← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 1972–2011 · переход к 1977.

стр. 1972

٦٩٣ - وَعَن عبد الله بن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "ثَلَاَثَة على كُثْبَان الْمسك أرَاهُ قَالَ يَوْم الْقِيَامَة عبد أدّى حق الله وَحقّ موَالِيه وَرجل أم قوما وهم بِهِ راضون وَرجل يُنَادي بالصلوات الْخمس فِي كلّ يَوْم وَلَيْلَة" رَوَاهُ أَحْمد وَالترمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث حسن (١) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ وَلَفظه قَالَ رَسُول الله ﷺ : "ثَلَاَثة لا يهولهم الْفَزع الْأَكْبَر وَلا ينالهم الْحساب وهم على كثيب من مسك حَتَّى يفرغ من حِسَاب الْخَلَائق رجل قَرَأَ الْقُرْآن ابْتِغَاء وَجه الله وَأم بِهِ قوما وهم بِهِ راضون" الحَدِيث (٢) وَفِي الْبَاب

стр. 1973

أَحَادِيث: "الإِمَام ضَامِن والمؤذن مؤتمن" وَغَيرهَا وَتقدم فِي الأذَان. قوله: عن عبد الله بن عمر، وتقدم. قوله: "ثلاثة على كثبان المسك" أراه قال: "يوم القيامة"، أراه بضم الهمزة معناه أظنه، وتقدم معنى اللبيب في الأذان، والكثيب جمعه كثبان. قوله: "عبد أدى حق مواليه" الحديث، سيأتي الكلام على ذلك. قوله: في رواية الطبراني: "ثلاثة لا يهولهم الفزع الأكبر ولا ينالهم الحساب وهم على كثيب من مسك حتى يفرغ من حساب الخلائق" قال الواحدي في وسيطه: قال أكثرهم هو إطباق جهنم على أهلها، وقال الحسن: هو أن يؤمر بالعبد إلى النار، وقال ابن جريج: هو ذبح الموت بين الفريقين (١)، وتقدم الكلام أبسط من هذا، قال الحافظ: وفي الباب أحاديث: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين" الإمام ضامن لما يؤتمنون عليه من قراءة وطهارة وشبه ذلك، والمؤذن مؤتمن أي: على حفظ الأوقات، فالأمانة أعلى من الضمان والمغفرة أعلى من الإرشاد (٢)، وفي وجه ثالث أن الإمامة أفضل، وصححه الرافعي وغيره ولأن الخلفاء الراشدين اختاروها ونقل عن النص لأنها أشق ولمواظبته ﷺ والخلفاء الراشدين

стр. 1974

عليها (١)، ولأن الأذان دعاء إلى الجماعة والإمامة عين القيام بالجماعة والقائم بالشيء أولى من الداعي إليه، وكون القائم بالشيء أولى من الداعي إليه صحيح إذا لم يأت الداعي إليه به، أما إذا أتى به أيضًا فهو أولى ممن أتى به فقط (٢)، قال الشافعي: ولا أكره الإمامة إلا من جهة أنها ولاية وأنا أكره سائر الولايات (٣)، وقال الشافعي أيضًا: الاختيار في الإمام أن يكون صحيح اللسان حسن الثياب مرتلا للقرآن (٤)، ونقل في الإحياء عن بعض السلف أنه قال: ليس بعد الأنبياء أفضل من العُلماء ولا بعد العُلماء أفضل من الأئمة المصلين لأنهم قاموا بين يدي الله تعالى وبين خلقه، هؤلاء بالنبوة وهؤلاء بالعلم وهؤلاء بعماد الدين وهو الصلاة، وبهذه الحجة احتج الصحابة في تقديم الصديق للخلافة إذ قالوا: نظرنا فإذا الصلاة عماد الدين فاخترنا لديننا من رضيه رسول الله ﷺ لدينه وما قدموا بلالًا احتجاجا بأنه رضيه للأذان (٥). فائدة: اختلف العُلماء، هل الأفضل الأذان أم الإمامة على أوجه أصحها: أن الأذان أفضل وهو نص الشافعي في الأم وهو ما صححه النووي؛ والثاني:

стр. 1975

الإمامة أفضل وهو نص الشافعي أيضًا وهو ما صححه الرافعي وغيره؛ والثالث: هما سواء في الفضل، والرابع: إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة فهي إذا أفضل وإلا فالأذان له أفضل، قاله أبو علي الطبري وأبو القاسم بن كج والمسعودي والقاضي حسين من أصاحبنا (١). فرع: وأما جمع الرجل بين الإمامة والأذان ففيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن ذلك مكروه لما روى جابر وأنس بإسناد ضعيف أن النبي ﷺ نهى أن يكون المؤذن إمامًا؛ والثاني: يستحب ليحوز الفضيلتين، وهذا ما صححه في شرح المهذب، قال: ونقل القاضي أبو الطيب الإجماع على كون المؤذن إماما واستحبابه وصححه أيضًا في الروضة من زوائده أنه يستحب للصالح لهما أن يجمع بينهما، والثالث: أن ذلك لا يستحب، وصححه الرافعي في الشرح، وحمل الروياني والماوردي ذلك على اختلاف أحوال الناس (٢). خاتمة: فإن قيل: فما الحكمة في أن النبي ﷺ أم ولم يؤذن؟ والجواب عنه من وجوه، أحدها: أن في الأذان تزكية النبي ﷺ والثناء عليه بالنبوة، وقد نهى الله أن يزكي أحد نفسه عن أن يمدح نفسه لقوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣) فلم يرد النبي ﷺ أن يرفع صوته بمدح نفسه، الثاني أن في شريعته ﵇ أن لا يجوز أن يشهد الرجل لنفسه ولا تقبل شهادة من شهد

стр. 1976

لنفسه ولولده ولو قال أشهد أن محمد رسول الله لطعنوا في ذلك عليه وقالوا نهانا عن الشهادة لأنفسنا نقول لا تجوز شهادة من شهد لنفسه وقد جاء يشهد لنفسه بالنبوة فلم يؤذن لئلا يكون شاهد لنفسه وأراد أن يشهد له غيره بالنبوة لئلا يخالف الشريعة في الشهادة. الثالث: أنه لو أذن يقول في أذانه حي على الصلاة ففرض على كلّ من يسمع النداء أن يحضر الجماعة لأن أمره ﷺ فرض وأمر غيره ليس بفرض ولا حتما ولكان حضور الجماعة فريضة على أمته فلا يرد ذلك تخفيفا عنهم (١) والله أعلم وتقدم في الأذان شيئًا من ذلك.

стр. 1977

[الترهيب من إمامة الرجل القوم وهم له كارهون] ٦٩٤ - عَن عبد الله بن عمرو ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَقُول ثَلَاَثة لا يقبل الله مِنْهُم صَلَاة من تقدم قوما وهم لَهُ كَارِهُون وَرجل يَأْتِي الصَّلَاة دبارا والدبار أَن يَأْتِيهَا بعد أَن تفوته وَرجل اعتبد محررا رواه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه كلَاهُمَا من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد الإفْرِيقِي (١). قوله: عن عبد الله بن عمرو تقدم. قوله ﷺ : "ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة من تقدم قوما وهم له كارهون". وفي الحاوي أن الشافعي قال ولا يحل لرجل أن يصلي لجماعة وهم له كارهون لأن في الخبر ملعون ملعون من صلى بقوم وهم له كارهون" (٢) وقد عد بعض العُلماء هذا من الكبائر إمامة من يكرهونه لما ذكرنا فإن النبي ﷺ قد جمعه مع تفويت الصلاة واعتباد المحرر وإغضاب الزوج وكل ذلك من الكبائر (٣). هذا إذا كان القوم يكرهونه لبدعه أو فسقه أو جهله بالإمامة أما إذا كان

стр. 1978

بينهم وبينه عداوة وكراهة بسبب شيء دنيوي لا يكون للإمام هذا الحكم بل هم المسيئون (١) والله أعلم. قوله ﷺ : "ورجل يأتي الصلاة دبارا والدبار أن يأتيها بعد أن تفوته" قال ابن الأعرابي: والدبار جمع دبر وهو آخر أوقات الشيء ومعناه بعدما يفوت الوقت (٢). وقال في النهاية وقيل دبار جمع دبر، وهو آخر أوقات الشيء، كالأدبار في قوله تعالى "وأدبار السجود" ويقال فلان ما يدري قبال الأمر من دباره: أي ما أوله من آخره. والمراد أنه يأتي الصلاة حين أدبر وقتها. ومنه الحديث "لا يأتي الجمعة إلا دبرًا" يروى بالفتح والضم، وهو منصوب على الظرف ومنه حديث ابن مسعود" ومن الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبرًا" (٣). قوله ﷺ : "ورجل اعتبد محررًا" المحرر الذي جعل من العبيد حرا فأعتق يقال حر العبد يحر حرارا بالفتح أي صار حرا ومنه حديث أبي هريرة "فأنا أبو هريرة المحرر" أي معتق وفي حديث أبي الدرداء "شراركم الذين لا يعتقون محررهم" أي أنهم إذا أعتقوه استخدموه فإذا أراد فراقهم ادعوا رقبة (٤).

стр. 1979

قوله: رواه أبو داود وابن ماجه كلاهما من رواية عبد الرحمن بن زياد الإفريقي هو عبد الرحمن بن زياد بن أنعم بن محمد قاضي إفريقية العبد الصالح كان قوالا بالحق وهو أول مولود ولد بإفريقية في الإسلام محدّث مشهور جليل ضعفه ابن مَعين والنسائي وقال علي بن المديني كان أصحابنا يضعفونه على أنه كان رجلًا صالحا أمارا بالمعروف نهيا عن المنكر ورأيت محمد بن إسماعيل البخاري يقوي أمره ويقول هو مقارب الحديث ولم يذكره في كتاب الضعفاء وقال فيه يحيى بن سعيد ثقة قدم على السفاح أول خلفاء بني العبَّاس فوعظه وصدغه بأنهم ظلمة قال الإفريقي أرسل إليّ أبو جعفر المنصور فقدمت عليه والربيع قائم على رأسه فاستند إليّ ثم قال: يا عبد الرحمن كيف ما مررت به من الدنيا إلى أن وصلت إلينا قال: قلت يا أمير المؤمنين رأيتُ أعمالا سيئة وظلما وظننته هدي البلاد منك فجعلت كلما دنوت منك كان أعظم الأمر قال فنكس رأسه طويلا ثم رفعه وقال كيف بالرجال قلت أفليس عمر بن عبد العزيز يقول إن الموالي بمنزلة السوق ما غلب إليها ما يروج فيها فإن كان برا أتوه ببرهم وإن كان فاجرا أتوه بفجورهم قال فأطرق قليلا ثم قال لي الربيع وأومأ إليّ أن اخرج فخرجت وما عدت إليه، مات ﵁ سنة ست وخمسين ومائة (١) قاله في الديباجة وغيرها. ٦٩٥ - وَعَن طَلْحَة بن عبيد الله ﵄ أَنه صلى بِقوم فَلَمَّا انْصَرف قَالَ إِنِّي نسيت أَن أستأمركم قبل أَن أتقدم أرضيتم بصلاتي قَالُوا نعم وَمن يكره ذَلِك يَا حوارِي رَسُول الله ﷺ قَالَ: إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول "أَيُّمَا رَجُلٍ

стр. 1980

أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ لَمْ تَجُزْ صَلَاُتهُ أُذُنَهُ" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة سُلَيْمَان بن أَيُّوب وَهُوَ الطلحي الْكُوفِي قيل فِيهِ لَهُ مَنَاكِير (١). قوله: عن طلحة بن عبيد الله تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "إنه صلى بقوم فلما انصرف قال إني نسيت أن أستأمركم قبل أن أتقدم أرضيتم بصلاتي قالوا نعم ومن يكره ذلك يا حواري رسول الله ﷺ " الحواري هو الناصر والمصافي والمعين للرجل وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في كتاب الأمر بالمعروف. قوله: "إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول أيما رجل أم قوما وهم له كارهون لم تجز صلاته أذنيه" أي لم ترفع تجاوز صلاته. ٦٩٦ - وَعَن عَطاء بن دِينَار الْهُذلِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "ثَلاثَة لَا يقبل الله مِنْهُم صَلَاة وَلا تصعد إِلَى السَّمَاء وَلا تجَاوز رؤوسهم رجل أم قوما وهم لَهُ كارِهُون وَرجل صلى على جَنَازَة وَلم يُؤمر وَامْرَأَة دَعَاهَا زَوجهَا من اللَّيْل فَأَبت عَلَيْهِ" رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه هَكَذَا مُرْسلا وَرُوِيَ لَهُ سَنَد آخر إِلَى أنس يرفعهُ (٢).

стр. 1981

قوله: عن عطاء بن دينار الهذلي [أبو الريان، وقيل: أبو طلحة المصري، مولى بني خناعة بطن من هذيل وثقه أحمد بن حنبل وأحمد بن صالح وأبو داود وقال ابن يونس مستقيم الحديث، ثقة، معروف بمصر وداره بها في الحمراء في بني بحر نحو دار الليث بن داود لها بابان عظيمان قال أبو سعيد: رأيتُ في كتاب ربيعة الأعرج: توفي عطاء بن دينار مولى هذيل أول سنة ست وعشرين ومائة (١)] قوله ﷺ : "ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة ولا تصعد إلى السماء" الحديث، قال العُلماء لا يلزم من عدم القبول عدم الصحة فالصلاة صحيحة مجزئة لا يلزم إعادتها إلا أنها لا ثواب فيها. قوله ﷺ : "رجل أم قوما وهم له كارهون" وفي حديث علي أتاه قوم برجل فقالوا إن هذا يؤمنا ونحن له كارهون فقال له علي إنك لخروط (٢) الخروط الذي يتهور في الأمور ويركب رأسه في كلما يريد جهلا وقلة معرفة كالفرس الخروط الذي يجتذب رسنه من يد ممسكه ويمضي لوجه والله أعلم قاله في النهاية (٣). قال العُلماء في كتب الفقه يكره أن يؤم الرجل قوما وأكثرهم له كارهون قال النووي في شرح المهذب فإن كرهه نصفهم أو أقل لم تكره إمامته لهم

стр. 1982

قاله في الروضة وصرح به في الكفاية وأشار إليه البغوي (١) وهو مقتضى كلام الباقلاني قال في الجواهر لكن روى القاضي الطبري عن نص الشافعي ﵀ أنه قال إذا أم رجل قوما وفيهم من يكرهه كرهنا له ذلك والأفضل أن لا يصلي بهم (٢) وقال الإمام أحمد وإسحاق في هذا إذا كره واحد أو اثنان أو ثلاثة فلا بأس أن يصلي بهم حتى يكرهه أكثر القوم (٣) ثم الاعتبار في الكراهة بأهل الدين دون غيرهم حتى قال في الإحياء لو كان الأقلون أهل الدين فالاعتبار بهم هذا إذا كرهوه بمعنى مذموم في الشرع لكونه ظالما كما تقدم أو متغلبا على الإمامة من غير استحقاق أو لا يحترز من النجاسات أو يتعاطى معيشة مذمومة أو يعاشر الظلمة أو الفساق أو يترك هيئات الصلاة ونحو ذلك فإن كرهوه لغير معنى شرعي لم تكره إمامته لهم واللوم على من كرههم وحيث ثبتت الكراهة فهي مختصة بالإمام (٤) وهذه الكراهة للتحريم كما نص عليه الشافعي ﵀ (٥). وأما المأمومون فلا يكره لهم الاقتداء به ويكره أن يولي الإمام على جيش أو قوم رجلًا أو قاضيا يكرهه أكثرهم ولا يكره إن كرهه نصفهم أو أقل

стр. 1983

بخلاف الإمامة العظمى فإنها تكره إذا كرهه بعضهم، ولو حضر جماعة في مسجد له إمام راتب فلم يحضر استحب أن يرسلوا إليه ليحض فإن خيف فوات الوقت استحب أن يقدم غيره، قال النووي فإن خيف فتنة صلوا فرادى واستحب لهم أن يعيدوا معه إذا حضر (١). فروع: الأول: قال النووي في شرح المهذب وأما المأموم إذا كره حضوره أهل المسجد فلا يكره له الحضور نص عليه الشافعي وصرح به صاحب الشامل والتتمة (٢) والله أعلم. الثاني: لا يكره أن يؤم من فيهم أبوه أو أخوه الأكبر لأن الزبير كان يصلي خلف ابنه عبد الله وأنس كان يصلي خلف ابنه وأمر النبي ﷺ عمرو بن سلمة أن يصلي بقومه وفيهم أبوه والله أعلم (٣). الثالث: إمامة ولد الزنا ومن لا يعرف أبوه خلاف الأولى وأطلق جماعة أنها تكره وما قالوه من الكراهة صورته أن يكون ذلك في ابتداء الصلاة ولم يساوه المأموم فإن ساواه أو وجده قد أحرم فاقتدى به فلا بأس (٤).

стр. 1984

قوله ﷺ : "ورجل صلى على جنازة ولم يؤمر" ويكره أن يصلي الرجل على جنازة ولم يأذن له الولي لأن الولاية له فلا يجوز التعدي على من له الولاية. قوله ﷺ : "وامرأة دعاها زوجها من الليل فأبت عليه" الحديث أي دعاها إلى الفراش وتقدم أن بعض العُلماء عده من الكبائر. ٦٩٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "ثَلَاثَة لا ترْتَفع صلَاتهم فَوق رؤوسهم شبْرًا رجل أم قوما وهم لَهُ كَارِهُون وَامْرَأَة باتت وَزوجهَا عَلَيْهَا ساخط وَأَخَوَانِ متصارمان" رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة لا يقبل الله مِنْهُم صَلَاة إِمَام قوم وهم لَهُ كَارِهُون وَامْرَأَة باتت وَزوجهَا عَلَيْهَا غَضْبَان وَأَخَوَانِ متصارمان (١). قوله: عن ابن عباس تقدم. قوله ﷺ : "ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا رجل أم قوما وهم له كارهون وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط وأخوان متصارمان" التصارم التقاطع وسيأتي الكلام على التصارم مبسوطًا في بابه. ٦٩٨ - وَعَن أبي أمَامَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "ثَلَاثَة لا تجَاوز صلَاتهم آذانهم العَبْد الْآبِق حَتَّى يرجع وَامْرَأَة باتت وَزوجهَا عَلَيْهَا ساخط وَإِمَام قوم وهم لَهُ كَارِهُون" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (٢).

стр. 1985

قوله: عن أبي أمامة ﵁ واسمه صدي بن عجلان الباهلي تقدم. قوله ﷺ : "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم -المراد نفي الكمال- العبد الآبق" أي الذي أبق من سيده وسيأتي الكلام عليه مبسوطا في بابه. قوله: "وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط" الواجب على الزوجة طاعة زوجها فيما لا معصية فيه وقد تعاضدت الأحاديث ووردت الأخبار في هذا المعنى وسيأتي ذلك في كتاب النكاح، فحق الرجل على المرأة عظيم حتى روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها" (١). قوله: "وأخوان متصارمان" أي متقاطعان متهاجران والتصارم التقاطع. خاتمة: قال المرزبانى ﵀: يحتاج المصلي إلى أربع خصال حتى ترفع صلاته: حضور القلب وشهود العقل وخضوع الأركان وخشوع الجوارح فمن صلّى بلا حضور القلب فهو مصلّ لاه، ومن صلى بلا شهود عقل فهو مصل ساه، ومن صلى بلا خضوع الجوارح فهو مصل خاطئ، ومن صلى بهذه الأركان فهو مصل واف (٢).

стр. 1986

[الترغيب في الصف الأول وما جاء في تسوية الصفوف والتراص فيها وفضل ميامنها ومن صلى في الصف المؤخر] ٦٩٩ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "لَو يعلم النَّاس مَا فِي النداء والصف الأول ثمَّ لم يَجدوا إِلَّا أَن يستهموا عَلَيْهِ لاستهموا" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (١)، وَفِي رِوَايَة لمُسلم لَو تعلمُونَ مَا فِي الصَّفّ الْمُقدم لكَانَتْ قرعَة (٢). قوله: عن أبي هريرة ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول" الحديث ومعناه أنهم لو علموا فضيلة الأذان وقدرها وعظيم جزائه ثم لم يجدوا طريقا يحصلونه به لضيق الوقت عن الأذان أو لكونه لا يؤذن للمسجد إلا واحد لاقترعوا في تحصيله لقطع المنازعة بينهم والاختلاف ولكنهم لا يعلمون ما فيه من الثواب ولو يعلمون ما في الصف الأول من الفضيلة نحو ما سبق وجاءوا إليه دفعة واحدة وضاق عنهم ثم لم يسمح بعضهم لبعض به لاقترعوا عليه وفيه إثبات القرعة في الحقوق التي يزدحم عليها ويتنازع فيها (٣).

стр. 1987

واعلم أن الصف الأول الممدوح الذي وردت الأحاديث بفضله والحث عليه هو الصف الذي يلي الإمام سواء أكان صاحبه على بعد من الإمام أو قرب وسواء تخلله مقصورة أو منبرا أو أعمدة ونحوها أم لا هذا هو الصحيح، وقالت طائفة الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه لا تتخلله مقصورة ونحوها وإن تخلل الذي يلي الإمام شيء فليس بأول بل الأول ما لا يتخلله شيء وإن تأخر وقيل الصف الأول عبارة عن مجيء إنسان إلى المسجد أولا وإن صلى في صف متأخر والله أعلم (١). مسألة: يستحب للمأموم أن يبادر إلى الصلاة في الصف الأول لمعنيين أحدهما استماع قراءة الإمام، الثاني أن الصلاة في الصف الأول أخشع لعدم اشتغاله بمن أمامه وجهة اليمين أفضل قال الترمذي الحكيم لأنه روي أن الرحمة تنزل على الإمام أولا ثم على من على يمينه ثم على من يساره (٢). فإن سبق واحد إلى الصف الأول لم يجز لغيره تأخيره إلا في مسائل إحداها: إذا كان ممن يتأذى به القوم بريحه الكريهة من صنان ونحوه وعن مالك ﵀ أنه كان يأمر الزياتين والقصابين ونحوهم بالصلاة في آخر القوم لكراهة ريح ثيابهم. الثانية: إذا حضر العبد بإذن السيد إلى الصف الأول فللسيد تأخيره وله أن

стр. 1988

يأمره بالسبق إلى الصف الأول ليحرز له الموضع قاله في الشامل. الثالثة: إذا تقدم صبي إلى الصف الأول أو امرأة إليه أمرت بالتأخير الحديث. الرابعة: إذا صف خلف الإمام جاهل لا يصلح للاستخلاف فينبغي أن يؤخر ويتقدم إلى خلف الإمام من يصلح للإمامة لقوله ﷺ : "ليلني منكم أولى الأحلام والنهى" والأولى أن لا يزعج السابق إلى خلف الإمام عن الصف الأول بل إن وجد في الصف الأول من يصلح للإمامة تقدم إلى الأمام وصلى هذا في موضعه وإن لم يكن في الصف الأول من يصلح أخر ويقدم من يصلح من الصف المتأخر (١) والله أعلم. فائدة: يستحب المبادرة إلى الصف الأول الذي يلي الإمام وقيل في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾ (٢) أن المراد المستقدمين إلى الصف الأول والمستأخرين عنه (٣)، ولو سبق واحد إلى الصف الأول ثم قام ليتوضأ ويعود لم يبطل اختصاصه ولم يكن لغيره أن يجلس في مكانه قال في الروضة في باب صلاة الجمعة ويجوز

стр. 1989

أن يبعث من يأخذ له موضعا، فإذا جاء ينحي المبعوث، وقال في الشامل قال يعني الشافعي ولا أكره للرجل يوم الجمعة أن يوجه من يأخذ له موضعا فإذا جاء الآمر تنحى له وروي عن ابن سيرين أنه كان يرسل غلامه إلى مجلس له يوم الجمعة ليجلس فيه فإذا جاء محمد قام الغلام وجلس فيه وهذا إن كان الذي يبعثه لا جمعة عليه بأن كان عبدا فإن كان حرا كره له الإيثار في القربى ولو فرش له رجل ثوب فجاء آخر لم يجز له أن يجلس عليه بل له أن ينحيه ويجلس مكانه قال في البيان ولا يرفعه لئلا يدخل في ضمانه انتهى قاله ابن العماد (١). ٧٠٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "خير صُفُوف الرِّجَال أَولهَا وشرها آخرهَا وَخير صُفُوف النِّسَاء آخرهَا وشرها أَولهَا" رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (٢). وَرُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَعمر بن الْخطاب وَأنس بن مَالك وَأَبُو سعيد وَأَبُو أُمَامَة وَجَابِر بن عبد الله وَغَيرهم (٣).

стр. 1990

قوله: وعن أبي هريرة أيضا ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها" الحديث ففي هذا الحديث الحث على التقدم إلى الصف الأول وعكسه في حق النساء لما في قربهن من الرجال من خوف الفتنة (١) وقد نزل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ (٢) الآية وفيه كراهة العكس من الجانبين

стр. 1991

لإطلاق الشر عليهما ويحتمل أنه خلاف الأولى لا مكروه وذكر الشر على سبيل المقابلة أن المراد به نقص الفضيلة وقد أطلق على ولد الزنا أنه شر الثلاثة وليس المراد أنه دونهم ولذلك قال في الحية التي لم يقدروا عليها إنها شركم وإن كان في قتلها مثيرا أما صفوف الرجال فخيرها أولها أبدا وشرها آخرها أبدا وأما صفوف النساء فخير صفوفها آخرها وشرها أولها ليس هو على عمومه بل هذا محمول على ما إذا اختلطن بالرجال فإن صلين متميزات لا مع الرجال فهن كالرجال أو من صلى منهن في جانب بعيد عن الرجال فأول صفوفهن خير لزوال العلة (١). وأما قوله ﷺ : "وشرها آخرها" فالمراد شر الصفوف في الرجال والنساء أقلها ثوابا وفضلا وأبعدها من مطلوب الشرع وكراهة ذلك الفعل وخيرها بعكسه وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات من الرجال لبعدهن عن مخالطة الرجال ورؤيتهن وتعلق القلب بهن عند رؤية حركاتهن وسماع كلامهن ونحو ذلك فأول صفوفهن لعكس ذلك (٢) والله أعلم. فائدة: في الصلاة بين السواري: عن معاوية بن قرة ﵁ قال: كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ونطرد عنها طردا" (٣) إنما نهوا

стр. 1992

عن ذلك وطردوا عنه لأمرين أحدهما أن ذلك المكان كان مصلى النساء (١) فأمروا أن يبعدوا عنه، والثاني: أن ذلك تأخر عن الصفوف الأول التي ندب الشارع إلى الإتيان إليها والإسباق، وفي الصفوف خلف السواري تفويت هذه الفضيلة فطردوا عن تلك الأماكن لذلك والله أعلم. ٧٠١ - وَعَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يسْتَغْفر للصف الْمُقدم ثَلَاثًا وَللثَّانِي مرّة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح على شَرطهمَا وَلم يخرجَا للعرباض وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه كَانَ يُصَلِّي على الصَّفّ الْمُقدم ثَلَاثًا وعَلى الثَّانِي وَاحِدَة" وَلَفظ النَّسَائِيّ كَابْن حبَان إِلَّا أَنه قَالَ كَانَ يُصَلِّي على الصَّفّ الأول مرَّتَيْنِ (٢). قوله: عن العرباض بن سارية السلمي، كنيته: أبو نجيح كان من أهل الصفة، ومن البكائين نزل الشام وحمص توفي سنة خمس وسبعين، وقيل:

стр. 1993

توفي في أيام الزبير وليس في الصحابة من اسمه العرباض سواه، والعرباض من الإبل الغليظ الشديد (١)، وفي أمالي الرافعي وهو معدود من أهل الصفة ومن الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ (٢) وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا (٣). للعرباض بن سارية عن رسول الله ﷺ أحد وثلاثون حديثا. قوله "أن رسول الله ﷺ كان يستغفر للصف المقدم ثلاثا وللثاني مرة" ويؤيد ذلك ما في رواية ابن حبان ﵁ أن النبي ﷺ كان يصلي على الصف المقدم ثلاثا وعلى الثاني واحدة" الصلاة من الله تعالى رحمة ومن الملائكة ومن النبيين عليهم الصلاة والسلام استغفار ودعاء قاله الهروي (٤) استغفاره ﷺ للصف المقدم ثلاثا كاستغفاره للمحلقين ثلاثا ثم للمقصرين لأن غيرهم قصر في المشي إلى الصف الأول. ٧٠٢ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الصَّفّ الأول قَالُوا يَا رَسُول الله وعَلى الثَّانِي قَالَ إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الصَّفّ الأول قَالُوا يَا رَسُول الله وعَلى الثَّانِي قَالَ وعَلى الثَّانِي وَقَالَ رَسُول الله ﷺ سووا صفوفكم وحاذوا بَين مناكبكم ولينوا فِي أَيدي

стр. 1994

إخْوَانكُمْ وسدوا الْخلَل فَإِن الشَّيْطَان يدْخل فِيمَا بَيْنكُم بِمَنْزِلَة الْحَذف يَعْنِي أَوْلَاد الضَّأْن الصغار رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ وَالطَّبَرَانِيّ وَغَيره (١). الْحَذف بِالْحَاء الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة مفتوحتين وبعدهما فَاء قوله: وعن أبي أمامة ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول قالوا يا رسول الله وعلى الثاني قال وعلى الثاني" قال العلماء ينقسم الموقف إلى ثلاثة أقسام: قسم يستحب وقسم واجب وقسم مكروه أما المستحب فهو الصف الأول وأفضله البقعة التي خلف الإمام ثم ما على يمينه ثم ما على يساره والصلاة في الصف الأول أفضل مما في غيره وإن كان في المسجد الحرام أو مسجد المدينة لأن القرب من الإمام فضيلة تتعلق بالصلاة ويشهد لذلك عموم الأحاديث قال ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول" وغير ذلك وأما القسم الواجب فهو أن يقف بحيث لا يتقدم على إمامه، وأما القسم المكروه فهو أن يقف منفردا خلف الصف والله أعلم. قوله ﷺ : "سووا صفوفكم وحاذوا بين مناكبكم" الحديث مأخوذ من الحذاء بالذال والهمزة والمحاذاة الموازاة والمقابلة أي اجعلوها بحذاء

стр. 1995

بعضها بعضا وهو أن يجعل المنكب بجنب المنكب والمناكب جمع منكب وهو ما بين الكتف والعنق. قوله ﷺ : "ولينوا في أيدي إخوانكم" أراد لزوم السكينة في الصلاة وقيل أراد أن لا يمتنع على من يجيء ليدخل في الصف الأول لضيق المكان بل يمكنه من ذلك قاله في النهاية (١). قوله: "وسدوا الخلل" والخلل ما يكون بين الاثنين من الاتساع عند عدم التراص. قوله: "فإن الشيطان يدخل فيما بينكم بمنزلة الحذف يعني أولاد الضأن الصغار" والحذف بالحاء المهملة والذال المعجمة مفتوحتين وبعدها فاء قال الحافظ يعني أولاد الضأن الصغار وفي رواية كأولاد الحذف قيل يا رسول الله وما أولاد الحذف قال: ضأن سود جرد صغار تكون باليمن وقال في النهاية الحذف هي الغنم الصغار واحدتها حذفة بالتحريك وقيل هي صغار جرد ليس لها آذان ولا أذناب يجاء بها من جرش اليمن (٢). وفي هذا الحديث التصريح بما يكشف للأنبياء والأولياء من رؤية الشياطين وشبهها بالحذف وفي رواية بأولاد الحذف كما تقدم لسرعتها وجولانها بين القوم بالوسوسة فيستحب سد الفرج بين الصفوف ومن وجد فرجة جاز له تخط صفا واثنين وثلاثة ليسدها ويكون التقصير منهم فلا حرمة

стр. 1996

لهم (١) وفيه التحريض على التعاون على الشياطين والأعداء بالإخوان الصالحين واتباع السنة فإنهم ينهزمون لا سيما إذا سدت الأبواب في وجوههم وغلقت أبواب الشر فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا، واعلم أن هذه السنة تزيد في الألفة واجتماع القلوب والهيبة والوقار وأن الإخلال بها يورث العكس (٢) قاله في شرح الإلمام. ٧٠٣ - وَعَن النُّعْمَان بن بشير ﵁ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: "إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الصَّفّ الأول أَو الصُّفُوف الأول" رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد (٣). قوله: وعن النعمان بن بشير ﵄ هو النعمان بن بشير هو وأبوه صحابيان وأمه عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة صحابية ولد النعمان بعد الهجرة بأربعة عشر شهرًا استعمله معاوية على حمص ثم على الكوفة وتوفي سنة أربع وستين والله أعلم (٤). قوله ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول أو الصفوف الأول" تقدم معنى الصلاة في اللغة والشريعة في أماكن من هذا التعليق وروي في

стр. 1997

الأخبار إن الله تعالى إذا أنزل الرحمة على أحد ينزلها أولا على الإمام ثم يتجاوز عنه إلى من بحذائه في الصف الأول ثم إلى الميامن ثم إلى المياسر ثم على الصف الثاني وروي عنه ﷺ أنه قال "يكتب للذي خلف الإمام مائة صلاة وللذي في الجانب الأيمن خمسة وسبعون صلاة وللذي في الجانب الأيسر خمسون صلاة وللذي في سائر الصفوف خمسة وعشرون صلاة" (١)، وعن كعب الأحبار ﵁ أنه كان يقف في آخر الصفوف ويقول بلغني أن الرجل من هذه الأمة يسجد سجدة فيغفر له وجميع من خلفه، ونقل في الإحياء عن بعضهم أنه كان يقصد الصلاة في الصف الآخر (٢)، وهذا يختلف باختلاف المقاصد، وهذا في الرجال، أما النساء فيستحب لهن إذ صلين مع الرجال التأخر للحديث "خير صفوف النساء آخرها" ويستحب إكمال الصف الأول فالأول والصلاة في الصف الناقص المقدم أولى من الصف المتأخر المكمل، وفيه حديث بوب له ابن حبان في صحيحه (٣) والله أعلم. ٧٠٤ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُول الله ﷺ يَأْتِي نَاحيَة الصَّفّ وَيُسَوِّي بَين صُدُور الْقَوْم ومناكبهم وَيَقُول لَا تختلفوا فتختلف

стр. 1998

قُلُوبكُمْ إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الصَّفّ الأول" رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (١). قوله: عن البراء بن عازب ﵄ هو: أبو عمارة، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو الطفيل، هو: البراء بن عازب بن الحارث بن عدي هو وأبوه صحابيان الأنصاري الأوسي الحارثي المدني، أمه: حبيبة بنت أبي حبيبة والأفصح في اللغة في البراء المد، روى البراء عن النبي ﷺ ثلثمائة حديث وخمسة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم منها على اثنين وعشرين حديثا، وانفرد البخاري بخمسة عشر ومسلم بستة، نزل الكوفة وتوفي بها في زمن مصعب بن الزبير، غزا مع رسول الله ﷺ خمس عشرة غزوة، استصغره ﷺ يوم بدر وأول مشاهده أحد، ومناقبه كثيرة مشهورة (٢). قوله: كان رسول الله ﷺ يأتي ناحية الصف ويسوي بين صدور القوم ومناكبهم ويقول: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" الحديث، أي: إذا تقدم بعضهم على بعض في الصفوف تأثرت قلوبهم ونشأ بينهم الخلف، ومنه الحديث الآخر: "لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" يريد كلا

стр. 1999

منهم يصرف وجهه عن الآخر ويوقع بينهم التباغض، فإن إقبال الوجه على الوجه من أثر المودة والألفة، وقيل: أراد بها تحويلها إلى الأدبار، وقيل: تغيير صورتها إلى صورة أخرى (١)، ففيه تنبيه على قاعدة عظيمة من قواعد الشرع وهي أن الشارع ﷺ دأبه جمع القلوب وتألفها وعدم المنافرة وأنه يستدل بصلاح الظاهر على صلاح الباطن وعمارته (٢). ٧٠٥ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ سووا صفوفكم فَإِن تَسْوِيَة الصَّفّ من تَمام الصَّلَاة" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مَاجَه وَغَيرهم (٣). وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فَإِن تَسْوِيَة الصُّفُوف من إِقَامَة الصَّلَاة (٤). وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَفظه: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ رصوا صفوفكم وقاربوا بَينهَا وحاذوا بالأعناق فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ إِنِّى لأرى الشَّيْطَان يدْخل من خلل الصَّفّ كَأَنَّهَا الْحَذف" رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا نَحْو رِوَايَة أبي دَاوُد (٥).

стр. 2000

الْخلَل بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام أَيْضا هُوَ مَا يكون بَين الِاثْنَيْنِ من الاتساع عِنْد عدم التراص. قوله: عن أنس، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "سووا صفوفكم" الحديث، تسوية الصفوف: اعتدال القائمين بها على سمت واحد، والتسوية لها معان ثلاثة، الأول: بمعنى تراص الأقدام واتصال المناكب وعدم خروج بعض عن بعض. الثاني: سد الفرج التي بينها وهو مستفاد من المعنى الأول ولازم له. الثالث: تسويتها باعتبار سد الصف الناقص. قوله ﷺ : "فإن تسوية الصف من تمام الصلاة" وفي رواية في البخاري "من إقامة الصلاة" وفي رواية في مسلم "من خمس الصلاة" أي: من تمامها وحسنها وكمالها معا. قوله: "قد قامت الصلاة" فمعناه: قام له أو حان قيامهم، فهذا يدل على أن ذلك مطلوب وأنه مستحب غير واجب لأنه لم يذكر من واجباتها ولا من مستحباتها ولا من أركانها وتمام الشيء أمر زائد على وجود حقيقته التي لا يسمي إلا بها في مشهور الاصطلاح، وقد يطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتم الحقيقة إلا به (١)، وقال في الإكمال تمام الشيء وحسنه وكماله بمعنى واحد (٢) والله أعلم.

стр. 2001

فرع: ويؤخذ من الحديث أنه لو حضر مسبوق بعد ما أحرم الإمام في الركعة الأولى أو الثانية ورأى فرجة في الصف السابق أنه يستحب له الشق بين الصفوف إلى أن يصل إلى الدرجة السابقة فيسدها ولا يكون ذلك ملحقا التخطي بالتقصير القوم وهو كذلك، وقد نص عليه الشافعي ونقله عنه في الكفاية (١)، قال [كلمة ممسوحة] لذلك لو وجد الصفوف مستكملة وبينها فضاء يسع فللمسبوق الشق بين الصفوف لإقامة ذلك والله أعلم، قاله ابن العماد (٢). قوله: في رواية أبي داود: "رصوا صفوفكم وقاربوا بها وحاذوا بالأعناق" المحاذاة بالذال المعجمة كما سبق، والتراص التلاصق، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا. قوله: "فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف" تقدم معناه. ٧٠٦ - وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اسْتَووا تستو قُلُوبكُمْ وتماسوا تزاحموا قَالَ شُرَيْح تماسوا يَعْنِي تزاحموا أوفى الصَّلَاة وَقَالَ غَيره تماسوا تواصلوا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (٣).

стр. 2002

قوله: عن علي، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "استووا تستو قلوبكم" الحديث، تقدم بعض التابعين ليصلي بالناس إمامًا فالتفت إلى المأمومين يعدل الصفوف وقال: استووا أو استقيموا فغشي عليه، فسئل عن ذلك فقال: كما قلت لهم استقيموا فكرت في نفسي فقلت لها: فأنت هل استقمت مع الله طرفة عين (١). قوله ﷺ : "وتماسوا تزاحموا" قال شريح: تماسوا يعني تزاحموا أوفى الصلاة، وقال غيره: تماسوا تواصلوا، قاله الحافظ ﵀. ٧٠٧ - وَعَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "أقِيمُوا الصُّفُوف وحاذوا بَين المناكب وسدوا الْخلَل ولينوا بأيدي إخْوَانكُمْ وَلَا تذروا فرجات الشَّيْطَان وَمن وصل صفا وَصله الله وَمن قطع صفا قطعه الله" رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَعند النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة آخِره الفرجات جمع فُرْجَة وَهِي الْمَكَان الْخَالِي بَين الِاثْنَيْنِ (٢). قوله: عن ابن عمر تقدم.

стр. 2003

قوله ﷺ : "أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل" معنى "وأقيموا الصلاة" سووها وعدلوها أي عدلوا وسووا، يقال أقام العود إذا قومه، وتقدم الكلام على المحاذاة وسد الخلل. قوله: "وتراصوا فيها" أي: تلاصقوا حتى لا يكون بينكم فرج، وأصله تراصصوا من رص البناء رصا إذا ألصق بعضه ببعض فأدعم، ومنه حديث ابن صياد فرصه رسول الله ﷺ أي: ضم بعضه بعضًا قاله في النهاية (١). قوله: "وحاذوا بين المناكب" هو بالذال المعجمة وتقدم، والمناكب جمع منكب وهو مجتمع ما بين العضد والكتف وروي عن بعض الصحابة ﵃ أن ثيابهم كانت تنقطع من عند مناكبهم لشدة تراصهم في صلاتهم لأنهم ﵊ كان لا يدخل في الصلاة حتى يسويهم ويعلمهم ترصيص الصفوف كيف هي (٢). قوله: "وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم" تقدم معناه في الأحاديث المتقدمة. قوله: "ولا تذروا فرجات الشيطان" الفرجات جمع فرجة وهي الخلل الذي يكون بين المصلين في الصفوف فأضافها إلى الشيطان تقطيعًا لشأنها وحملًا على الاحتراز منها، وفي رواية "فرج الشيطان" جمع فرجة كظلمة وظلم.

стр. 2004

٧٠٨ - وَعَن جَابر بن سَمُرَة ﵁ قَالَ خرج علينا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَلا تصفون كَمَا تصف الْمَلَائِكَة عِنْد رَبهَا فَقُلْنَا يَا رَسُول الله وَكَيف تصف الْمَلَائِكَة عِنْد رَبهَا قَالَ يتمون الصُّفُوف الأول ويتراصون فِي الصَّفّ" رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (١). قوله: عن جابر هو جابر بن سمرة تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "ألا تصفون كما تصف الملائكة محند ربها" الحديث، المراد بذلك إتمام الصفوف الأول في الصلاة، وأبعد بعضهم فقال: المراد به الصلاة في الجهاد كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ (٢) والظاهر أنه يشمل الأمرين، ويحتمل أن يكون المراد بالملائكة الملائكة الذين هم حول العرش، ويحتمل أن يكون المراد الكل وهو الظاهر لقوله ﷺ : "فضلنا على الناس بثلاث، جعلت لنا الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وكذلك تأتون يوم القيامة بين يدي الرب جل وعلا صفوفًا" (٣) كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (٤) ويقفون صفوفًا بين يدي ربهم يوم القيامة

стр. 2005

كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ (١) وقال محمد بن جرير: حدثني محمد بن خلف العسقلاني فذكر الحديث إلى أن قال عن ابن مسعود قال: الروح في السماء الرابعة وهو أعظم من السماوات والأرض والجبال ومن الملائكة يسبح كلّ يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة يخلق الله تعالى من كل تسبيحة ملكًا من الملائكة يجيء يوم القيامة صفًّا وحده (٢)، وروى الطبراني عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن لله ملكًا لو قيل: التقم السماوات السبع بلقمة واحدة لفعل، تسبيحه سبحانك حيث كنت" (٣)، وهذا من خصائص هذه الأمة، وكانت الأمم المتقدمة يصلون منفردين كل واحد على حدة، ولما أراد الله تعالى حصول هذه الفضيلة للأنبياء المتقدمين جمعهم فتقدم النبي ﷺ فصلى بهم ليلة الإسراء (٤).

стр. 2006

٧٠٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "خياركم ألينكم مناكب فِي الصَّلَاة" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (١). قوله: "عن ابن عباس"، تقدم الكلام على فضائله. قوله ﷺ : "خياركم ألينكم مناكب في الصلاة" الحديث، وفي حديث آخر عن ابن عمر: "خياركم ألاينكم مناكب في الصلاة" هي جمع ألين وهو بمعنى السكوت والوقار والخشوع، ومعنى لين المنكب هنا أن الرجل إذا كان في الصف وأمره أحد أن يسوي في الصف أو يضع يده على منكبه المستوي بطبعه أو أراد أحد أن يدخل في الصف بمنكبه له أن يدخل في الصف ولا يمنعه، وقالى أبو سليمان الخطابي: معنى لين المنكب السكون والخشوع في الصلاة (٢) والوجه الأول أليق بهذا الباب، وقال بعضهم: ألينكم مناكب في الصلاة الذي يوسع على صاحبه، قاله في شرح المصابيح (٣). ٧١٠ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ: أُقِيمَت الصَّلَاة فَأقبل علينا رَسُول الله ﷺ : "بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أقِيمُوا صفوفكم وتراصوا فَإِنِّي أَرَاكُم من وَرَاء ظَهْري" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم بِنَحْوِهِ (٤). وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فَكَانَ أَحَدنَا يلزق مَنْكِبه

стр. 2007

بمنكب صَاحبه وَقدمه بقدمه (١). قوله: "وعن أنس ﵁" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "قال: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال أقيموا صفوفكم وتراصوا" الحديث تراصوا بضم الصاد المهملة أي تضاموا ولا وتلاصقوا حتى يتصل ما بينكم ولا ينقطع فالتراص التلاصق ومنه قوله تعالى كأنهم بنيان مرصوص قاله أحد المتأولين. قوله ﷺ : "فإني أراكم من وراء ظهري" وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "هل ترون قبلتي ها هنا، فوالله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم، إني لأراكم من وراء ظهري" وفي رواية "إني لأبصر من ورائي كما أبصر بين يدي" مذهب أهل السنة من الأشعرية وغيرهم أن هذا الإبصار إدراك خاص بالنبي ﷺ انخرقت له فيه العادة فكان يرى به من غير مقابلة فإن أهل السنة لا يشترطون في الرؤية المقابلة ولا مما يشترطه المعتزلة فلذلك استحال عندهم رؤية الله تعالى يوم القيامة وخالفوا قواطع الشريعة وما أجمع عليه الصحابة والتابعون وقال بقي بن مخلد: كان النبي ﷺ يرى في الظلام كما يرى في الضوء، وقال مجاهد: كان يرى خلفه كما يرى أمامه وذهب بعض العلماء إلى أن المراد في هذا الحديث بالبصر والرؤية العلم وأن معناه أعلم وهذا احتمال بعيد وحمله على الظاهر أولى ويكون ذلك زيادة في إكرامه ﷺ وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا والله أعلم.

стр. 2008

قوله: وفي رواية للبخاري "فكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه" والإلزاق هو الإلصاق. ٧١١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "أَحْسنُوا إِقَامَة الصُّفُوف فِي الصَّلَاة" رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح. ٧١٢ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على ميامن الصُّفُوف" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن. ٧١٣ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ قَالَ كُنَّا إِذا صلينَا خلف رَسُول الله ﷺ أحببنا أَن نَكُون عَن يَمِينه يقبل علينا بِوَجْهِهِ فَسَمعته يَقُول رب قني عذابك يَوْم تبْعَث عِبَادك" رَوَاهُ مُسلم. قوله: وعن البراء بن عازب ﵁ تقدم. قوله: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه" الحديث، أما جهة اليمين فلشرفها ولما أشار إليه الراوي من الفوز برؤية وجهه قبل غيره، وهذا هو المقصود وإلا فهو يقبل على الفريقين ولكن أراد الأولوية وسرعة الدخول فيمن واجههم بالسلام لأنه دعاء وهو منه مقبول وهذا قريب وقول الأعرابي الذي عن يمينه في الشرب والله لا أوثر بنصيبي منك أحدا وعن علي والنخعي أنهما كانا يستقبلان الناس بوجوههما بعد الصلاة. وقال ابن العطار في شرح العمدة ذهب الشافعي إلى بقاء الإمام مستقبل القبلة إذا لم يرد الانصراف أفضل خصوصا إن جلس للذكر والدعاء لحديث

стр. 2009

خير المجالس ما استقبل به القبلة رواه الحاكم ولأنه أجمع للقلب وعلى هذا يكون إقباله ﷺ لمصلحة أو لبيان الجواز (١). وقال النووي في شرح المهذب: إذا أراد أن ينتقل في المحراب ويقبل على الناس بالذكر والدعاء وغيرهما جاز أن ينتقل كيف شاء وأما الأفضل فقال البغوي الأفضل أن يقبل عن يمينه وقال في كيفيته وجهان أحدهما وبه قال أبو حنيفة يدخل يمينه في المحراب ويساره إلى الناس ويجلس عن يمين المحراب والثاني وهو الأصح يدخل يساره في المحراب ويمينه إلى القوم ويجلس عن يسار المحراب وجزم في شرح السنة بالثاني (٢). وأما حديث أنس قال: "صليت مع رسول الله ﷺ فكان ساعة يسلم يقوم ثم صليت مع أبي بكر فكان إذا سلم وثب كأنه يقوم عن رضف" (٣) وغير ذلك من الأحاديث التي فيها النهي عن جلوس الإمام في مصلاه بعد السلام فالجواب عن ذلك كله أنه محمول على كراهة اللزوم لحالة واحدة يرى أن حقا عليه أن لا يتغير عنها بل يفعل هذا مرة وهذا مرة والأمر واسع (٤) وقد صح أنه ﷺ كان إذا سلم قام النساء ومكث في مكانه يسيرا لكي ينفذ النساء

стр. 2010

قبل الرجال (١) وأنه ﷺ كان يجلس في مصلاه تحى تطلع الشمس حسناء فإذا طلعت قام (٢) وفي الترمذي "من صلى الصبح في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة"، قال: قال رسول الله ﷺ : "تامة تامة تامة" (٣) وغيره من الأحاديث والله أعلم. قوله: "يقبل على الناس بوجهه" قال القاضي عياض يحتمل أن يكون الإقبال هنا بمعنى الانصراف إلى منزله منها ويحتمل أن يكون التيامن عند التسليم وهو الأظهر لأن عادته ﷺ إذا انصرف أن يستقبل جميعهم بوجهه أما بعد قيامه من الصلاة وأما حين ينفتل قال في إقباله ﷺ يحتمل أن يكون بعد قيامه من مصلاه أو يكون حين ينفتل (٤). ففي هذا الحديث استحباب القرب من الإمام واستحباب جهة يمينه عند السلام من الصلاة فأما القرب منه فلفوائد منها سماع قراءته ومنها الاستنان بأفعاله وأقواله ومنها تبليغ ذلك إلى من بعده ومنها حيازة الثواب لأن الله تعالى وملائكته يصلون على الصف الأول مرتين وعلى الثاني مرة كما جاء في السنن ومنها أن يكون سترة لمن خلفه كما أن الإمام سترة له ومنها أنه مرتبة

стр. 2011

أولي الأحلام والنهى ومنها سماع تأمينه وقنوته ليشاركه فيه وغير ذلك كالفتح عليه وتنبيهه لمصلحة الصلاة وينبغي أن يكون ذلك كله ليثاب عليه. قوله: "فسمعته يقول رب قني عذابك يوم تبعث عبادك" رواه مسلم كذا في الترغيب، قوله تبعث ورأيت في غيره من الكتب "تبعث أو تجمع" بالشك وقالوا رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأبو عوانة في الصحيح عنده يوم تبعث عبادك من غير شك وتبعث عبادك أو تجمع شك من الراوي فقوله قني يقول إلى آخره أي بعد سلامه وإقباله عليهم أما دعاؤه بعد ذلك فهو صريح في استحباب الدعاء للمصلي عقب الصلاة والذكر والرد على من خالف ذلك وأما إفراد نفسه بالدعاء مع ما ورد من النهي عن أن يخص الإمام نفسه بالدعاء فمحمول على بيان الجواز أو التعليم لكل مصل أن يدعو بهذه الكلمات ولا يتركها وإن دعا الإمام بغيرها كما في حديث معاذ لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك فينبغي المداومة على هذين الدعاءين للإمام والمأموم والمنفرد وأما قوله ﷺ : "رب قني عذابك" الحديث وهو مغفور له محقق الوقاية فإنه تعليم لأمته وقد قال في المفهم (١): وأما اجتهاده ﵇ في الدعاء ونحوه وإن كان قد أعطي قبل السؤال فوفاء بحق العبودية وقيام بوظيفة الشكر كما قال "أفلا أكون عبدا شكورا" وفي قوله "يوم تبعت عبادك" تذكير بذلك المقام فإنه باعث على التقوى والخوف من الله تعالى فيه وفيه التصريح بالمعاد والإيمان
следующие страницы →