← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 2112–2151 · переход к 2117.

стр. 2112

واعلم أن حديث المسيء صلاته الذي رواه أبو هريرة وأخرج نحوه عن رفاعة بن رافع وهو أخو خلاد المسيء صلاته أن رجلا دخل المسجد فصلى فذكر الحديث إلى آخره وسيأتي بعد الكلام على بقية الحديث حديث المسيء صلاته، قال الطوفي القصة في حديث رفاعة والمسيء صلاته فيما أحسب واحدة لكن رفاعة استقصى فيها أكثر من حديث المسيء صلاته، وقال بعضهم يحتمل أنهما قضيتان ولم يذكر أحد تلك الصلاة ما كانت وقد صرح بها النسائي في حديث رفاعة فصلى ركعتين فلعلهما تحية المسجد فعلهما لما دخل وهم في غير الصلاة، واعلم أن حديث المسيء صلاته سبق لبيان الواجبات دون السنن، وقيل: لم يذكر فيه كل الواجبات، وقيل: واجبات مجمع عليها ومختلف فيها لم تذكر في هذا الحديث منها النية وتقدم الكلام عليها مبسوطًا في هذا الباب وغيره، ومنها التعوذ في التشهد الأخير ومنها الصلاة على النبي ﷺ فيه ومنها السلام، وهذه الثلاثة واجبة عند الشافعي، وقال بوجوب السلام الجمهور وبوجوب التشهد كثيرون وبوجوب الصلاة على النبي ﷺ مع الشافعي الشعبي والإمام أحمد بن حنبل وأصحابهما ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد والجمهور أن المشروع تسليمتان ومذهب مالك وطائفة أن المشروع تسليمة واحدة، وهو قول ضعيف عن الشافعي، ومن قال بالتسليمة الثانية فهي عنده سنة، ومنها التشهد وأوجبه كثيرون وهو التحيات وسمي تشهدا لأن فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وهو تفعل من الشهادة، ومنها: التشهد الأول أوجبه الإمام أحمد بن حنبل، ومنها: التسبيحات وتكبيرات الانتقالات عند الإمام

стр. 2113

أحمد، ومنها: الترتيب يعني ترتيب الأركان، ومنها: نية الخروج من الصلاة أوجبه بعض أصحاب الشافعي، واعلم أنه قد أستفيد من سرد الروايات أن فيه أمورًا لم تجب ذكرها بعضهم، الأول: إقامة الصلاة، لم يذكر في الحديث فدل على أنها غير واجبة، قلت: هي في أبي داود وقد اختلف فيها فقيل هي فرض كفاية وقيل فرض في الجمعة دون غيرها لوجوب الجمعة فلذلك يجب الدعاء إليها والخلاف فيها، وفي الآذان واحد؛ الثاني: دعاء الاستفتاح سنة لأنه لم يذكر فيه، قلنا: بلى قد ذكر وقع ذلك فهو متفق على عدم وجوبه بل قال مالك ﵀ بكراهته ومن عزا وجوبه إلى الشافعي فقد وهم؛ الثالث: القعود ورفع اليدين ووضع اليمنى على اليسرى وبقية السنن مما لم يذكر فليس بواجب، وقد ثبتت تسميته بأدلة أخرى؛ الرابع: استدلال بعض المالكية على عدم وجوب التشهد لكونه لم يذكر، قلنا: هو في أبي داود والنسائي وغيرهما ولوجوبه أدلة منها: كنا نقول قبل أن يفرض التشهد السلام على الله، الحديث، رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح، وقد ثبت الأمر به في الصحيحين؛ الخامس: استقلال الحنفية على عدم وجوب السلام بعدم ذكره فيه، قلنا: لوجوبه أدلة (١) منها حديث أبي داود وغيره: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم" (٢).

стр. 2114

واعلم أن الصلاة شروط وأركان وأبعاض وسنن قد ذكر الفقهاء في كتب الفقه (١). فأما شروطها فقسمان شروط لوجوبها وهي أربعة الإسلام والعقل والبلوغ والطهارة (٢)، وأما شروط صحتها فمعرفة دخول الوقت يقينا أو ظنًا (٣) ومعرفة القبلة (٤) والطهارة من الحدث والخبث وهو اجتناب النجاسات في بدنه وثوبه ومكانه (٥)؛ الرابع: ستر العورة، وعورة الرجل من سرته إلى ركبته، وعورة الحرة جميع بدنها إلا الوجه والكفين حتى لو بان منها شعرة أو من رجلها بعض ظفر فلا تصح صلاتها، وعورة الأمة: كالرجل والأولى ستر بدنها كله (٦). الخامس: معرفة كيفية الصلاة وفرضيتها (٧)؛ السادس: تمييز فرائضها من سننها وإن كان عاميا، واعتقد أن الجميع فرض صح وإلا لم تصح صلاته وكذلك فى الوضوء إن اعتقد العامى إن اعتقد أن الجميع فرض صح الوضوء

стр. 2115

وإلا لم يصح وضوءه (١)، ومما يبطل الصلاة الكلام وأن لا يتكلم في الصلاة بكلام أجنبي لا يتعلق بالصلاة فتبطل بالنطق بحرفين أو حرف معهم (كقِ) من الوقاية و (عِ) من الوعاية (٢)، ومما يبطلها البكاء ولو كان من الخشية والأنين والضحك والنفخ والتنحنح إلا من الغلبة (٣)، ويبطلها الفعل الكثير كثلاث ضربات أو خطوات متواليات (٤)، ويبطلها الأكل ولو سمسسمة والمص مبطل (٥) فهذه الشروط. تنبيه: والتحقيق أن شرطها ما يعتبر في صحتها متقدما عليها ومستمرا فيها، والركن ما تركبت منه مع اشتراكهما في أن كلا منهما لا بد منه، وعلى هذا يكون الركن والشرط خاصين تحت أعم وهو الواجب ويمكن استحضار الصلاة دون شروطها، ولا يمكن تصور حقيقتها إلا بتصور جميع أجزائها قاله الكمال الدميري (٦).

стр. 2116

وأما الأبعاض فهي ست وهي التي تسن سجود السهو لها وسميت أبعاضا لقربها من الفرض، وهذه الأبعاض سنة إن تركها عمدًا أو سهوا لا تبطل الصلاة وهي القنوت والقيام له والتشهد الأول والتعوذ له والصلاة على النبي ﷺ فيه والصلاة على آله في الأخير (١)، فإذا علمت ذلك فيما سوى الشروط والأركان والأبعاض فهو سنن لا تقتضي سجود السهو، وقد عد صاحب التنبيه السنن فقال: وسننها أربع وثلاثون (٢)، فمن أراد الزيادة على ذلك فليراجع كتب الفقه والله أعلم بالصواب. ٧٦٣ - وَعَن رِفَاعَة بن رَافع ﵁ قَالَ كنت جَالِسا عِنْد رَسُول الله ﷺ إِذْ جَاءَ رجل فَدخل الْمَسْجِد فصلى فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ فِيهِ فَقَالَ الرجل لا أَدْرِي مَا عبت عَليّ فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ إِنَّه لَا تتمّ صَلَاة أحدكُم حَتَّى يسبغ الْوضُوء كَمَا أمره الله وَيغسل وَجهه وَيَديه إِلَى الْمرْفقين وَيمْسَح رَأسه وَرجلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثمَّ يكبر الله وَيَحْمَدهُ ويمجده وَيقْرَأ من الْقُرْآن مَا أذن الله لَهُ فِيهِ وتيسر ثمَّ يكبر ويركع فَيَضَع كفيه على رُكْبَتَيْهِ حَتَّى تطمئِن مفاصله وَتَسْتَرْخِي ثمَّ يَقُول سمع الله لمن حَمده وَيَسْتَوِي قَائِما حَتَّى يَأْخُذ كل عظم مأخذه وَيُقِيم صلبه ثمَّ يكبر فَيسْجد وَيُمكن جَبهته من الأَرْض حَتَّى تطمئِن مفاصله وَتَسْتَرْخِي ثمَّ يكبر فيرفع رَأسه وَيَسْتَوِي قَاعِدا على مقعدته وَيُقِيم صلبه فوصف الصَّلَاة هَكَذَا حَتَّى فرغ ثمَّ قَالَ لَا تتمّ صَلَاة أحدكُم حَتَّى يفعل

стр. 2117

ذَلِك" رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَهَذَا لَفظه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَقَالَ فِي آخِره فَإِذا فعلت ذَلِك فقد تمت صَلَاتك وَإِن انتقصت مِنْهَا شَيْئا انتقصت من صَلَاتك (١) قَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر النمري هَذَا حَدِيث ثَابت. قوله: عن رفاعة بن رافع هو رفاعة بن رافع الزرقي، منسوب إلى جد له يقال له زريق بتقديم الزاي هو وأبوه صحابيان، روى له عن رسول الله ﷺ أربعة وعشرون حديثًا (٢)، توفي في خلافة معاوية تقدم الكلام عليه قريبًا مبسوطًا. قوله ﷺ : "إنه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى ويغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين" تقدم الكلام على إسباغ الوضوء في مواضع من هذا التعليق. وأما قوله ﷺ : "فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين" إلى قوله: "ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين" فذكر الفروض الأربع المذكورة في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٣) الآية.

стр. 2118

قوله ﷺ : "فيضع كفيه على ركبتيه" وهذا أحد أقل الركوع أن تبلغ راحتاه ركبتيه ولا يكفي بلوغ الأصابع، وهذا عند اعتدال الخلقة فلا عبرة بطويل اليدين ولا قصيرهما (١)، وفي حديث آخر: "وامدد ظهرك" إشارة إلى الحالة الفضلي، وفيه دليل لما قيل أنه علمه مهمات الفرائض ومهمات الصفات المحبوبة فيها. قوله ﷺ : ويمكن جبهته من الأرض، وفي رواية "فيمكن" وفي رواية: "فتمكن لسجودك" دليل على وجوب التحامل بثقل الرأس وهو الصحيح من مذهب الشافعي بحيث لو كان تحت الجبهة قطن أو طين لانخفض (٢). قوله ﷺ : فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، أي: ولم تبق إلا السلام. قوله ﷺ : "فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك وإن انتقصت منه شيئًا انتقصت من صلاتك" أي فإن كانت فرضا بطلت وإن كانت سنة فقد فات ثواب تلك السنة واستدل أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بكونه جعلها ناقصة على الجواز بغير طمأنينة، فأما لو نقص ركوعا لزمه القول بالجواز ولا قائل به والله أعلم. ٧٦٤ - وَعَن عمار بن يَاسر ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الرجل لينصرف وَمَا كتب لَهُ إِلَّا عشر صلَاته تسعها ثمنهَا سبعها سدسها

стр. 2119

خمسها ربعهَا ثلثهَا نصفهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه بِنَحْوِهِ (١). قوله: عن عمار بن ياسر، تقدم. قوله ﷺ : "إن الرجل لينصرف من صلاته وما كتب له إلا تسعها ثمنها سبعها سدسها" الحديث، أراد بذلك والله أعلم عدم إتمام الركوع والسجود. ٧٦٥ - وَعَن أبي الْيُسْر ﵁ أَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: مِنْكُم من يُصَلِّي الصَّلَاة كَامِلَة ومنكم من يُصَلِّي النّصْف وَالثلث وَالرّبع وَالْخمس حَتَّى بلغ الْعشْر رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد حسن (٢) وَاسم أبي الْيُسْر بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تَحت وَالسِّين الْمُهْملَة مفتوحتين كَعْب بن عمر السّلمِيّ شهد بَدْرًا. قوله: عن أبي اليسر، واسم أبي اليسر بالياء المثناة تحت والسين المهملة مفتوحتين كعب بن عمرو السلمي شهد بدرا قاله الحافظ. قوله ﷺ : "منكم من يصلي الصلاة كاملة ومنكم من يصلي النصف والثلث والربع والخمس حتى بلغ العشرة" الحديث، وقد جاء في الحديث أنه يكتب له من الصلاة ما حضر قلبه فيها وإن العبد يصلي فيكتب له نصفها حتى انتهى إلى عشرها ووقف فهي خمس في حق من كتب له عشرها وعشر

стр. 2120

في حق من كتب له أكثر من ذلك وخمسون في حق من كتب له كملت صلاته وأداها بما يلزمه من تمام خشوعها وكمال سجودها وركوعها، ذكره السهيلي في الروض الأنف على سيرة ابن هشام (١). ٧٦٦ - وِعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الصَّلَاة ثَلَاثَة أَثلَاث الطّهُور ثلث وَالرُّكُوع ثلث وَالسُّجُود ثلث فَمن أَدَّاهَا بِحَقِّهَا قبلت مِنْهُ وَقبل مِنْهُ سَائِر عمله وَمن ردَّتْ عَلَيْهِ صلَاته رد عَلَيْهِ سَائِر عمله رَوَاهُ الْبَزَّار وَقَالَ لا نعلمهُ مَرْفُوعا إِلَّا من حَدِيث الْمُغيرَة بن مُسلم (٢). قَالَ الْحَافِظ وَإِسْنَاده حسن. قوله: عن أبي هريرة. قوله ﷺ : "الصلاة ثلاثة أثلاث الطهور ثلث والركوع ثلث والسجود ثلث" الحديث، الطهور بفتح الطاء ما يتطهر به من مائع وجامد، وبضمها هو التطهر به وهو المراد ها هنا، وقال النووي: المراد بالطهور الوضوء وهو أعم من ذلك إذ يشتمل الوضوء والغسل وغيرهما والله أعلم.

стр. 2121

٧٦٧ - وَعَن حُرَيْث بن قبيصَة ﵁ قَالَ قدمت الْمَدِينَة وَقلت اللَّهُمَّ ارزقني جَلِيسا صَالحا قَالَ فَجَلَست إِلَى أبي هُرَيْرَة فَقلت إِنِّي سَأَلت الله أَن يَرْزُقنِي جَلِيسا صَالحا فَحَدثني بِحَدِيث سمعته من رَسُول الله ﷺ لَعَلَّ الله أَن يَنْفَعنِي بِهِ فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد يَوْم الْقِيَامَة من عمله صلَاته فَإِن صلحت فقد أَفْلح وأنجح وَإِن فَسدتْ فقد خَابَ وخسر وَإِن انْتقصَ من فريضته قَالَ الله تَعَالَى انْظُرُوا هَل لعبدي من تطوع يكمل بِهِ مَا انْتقصَ من الْفَرِيضَة ثمَّ يكون سَائِر عمله على ذَلِك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (١). قوله: عن الحارث بن قبيصة. قوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما يجاء به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وإن فسدت فقد خاب وخسر وإن انتقص من فريضته قال الله تعالى انظروا هل لعبدي من تطوع يكمل به ما انتقص من الفريضة" الحديث، تقدم الكلام على ذلك مبسوطا. ٧٦٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ صلى رَسُول الله ﷺ يَوْمًا ثمَّ انْصَرف فَقَالَ يَا فلَان أَلا تحسن صَلَاتك أَلا ينظر الْمُصَلِّي إِذا صلى كَيفَ يُصَلِّي فَإِنَّمَا

стр. 2122

يُصَلِّي لنَفسِهِ إِنِّي لأَبْصر من ورائي كَمَا أبْصر من بَين يَدي رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ الظّهْر فَلَمَّا سلم نَادَى رجلا كَانَ فِي آخر الصُّفُوف فَقَالَ يَا فلَان أَلا تتقي الله أَلا تنظر كَيفَ تصلي إِن أحدكُم إِذا قَامَ يُصَلِّي إِنَّمَا يقوم يُنَاجِي ربه فَلْينْظر كَيفَ يناجيه إِنَّكُم ترَوْنَ أَنِّي لَا أَرَاكُم إِنِّي وَالله لأرى من خلف ظَهْري كَمَا أرى من بَين يَدي (١). قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على بعض مناقبه. قوله ﷺ : "يا فلان ألا تحسن صلاتك، ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي، فإنما يصلي لنفسه، إني لأبصر من ورائي كما أبصر بين يدي" الحديث، وفيه الأمر بإكمال التعظيم والخشوع وإتمام الركوع والسجود، وفيه إشارة إلى إخلاص القلب وحضوره وتفريغه لذكر الله تعالى وتحميده وتلاوة كتابه وتدبره (٢) والله أعلم. وفي صحيح مسلم أيضًا من حديث أنس قال: بينما رسول الله ﷺ ذات يوم إذ أقيمت الصلاة فقال: أيها الناس إني أمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا برفع رؤوسكم فإني أراكم من أمامي ومن خلفي الحديث، قال ابن بطال: فيه أنه ينبغي للإمام إذا رأي أحدا مقصرا في شيء من أمور دينه أو

стр. 2123

ناقصا للكمال أن ينهاه عن فعله ويحضه على ما له فيه جزيل الحظ ألا ترى أن النبي ﷺ وبخ من نقص كمال الركوع والسجود ووعظهم في ذلك بأنه يراهم وقد أخذ الله على المؤمنين ذلك إذا مكنهم في الأرض بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) الآية (٢). قوله: إني لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي، فيه تأويلان، أحدهما: أنه من رؤية العين، والثاني: قيل من رؤية القلب قاله عياض، وقال عياض أيضًا: قال الإمام أحمد بن حنبل وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤية بالعين حقيقية (٣)، وقال النووي: قال العلماء معناه: أن الله خلق له. ﷺ إدراكا في قفاه يبصر به من ورائه، وقد انخرقت العادة له ﷺ بأكثر من هذا أو ليس يمنع من هذا عقل ولا شرع بل ورد الشرع بظاهره، فوجب القول به (٤)، وقد كان رسول الله ﷺ يرى أصحابه في الصلاة وهم خلفه كما يراهم أمامه ورأى بيت المقدس عيانًا وهو بمكة ورأى قصور الشام وأبواب صنعاء ومدائن كسرى وهو بالمدينة يحفر الخندق، ورأى أمراء مؤتة وقد أصيبوا وهو بالمدينة ورأى النجاشي بالحبشة لما مات وهو

стр. 2124

بالمدينة فخرج إلى المصلي فصلى عليه ورأى عمر ﵁ سارية بنهاوند من أرض فارس هو وعساكر المسلمين وهم يقاتلون عدوهم فناداه يا سارية الجبل (١). قوله ﷺ : "أن أحدكم إذا قام يصلي قائما يقوم يناجي ربه فلينظر كيف يناجيه" المناجي المخاطب للإنسان والمحدث له. قوله ﷺ : "إنكم ترون إني لا أراكم" ترون معناه: تظنون. قوله ﷺ : "والله لأري من خلف ظهري كما أرى من بين يدي" فيه: جواز الحلف بالله من غير ضرورة لكن المستحب تركه إلا لحاجة كتأكيد أمر وتفخيمه والمبالغة في تحقيقه وتمكنه من النفوس (٢)، وعلى هذا يحمل ما جاء في الأحاديث من الحلف، وأما الرؤية في قوله: "إني لأراكم من بين يدي" فيحتمل أنه يراهم بما يوحي إليه من أفعالهم وهيئاتهم في الصلاة لأن الرؤية قد يعبر بها عن العلم، وأن يراهم بما خص به ﷺ بأن زيد في قوة البصر حتى يرى من وراءه، قال أحمد: إنه يرى من وراءه كما يرى بعينه، والجمهور على أن هذا من خصائصه، وفيه دليل للأشاعرة حيث لا يشترطون في الرؤية مواجهة ولا مقابلة، قاله الكرماني (٣).

стр. 2125

٧٦٩ - وَعَن عُثْمَان بن أبي دهرش ﵁ عَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ لَا يقبل الله من عبد عملا حَتَّى يشْهد قلبه مَعَ بدنه رَوَاهُ مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي فِي كتاب الصَّلَاة هَكَذَا مُرْسلا وَوَصله أَبُو مَنْصُور الديلمي فِي مُسْند الفردوس بِأبي بن كَعْب والمرسل أصح (١). قوله: عن عثمان بن أبي دهرش [يروي عن: آل الحكم بن أبي العاص روى عنه: سفيان بن عيينة، ويحيى بن سليم (٢)]. قوله ﷺ : "لا يقبل الله من قلب عبد عملا حتى يشهد قلبه مع بدنه" أي: يحضر قلبه مع بدنه. قوله: رواه محمد بن نصر المروزي مرسلا، تقدم الكلام على الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين. ٧٧٠ - وَعَن الْفضل بن الْعَبَّاس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الصَّلَاة مثنى مثنى تشهد فِي كل رَكْعَتَيْنِ وتخشع وتضرع وتمسكن وتقنع يَديك تَقول ترفعهما إِلَى رَبك مُسْتَقْبلا ببطونهما وَجهك وَتقول يَا رب يَا رب من لم يفعل ذَلِك فَهِيَ كذَا وَكذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَتردد فِي ثُبُوته رَوَوْهُ كلهم عَن لَيْث بن سعد حَدثنَا عبد ربه بن سعيد عَن عمرَان بن

стр. 2126

أبي أنس عَن عبد الله بن نَافِع ابْن العمياء عَن ربيعَة بن الْحَارِث عَن الْفضل وَقَالَ التِّرْمِذِيّ قَالَ غير ابْن الْمُبَارك فِي هَذَا الحَدِيث من لم يفعل ذَلِك فَهِيَ خداج وَقَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يَعْنِي البُخَارِيّ يَقُول روى شُعْبَة هَذَا الحَدِيث عَن عبد ربه فَأَخْطَأَ فِي مَوَاضِع قَالَ وَحَدِيث لَيْث بن سعد أصح من حَدِيث شُعْبَة (١). قَالَ الْحَافِظ وَعبد الله بن نَافِع ابْن العمياء لم يرو عَنهُ غير عمرَان بن أبي أنس وَعمْرَان ثِقَة وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من طَرِيق شُعْبَة عَن عبد ربه عَن ابْن أبي أنس عَن عبد الله بن نَافِع ابْن العمياء عَن عبد الله بن الْحَارِث عَن الْمطلب بن أبي ودَاعَة وَلَفظ ابْن مَاجَه قَالَ رَسُول الله ﷺ الصَّلَاة مثنى مثنى وَتشهد فِي كلّ رَكْعَتَيْنِ وتبأس وتمسكن وتقنع وَتقول اللَّهُمَّ اغْفِر لي فَمن لم يفعل ذَلِك فَهِيَ خداج (٢). قَالَ الْخطابِيّ: أَصْحَاب الحَدِيث يغلطون شُعْبَة فِي هَذَا الحَدِيث ثمَّ حكى قَول البُخَارِيّ الْمُتَقَدّم وَقَالَ قَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان فِي هَذَا الحَدِيث مثل قَول البُخَارِيّ وَخطأ شُعْبَة وَصوب لَيْث بن سعد وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق

стр. 2127

ابن خُزَيْمَة (١) قَالَ: وَقَوله تبأس مَعْنَاهُ إِظْهَار الْبُؤْس والفاقة وتمسكن من المسكنة وَقيل مَعْنَاهُ السّكُون وَالْوَقار وَالْمِيم مزيدة فِيهَا وإقناع الْيَدَيْنِ رفعهما فِي الدُّعَاء وَالْمَسْأَلَة والخداج مَعْنَاهُ هَا هُنَا النَّاقِص فِي الْأجر والفضيلة (٢) انْتهى. قوله: عن الفضل بن العباس، هو: الفضل بن العباس عم رسول الله ﷺ بن عبد المطلب الهاشمي أردفه ابن عمه رسول الله ﷺ ، وكان أسن من شقيقه عبد الله، روى عنه أخوه عبد الله وأبو هريرة وابن عمه ربيعة بنم الحارث، قال الواقدي: مات في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة على الأصح، وقال ابن معين: قتل يوم اليرموك، وقال أبو داود: قتل بدمشق، وكان عليه درع النبي ﷺ ، قال ابن سعد: وكان أسن ولد أبيه، غزا مع النبي ﷺ مكة وحنينا وثبت يومئذ وكان فيمن غسل النبي ﷺ وولي دفنه ثم خرج بعد ذلك إلى الشام مجاهدا فمات بناحية الأردن في الطاعون (٣) قاله في شرح الإلمام، روى له عن رسول الله ﷺ أربعة وعشرون حديثا، روى البخاري منها اثنان (٤). قوله: "الصلاة مثني مثني" أي: ركعتين ركعتين، وفي صحيح مسلم عن عقبة بن حريث فقيل: لابن عمر: ما مثنى مثني؟ قال: أن تسلم من كل ركعتين (٥)،

стр. 2128

أي: يتشهد ويسلم فهي ثنائية لا رباعية، ومثنى معدول عن اثنين اثنين (١)، قال الله : ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٢) وهذه الأحاديث كلها محمولة على بيان الأفضل وهو أن يسلم من كل ركعتين وسواء نوافل الليل والنهار (٣)، وفيه: أن الأفضل في نافلة الليل أن يسلم من كل ركعتين وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد والجمهور، وقال الترمذي في جامعه، والعمل على هذا عند أهل العلم أن صلاة الليل مثنى مثني، وقال أبو حنيفة: الأفضل أن يصلي أربعا أربعًا وإن شاء ركعتين وإن شاء ستا ستا وإن شاء ثمانيا، وتكره الزيادة على ذلك (٤)، وذهب الشافعي والأكثرون إلى جواز الزيادة في صلاة الليل على ركعتين، وذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء إلى أن الأفضل في نوافل النهار أيضًا التسليم من كل ركعتين (٥)، واحتج الجمهور بما رواه أصحاب السنن الأربعة عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" (٦) فالأفضل في النفل أن يسلم من كل

стр. 2129

ركعتين ليلا كان أو نهارا، وقال البخاري في صحيحه عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال: ما أدركت فقهاء أرضنا إلا يسلمون من كل ركعتين من النهار (١)، وذكر أحاديث تدل على ذلك وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين، وكذلك الضحى ركعتان ركعتان والعيد والاستسقاء وكلها في النهار، نعم صلاة الزوال وصلاة التسبيح جاءت رباعية فيتبع بما ورد، وقد تقدم أن الكل واسع، وهذا الحديث يعني الذي رواه أصحاب الأربعة وما في معناه حجة على من قال: إن الأفضل في نوافل الليل والنهار أن يكون أربعًا أربعًا (٢)، وإن قيل بأن صلاة النهار أيضا مثنى فليس المراد بذلك أنه يتعين كونها مثنى بل الأفضل فيها ذلك، فتطوع الليل أفضل من تطوع النهار لقوله ﷺ "أفضل الصلاة بعد الفرض صلاة الليل" (٣) وفعله في البيت أفضل من فعله في المسجد لقوله ﷺ : "صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة" (٤). فرع: لو جمع ركعات بتسليمة واحدة واقتصر على تشهد واحد جاز، وقد صرح بذلك أصحابنا وغيرهم (٥).

стр. 2130

فرع آخر: ولا حصر للنفل المطلق فإن أحرم بأكثر من ركعة فله التشهد في كل ركعتين وفي كل ركعة، قال النووي: قلت الأصح منعه من كل ركعة (١) والله أعلم. سؤال: لم جعلت الصلاة مثني وثلاث ورباع؟ يقال: لأن الله تعالى جعل أجنحة الملائكة مثنى وثلاث ورباع كما في قوله تعالى على الملائكة: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ (٢) الآية، فجعل أجنحتك التي تطير بها إلى الله تعالى موافقة لأجنحتهم فيستغفروا لك قاله في كشف الأسرار (٣). قوله: "وتبأس" معناه إظهار البؤس والفاقة (٤). قوله: "وتمسكن" من المسكنة والمسكنة فقر النفس (٥) وربما إذا نسبه إلى إلى المساكين، وقيل معناه السكون والوقار والميم مزيدة (٦) فيها قاله الحافظ الحافظ المنذري، وقال بعضهم وتمسكن أي يذل ويخضع وهو تفعل من السكون والقياس أن يقال تسكن وهو الأكثر الأفصح وقال: جاء على الأول أحرف قليلة قالوا: تمدرع وتمنطق وتمندل (٧) والله أعلم، قاله المنذري.

стр. 2131

قوله: "وتقنع يديك" بضم التاء المثناة من فوق وسكون القاف وكسر النون وبالعين المهملة، وإقناع اليدين رفعهما في الدعاء والمسألة (١) كذا فسره المنذري، وفي حديث آخر: "ولا يقنع رأسه" أي: لا يخفضه كثيرًا أو يميله إلى الآخر قاله في النهاية (٢)، قال الخطابي ﵀: إن من الأدب أن يكون اليدان في حال رفعهما مكشوفين غير مغطائين في الدعاء (٣). قوله: "ويقول يا رب يا رب" أي: إلا قال له ربه لبيك. قوله: "فمن لم يفعل ذلك فهي خداج" والخداج الناقص في الأجر والفضيلة قاله الحافظ. وقال في النهاية: يقال أخدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوانه وإن كان تام الخلق، وأخدجته إذا قلدته ناقص الخلق وإن كان لمقام الحمل، وإنما قال فهي خداج وانخداج مصدر على حذف المضاف أي ذات خداج أو يكون قد وصفها بالمصدر نفسه مبالغة كقوله "فإنما هي إقبال وإدبار" أي: صلاته ذات خداج أي ناقصة (٤). قوله في الكلام على رجال الحديث عن المهلب بن أبي وداعة، صوابه: المطلب بن ربيعة، وقوله ابن أبي وداعة وهم من ابن ماجه قاله ابن عساكر في

стр. 2132

الأطراف (١) والمنذري في مختصر السنن (٢) والمطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، صحابي، روى عن النبي ﷺ ، ليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث (٣)؛ وأما المطلب بن أبي وداعة السمهي فروى عن النبي ﷺ وله في الكتب الستة ثلاثة أحاديث (٤)؛ وأما عمران بن أبي أنس فذكر أبو سعيد بن يونس في تاريخ المصريين (٥)، وروى له هذا الحديث، وقال: لست أعرفه بغير ذلك، وقال الحافظ المنذري: هو ثقة (٦). ٧٧١ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ قَالَ الله إِنَّمَا أتقبل الصَّلَاة مِمَّن تواضع بهَا لعظمتي وَلم يستطل على خلقي وَلم يبت مصرا على معصيتي وَقطع النَّهَار فِي ذكري ورحم الْمِسْكِين وَابْن السَّبِيل والأرملة ورحم الْمُصَاب ذَلِك نوره كنور الشَّمْس أكلؤه بعزتي وأستحفظه ملائكتي أجعَل لَهُ فِي الظلمَة نورا وَفِي الْجَهَالَة حلما وَمثله فِي خلقي كَمثل الفردوس فِي الْجنَّة رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة عبد الله بن وَاقد الْحَرَّانِي وَبَقِيَّة رُوَاته ثِقَات (٧).

стр. 2133

قوله: عن ابن عباس، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "قال الله تعالى: "إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي" التواضع هو الخضوع. قوله: "ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة" والمسكين هو الذي يقدر على مال أو كسب لا يقع من نطاق كفايته؛ وابن السبيل: هو الذي ينشأ بسفر أو مجتاز. قوله: "والأرملة" هي التي توفي عنها زوجها، والمصاب: هو الذي أصابته مصيبة في ماله أو نفسه أو ولده. قوله: "ذلك نوره كنور الشمس أكلأه بعزتي" أي أحفظه وأحرسه "وأستحفظه ملائكتي" أي: أجعل الملائكة حراسا عليه لما عساه من شيء يؤذيه. قوله: رواه البزار من رواية عبد الله بن واقد الحراني [هو، أبو قتادة الحراني، مولى بني حمان قال أحمد: ثقة، إلا أنه كان ربما أخطأ، وكان من أهل الخير، يشبه النساك، وكان له حركة وذكاء وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سئل أبي عن أبي قتادة الحراني، فقال: ما به بأس، رجل صالح، يشبه

стр. 2134

أهل النسك والخير، إلا أنه كان ربما أخطأ. قيل له: إن قوما يتكلمون فيه؟ قال: لم يكن به بأس. قلت: إنهم يقولون: لم يفصل بين سفيان ويحيى بن أبي أنيسة. قال: لعله أختلط، أما هو فكان ذكيا. فقلت: إن يعقوب بن إسماعيل بن صبيح ذكر: أن أبا قتادة الحراني كان يكذب. فعظم ذلك عنده جدا، وقال: كان أبو قتادة يتحري الصدق، وأثني عليه، وذكره بخير، وقال: قد رأيته يشبه أصحاب الحديث، وأظنه كان يدلس، ولعله كبر فاختلط، والله أعلم، ووثقه يحيى فى رواية ووهاه فى أخرى، وضعفه أبو حاتم، وتركه البخارى ومسلم والنسائي وغيرهم (١)]. ٧٧٢ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن العَبْد إِذا صلى فَلم يتم صلَاته خشوعها وَلَا ركوعها وَأكْثر الِالْتِفَات لم تقبل مِنْهُ وَمن جر ثَوْبه خُيَلَاء لم ينظر الله إِلَيْهِ وَإِن كَانَ على الله كَرِيمًا"رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (٢). قوله: عن عبد الله بن مسعود تقدم. قوله ﷺ : "إن العبد إذا صلى فلم يتم صلاته خشوعها ولا ركوعها وأكثر الالتفات لم تقبل منه" الحديث، تقدم الكلام على الخشوع والركوع في

стр. 2135

الأحاديث المتقدمة، وأما الالتفات فالمراد به ليُّ العنق ما لم يلتفت بصدره فإذا التف بصدره بطلت صلاته، وسيأتي الكلام على ذلك في بابه مبسوطا والله أعلم. قوله: "ومن جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه وإن كان على الله كريمًا" الخيلاء بالمد الكبر والعجب. فرع: العبث في الصلاة مكروه نقله الرافعي في الشهادات عن صاحب العدة أنه حرام من الصغائر، واعترض عليه النووي بأن المشهور في كتب الأصحاب كراهته، فلو سقط رداؤه أو تطايرت عمامته يكره له تسويته إلا لضرورة قاله في الإحياء (١). ٧٧٣ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أول شَيْء يرفع من هَذِه الْأمة الْخُشُوع حَتَّى لَا ترى فِيهَا خَاشِعًا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (٢) وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي آخر حَدِيث مَوْقُوفا على شَدَّاد بن أَوْس وَرَفعه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا وَالْمَوْقُوف أشبه (٣).

стр. 2136

قوله: "عن أبي الدرداء" واسمه عويمر تقدم. قوله ﷺ : "أول شيء يرفع من هذه الخشوع حتى لا يرى فيها خاشعا" الحديث، الخشوع في أصل اللفظ الانخفاض والذل والسكون قال الله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ (١) أي: سكنت وذلت وخضعت، ومنه وصف الأرض بالخشوع وهو يبسها وانخفاضها وعدم ارتفاعها بالهدي والنبات، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ (٢) (٣) وقيل: الخشوع الخضوع والتذلل والتواضع في البدن والصوت والبصر وهو سكون المرء في صلاته (٤)، وقال عمرو بن دينار: الخشوع السكون وحسن الهيئة (٥)، وقال الإمام [مالك] في العتبية فيما حكاه الباجي في الشفاء: الخشوع في الصلاة الإقبال عليها (٦) وقد مدح الله تعالى من كان خاشعا فى الصلاة مقبلا عليها

стр. 2137

بقلبه قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ (١) (٢) فمدحهم بعد الإيمان بصلاة مخصوصة وهي المقرونة بالخشوع ثم ختم أوصاف المفلحين بالصلاة فقال في آخرها: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤)﴾ (٣) ثم قال في ثمرة تلك الصفات: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ (٤) فالمصلون هم هم ورثة الفردوس وهم المشاهدون لنور الله تعالى والمتبعون لثمرته (٥)، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٦) يعني خائفين ساكنين (٧)، وقيل: الخشوع هو السكون فيها رواه البيهقي عن مجاهد، وقيل: وقيل: الخشوع الخوف رواه البيهقي عن الحسن، وقيل: الخشوع: أن لا يحدث نفسه في الصلاة كما في حديث عثمان: "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه" وقد اختلفت عبارات القوم في الخشوع فقال بعضهم: الخشوع قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذلة والجمعية عليه، وقيل: الخشوع خمود

стр. 2138

نيران الشهوة وسكون تعالى الصدر وإشراف نور التعظيم فى القلب (١)، وقال بعضهم: الخشوع حالة في القلب يظهر أثرها على الجوارح من الإخبات والسكون (٢)، وقال الإمام فخر الدين: اختلفوا في الخشوع فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف فإذا خشع القلب خشعت الجوارح لأنه ملكها، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون، ومنهم من قال إنه مجموع الأمرين وهو أولى (٣) ولا يختص بالصلاة، فقد روي عن بعضهم أنه لم يرفع يرفع رأسه إلى السماء أربعين سنة حياء من الله تعالى (٤). وروى الترمذي الحكيم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ رأى رجلا يبعث بالهيئة في الصلاة فقال "لو يخشع قلب هذا لخشعت جوارحه" ونظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصى ويقول: اللهم زوجني من الحور العين، فقال: بئس الخاطب أنت أنت تخطب [الحور العين] و [أنت] تعبث [بالحصي] (٥)، وكان بعض الصالحين يقول أعوذ بالله من خشوع النفاق فقيل وما خشوع النفاق قال أن يرى البدن خاشعا والقلب غير خاشع (٦). [وقال حذيفة ﵁: أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من

стр. 2139

دينكم الصلاة، ورب مصل لا خير فيه، ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيهم خاشعًا، وقال سهل: من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان (١)]. فائدة: قد اختلف العلماء في الخشوع هل هو سنة أو واجب؟ فحكى النووي في شرح المهذب الاتفاق على أنه سنة وليس بواجب (٢) وقد نقل عن الشافعي قوله عرفت أن ذهاب الخشوع يبطل الصلاة (٣)، قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: والذي يتعين أنها تكره وقيل أنه شرط في جزء من الصلاة وليس للإنسان من صلاته إلا ما عقل منها (٤) وفي كلام غير واحد من العلماء ما يقتضي وجوبه (٥) ومما يدل على وجوبه ما رواه الإمام أحمد والنسائي وابن حبان في صحيحه من حديث عمار بن ياسر ﵁ أنه صلى ركعتين، فقال له عبد الرحمن بن الحارث: يا أبا اليقظان، لا أراك إلا قد خففتهما، قال: هل نقصت من حدودها شيئا؟ قال: لا، ولكن خففتهما قال: إني بادرت بهما السهو، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرجل ليصلي ولعله أن لا يكون له من صلاته إلا عشرها، وتسعها، أو ثمنها، أو سبعها" حتى انتهى إلى آخر العدد" (٦) الحديث وتقدم مثله.

стр. 2140

فائدة أيضًا: فإن قيل فما تقولون في حالة من عدم الخشوع في صلاته هل يعتد له بها أم لا؟ قيل أما الاعتداد له بها في الثواب فلا يعتد له منها إلى بما عقل فيه وخشع فيه لربه تبارك وتعالي، قال ابن عباس ﵁ ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها وفي السنن والمسند مرفوعًا "إن العبد ليصلي الصلاة ما يكتب له منها إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها حتى بلغ عشرها" (١) وقد علق الله تعالى فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم وقال ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ (٢) فدل على أن من لا يخشع فيها فليس من أهل الفلاح ولو اعتد له بها شيء لكان من المفلحين وأما الاعتداد بها في أحكام الدنيا وسقوط القضاء فإن غلب عليها الخشوع وتعقلها اعتد له بها إجماعا وكانت السنن والأذكار عقيبها جوائز ومكملات لبعضها وإن غلب عليه عدم الخشوع فيها وعدم تعقلها فقد اختلف العُلماء في وجوب إعادتها فأوجبها عبد الله بن حامد من أصحاب الإمام أحمد وأبو حامد الغزالي في إحيائه لا في وسيطه وبسيطه واحتج بأنها صلاة لا يثاب عليها ولم يضمن له فيها الفلاح فلم تبرأ ذمته منها ولم يسقط القضاء عنه كصلاة المرائي قال والعقل روح الصلاة ومقصودها ولبها فكيف يعتد بصلاة فقدت روحها ولبها وبقيت صورتها وظاهرها، قالوا: ولو ترك

стр. 2141

العبد واجبًا من واجباتها عمدا لأبطلها تركه وغايته أن يكون بعضًا من أبعاضها بمنزلة فوات عضو من أعضاء العبد المعتق في الكفارة فكيف إذا عدمت روحها ولبها ومقصودها وصار بمنزلة العبد الميت فإذا لم يعتد بالكف المقطوع اليد بعتقه تقربا إلى الله تعالى في كفارة واجبة فكيف يعتد بالعبد الميت ولهذا قال بعض السلف: الصلاة كجارية تهدى إلى ملك من الملوك فما الظن بمن يهدي إليه جارية شلاء أو عوراء أو عمياء أو مقطوعة اليد أو الرجل أو مريضة أو زمنة أو قبيحة حتى تهدي جارية ميتة بلا روح أو جارية قبيحة فهكذا الصلاة التي يهديها العبد ويتقرب بها إلى ربه ﵎ والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وليس من العمل الطيب صلاة لا روح فيها كما أنه ليس من العتق الطيب عتق عبد لا روح فيه، قال أصحاب القول الأول: قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين" فذكره إلى أن قال "حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى" وفي آخر الحديث "فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس" (١) قالوا فأمره ﷺ في هذه الصلاة التي أغفله الشيطان عنها حتى لا يدري كم صلى بأن تشهد سجد في السهو ولم يأمره بإعادتها ولو كانت تبطل كما زعمتم لأمره بإعادتها قالوا إن هذا هو السر في سجدتي السهو ترغيما للشيطان في وسوسته العبد وكونه حال

стр. 2142

بينه وبين الحضور في الصلاة ولهذا سماها النبي ﷺ المرغمتين أمر من سها بهما (١) والله أعلم. ٧٧٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس رَضِى الله عَنْهُمَا مَرْفُوعا قَالَ مثل الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة كَمثل الْمِيزَان من أوفى استوفى رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ هَكَذَا وَرَوَاهُ غَيره عَن الْحسن مُرْسلا وَهُوَ الصَّوَاب (٢). قوله: "ابن عباس ﵄" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "مثل الصلاة المكتوبة كمثل الميزان من أوفى استوفى" الحديث، وقال سلمان ﵁: الصلاة مكيال فمن وفى وفى به ومن طفف فقد علمتم ما قيل في المطففين (٣) وقد روي معناه مرفوعا إلى النبي ﷺ من وجوه أخر فيها ضعف، من وفى ما عليه من العمل كاملا وفى له الأجر كاملا ومن سلم ما عليه وفرا نسلم ما له نقدًا لا مؤخرًا (٤). قوله: ورواه غيره عن الحسن يعني البصري مرسلا وهو الصواب تقدم الكلام على الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين.

стр. 2143

٧٧٥ - وَعَن مطرف عَن أَبِيه ﵁ قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي وَفِي صَدره أزيز كأزيز الرَّحَى من الْبكاء رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَلَفظه رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي ولجوفه أزيز كأزيز الْمرجل يَعْنِي يبكي وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا نَحْو رِوَايَة النَّسَائِيّ إِلَّا أَن ابْن خُزَيْمَة قَالَ ولصدره أزيز كأزيز الرَّحَى (١) بزايين هُوَ صَوتهَا والمرجل بِكَسْر الْمِيم وَفتح الْجِيم هُوَ الْقدر يَعْنِي أَن لجوفه حنينا كصوت غليان الْقدر. قوله: "عن مطرف عن أبيه"، وأبو مطرف اسمه عبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب الجرشي من الجرش بطن من بني عامر بن صعصعة العامري، له صحبة ورواية ورفادة، روى عنه بنو مطرف وهانئ ويزيد، وعداده في أهل البصرة (٢)، وروى ابن الأثير بسنده عنه قال: قدمت على رسول الله ﷺ في رهط من بني عامر فسلمنا عليه فقالوا أنت والدنا وأنت سيدنا وأنت أفضلنا فيها فضلا وأطولنا علينا فيها طولا وأنت الحفنة الغراء فقال قولوا بقولكم ولا يسخر الشيطان أو قال الشياطين (٣)، وقال أبو الفرج بن الجوزي: كان مطرف يلبس البرانس، ويلبس المطارف، ويركب الخيل

стр. 2144

ويغشى السلطان توفي ﵁ بعد طاعون جارف لما تولي الحجاج العراق وكان سنة سبع وثمانين في خلافة الوليد بن عبد الملك (١) انتهى. قوله: قال رأيت رسول الله ﷺ يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء" وفي الرواية الأخرى "يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل" يعني يبكي وفي رواية ابن خزيمة "ولصدره أزيز كأزيز الرحى" وأخرجه الترمذي في الشمائل بسند رجاله ثقات وأخرجه ابن حبان وقال وهو قائم وأخرجه الطبراني وقال أزيز بالدعاء وهو كأزيز الرحى هو صوتها وهو بزائين قاله الحافظ. قوله: "ولجوفه أزيز كأزيز المرجل" بكسر الميم وفتح الجيم وهو القدر قاله الحافظ، إنما يعني أن لجوفه خنينا كصوت غليان القدر يفور والخنين من الجوف وهو بالخاء المعجمة وهو صوت البكاء وقيل هو أن يجيش جوفه ويصلي بالبكاء قاله ابن الأثير (٢)، وقال بعضهم المرجل بالكسر الإناء الذي يغلى فيه الماء سواء أكان من حديد أو صفراء أو حجارة أو خزف قيل لأنه إذا انصب كأنه أقيم على أرجل قاله ابن الأثير (٣) ففي هذا الحديث بيان واضح لما كان عليه ﷺ من الخوف والتعظيم (٤) والظاهر أن ذلك وقع في

стр. 2145

وقت خاص لأن الناقلين لصلاته لم يتعرضوا لذلك فدل على أن ابن الشخير شاهد في ذلك الوقت ما علاه من شدة الخوف أو من شدة الابتهال بالدعاء في السجود على رواية الطبراني وقد فسره النسائي بالبكاء على رواية أبي داود وهو قائم فلعل ذلك كان مرة في القيام ومرة في السجود أو كان ابتداؤه في القيام واستمر إلى السجود أو بالعكس وفيه استحباب البكاء في الصلاة في حالة القراءة والسجود وحضور القلب فيهما بالتدبر والخضوع، وفي الصحيح عن عائشة ﵂ قالت إن أبا بكر رجل أسيف لا يملك عينيه إذا قرأ (١)، وكان عمر ﵁ يسمع له نشيج من البكاء (٢) ويحكى أن إبراهيم ﵊ كان يسمع خفقان قلبه كما يسمع خفقان أجنحة الطير (٣)، وأوحى الله تعالى لداود ﵇ يا داود إن لي عبادا تغلي قلوبهم من محبتي حتى لو سمع غليان القلوب لسمعها الواردون من مكان بعيد ولهذا بوب أبو داود على هذا الحديث باب البكاء في الصلاة وزاد النسائي فيه قال يغلي يبكي وقد استدل به على أن النفخ والأزيز والتنحنح لا تبطل الصلاة لغلبة وجود ذلك مع البكاء (٤) وفي النسائي باب التنحنح في

стр. 2146

الصلاة وذكر فيه حديث علي قال كانت لي منزلة من رسول الله ﷺ لم تكن لأحد من الخلائق فكنت آتيه بكل سحر فأقول السلام عليك يا نبي الله فإن تنحنح انصرفت إلى أهلي وإلا دخلت عليه ورواه أحمد وابن ماجه ولفظ أحمد: وكنت إذا دخلت عليه وهو يصلي تنحنح (١). وأما حديث "من نفخ فقد تكلم" (٢) فلم يصح. واعلم أن ما يظهر من ذلك الصوت وإن كان حرفين فأكثر فإنه لا يبطل الصلاة وإن كان معلوما كالسعال ونحوه بخلاف ما له اختيار في دفعه ولو تعذر فيه القراءة الواجبة إلا به لم يضر ومقتضى كلام الرافعي والنووي في كتبهما أنه لا فرق في ذلك بين أن يكثر أم لا نعم في الشرح والروضة أن غلبة الكلام والسعال تفرق فيهما بين الكثير وغيره كالتنحنح قال الإمام جمال الدين الإسنوي: والصواب التسوية في الجميع وعدم الإبطال لعذر أو كان احتراز (٣). فائدة: لو تنحنح إمامه أو بكى ونحو ذلك وظهر منه حرفان لم يجب على المأموم مفارقته في أظهر الوجهين لاحتمال الغلبة أو النسيان ونحو ذلك من

стр. 2147

الأعذار والأصل بقاء العبادة (١) انتهى قاله في شرح الإلمام. ٧٧٦ - وَعَن عَليّ ﵁ قَالَ مَا كَانَ فِينَا فَارس يَوْم بدر غير الْمِقْدَاد وَلَقَد رَأَيْتنَا وَمَا فِينَا إِلَّا نَائِم إِلَّا رَسُول الله ﷺ تَحت شَجَرَة يُصَلِّي ويبكي حَتَّى أصبح رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (٢). قوله: "عن علي ﵁" هو ابن أبي طالب تقدم الكلام على ترجمته. قوله: "ما كان فينا فارس يوم بدر" أي يوم غزوة بدر وغزوة بدر كانت في السنة الثانية من الهجرة. قوله "غير المقداد" والمقداد هو [ابن] عمرو بن ثعلبة النهراني الكندي ويقال له ابن الأسود لأن المقداد قد حالف الأسود بن عبد يغوث الزهري في الجاهلية فتبناه أو رباه أو تزوج بأمه فكان يقال له المقداد بن الأسود حتى نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٣) فدعي المقداد بن عمرو ويقال له الكندي لأنه أصاب دما في بهراء فهرب منهم إلى مكة وحالف الأسود وهو قديم الصحبة من السابقين في الإسلام وقيل أنه سادس ستة شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ قال علي ﵁: "ما كان فينا فارس يوم يوم

стр. 2148

بدر غير المقداد بن الأسود" وقيل: إن الزبير كان فارسًا أيضًا روي له عن رسول الله ﷺ اثنان وأربعون حديثا مات قريب المدينة وحمل على رقاب الرجال إليها سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان ودفن بالبقيع وهو ابن سبعين سنة، وقال أهل السير شرب المقداد نون الخروع فتوفي وذلك بالجرف على ثلاثة أميال من المدينة (١). قوله: "وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح" الحديث رواه ابن خزيمة، فإن قيل فيه دلالة على أن البكاء لا يبطل الصلاة قلنا لعله لم يظهر منه حرفان بل كان مجرد صوت، ومذهب الشافعي رحمه الله تعالى أن البكاء مبطل إن ظهر منه حرفان أو حرف مفهم كع من الوعاية وق من الوقاية وإلا فلا وقد اختلف في النفخ وصوت الباكي والأنين والتنحنح ونحوها والمذهب إن بان منه حرفان أو حرف مفهم أو ممدود بطلت وإلا فلا (٢) كما تقدم. وقد صح أن النبي ﷺ بكى في صلاته ونفخ في صلاة الكسوف وليس كل حرفين يأتلف منهما كلام وخالف المالكية في ذلك فلم يبطلوها إلا بما يعد

стр. 2149

كلاما إلا ما هو من مصلحة الصلاة وفيه خلاف عندهم وجوزه الأوزاعي وزاد الحنفية فأبطلوها بالدعاء المتعلق بالدنيا كسؤال زوجة حسناء ونحو ذلك وتبطل لو قال اللهم ارزقني عند أبي حنيفة لو قال اللهم ارزقني ويرد حديث الدعاء بين السجدتين فإن فيه وارزقني رواه أبو داود وغيره (١) والله أعلم قاله في شرح الإلمام. ٧٧٧ - وَعَن عبد الله بن أبي بكر أَن أَبَا طَلْحَة الْأنْصَارِيّ ﵁ كَانَ يُصَلِّي فِي حَائِط لَهُ فطار دبسي فَطَفِقَ يتَرَدَّد يلْتَمس مخرجًا فَلَا يجد فأعجبه ذَلِك فَجعل يتبعهُ بَصَره سَاعَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى صلَاته فَإِذا هُوَ لَا يدْرِي كم صلى فَقَالَ لقد أصابني فِي مَالِي هَذَا فتْنَة فجَاء إِلَى رَسُول الله ﷺ فَذكر لَهُ الَّذِي أَصَابَهُ فِي صلَاته وَقَالَ: يَا رَسُول الله هُوَ صَدَقَة فضعه حَيْثُ شِئْت". رَوَاهُ مَالك وَعبد الله بن أبي بكر لم يدْرك القِصَّة وَرَوَاهُ من طَرِيق آخر فَلم يذكر فِيهِ أَبَا طَلْحَة وَلَا رَسُول الله ﷺ وَلَفظه أَن رجلًا من الْأَنْصَار كَانَ يُصَلِّي فِي حَائِط لَهُ بالقف وَاد من أَوديَة الْمَدِينَة فِي زمَان الثَّمر وَالنَّخْل قد ذللت وَهِي مطوقة بثمرها فَنظر إِلَيْهَا فَأَعْجَبتهُ ثمَّ رَجَعَ إِلَى صلَاته فَإِذا هُوَ لَا يدْرِي كم صلى

стр. 2150

فَقَالَ لقد أصابني فِي مَالِي هَذَا فتْنَة فجَاء عُثْمَان ﵁ وَهُوَ يَوْمئِذٍ خَليفَة فَذكر ذَلِك لَهُ وَقَالَ هُوَ صَدَقَة فاجعله فِي سَبِيل الْخَيْر فَبَاعَهُ بِخَمْسِينَ ألفا فَسمى ذَلِك المَال الْخمسين (١). الْحَائِط: هُوَ الْبُسْتَان. والدبسي: بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة بعْدهَا يَاء مُشَدّدَة هُوَ طَائِر صَغِير قيل هُوَ ذكر اليمام. قوله: "وعن عبد الله بن أبي بكر"، هو عبد الله بن أبي بكر الصديق القرشي التيمي الصحابي وهو أخو أسماء بنت أبي بكر الصديق لأبويها وكان هو الرسول الذي يأتي النبي ﷺ وأبا بكر الطعام وبأخبار قريش إذ هما في الغار يبيت عندهما وأسلم قديمًا وشهد الفتح وحنين والطائف مع رسول الله ﷺ وجرح يوم الطائف وبرء ثم نفض جرحه فتوفي في شوال سنة إحدى عشرة في خلافة أبيه وصلى عليه أبوه ونزل في قبره عمر بن الخطاب وطلحة وأخوه عبد الرحمن ودفن بعد الظهر ومناقبه كثيرة مشهورة (٢).

стр. 2151

قوله: "أن أبا طلحة الأنصاري ﵁ كان يصلي في حائط له" الحديث أبو طلحة اسمه زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري الخزرجي البخاري وهو من الرماة المذكورين في الصحابة ومن شعره: أنا أبو طلحة واسمي زيد ... وكل يوم في سلاحي صيد (١) وعن أنس قال كان أبو طلحة يرمي بين يدي رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ يرفع رأسه ليرى مواقع نبله فكان أبو طلحة يتطاول بصدره يقي به رسول الله ﷺ ويقول نحري دون نحرك. وروي أنه كان يحبو بين يدي رسول الله ﷺ ويقول نفسي لنفسك الفداء ووجهي لوجهك الوقاء ثم ينشر كنانته بين يديه (٢)، الكنانة جعبة السهام (٣). قوله: "يصلي في حائط له" الحائط البستان كذا قاله المنذري وقال ابن الأثير
следующие страницы →