنا الله منه بمنه وكرمه (٢)، وتقدم المراد أن النداء الأذان، وتقدم أيضًا أن المراد بالإجابة بالقدم لا باللسان. قوله: رواه الطبراني من رواية زبان بن فائد هو زبان بن فائد [أبو جوين الحمراوي، وهي محلة بطرف فسطاط مصر، كان على المظالم بمصر في إمرة عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير أمير مصر لمروان بن محمد ضعفه ابن معين، وقال أحمد: أحاديثه مناكير ووثقه أبو حاتم وقال ابن

стр. 1840

يونس: كان على مظالم مصر وكان من أعدل ولاتهم]. قوله: في رواية الطبراني قال: "بحسب المؤمن من الخيبة والشقاء أن يسمع المؤذن يثوب بالصلاة فلا يجيبه" أي: يكفيه، والمراد بالتثويب هنا اسم لإقامة الصلاة وتقدم الكلام أيضا على الإجابة. ٦٢٢ - وَعَن أبي هُرَيرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لقد هَمَمْت أَن آمُر فتيتي فيجمعوا لي حزما من حطب ثمَّ آتِي قوما يصلونَ فِي بُيُوتهم لَيست بهم عِلّة فأحرقها عَلَيْهِم فَقيل ليزِيد هُوَ ابْن الْأَصَم الْجُمُعَة عَنى أَو غَيرهَا قَالَ صمت أذناي إِن لم أكن سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يأثره عَن رَسُول الله ﷺ وَلم يذكر جُمُعَة وَلا غَيرهَا رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ مُخْتَصرًا (١). قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه. قوله: "لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا إلى حزما من حطب فأتى قوما يصلون في بيوتهم ليست بهم علة فأحرقها عليهم" الحديث، قال الإمام أبو عبد الله القرطبى: وإنما يخرج هذا الحديث مخرج التهديد والوعيد للمنافقين الذين كانوا يتخلفون عن الجماعة والجمعة (٢)، قال القاضي عياض والبيضاوي: الجواب أن التحريق كان لاستهانتهم وعدم مبالاتهم بها لا لمجرد الترك أو المراد بها الجمعة، أو المراد إلى رجال تركوا نفس الصلاة لا الجماعة (٣).

стр. 1841

واعلم أن هذا الأحاديث تدل على أن الصلاة في الجماعة سنة انفلتت صلاة الفذ وسماها صلاة لكن جعل فضيلته أنقص منها. ٦٢٣ - وَعَن عَمْرو بن أم مَكْتُوم ﵁ قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَنا ضَرِير شاسع الدَّار ولي قَائِد لا يلايمني فَهَل تَجِد لي رخصَة أَن أُصَلِّي فِي بَيْتِي قَالَ أتسمع النداء قَالَ نعم قَالَ مَا أجد لَك رخصَة" رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم (١). ٦٢٤ - وَفِي رِوَايَة لأحمد عَنهُ أَيْضا أَن رَسُول الله ﷺ أَتَى الْمَسْجِد فَرَأى فِي الْقَوْم رقة فَقَالَ إِنِّي لأهم أَن أجعَل للنَّاس إِمَامًا ثمَّ أخرج فَلَا أقدر على إِنْسَان يتَخَلَّف عَن الصَّلاة فِي بَيته إِلَّا أحرقته عَلَيْهِ فَقَالَ ابْن أم مَكْتُوم يَا رَسُول الله إِن بيني وَبَين الْمَسْجِد نخلا وشجرا وَلَا أقدر على قَائِد كل سَاعَة أيسعني أَن أُصَلِّي فِي بَيْتِي قَالَ أتسمع الْإِقَامَة قَالَ نعم قَالَ فائتها وَإسْنَاد هَذِه جيد (٢) قَوْله: شاسع الدَّار هُوَ بالشين الْمُعْجَمَة أَولا وَالسِّين وَالْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ بعد الْألف أَي بعيد الدَّار وَلَا يلايمني أَي لَا يوافقني وَفِي نسخ أبي دَاوُد لَا يلاومني بِالْوَاو وَلَيْسَ بصواب قَالَه الْخطابِيّ وَغَيره.

стр. 1842

قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر بن الْمُنْذر: روينَا عَن غير وَاحِد من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَنهم قَالُوا من سمع النداء ثمَّ لم يجب من غير عذر فَلَا صَلَاة لَهُ مِنْهُم ابْن مَسْعُود وَأَبو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَقد رُوِيَ ذَلِك عَن النَّبِي ﷺ وَمن كَانَ يرى أَن حُضُور الْجَمَاعَات فرض عَطاء وَأحمد بن حَنبل وَأَبُو ثَوْر وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ لا أرخص لمن قدر على صَلَاة الْجَمَاعَة فِي ترك إتيانها إِلَّا من عذر (١) انْتهى وَقَالَ الْخطابِيّ بعد ذكر حَدِيث ابْن أم مَكْتُوم: وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن حُضُور الْجَمَاعَة وَاجِب وَلَو كَانَ ذَلِك ندبا لَكَانَ أولى من يَسعهُ التَّخَلُّف عَنْهَا أهل الضَّرُورَة والضعف وَمن كَانَ فِي مثل حَال ابْن أم مَكْتُوم وَكَانَ عَطاء بن أبي رَبَاح يَقُول لَيْسَ لأحد من خلق الله فِي الْحَضَر وبالقرية رخصَة إِذا سمع النداء فِي أَن يدع الصَّلَاة. وَقَالَ الأوْزَاعِيّ لَا طَاعَة للوالد فِي ترك الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَات (٢) انْتهى. قوله: عن عمرو بن أم مكتوم، سمي به لكتمان نور عينيه، هو: عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم بن رواحة القرشي العامري (٣)، هذا قول الأكثرين، وقيل: اسمه عبد الله بن زائدة، واسم أم مكتوم عاتكة بنت عبد الله عاتكة بعين مهملة مفتوحة ثم نون ساكنة ثم كاف مفتوحة ثم ثاء مثلثة، هاجر إلى المدينة قبل قدوم رسول الله ﷺ وبعد مصعب بن عمير، واستخلفه بالمدينة

стр. 1843

ثلاث عشرة مرة في خروجه إلى الغزوات، قال ابن عبد البر: وأما قول قتادة عن أنس استخلفه مرتين فلم يبلغه ما بلغ غيره وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين، أسلم قديما. وكان صاحب اللواء يوم فتح القادسية فاستشهد بها، وقال ابن قتيبة رجع إلى المدينة فمات بها وهو مشهور بالكنية ﵁ (١). وفي هذا الحديث دليل على جواز نسبة الإنسان إلى أمه، وفي الصحابة جماعة عرفوا بذلك منهم ابن بجينة ويعلى بن منية والحارث بن البرصاء وغيرهم ﵃ (٢). قوله: أنا ضرير شاسع الدار، هو بالشين المعجمة أولا والسين والعين المهملتين بعد الألف أي بعيد الدار، قاله الحافظ المنذري وزاد غيره، من شسع شسوعًا، والشسوع جمع، شسع النعل وهو سيره، وجمع الشاسع شواسع (٣). قوله: ولي قائد لا يلائمني قياده، أي: لا يوافقني، وفي بعض النسخ: لا يلاومني بالواو وليس بصواب، قاله المنذري نقلا عن الخطابي وغيره (٤)، انتهى.

стр. 1844

وفي النهاية: لا يوافقني ولا يساعدني وأصل لا يلائمني الهمزة يقال: هو يلائمني بالهمز، وقد تخفف الهمزة فتصير ياء (١) من الملائمة وهو الموافقة، وأما قوله: "لا يلاومني" بالواو قال في النهاية: ولا أصل له وهو تحريف من الرواة لأن الملاومة مفاعلة من اللوم ولا معنى له في هذا الحديث (٢). قوله: "فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ " قال: "أتسمع النداء؟ " قال: نعم، قال: "ما أجد لك رخصة" وفي رواية الإمام أحمد فقال: "أتسمع الإقامة؟ " قال: نعم، قال: "فأتها" وإسناد هذه الرواية جيد، ظاهر هذا الحديث يدل على وجوب الجماعة في الصلوات، قال الحافظ المنذري: قال الحافظ أبو بكر بن المنذر: روينا عن غير واحد من أصحاب رسول الله أنهم قالوا: من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له منهم ابن مسعود وأبو موسى الأشعري، وقد روي ذلك عن النبي ﷺ ، وممن كان يرى أن حضور الجماعات فرض عطاء وابن حنبل وأبو ثور، قال الشافعي: لا أرخص لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر (٣) انتهى. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنها سنة مؤكدة أي: تشبه الواجب في القوة (٤)، وظاهر نصوص الشافعي ﵀ تدل على أنها من فروض

стр. 1845

الكفايات وعليه أكثر أصحابه (١)، وقال بعض الظاهرية: بوجوبها واشتراطها لقوله ﷺ : "من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له" وحمل جمهور العلماء قول الصحابة وما جاء في الحديث من أنه لا صلاة له على الكمال والفضل (٢) كما تقدم، وأجاب الجمهور على الحديث أيضًا بأن ذلك كان في أول الأمر حثا للمنافقين على شهود الصلاة في الجماعة وحثا لغيرهم على شهود الصلوات في الجماعة، وقد كان التخلف عن صلاة الجماعة علامة من علامات النفاق (٣)، وقال الإمام أبو عبد الله القرطبي: الذي عليه الجمهور أن حضور الجماعة من السنن المؤكدة، ويجب على من أدمن التخلف عنها من غير عذر العقوبة، قال ابن عبد البر: وهذا قول صحيح لإجماعهم على أنه لا يجوز أن يجتمع على تعطيل المساجد كلها من الجماعات، فإذا قامت الجماعة في المسجد فصلاة المنفرد في بيته جائزة (٤). قوله ﷺ : "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" قال المنذري: وقال الخطابي بعد ذكر حديث ابن أم مكتوم: وفي هذا دليل على أن حضور الجماعة واجب ولو كان ذلك ندبًا لكان أولى من يسعه التخلف عنها أهل الضرورة والضعف، ومن كان في مثل حال ابن أم مكتوم، وكان

стр. 1846

عطاء ابن أبي رباح يقول: ليس لأحد من خلق الله في الحضر وبالقرية رخصة إذا سمع النداء في أن يدع الصلاة، وقال الأوزاعي: لا طاعة للوالد في ترك الجماعة والجماعات (١) انتهى. وأما عطاء بن أبي رباح فهو: بفتح الراء وبالباء الموحدة المخففة وبالمهملة القرشي الفهري المكي فقيه الحرم، وكان من أجل الفقهاء وتابعي مكة، قال إسماعيل بن أمية: كان عطاء يطيل الصمت فإذا تكلم خيل إلينا أنه مؤيد من عند الله، وحج سبعين حجة وعاش مائة سنة، قال في مجمع الأحباب: قال عطاء من جلس مجلس ذكر كفر الله بذلك المجلس سبع مائة مجلس من مجالس الباطل، وقيل لعطاء: ما مجالس الذكر، قال: مجالس الحلال والحرام، كيف تصلي؟ وكيف تصوم؟ وكيف تنكح؟ وكيف تطلق؟ وكيف تبيع وتشترى؟ قال أبو الفرج بن الجوزي: كان عطاء مولى أبي ميسرة نشأ بمكة وكان عطاء عبدا حبشيا وكان يزيد بن أبي حبيب عبدا نوبيا، وقال إبراهيم الحربي: كان عطاء عبدا أسودا لامرأة من مكة، قال النووي: ليس في التابعين أحد أكثر أتباعا للحديث من عطاء، وقال ربيعة: فاق عطاء أهل مكة في الفتوى واتفقوا على توثيقه وجلالته وإمامته، وكان جعد الشعر أسود أفطس أشل أعور أعرج ثم عمي بعد ذلك، ومن غرائبه أنه قال: إذا أراد الإنسان سفرا فله القصر قبل خروجه ووافقه طائفة من أصحاب ابن مسعود وخالفه الجمهور وقد أوضحته في شرح مسلم، ومن غرائبه أيضًا قال: إذا كان

стр. 1847

يوم العيد يوم الجمعة وجب صلاة العيد ولا يجب بعدها لا جمعة ولا ظهر ولا صلاة بعد صلاة العيد إلى العصر ومات ﵁ سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومائة (١)، أ. هـ، وتقدم الكلام على بعض ماقبه في كتاب الجمعة والله أعلم. وأما الأوزاعي فهو الإمام الجليل [عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد بضم المثناة من تحت وكسر الميم، الأوزاعي، الإمام المشهور. تكرر ذكره فى المختصر والمهذب في باب الحيض وغيره، كنيته أبو عمرو الشامي الدمشقي، كان إمام أهل الشام في عصره بلا مدافعة ولا مخالفة، كان أهل الشام والمغرب على مذهبه قبل انتقالهم إلى مذهب مالك ﵀، كان يسكن دمشق خارج باب الفراديس، ثم تحول إلى بيروت فسكنها مرابطا إلى أن مات بها، وهو من تابعي التابعين. سمع جماعات من التابعين كعطاء بن أبي رباح، وقتادة، ونافع مولى ابن عمر، والزهري، ومحمد بن المنكدر، وغيرهم. وروى عنه جماعة من التابعين وشيوخه كقتادة، والزهري، ويحيى بن أبي كثير، وجماعات من أقرانهم وكبار العلماء كسفيان، ومالك، وشعبة، وابن المبارك، وخلائق لا يحصون، واختلفوا فى الأوزاع التى نسب إليها، فقيل: بطن من حمير، وقيل: من همدان، بإسكان الميم، وقيل: إن الأوزاع قرية كانت عند باب الفراديس من دمشق، وقيل: هي نسبة إلى أوزاع القبائل، أي فرقها وبقايا مجتمعة من قبائل شتى، روينا عن الإمام الحافظ الحاكم

стр. 1848

محمد بن محمد بن إسحاق، وهو شيخ الحاكم أبي عبد الله بن البيع النيسابوري، قال: هو منسوب إلى الأوزاع من حمير، قال: وقيل: الأوزاع قرية بدمشق خارج باب الفراديس. قال: وعرضت هذا القول على أحمد بن عمير، يعني ابن جوصا، بفتح الجيم وإسكان الواو وبالصاد المهملة، قال: وكان علامة بحديث الشام وأنساب أهلها، فلم يرضه، وقال: إنما قيل: الأوزاعي؛ لأنه من أوزاع القبائل، وبلغنا عن الهيثم بن خارجة، قال: سمعت أصحابنا يقولون: ليس هو من الأوزاع، إنما كان ينزل قرية الأوزاع. وقال الإمام أبو سليمان محمد بن عبد الله الربعي، بفتح الراء والموحدة: قال ضمرة: الأوزاعي حميري، والأوزاع من قبائل شتى. قال الربعي: وذكره ابن أبي خيثمة في تاريخه، فقال: بطن من همدان، ولم ينسب هذا القول إلى أحد. قال الربعي: فليس هو بصحيح، وقول ضمرة أصح؛ لأنه وقع على موضع مشهور بربض دمشق يعرف بالأوزاع، سكنه فى صدر الإسلام بقايا من قبائل شتى. وقال محمد بن سعد: الأوزاع بطن من همدان، والأوزاعي من أنفسهم، وفيه خلاف كثير حذفته لعدم الضرورة إليه، ولد الأوزاعي ﵁، سنة ثمان وثمانين من الهجرة، ومات سنة سبع وخمسين ومائة. قال أبو زرعة الدمشقي: كان اسم الأوزاعي: عبد العزيز، فسمى نفسه عبد الرحمن. قلت: وقد أجمع العلماء على إمامة الأوزاعي، وجلالته، وعلو مرتبته، وكمال فضله، وأقاويل السلف، ﵏، كثيرة مشهورة مصرحة بورعه، وزهده، وعبادته، وقيامه بالحق، وكثرة حديثه، وغزارة فقهه، وشدة تمسكه

стр. 1849

بالسنة، وبراعته في الفصاحة، وإجلال أعيان أئمة عصره من الأقطار له، واعترافهم بمرتبته، وروينا عن هقل، بكسر الهاء وإسكان القاف، وهو أثبت الناس بالرواية عن الأوزاعي، قال: أجاب الأوزاعي في سبعين ألف مسألة أو نحوها. وعن غيره: أنه أفتى في ثمانين ألف مسألة، وقال عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين: سمعت أميرا كان بالساحل وقد دفنا الأوزاعي ونحن عند القبر يقول: رحمك الله أبا عمرو، فقد كنت أخافك أكثر ممن ولاني. وعن عبد الرحمن بن مهدي، قال: ما كان بالشام أحد أعلم بالسنة من الأوزاعي، وعن محمد بن شعيب قال: قلت لأمية بن يزيد: أين الأوزاعي من مكحول؟ قال: هو عندنا أرفع من مكحول، قلت له: إن مكحولا قد رأى أصحاب النبى ﷺ ، قال: وإن كان قد رآهم، فإن فضل الأوزاعي في نفسه، فقد جمع العبادة والورع والقول بالحق، وعن عبد الرحمن بن مهدي، قال: الأئمة في الحديث أربعة: الأوزاعي، ومالك، وسفيان الثوري، وحماد بن زيد. وقال أبو حاتم: الأوزاعي إمام متبع لما سمع. وعن سفيان الثوري: أنه لما بلغه مقدم الأوزاعي، فخرج حتى لقيه بذي طوى، فحل سفيان رأس البعير عن القطار ووضعه على رقبته، وكان إذا مر بجماعة قال: الطريق للشيخ. وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي فى الطبقات أن الأوزاعي سئل عن الفقه، يعني استفتي، وله ثلاث عشرة سنة. وأقوال السلف فى أحواله كثيرة، وكان مولده ببعلبك، ومات فى حمام بيروت، دخل الحمام فذهب الحمامي فى حاجته وأغلق عليه الباب، ثم جاء

стр. 1850

ففتح الباب فوجده ميتا متوسدا يمينه مستقبل القبلة، ﵁ (١)]. ٦٢٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ أَتَى النَّبِي ﷺ رجل أعمى فَقَالَ يَا رَسُول الله لَيْسَ لي قَائِد يقودني إِلَى الْمَسْجِد فَسَأل رَسُول الله ﷺ أَن يرخص لَهُ يُصَلِّي فِي بَيته فَرخص لَهُ فَلَمَّا ولى دَعَاهُ فَقَالَ هَل تسمع النداء بِالصَّلَاةِ قَالَ نعم قَالَ فأجب رَوَاهُ مسلم وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا (٢). قوله: عن أبي هريرة، تقدم. قوله: أتى النبي ﷺ رجل أعمى وهو ابن أم مكتوم الذي تقدم الكلام عليه. قوله: فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له أن يصلي في بيته ثم رده وقوله له: "فأجب" يحتمل أنه بوحي له في الحال بذلك، ويحتمل أنه تغير اجتهاده ﷺ إذا قلنا بالصحيح وقول الأكثرين أنه ﷺ يجوز له الاجتهاد، ويحتمل أنه رخص له أولا وأراد أنه لا يجب عليه الحضور، إما للعذر وإما لأن فرض الكفاية حاصل بحضور غيره، وإما للأمرين ثم ندبه إلى الأفضل فقال: الأفضل لك والأعظم لأجرك أن تجيب وتحضر فأجب (٣). ٦٢٦ - وَعَن أبي الشعْثَاء الْمحَاربي ﵁ قَالَ كُنَّا قعُودا فِي الْمَسْجِد فَأذن الْمُؤَذّن فَقَامَ رجل من الْمَسْجِد يمشي فَأتبعهُ أَبُو هُرَيْرَة بَصَره حَتَّى خرج من

стр. 1851

الْمَسْجِد فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة أما هَذَا فقد عصى أَبَا الْقَاسِم ﷺ ، رَوَاه مُسلم وَغَيره وَتقدم (١). قوله: عن أبي الشعثاء المحاربي، وأبو الشعثاء بالثاء المثلثة واسمه سليم بن الأسود وهو والد أشعث بن أبي الشعثاء، وقد روى أشعث بن أبي الشعثاء هذا الحديث والله أعلم. قوله: قال: كنا قعودا في المسجد فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصرح حتى خرج من المسجد فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ ، تقدم الكلام على ذلك، وعلى التكني بأبي القاسم مبسوطًا. ٦٢٧ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁: قَالَ: أقبل ابْن أم مَكْتُوم وَهُوَ أعمى وَهُوَ الَّذِي أنزل فِيهِ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ (٢) وَكَانَ رجلًا من قُرَيْش إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله بِأبي وَأمي أَنا كمَا تراني قد دبرت سني ورق عظمي وَذهب بَصرِي ولي قَائِد لا يلايمني قياده إيَّايَ فَهَل تَجِد لي رخصَة أُصَلِّي فِي بَيْتِي الصَّلَوَات فَقَالَ رَسُول الله ﷺ هَل تسمع الْمُؤَذّن فِي الْبَيْت الَّذِي أَنْت فِيهِ قَالَ نعم يَا رَسُول الله قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا أجد لَك رخصَة وَلَو يعلم هَذَا المتخلف عَن الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة مَا لهَذَا الْمَاشِي إِلَيْهَا

стр. 1852

لأتاها وَلَو حبوا على يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبير من طَرِيق عَليّ بن يزِيد الألهاني عَن الْقَاسِم عَن أبي أُمَامَة (١). قوله: عن أبي أمامة هو الباهلي واسمه صدي بن عجلان تقدم. قوله: أقبل ابن أم مكتوم، تقدم الكلام على اسمه وكنيته وكنية أمه. قوله: فقال له: يا رسول الله بأبي وأمي أنا كما تراني قد كبرت سني ورق عظمي، الحديث، معناه: فداك أبي وأمي، وقدم الأب على الأم لشرفه على الأم ولأن الذكر في باب القدر أفضل من الأنثى. قوله: فهل تجد لي رخصة أن أصلي الصلوات في بيتي؟ فذكره إلى أن قال: "ما أجد لك رخصة" ففي هذا الحديث دلالة لمن قال الجماعة فرض عين، وتقدم الكلام على ذلك في الأحاديث قبله، وأجاب عنه بأنه سأل هل له رخصة يصلي في بيته ويحصل له فضيلة بسبب عذره فقيل لا، وأجاب الأصحاب بأن معناه: لا رخصة لك تلحقك بفضيلة من حضرها (٢) وبأن النبي ﷺ رخص لعتبان بن مالك حين شكى بصره أن يصلي في بيته وفي الاستدلال به نظر لأنه إنما امتنع من الاتيان إلى المسجد لأجل السيول التي

стр. 1853

بينه وبين المسجد وهذا عذر مانع من حضور الجماعة (١)، ويؤيد هذا أن حضور الجماعة يسقط بالعذر بإجماع المسلمين (٢)، وتقدم الكلام على الأعذار المبيحة لترك حضور الجماعة في أول الباب مبسوطًا. قوله: "ولو يعلم هذا المختلف عن الصلاة في الجماعة ما لهذا الماشي إليها لأتاها ولو حبوا" تقدم. قوله: رواه الطبرانى من طريق علي بن يزيد الألهاني عن القاسم [هو بن عبد الرحمن، أبو عبد الرحمن صاحب أبي أمامة، قال أحمد: روى عنه علي بن يزيد أعاجيب وما أراها إلا من قبل القاسم، وقال ابن حبان: كان يروي عن أصحاب رسول الله ﷺ المعضلات، ووثقه ابن معين والجوزجاني والترمذي وصحح له، وقال يعقوب بن شيبة: منهم من يضعفه]. ٦٢٨ - وَعَن جَابر ﵁ قَالَ أَتى ابْن أم مَكْتُوم النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن منزلي شاسع وَأَنا مكفوف الْبَصَر وَأَنا أسمع الْأذَان قَالَ فَإِن سَمِعت الْأَذَان فأجب وَلَو حبوا أَو زحفا رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأوْسَط وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلم يقل أَو زحفا (٣).

стр. 1854

قوله: عن جابر هو ابن عبد الله تقدم. قوله: أتى ابن أم مكتوم النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن منزلي شاسع وأنا مكفوف البصر فذكره إلى أن قال: "إن سمعت النداء فأجب ولو حبوا أو زحفا" وقد حكى بعض العلماء قوله: "فأجب" على الندب، وقال القرطبي: لو تحقق النبي ﷺ لابن أم مكتوم عذرا لعذره كما اتفق لعتبان بن مالك (١). وقوله: "هل تسمع النداء بالصلاة؟ " قال: نعم، قال: "فأجب"، يدل على أن ذلك كان في الجمعة وحينئذ فلا تكون فيه حجة لداود ولا لمن استدل به على وجوب الجماعة من غير الجمعة، ولو سلم أن المراد به الجماعة لسائر الصلوات فلا يمكن أن يقال ذلك سدا لباب الذريعة إلى إسقاطها لأجل المنافقين (٢)، "ولو حبوا أو زحفا" لعله شك من الراوي فأتي باللفظين، والحبو: أن يمشي على يديه وركبتيه أو إليتيه، وحبى البعير إذا برك ثم زحف من الإعياء وحبى الصبي إذا زحف على إسته (٣)، وآكد الصلوات في طلب الجماعة الصبح ثم العشاء ثم العصر كذا في زوائد الروضة زاد عليه في الكفاية أنه في صبح الجمعة آكد (٤).

стр. 1855

٦٢٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه سُئِلَ عَن رجل يَصُوم النَّهَار وَيقوم اللَّيْل وَلَا يشْهد الْجَمَاعَة وَلا الْجُمُعَة فَقَالَ هَذَا فِي النَّار رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مَوْقُوفًا (١). قوله: عن ابن عباس، تقدم. قوله: أنه سئل عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يشهد الجماعة ولا الجمعة، أي: لا يحضر صلاة الجماعة ولا الجمعة، فقال: هذا في النار، الحديث، ففيه دليل على أن ذلك من الكبائر، فإن الكبيرة ما توعد عليها بالنار، وفيه دليل على أن حضور الجماعة فرض كما تقدم في أحاديث الباب. ٦٣٠ - وَعنهُ أَيْضا ﵁ قَالَ من سمع حَيّ على الْفَلاح فَلم يجب فقد ترك سنة مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بِإِسْنَاد حسن (٢). قوله: وعنه، تقدم الكلام علي مناقبه. قوله ﷺ : "من سمع حي على الفلاح فلم يجب فقد ترك سنة محمد ﷺ " تقدم الكلام على الإجابة في الأحاديث المتقدمة، سنة محمد هي طريقته وعادته المستمرة.

стр. 1856

٦٣١ - وَعَن أُسَامَة بن زيد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لينتهين رجال عَن ترك الْجَمَاعَة أَو لأحرقن بُيُوتهم رَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة الزبْرِقَان بن عَمْرو الضمرِي عَن أُسَامَة وَلم يسمع مِنْهُ (١). قوله: عن أسامة بن زيد، هو أسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ وحبه وابن حبه، وكان قد خص بفضائل ومناقب استحق بها أن يكون أحب الموالي إليه فإنه أفضلهم وأجلهم، ولذلك قال ﷺ : "أوصيكم به خيرا فإنه من صالحيكم" فأكد الوصية به ونبه على الموجب لذلك وهو ما يعلمه من صلاحه وفضله، وقد ظهر ذلك عليه وأنه لم يدخل في شيء من الفتن فسلمه الله من المحن (٢)، ولاه رسول الله ﷺ الإمرة بعد مقتل أبيه، وقال: "إنه لمن أحب الناس إليّ" وكان رسول الله ﷺ يجلس الحسن بن علي على فخذه الشريفة ويجلسه على فخذه الأخرى، وتوفي رسول الله ﷺ وعمره يومئذ تسع عشرة سنة، وعن عاشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "يا عائشة أحبيه فإني أحبه" وكان يغسل وجهه بيده الكريمة ويقول: "لو كنت حارثة لكسوتك وحليتك" وسئل رسول الله ﷺ : من أحب الناس إليك؟ قال: "من أنعم الله عليه وأنعمت عليه أسامة بن زيد" وخلف نحو عشرين ولدا، توفي في خلافة معاوية سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين والله أعلم، وأسامة ولد بمكة ونشأ بها حتى أدرك لم يعرف إلا الإسلام ولم يدن بغيره، وكان رسول الله ﷺ يحبه حبا شديدًا وكان عنده كبعض أهله، وقال الدارقطني:

стр. 1857

كان أسامة أسود مثل الليل وكان أبو زيدا أحمر أشقر، وقد أخرجا له في الصحيحين وأمه أم أيمن واسمها بركة حاضنة رسول الله ﷺ ومولاته (١). قوله ﷺ : "لينتهين أقوام من ترك الجماعة أو لأحرقن بيوتهم" الحديث، تقدم أن الحريق بالنار منسوخ، وأن العقوبة كانت بالمال واللام في قوله: "لينتهين" لام القسم. قوله: من رواية الزبرقان بن عمرو الضمري، هو الزبرقان بن عبد الله بن عمرو بن أمية الضمرى ٦٣٢ - وعن أبي بُردةَ (٢) عن أبيه ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من سمع النداء فَارغًا صَحِيحا فَلم يجب فَلَا صَلَاة لَهُ رَوَاهُ الْحَاكِم من رِوَايَة أبي بكر بن عَيَّاش عَن أبي حُصَيْن عَن ابْن بُرَيْدَة وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (٣). قَالَ الْحَافِظ ﵁ الصَّحِيح وَقفه. قوله: عن ابن بريدة عن أبيه هو: [عبد الله] بن بريدة بن [الحصيب الأسلمي، أبو سهل المروزي، قاضي مرو، أخو سليمان بن بريدة، وكانا توأمين (٤)].

стр. 1858

قوله: "من سمع النداء فارغا صحيحا فلم يجب فلا صلاة له" وتقدم الكلام على النداء وأن المراد به الأذان، وتقدم الكلام على قوله: "فلا صلاة له" وأن الجمهور حملوه على الكمال والفضيلة والله أعلم. قوله: رواه الحاكم من رواية أبي بكر بن عياش عن حصين أبو بكر بن عياش الأسدي مولاهم الكوفي شيخ الكوفة في القراءة والحديث، كان من أجل أصحاب عاصم قطع الإقراء قبل موته بتسع عشرة سنة، قال ابن المبارك: ما رأيت أحدا أسرع إلى السنة منه، وقال غيره: كان لا يفتر عن التلاوة قرأ في مكان من داره اثني عشر ألف ختمة، وقيل: أربع وعشرين، قال أبو بكر بن عياش: رأيت في منامي ثلاث ليال كأن إنسانا يقول لي: وكيف تنام العين وهي قريرة ... ولم تدر في أي المحلين تنزل (١) روى عن حبيب والسبيعي، وكان خيرا فاضلا لم يضع جنبه. إلى الأرض أربعين سنة، روى له مسلم في مقدمة كتابه (٢) والباقون انتهى. وأما أبو حصين فهو بفتح الحاء المهملة وبكسر الصاد المهملة، قال الغساني: لا أعلم في الصحيحين من اسمه حصين بفتح الحاء ومن يكنى بأبي حصين غير هذا الرجل وهو عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي التابعي الحافظ العثماني كان شيخا ثقة صاحب سنة مات سنة ثمان وعشرين ومائة (٣).

стр. 1859

[الترغيب في صلاة النافلة في البيوت] ٦٣٣ - عَن ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ اجعلوا من صَلَاتكُمْ فِي بُيُوتكُمْ وَلا تتخذوها قبورا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (١). قوله: عن ابن عمر تقدم الكلام على ابن عمر. قوله ﷺ : "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا" الحديث، "من" هنا للتبعيض ويعني به: النوافل (٢) بدليل قوله في الحديث "إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل فى بيته نصيبا" (٣) أي: اتخذوا النوافل في بيوتكم (٤)، وقال القاضي عياض: قيل هذا في الفرائض ومعناه: اجعلوا فرائضكم في بيوتكم ليقتدي بكم من لا يصلي في المسجد من نسوة وعبيد ومريض ونحوهم، قال: وقال الجمهور بل هو في النافلة لإخفائها وقال الآخر: "أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" (٥)، قال النووي: قلت

стр. 1860

الصواب أن المراد النافلة وجميع أحاديث الباب تقتضيه ولا يجوز حمله على الفريضة، وإنما يحمل على النافلة في البيت لكونه أخفى وأبعد عن الرياء وأصون من المحبطات وليتبرك البيت به ويترك فيه الرحمة والملائكة وتنفر منه الشياطين كما جاء في الحديث الآخر وهو قوله ﷺ في الرواية الأخرى "فإن الله جاعل من صلاته في بيته خيرًا" (١)، وبالغ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى فرأى أن سنة المغرب لا يجزئ فعلها في المسجد حكاه عبد الله بن الإمام أحمد في المسند عقب حديث محمود بن لبيد فقال: قلت لأبي إن رجلا قال: من صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد لم تجزئه إلا أن يصليهما في بيته لأن النبي ﷺ قال: "هذه من صلاة البيوت" قال: من هذا قلت محمد بن عبد الرحمن قال: ما أحسن ما قال أو قال ما أحسن ما نقل (٢) والله أعلم. واتفق العلماء على أفضلية فعل النوافل المطلقة في البيت، واختلفوا في الرواتب فقال الجمهور: الأفضل فعلها في البيت أيضًا وسواء في راتبة الليل والنهار، قال النووي: ولا خلاف عندنا، وقال جماعة من السلف: الاختيار فعلها في المسجد كلها، وقال مالك والثوري: الأفضل فعل نوافل النهار الراتبة في المسجد وراتبة الليل في البيت، ودليل الجمهور قوله ﷺ : "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" (٣)، ويستثنى من ذلك فعل من يقتدى به فإن

стр. 1861

الأفضل في حقه أن يفعلها في المسجد لإظهار السنة ولقصد تعليمها للناس، وعلى ذلك يحمل صلاته ﷺ النافلة في المسجد والله أعلم. قوله: "ولا تتخذوها قبورا" أي لا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصلاة (١)، قال الخطابي: فيه دليل على أن الصلاة لا تجوز في المقابر، ويحتمل أن يكون معناه: لا تجعلوا بيوتكم أقطانا للنوم لا تصلوا فيها فإن النوم أخو الموت، وأما من أوله على النهي عن دفن الموتى في البيوت فليس بشيء فقد دفن رسول الله ﷺ في بيته الذي كان يسكنه أيام حياته [أقول هو شيء ودفن الرسول ﷺ فيه لعله من خصائصه سيما وقد روي الأنبياء يدفنون حيث يموتون] قاله الكرماني (٢)، وسبب الكراهة في الصلاة في المقبرة عند العراقيين ما تحت مصلاه من النجاسة وبذلك عللها الإمام الشافعي قدس الله روحه وكلام القاضي يدل على أن سببها حرمة الموتى، وكذلك تكره الصلاة في المقبرة النجسة وهي المحققة النبش إذا بسط شيئا وصلى عليه فإن لم يبسط شيئا لم تصح صلاته، وأما المشكوك في نبشها فالأصح صحة الصلاة فيها بغير حائل والتيمم بترابها لأن الأصل عدم النبش والمقبرة بتثليث الباء حكاه ابن مالك ولم يحك الجوهري الكسر، وقال ابن الرفعة: ولا فرق في الكراهة بين أن يصلي على القبر أو بجانبه، قال: ومنه

стр. 1862

تؤخذ كراهة الصلاة إلى جانب النجاسة وخلفها وفيما قاله نظر، وأما الصلاة على القبر فكالجلوس عليه حرام على الأصح (١). تنبيه: لا يجوز استقبال القبر إلا قبر رسول الله ﷺ فإنه يحرم التوجه إلى رأسه كما جزم به النووي في التحقيق ونقله فى شرح المهذب عن المتولي، ويستثنى من المقبرة مقابر الأنبياء ﵊ فلا كراهة في الصلاة فيها لأنهم في قبورهم أحياء يصلون والله أعلم قاله الكمال الدميري (٢). ٦٣٤ - وَعَن جَابر هُوَ ابْن عبد الله ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا قضى أحدكُم الصَّلَاة فِي مَسْجده فليجعل لبيته نَصِيبا من صلَاته فَإِن الله جَاعل فِي بَيته من صلَاته خيرا رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (٣) وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي سعيد (٤). قوله: عن جابر، هو ابن عبد الله تقدم الكلام على ترجمته. قوله ﷺ : "إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته" الحديث، معنى الحديث: لا تتركوا بيوتكم خالية عن الصلاة بل صلوا فيها النوافل أو السنن فإن الله يجعل البركة في بيت يصلي فيه بصلاة (٥)،

стр. 1863

وإنما حث على الصلاة في البيت لكونه أخفى وأبعد عن الرياء وتتنزل الرحمة في ذلك المكان وسواء ذلك مسجد مكة والمدينة وغيرهما لعموم الحديث لكن تستثنى النافلة يوم الجمعة لفضيلة البكور وركعتا الطواف وركعتا الإحرام إذا كان الميقات مسجد، وقال القاضي أبو الطيب: إذا أخفى نافلته في المسجد كانت أفضل من البيت (١). قوله. "فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا" "من" هنا سببية يعني: من أجل، والخير الذي يجعل في البيت بسبب التنفل فيه هو عمارته بذكر الله تعالى وبطاعته وبالملائكة وبدعائهم واستغفارهم وبما يحصل لأهله من الثواب والبركة (٢). ٦٣٥ - وَعَن أبي مُوسَى الأشْعَرِيّ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "مثل الْبَيْت الَّذِي يذكر الله فِيهِ وَالْبَيْت الَّذِي لَا يذكر الله فِيهِ مثل الْحَيّ وَالْمَيِّت" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٣). قوله: عن أبي موسى، واسمه عبد الله بن قيس، تقدم. قوله ﷺ : "مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت" الحديث، ففيه الحث إلى ذكر الله تعالى في البيت وأنه لا يخلو من الذكر، وفيه: جواز التمثيل، وفيه: أن طول العمر في الطاعة فضيلة

стр. 1864

وإن كان الميت ينتقل إلى خير لأن الحي سيلحق به ويزيد عليه بما يفعله من الطاعات (١)، هذا التشبيه المذكور في الحديث واقع بأهل البيت وبالبيت ووجهه أن أهل الميت إذا لم يصلوا فيه ولم يذكروا الله فيه نوما أو غفلة فهم منزلة الموتى والبيت بمنزلة القبر، وعلى هذا ففي الحديث حذف مضاف تقديره: مثل أهل البيت (٢). ٦٣٦ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ: سَأَلت رَسُول الله ﷺ أَيّمَا أفضل الصَّلَاة فِي بَيْتِي أَو الصَّلاة فِي الْمَسْجِد قَالَ: "أَلا ترى إِلَى بَيْتِي مَا أقربه من الْمَسْجِد فَلِأن أُصَلِّي فِي بَيْتِي أحب إِلَيّ من أَن أُصَلِّي فِي الْمَسْجِد إِلَّا أَن تكون صَلَاة مَكتُوبَة" رَوَاهُ أحْمد وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيمَة في صحِيحه (٣). قوله: عن عبد الله بن مسعود، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "فلأن أصلي في بيتي أحب إليَّ من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة" أي: مفروضة، وتقدم الكلام على صلاة النافلة في البيت في الأحاديث قبله. ٦٣٧ - وَعَن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ: خرج نفر من أهل الْعرَاق إِلَى عمر فَلَمَّا قدمُوا عَلَيْهِ سَأَلُوهُ عَن صَلَاة الرجل فِي بَيته فَقَالَ عمر: سَأَلت رَسُول الله ﷺ

стр. 1865

فَقَالَ: "أما صَلاة الرجل فِي بَيته فنور فنوروا بُيُوتكُمْ" رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صحِيحه (١). عن أبي موسى، تقدم. قوله: خرج نفر من أهل العراق إلى عمر فلما قدموا عليه سألوه عن صلاة الرجل في بيته، الحديث، النفر من الثلاثة إلى العشرة، وتقدم الكلام على ذلك في أول هذا التعليق في حديث الغار مبسوطا، والعراق: إقليم يشتمل على بلاد شتى معروف. قوله: "أما صلاة الرجل في بيته فنور فنوروا بيوتكم" المراد بذلك صلاة النافلة في البيوت، قال ابن عساكر في الأطراف: قال القرطبي: قوله ﷺ : "الصلاة نور" معناه أن الصلاة إذا فعلت بشروطها الصحيحة والمكملة نورت القلب بحيث تشرق فيه أنوار المعارف والمكاشفات حتى ينتهي أمر من يراعيها حق رعايتها أن يقول: وجعلت قرة عيني في الصلاة، وأيضًا فإنها تنور بين يدي مراعيها يوم القيامة في تلك. الظلم وتنور وجه المصلي يوم القيامة فيكون ذا غرة وتحجيل كما ورد في حديث عبد الله بن بسر أن النبي ﷺ قال: "أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء" (٢) قال النووي: معنى قوله: "الصلاة نور" تمنع من

стр. 1866

المعاصي وتنهي عن الفحشاء والمنكر، وتهدي إلى الصواب كما أن النور يستضاء به، وقيل: معناه أن أجرها يكون نورًا لصاحبها يوم القيامة، وقيل: لأنها سبب لإشراق أنوار المعارف وانشراح الصدر ومكاشفات الحقائق لفراغ القلب فيها وإقباله على الله تعالى بظهره وباطنه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (١)، وقيل: إنها تكون نورًا ظاهرًا على وجهه يوم القيامة وتكون في الدنيا أيضًا كذلك بخلاف من لم يصل (٢) انتهى قاله في الديباجة. ٦٣٨ - وَعَن زيد بن ثَابت ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "صلوا أَيهَا النَّاس فِي بُيُوتكُمْ فَإِن أفضل صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته إِلَّا الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة" رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد جيد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (٣). قوله: عن زيد بن ثابت تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "أيها الناس صلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته" الحديث، هذا عام في جميع النوافل الراتبة مع الفرائض والمطلقة، وظاهره أنها في البيوت أفضل وإن كانت بمكة أو المدينة كما تقدم.

стр. 1867

واعلم أن المراد بالنافلة ما سوى ركعتي الطواف فإن فعلها في المسجد أفضل وما سوى النفل يوم الجمعة قبلها فإنه في المسجد الجماعة وغيره أفضل كما نص عليه الشافعي في الأم، وما سوى الشعار الظاهر كالعيدين والكسوفين وما سوى ركعتي الضحى قاله الزركشي في إعلام الساجد بأحكام المساجد (١)، وزاد عليه غيره كذلك صلاة التراويح على الأصح فإنها في جماعة المسجد والاستسقاء في الصحراء وكذا العيد إذا ضاق المسجد أفضل (٢) والله أعلم. ٦٣٩ - وَعَن رجل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أرَاهُ رَفعه قَالَ: "فضل صَلَاة الرجل فِي بَيته على صلَاته حَيْثُ يرَاهُ النَّاس كفضل الْفَرِيضَة على التَّطَوُّع" رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَإِسْنَاده جيد إِن شَاءَ الله تَعَالَى (٣). قوله: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أراه رفعه، أي: أظنه رفعه إلى النبي ﷺ ، والحديث المرفوع معروف في اصطلاح المحدثين. قوله: "فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل الفريضة على التطوع" المراد بذلك النافلة، ولما يخشى عليه من الرياء حيث يراه الناس.

стр. 1868

٦٤٠ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "أكْرمُوا بُيُوتكُمْ بِبَعْض صَلَاتكُمْ" رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (١). قوله: عن أنس هو ابن مالك تقدم. قوله: "أكرموا بيوتكم ببعض صلاتكم" الحديث، اختلف السلف في أن النفل أثر الفرض أفضل أم في البيت على ثلاثة أقوال، أحدها وهو مذهب الشافعي وقال النخعي وغيره: أن فعله في البيت أفضل لقوله ﷺ : "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" لخشية اختلالها بالفرائض ولسلامتها من الرياء كما تقدم بيانه. والثاني: أن فعلها في المسجد إثر الفرائض أجمع للخاطر حكاه القاضي عياض عن قوم. والثالث: الفرق بين الليل والنهار، ففي النهار المسجد أفضل وفي الليل البيت أفضل حكاه القاضي عياض عن مالك والثوري كما تقدم تقريره، واحتج بقول ابن عمر فأما المغرب والعشاء ففي بيته، وهو دال على ذلك المكان في المسجد وما سواهما هو راتب النهار، وهذا لا حجة فيه لأن فيه الجمعة وهي نهارية وهو لا يقول بها، وفصل بعض المتأخرين بين أن يكسل عن فعلها في البيت ففي المسجد أولى وإلا ففي البيت قاله الزركشي (٢).

стр. 1869

خاتمة: اعلم أن صلاة النفل في البيت أفضل من فعله في المسجد لما فيه من الخلوص والبعد عن الرياء كما تقدم نقله، لكن هل يأتي مثل ذلك في المسجد الحرام، الظاهر الثاني، نعم إن قلنا إن حرم مكة كمسجدها في المضاعفة كما جزم به الماوردي والنووي وصرح النووي في شرح المهذب بأن صلاة النفل في البيت أفضل من فعلها في مسجد النبي ﷺ وسكت عن المسجد الحرام وجريانه فيه أولى لأن حرم المدينة ليس كمسجدها في المضاعفة بخلاف حرم مكة، وقال ابن أبي الصيف اليمني: جاء في بعض الأخبار أن صلاة النفل في الزاوية من بيته أفضل في الصلاة في المسجد، وينبغي تقييد ذلك بما إذا كان معذورا بعذر يعجز به عن الاستقبال يقينا، وحينئذ فلا يبعد أن يحصل له ألا ترى أن صلاة النافلة قاعدا مع القدرة على القيام تنقص نصف الأجر ومع العجز لا تنقصه، وقد روي أن عبد الله بن عمر كان إذا كان بمكة يصلي الجمعة تقدم فيصلي ركعتين ثم تقدم فصلى أربعا، وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصلي في المسجد، فقيل له؟ قال: كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك، قال ابن أبي الصيف: وكان الفرق والله أعلم أنه بمكة ليسهل عليه الصلاة مع المشاهدة أو مع المحاذاة التي يتصور عند زوال المانع من المشاهدة بترك ذلك مع الضرر ولا يبعد أن يكون سببا لمنع الزيادة كما قلنا في صلاة النافلة قاعدا، بل للصلاة مع المشاهدة وقع في القلب لا يوجد لغيرها مما فيه من المحاذاة أو

стр. 1870

دون المشاهدة كما أن لها إذا جعلت قريبا من البيت فضلا على غيرها ومسجد المدينة وإن كان محراب النبي ﷺ مقطوع بأنه على الصواب إلا أنه ليس فيه المعنى الذي ذكرناه بمكة انتهى قاله الزركشي (١).

стр. 1871

[الترغيب في انتظار الصلاة بعد الصلاة] ٦٤١ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "لا يزَال أحدكُم فِي صَلَاة مَا دَامَت الصَّلَاة تحبسه لَا يمنعهُ أَن يَنْقَلِب إِلَى أَهله إِلَّا الصَّلَاة" رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي أثْنَاء حَدِيث وَمُسلم (١). ٦٤٢ - وللبخاري: "إِن أحدكُم فِي صَلَاة مَا دَامَت الصَّلَاة تحبسه وَالْمَلَائِكَة تَقول: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ ارحمه مَا لم يقم من مُصَلَّاهُ أَو يحدث" (٢). ٦٤٣ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم وَأَبُو دَاوُد قَالَ: "لَا يزَال العَبْد فِي صَلَاة مَا كَانَ فِي مُصَلَّاهُ ينْتَظر الصَّلَاة وَالْمَلَائِكَة تَقول: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ ارحمه حَتَّى ينْصَرف أَو يحدث"، قيل: وَمَا يحدث؟ قَالَ: "يفسو أَو يضرط" (٣). وَرَوَاهُ مَالك مَوْقُوفا عَن نعيم بن عبد الله المجمر أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: "إِذا صلى أحدكُم ثمَّ جلس فِي مُصَلَّاهُ لم تزل الْمَلَائِكَة تصلي عَلَيْهِ اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ ارحمه فَإِن قَامَ من مُصَلَّاهُ فَجَلَسَ فِي الْمَسْجِد ينْتَظر الصَّلَاة لم يزل فِي صَلَاة حَتَّى يُصَلِّي" (٤).
следующие страницы →