← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 1867–1906 · переход к 1872.

стр. 1867

واعلم أن المراد بالنافلة ما سوى ركعتي الطواف فإن فعلها في المسجد أفضل وما سوى النفل يوم الجمعة قبلها فإنه في المسجد الجماعة وغيره أفضل كما نص عليه الشافعي في الأم، وما سوى الشعار الظاهر كالعيدين والكسوفين وما سوى ركعتي الضحى قاله الزركشي في إعلام الساجد بأحكام المساجد (١)، وزاد عليه غيره كذلك صلاة التراويح على الأصح فإنها في جماعة المسجد والاستسقاء في الصحراء وكذا العيد إذا ضاق المسجد أفضل (٢) والله أعلم. ٦٣٩ - وَعَن رجل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أرَاهُ رَفعه قَالَ: "فضل صَلَاة الرجل فِي بَيته على صلَاته حَيْثُ يرَاهُ النَّاس كفضل الْفَرِيضَة على التَّطَوُّع" رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَإِسْنَاده جيد إِن شَاءَ الله تَعَالَى (٣). قوله: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أراه رفعه، أي: أظنه رفعه إلى النبي ﷺ ، والحديث المرفوع معروف في اصطلاح المحدثين. قوله: "فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل الفريضة على التطوع" المراد بذلك النافلة، ولما يخشى عليه من الرياء حيث يراه الناس.

стр. 1868

٦٤٠ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "أكْرمُوا بُيُوتكُمْ بِبَعْض صَلَاتكُمْ" رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (١). قوله: عن أنس هو ابن مالك تقدم. قوله: "أكرموا بيوتكم ببعض صلاتكم" الحديث، اختلف السلف في أن النفل أثر الفرض أفضل أم في البيت على ثلاثة أقوال، أحدها وهو مذهب الشافعي وقال النخعي وغيره: أن فعله في البيت أفضل لقوله ﷺ : "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" لخشية اختلالها بالفرائض ولسلامتها من الرياء كما تقدم بيانه. والثاني: أن فعلها في المسجد إثر الفرائض أجمع للخاطر حكاه القاضي عياض عن قوم. والثالث: الفرق بين الليل والنهار، ففي النهار المسجد أفضل وفي الليل البيت أفضل حكاه القاضي عياض عن مالك والثوري كما تقدم تقريره، واحتج بقول ابن عمر فأما المغرب والعشاء ففي بيته، وهو دال على ذلك المكان في المسجد وما سواهما هو راتب النهار، وهذا لا حجة فيه لأن فيه الجمعة وهي نهارية وهو لا يقول بها، وفصل بعض المتأخرين بين أن يكسل عن فعلها في البيت ففي المسجد أولى وإلا ففي البيت قاله الزركشي (٢).

стр. 1869

خاتمة: اعلم أن صلاة النفل في البيت أفضل من فعله في المسجد لما فيه من الخلوص والبعد عن الرياء كما تقدم نقله، لكن هل يأتي مثل ذلك في المسجد الحرام، الظاهر الثاني، نعم إن قلنا إن حرم مكة كمسجدها في المضاعفة كما جزم به الماوردي والنووي وصرح النووي في شرح المهذب بأن صلاة النفل في البيت أفضل من فعلها في مسجد النبي ﷺ وسكت عن المسجد الحرام وجريانه فيه أولى لأن حرم المدينة ليس كمسجدها في المضاعفة بخلاف حرم مكة، وقال ابن أبي الصيف اليمني: جاء في بعض الأخبار أن صلاة النفل في الزاوية من بيته أفضل في الصلاة في المسجد، وينبغي تقييد ذلك بما إذا كان معذورا بعذر يعجز به عن الاستقبال يقينا، وحينئذ فلا يبعد أن يحصل له ألا ترى أن صلاة النافلة قاعدا مع القدرة على القيام تنقص نصف الأجر ومع العجز لا تنقصه، وقد روي أن عبد الله بن عمر كان إذا كان بمكة يصلي الجمعة تقدم فيصلي ركعتين ثم تقدم فصلى أربعا، وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصلي في المسجد، فقيل له؟ قال: كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك، قال ابن أبي الصيف: وكان الفرق والله أعلم أنه بمكة ليسهل عليه الصلاة مع المشاهدة أو مع المحاذاة التي يتصور عند زوال المانع من المشاهدة بترك ذلك مع الضرر ولا يبعد أن يكون سببا لمنع الزيادة كما قلنا في صلاة النافلة قاعدا، بل للصلاة مع المشاهدة وقع في القلب لا يوجد لغيرها مما فيه من المحاذاة أو

стр. 1870

دون المشاهدة كما أن لها إذا جعلت قريبا من البيت فضلا على غيرها ومسجد المدينة وإن كان محراب النبي ﷺ مقطوع بأنه على الصواب إلا أنه ليس فيه المعنى الذي ذكرناه بمكة انتهى قاله الزركشي (١).

стр. 1871

[الترغيب في انتظار الصلاة بعد الصلاة] ٦٤١ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "لا يزَال أحدكُم فِي صَلَاة مَا دَامَت الصَّلَاة تحبسه لَا يمنعهُ أَن يَنْقَلِب إِلَى أَهله إِلَّا الصَّلَاة" رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي أثْنَاء حَدِيث وَمُسلم (١). ٦٤٢ - وللبخاري: "إِن أحدكُم فِي صَلَاة مَا دَامَت الصَّلَاة تحبسه وَالْمَلَائِكَة تَقول: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ ارحمه مَا لم يقم من مُصَلَّاهُ أَو يحدث" (٢). ٦٤٣ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم وَأَبُو دَاوُد قَالَ: "لَا يزَال العَبْد فِي صَلَاة مَا كَانَ فِي مُصَلَّاهُ ينْتَظر الصَّلَاة وَالْمَلَائِكَة تَقول: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ ارحمه حَتَّى ينْصَرف أَو يحدث"، قيل: وَمَا يحدث؟ قَالَ: "يفسو أَو يضرط" (٣). وَرَوَاهُ مَالك مَوْقُوفا عَن نعيم بن عبد الله المجمر أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: "إِذا صلى أحدكُم ثمَّ جلس فِي مُصَلَّاهُ لم تزل الْمَلَائِكَة تصلي عَلَيْهِ اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ ارحمه فَإِن قَامَ من مُصَلَّاهُ فَجَلَسَ فِي الْمَسْجِد ينْتَظر الصَّلَاة لم يزل فِي صَلَاة حَتَّى يُصَلِّي" (٤).

стр. 1872

قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على فضائله. قوله ﷺ : "لا يزال أحدكم في الصلاة ما دامت الصلاة تحسبه" الحديث، أي: مادام انتظار الصلاة يحبسه في المسجد، فحذف المضاف وأعرب المضاف إليها بإعرابه. قوله: "لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة" المراد بالأهل الزوجة، هذا هو المشهور، أي: لا يمنعه شيء إلا انتظار الصلاة، ومعنى الانقلاب إلى الأهل الرجوع إليهم. قوله: "والملائكة تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يقم من مصلاه أو يحدث" وفي بعض طرق الحديث قال أبو رافع لأبي هريرة: وما يحدث؟ قال: يفسو أو يضرط بكسر راء يضرط قاله النووي (١) والدال في يحدث مخففة لما روي أن أبا هريرة لما روى هذا الحديث قال له رجل من حضرموت: وما يحدث يا أبا هريرة؟ قال: "فساء أو ضراط" ومن شدد الدال فقد غلط (٢)، وإنما فسره أبو هريرة بهذا تمسكا بالعرف الشرعي، وقد فسره غيره بأنه الحدث الذي هو يصرفه عن إحضار قصد الصلاة، ويحمله على الإعراض عن ذلك وهو تمسك بأصل اللغة وحمله بعضهم على إحداث مأثم (٣)، وجوز بعضهم أن يراد بالحدث الكلام القبيح من الشتم والغيبة،

стр. 1873

وفيه تضعيف لأن الظاهر أن المراد به الحدث الناقض للوضوء يؤيد ذلك أنه قال في بعض الأحاديث ما لم يؤذ فيه، فشمل جميع أنواع الأذى فلو حمل الحديث على المأثم والغيبة كان داخلا في الأول فحمله على ما هو مغاير أولى (١). قوله رواه مالك موقوفا عن نعيم بن عبد الله المجمر هو بضم الميم الأولى وإسكان الجيم وكسر الميم الثانية اسم فاعل من الإجمار على الأشهر وفي بعضها من التجمير ويقال المجمر بفتح الجيم وتشديد الميم الثانية المكسورة وكنيته أبو عبد الله نعيم بن عبد الله العدوي المدني كان أبوه مولى لعمر بن الخطاب فأمره بأن يجمر الكعبة أى يبخرها فقيل له المجمر فعلى هذا التقرير يكون المجمر صفة لعبد الله لا لنعيم وهو ظاهر اللفظ ويطلق على ابنه مجازا فقول صاحب العمدة عن نعيم المجمر فيه تسامح قال المجمر جالست أبا هريرة عشرين سنة روى له الجماعة وقال: إبراهيم الحربي سمعت أن عمر جعل أبا سعيد المقبري على حفر القبور فسمى المقبري وجعل نعيما على إجمار المدينة فقيل له المجمر والراجح الأولى وقيل سمي بذلك لأن أباه كان يأخذ المجمر قدام عمر بن الخطاب إذا خرج إلى المسجد في شهر رمضان (٢).

стр. 1874

وفي هذا الحديث تنبيه على فضيلة القعود في المسجد لانتظار الصلاة وحكى قال أن كل مشتغل بسبب من أسباب أعمال الخير فله من الثواب نحو الذي له منه على اشتغاله بعمله تفضلا من الله ﷻ على عبده والله أعلم. ٦٤٤ - وَعَن أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ أخر ليْلَة صَلَاة الْعشَاء إِلَى شطر اللَّيْل ثمَّ أقبل بِوَجْهِهِ بَعْدَمَا صلى فَقَالَ صلى النَّاس ورقدوا وَلم تزالوا فِي صَلَاة مُنْذُ انتظرتموها رَوَاهُ البُخَارِيّ (١). قوله: عن أنس تقدم الكلام على مناقبه قوله: قال: رسول الله ﷺ : "أخر ليلة صلاة العشاء إلى الشطر الليل" الشطر النصف العشاء بكسر العين بالمد يريد به صلاة العشاء وهي الصلاة التي وقتها بعد غروب الشفق والعشاءان المغرب والعتمة وفي حديث آخر أن النبي ﷺ : أعتم حتى رقد النساء واستيقظوا ورقدوا واستيقظوا فقام عمر ﵁ فقال: الصلاة وخرج النبي ﷺ فقال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا" (٢) وفي رواية أبي هريرة "لأمرتهم أن يؤخروها إلى ثلث الليل" (٣) وفي حديث عمر دليل على تنبيه الأكابر وإعلامهم حضور الجماعة وبدخول وقت الصلاة، وقوله: أعتم

стр. 1875

هو بالعين المهملة الثاء المتثاة يقال أعتم الرجل إذا دخل في العتمة وهي ظلمة الليل وكانت الأعراب يسمون العشاء العتمة قوله رقد النساء والصبيان يحتمل أن يكون راجعا إلى من حضر المسجد منهم يحتمل أن يكون المراد من حضر المسجد منهم؛ لقلة احتمالهم المشقة في السهر، فيرجع ذلك إلى أنهم كانوا يحضرون المسجد لصلاة الجماعة ويحتمل أن يكون المراد من خلفه المصلون في البيوت، من النساء، والصبيان، ويكون قوله: "رقد النساء" إشفاقا عليهن من طول الانتظار وخوفا على البيوت من سارق ونحوه (١). وفيه دليل على استحباب تأخير العشاء إلى هذه الساعة وهو قول الشافعي أنه يستحب تأخير العشاء إلى الشطر الأول وهو وقت الاختيار وقيل وقت الاختيار نصف الليل واختلف على الأفضل تقديم العشاء أو تأخيرها وهما مذهبان مشهوران للسلف وقولان لمالك وللشافعي فمن فضل التأخير احتج بحديث عبد الله بن عمرو بن العاصي وقت العشاء إلى نصف الليل (٢) ومن فضل التقديم احتج بأن العادة الغالبة أن رسول الله ﷺ كان يقدمها وإنما أخرها في أوقات يسيرة لبيان الجواز أو لشغل أو لعذر وفي بعض الأحاديث إشارة إلى ذلك والله أعلم (٣).

стр. 1876

واعلم أن التأخير المذكور في هذا الحديث وغيره كله تأخير لم يخرج عن وقت الاختيار (١) وللشافعي قولان أحدهما أن وقت الاختيار يمتد إلى ثلث الليل والثاني إلى نصفه وهو الأصح وفي الحديث كان رسول الله ﷺ يؤخر صلاة العشاء إلى ثلث الليل قال أبو العباس ابن سريح لا اختلاف في الروايات ولا عن الشافعي بل المراد ثلث الليل أنه أول ابتدائها وبنصفه آخر انتهائها ويجمع بين الأحاديث بهذا وهذا الذي قاله يوافق ظاهر ألفاظ هذه الأحاديث لأن قوله ﷺ "وقت العشاء إلى نصف الليل" ظاهره أنه أخر وقتها المختار، وأما حديث بريدة وأبي موسى فيهما أنه شرع بعده لنصف الليل وحينئذ يمتد إلى قريب من النصف فتتفق الأحاديث الواردة في ذلك قولا وفعلا (٢)، وقال ابن أبى هريرة: من علم حاله أن النوم لا يغلبه فالتأخير فى حقه أفضل، ومن لا يكون منه ذلك فالتعجيل له أفضل ونزل النص على اختلاف الحالين (٣) وقال آخرون أنه اختلف باختلاف الأوقات ففي الشتاء ورمضان يؤخر وفي غيرهما يقدم وإنما أخرت فى الشتاء لطول الليل وكراهة الحديث بعدها وقيل غير ذلك (٤) والله أعلم. وللعشاء وقت الفضيلة أول وقت ووقت الاختيار إلى ثلث الليل وقيل

стр. 1877

إلي نصف الليل ووقت جواز بلا كراهة إلى الفجر وقال: الشيخ أبو حامد لها وقت كراهة وهو ما بين الفجرين (١)، قال الشيخ زين الدين بن رجب الحنبلي فيستحب تأخير العشاء إلى ثلث الليل كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة -وهو مذهب الإمام أحمد وغيره- حتى يفعل هذه الصلاة في أفضل وقتها، وهو آخره، ويشتغل منتظر هذه الصلاة في الجماعة في هذا الثلث الأول من الليل بالصلاة، أو بالذكر وانتظار الصلاة في المسجد، ثم إذا صلى العشاء، وصلى بعدها ما يتبعها من سننها الراتبة، أو أوتر بعد ذلك إن كان يريد أن يوتر قبل النوم فإذا أوى إلى فراشه بعد ذلك للنوم، فإنه يستحب له أن لا ينام إلا على طهارة وذكر، فيسبح ويحمد ويكبر تمام مائة، كما علم النبي ﷺ فاطمة وعليا أن يفعلاه عند منامهما ويأتي بما قدر عليه من الأذكار الواردة عن النبي ﷺ عند النوم، وهي أنواع متعددة من تلاوة القرآن وذكر الله، ثم ينام على ذلك فإذا استيقظ من الليل وتقلب على فراشه فليذكر الله كلما تقلب فمن كان حاله على ما ذكرنا، لم يزل لسانه رطبا بذكر الله، فيستصحب الذكر في يقظته حتى ينام عليه، ثم ببدأ به عند استيقاظه، وذلك من دلائل صدق المحبة والله أعلم (٢). قوله ثم أقبل بوجهه بعدما صلى فقال: صلى الناس ورفدوا لم تزالوا في صلاة وتقدم معنى ذلك في الحديث قبله.

стр. 1878

فائدة: كان النبي ﷺ يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها وإنما كره النوم قبلها أي بعد دخول وقتها لأنه قد يكون سببا في نسيانها أو تأخيرها إلى خروج وقتها لأن القيام بالليل فيه عسر ولا يتيسر معه صلاة الجماعة وأما كراهة الحديث بعدها فإنه قد يؤدي إلى سهر يقضي النوم عن الصبح أو إلى إيقاعها في غير وقتها المستحب ويستثنى من ذلك ما إذا كان الحديث يتعلق بالدين أو بمصلحة المسلمين من الأمور الدنيوية فقد صح أنه ﷺ حدث أصحابه بعد العشاء وترجم له البخاري باب السهر في العلم ويستثنى أيضا ما تدعو الحاجة إلى الحديث فيه من الأشغال المتعلقة بمصلحة الإنسان وقد ورد في الحديث لا سمر بعد العشاء إلا لمصل أو مسافر ويستثنى من ذلك أيضا حديث الضيف وتأنيس الزوجة والأمة فهذه ثماني صور (١) والله أعلم. ٦٤٥ - وَعَن أنس ﵁ أَن هَذِه الْآية ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (٢) نزلت فِي انْتِظَار الصَّلَاة الَّتِي تدعى الْعَتَمَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب (٣).

стр. 1879

قوله: عن أنس أيضا تقدم. قوله: إن هذه الآية ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة بفتح العين المهملة والتاء المثناة يقال: أعتم الرجل إذا دخل في العتمة وهي ظلمة الليل، وكانت الأعراب يسمون صلاة العشاء العتمة تسمية بالوقت فنهاهم عن الاقتداء بهم ذكر لذكر الظلمة واستحب لهم التمسك بما نطق به القرآن (١) وإنما سمتها عائشة بذلك لتبين لهم وأيضا فخاطبهم بما يفهمون وقال: بعض العلماء أيضا: قد ثبت النهي عن تسمية العشاء عتمة وجوابه من وجهين أحدهما أن هذه التسمية بيان للجواز وأن ذلك ليس للتحريم، والثاني وهو الأظهر أن استعمال العتمة هنا لمصلحة ونفي مفسدة لأن العرب كانت تستعمل لفظ العشاء في المغرب فلو قال "لو يعلمون ما في العشاء والصبح" كما ذكر في الحديث الآخر لحملوها على المغرب ففسد المعنى وفات المطلوب فاستعمل العتمة التي يعرفونها ولا يشكون فيها وقواعد الشرع متظاهرة على احتمال أخف المفسدتين لدفع أعظمهما (٢) وتقدم الكلام على شيء من ذلك قريبا والله أعلم. ٦٤٦ - وَعَن عبد الله بن عمرو ﵄ قَالَ صلينَا مَعَ رَسُول الله ﷺ الْمغرب فَرجع من رَجَعَ وعقب من عقب فجَاء رَسُول الله ﷺ مسرعا قد حفزه النَّفس قد حسر عَن رُكبَتَيْهِ قَالَ أَبْشِرُوا هَذَا ربكُم قد فتح بَابا من أَبْوَاب السَّمَاء يباهي بكم الْمَلَائِكَة يَقُول انْظُرُوا إِلَى عبَادي قد قضوا فَرِيضَة وهم

стр. 1880

ينتظرون أُخْرَى رَوَاهُ ابْن مَاجَه (١) عَن أبي أَيُّوب عَنهُ وَرُوَاته ثِقَات وَأَبُو أَيُّوب هُوَ المراغي الْعَتكِي ثِقَة مَا أرَاهُ سمع عبد الله وَالله أعلم حفزه النَّفس هُوَ بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْفَاء وبعدهما زَاي أَي سَاقه وتعبه من شدَّة سَعْيه، وحسر هُوَ بِفَتْح الْحَاء وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي كشف عَن رُكْبَتَيْهِ. قوله: عن عبد الله بن عمرو تقدم. قوله: صليت مع رسول الله ﷺ المغرب فرجع من رجع وعقب من عقب فجاء رسول الله ﷺ مسرعا قد حفزه النفس حفزه هو بفتح الحاء المهملة والفاء وبعدهما زاى أي ساقه وأتعبه من شدة سعيه قاله الحافظ، وقال: بعضهم أي ضغطه لسرعته (٢). قوله: قد حسر عن ركبتيه هو بفتح الحاء والسين المهملتين أي كشف عن ركبته، قاله الحافظ يعني لشدة ما هو فيه من العجلة. قوله قال: أبشروا هذا ربكم قد فتح بابا من أبواب السماء الحديث أبشروا بقطع الهمزة وجاز لغة أبشروا بضم الشين من البشر بمعنى الابشار أي أبشروا بالثواب على العمل وإن قل قاله الكرماني (٣) والله أعلم. قوله يباهي بكم الملائكة المباهاة: المفاخرة وأصل البهاء الحسن

стр. 1881

والجمال وفلان يباهى بماله وولده أي يفخر ويتجمل بهم على غيرهم ويظهر الحسن والجمال بهم قاله القاضي عياض في شرح مسلم (١). قوله: أبو أيوب، وأبو أيوب اسمه (يحيى بن مالك، ويقال: حبيب بن مالك) هو المراغي العتكي ثقة. ٦٤٧ - وَعَن أبي أُمَامة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "وصَلَاة في إثْر صَلَاة لا لَغْو بَينهمَا كتاب فِي عليين" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَتقدم بتَمَامِهِ (٢). قوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام على مناقبه قوله ﷺ : "صلاة على أثر صلاة لا لغو بينهما كتاب فى عليين" إثر بكسر الهمزة وسكون الثاء المثلثة ويجوز بفتح الهمزة والثاء لغتان مشهورتان (٣). قوله: لا لغو بينهما اللغو هو الكلام الباطل واللفظ واختلاط الأصوات. قوله كتاب في عليين قال البغوي: في شرح السنة عليين هم الذين في أعلى الأمكنة وأشرف المراتب وأقربها من الله تعالى في الدار الآخرة. وقال: مجاهد عليون السماء السابعة، وقال: قتادة تحت قائمة العرش (٤)، وقيل اسم لديوان الملائكة الحفظة ترفع إليه أعمال الصالحين من العباد (٥)

стр. 1882

ويعرب بالحروف والحركات كقنسرين وأشباهها (١) وتقدم الكلام أيضًا على عليين في المشي إلى المساجد مبسوطًا والله أعلم. ٦٤٨ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أدُلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويكفر به الذنوب؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكروهات وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط". رواه ابن حبان في صحيحه (٢)، ورواه مالك ومسلم والترمذي والنسائي من حديث أبى هريرة (٣)، وتقدم. قوله: عن جابر هو جابر بن عبد الله تقدم. قوله: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفر به الذنوب" قد يراد به محو الخطايا من ديوان الحفظة وهو دليل على غفرانها (٤) وقيل غير ذلك وتكفير الذنوب المراد به الصغائر وأما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة أو برحمة الله وبفضله على العبد (٥). قوله: "فذلكم الرباط" الرباط في الأصل الإقامة على جهاد العدو بالحرب وارتباط الخيل وأعدادها فشبه به ما ذكر من الأفعال الصالحة والعبادة، قال

стр. 1883

القتيبي: وأصل المرابطة أن يربط الفريقان خيولهما في ثغر كل منها معد لصاحبه فسمي المقام في الثغور رباطًا (١) ومنه قوله: "فذلكم الرباط" أي أن المرابطة على الطهارة والصلاة والعبادة كالجهاد في سبيل الله فيكون الرباط مصدر رابطت أي لازمت وقيل الرباط هاهنا اسم لما يربط به الشيء أي يشد يعني أن هذه الخلال تربط صاحبها من المعاصي وتكفه عن المحارم قاله في النهاية (٢) وتقدم الكلام على حديث علي والذي بعده. ٦٤٩ - وَعَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "إسباغ الْوضُوء فِي المكاره وإعمال الْأقْدَام إِلَى الْمَسَاجِد وانتظار الصَّلَاة بعد الصَّلَاة يغسل الْخَطَايَا غسلًا" رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (٣).

стр. 1884

٦٥٠ - وَعنهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "إِن العَبْد إِذا جلس فِي مُصَلَّاهُ بعد الصَّلَاة صلت عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة وصلاتهم عَلَيْهِ اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وَإِن جلس ينْتَظر الصَّلَاة صلت عَلَيْهِ وصلاتهم عَلَيْهِ اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ ارحمه" رَوَاهُ أَحْمد وَفِيه عَطاء بن السَّائِب (١). ٦٥١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "منتظر الصَّلَاة بعد الصَّلاة كفارس اشْتَدَّ بِهِ فرسه فِي سَبِيل الله على كشحه وَهُوَ فِي الرِّبَاط الْأكْبَر" رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأوْسَط وَإسْنَاد أَحْمد صَالح (٢). قوله: عن أبي هريرة تقدم. قوله: "ننتظر الصلاة بعد الصلاة كفارس اشتد

стр. 1885

به فرسه في سبيل الله على كشحه وهو في الرباط الأكبر" الحديث الكشح هو الخصر، أو الذي يطوي عنك كشحه أى باطنه ولا يألفك (١). ٦٥٢ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "أَتَانِي اللَّيْلَة آتٍ من رَبِّي وَفِي رِوَايَة رَبِّي فِي أحسن صُورَة فَقَالَ لي يَا مُحَمَّد قلت لبيْك رَبِّي وَسَعْديك قَالَ هَل تَدْرِي فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الأعْلَى قلت لا أعلم فَوضع يَده بَين كَتِفي حَتَّى وجدت بردهَا بَين ثديي أَو قَالَ فِي نحري فَعلمت مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأرْض أَو قَالَ مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قَالَ يَا مُحَمَّد أَتَدْرِي فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الأَعْلَى قلت نعم فِي الدَّرَجَات وَالْكَفَّارَات وَنقل الأقْدَام إِلَى الْجَمَاعَات وإسباغ الْوضُوء فِي السبرات وانتظار الصَّلَاة بعد الصَّلَاة وَمن حَافظ عَلَيْهِنَّ عَاشَ بِخَير وَمَات بِخَير وَكَانَ من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه" الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَتقدم بِتَمَامِهِ (٢). قوله: عن ابن عباس تقدم قوله ﷺ : "أتاني أت من ربي" وفي رواية "رأيت ربي في أحسن صورة" الحديث ثبت وتقرر أن الله تعالى لا مناسبة بينه وبين العالم المحدث من كل وجه من الوجوه لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٣) ولو

стр. 1886

تمسكنا بظواهر الأخبار لجعلناه مثل العالم المحدث ولم نكن عالمين بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فيجب أن يكون لهذه الأخبار معان الله ورسوله أعلم بها ثم إن العلماء أعلم بمعانيها فيجب على المسلم أن يعتقد أن الله لا يجوز عليه ما يجوز على المحدثات ولا يوصف بالصورة والتحول والانتقالات وإذا رأى آية مشكلة أو خبرا مشكلا يقتضي التشبيه والتحول والانتقال والتغير اعتقاد عما هو عليه وبكل معناه إلى الله ورسوله ثم العلماء فإن قيل فما معنى الصورة في قوله ﷺ : "رأيت ربي في أحسن صورة" قيل معنى الصورة هنا عائد على النبي ﷺ قال: "رأيت ربي وأنا في أحسن صورة" لأن الإنسان يكون أحسن ما يكون وجهه إذا رأى أشر الأشياء وأفضلها عنده قال المحاسبي في عقيدته (١) والله أعلم. قوله: "هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى" الملأ الأعلى الملائكة المقربين وسموا بذلك لأنهم في السماء وتقدم معنى الاخصام، قوله "فوضع يده بين كتفي" اعلم أن اليد التي وضعها الرب هي يد الامتنان والاختصاص والتقريب والاصطفاء وهو الأخذ الذي يأخذه الرب إليه وهي سنته في أرباب حضرته مع أصحاب الأوقات من دعاة

стр. 1887

الحق إليه من الأنبياء والأولياء صلوات الله وسلامه عليهم والله أعلم وتقدم الكلام على هذا الحديث مبسوطًا. ٦٥٣ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "أَلا أدلكم على مَا يكفر الله بِهِ الْخَطَايَا وَيزِيد بِهِ في الْحَسَنَات قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله ﷺ قَالَ إسباغ الْوضُوء أَو الطّهُور فِي المكاره وَكَثْرَة الخطا إِلَى الْمَسْجِد وَالصَّلَاة بعد الصَّلَاة وَمَا من أحد يخرج من بَيته متطهرا حَتَّى يَأْتِي الْمَسْجِد فَيصَلي فِيهِ مَعَ الْمُسلمين أَو مَعَ الإِمَام ثمَّ ينْتَظر الصَّلَاة الَّتِي بعْدهَا إِلَّا قَالَت الْمَلَائِكَة اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ ارحمه" الحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ والدارمي فِي مُسْنده (١). قوله: عن أبي سعيد الخدري تقدم قوله: "ألا أدلكم على ما يكفر الله به الخطايا ويزيد به الحسنات" تقدم الكلام على ألفاظ هذا الحديث قوله عن أنس تقدم الكلام على مناقبه قوله ثلاث كفارات وثلاث درجات منجيات الحديث فإن الثلاث الكفارات أي كفارات الذنوب والخطايا وأما الثلاث الدرجات المراد بالدرجات أعلى المنازل في الجنة وأما باقي ألفاظ الحديث فسيأتي الكلام عليها في أماكن متفرقة من هذا التعليق. ٦٥٤ - وَعَن أنس ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: "ثَلَاث كفَّارَات وَثَلَاث دَرَجَات وَثَلَاث منجيات وَثَلَاث مهلكات فَأَما الكَفَّارَات فإسباغ الْوضُوء فِي

стр. 1888

السبرات وانتظار الصَّلَاة بعد الصَّلَاة وَنقل الْأَقْدَام إِلَى الْجَمَاعَات وَأما الدَّرَجَات فإطعام الطَّعَام وإفشاء السَّلَام وَالصَّلَاة بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام وَأما المنجيات فالعدل فِي الْغَضَب وَالرِّضَا وَالْقَصْد فِي الْفقر والغنى وخشية الله فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة وَأما المهلكات فشح مُطَاع وَهوى مُتبِع وَإِعْجَاب الْمَرْء بِنَفسِهِ" رَوَاهُ الْبَزَّار وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا (١) وَهُوَ مَرْوِيّ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَأَسَانِيده وَإِن كَانَ لَا يسلم شَيْء مِنْهَا من مقَال فَهُوَ بمجموعها حسن إِن شَاءَ الله تَعَالَى السبرات جمع سُبْرَة وَهِي شدَّة الْبرد. ٦٥٥ - وَعَن دَاوُد بن صَالح قَالَ: قَالَ لى أَبُو سَلمَة: "يَا ابْن أخي تَدْرِي فِي أَي شَيْء نزلت ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ (٢) قلت: لا قَالَ: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول لم يكن فِي زمَان النَّبِي ﷺ غَزْو يرابط فِيهِ وَلَكِن انْتِظَار الصَّلَاة بعد الصَّلَاة" رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح الإِسْنَاد (٣).

стр. 1889

قوله عن داود بن صالح هو داود بن صالح التمار المدني الأنصاري مولاهم روى عن سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد وغيرهما روى عنه هشام بن عروة وابن جريج والدراوردي قال: الإمام أحمد بن حنبل لا أعلم به بأسا (١). والدراروردي من دراورد قرية بخرسان وقيل بفارس جده منها وقيل كان من أهل أصبهان نزل المدينة قال: ابن سعد كان ثقة كبير توفي سنة سبع وثمانين ومائة وكان من أئمة العلم قال معن بن عيسى: يصلح أن يكون أمير المؤمنين (٢). قوله: قال: لي أبو سلمة يا ابن أخي تدري في أي شيء نزلت اصبروا وصابروا قلت لا الحديث أبو سلمة هو ابن عبد الرحمن واحتج أبو سلمة بقوله ﵇ "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة"، وقال محمد بن كعب اصبروا [على دينكم وصابروا] لوعدي الذي وعدتكم عليه ورابطوا عدوي وعدوكم حتي يترك دينه لدينكم واتقوا الله فيما بيني وبينكم لعلكم تفلحون إذا لقيتموني (٣).

стр. 1890

وقال الحسن: اصبروا على المصائب وصابروا على الصلوات الخمس (١). وقال الزمخشري في نفس الآية: اصبروا على الدين وتكاليفه وصابروا أعداء الله في الجهاد أي غالبوهم في الصبر ورابطوا أي أقيموا على الثغور مرابطين خيلكم فيها مترصدين مستعدين للغزو (٢) قاله في الديباجة. ٦٥٦ - وَعَن عقبَة بن عَامر ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ: "الْقَاعِد على الصَّلَاة كالقانت وَيكْتب من الْمُصَلِّين من حِين يخرج من بَيته حَتَّى يرجع إِلَيْهِ" رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ أَحْمد وَغَيره أطول مِنْهُ إِلَّا أَنه قَالَ والقاعد يرْعَى الصَّلَاة كالقانت (٣). وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الْمَشْي إِلَى الْمَسَاجِد. قَوْله: الْقَاعِد على الصَّلَاة كالقانت أَي أجره كَأَجر الْمُصَلِّي قَائِما مَادَامَ قَاعِدا ينْتَظر الصَّلَاة لِأَن المُرَاد بِالْقُنُوتِ هُنَا الْقيام فِي الصَّلَاة. قوله: عن عقبة بن عامر تقدم قوله: ﷺ القاعد على الصلاة كالقانت

стр. 1891

ويكتب من المصلين من حين يخرج من بيته الحديث. قوله: القاعد على الصلاة كالقانت المراد بالقعود هنا القيام في الصلاة أي أجره كأجر المصلي قائما مادام قاعدا منتظر الصلاة قاله الحافظ وقال في النهاية: القنوت في الحديث يرد بمعان متعددة كالطاعة والخشوع والصلاة والدعاء والقيام فطول القيام والسكوت فنصرف في كل هذه المعاني إلى ما احتمله اللفظ الحديث الوارد فيه وفي الحديث زيد بن أرقم كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١) عن الكلام أراد به السكوت، وقال ابن الأنباري القنوت على أربعة أقسام الصلاة وطول القيام وإقامة الطاعة والسكوت (٢) انتهى وتقدم مبسوطا من هذا والله أعلم. ٦٥٧ - وَعَن امْرَأَة من المبايعات ﵂ أنَّهَا قَالَت: جَاءَ رَسُول الله ﷺ وَمَعَهُ أَصْحَابه من بني سَلمَة فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ طَعَامًا فَأكل ثمَّ قربنا إِلَيْهِ وضُوءًا فَتَوَضَّأ ثمَّ أقبل على أَصْحَابه فَقَالَ: "أَلا أخْبركُم بمكفرات الْخَطَايَا؟ " قَالُوا: بلَى قَالَ: "إسباغ الْوضُوء على المكاره وَكَثْرَة الخطا إِلَى الْمَسَاجِد وانتظار الصَّلَاة بعد الصَّلَاة" رَوَاهُ أَحْمد وَفِيه رجل لم يسم وَبَقِيَّة إِسْنَاده مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (٣).

стр. 1892

قوله: عن امرأة من المبايعات المتابعة مأخوذة من البيع وسيأتي الكلام عليها مبسوطا، قالت: جاءنا رسول الله ﷺ ومعه أصحابه من بني سلمة بكسر اللام قبيلة معروفة من الأنصار قوله ثم قربنا إليه وضوءا فتوضأ، الوضوء بفتح الواو اسم للماء الذي يتوضأ به وأما بضم الواو فهو الفعل وتقدم. قوله ﷺ "ألا أخبركم بمكفرات الخطايا" المراد الصغائر كما تقدم نقله قوله: "إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد" الحديث تقدم الكلام على ذلك.

стр. 1893

[الترغيب على المحافظة على الصبح والعصر] ٦٥٨ - عَن أبي مُوسَى ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من صلى البردين دخل الْجنَّة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (١) البردان هما الصُّبْح وَالْعصر. قوله عن أبي موسى تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من صلى البردين دخل الجنة" الحديث البردان هما الصبح والعصر قاله المنذري وقال بعضهم المراد بالبردين صلاة الفجر والعصر لكونهما في طرفي النهار والبردان الغداة والعشي والأبردان كذلك وذلك لأنهما يصليان في بردي النهار وهما طرفاه حين يطيب الهواء وتذهب سورة الحر (٢)، ومنه حديث ابن الزبير كان يسير بنا الأبردين (٣) وسميا بالبردين لبرد هوائهما بخلاف ما بينهما من النهار (٤) والمراد المحافظة على صلاتي الصبح والعصر لما في حديث فضالة حافظ على العصرين قال: وما كانت لغتنا فقلت وما العصران قال: صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها (٥)

стр. 1894

وإنما أمر بأدائهما في الوقت المختار والمحافظة عليهما في الجماعة لما فيهما من الفضل والزيادة في الأجر إذ فيهما تشهد ملائكة الليل والنهار ولأن إحداهما تقام في وقت تثاقل النفوس لتراكم الغفلة واستحلاء النوم والأخرى تقام عند قيام الأسواق في البلدان واشتغال الناس بالمعاملات فنبه المكلفين على هذه المعاني بزيادة تأكيد كذا في الميسر للإمام شهاب الدين التوربشتي (١). وقيل المعنى أن المسلم إذا كان محافظا عليهما وأتى بهما في وقتهما مع ما فيه من التثاقل والمشاغل كان الظاهر من حاله أن يحافظ على غيرهما أشد محافظة وما عسى أن يقع منه تفريط فبالحري أن تقع مكفرة تغفر له ويدخل الجنة (٢) والله أعلم. ٦٥٩ - وَعَن أبي زهيرة عمَارَة بن رويبة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لن يلج النَّار أحد صلى قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا يَعْنِي الْفجْر وَالْعصر رَوَاهُ مُسلم (٣). قوله: عن أبي زهير عمارة بن روبية، عمارة بضم العين المهملة وتخفيف الراء روبية بضم الراء المهملة وفتح الهمزة ويقال أيضا روبية بضم الراء وفتح الواو ومصغر روبه بضم الراء وبعدها همزة ساكنة ثبت في رواية أبي

стр. 1895

زيد في باب صفة الشمس والقمر، قوله ﷺ "لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها" الولوج الدخول قال: الراوي يعني الفجر والعصر وإنما خص ﷺ هذين الوقتين لفضل الصلاة فيهما لكون الأولى وقت استحلاء النوم والثاني وقت الاشتغال بالمكاسب فتكون العبادة فيهما أشق (١) وقد تقدم معنى ذاك في الحديث قبله قال في حدائق الأولياء سياق الحديث الراحة أعظم من السلامة منها وقطع المفاز ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ (٢) (٣). ٦٦٠ - وَعَن أبي مَالك الأشْجَعِيّ عَن أَبِيه ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من صلى الصُّبْح فَهُوَ فِي ذمَّة الله وحسابه على الله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح إِلَّا الْهَيْثَم بن يمَان وَتكلم فِيهِ فللحديث شَوَاهِد (٤) أَبُو مَالك هُوَ سعد بن طَارق. قوله: عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: الحافظ أبو مالك اسمه سعد بن طارق قاله: الحافظ المنذري.

стр. 1896

وقال بعضهم: هو سعد بن طارق بن أشيم الكوفي روى عن أنس بن مالك وربعي بن خراش وأبيه طارق استشهد به البخاري في الجامع وروى له في الأدب روى له الباقون وأبو حازم الأشجعي الكوفي اسمه سلمان مولى عزة الأشجعية روى عن الحسن والحسين وأبي هريرة وروى عن مولاته عزة الأشجعية وخلائق ثقة صالح والده طارق بن أشيم الأشجعي له صحبة روى عن النبي ﷺ روى له البخاري في الأدب سوى أبي داود مات أبو مالك في خلافة عمر بن عبد العزيز (١) والله أعلم. قوله ﷺ "من صلى الصبح فهو في ذمة الله وحسابه على الله" الحديث أي عهد الله وحفظه ومن كان في عهد الله وأمانه لم يجز التعرض له ومن يعرض له كان ظالما وقيل معنى في ذمة الله أي في جوار الله وأمانه ومعناه استجار بالله والله تعالى قد أجاره فلا ينبغي لأحد أن يتعرض له بضر أو أذى فمن فعل ذلك فالله يطلبه بحقه ومن طلبه الله لم يجد له مفرا ولا ملجأ (٢)، والذمة والذمام هنا الضمان يقول: فلان في ذمتي أي: في ضماني، وقيل: الذمة والذمام الأمان والعهد (٣)، قال بعض العلماء: وإنما جعلوه في ذمة الله بشهادة الإيمان التي يشهدون له بها في قوله ﷺ : "من قال لا إله إلا الله وصلى صلاتنا

стр. 1897

وأكل ذبيحتنا فله ذمة الله ورسوله" قاله ابن الأثير في النهاية (١). قوله: ورواته رواة الصحيح إلا الهيثم بن يمان [وتكلم فيه ضعفه أبو الفتح الأزدي وقال أبو حاتم: هو أحب إلي من عبد المؤمن بن علي فقيل له: ما تقول فيه؟ قال: صالح صدوق.]. ٦٦١ - وَعَن جُنْدُب بن عبد الله ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من صلى الصُّبْح فَهُوَ فِي ذمَّة الله فَلَا يطلبنكم الله من ذمَّته بِشَيْء فَإِنَّهُ من يَطْلُبهُ من ذمَّته بِشَيْء يُدْرِكهُ ثمَّ يكبه على وَجهه فِي نَار جَهَنَّم رَوَاهُ مسلم وَغَيره (٢). قوله: عن جندب بن عبد الله، هو: جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي ثم العلقي، وعلقة حي من بجيلة يكنى أبا عبد الله له صحبة، نسب تارة إلى أبيه وتارة إلى جده، له صحبة ليست بالقديمة سكن الكوفة ثم انتقل إلى البصرة، قال ابن منده وأبو نعيم: يقال له جندب الخير والذي ذكره ابن الكلبي أن جندب الخير هو جندب بن عبد الله بن الأخرم الأزدي الغامدي، روى له الترمذي حد الساحر ضربة بالسيف، روى عنه: تميم بن الحارث الأزدي وغيره (٣).

стр. 1898

قوله ﷺ : "من صلى الصبح فهو في ذمة الله" الحديث، صلاة الصبح لما فيها من الكلفة والتثاقل مظنة خلوص المصلي ومن كان مؤمنا خالصا فهو في ذمة الله أي: في عهده وأمانه وتقدم الكلام على ذلك الحديث قبله. قوله ﷺ : "فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فإنه من يطلبه بذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم" معنى الحديث، أي: لا تتعرضوا لمن صلى الصبح ولا تعاملوه بمكروه فإنه في عهد الله وأمانه فمتى فعلتم ذلك تعرضتم لمطالبة الله تعالى إياكم بنقض عهده وإخفار ذمته (١)، فظاهر قوله ﷺ : "لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء" وإن دل على النهي من مطالبة الله إياهم بشيء من عهده لكن المعنى نهيهم عما يوجب مطالبة الله تعالى إياهم من نقض عهده بالتعرض لمن له عهده وذمته كما مر ذكره، ويحتمل أن يكون المراد بالذمة الصلاة المقتضية للأمان فيكون المعنى: لا تتركوا صلاة الصبح ولا تتهاونوا بشيء منها فينتقض به العهد الذي بينكم وبين ربكم فيطلبنكم به، ومن طلبه الله للمؤاخذة بما فرط في حقه والقيام أدركه ومن أدركه كبه على وجهه في نار جهنم كذا في الميسر (٢) يقال كبه إذا صرعه فأكب هو على وجهه وهو من النوادر إذ ثلاثيه متعد ورباعيه لازم (٣). قوله: "ثم يكبه" بفتح الباء الموحدة لأنه لما عطف على المجرور وهو

стр. 1899

يدركه التقى ساكنان وهما الباءان فحرك الثاني بالفتح للخفة يقال: كبه إذا صرعه إلى آخره، ومعنى: يكبه الله في النار أي يلقيه فيها على وجهه قاله في شرح مشارق الأنوار. قال في حدائق الأولياء بعد سياق الحديث فانظر يا ابن آدم لا يطلبنك الله من ذمته بشيء وإذا صار إلى هذا المقام أعني في جوار الملك العلام زالت الضرورة وحصل له الفوز وكمال الظاهر (١). ٦٦٢ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من صلى الْغَدَاة فأصيبت ذمَّته فقد استبيح حمى الله وأخفرت ذمَّته وَأَنا طَالب بِذِمَّتِهِ رَوَاهُ أَبُو يعلى (٢). قوله: عن أنس بن مالك، تقدم. قوله ﷺ : "من صلى الغداة فأصيبت ذمته فقد استبيح حمى الله وأخفرت ذمته"، المراد بصلاة الغداة صلاة الصبح، ففيه جواز تسمية الصبح بالغداة، وقد كرهه قوم، وتقدم أن النووي قال في شرح المهذب: يكره تسميتها بالغداة والصحيح خلافه والله أعلم. قوله: "فقد استبيح حمى الله وأخفرت ذمته" يقال: أخفرت الرجل إذا نقضت عهده.

стр. 1900

٦٦٣ - وَعَن أبي بصرة الْغِفَارِيّ ﵁ قَالَ صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ الْعَصْر بالمخمص وَقَالَ إِن هَذِه الصَّلَاة عرضت على من كانَ قبلكُمْ فضيعوها وَمن حَافظ عَلَيْهَا كانَ لَهُ أجره مرَّتَيْنِ الحَدِيث رَوَاهُ مسلم وَالنَّسَائِيّ (١) المخمص بِضَم الْمِيم وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْمِيم جَمِيعًا وَقيل بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء وَكسر الْمِيم بعْدهَا وَفِي آخِره صَاد مُهْملَة اسْم طَرِيق. قوله: عن أبي بصرة الغفاري، واختلف في اسم أبي بصرة صاحب رسول الله ﷺ ، فقيل: حميل بضم الحاء المهملة، وقيل: حميل بفتحها، وقيل: جميل بالجيم المعجمة المفتوحة، والصحيح ما قاله علي بن المديني اسم أبي بصرة حميل بن بصرة الغفاري قاله بعض ولده سكن أبو بصرة الحجاز وصحب رسول الله ﷺ ، وروى عنه قليلا ثم تحول إلى مصر وسكنها وتوفي بها ودفن في مقبرتها وهو أحد الصحابة الذين توفوا بمصر ﵃ (٢). قوله: صلى بنا رسول الله ﷺ العصر بالمخمص، المخمص (بضم الميم الأولى وفتح الخاء المعجمة والميم جميعا، وقيل: بفتح الميم وسكون الخاء وكسر الميم بعدها وفي آخره صاد مهملة) اسم طريق قاله الحافظ، وقال غيره: موضع بالمدينة (٣). قوله: "إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها ومن حافظ عليها كان له أجره مرتين" ففيه فضيلة العصر وشدة الحث عليها.

стр. 1901

٦٦٤ - وَعَن أبي بكر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من صلى الصُّبْح فِي جمَاعَة فَهُوَ فِي ذمَّة الله فَمن أَخْفَر ذمَّة الله كبه الله فِي النَّار لوجهه رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَاللَّفْظ لَهُ وَرِجَال إِسْنَاده رجال الصَّحِيح (١). قوله: عن أبي بكرة، تقدم الكلام عليه. قوله: "من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله فمن أخفر ذمة الله كبه الله في النار لوجهه" تقدم الكلام على الذمة وبقية الألفاظ. ٦٦٥ - وَعَن ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من صلى الصُّبْح فَهُوَ فِي ذمَّة الله ﵎ فَلَا تخفروا الله ﵎ فِي ذمَّته فَإِنَّهُ من أَخْفَر ذمَّته طلبه الله ﵎ حَتَّى يكبه على وَجهه رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط بِنَحْوِهِ (٢) وَفِي أول قصَّة وَهُوَ أَن الْحجَّاج أَمر سَالم بن عبد الله بقتل رجل فَقَالَ لَهُ سَالم أصليت الصُّبْح فَقَالَ الرجل نعم، فَقَالَ لَهُ انْطلق فَقَالَ لَهُ الْحجَّاج مَا

стр. 1902

مَنعك من قَتله فَقَالَ سَالم حَدثنِي أبي أَنه سمع رَسول الله ﷺ يَقُول من صلى الصُّبْح كَانَ فِي جوَار الله يَوْمه فَكرِهت أَن أقتل رجلا أجاره الله فَقَالَ الْحجَّاج لِابْنِ عمر أَنْت سَمِعت هَذَا من رَسول الله ﷺ فَقَالَ ابْن عمر نعم قَالَ الْحَافِظ وَفِي الأولى ابْن لَهِيعَة وَفِي الثَّانِيَة يحيى بن عبد الحميد الْحمانِي. قوله: عن ابن عمر، تقدم. قوله ﷺ : "من صلى الصبح فهو في ذمة الله" الذمة الأمان. قوله: "فلا تخفروا الله في ذمته" الحديث يقال: أخفرت الرجل حفظته، وأخفرته إذا كنت له خفيرًا أي: حاميا وكفيلا وخفرت الرجل أجزته وحفظته إذا كنت له خفيرا أو تخفرت له إذا استجرت به، والخفارة بالكسر والضم الذمام وأخفرت الرجل إذا أنقضت عهده وذمامه (١)، ومعنى الحديث أن الذي يظهر عن نفسه شعار أهل الإسلام فهو في جوار الله لا يستباح منه ما يحرم على المسلم فلا تنقضوا عهده وذمته كذا في الميسر وغيره (٢) (وقال في المحكم معنى الحديث "لا تؤذوا المؤمن" (٣) وهذا وعيد شديد لمن يتعرض للمصلين وترغيب في حضور صلاة الصبح). قوله: ورواه الطبراني في الكبير والأوسط بنحوه وفي أوله قصة وهو أن

стр. 1903

الحجاج أمر سالم بن عبد الله بقتل رجل فقال: يا سالم أصليت الصبح فقال الرجل نعم فقال انطلق، الحديث. قوله: وفي الأولى ابن لهيعة وفي الثانية محمد بن يحيى بن عبد الحميد الحماني، تقدم الكلام على ابن لهيعة، وأما يحيى بن عبد الحميد الحماني، وقال أبو نعيم في الحلية في ترجمة محمد بن خالد بن يزيد بن بسام من حديث سالم بن عبد الله بن عمر قال: جاؤوا بأسير إلى الحجاج فقال الحجاج: قم يا سالم فاضرب عنق هذا الأسير، فقال الأسير: ما كان ليفعل، فقالوا: إنه قد سل سيفه وأتاك قال: ما كان ليفعل، فأتاه فساره، فقال: يا هذا توضأت الغداة وضوءا حسنا وصليت في الجماعة قال نعم، قال: فأغمد سيفه ورجع، فقال له الحجاج: ما يمنعك أن تضرب عنق الأسير، قال: ما سمعت من والدي يحدث عن عمر عن رسول الله ﷺ قال: "أيما رجل توضأ لصلاة الغداة وضوءا حسنا وصلى في جماعة كان في جوار الله تعالى" (١) وما كنت لأقتل رجلا جار الله تعالى يا حجاج، فقال أبوه: ما أخطأت أمك إذ سمتك سالمًا، هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، كنيته أبو عمر، ويقال أبو عبد الله العدوي أحد الأئمة الفقهاء بالمدينة، قال سعيد بن المسيب: كان عبد الله أشبه ولد عمر به، وكان سالم بن عبد الله أشبه ولد عبد الله به، قال مالك: لم يكن أحد في زمان سالم أشبه بمن مضى من

стр. 1904

الصالحين في الزهد والفضل منه كان يلبس الثوب بدرهمين، وقال نافع: كان ابن عمر يقبل سالما ويقول: شيخ يقبل شيخا، قال عبد الرحمن بن أبي الزناد: كانوا يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد بالمدينة حتى نشأ فيهم القراء السادة علي بن الحسين والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله ففاقوا أهل المدينة علما وتقى وعبادة وورعا فرغب الناس حينئذ في السراري، قال ابن قتيبة: كان لعبد الله بن عمر من الأولاد سالم، وعبد الله، وعاصم، وحمزة، وبلال، وواقد، وكان عبد الله بن المبارك يعد سالما من الفقهاء السبعة، توفي سالم سنة ست ومائة، قاله البخاري وغيره، وقال الأصمعي سنة خمس، وقال الهيثم سنة ثمان بالمدينة (١) وتقدم أيضا ذكر أولاد عبد الله بن عمر في أول هذا التعليق في حديث الغار والله أعلم. وأما الحجاج فكنيته أبو محمد الحجاج بن يوسف بن الحكم فذكره إلى أن قال بن مالك بن كعب الثقفي أول ولاية وليها (تبالة) بمثناة من فوق مفتوحة ثم باء موحدة مخففة، فلما رآها احتقرها فتركها ثم تولى ابن الزبير فقهره على مكة والحجاز، وقتل ابن الزبير وصلبه بمكة سنة ثلاث وسبعين (٢). فائدة: ولما هلك يزيد بن معاوية بويع لعبد الله بن الزبير بالخلافة وأطاعه أهل اليمن والحجاز والعراق وخراسان وهو الذي جدد عمارة الكعبة شرفها

стр. 1905

الله تعالى وبقي في الحكم إلى أن حصره الحجاج بمكة ولم يزل يحاصره إلى أن قتله فكانت خلافته تسع سنين، ولما كانت الغداة التي قتل فيها عبد الله بن الزبير دخل على أمه وهي يومئذ ابنة مائة سنة ولم يسقط لها سن قالت: يا عبد الله ما بلغت في حربك قال: بلغوا مكان كذا وكذا وضحك ثم قال إن في الموت لراحة، فقالت أمه: يا بني لعلك تتمناه لي ما أحب أن أموت حتى آتي على أحد طرفيك إما أن تملك فتقر بذلك عيني وإما أن تقتل فأحتسبك ثم ودعها فقالت: يا بني إياك أن تعطي خصلة من دينك مخافة القتل فخرج عنها وأنشأ يقول: ولست بمبتاع الحياة نسيئة ... ولا مرتق من خشية الموت سلمًا وقال عبد الله بن الزبير: والله ما لقيت زحفا قط إلا كنت في الرعيل الأول ثم حمل عليهم فأصابته آجرة في مفرقه حتى فلقت رأسه فوقف قائما فقال له عروة والله إن أخذوك قطعوك قطعًا قطعًا فقال: ولست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي شق كان في الله مصرعي وذاك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع قال: فعلمت أنه لا يمكن من نفسه، وقال الواقدي: أحصر ابن الزبير ستة أشهر وسبع عشرة ليلة ونصب الحجاج قبحه الله المنجنيق على الكعبة يرمى به أحث الرمي وألح عليهم بالقتال من كل وجه وحبس عنهم الميرة وحصرهم أشد الحصار فقامت أسماء يوما فصلت ودعت فقالت: اللهم ارحم ذلك السجود والنحيب والظمأ في تلك الهواجر، وقتل عبد الله بن

стр. 1906

الزبير يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة وكان ﵁ إذا قام إلى الصلاة كأنه عمود من الخشوع وكان يسجد فيطيل السجود حتى تنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلا جذم حائط، وقال عبد الله بن العباس: كان عبد الله بن الزبير عفيفا في الإسلام قارئًا للقرآن أبوه الزبير وأمه أسماء وجده أبو بكر الصديق وعمته خديجة وجدته صفية وخالته عائشة والله لأحاسبن له نفسي محاسبة كبيرة (١) انتهى. ولما قتل ابن الزبير وصلب ولاه عبد الملك بن مروان الحجاز سنين وكان يصلي بالناس ويقيم لهم الموسم ثم ولاه العراق وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فوليها عشرين سنة وحطم أهلها وفعل ما فعل ولي الحجاج بن يوسف العراق سنة خمس وسبعين، ونقش الدراهم والدنانير بالعربية سنة ست وسبعين وبنى الحجاج واسط سنة ثلاث وثمانين وتوفي بها ودفن بها وأخفي قبره وأجرى عليه الماء وكان موته سنه خمس وتسعين (٢) كما سيأتي. فائدة: في قتل الحجاج لسعيد بن جبير، سعيد بن جبير هو الإمام أبو عبد الله الأسدي الكوفي منسوب إلى ولاء بني والبة، سمع جماعات من أئمة الصحابة وكان مجاب الدعوة فمن ذلك دعاء الله تعالى أن يموت شهيدًا
следующие страницы →