مَنعك من قَتله فَقَالَ سَالم حَدثنِي أبي أَنه سمع رَسول الله ﷺ يَقُول من صلى الصُّبْح كَانَ فِي جوَار الله يَوْمه فَكرِهت أَن أقتل رجلا أجاره الله فَقَالَ الْحجَّاج لِابْنِ عمر أَنْت سَمِعت هَذَا من رَسول الله ﷺ فَقَالَ ابْن عمر نعم
قَالَ الْحَافِظ وَفِي الأولى ابْن لَهِيعَة وَفِي الثَّانِيَة يحيى بن عبد الحميد الْحمانِي.
قوله: عن ابن عمر، تقدم.
قوله ﷺ : "من صلى الصبح فهو في ذمة الله" الذمة الأمان.
قوله: "فلا تخفروا الله في ذمته" الحديث يقال: أخفرت الرجل حفظته، وأخفرته إذا كنت له خفيرًا أي: حاميا وكفيلا وخفرت الرجل أجزته وحفظته إذا كنت له خفيرا أو تخفرت له إذا استجرت به، والخفارة بالكسر والضم الذمام وأخفرت الرجل إذا أنقضت عهده وذمامه (١)، ومعنى الحديث أن الذي يظهر عن نفسه شعار أهل الإسلام فهو في جوار الله لا يستباح منه ما يحرم على المسلم فلا تنقضوا عهده وذمته كذا في الميسر وغيره (٢) (وقال في المحكم معنى الحديث "لا تؤذوا المؤمن" (٣) وهذا وعيد شديد لمن يتعرض للمصلين وترغيب في حضور صلاة الصبح).
قوله: ورواه الطبراني في الكبير والأوسط بنحوه وفي أوله قصة وهو أن
стр. 1903
الحجاج أمر سالم بن عبد الله بقتل رجل فقال: يا سالم أصليت الصبح فقال الرجل نعم فقال انطلق، الحديث.
قوله: وفي الأولى ابن لهيعة وفي الثانية محمد بن يحيى بن عبد الحميد الحماني، تقدم الكلام على ابن لهيعة، وأما يحيى بن عبد الحميد الحماني، وقال أبو نعيم في الحلية في ترجمة محمد بن خالد بن يزيد بن بسام من حديث سالم بن عبد الله بن عمر قال: جاؤوا بأسير إلى الحجاج فقال الحجاج: قم يا سالم فاضرب عنق هذا الأسير، فقال الأسير: ما كان ليفعل، فقالوا: إنه قد سل سيفه وأتاك قال: ما كان ليفعل، فأتاه فساره، فقال: يا هذا توضأت الغداة وضوءا حسنا وصليت في الجماعة قال نعم، قال: فأغمد سيفه ورجع، فقال له الحجاج: ما يمنعك أن تضرب عنق الأسير، قال: ما سمعت من والدي يحدث عن عمر عن رسول الله ﷺ قال: "أيما رجل توضأ لصلاة الغداة وضوءا حسنا وصلى في جماعة كان في جوار الله تعالى" (١) وما كنت لأقتل رجلا جار الله تعالى يا حجاج، فقال أبوه: ما أخطأت أمك إذ سمتك سالمًا، هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، كنيته أبو عمر، ويقال أبو عبد الله العدوي أحد الأئمة الفقهاء بالمدينة، قال سعيد بن المسيب: كان عبد الله أشبه ولد عمر به، وكان سالم بن عبد الله أشبه ولد عبد الله به، قال مالك: لم يكن أحد في زمان سالم أشبه بمن مضى من
стр. 1904
الصالحين في الزهد والفضل منه كان يلبس الثوب بدرهمين، وقال نافع: كان ابن عمر يقبل سالما ويقول: شيخ يقبل شيخا، قال عبد الرحمن بن أبي الزناد: كانوا يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد بالمدينة حتى نشأ فيهم القراء السادة علي بن الحسين والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله ففاقوا أهل المدينة علما وتقى وعبادة وورعا فرغب الناس حينئذ في السراري، قال ابن قتيبة: كان لعبد الله بن عمر من الأولاد سالم، وعبد الله، وعاصم، وحمزة، وبلال، وواقد، وكان عبد الله بن المبارك يعد سالما من الفقهاء السبعة، توفي سالم سنة ست ومائة، قاله البخاري وغيره، وقال الأصمعي سنة خمس، وقال الهيثم سنة ثمان بالمدينة (١) وتقدم أيضا ذكر أولاد عبد الله بن عمر في أول هذا التعليق في حديث الغار والله أعلم.
وأما الحجاج فكنيته أبو محمد الحجاج بن يوسف بن الحكم فذكره إلى أن قال بن مالك بن كعب الثقفي أول ولاية وليها (تبالة) بمثناة من فوق مفتوحة ثم باء موحدة مخففة، فلما رآها احتقرها فتركها ثم تولى ابن الزبير فقهره على مكة والحجاز، وقتل ابن الزبير وصلبه بمكة سنة ثلاث وسبعين (٢).
فائدة: ولما هلك يزيد بن معاوية بويع لعبد الله بن الزبير بالخلافة وأطاعه أهل اليمن والحجاز والعراق وخراسان وهو الذي جدد عمارة الكعبة شرفها
стр. 1905
الله تعالى وبقي في الحكم إلى أن حصره الحجاج بمكة ولم يزل يحاصره إلى أن قتله فكانت خلافته تسع سنين، ولما كانت الغداة التي قتل فيها عبد الله بن الزبير دخل على أمه وهي يومئذ ابنة مائة سنة ولم يسقط لها سن قالت: يا عبد الله ما بلغت في حربك قال: بلغوا مكان كذا وكذا وضحك ثم قال إن في الموت لراحة، فقالت أمه: يا بني لعلك تتمناه لي ما أحب أن أموت حتى آتي على أحد طرفيك إما أن تملك فتقر بذلك عيني وإما أن تقتل فأحتسبك ثم ودعها فقالت: يا بني إياك أن تعطي خصلة من دينك مخافة القتل فخرج عنها وأنشأ يقول:
ولست بمبتاع الحياة نسيئة ... ولا مرتق من خشية الموت سلمًا
وقال عبد الله بن الزبير: والله ما لقيت زحفا قط إلا كنت في الرعيل الأول ثم حمل عليهم فأصابته آجرة في مفرقه حتى فلقت رأسه فوقف قائما فقال له عروة والله إن أخذوك قطعوك قطعًا قطعًا فقال:
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي شق كان في الله مصرعي
وذاك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
قال: فعلمت أنه لا يمكن من نفسه، وقال الواقدي: أحصر ابن الزبير ستة أشهر وسبع عشرة ليلة ونصب الحجاج قبحه الله المنجنيق على الكعبة يرمى به أحث الرمي وألح عليهم بالقتال من كل وجه وحبس عنهم الميرة وحصرهم أشد الحصار فقامت أسماء يوما فصلت ودعت فقالت: اللهم ارحم ذلك السجود والنحيب والظمأ في تلك الهواجر، وقتل عبد الله بن
стр. 1906
الزبير يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة وكان ﵁ إذا قام إلى الصلاة كأنه عمود من الخشوع وكان يسجد فيطيل السجود حتى تنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلا جذم حائط، وقال عبد الله بن العباس: كان عبد الله بن الزبير عفيفا في الإسلام قارئًا للقرآن أبوه الزبير وأمه أسماء وجده أبو بكر الصديق وعمته خديجة وجدته صفية وخالته عائشة والله لأحاسبن له نفسي محاسبة كبيرة (١) انتهى.
ولما قتل ابن الزبير وصلب ولاه عبد الملك بن مروان الحجاز سنين وكان يصلي بالناس ويقيم لهم الموسم ثم ولاه العراق وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فوليها عشرين سنة وحطم أهلها وفعل ما فعل ولي الحجاج بن يوسف العراق سنة خمس وسبعين، ونقش الدراهم والدنانير بالعربية سنة ست وسبعين وبنى الحجاج واسط سنة ثلاث وثمانين وتوفي بها ودفن بها وأخفي قبره وأجرى عليه الماء وكان موته سنه خمس وتسعين (٢) كما سيأتي.
فائدة: في قتل الحجاج لسعيد بن جبير، سعيد بن جبير هو الإمام أبو عبد الله الأسدي الكوفي منسوب إلى ولاء بني والبة، سمع جماعات من أئمة الصحابة وكان مجاب الدعوة فمن ذلك دعاء الله تعالى أن يموت شهيدًا
стр. 1907
ودعا على الحجاج أن لا يسلطه الله على أحد بعده، قتله الحجاج بن يوسف ظلما صبرا في شعبان سنة خمس وتسعين، ولم يعش الحجاج بعده إلا أيامًا، ومن أحاديث سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: أوحى الله تعالى إلى محمد ﷺ إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا وإني قاتل بابن ابنتك سبعين ألفا وسبعين ألفًا (١)، وكان سبب قتل الحجاج له بالكوفة أنه قاتله مع ابن الأشعث، قال عون بن أبي شداد العبدي: بلغني أن الحجاج بن يوسف الثقفي لما ذكر له سعيد بن جبير أرسل إليه قائدا من أهل الشام يسمى المتلمس بن الأحوص ومعه عشرون رجلا من أهل الشام من خاصة أصحابه فبينما هم يطلبونه إذا هم براهب في صومعة له فسألوه عنه فقال الراهب: صفوه فوصفوه له فدلهم عليه فانطلقوا فوجدوه ساجدا يناجي ربه بأعلى صوته فدنوا منه فسلموا عليه فرفع رأسه فأتم بقية صلاته ثم رد ﵈ فقالوا له: أرسل الحجاج إليك فأجبه، قال: ولابد من الإجابة، قالوا: لابد، فحمد الله وأثنى عليه وصلى علي نبيه ﷺ ثم قام فمشى معهم حتى انتهى إلى دير الراهب فقال الراهب: يا معشر الفرسان أصبتم صاحبكم قالوا: نعم، قال لهم: اصعدوا الدير فإن اللبوة والأسد يأويان حول الدير فعجلوا الدخول قبل المساء ففعلوا ذلك، وأبى سعيد أن يدخل الدير فقالوا: ما نراك إلا أن تريد الهرب منا قال: لا ولكن لا أدخل منزل مشرك أبدا، قالوا: فإنا لا ندعك فإن السباع تقتلك قال سعيد: إن معي ربا يصرفها عني ويجعلها
стр. 1908
حرسًا لي تحرسني من كل سوء إن شاء الله، قالوا: فأنت من الأنبياء، قال: ما أنا من الأنبياء ولكن عبدٌ من عبيد الله تعالى خاطئ مذنب، قالوا له: احلف لنا أنك لا تبرح فحلف لهم، فقال لهم الراهب: اصعدوا إلى الدير وأوتروا القسي لتنفروا السباع عن هذا العبد الصالح فإنه كره الدخول عليّ في الصومعة لمكانكم فدخلوا وأوتروا القسي فإذا هم بلبوة قد أقبلت فلما دنت من سعيد تحككت به وتمسحت به ثم ربضت قريبا منه وأقبل الأسد فصنع مثل ذلك، فلما رأى الراهب ذلك وأصبحوا، نزل إليه فسأله عن شرائع دينه وسنن رسوله ﷺ ففسر له سعيد ذلك كله فأسلم الراهب وحسن إسلامه وأقبل القوم على سعيد يعتذرون إليه ويقبلون يديه ورجليه ويأخذون التراب الذي وطئه بالليل فصلوا عليه ويقولون يا سعيد: حلفنا للحجاج بالطلاق والعتاق إن نحن رأيناك لا ندعك حتى نشخصك إليه فمرنا بما شئت، قال: امضوا لشأنكم فإني لائذ بخالقي ولا راد لقضائه فساروا حتى وصلوا إلى واسط فلما انتهوا إليها قال لهم سعيد: يا معشر القوم قد تحرمت بكم وصبحتكم ولست أشك أن أجلي قد حضر وأن المدة قد انقضت فدعوني الليلة آخذ أهبة الموت وأستعد لمنكر ونكير وأذكر عذاب القبر وما يحثى علي من التراب فإذا أصبحتم فالميعاد بيني وبينكم المكان الذي تريدون فقال بعضهم: لا نريد أثرا بعض عين، وقال بعضهم: قد بلغتم أمنكم واستوجبتم جوائزكم من الأمير فلا تعجزوا عنه، فقال بعضهم: هو علي أدفعه إليكم إن شاء الله تعالى فنظروا إلى سعيد وقد دمعت عيناه وتغير لونه
стр. 1909
ولم يأكل ولم يشرب ولم يضحك منذ لقوه وصحبوه فقالوا: فأجمعهم يا خير أهل الأرض ليتنا لم نعرفك ولم نرسل إليك الويل لنا كيف ابتلينا؟ اعذرنا عند خالقنا يوم الحشر الأكبر فإنه القاضي الأكبر العادل الذي لا يجور، فلما فرغوا من البكاء والمجاوبة له ولهم، قال كفيله: أسألك بالله يا سعيد إلا ما زودتنا من دعائك وكلامك فإنا لم نلق مثلك أبدًا فدعا لهم سعيد وخلوا سبيله، فغسل رأسه ومدرعته وكساءه وهم محتفون الليل كله، فلما انشق عمود الصبح جاءهم سعيد بن جبير فقرع الباب فقالوا: صاحبكم ورب الكعبة فنزلوا إليه وبكوا معه طويلا، ثم ذهبوا إلى الحجاج فدخل عليه المتلمس فسلم عليه وبشره بقدوم سعيد بن جبير فلما مثل بين يديه قال له: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير، قال: بل أنت شقي بن كسير، قال: بل أمي كانت أعلم باسمي منك، قال: شقيت أنت وشقيت أمك، قال: الغيب يعلمه غيرك، قال: لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى، قال: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها، قال: فما قولك في محمد؟ قال: نبي الرحمة، قال: فما قولك في علي أفي الجنة هو أم في النار؟ قال: لو دخلتهما وعرفت أهلهما عرفت من فيهما، قال: فما قولك في الخلفاء؟ قال: لست عليهم بوكيل، قال: فأيهم أعجب إليك؟ قال: أرضاهم لخالقي، قال: فأيهم أرضى للخالق؟ قال: علم ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم، قال: فما بالك لا تضحك؟ قال: أيضحك مخلوق خلق من الطين والطين تأكله النار، قال: فما بالنا نضحك؟ قال: لم تستو القلوب، قال: ثم أمر الحجاج باللؤلؤ والزبرجد والياقوت
стр. 1910
فوضعه بين يدي سعيد فقال سعيد: إن كنت جمعت هذا لتفتدي به من فزع يوم القيامة فصالح وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت ولا خير في شيء جمع للدنيا إلا ما طاب وزكا، ثم دعا الحجاج بآلات اللهو فبكى سعيد، فقال الحجاج: ويلك يا سعيد أي قتلة تريد أن أقتلك؟ قال: اختر لنفسك يا حجاج فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة، قال: فتريد أن أعفو عنك؟ قال: إن كان العفو فمن الله وأما أنت فلا، قال: اذهبوا به فاقتلوه فلما خرج من الباب ضحك، فأخبر الحجاج بذلك فقال: ما أضحكك؟ قال: عجبت من جرأتك على الله تعالى وحلم الله عليك، فأمر بالنطع فبسط وقال: اقتلوه، فقال سعيد: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، قال: وجهوه لغير القبلة، قال سعيد: فأينما تولوا فثم وجه الله، قال: كبوه على وجهه، فقال سعيد: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى، فقال الحجاج: اذبحوه، فقال سعيد: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، ثم قال: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي، فذبح على النطع ﵀، وكان رأسه يقول بعد قطعه: لا إله إلا الله، وكان سعيد بن جبير كثير البكاء خوفا من الله تعالى يردد هذه الآية: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (١)، قال ميمون بن مهران: مات سعيد بن جبير وما
стр. 1911
على وجه الأرض رجل إلا وهو محتاج إلى علمه وعاش الحجاج بعده خمس عشرة ليلة، وذلك في سنة خمس وتسعين، وكان عمر سعيد بن جبير تسعا وأربعين سنة (١) والله أعلم.
فائدة أيضًا: تتعلق بالحجاج: وكان الحجاج يسمى كليبًا، وسبب تسميته بذلك أنه لما ولدته أمه امتنع من أخذ الثدي فاغتم أبوه لذلك وأقام كذلك ثلاثة أيام حتى يئس من حياته فحضر إليهم شيخ اللحى أعور باليمين في زي حكيم من حكماء العرب فشكا أبو الحجاج له أمر ولده فقال: ينظر إلى كلبة سوداء ليس بها بياض ذات جرى فيذبح له من جراها جروا أسود ويلطخ بدمه فاه وثدي المرضعة ففعل ذلك فقبل الثدي لوقته.
وقيل: إن ذلك الشيخ الأعور كان إبليس لعنه الله وانتشأ الحجاج ولقب بكليب لهذا السبب ثم إنه صار عند روح بن زنباع الجذامي كاتب عبد الملك بن مروان وكان شهما مقداما وكان روح يخصه بالمعضلات من الأمور، فشكا عبد الملك يوما لروح تخلف العسكر وأنهم لا يركبون لركوبه ويتثاقلون في المسير فقال روح: يا أمير المؤمنين في شرطتي رجل إن وليته هذا الأمر كفاك همه فأمر بإحضاره وسأله عن نسبه فانتسب له فولاه أمر الجيش فقام بذلك أحسن قيام وعاد لا يستقر أحد بعد ركوب أمير المؤمنين
стр. 1912
واستقر على أمره فعظم في أعين الناس وهابوه وولاه العراقين (١)، وأما شهادته على نفسه بعد ما قتل فقد روي أنه لما حج مع عبد الملك بن مروان بعد قتله ابن الزبير عبر على ناد وفيه جماعة من قريش فيهم بعض ولد يزيد بن معاوية فنظر إلى الحجاج وهو يتبختر في مشيته، فقال: يتبختر ولا يتخطر عمرو بن معدي كرب، فسمعه فرجع إليه وقد عرفه، فقال: كيف لا أتبختر وقد قتلت بقائم سيفي مائة ألف كل منهم يشهد على أبيك يزيد بالزنا وشرب الخمر فهذه شهادته على نفسه أنه قتل مائة ألف فنعوذ بالله من مكره، وكان آخر من قتل سعيد بن جبير ومن حين قتله اختل في عقله وعاد يقول ما لي وما لجبير؟ ما لي وما لجبير؟ حتى مات (٢).
لطيفة: ومن مستطرفاته: قيل إن رجلا أهدى للحجاج تينا في غير أوانه وجلس على الباب ينتظر الجائزة فأحضرت أناس للقتل فتسحب منهم شخص واحد فخشي المتستر على نفسه أن يطالب بتكملة العدة فأخذ صاحب التين فجعله مكان المتسحب وأحضروا بين يدي الحجاج فضرب رقابهم وقدم صاحب التين لضرب العنق فصاح وقال: وما جرمتي أنا أيها الأمير فقال ألست منهم؟ قال لا والله أنا صاحب التين فضحك الحجاج وقال تمن علي، فقال لست أسألك غير ثلاث دراهم فقال ويحك وما تصنع بها؟ فقال أشتري بها فأسا وأقطع أصل هذه التينة التي كانت سبب قدومي
стр. 1913
عليك، قال فضحك الحجاج حتى فحص برجله الأرض وأجازه وأحسن إليه (١).
لطيفة أخرى: ويروى أنه قال يوما للشعبي: كم عطاءك في السنة قال ألفين، قال ويحك عطاؤك قال ألفان قال كيف لحنت أولا قال لحن أمير المؤمنين فلحنت فلما أعرب أعربت وما أمكن أن يلحنه أمير المؤمنين وأعرب أنا فاستحسن ذلك منه وأجازه، قلت: الشعبي هذا هو أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار، وذو كبار قيل من أقيال اليمن من حمير وهو كوفي تابعي جليل القدر وافر العلم روى عن عمر بن الخطاب وعن عثمان وعلي ﵃ أ. هـ قاله في تاريخ كنز الدرر (٢) وهو تاريخ مبسوط في تسعة أجزاء كبار في قطع المنصوري.
٦٦٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يتعاقبون فِيكُم مَلَائِكَة بِاللَّيْلِ وملائكة بِالنَّهَارِ ويجتمعون فِي صَلاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر ثمَّ يعرج الَّذين باتوا فِيكُم فيسألهم رَبهم وَهُوَ أعلم بهم كَيفَ تركْتُم عبَادي فَيَقُولُونَ تركناهم وهم يصلونَ وأتيناهم وهم يصلونَ
رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَلَفظه فِي إِحْدَى رواياته قَالَ تَجْتَمِع مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار فِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر فيجتمعون فِي صَلَاة الْفجْر فتصعد مَلَائِكَة اللَّيْل وَتثبت مَلَائِكَة النَّهَار
стр. 1914
ويجتمعون فِي صَلَاة الْعَصْر فتصعد مَلَائِكَة النَّهَار وتبيت مَلَائِكَة اللَّيْل فيسألهم رَبهم كيفَ تركتُم عبَادي فَيَقُولُونَ أتيناهم وهم يصلونَ وتركناهم وهم يصلونَ فَاغْفِر لَهُم يَوْم الدّين (١).
قوله: عن أبي هريرة تقدم.
قوله ﷺ : "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" الحديث، التعاقب أن تأتي طائفة بعد طائفة ومنه تعقيب الجيوش وهو أن يذهب إلى العدو قوما ويجيء آخرون وقيل معناه يذهبون ويرجعون (٢) وأما تعاقبهم في هذين الوقتين فإنهما وقتا الفراغ من وظيفتي الليل والنهار ووقت رفع أعمال العباد إلى الله تعالى، وأما اجتماعهم فيهما فهو من تمام لطف الله تعالى بالمؤمنين لتكون شهادة لهم بما شهدوه من الخير (٣) والله أعلم.
واختلف العلماء في المراد بهؤلاء الملائكة هل هم الحفظة أو غيرهم فحكى صاحب المفهم عن الجمهور أنهم الحفظة وقال إن الأظهر عنده أنهم غير الحفظة وما ذكر أنه الأظهر هو الذي لا يتجه غيره وهذا الحديث لا يدل لما حكاه الجمهور (٤).
стр. 1915
قوله: "ثم يعرج الذين باتوا فيكم" العروج هو الارتقاء وتقدم.
قوله "فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم" أما سؤاله منه وهو أعلم فيحتمل أن يكون لطلب اعتراف الملائكة بذلك ردا عليهم فيما قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (١) وقيل: هذا السؤال على ظاهره وهو تعبد منه لملائكته كما أمرهم بكتب الأعمال وهو أعلم بالجميع، وفيه إيذان بأن ملائكة الليل لا يزالون حافظين العباد إلى الصبح (٢) وفيه زيادة شرف الصلاتين وذلك لتعاقب الملائكة في وقتيهما، ولأن وقت صلاة الصبح وقت لذة النوم كما قيل إن الكرى عند الصباح يطيب والقيام فيه أشق على النفس من القيام في غيره، وصلاة العصر وقت الفراغ عن الصناعات وإتمام الوظائف والمسلم إذا حافظ عليها مع ما فيه من التثاقل والتشاغل فلأن يحافظ على غيرها بالطريق الأولى (٣).
وفيه فضيلة صلاة العصر والصبح لاجتماع الملائكة فيهما وهما المراد بقوله : ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (٤) كما قال جرير بن عبد الله (٥) وتقدم الكلام على هذا الحديث مبسوطًا.
стр. 1916
خاتمة: وهذا من خفي لطفه تعالى وجميل ستره إذ أطلع الملائكة على العباد بكرمه حالة عباداتهم ولم يطلعهم عليهم ولا جمعهم لهم في حال خلواتهم ولذاتهم وانهماكهم في معاصيهم وشهواتهم فسبحانه من كريم حليم جليل إذ ستر القبيح وأظهر الجميل (١).
стр. 1917
[الترغيب في جلوس المرء في مصلاه بعد صلاة الصبح وصلاة العصر]
٦٦٧ - عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من صلى الصُّبْح فِي جمَاعَة ثمَّ قعد يذكر الله حتى تطلع الشَّمْس ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ كانَت لَهُ كأَجر حجَّة وَعمرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تَامَّة تَامَّة تَامَّة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (١).
قوله: عن أنس تقدم.
قوله ﷺ : "من صلى الصبح في جماعة" الحديث، للصبح أربعة أسماء الفجر والصبح والوسطى والبرد وفي الحديث "من صلى البردين دخل الجنة" وهما الصبح والعصر وتقدم، وتسمى أيضا الغداء وتقدم أيضا وللصبح أوقات منها وقت الفضيلة وهو أول الوقت ومنها وقت الاختيار وهو إلى الأسفار وهو حين تتراءى الوجوه مأخوذا من أسفر إذا كشف وتبين ومنه سمي الكتاب سفرا لأنه يبين الأحكام وضبط بعضهم هذا الوقت بالوقت الذي يغدو فيه الغراب من وكره لطلب الرزق والمعتمد الأول (٢).
تنبيه: اختلف العلماء في وقت الصبح على أقوال أصحها أنه من النهار
стр. 1918
وهو قول الخليل والثاني أنه من الليل لقول الشاعر (١):
وما الدهر إلا ليلة ونهارها ... وإلا طلوع الشمس ثم غيارها
والثالث أنه لا من الليل ولا من النهار (٢).
قوله: "ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة" قال في اللطائف لما كان الحج من أفضل الأعمال والنفوس تتوق إليه لما وضع الله في القلوب من الحنين إلى ذلك البيت المعظم وكان كثير من الناس يعجز عنه ولاسيما كل عام، شرع الله سبحانه لعباده أعمالا يبلغ أجرها أجر الحج فيتعوض بذلك العاجز عن التطوع بالحج شهود الجمعة تعدل حجة تطوع، قال سعيد بن المسيب: هو أحب إلى من حجة نافلة وقد جعل النبي ﷺ المبكر إليها كالمهدي هديا إلى بيت الله الحرام، وفي حديث ضعيف "الجمعة حج المساكين" وفي تاريخ ابن عساكر عن الأوزاعي قال: مر يونس بن ميسرة بن حلبس بمقابر باب توما فقال السلام عليكم يا أهل القبور أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع رحمنا الله وإياكم وغفر لنا ولكم فكأن قد صرنا إلى ما صرتم إليه فرد الله الروح إلى رجل منهم فأجابه فقال طوبى لكم يا أهل الدنيا حين تحجون في الشهر أربع مرار قال وإلى أين يرحمك الله قال إلى
стр. 1919
الجمعة أما تعلمون أنها حجة مبرورة متقبلة قال ما خير ما قدمتم قال الاستغفار يا أهل الدنيا (١).
٦٦٨ - وَعنهُ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لِأَن أقعد أُصَلِّي مَعَ قوم يذكرُونَ الله تَعَالَى من صَلاة الْغَدَاة حَتَّى تطلع الشَّمْس أحب إِلَيّ من أَن أعتق أَرْبَعَة من ولد إِسْمَاعِيل وَلِأَن أقعد مَعَ قوم يذكرُونَ الله من صَلَاة الْعَصْر إِلَى أَن تغرب الشَّمْس أحب إِلَيّ من أَن أعتق أَرْبَعَة.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَبُو يعلى قَالَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أحب إِلَىّ من أَن أعتق أَرْبَعَة من ولد إِسْمَاعِيل دِيَة كل وَاحِد مِنْهُم اثْنَا عشر ألفا. (٢)
رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا بالشطر الأول إِلَّا أَنه قَالَ أحب إِلَيّ مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس (٣).
قوله: وعنه تقدم الكلام على مناقبه.
قوله ﷺ : "لأن أقعد أصلي مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل" الحديث
стр. 1920
وإنما خص أولاد إسماعيل بالذكر لشرف منزلتهم وانتسابهم لكونهم أفضل أصناف الأمم فإن العرب أفضل الأمم ثم أولاد إسماعيل أفضل العرب لكون العرب منهم النبي ﷺ وقيل من فضائلهم أنهم لم يجر عليهم الرق أصلا وذكر بعض من يعرف أنساب العرب أنه ليس من قبائل العرب قبيلة إلا وهي تنتمي إلى إسماعيل من جهة ما غير أربع قبائل ثقيف وسلف وأوزاع والحضرميون، والحديث فى ليل على استحباب الذى بعد الصلاتين إلى الطلوع والغروب والمواظبة عليه فهما لهما أثر عظيم في النفوس قاله في شرح المصابيح (١).
وإنما قيد بالأربعة من جهة الحصر لأن الموجب لذلك أي للعتق أربعة أشياء الذكر والقعود والاجتماع والاستمرار إلى الطلوع والغروب (٢).
فائدة: روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: لا يزال الفقيه يصلي قيل له وكيف ذلك؟ قال لا تلقاه إلا وذكر الله على لسانه يحل حلالا ويحرم حرامًا (٣) قال الطرطوسي لقد ظفرت بهذا في كتاب المعين قال الله تعالى لهارون وموسى لما بعثهما إلى فرعون ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ (٤) فسمي تبليغ الرسالة ذكرا فعلى هذا يتحقق أن حلق العلم وما يتجاوبون في العلم
стр. 1921
ويتراجعون من سؤال وجواب أنها حلق الذكر وأهلها أهل الذكر وكذا قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ (١) والمراد أهل العلم والفقه نقل ذلك الطرطوسي في كتاب الذكر له (٢).
فائدة أخرى: كان سيدي أبو محمد المرجاني يأخذ هذه الأحزاب ويقرؤها جماعة ويذكرها جماعة بعد الصبح والعصر ولم يزل على ذلك دأبه إلى موته وكان يخبر بأن ذلك بدعة وأنه إنما فعله لضرورة وهي أن الهمم قد قلت وقل فقير أن يصلي الصبح أو العصر ثم يقوم فيذكر الله تعالى ويقرأ في هذين الوقتين المشهودين إلا أنهم يقومون من مصلاهم، أما النوم إن كان في الصبح أو للتحدث فيما لا يعني إن كان في العصر إن سلموا من الغيبة والنميمة فلما أن تحققوا وقوع هذا المحذور ردعوه بهذا المكروه لأن ارتكاب المكروهات أولى بل أحب من ارتكاب المحذورات هكذا يجب أن تكون المحافظة على السنن وحفظها (٣) والله أعلم.
٦٦٩ - وَعَن سهل بن معَاذ عَن أَبِيه ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "من قعد فِي مُصَلَّاهُ حِين ينْصَرف من صَلَاة الصُّبْح حَتَّى يسبح رَكعَتي الضُّحَى لَا يَقُول إِلَّا خيرا غفر لَهُ خطاياه وَإِن كانَت أَكثر من زبد الْبَحْر" رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَأَبُو يعلى وَأَظنهُ قَالَ من صلى صَلَاة الْفجْر ثمَّ قعد يذكر الله حَتَّى تطلع
стр. 1922
الشَّمْس وَجَبت لَهُ الْجنَّة (١) قَالَ الْحَافِظ رَوَاهُ الثَّلَاثَة من طَرِيق زبان بن فائد عَن سهل وَقد حسنت وصححها بَعضهم.
قوله: عن سهل بن معاذ تقدم.
قوله ﷺ : "من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يسبح ركعتي الضحى" الحديث، قال العلماء كل صلاة يتطوع لها تسمى تسبيح وسبحة (٢) وسيأتي الكلام على ذلك وكم صلاة الضحى وأكثرها وأقلها في بابه.
قوله "غفر له خطاياه وإن كانت أكثر من زبد البحر" زبد البحر هو ما يلقيه على شاطئه وغفران هو سترها والمراد الصغائر كما تقدم.
قوله: رواه الثلاثة من طريق زبان بن فائد، وزبان بن فائد [ضعفه ابن معين، وقال أحمد: أحاديثه مناكير ووثقه أبو حاتم وقال ابن يونس: كان على مظالم مصر وكان من أعدل ولاتهم].
٦٧٠ - وَرُوِيَ عَنِ الْعَلَاءِ، وَأَبِي الْجَهْمِ، قَالَا: كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ جَالِسًا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَدَعَاهُ وَجُلَسَاءَهُ إِلَى طَعَامٍ فَأَضْرَبَ
стр. 1923
عَنْهُ ثُمَّ عَادَ فَدَعَاهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ لِجُلَسَائِهِ: قُومُوا فَمَا مَنَعَنِي أَنْ أُجِيبَهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ ثُمَّ ذَكَرَ اللهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لَمْ تَمَسَّ جِلْدَهُ النَّارُ"، وَأَخَذَ الْحَسَنُ بِجِلْده فَمَدَّهُ وفى لفظ: "مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ قَعَدَ فِي مَجْلِسِهِ يَذْكُرُ اللهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَلْفَحَهُ أَوْ تَطْعَمَهُ" رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (١).
قوله: عن أبي أمامة، أبو أمامة صدي بن عجلان بضم الصاد وفتح الدال وتشديد الياء، ويقال الصدي بالألف واللام الباهلي، روي له عن رسول الله ﷺ مائتا حديث وثلاثون حديثا، روى له البخاري منها خمسة ومسلم ثلاثة، وسكن مصر ثم حمص وبها توفي سنة إحدى وثمانين، قيل: هو آخر من توفي من الصحابة بالشام، وعامة حديثه عن الشاميين (٢).
قوله ﷺ : "من صلى الفجر ثم ذكر الله حتى تطلع الشمس لم تمس جلده النار أبدا" تقدم أن الصبح يسمي الفجر، وتقدم الكلام على الذكر في صلاة الصبح في الأحاديث المتقدمة.
стр. 1924
قوله: عن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄، كنية الحسن أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي المدني سبط رسول الله ﷺ وريحانته وابن فاطمة بنت رسول الله ﷺ سيدة نساء العالمين، ولد الحسن ﵁ في نصف شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، روي له عن رسول الله ﷺ أحاديث، وروت عنه عائشة ﵂، وروى عنه جماعات من التابعين، منهم: ابنه الحسن بن الحسن وأبو الحوراء بالراء المهملة ربيعة بن سنان والشعبي وأبو وائل وابن سيرين وآخرون، توفي ﵁ بالمدينة مسمومًا سنة تسع وأربعين، وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، ودفن بالبقيع وقبره فيه مشهور، صلى عليه سعيد بن العاصي، وكان الحسن شبيها بالنبي ﷺ سماه النبي ﷺ وعق عنه يوم سابعه وحلق رأسه وأمر أن يتصدق بزنة شعره فضة، قال أبو أحمد العسكري: سماه النبي ﷺ الحسن وكناه أبو محمد كما تقدم، قال: ولم يكن هذا الاسم يعرف في الجاهلية، ثم روى عن ابن الأعرابي عن المفضل قال: إن الله تعالى حجب اسم الحسن والحسين حتى سمى الله بهما النبي ﷺ ابنيه الحسن والحسين، قال قلت له فالذي باليمن، قال: ذاك حسن بإسكان السين وحسين بفتح الحاء وكسر السين، جمعته أم الفضل امرأة العباس مع ابنها قثم ابن العباس، ونقلوا أن الحسن حج ماشيًا، وقال: إني أستحيي من الله أن ألقاه ولم أمش إلى بيته، وكان
стр. 1925
حليما كريما ورعا، دعاه ورعه إلى أن ترك الخلافة (١).
قوله ﷺ : "من صلى الغداة ثم ذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين أو أربع ركعات" الحديث، تقدم أن الصبح يسمى الغداة والبرد وغير ذلك، وتقدم أن المراد بالركعتين أو الأربع صلاة الضحى، وسيأتي ذلك في بابه.
قوله: "لم تمس جلده النار، وأخذ الحسن بجلده فمده"، وروى عن الحسن بن علي قال: قال ﷺ : "من صلى صلاة الفجر ثم جلس في مجلسه حتى تطلع الشمس وصلى من الضحى ركعتين حرم الله على النار أن تلفحه أو تطعمه" قاله ابن زنجويه في ترغيبه.
٦٧١ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لِأن أقعد أذكر الله تَعَالَى وأكبره وأحمده وأسبحه وأهلله حَتَّى تطلع الشَّمْس أحب إِلَيّ من أَن أعتق رقبتين [و أكثر] من ولد إِسْمَاعِيل وَمن بعد الْعَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس أحب إِلَيّ من أَن أعتق أَربع رقبات من ولد إِسْمَاعِيل رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (٢).
قوله: عن أبي أمامة، تقدم.
стр. 1926
قوله ﷺ : "لأن أقعد أذكر الله تعالى وأكبره وأحمده وأسبحه وأهلله حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق رقبتين" الحديث، فشرع الذكر بعد صلاة الفجر إلى أن تطلع الشمس ومن بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وهذان الوقتان أعني وقت الفجر ووقت العصر هما أفضل أوقات النهار للذكر، ولهذا أمر الله تعالى بذكره فيهما في مواضع من القرآن العظيم كقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (٢) والآيات في ذلك كثيرة، وأفضل ما قيل في هذين الوقتين من الذكر صلاة الفجر وصلاة العصر وهما أفضل الصلوات وقيل: في كل منهما إنها الصلاة الوسطى (٣)، وقد اختلف العلماء من الصحابة فمن بعدهم في الصلاة الوسطى، فقال أبو حنيفة والإمام أحمد بن حنبل وجماعة من الصحابة والتابعين هي العصر، وقال طائفة هي الصبح، وهو مذهب الإمام مالك والشافعي وجمهور الصحابة وغيرهم، وقالت طائفة: هي الظهر، نقلوه عن زيد بن ثابت وأسامة وأبي سعيد الخدري وعائشة وعبد الله بن شداد ورواية عن أبي حنيفة، وقال قبيصة بن ذؤيب: هي المغرب، وقال غيره: هي العشاء، وقيل: إحدى الخمس مبهمة،
стр. 1927
وقيل: غير ذلك (١)، وقيل: الصبح والعصر البردان اللذان من يحافظ عليهما دخل الجنة قاله ابن رجب الحنبلي في شرح الأربعين النواوية (٢).
قوله: "أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل" تقدم الكلام على الحكمة في أولاد إسماعيل.
٦٧٢ - وَعنهُ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من صلى صَلَاة الْغَدَاة فِي جمَاعَة ثمَّ جلس يذكر الله حَتَّى تطلع الشَّمْس ثمَّ قَامَ فصلى رَكْعَتَيْنِ انْقَلب بِأَجْر حجَّة وَعمرَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَإِسْنَاده جيد (٣).
قوله: وعنه، يعني: أبي أمامة تقدم.
قوله ﷺ : "من صلى الغداة في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم قام فصلى ركعتين" الحديث، تقدم أن الغداة اسم لصلاة الصبح، وأن المراد بالركعتين هي صلاة الضحى وهي أقلها.
قوله: "انقلب بأجر حجة وعمرة" يعني: رجع، والانقلاب يعني الرجوع، والحج والعمرة، سيأتي الكلام عليهما في بابهما.
стр. 1928
٦٧٣ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا صلى الْفجْر لم يقم من مَجْلِسه حَتَّى تمكنه الصَّلَاة وَقَالَ من صلى الصُّبْح ثمَّ جلس فِي مَجْلِسه حَتَّى تمكنه الصَّلَاة كَانَ بِمَنْزِلَة عمْرَة وَحجَّة مُتَقَبَّلَتَيْنِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَرُوَاته ثِقَات إِلَا الْفضل بن الْمُوفق فَفِيهِ كَلَام (١).
قوله: عن ابن عمر، تقدم الكلام على ترجمته في مواضع من هذا التعليق.
قوله: "كان رسول الله ﷺ إذا صلى الفجر لم يقم من مجلسه حتى تمكنه الصلاة" وقال: "من صلى الصبح ثم جلس في مجلسه حتى تمكنه الصلاة كان بمنزلة عمرة وحجة متقبلتين"، قال العلماء: وهذا إذا لم يكن المكان مشتركا ولم يكن إماما، فإن كان إماما فقال النووي في شرح المهذب: يستحب للإمام إذا سلم أن يقوم من مصلاه عقيب سلامه إذا لم يكن خلفه نساء، هكذا قاله الشافعي في المختصر والأصحاب، أما إذا كان وراءه نساء مكث حتى ينصرفن، ويسن لهن الانصراف عقيب سلام الإمام لأن الاختلاط بهن مظنة الفساد (٢)، وروت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول بعد السلام: "اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام" لا يقعد إلا قدر ذلك، وقد تكلم الطرطوسي في آخر شرحه
стр. 1929
في الرسالة على هذه المشكلة كلاما شافيًا، فقال: قال مالك إذا سلم الإمام فلا يثبت في مجلسه بعد سلامه فإن ذلك بدعة إلا أن يكون بمحلة أو فلاة من الأرض أو شريعة في غير المسجد، وذلك واسع، وأما أئمة المساجد فلا ينبغي لهم ذلك، وذكر في ذلك أحاديث كثيرة فمن جملتها أنه روي عن نافع عن ابن عمر قال: كان أبو بكر وعمر إذا قضيا الصلاة وثبا من المحراب وثوب البعير إذا حل من عقاله، هذا كلام الطرطوسي، وفيه فوائد منها: أن المحراب أفضل بقعة في المسجد، ومنها: أن الإمام أو غيره إذا قعد فيه وقد تحجره ومنع غيره من الصلاة فيه وذلك لا يجوز أيضًا، فأما السر في المحارب يكون أمام المصلين فشوش عليهم لأن القلوب تشتغل بما تراه أمامها، ولذلك الذي يجلس في الصف الأول أمام الناس من غير حاجة صلاة، ومنها: أن الإمام إذا صلى في غير المسجد استحب له الجلوس في مصلاه والاشتغال بذكر الله ، وإذا صلى في المسجد استحب له الانتقال من موضعه والجلوس في أخريات المسجد أو الانصراف فإن كان المسجد ضيقا على المصلين الذين يأتون بعده وجب عليه الانصراف إذا لم يرد الصلاة معهم، فعلى هذا يقال لغز: رجل ليس بجنب وهو مسلم يجب إخراجه من المسجد والله أعلم قاله ابن العماد (١)، قال ابن الرفعة: إنما يستحب له يعني الإمام القيام بعد الذكر والدعاء، وقال الدميري: قلت: ينبغي أن يستثنى من ذلك ما إذا قعد مكانه يذكر الله تعالى بعد صلاة الصبح
стр. 1930
إلى أن تطلع الشمس لأن ذلك بحجة وعمرة تامة تامة تامة (١).
فرع: إذا أراد الإمام أن ينفتل من المحراب فلينفتل عن يمينه والأصح في كيفية ذلك يدخل يساره في المحراب ويجعل يمينه إلى الناس لما روى مسلم عن البراء قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه فسمعته يقول:: "رب قني عذابك يوم تبعث عبادك" وسيأتي هذا الحديث قريبا، وقيل: يستدبر القبلة، وقيل: يلي المحراب يمينه ويساره إلى الناس وبه قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى قال الدميري، قلت: ينبغي أن يترجح هذا في محراب النبي ﷺ لأنه إن فعل الصف الأولى يصير مستدبر النبي ﷺ وهو قبلة آدم ﵇ ومن بعده من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (٢).
تنبيه: في كامل ابن عدي في ترجمة بحر بن كنيز بن عدي السقاء عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان إذا أراد الانصراف قال: "اللهم بحمدك انصرفت وبذنبي اعترفت وأعوذ بك من شر ما اقترفت" (٣).
قوله: وعن ابن عمر تقدم الكلام على ابن عمر ﵁.
قوله: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الفجر لم يقم من مجلسه حتى يمكنه الصلاة وقال: "من صلى الصبح ثم جلس في مجلسه حتى يمكنه الصلاة كان بمنزلة عمرة وحجة متقبلتين" الحديث، المراد بقوله "حتى يمكنه الصلاة"
стр. 1931
صلاة الضحى، قد وردت أحاديث في استحباب القعود المذكر منها حديث معاذ الجهني أن رسول الله ﷺ قال: "من قعد في مصلاه حتى ينصرف من الصبح حتى يصلي ركعتي الضحى لا يقول إلا خيرا غفر له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" ومنها الأحاديث التي تأتي بعد ومنها بقية أحاديث الباب.
قوله: ورواته ثقات إلا الفضل بن الموفق.
٦٧٤ - وَعَن عبد الله بن غابر أَن أبا أُمَامَة وَعتبَة بن عبد ﵄ حَدَّثَاهُ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من صلى صَلَاة الصُّبْح فِي جمَاعَة ثمَّ ثَبت حَتَّى يسبح لله سبْحَة الضُّحَى كانَ لَهُ كأَجر حَاج ومعتمر تَاما لَهُ حجه وعمرته
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَبَعض رُوَاته مُخْتَلف فِيهِ وَللْحَدِيثِ شَوَاهِد كَثِيرَة (١).
قوله: عن عبد الله بن غابر أن أبا أمامة وعتبة بن عبد حدثناه عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من صلى الصبح في جماعة ثم ثبت حتى يسبح لله سبحة الضحى" الحديث، أما عبد الله بن غابر [هو أبو عامر الشامي الحمصي. أدرك عمر بن الخطاب قال الآجري عن أبي داود شيوخ حريز كلهم ثقات
стр. 1932
وذكره ابن حبان في الثقات وقال الدارقطني حمصي لا بأس به وقال العجلي شامي تابعي ثقة (١)]، وأبو أمامة الباهلي تقدم الكلام عليه، وأما عتبة بن عبد [السلمي يكنى أبا الوليد كان اسمه عتلة فسماه النبي ﷺ عتبة، سكن حمص، حديثه عند شريح بن عبيد، ولقمان بن عامر، وكثير بن مرة الحضرمي، وخالد بن معدان، وعبد الله بن ناسح، وعقيل بن مدرك، وحبيب بن عبيد الرحبي، وراشد بن سعد، وغيرهم (٢)]، وأما سبحة الضحى فهي ركعتا الضحى، وتقدم أن كل صلاة يتطوع بها فهي تسبيح وسبحة.
٦٧٥ - وَرُوِيَ عَن عمْرَة ﵂ قَالَت سَمِعت أم الْمُؤمنِينَ تَعْنِي عَائِشَة ﵂ تَقول سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من صلى الْفجْر أَو قَالَ الْغَدَاة فَقعدَ فِي مَقْعَده فَلم يلغ بِشَيْء من أَمر الدُّنْيَا وَيذكر الله حَتَّى يُصَلِّي الضُّحَى أَربع رَكْعَات خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه لَا ذَنْب لَهُ
رَوَاهُ أَبُو يعلى وَاللَّفْظ لَهُ وَالطَّبَرَانِيّ (٣).
قوله: عن عمرة بنت [عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، والدة أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، وكانت في حجر عائشة
стр. 1933
زوج النبي ﷺ قال يحيى: ثقة، حجة، وذكرها علي ابن المدينى: ففخم من أمرها، وقال: عمرة أحد الثقات العلماء بعائشة الأثبات فيها (١)].
قوله ﷺ : "من صلى الفجر أو قال الغداة فقعد في مقعده فلم يلغ بشيء من أمر الدنيا ويذكر الله حتى يصلي الضحى أربع ركعات" الحديث، تقدم أن صلاة الصبح تسمى الفجر والغداة، وتقدم أن اللغو القول الباطل، وتقدم أن صلاة الضحى ثمان ركعات وأقلها ركعتان، وسيأتي الكلام عليها مبسوطا في بابه.
قوله: "خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه لا ذنب له" المراد بذلك الصغائر كما تقدم في نظائره والله أعلم.
٦٧٦ - وَرُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَن النَّبِي ﷺ بعث بعثا قبل نجد فغنموا غَنَائِم كثِيرَة وأسرعوا الرّجْعَة فَقَالَ رجل منا لم يخرج مَا رَأينَا بعثا أسْرع رَجْعَة وَلَا أفضل غنيمَة من هَذَا الْبَعْث فَقَالَ النَّبِي ﷺ أَلا أدلكم على قوم أفضل غنيمَة وأسرع رَجْعَة قوم شهدُوا صَلَاة الصُّبْح ثمَّ جَلَسُوا يذكرُونَ الله حَتَّى طلعت الشَّمْس أُولَئِكَ أسْرع رَجْعَة وَأفضل غنيمَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي الدَّعْوَات من جَامعه (٢) وَرَوَاهُ الْبَزَّار وَأَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة يِنَحْوِهِ وَذكر الْبَزَّار فِيهِ أَن الْقَائِل مَا رَأينَا هُوَ أَبُو بكر ﵁
стр. 1934
وَقَالَ فِي آخِره فَقَالَ النَّبِي ﷺ يَا أَبَا بكر أَلا أدلك على مَا هُوَ أسْرع إيابا وَأفضل مغنما من صلى الْغَدَاة فِي جمَاعَة ثمَّ ذكر الله حَتَّى تطلع الشَّمْس (١).
قوله: عن عمر بن الخطاب، تقدم الكلام على بعض فضائله.
قوله: إن رسول الله ﷺ بعث بعثا قبل نجد فغنموا غنائم كثيرة وأسرعوا الرجعة، الحديث، البعث السرية وهي طائفة من الجيش تخرج منه تغدو وترجع إليه، قال إبراهيم الحربي: هي الخيل تبلغ أربعمائة ونحوها تبعث إلى العدو، وقيل: المراد ما بين خمسة أنفس إلى ثلثمائة، وجمعها سرايا، وخير السرايا أربعمائة، وقالوا: سميت سرية لأنها تسري في الليل وتخفي ذهابها، سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري وهو النفيس، قاله ابن الأثير، وقيل: سموا بذلك لأنهم ينفدون سرا وخفية وليس بالوجه (٢).
стр. 1935
وحكمهم: أن أمير الجيش يبعثهم وهو خارج إلا بلاد العدو فإذا غنموا شيئًا كان بينهم وبين الجيش عامة لأنهم رد لهم فيه، وأما إذا بعثهم وهو مقيم فإن القاعدين معهم لا يشاركونهم في المغنم وإن كان كان جعل نفلا من الغنيمة لم يشركهم غيرهم في شيء منه على الوجهين معا (١).
قوله: قبل نجد، أي: إلى جهتها، والنجد بفتح النون في اللغة ما علا من الأرض وارتفع، والنجد: اسم خاص لما دون الحجاز مما يلي العراق (٢)، وقيل: ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق (٣)، ونجد كلها من عمل اليمامة (٤)، واليمامة مدينة من اليمن على مرحلتين من الطائف وصاحبها مسيلمة الكذاب (٥)، ونجد: ما حرس على سواد الكوفة، وحدها: مما يلي المغرب والحجاز وعن يسار الكعبة اليمن (٦)، وأرض نجد أرض عظيمة واسعة كثيرة الخير بها مياه جارية وأشجار وثمار وبها أخلاط العرب (٧).
стр. 1936
قوله: "فغنموا غنائم كبيرة" الغنائم جمع غنيمة والغنيمة: ما أخذ من الكافر بالقتال وإيجاف الخيل والركاب (١).
فائدة: اختلف أهل السير في غزو النبي ﷺ وسراياه فقيل: الغزوات خمس وعشرون، وقيل: ستة وعشرون، وقيل: سبع وعشرون وقيل: أقل من ذلك، والسرايا خمس وقيل: خمس وخمسون، وقيل أقل من ذلك، وقال شيخ الإسلام النووي قدس الله روحه: ونقل أبو عبد الله محمد بن سعد في الطبقات الاتفاق على أن غزوات النبي ﷺ سبع وعشرون وسراياه ست وخمسون وعدها واحدة واحدة مرتبة على حسب وقوعها (٢) والله أعلم.
قوله: فقال رجل منا لم يخرج: ما رأينا بعثا أسرع رجعة ولا أفضل من هذا البعث، ذكره البزار فيه أن القائل ما رأينا هو أبو بكر الصديق ﵁ وفي آخره هل أدلك على ما هو أسرع إيابا وأفضل غنيمة من صلى الغداة في جماعة ثم ذكر الله حتى تطلع الشمس.
٦٧٧ - وَعَن جَابر بن سَمُرَة ﵁ قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا صلى الْفجْر تربع فِي مَجْلِسه حَتَّى تطلع الشَّمْس حسنا رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَلَفظه كَانَ إِذا صلى الصُّبْح جلس يذكر الله حَتَّى تطلع الشَّمْس وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ عَن سماك أَنه سَأل جَابر بن
стр. 1937
سَمُرَة كيفَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يصنع إِذا صلى الصُّبْح قَالَ كَانَ يقْعد فِي مُصَلَّاهُ إِذا صلى الصُّبْح حَتَّى تطلع الشَّمْس (١).
قوله: عن جابر بن سمرة، هو أبو عبد الله، ويقال: أبو خالد جابر بن سمرة بن جنادة بن جندب بن حجير بن رباب بن حبيب بن سواءة بالمد وضم السين السوائي وهو وأبوه صحابيان روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وستة وأربعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد مسلم بثلاثة وعشرين، روى عنه جماعات من التابعين، توفي سنة ست وستين، روي في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: والله لقد صليت مع رسول الله ﷺ أكثر من ألفي صلاة (٢).
قوله: كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسنا، وحسنا بفتح الحاء والسين المهملتين والتنوين أي طلوعا حسنا أي مرتفعا (٣) ورواه بعضهم حسينا بكسر السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف هكذا عند ابن أبي جعفر أي زمنا كأنه يريد مدّة
стр. 1938
جلوسه والأول أظهر (١) ورواه بعضهم حسناء بفتح الحاء المهملة وسكون السين على وزن فعلاء ممدودة وإنما يظهر حسنها إذا أخذت في الارتفاع فحينئذ يتكامل ضوءها وتحسن (٢) فيكون حالا من الشمس أي تطلع نقية بيضاء زائلة عنها الصفرة (٣) وفي فعله ﷺ فوائد منها:
- الجلوس للذكر فإنه وقت شريف، وقد جاءت أحاديث مطهرة في الذكر في ذلك الوقت.
- الثاني: أنه لما تعبد الإنسان لله قبل طلوع الشمس لازم مكان الغداة إلى أن تنتهي حركات الساجدين للشمس إذا طلعت.
- الثالت: يجيء سائل عن أمر دينه أو من يقص رؤياه أو نحو ذلك، انتهى قاله صاحب التنقيح على كتاب المصابيح (٤).
قوله: في رواية ابن خزيمة عن سماك سأل جابر بن سمرة كيف كان رسول الله ﷺ يصنع إذا صلى الصبح" الحديث، هو سماك بن حرب فيكنى أبا المغيرة الذهلي أدرك جماعة من الصحابة ثمانين نفسا قاله البخاري منهم ابن سمرة والنعمان بن بشير وروى عنه شعبة وزائدة له نحو مائتي حديث وهو ثقة بما حفظه قاله الذهبي وذهب بصره فدعا الله فرده الله عليه وروي أنه
стр. 1939
رأى الخليل ﵇ فمسح على عينه وقال ائت الفرات واغتمس فيه وافتح عينيك، فرد الله بصره، وثقه ابن مَعين وأبو حاتم قيل لابن مَعين فما الذي عبت عليه؟ قال أسند أحاديث لم يسندها غيره وقال الشعبي: عليكم بسماك وقال العجلي: هو تابعي جائز الحديث وكان عالما بالسير وأيام الناس فصيحا أخرج له مسلم وصحح له الترمذي وابن حبان والحاكم واستشهد له به البخاري وتوفي سنة ثلات وعشرين ومائة (١) قاله في شرح الإلمام.
خاتمة: قال العُلماء نهي عن الصلاة بعد الصبح الصحيح أن هذا النهي للتحريم والمراد بعد فعل الصبح وهذا الوقت قد يتسع لتقديم الصلاة في أول الوقت وقد يضيق بتأخيرها وقد لا يوجد أصلا كما لو سلم من الصبح عند طلوع الشمس وكذلك القول في العصر أي ونهي عن الصلاة بعد العصر أي بعد فعل العصر حتى تغرب الشمس (٢)، واعلم أن أوقات الكراهة خمسة، وقتان يتعلقان بالفعل وهما بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر وهذان الوقتان قد يتسعان وقد يضيقان وقد لا يوجدان كما سبق ذكره ولو جمع العصر بوقت الظهر في السفر كرهت النافلة (٣) وإن لم يدخل وقت العصر لأن
стр. 1940
الوقت متعلق بفرض العصر فيدخل في عموم الخبر صرح به في الكفاية (١)، وثلاثة أوقات متعلقة بالزمان الأول بعد طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح ويصفو بياضها والآخر عند استواء الشمس حتى تزول والآخر عند الاصفرار حتى تغرب (٢)، والمعنى أنه يكره تأخير صلاة العصر إلى هذه الحالة فإن أخرها كره ووجب صلاة العصر قبل أن تغيب الشمس فإن قيل كيف يستقيم أن يكون وقت الاصفرار وقت الكراهة ووقت الإيجاب الفعل فيه والواجب لا يمكن وصفه بالكراهة، وجوابه: أن نفس التأخير هو المكروه ونفس إيقاع الصلاة لا كراهة فيه (٣)، وكما تكره الصلاة في هذه الأوقات يكره دفن الميت فيها إذا تحرى ذلك، والأوقات المتعلقة بالزمان في حديث أبي سعيد الخدري، وقوله: "لا صلاة" عام في كلّ صلاة عند أبي حنيفة، وخصه الشافعي ومالك بالنوافل التي لا سبب لها، أما الفرائض الفوائت والنوافل ذات السبب فتفعل في سائر الأوقات (٤)، ودليله قوله ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها لا وقت لها إلا ذلك" انتهي، قاله الكمال الدميري (٥).
стр. 1941
[الترغيب في أذكار يقولها بعد صلاة الصبح وصلاة العصر والمغرب]
٦٧٨ - عَن أبي ذَر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من قَالَ فِي دبر صَلَاة الْفجْر وَهُوَ ثَان رجلَيْهِ قبل أَن يتكَلَّم لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيى وَيُمِيت وَهُوَ على كلّ شَيْء قدير عشر مَرَّات كتب الله لَهُ عشر حَسَنَات ومحا عَنهُ عشر سيئات وَرفع لَهُ عشر دَرَجَات وَكانَ يَوْمه ذَلِك كُله فِي حرز من كلّ مَكْرُوه وحرس من الشَّيْطَان وَلم يَنْبغ لذنب أَن يُدْرِكهُ فِي ذَلِك الْيَوْم إِلَّا الشّرك بِالله تَعَالَى" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب صَحِيح وَالنَّسَائِيّ وَزَاد فِيهِ بِيَدِهِ الْخَيْر وَزَاد فِيهِ أَيْضا وَكانَ لَهُ بِكُل وَاحِدَة قَالَهَا عتق رَقَبَة مُؤمنَة (١) وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث معَاذ وَزَاد فِيهِ من قالهن حِين ينْصَرف من صَلَاة الْعَصْر أعطي مثل ذَلِك فِي ليلته (٢).
قوله: عن أبي ذر تقدم.
قوله ﷺ : "من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم لا إله إلا الله وحده لا شريك له" الحديث، أي كما هو قاعد في التشهد لأن السنة في التشهد أن تثني اليمنى وفي حديث آخر "من قال عقب الصلاة قبل أن يثني رجليه" وهذا في الظاهر ضد الأول وفى المعنى موافق لأن معناه قاله قبل أن