← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 2007–2046 · переход к 2012.

стр. 2007

بمنكب صَاحبه وَقدمه بقدمه (١). قوله: "وعن أنس ﵁" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "قال: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال أقيموا صفوفكم وتراصوا" الحديث تراصوا بضم الصاد المهملة أي تضاموا ولا وتلاصقوا حتى يتصل ما بينكم ولا ينقطع فالتراص التلاصق ومنه قوله تعالى كأنهم بنيان مرصوص قاله أحد المتأولين. قوله ﷺ : "فإني أراكم من وراء ظهري" وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "هل ترون قبلتي ها هنا، فوالله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم، إني لأراكم من وراء ظهري" وفي رواية "إني لأبصر من ورائي كما أبصر بين يدي" مذهب أهل السنة من الأشعرية وغيرهم أن هذا الإبصار إدراك خاص بالنبي ﷺ انخرقت له فيه العادة فكان يرى به من غير مقابلة فإن أهل السنة لا يشترطون في الرؤية المقابلة ولا مما يشترطه المعتزلة فلذلك استحال عندهم رؤية الله تعالى يوم القيامة وخالفوا قواطع الشريعة وما أجمع عليه الصحابة والتابعون وقال بقي بن مخلد: كان النبي ﷺ يرى في الظلام كما يرى في الضوء، وقال مجاهد: كان يرى خلفه كما يرى أمامه وذهب بعض العلماء إلى أن المراد في هذا الحديث بالبصر والرؤية العلم وأن معناه أعلم وهذا احتمال بعيد وحمله على الظاهر أولى ويكون ذلك زيادة في إكرامه ﷺ وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا والله أعلم.

стр. 2008

قوله: وفي رواية للبخاري "فكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه" والإلزاق هو الإلصاق. ٧١١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "أَحْسنُوا إِقَامَة الصُّفُوف فِي الصَّلَاة" رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح. ٧١٢ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على ميامن الصُّفُوف" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن. ٧١٣ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ قَالَ كُنَّا إِذا صلينَا خلف رَسُول الله ﷺ أحببنا أَن نَكُون عَن يَمِينه يقبل علينا بِوَجْهِهِ فَسَمعته يَقُول رب قني عذابك يَوْم تبْعَث عِبَادك" رَوَاهُ مُسلم. قوله: وعن البراء بن عازب ﵁ تقدم. قوله: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه" الحديث، أما جهة اليمين فلشرفها ولما أشار إليه الراوي من الفوز برؤية وجهه قبل غيره، وهذا هو المقصود وإلا فهو يقبل على الفريقين ولكن أراد الأولوية وسرعة الدخول فيمن واجههم بالسلام لأنه دعاء وهو منه مقبول وهذا قريب وقول الأعرابي الذي عن يمينه في الشرب والله لا أوثر بنصيبي منك أحدا وعن علي والنخعي أنهما كانا يستقبلان الناس بوجوههما بعد الصلاة. وقال ابن العطار في شرح العمدة ذهب الشافعي إلى بقاء الإمام مستقبل القبلة إذا لم يرد الانصراف أفضل خصوصا إن جلس للذكر والدعاء لحديث

стр. 2009

خير المجالس ما استقبل به القبلة رواه الحاكم ولأنه أجمع للقلب وعلى هذا يكون إقباله ﷺ لمصلحة أو لبيان الجواز (١). وقال النووي في شرح المهذب: إذا أراد أن ينتقل في المحراب ويقبل على الناس بالذكر والدعاء وغيرهما جاز أن ينتقل كيف شاء وأما الأفضل فقال البغوي الأفضل أن يقبل عن يمينه وقال في كيفيته وجهان أحدهما وبه قال أبو حنيفة يدخل يمينه في المحراب ويساره إلى الناس ويجلس عن يمين المحراب والثاني وهو الأصح يدخل يساره في المحراب ويمينه إلى القوم ويجلس عن يسار المحراب وجزم في شرح السنة بالثاني (٢). وأما حديث أنس قال: "صليت مع رسول الله ﷺ فكان ساعة يسلم يقوم ثم صليت مع أبي بكر فكان إذا سلم وثب كأنه يقوم عن رضف" (٣) وغير ذلك من الأحاديث التي فيها النهي عن جلوس الإمام في مصلاه بعد السلام فالجواب عن ذلك كله أنه محمول على كراهة اللزوم لحالة واحدة يرى أن حقا عليه أن لا يتغير عنها بل يفعل هذا مرة وهذا مرة والأمر واسع (٤) وقد صح أنه ﷺ كان إذا سلم قام النساء ومكث في مكانه يسيرا لكي ينفذ النساء

стр. 2010

قبل الرجال (١) وأنه ﷺ كان يجلس في مصلاه تحى تطلع الشمس حسناء فإذا طلعت قام (٢) وفي الترمذي "من صلى الصبح في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة"، قال: قال رسول الله ﷺ : "تامة تامة تامة" (٣) وغيره من الأحاديث والله أعلم. قوله: "يقبل على الناس بوجهه" قال القاضي عياض يحتمل أن يكون الإقبال هنا بمعنى الانصراف إلى منزله منها ويحتمل أن يكون التيامن عند التسليم وهو الأظهر لأن عادته ﷺ إذا انصرف أن يستقبل جميعهم بوجهه أما بعد قيامه من الصلاة وأما حين ينفتل قال في إقباله ﷺ يحتمل أن يكون بعد قيامه من مصلاه أو يكون حين ينفتل (٤). ففي هذا الحديث استحباب القرب من الإمام واستحباب جهة يمينه عند السلام من الصلاة فأما القرب منه فلفوائد منها سماع قراءته ومنها الاستنان بأفعاله وأقواله ومنها تبليغ ذلك إلى من بعده ومنها حيازة الثواب لأن الله تعالى وملائكته يصلون على الصف الأول مرتين وعلى الثاني مرة كما جاء في السنن ومنها أن يكون سترة لمن خلفه كما أن الإمام سترة له ومنها أنه مرتبة

стр. 2011

أولي الأحلام والنهى ومنها سماع تأمينه وقنوته ليشاركه فيه وغير ذلك كالفتح عليه وتنبيهه لمصلحة الصلاة وينبغي أن يكون ذلك كله ليثاب عليه. قوله: "فسمعته يقول رب قني عذابك يوم تبعث عبادك" رواه مسلم كذا في الترغيب، قوله تبعث ورأيت في غيره من الكتب "تبعث أو تجمع" بالشك وقالوا رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأبو عوانة في الصحيح عنده يوم تبعث عبادك من غير شك وتبعث عبادك أو تجمع شك من الراوي فقوله قني يقول إلى آخره أي بعد سلامه وإقباله عليهم أما دعاؤه بعد ذلك فهو صريح في استحباب الدعاء للمصلي عقب الصلاة والذكر والرد على من خالف ذلك وأما إفراد نفسه بالدعاء مع ما ورد من النهي عن أن يخص الإمام نفسه بالدعاء فمحمول على بيان الجواز أو التعليم لكل مصل أن يدعو بهذه الكلمات ولا يتركها وإن دعا الإمام بغيرها كما في حديث معاذ لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك فينبغي المداومة على هذين الدعاءين للإمام والمأموم والمنفرد وأما قوله ﷺ : "رب قني عذابك" الحديث وهو مغفور له محقق الوقاية فإنه تعليم لأمته وقد قال في المفهم (١): وأما اجتهاده ﵇ في الدعاء ونحوه وإن كان قد أعطي قبل السؤال فوفاء بحق العبودية وقيام بوظيفة الشكر كما قال "أفلا أكون عبدا شكورا" وفي قوله "يوم تبعت عبادك" تذكير بذلك المقام فإنه باعث على التقوى والخوف من الله تعالى فيه وفيه التصريح بالمعاد والإيمان

стр. 2012

به من أركان الإسلام وفيه إشارة إلى أنه كان يسلم عن يمينه وشماله كما تقدم قاله في شرح الإلمام. ٧١٤ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من ترك الصَّفّ الأول مَخَافَة أَن يُؤْذِي أحدا أَضْعَف الله لَهُ أجر الصَّفّ الأول" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط. قوله: عن ابن عباس ﵄ تقدم. قوله: "من ترك الصف الأول مخافة أن يؤذي أحدا أضعف الله له أجر الصف الأول" المضاعفة كثرة الأجور وضعف الشيء مثليه.

стр. 2013

[الترغيب في وصل الصفوف وسد الفرج] ٧١٥ - عَن عَائِشَة ﵂ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الَّذين يصلونَ الصُّفُوف" رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم زَاد ابْن مَاجَه وَمن سد فُرْجَة رَفعه الله بهَا دَرَجَة (١). قوله: عن عائشة ﵂ تقدم الكلام على فضائلها. قوله ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف" تقدم تفسير ذلك. قوله: زاد ابن ماجه ومن يسد فرجة رفعه الله بها درجة" الفرجة بضم الفاء وفتحها لغتان وهو ما يكون بين الاثنين من الاتساع وأما الحلقة فبإسكان اللام على المشهور وحكى الجوهري فتحها وهي لغة رديئة والله أعلم. فرع: قال الحنفية: من أتى جماعة ولم يجد في الصف فرجة يكون وحده ولا يجذب أحدا وقيل يجذب واحدا من الصف إلى نفسه فيقف بجنبه والأصح ما روى هشام عن محمد أنه ينتظر إلى الركوع فإن جاء رجل وإلا

стр. 2014

جذب إليه رجلا أو دخل في الصف قال ﵀ والقيام وحده أولى في زماننا لغلبة الجهل على العوام فإذا جذبه ربما تفسد صلاته وعن إبراهيم النخعي إذا تكامل الصف فلا تزاحم فإنك تؤذي والقيام في الصف الثاني خير من الأذى ومن حضر ولم يجد في الصف فرجة جذب واحدا واصطف معه أي بعد أن يجذبه ويندب للمجذوب موافقته معاونة على البر والتقوى ولا يجوز جذبه قبل أن يحرم لأن المجذوب يصير منفردا إلى أن يحرم فتفوت عليه الفضيلة. فرع آخر: قال في التحفة: إذا وجد في الصف الأول فرجة دون الثاني له أن يصلي في الصف الأول لأنه لا حرمة له لتقصيرهم لأنهم لم يسدوا الصف الأول وهذا نص عليه القاضي ابن العربي والشيخ النواوي وقال أيضا إن للمصلي أن يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة إذا لم يكونوا أكملوا صفا متقدمًا حتى يدخل فيه، انتهى. ٧١٦ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ قَالَ كانَ رَسُول الله ﷺ يَأْتِي الصَّفّ من نَاحيَة إِلَى نَاحيَة فيمسح مناكبنا أَو صدورنا وَيَقُول لَا تختلفوا فتختلف قُلُوبكُمْ قَالَ وَكانَ يَقُول إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الَّذين يصلونَ الصُّفُوف الأول رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَةِ في صَحِيحه (١).

стр. 2015

قوله: عن البراء بن عازب، تقدم. قوله: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا أو صدورنا، أي: يسوي مناكبنا في الصفوف ويعدلنا فيها. قوله: ويقول: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" أي هواها وإرادتها، وهذا يشمل اختلاف القول والفعل في الصلاة وغيرها، والمعنى: إذا تقدم بعضهم بضعا في الصفوف تأثرت قلوبهم ونشأ بينهم الخلف والتباغض، تقدم. قوله: وكان يقول: "إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف الأول" تقدَّم معناه. ٧١٧ - وَعَن عبد الله بن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "من وصل صفًّا وَصله الله وَمن قطع صفًّا قطعه الله" رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم، وَقَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم (١)، وَرَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد فِي آخر حَدِيث تقدم قَرِيبًا (٢). قوله: عن عبد الله بن عمر، تقدم. قوله ﷺ : "من وصل صفا وصله الله" الحديث، واصل الصف دعا له

стр. 2016

رسول الله ﷺ ، وقاطع الصف دعا عليه رسول الله ﷺ ، ودعاء رسول الله ﷺ على فعل ذلك لا يكون إلا عن أمر. فرعان لهما تعلق بوصل الصفوف: أحدهما: ما يفعله بعض المتكبرين إذا صلى لا يصل صفه أحد وإن صلى في صف أحد فبعيد عنه بحيث يبقي بينه وبينه فرجة تتسع جماعة، وهذه بدعة تخالف السنة لأن السنة التراص في الصف فإن كان ذلك بأمره حرم عليه إذ ليس للمرء من المسجد إلا موضع قيامه، وقد قال ﷺ : "أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم ولا تذروا فرجات الشيطان"، "ومن وصل صفًّا وصله الله ومن قطع صفا قطعه الله" وغير ذلك من الأحاديث، ويكفي أن فاعل ذلك قاطع للصف وأن الله يقطعه، قال ابن حبيب: أدركت الناس بالمدينة ورجال موكلون بالصلاة إذا رأوا أحدا صلى في صف والصف الذي يليه إلى القبلة يحتمل أن يدخله ذهبوا به بعد الصلاة إلى الحبس. الثاني: ما يفعله الناس بعد الصلاة من فرش بساط يسع جماعة ولا يصلي عليه غيره، وهذا لا يجوز لما فيه من غصب المكان المشترك بين المسلمين سيما عند ضيق المسجد في الأعياد والجمع، ويخشى عليه أن يدخل بذلك تحت الوعيد المذكور في قوله ﷺ : "من غصب شبرًا من الأرض طوقه الله من سبع أرضين" مع ما ينضاف إلى ذلك من المحرمات الحاملة له على ذلك مثل الكبر والخيلاء والإعجاب واحتقار الناس ونحو ذلك، ذكرهما ابن النحاس في تنبيهه وهو كتاب نفيس في الأمر بالمعروف. فائدة: في صلاة الرجل وحده خلف الصف: عن علي بن شعبان، وكان من

стр. 2017

الوفد، قال: خرجنا حتى قدمنا على النبي ﷺ فبايعناه وصلينا خلفه قال: ثم صلينا وراءه صلاة أخرى فقضى الصلاة فرأى رجلا فردا يصلي خلف الصف قال: فوقف عليه نبي الله ﷺ حتى انصرف ثم قال: "استقبل صلاتك لا صلاة للذي خلف الصف" رواه ابن ماجه وأحمد، وفي حديث آخر أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي فقال: صلى رجل خلف الصف وحده فأمره النبي ﷺ أن يعيد، وفي رواية: سئل رسول الله ﷺ عن رجل صلى خلف الصفوف وحده فقال: "يعيد الصلاة"، وقال أحمد: صلاة المنفرد خلف الصف صحيحة عندنا مع الكراهة، وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري ومالك والأوازعي وأصحاب الرأي وحكاه أصحابنا أيضًا عن زيد بن ثابت الصحابي والثوري وابن المبارك وداود، وقالت طائفة: لا يجوز ذلك حكاه ابن المنذر عن النخعي والحكم والحسن بن صالح وأحمد وإسحاق، قال: وبه أقول؛ والمشهور عن أحمد وإسحاق أن المنفرد خلف الصف قبل الركوع صحت قدوته وإلا بطلت صلاته، وقوله في الحديث: "لا صلاة للذي خلف الصف" أي: لا صلاة كاملة كقوله: "لا صلاة بحضرة طعام". ٧١٨ - وَعَن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "خياركم ألينكم مناكب فِي الصَّلَاة وَمَا من خطْوَة أعظم أجرًا من خطْوَة مشاها رجل إِلَى فُرْجَة فِي الصَّفّ فسدها" رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كِلَاهُمَا بالشطر الأول وَرَوَاهُ بِتَمَامِهِ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (١).

стр. 2018

قوله: عن عبد الله بن عمر تقدم. قوله ﷺ : "ما من خطوة أعظم أجرا من خطوة مشاها رجل إلى فرجة في الصف فسدها" الفرجة تقدم ضبطها وتفسيرها في أول الباب. ٧١٩ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من سد فُرْجَة رَفعه الله بهَا دَرَجَة وَبنى لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة مُسلم بن خَالِد الزنْجِي (١) وَتقدم عِنْد ابْن مَاجَه فِي أول الْبَاب دون قَوْله وَبنى لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة وَرَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ بِالزِّيَادَةِ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَفِي إِسْنَاده عصمَة بن مُحَمَّد قَالَ أَبُو حَاتِم لَيْسَ بِقَوي وَقَالَ غَيره مَتْرُوك (٢). قوله: عن عائشة تقدم الكلام على فضائلها. قوله: "من سد فرجة رفعها الله بها درجة" رفع الدرجات أعلى المنازل في

стр. 2019

الجنة كما تقدم، يستحب أن تسد الفرج في الصفوف لينال هذا الفضل العظيم، ويستحب الاعتدال في الصفوف فإذا وقفوا في صف لا يتقدم بعضهم بصدره ولا غيره ولا يتأخر عن الناس، ويستحب توسط الإمام لما روي أبو داود أن النبي ﷺ قال: "وسطوا الإمام وسدوا الخلل"، ويستحب أن يفسح لمن يريد الدخول في الصف لحديث عمر أن النبي ﷺ قال: "أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب" الحديث تقدم. قوله: رواه الطبراني من رواية مسلم بن خالد الزنجي، هو: الزنجي المكي شيخ الشافعي كان من الفقهاء وهو مولى بني مخزوم، وإنما لقب الزنجي على العكس فإنه كان أشقر، وكنيته أبو خالد، روى عن ابن أبي مليكة والزهري وعمرو، وروى عنه: مسدد والحميدي، وثق وضعفه أبو داود لكثرة غلطه، وقال ابن معين: ليس به بأس وقال مرة: ثقة، وقال ابن عدي: أرجوا أنه لا بأس به وهو حسن الحديث، وقال الأزرقي: كان فقيها عابدا يصوم الدهر، وقال الحربي: كان فقيه مكة ولقب بالزنجي لسواده، والزنجي بفتح الزاي وسكون النون نسبة إلى الزنج وهم نوع من السودان، وقال ابن سعد: كان أشقر، والصواب أنه إمام صدوق ولكنه كتير الوهم، وقال ابن حبان: كان من الفقهاء، ومنه تعلم الشافعي الفقه، وإياه كان يجالس قبل أن يلقى مالكًا، قاله في الديباجة. قوله: في رواية الأصبهاني من حديث أبي هريرة، وفي إسناده عصمة بن محمد، قال أبو حاتم: ليس بقوي.

стр. 2020

٧٢٠ - وَعَن أبي جُحَيْفَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من سد فُرْجَة فِي الصَّفّ غفر لَهُ رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن وَاسم أبي جُحَيْفَة وهب بن عبد الله السوَائِي (١). قوله: عن أبي جحيفة، قال الحافظ: واسم أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي، انتهي، والسوائي بضم المهملة وتخفيف الواو وبالمد الكوفي الصحابي، روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وأربعون حديثًا، ذكر البخاري منها أربعة وكان علي ﵁ يكرم أبا جحيفة ويسميه وهب الخير ووهب الله وكان يحبه ويثني عليه وجعله على بيت المال بالكوفة، توفي النبي ﷺ وهو لم يبلغ الحلم، ومات بها سنة اثنتين وسبعين ومناقبه كثيرة مشهورة. قوله ﷺ : "من سد فرجة في الصف غفر له" الحديث، غفران الذنوب هو سترها، والمراد بذلك في هذا الحديث الصغائر والله أعلم. فرع: إذا وجد الداخل في الصف فرجة أو سعة دخلها وله أن يخرق الصف المتأخر إذا لم يكن فيه فرجة وكانت في صف قدامه لتقصيرهم بتركها فإن لم يجد فرجة ولا سعة ففيه قولان أحدهما: يقف منفردًا ولا يجذب أحدًا نص عليه في البويطي لئلا يحرم غيره فضيلة الصف السابق وهذا اختيار القاضي أبي الطيب. والثاني: وهو الصحيح وقطع به جمهور الأصحاب أنه يستحب أن يجذب إلى نفسه واحدًا من الصف ويستحب للمجذوب أن يساعده، قالوا: ولا

стр. 2021

يجذبه إلا بعد إحرامه لئلا يخرجه من الصف إلى صفه، وبهذا قال عطاء والنخعي وحكي عن مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق فعل ذلك وبه قال أبو حنيفة وداود والله أعلم قاله في الديباجة. ٧٢١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الَّذين يصلونَ الصُّفُوف وَلَا يصل عبد صفًّا إِلَّا رَفعه الله بِهِ دَرَجَة وذرت عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة من الْبر" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَلَا بَأْس بِإِسْنَادِهِ (١). قوله: عن أبي هريرة، تقدم. قوله: "ولا يصل عبد صفا إلا رفعه الله به درجة ودرت عليه الملائكة من البر" تقدم الكلام على صلة الصفوف ورفع الدرجات، وأما قوله "ودرت عليه الملائكة من البر" فمعناه أي نزلت (٢). ٧٢٢ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب ﵁: قَالَ وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الَّذين يصلونَ الصُّفُوف الأول وَمَا من خطْوَة أحب إِلَى الله من خطْوَة يمشيها العَبْد يصل بهَا صفا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي حَدِيث وَابْن خُزَيْمَة بِدُونِ ذكر الخطوة وَتقدم (٣).

стр. 2022

قوله: عن البراء بن عازب، تقدم. قوله: "إن الله وملائكته يصلون على الذين الصفوف الأول" تقدم معناه. ٧٢٣ - وَعَن معَاذ ﵁: عَن النَّبِي ﷺ قَالَ خطوتان إِحْدَاهمَا أحب الخطا إِلَى الله وَالأُخْرَى أبْغض الخطا إِلَى الله فَأَما الَّتِي يُحِبهَا الله فَرجل نظر إِلَى خلل فِي الصَّفّ فسده وَأما الَّتِي يبغضها الله فَإِذا أَرَادَ الرجل أَن يقوم مد رجله الْيُمْنَى وَوضع يَده عَلَيْهَا وَأثبت الْيُسْرَى ثمَّ قَامَ رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (١). قوله: عن معاذ هو ابن جبل، تقدم. قوله: "خطوتان إحداهما أحب الخطى إلى الله والأخرى أبغض الخطى إلى الله، فأما التي يحبها الله فرجل نظر إلى خلل في الصف فسده، وأما الخطوة التي يبغضها الله فإذا أراد الرجل أن يقوم مد رجله اليمنى ووضع يده عليها وأثبت اليسرى ثم قام" تقدم الكلام على سد الخلل في الصفوف، وتقدم الكلام أيضا على الخطوة وضبطها للمشي إلى المساجد وسيأتي الكلام على الحب والبغض في بابهما. ٧٢٤ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قيل للنَّبِي ﷺ إِن ميسرَة الْمَسْجِد قد تعطلت فَقَالَ النَّبِي ﷺ من عمر ميسرَة الْمَسْجِد كتب لَهُ كفلان

стр. 2023

من الْأجر رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَغَيره (١). قوله: عن ابن عمر تقدم. قوله: قيل للنبي ﷺ إن ميسرة المسجد قد تعطلت من المصلين فقال النبي ﷺ : "من عمر ميسرة المسجد كتب له كفلان من الأجر" أي: نصيبان من الأجر، والكفل: النصيب من الأجر أو الوزر. ٧٢٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من عمر جَانب الْمَسْجِد الْأَيْسَر لقلَّة أَهله فَلهُ أَجْرَانِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة بَقِيَّة بن الْوَليد (٢). قوله: عن ابن عباس، تقدم الكلام على ترجمته. قوله ﷺ : "من عمر جانب المسجد الأيسر لقلة أهله فله أجران" أي: نصيبان من الأجر، وإنما تعطلت الميسرة بسبب أنهم كانوا يعني الصحابة أحرص الناس على تحصيل القربات فلما حث ﷺ على ميمنة الصف ازدحموا عليها فتعطلت الميسرة فقال ذلك، قال الغزالي وغيره: ينبغي لداخل المسجد أن يأتي ميمنة الصفوف فإنهن بمن وبركة والله يصلي على أهلها والله أعلم. قوله: بقية بن الوليد [تقدم الكلام عليه].

стр. 2024

الترهيب من تأخر الرجال إلى أواخر صفوفهم وتقدم النساء إلى أوائل صفوفهم ٧٢٦ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ خير صُفُوف الرِّجَال أَولهَا وشرها آخرهَا وَخير صُفُوف النِّسَاء آخرهَا وشرها أَولهَا رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (١) وَتقدم. قوله: عن أبي هريرة تقدم. قوله ﷺ : "خير صفوف الرجال أولها" الحديث، المعنى في ذلك والله أعلم: أن أهل الصف الأول أعلم بحال الإمام من غيره فيكون أشرف، والصف الأول الذي وردت الأحاديث والحث عليه هو الصف الذي يلي الإمام سواء جاء صاحبه متقدما أو متأخرًا، هذا هو الصحيح الذي تقتضيه ظواهر الأحاديث وصرح به المحققون. وقالت طائفة من العلماء: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه ولا يتخلله مقصورة ولا منبر ونحو ذلك فإن تخلل الذي يلي الإمام شيء فليس بأول بل الأول ما لا يتخلله شيء وإن تأخر.

стр. 2025

وقيل: الصف الأول عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أولا وإن صلى في صف متأخر. وهذان القولان غلط صريح، قال النووي: وإنما ذكرته ومثله لأنبه على بطلانه لئلا يغتر به (١). قوله ﷺ : "وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها" المراد بالشر قلة الثواب وكراهة ذلك الفعل (٢). قلت: أخر مرتبتهن عن مرتبة الذكور لأن نوع الذكر أشرف على الإطلاق فهي محلها وشر صفوفها أولها لتعديها عن محلها (٣) وإنما فضل أخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهن عن مخالطة الرجال ورؤيتهم، وتعلق القلب بهن عند رؤية حركاتهن وسماع كلامهن ونحو ذلك (٤). وتقدم الكلام على شيء من ذلك والله أعلم. ٧٢٧ - وَعَن أبي سعيد ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ رأى فِي أَصْحَابه تأخرا فَقَالَ لَهُم تقدمُوا فائتموا بِي وليأتم بكم من بعدكم لَا يزَال قوم

стр. 2026

يتأخرون حَتَّى يؤخرهم الله رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (١). قوله: عن أبي سعيد هو الخدري، تقدم. قوله: إن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا فقال لهم: "تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم"، ومعني الحديث، اقتدوا بي مستدلين على أفعالي بأفعالكم، ففيه جواز اعتماد المأموم على متابعة الإمام الذي لا يراه ولا يسمعه على مبلغ عنه أو صف قدامه يراه متابعا للإمام (٢). وينبغي أن يكون في الصف الأول من يعقل صلاة الإمام وفي الصف الثاني من يعقل صلاة الصف الأول وهلم جرا لتكون صلاتهم على وفق صلاة الإمام (٣). قوله: "لا يزال قوم يتأخرون" أي: عن الصفوف الأول (٤). قوله: "حتى يؤخرهم الله" الحديث أي: عن رحمته وعظيم فضله أو عظيم ثوابه ورفع المنزلة وعن العلم ونحو ذلك (٥).

стр. 2027

٧٢٨ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يزَال قوم يتأخرون عَن الصَّفّ الأول حَتَّى يؤخرهم الله فِي النَّار رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَابْن حبَان إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا حَتَّى يخلفهم الله فِي النَّار (١). قوله: عن عائشة تقدم الكلام على مناقبها. قوله ﷺ : "لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار" قيل: هذا في المنافقين. وقيل: في غيرهم، وعلى هذا فيحتمل أنه يؤخرهم عن رتبة العلماء المأخوذ عنهم أو رتبة السابقين (٢)، وفيه إشارة إلى من تساهل في ترك الفضائل قد يقع في ترك الواجبات، وكذا من تساهل في الصغائر قد تجره إلى الكبائر، وفيه: الحث على القرب من الإمام لمشاهدة أفعاله وسماع قراءته (٣)، وتنبيهه إذا سهي وغير ذلك. قال القاضي صدر الدين المناوي في التنقيح على المصابيح: ومر بي في بعض الكتب أن قوله: "لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله في النار" أن هذا في قوم متأخرون ليكونوا آخر صفوف الرجال فيليهم النساء، وقصدهم

стр. 2028

مسارقة النظر إليهن أو نحو ذلك، فإن ثبت ذلك فما يفعله إلا منافق إذ الصحابة رضي الله تعالى عنهم محفوظون من ذلك (١) والله أعلم. ٧٢٩ - وَعَن أَبِى مَسْعُود ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يمسح مناكبنا فِي الصَّلَاة وَيَقُول اسْتَووا وَلَا تختلفوا فتختلف قُلُوبكُمْ ليلني مِنْكُم أولو الأحلام والنهى ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (٢). قوله: عن أبي مسعود، تقدم. قوله: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم" (٣) الحديث، أراد وجوه القلوب (٤) كحديثه الآخر "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" (٥) أي هواها وإرادتها كما تقدم. ففيه من الفقه استحباب تسوية الصفوف، وفيه أن الإمام يتولى ذلك بنفسه، وقد كان عمر ﵁ يسوي الصفوف بنفسه فيقول: تقدم يا فلان وتأخر يا فلان، وكان عثمان بن عفان ﵁: يوكل رجلا بتسوية الصفوف فإذا أخبروه بالتسوية أحرم (٦).

стр. 2029

قوله ﷺ : "ليلني منكم أولو الأحلام والنهى" الحديث، هو بكسر اللامين وتخفيف النون من غير ياء قبل النون، ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التوكيد (١)، وتحريكها ههنا لحن أي الياء، واللام في أوله لام الأمر، أي: ليقرب مني مأخوذ من الولي وهو القرب (٢)، وأولو الأحلام جمع حلم بضم الحاء، وقيل: جمع حلم بكسرها، والمراد بأولي الأحلام، فعلى الأول: البالغون، وعلى الثاني: أهل الحلم والفضل (٣)، والنهى بضم النون جمع نهية بالضم، والمراد بالنهية العقل التام فعلى قول من يقول أولو الأحلام العقلاء يكون اللفظان بمعنى واحد، فلما اختلف اللفظ عطف أحدهما على الآخر تأكيدا، وعلى الثاني معناه البالغون العقلاء، وقيل: المراد بأولي الأحلام البالغون وبأولي النهى العاقلون (٤)، وإنما أمرهم أن يليه أولي أولي النهى ليعقلوا عنه صلاته ويخلفوه في الإمامة إن حدث به عارض (٥)، وفي هذا الحديث تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام لأنه أولى بالإكرام ولأنه ربما احتاج الإمام إلى الاستخلاف فيكون هو أولى ولا يختص هذا التقديم بالصلاة بل السنة أن يقدم أهل الفضل في كل مجمع إلى الإمام وكبير المجلس كمجالس العلم والقضاء والذكر والمشاورة ومواقف القتال وإمامة

стр. 2030

الصلاة والتدريس والإفتاء وإسماع الحديث (١)، وفيه دليل على أنه يستحب للإمام الأمر بتسوية الصفوف وتنزيلهم منازلهم، والحكمة في تقديم العقلاء أن يفقهوا عنه أفعاله ويبلغوها للناس (٢)، ولهذا كان ﷺ يعجبه أن يليه المهاجرون والأنصار وليحفظوا عنه كما رواه النسائي وابن حبان (٣)، وقد روى الإمام أحمد أن النبي ﷺ كان يجعل الرجال قدام الغلمان والغلمان خلفهم والنساء خلف الغلمان، ولأبي داود نحوه (٤)، وشذ أبو حنيفة في ذلك فقال: فلو ساوت امرأة رجلًا أو تقدمته في اقتداء واحد، ودام ذلك في الركوع بطلت صلاته ولا تبطل فيما قبله ولا في الجنازة، وعند الشافعي تصح. قوله: "ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" معناه: يقربون منهم في هذا الوصف كالمراهقين، ثم الذين يلونهم كالصبيان، ثم الذين يلونهم كالنساء، فإن نوع الذكر أشرف على الإطلاق، والمعنى فيه: أن الصف الأول أفضل والرجال أكمل فاختصوا به ووليهم الصبيان لأنهم من الرجال لكنهم دونهم، والفضيلة واحدة، هذا إذا حضروا جميعا (٥)، أما إذا حضر الصبيان أولا ثم

стр. 2031

الرجال وقد استوعب الصبيان الصف الأول فليس لهم إزالتهم عن أمكنتهم، وإن حضر النساء أولا أخرن، وقيل: يقف كل صبي بين رجلين ليتعلم منهما أحكام الصلاة، والأول أصح (١). قال الدارمي في استدراكه: هذا إذا كان الرجال أفضل أو تساووا، فإن كان الصبيان أفضل قدموا (٢)، قال العلماء في كتب الفقه: وإن حضر رجال وصبيان وخناثا ونساء قدم الرجال ثم الصبيان ثم الخنثاء ثم النساء (٣)، والخناثاء: جمع خنثي، والخنثى المشكل هو الذي له فرج الرجل وفرج المرأة ويبول منهما دفعة واحدة، ويميل إلى الرجال والنساء ميلا واحدًا (٤). فائدة فيها أعجوبة: ذكر ابن الأثير في الكامل في حوادث سنة ثلاث وعشرين وستمائة أن صديقا له اصطاد أرنبا وله أنثيان وذكر وفرج أنثى فلما شقوا بطنه رأوا فيه ما يدل على ذلك، قال: وأعجب من ذلك أنه كان لنا جار له بنت اسمها صفية بقيت كذلك نحو خمس عشرة سنة ثم طلع لها ذكر ونبتت لها لحية فكان لها فرج رجل وفرج امرأة قاله في حياة الحيوان (٥). فرع: العراة إذا كانوا عميا أو في ظلمة صلوا جماعة وتقدم إمامهم، وإن أبصروا أو كانوا في ضوء فالأظهر أن الجماعة والانفراد في حقهم سواء، وإن

стр. 2032

صلوا جماعة وقف إمامهم وسطهم لئلا يقع بصر واحد منهم على عورة غيره، هذا إذا أمكن فإذا لم يمكن لضيق المكان فعن الإمام والمتولي أنهم يقفون صفا مع غض البصر، وإن كان فيهم مكتس أهل، استحب تقديمه ويصلون جماعة قولا واحدًا ويكونون صفا فإن تعذر فصفين أو أكثر بحسب الحاجة (١) والله أعلم. ٧٣٠ - وَعَن النُّعْمَان بن بشير ﵄ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لتسون صفوفكم أَو ليخالفن الله بَين وُجُوهكُم رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (٢). وَفِي رِوَايَة لَهُم خلا البُخَارِيّ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُسَوِّي صُفُوفنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بهَا القداح حتى رآنا أَنا قد عقلنا عَنهُ ثمَّ خرج يَوْمًا فَقَامَ حَتَّى كَاد يكبر فرى رجلا باديا صَدره من الصَّفّ فَقَالَ عباد الله لتسون صفوفكم أَو ليخالفن الله بَين وُجُوهكُم (٣). وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه أقبل رَسُول الله ﷺ على النَّاس بِوَجْهِهِ فَقَالَ أقِيمُوا صفوفكم أَو ليخالفن الله بَين قُلُوبكُمْ قَالَ فَرَأَيْت الرجل يلزق مَنْكِبه بمنكب صَاحبه وركبته بركبة صَاحبه وكعبه بكعبه (٤)

стр. 2033

القداح بِكَسْر الْقَاف جمع قدح وَهُوَ خشب السهْم إِذا بري قبل أَن يَجْعَل فِيهِ النصل والريش. قوله: عن النعمان بن بشير، تقدم. قوله ﷺ : "لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" الحديث، اللام في قوله: "لتسون صفوفكم" لام القسم أو للتقسيم، قال البيضاوي: اللام فيه هي التي يتلقى القسم بها وههنا القسم مقدورا، ولهذا أكده بالنون المشددة (١). قال الشيخ تقي الدين القشيري: تسوية الصفوف: اعتدال القائمين بها على سمت واحد. وقد تدل تسويتها أيضا على سد الفرج فيها، بناء على التسوية المعنوية. والاتفاق على أن تسويتها بالمعنى الأول والثاني أمر مطلوب. وإن كان الأظهر: أن المراد بالحديث الأول (٢). وقوله: "أو ليخالفن الله بين وجوهكم" وفي رواية أبي داود وابن حبان: "أو ليخالفن الله بين قلوبكم" أي: بين مقاصدكم وقلوبكم فتختلفوا وتباغضوا، قال النووي في شرح مسلم: معناه مسخها وتحويلها عن صورتها كقوله ﷺ : "يجعل الله صورته صورة حمار" (٣) يعني: يقع من شؤم المخالفة اختلاف

стр. 2034

وكدورة قلوبكم بحيث يسري على ظاهركم فتقع بينكم عداوة (١)، وهو المراد بقوله: "أو ليخالفن الله بين قلوبكم" ويحتمل أن يخالف بتغير صورها أنواعا أخر قاله عياض (٢)، وقيل: يغير صفتها، قال النووي: والأظهر والله أعلم أن معناه: يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب كما يقال تغير وجه فلان عليّ أي ظهر لي من وجهه كراهية لي، وتغير قلبه عليّ لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن (٣) والله أعلم. ويؤخذ من الحديث أن تسوية الصفوف سبب لحصول الائتلاف والمودة والتواصل وزوال الوحشة الذي هو سبب السعادة الدنيوية والأخروية، وقد امتن الله تعالى على نبيه ﷺ بتأليف قلوب أصحابه رضي الله تعالى عنهم فقال تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ (٤) الآية. تنبيه: قال الكرماني (٥): أقول يحتمل أن يكون معنى مخالفة الوجوه تحولها إلى أدبارها، فإن قلت التسوية سنة والوعيد على تركها يدل على أنها واجبة؟ قلت: هذا الوعيد من باب التغليظ والتشديد تأكيدًا وتحريضًا على

стр. 2035

فعلها، واعلم أن المراد من الوجه إما الذات فالمخالفة بحسب المقاصد وأما العضو المخصوص فالمخالفة إما بحسب الصورة الإنسانية وغيرها، وإما بحسب الصفة وإما بحسب القدام والوراء انتهى. قوله: في الرواية الأخرى: كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، الحديث، القداح: قال الحافظ بكسر القاف جمع قدح بكسر القاف أيضًا وهو خشب السهم إذا بري قبل أن يجعل فيه النصل والريش، انتهي، وزاد بعضهم: فإذا ريش وركب نصله فهو سهم (١)، وقيل: القدح هو السهم نفسه (٢)، ومعناه: يبالغ في تسويتها حتى تصير كأنما يقوم بها السهام لشدة استوائها واعتدالها (٣) والله أعلم. وإنما جمع القداح وجمع الصفوف ولم يقل كنا يسوي الصف لأجل المقابلة كأنه يقول سووا كل صف على حدته كما يسوي الصانع كل قدح على حدته (٤)، والسهام مما يطلب التحرير وإلا كان السهم طائشا مخالفا لغرض إصابة الغرض، فضرب به المثل لتحرير التسوية (٥) والله أعلم. قوله: حتى رأى أنا قد عقلنا، أي: حتى علم أنا قد فهمنا المقصود

стр. 2036

وامتثلناه، أ. هـ؛ قال الراوي: كان النبي ﷺ يسوي بين الصفوف حتى يدعه مثل القدح أو مثل الرمح فرأى صدر رجل باديا صدره من الصف فقال: "عباد الله لتسون صفوفكم" الحديث، وضرب المثل في تسوية الصفوف بالقدح من أبلغ الأشياء لأن القدح لا يصلح للأمر الذي عمل له إلا بعد الانتهاء إلى الغاية القصوى في الاستواء، والمراد من الحديث المبالغة في تسوية الصفوف. قوله: في رواية أبي داود وابن حبان: فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه؛ الكعب: هو العظم الناتئ بين مفصل الساق والقدم، ففي كل رجل كعبان، وإنما يلصق الكعب بالكعب إذا كان ما ذكرناه، وفي وجه أن الكعب هو الذي فوق مشط القدم وهو شاذ ضعيف، أنكره الأصمعي والله أعلم (١)، وفيه حجة لأحد القولين عندنا أن تسوية الصفوف تعتبر بالصدور لا بالأقدام (٢)، وظاهر هذا الحديث أن تسوية الصفوف واجبة لما رتب على تركها من الوعيد (٣)، والجواب عنه: أن الوعيد إنما رتبه على مخالفة القلوب فإن اختلافهم في الصفوف يدل على اختلاف قلوبهم، فجعل اختلاف الصفوف سببا لاختلاف القلوب (٤)، وفيه دليل على

стр. 2037

أن تسوية الصفوف وظيفة الإمام، وأنها سنة مختصة به (١) والله أعلم قاله في الديباجة. وفي الحديث دليل على جواز كلام الإمام بين الإقامة والدخول في الصلاة، قال النووي: هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء ومنعه بعض العلماء والصواب الجواز وسواء كان الكلام لمصلحة أو لغيرها أو لا لمصلحة (٢). ٧٣١ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يَتَخَلَّل الصَّفّ من نَاحيَة إِلَى نَاحيَة يمسح صدورنا ومناكبنا وَيَقُول لَا تختلفوا فتختلف قُلُوبكُمْ وَكَانَ يَقُول إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الصُّفُوف الأول" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه كَانَ رَسُول الله ﷺ يأتينا فيمسح عواتقنا وصدورنا وَيَقُول لَا تخْتَلف صفوفكم فتختلف قُلُوبكُمْ إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الصَّفّ الأول (٣). وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة لَا تخْتَلف صدوركم فتختلف قُلُوبكُمْ. قوله: عن البراء بن عازب، تقدم الكلام عليه.

стр. 2038

قوله: كان رسول الله ﷺ يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا ويقول: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" تخلل الصفوف هو: عبارة عن تسويتها. وقوله: في رواية ابن حبان: كان رسول الله ﷺ يأتينا يمسح عواتقنا وصدورنا؛ العواتق: جمع عاتق وهو عظم الكتف. ٧٣٢ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "لتسونَّ الصُّفُوف أَو لتطمسن الْوُجُوه أَو لتغمضن (١) أبصاركم أَو لتخطفن أبصاركم" رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق عبيد الله بن زحر عَن عَليّ بن زيد وَقد مَشاهُ بَعضهم (٢). قوله: "عن أبي أمامة"، واسمه صدي بن عجلان تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لتسون الصفوف أو لتطمسن الوجوه أو لتغمضن أبصاركم" تقدم الكلام على تسوية الصفوف، وأما طمس الوجوه فهو عبارة عن ذهابها فلا يبقى لها أثر (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ (٤) وأما غمض

стр. 2039

الأبصار فهو عبارة عن إذهاب البصر. قوله: "رواه الطبراني من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد [الإلهاني: قال الدارقطني: متروك، وقال البخاري منكر الحديث، وقال أبو زرعة ليس بقوي ووثقه أحمد وابن حبان].

стр. 2040

[الترغيب في التأمين خلف الإمام وفي الدعاء وما يقوله في الاستفتاح والاعتدال] ٧٣٣ - عَن أبي هُرَيرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "إِذا قَالَ الإِمَام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (١) فَقولُوا آمين فَإِنَّهُ من وَافق قَوْله قَول الْمَلَائِكَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (٢) وفى رواية البخاري: إذا قال أحدكم آمين، وقالت الملائكة في السماء آمين، فوافقت إحداهما الأُخرى غُفر له ما تقدم من ذنبه (٣). وفي رواية لابن ماجه والنسائي: إذا أمن القارئُ فأمنوا، الحديث (٤). وفي رواية للنسائي: وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فقولوا: آمين. فإنه من وافق كلامه كلام الملائكة غُفر لمن في المسجد (٥).

стр. 2041

(آمين): تمد وتقصر، وتشديد الممدود لغيّة، وقيل: هو اسم من أسماء الله تعالي، وقيل معناها: اللهم استجب، أو كذا فافعل، أو كذلك فليكن. قوله: "عن أبي هريرة"، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "إذا قال الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (١) فقولوا آمين" قال العلماء ﵃: يستحب عقب الفاتحة آمين سواء كان في الصلاة أو خارجها وهو في الصلاة أشد استحبابا لما روى أبو داود والترمذي والدارقطني وابن حبان عن وائل بن حجر قال: صليت خلف النبي ﷺ فلما قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمين" ومد بها صوته (٢)، وروى الدارقطني أيضا والحاكم وابن حبان أن النبي ﷺ كان إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته وقال: "آمين" (٣)، وروى أبو هريرة "أنه ﷺ كان إذا أمن أمن من خلفه حتى إن للمسجد ضجة"، وروي "لجة" (٤)، وقال

стр. 2042

البخاري: وقال عطاء: أمن ابن الزبير ومروان حتى إن للمسجد للجة (١)، اللجة: بفتح اللام وهي اختلاف الأصوات (٢)، وأجيب عن الخبر بأن الجمع إذا كثروا واجتمعت أنفاسهم حصلت منه لجة (٣)، وقال عطاء: أدركت مائتين من الصحابة ﵃ إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّاَلِّينَ﴾ رفعوا أصواتهم بآمين، رواه ابن حبان بها ثقاته (٤)، قال الحافظ: آمين تمد وتقصر وتشديد الممدود لغية، قيل: هي اسم من أسماء الله تعالي، وقيل: معناها اللهم استجب أو كذلك فافعل أو كذلك فليكن (٥) انتهى. وقال بعض العلماء أيضًا: آمين مبنية على الفتح مثل كيف وأين، وفيها لغات الأولى المد وتخفيف الميم، وهذه هي اللغة الفصيحة المشهورة؛ الثانية: بالقصر وتخفيف الميم لأنه لا يخل بالمعني، والأولى والثانية هما أشهرهما، الثالثة بالإمالة وتخفيف الميم، وكذا حكاه الواحدي، الرابعة: بالمد وتشديد الميم ومعناها قاصدين إجابتك، والمشهور أنها لحن هنا (٦)،

стр. 2043

وقيل: معناها جئناك قاصدين ودعوناك راغبين فلا تردنا (١)، وقال أبو علي الفارسي: آمين جملة من فعل واسم معناه استجب لي، ودليل ذلك أن موسى ﵊ لما دعا على فرعون وأتباعه فقال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (٢) قال هارون ﵇: آمين، فطبق الجملة بالجملة، لذلك حكى ابن سيدة في المحكم عن أبي علي الفارسي، قال الشاعر في آمين: يا رب لا تسلبني حبها أبدًا ... ويرحم الله عبدا قال آمينا (٣) وقال آخر: آمين آمين لا أرضي بواحدة ... حتى أبلغها ألفين آمينا (٤) واختلف العلماء في بطلان الصلاة بها، فذهب المتولي والروياني إلى ذلك، وقال الشيخان أبو محمد ونصر المقدسي: لا تبطل بذلك وإن تعمده ورجحه شيخ الإسلام النووي قدس الله روحه (٥)، قال الشافعي ﵀ في في الأم: ولو قال آمين رب العالمين وغير ذلك من الذكر كان حسنًا (٦)، وروى البيهقي أن رسول الله ﷺ كان إذا قال: ﴿وَلَا الضَّاَلِّينَ﴾ قال: رب

стр. 2044

اغفر لي آمين (١)، وقيل: آمين كفن يغطاه قائلها، وقيل: هي اسم تستنزل به الرحمة، قال البغوي في تفسيره: كان معاذ ﵁: إذا ختم سورة البقرة قال: آمين (٢) فعلى هذا يستحب للمصلي أن يختم البقرة بآمين، وقيل: هي اسم من أسماء الله تعالى كأن المصلي قال: اهدنا يا الله، وروي: آمين خاتم رب العالمين ومعناه أن الله تعالى دفع به الآفات والبلايا عن عباده فكان كخاتم الكتاب الذي يصونه ويمنع من فساده وإظهار ما فيه، وقل: آمين طابع على الدعاء وخاتم عليه يختم على الشيء ليحفظ، كأن الداعي يختم على دعائه بهذا حتى يحفظ عمله من الشيطان، وجاء أنها طابع على القراءة أيضًا، وروي أن آمين درجة في الجنة يعني أنها كلمة يكتسب بها قائلها درجة في الجنة (٣). لطيفة فيها بشرى: عن وهب بن منبه قال: آمين أربعة أحرف فمن قالها خلق الله تعالى بعدد كل حرف منها ملكا يستغفر لقائلها إلى يوم القيامة، وفي حديث آخر: "يخلق الله من كل حرف ملكا يقول اللهم اغفر لكل من قال

стр. 2045

آمين" (١) قال العلماء: ورد في الحديث النهي أن يسبق المأموم الإمام بآمين، فقد روى الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين عن النبي ﷺ أنه قال لبلال: "يا بلال لا تسبقني بآمين" (٢)؛ يستحب التأمين في الصلاة للإمام والمأموم والمنفرد، ويجهر به الإمام والمنفرد في الصلاة الجهرية، والصحيح أن المأموم أيضًا يجهر به وسواء كان الجمع قليلا أو كثيرا، ويستحب أن يكون تأمين المأموم مع تأمين الإمام لا قبله ولا بعده، وليس في الصلاة موضع يستحب أن يقترن فيه قول المأموم بقول الإمام إلا في قوله آمين، وأما باقي الأقوال فيتأخر قول المأموم فيها عن الإمام، هذا مذهب الشافعي والإمام أحمد بن حنبل؛ وقال مالك في رواية: لا يؤمن المأموم في الجهرية، وعن الإمام مالك أيضًا رواية أن الإمام لا يأتي بالتأمين لحديث: "قسمت الصلاة" وليس فيه التأمين، قلنا: قوله: "إذا أمن الإمام فأمنوا" يرده، وأما "قسمت الصلاة" فالمراد الفاتحة وليس التأمين منها، قال العلماء: فيستحب فصل آمين من الفاتحة لئلا يتوهم متوهم أنها منها والله أعلم، وقال أبو حنيفة والكوفيون ومالك أيضًا في رواية: لا يجهر بالتأمين، وقال الأكثرون: يجهر (٣).

стр. 2046

تنبيه: قال ابن العماد في مصنفاته: وكثير من جهلة العوام إذا فرغ الإمام من قراءة ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ بادروا بالتأمين قبل شروع الإمام فيه وهم مخطئون في إصابة السنة ومحرومون من مغفرة ما تقدم من ذنوبهم بسبب عدم الموافقة في التأمين. فائدة: يستحب في الصلاة خمس سكتات، الأولى: عقيب تكبيرة الإحرام حتى لا يصلها بدعاء الاستفتاح؛ الثانية: يسكت بعد الفراغ من دعاء الاستفتاح سكتة يسيرة ولا يصل القراءة بالدعاء؛ الثالثة: إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ استحب أن سكتة لطيفة ثم يقول آمين لئلا يتوهم متوهم أن آمين من الفاتحة؛ الرابعة: يسكت بين آمين وبين قراءة السورة ولا يصلها بها ويسكت الإمام بقدر ما يقرأ المأموم الفاتحة؛ الخامسة: إذا فرغ من قراءة السورة سكت سكتة لطيفة ولا يصلها بتكبيرة الهوى إلى الركوع والله أعلم (١). لطيفة: في الحديث أنه ﷺ نهى عن المواصلة في الصلاة قال في الإحياء: السنة أن يفصل بين التسليمتين لأن النبي ﷺ نهى عن المواصلة في الصلاة، عزاه رزين إلى الترمذي، قال عبد الله ابن الإمام أحمد: ما كنا ندري ما المواصلة في الصلاة حتى قدم علينا الإمام الشافعي قدس الله سره فمضى إليه أبي فسأله عن أشياء وكان فيما سأله عن المواصلة في الصلاة، وليس في الإحياء قول عبد الله ابن الإمام أحمد إلى آخره فقال الشافعي:
следующие страницы →