الأعذار والأصل بقاء العبادة (١) انتهى قاله في شرح الإلمام.
٧٧٦ - وَعَن عَليّ ﵁ قَالَ مَا كَانَ فِينَا فَارس يَوْم بدر غير الْمِقْدَاد وَلَقَد رَأَيْتنَا وَمَا فِينَا إِلَّا نَائِم إِلَّا رَسُول الله ﷺ تَحت شَجَرَة يُصَلِّي ويبكي حَتَّى أصبح رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (٢).
قوله: "عن علي ﵁" هو ابن أبي طالب تقدم الكلام على ترجمته.
قوله: "ما كان فينا فارس يوم بدر" أي يوم غزوة بدر وغزوة بدر كانت في السنة الثانية من الهجرة.
قوله "غير المقداد" والمقداد هو [ابن] عمرو بن ثعلبة النهراني الكندي ويقال له ابن الأسود لأن المقداد قد حالف الأسود بن عبد يغوث الزهري في الجاهلية فتبناه أو رباه أو تزوج بأمه فكان يقال له المقداد بن الأسود حتى نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٣) فدعي المقداد بن عمرو ويقال له الكندي لأنه أصاب دما في بهراء فهرب منهم إلى مكة وحالف الأسود وهو قديم الصحبة من السابقين في الإسلام وقيل أنه سادس ستة شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ قال علي ﵁: "ما كان فينا فارس يوم يوم
стр. 2148
بدر غير المقداد بن الأسود" وقيل: إن الزبير كان فارسًا أيضًا روي له عن رسول الله ﷺ اثنان وأربعون حديثا مات قريب المدينة وحمل على رقاب الرجال إليها سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان ودفن بالبقيع وهو ابن سبعين سنة، وقال أهل السير شرب المقداد نون الخروع فتوفي وذلك بالجرف على ثلاثة أميال من المدينة (١).
قوله: "وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح" الحديث رواه ابن خزيمة، فإن قيل فيه دلالة على أن البكاء لا يبطل الصلاة قلنا لعله لم يظهر منه حرفان بل كان مجرد صوت، ومذهب الشافعي رحمه الله تعالى أن البكاء مبطل إن ظهر منه حرفان أو حرف مفهم كع من الوعاية وق من الوقاية وإلا فلا وقد اختلف في النفخ وصوت الباكي والأنين والتنحنح ونحوها والمذهب إن بان منه حرفان أو حرف مفهم أو ممدود بطلت وإلا فلا (٢) كما تقدم.
وقد صح أن النبي ﷺ بكى في صلاته ونفخ في صلاة الكسوف وليس كل حرفين يأتلف منهما كلام وخالف المالكية في ذلك فلم يبطلوها إلا بما يعد
стр. 2149
كلاما إلا ما هو من مصلحة الصلاة وفيه خلاف عندهم وجوزه الأوزاعي وزاد الحنفية فأبطلوها بالدعاء المتعلق بالدنيا كسؤال زوجة حسناء ونحو ذلك وتبطل لو قال اللهم ارزقني عند أبي حنيفة لو قال اللهم ارزقني ويرد حديث الدعاء بين السجدتين فإن فيه وارزقني رواه أبو داود وغيره (١) والله أعلم قاله في شرح الإلمام.
٧٧٧ - وَعَن عبد الله بن أبي بكر أَن أَبَا طَلْحَة الْأنْصَارِيّ ﵁ كَانَ يُصَلِّي فِي حَائِط لَهُ فطار دبسي فَطَفِقَ يتَرَدَّد يلْتَمس مخرجًا فَلَا يجد فأعجبه ذَلِك فَجعل يتبعهُ بَصَره سَاعَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى صلَاته فَإِذا هُوَ لَا يدْرِي كم صلى فَقَالَ لقد أصابني فِي مَالِي هَذَا فتْنَة فجَاء إِلَى رَسُول الله ﷺ فَذكر لَهُ الَّذِي أَصَابَهُ فِي صلَاته وَقَالَ: يَا رَسُول الله هُوَ صَدَقَة فضعه حَيْثُ شِئْت".
رَوَاهُ مَالك وَعبد الله بن أبي بكر لم يدْرك القِصَّة وَرَوَاهُ من طَرِيق آخر فَلم يذكر فِيهِ أَبَا طَلْحَة وَلَا رَسُول الله ﷺ وَلَفظه أَن رجلًا من الْأَنْصَار كَانَ يُصَلِّي فِي حَائِط لَهُ بالقف وَاد من أَوديَة الْمَدِينَة فِي زمَان الثَّمر وَالنَّخْل قد ذللت وَهِي مطوقة بثمرها فَنظر إِلَيْهَا فَأَعْجَبتهُ ثمَّ رَجَعَ إِلَى صلَاته فَإِذا هُوَ لَا يدْرِي كم صلى
стр. 2150
فَقَالَ لقد أصابني فِي مَالِي هَذَا فتْنَة فجَاء عُثْمَان ﵁ وَهُوَ يَوْمئِذٍ خَليفَة فَذكر ذَلِك لَهُ وَقَالَ هُوَ صَدَقَة فاجعله فِي سَبِيل الْخَيْر فَبَاعَهُ بِخَمْسِينَ ألفا فَسمى ذَلِك المَال الْخمسين (١).
الْحَائِط: هُوَ الْبُسْتَان. والدبسي: بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة بعْدهَا يَاء مُشَدّدَة هُوَ طَائِر صَغِير قيل هُوَ ذكر اليمام.
قوله: "وعن عبد الله بن أبي بكر"، هو عبد الله بن أبي بكر الصديق القرشي التيمي الصحابي وهو أخو أسماء بنت أبي بكر الصديق لأبويها وكان هو الرسول الذي يأتي النبي ﷺ وأبا بكر الطعام وبأخبار قريش إذ هما في الغار يبيت عندهما وأسلم قديمًا وشهد الفتح وحنين والطائف مع رسول الله ﷺ وجرح يوم الطائف وبرء ثم نفض جرحه فتوفي في شوال سنة إحدى عشرة في خلافة أبيه وصلى عليه أبوه ونزل في قبره عمر بن الخطاب وطلحة وأخوه عبد الرحمن ودفن بعد الظهر ومناقبه كثيرة مشهورة (٢).
стр. 2151
قوله: "أن أبا طلحة الأنصاري ﵁ كان يصلي في حائط له" الحديث أبو طلحة اسمه زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري الخزرجي البخاري وهو من الرماة المذكورين في الصحابة ومن شعره:
أنا أبو طلحة واسمي زيد ... وكل يوم في سلاحي صيد (١)
وعن أنس قال كان أبو طلحة يرمي بين يدي رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ يرفع رأسه ليرى مواقع نبله فكان أبو طلحة يتطاول بصدره يقي به رسول الله ﷺ ويقول نحري دون نحرك.
وروي أنه كان يحبو بين يدي رسول الله ﷺ ويقول نفسي لنفسك الفداء ووجهي لوجهك الوقاء ثم ينشر كنانته بين يديه (٢)، الكنانة جعبة السهام (٣).
قوله: "يصلي في حائط له" الحائط البستان كذا قاله المنذري وقال ابن الأثير
стр. 2152
هو البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو السياج (١) وقال الكرماني سمي البستان بالحائط لأنه لا سقف له (٢) وجمعه الحوائط ومنه الحديث: "على أهل الحوائط حفظها بالنهار" يعني البساتين وهو عام فيها (٣).
قوله: "فطار دبسي" الدبسي بضم الدال المهملة وسكون الباء الموحدة وكسر السين المهملة بعدها ياء مشددة هو طائر صغير قيل هو ذكر اليمام انتهى قاله المنذري.
وقال الكمال الدميري في حياة الحيوان: طائر صغير منسوب إلى دبس الرطب لأنهم يغيرون في النسب كالدهري والسهلي والفامي بائع الفوم، والقياس فومي. والأدبس من الطير والخيل، الذي في لونه غبرة بين السواد والحمرة.
وهذا النوع قسم من الحمام البري وهو أصناف مصري وحجازي وعراقي، وهي متقاربة لكن أفخرها المصري. ولونه الدكنة وقيل: هو ذكر اليمام كما قال المنذري، ومن طبع الدبسي إنه لا يرى ساقطا على وجه الأرض بل في الشتاء له مشتى وفي الصيف له مصيف ولا يعرف له وكره، وحكمه: الحل بالاتفاق (٤).
стр. 2153
قوله: "فطفق يتردد يلتمس مخرجًا فلا يجد فأعجبه ذلك" طفق هو بفتح الطاء وكسر الفاء حكاه القاضي عياض وممن حكى الفتح أيضا الأخفش والجوهري وطفق معناه جعل (١) وهي من أخوات كاد إلا أنها متصلة بالفعل الذي هو خبرها وكاد مقاربة ومقارنة.
قوله: "والنخل قد ذللت وهي مطوقة يثمرها" أي قد تذللت ورجبت عثاكيلها فصارت النخل كالأطواق قاله عياض (٢).
قوله: "فأعجبه ذلك فجعل يتبعه بصره ساعة ثم رجع إلى صلاته فإذا هو لا يدري كم صلى فقال لقد أصابني في مالي هذا فتنة فجاء إلى رسول الله ﷺ ".
وفي الرواية الأخرى "ثم رجع إلى صلاته فإذا هو لا يدري كم صلى فجاء عثمان وهو يومئذ خليفة فذكر له ذلك له وقال هو صدقة فاجعله في سبيل الخير فباعه بخمسين ألفا فسمى ذلك المال الخمسين" قال الإمام الغزالي وكانوا يفعلون ذلك قطعًا لمادة الفكرة وكفارة لما جرى من نقصان الصلاة وهذا هو الدواء القاطع لمادة العلة ولا يغني غيره (٣).
وكان ابن عمر ﵁ لا يعجبه شيء من ماله إلا خرج عنه لله تعالى وكان رقيقه يعرفون ذلك فربما لزم أحدهم المسجد فإذا رآه ابن عمر على تلك الحالة الحسنة أعتقه فيقول له أصحابه إنهم يخدعونك فيقول من خدعنا بالله
стр. 2154
انخدعنا له وطلب منه خادم بثلاثين ألفا ألفا فقال أخاف أن تفتنني دراهم ابن عامر وكان هو الطالب له فقال لخادمه اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى (١) فلذلك قال أبو سعيد الخدري ما منا أحد إلا وقد مالت به الدنيا إلا عبد الله بن عمر (٢) ولم يمت ﵁ إلا أن أعتق ألف نسمة وأكثر من ذلك (٣).
٧٧٨ - وَعَن الْأَعْمَش قَالَ: كَانَ عبد الله يَعْنِي ابْن مَسْعُود إِذا صلى كَأَنَّهُ ثوب ملقى" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْأَعْمَش لم يدْرك ابْن مَسْعُود (٤).
قوله: "عن الأعمش"، الأعمش: اسمه: سليمان بن مهران بكسر الميم الأسدي الكاهلي الكوفي التابعي مولى لهم، كنيته أبو محمد، وكان في عينه ضعف، قال الجوهري: العمش ضعف الرؤية مع سيلان دمعها، مات سنة ثمان وأربعين ومائة (٥).
стр. 2155
قوله: كان عبد الله بن مسعود إذا صلى كأنه ثوب ملقي، الحديث، وقد كان من السلف من إذا صلى اشتغلت حواسه بالله تعالى ومناجاته حتى تغيب حواسه كما حكي عن عروة بن الزبير ﵁ أنه كان قد أصابته الأكلة فقطعت رجلاه في الصلاة ولم يشعر بها ولما رأى ابنه ذلك وقع فمات وكان صغيرًا فلما سلم عروة من الصلاة رأى ابنه ميتا ورجله مقطوعة فقال: اللهم إن كنت أخذت ولدًا فقد أبقيت أولادًا وإن كنت أخذت عضوًا فقد أبقيت أعضاء فلك الحمد على ما أخذت ولك الحمد على ما أبقيت، وكان الجدار يقع بجانبهم لا يسمعون به (١) وصلى أحدهم ثلاثين سنة فلم يعرف من علي يمينه ومن على شماله لشغله بصلاته (٢)، واستشكل أبو عبد الله بن الحاج في المدخل صحة صلاتهم وقال: من صلى إلى حالة لا يميز فيها بين المحسوسات كيف يكون عارفا بأحوال الصلاة وتمييز أركانه؟
وأجاب: بأنهم لم يسلبوا هذا القدر فرضي الله عنهم ورضي عنا بهم (٣)، وكان علي ﵁ إذا توضأ تغير لونه فقيل له: ما لنا نراك يا أمير المؤمنين إذا توضأت أصفر لونك وتغير فقال: أتدرون بين يدي من أقف، ومن أناجي!
وقال ابن مجاهد: قدمت رجلا من أصحابي فصلى بنا صلاة الظهر فلما كبر غشي عليه فلم يفق إلا وقت الظهر من الغد، فقلت: ما لك؟ فقال: هتف بي هاتف من قلبي إن لم يعرفك هؤلاء أليس أعرفك أنا، فغشي عليّ وأنا في
стр. 2156
مراقبة المحبوب (١).
وذكر الشيخ العارف بالله تعالى شهاب الدين الشهرورذي في عوارفه: روي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قدم للإمامة فقال: لا أصلح، فلما ألحوا عليه كبر فغضي عليه فقدموا إمامًا آخر فلما أفاق سئل فقال: لما قلت استووا هتف بي هاتف: هل استويت أنت مع الله (٢).
وقال أبو بكر الوراق: ربما أصلي فأنصرف منها وأنا أستحيي من الله استحياء رجل انصرف من الزنا (٣)؛ [قال فى تهذيب النفوس]: ومات جماعة من التابعين وغيرهم في الصلاة منهم زرارة بن أوفي العامري البصري قاضيها، وكان ثقة عابدا فجأة سنة ثلاث وسبعين مات وهو ساجد، وقيل: كان يصلي بهم صلاة الصبح فقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ (٤) فلما بلغ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ (٥) شهق شهقة فمات، وقيل: خر ميتًا (٦)، ومات في صلاته حميد الطويل ومجاهد، ومات في صلاته محمد بن عبد الله الزهري البغدادي العابد بينما يصلي فخر ميتًا، ومات في صلاته أبو بشر جعفر بن إياس اليشكري صاحب
стр. 2157
سعيد بن جبير وهو ساجد خلف مقام إبراهيم ﵇ سنة خمس وعشرين ومائة، ومات أبو ثعلبة الخشني في صلاته، ومات عبد الله بن عامر الزهري في صلاة المغرب، ومات محمد بن شجاع الثلاج في صلاة العصر، وكذلك مات موسى الخضر خلف المقام بمكة وهو ساجد، وكذلك جماعة غير من ذ كروا، هذا حال المعارض فكيف حال المفرطين الغافلين لا ريب أن كل واحد يتكلم على حسب مقامه، ولو تتبعنا أحوال القوم في ذلك لكان من ذلك كراريس كثيرة والله أعلم.
٧٧٩ - وَعَن عقبَة بن عَامر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "مَا من مُسلم يتَوَضَّأ فيسبغ الْوضُوء ثمَّ يقوم فِي صلَاته فَيعلم مَا يَقُول إِلَّا انْفَتَلَ وَهُوَ كيَوْم وَلدته أمه" رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَهُوَ فِي مُسلم وَغَيره بِنَحْوِهِ وَتقدم (١).
قوله: "عن عقبة بن عامر" هو الجهني، تقدم الكلام على بعض مناقبه.
قوله ﷺ : "ما من مسلم يتوضأ فيسبغ الوضوء" تقدم تفسير إسباغ الوضوء في مواضع متنوعة بعبارات متنوعة.
قوله ﷺ : "ثم يقوم في صلاته فيعلم ما يقول إلا انفتل وهو كيوم ولدته أمه"
стр. 2158
معنى الحديث: إلا رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه لا ذنب له، والمراد بذلك غفر له الصغائر وأما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة أو بعفو الله تعالى عن عبده (١) كما تقدم في نظائره والله أعلم.
* * *
стр. 2159
[الترهيب من رفع البصر إلى السماء في الصلاة]
٧٨٠ - عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "مَا بَال أَقوام يرفعون أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء فِي صلَاتهم فَاشْتَدَّ قَوْله فِي ذَلِك حَتَّى قَالَ لينتهن عَن ذَلِك أَو لتخطفن أَبْصَارهم" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (١).
قوله: "عن أنس هو ابن مالك ﵁" تقدم.
قوله ﷺ : "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم" الحديث، فقوله: "ما بال أقوام" أي حالهم وإنما أبهم الواقع يعني سره ولم يقل ما بال فلان لئلا ينكسر خاطره إذ النصيحة على رؤوس الأشهاد فضيحة وسيأتي الكلام على هذه اللفظة مبسوطا في كتاب النكاح في قوله: "ما بال أقوام" إن شاء الله تعالي، ففي هذا الحديث النهي الوكيد والوعيد الشديد عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة وأجمعوا أن ذلك منهي عنه انتهى.
قلت: فهل منه أن يكون حرامًا؟
قلت: لولا الإجماع على عدم حرمته لوجب القول بذلك فحمل على الكراهة قاله الكرماني.
стр. 2160
قوله: "فاشتد قوله في ذلك حتى قال لينتهن عن ذلك" بضم الهاء وذلك إشارة إلى رفع البصر.
قوله: "أو لتخطفن أبصارهم" هو بفتح الفاء وأو هنا للتخير وهو خبر في معنى الأمر والمعنى ليكونن منكم الانتهاء عن الرفع أو خفض الأبصار عند الرفع من الله تعالى والخطف استلاب الشيء وأخذه بسرعة يقال خطف الشيء يخطفه واختطفه يختطفه ويقال خطف يخطف وهو قليل ومنه حديث أحد "إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا" أي تستلبنا وتطير بنا وهو مبالغة فلا الهلاك ومنه حديث الجن "يختطفون السمع" أي يسترقونه ويستلبونه قاله في النهاية.
قال القاضي عياض: واختلفوا في كراهية رفع البصر إلى السماء في غير الصلاة فكرهه شريح وآخرون وجوزه الأكثرون وقالوا لأن السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة فلا يكره رفع الأبصار إليها كما لا يكره رفع الأيدي إليها في الدعاء قال الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ (١) وقال الإمام الغزالي في الإحياء: يستحب أن يرمق بصره إلى السماء في الدعاء بعد الوضوء.
٧٨١ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "لَا تَرفعُوا أبصاركم إِلَى السَّمَاء فتلتمع يَعْنِي فِي الصَّلَاة"رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير
стр. 2161
ورواتهما رُوَاة الصَّحِيح وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (١).
قوله: "وعن ابن عمر ﵄" تقدم الكلام على فضائله.
قوله ﷺ : "لا ترفعوا أبصاركم إلى السماء فتلتمع يعني في الصلاة" فسره الحافظ في حديث أبي سعيد بعده أي يذهب به.
٧٨٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "لينتهين أَقوام عَن رفعهم أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء عِنْد الدُّعَاء فِي الصَّلَاة أَو لتخطفن أَبْصَارهم" رَوَاهُ مسلم وَالنَّسَائِيّ (٢).
قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم.
قوله ﷺ "لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم إلى السماء عند الدعاء في الصلاة أو لتخطفن أبصارهم" الحديث أي يذهب بالبصر ومثله يخطفان البصر ويخطفه الطير مثله ومعنى الحديث أي لتسلبن بالسرعة فيكره رفع البصر في الصلاة إلى السماء وهذا مجمع عليه في الصلاة كما تقدم وأما رفع البصر إلى السماء في غير الصلاة في الدعاء فاختلفوا في كراهته فكرهه شريح وآخرون وتقدم ذلك على حديث أنس.
стр. 2162
٧٨٣ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "إِذا كَانَ أحدكُم فِي الصَّلَاة فَلَا يرفع بَصَره إِلَى السَّمَاء لَا يلتمع" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة أَن رجلا من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ حَدثهُ وَلم يسمعهُ (١) يلتمع بَصَره بِضَم الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت أَي يذهب بِهِ.
قوله: وعن أبي سعيد الخدري ﵁ تقدم الكلام على مناقبه.
قوله ﷺ : "إذا كان أحدكم في الصلاة فلا يرفع بصره إلى السماء لا يلتمع" أي لا تختلس يقال ألمعت بالشيء إذا اختلسته واختطفته بسرعة ومنه حديث أبي سعيد رأى رجلا شاخصا ببصره إلى السماء فقال ما يدري هذا لعل بصره يلتمع قبل أن يرجع إليه انتهى قاله في النهاية.
قوله: ورواه النسائي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن رجلًا من
стр. 2163
أصحاب النبي ﷺ حدثه ولم يسمعه انتهي، عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود روى عن أبيه ... وأبو هريرة وزيد بن خالد وابن عباس وغيرهم وهو معلم عمر بن عبد العزيز، قال أبو زرعة: تفقهنا منه وكان مالك كان كثير العلم وقال ابن شهاب ... فقتل علي بن الحسين حمل جنازة ونقل المزني عن البخاري أنه مات قبل علي بن الحسين سنة أربع أو خمس وتسعين وقيل ثمان وقيل تسع وتسعين قاله في شرح الإلمام.
٧٨٤ - وَعَن جَابر بن سَمُرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لينتهين أَقوام يرفعون أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء فِي الصَّلَاة أَو لَا ترجع إِلَيْهِم رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَلأبي دَاوُد دخل رَسُول الله ﷺ الْمَسْجِد فَرَأى فِيهِ نَاسا يصلونَ رافعي أَيْديهم إِلَى السَّمَاء فَقَالَ لينتهين رجال يشخصون أَبْصَارهم فِي الصَّلَاة أَو لَا ترجع إِلَيْهِم أَبْصَارهم (١).
قوله: وعن جابر بن سمرة ﵁ تقدم الكلام على مناقبه.
قوله ﷺ : "لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم" الحديث، اعلم أن رفع البصر في الصلاة مكروه قال الذهبي وهذا نص في التحريم أقول هو مبالغة في الكراهة لأنه يبنى على الخشوع وتقدم أنه سنة فلهذا يكره لأنه التفات عن الصلاة ولأنه يشغل عن القراءة والتدبر وربما اعتقاد الجهة تعالى الله عنها أو إنما يرفع يديه في الدعاء إليها في
стр. 2164
غير الصلاة وكذلك بصره عند الأكثرين لأنها قبلة الدعاء وهو كالمستعطي فناسب ذلك في الدعاء أيضا والجمهور على خلافه، قال الخطابي ﵀: قد جرت عادة المسلمين برفع الأيدي إلى السماء.
قال القرطبي: لما كانت السماء محلا كريما ومكانا شريفا وهو موضع التفضيل والتقدير وكان التوجه بالدعاء إليه كالصلاة إلى القبلة قاله في شرح الإلمام.
стр. 2165
[الترهيب من الالتفات في الصلاة وغيره مما يذكر]
٧٨٥ - عَن الْحَارِث الْأَشْعَرِيّ ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الله أَمر يحيى بن زَكَرِيَّا بِخمْس كَلِمَات أَن يعْمل بهَا وَيَأْمُر بني إِسْرَائِيل أَن يعملوا بهَا وَإنَّهُ كَاد أَن يبطئ بهَا قَالَ عِيسَى إِن الله أَمرك بِخمْس كلِمَات لتعمل بهَا وتأمر بني إِسْرَائِيل أَن يعملوا بهَا فإمَّا أَن تَأْمُرهُمْ وَإِمَّا أَن آمرهُم فَقَالَ يحيى أخْشَى إِن سبقتني بهَا أَن يخسف بِي أَو أعذب فَجمع النَّاس فِي بَيت الْمُقَدّس فَامْتَلَأَ وقعدوا على الشّرف فَقَالَ إِن الله أَمرنِي بِخمْس كَلِمَات أَن أعمل بِهن وآمركم أَن تعملوا بِهن أولَاهُنَّ أَن تعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وَإِن مثل من أشرك بِالله كَمثل رجل اشْترى عبدا من خَالص مَاله بِذَهَب أَو ورق فَقَالَ هَذِه دَاري وَهَذَا عَمَلي فاعمل وأد إِلَيّ فَكَانَ يعْمل وَيُؤَدِّي إِلَى غير سَيّده فَأَيكُمْ يرضى أَن يكون عَبده كَذَلِك وَإِن الله أَمركُم بِالصَّلَاةِ فَإِذا صليتم فَلَا تلتفتوا فَإِن الله ينصب وَجهه لوجه عَبده فِي صلَاته مَا لم يلْتَفت وأمركم بالصيام فَإِن مثل ذَلِك كَمثل رجل فِي عِصَابَة مَعَه صرة فِيهَا مسك فكلهم يعجب أَو يُعجبهُ رِيحهَا وَإِن ريح الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك وأمركم بِالصَّدَقَةِ فَإِن مثل ذَلِك كَمثل رجل أسره الْعَدو فَأوثقُوا يَده إِلَى عُنُقه وقدموه ليضربوا عُنُقه فَقَالَ أَنا أفدي نَفسِي مِنْكُم بِالْقَلِيلِ وَالْكثير ففدى نَفسه مِنْهُم وأمركم أَن تَذكرُوا الله فَإِن مثل ذَلِك كَمثل رجل خرج الْعَدو فِي إثره سرَاعًا حَتَّى إِذا أَتَى
стр. 2166
على حصن حُصَيْن فأحرز نَفسه مِنْهُم كَذَلِك لعبد لَا يحرز نَفسه من الشَّيْطَان إِلَّا بِذكر الله قَالَ النَّبِي ﷺ وَأَنا آمركُم بِخمْس الله أَمرنِي بِهن السّمع وَالطَّاعَة وَالْجهَاد وَالْهجْرَة وَالْجَمَاعَة فَإِنَّهُ من فَارق الْجَمَاعَة قيد شبر فقد خلع ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه إِلَّا أَن يُرَاجع وَمن ادّعى دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة فَإِنَّهُ من جثاء جَهَنَّم فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله وَإِن صلى وَصَامَ فَقَالَ وَإِن صلى وَصَامَ فَادعوا الله الَّذِي سَمَّاكُم الْمُسلمين الْمُؤمنِينَ عباد الله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَهَذَا لَفظه وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَالنَّسَائِيّ بِبَعْضِه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم (١) قَالَ الْحَافِظ وَلَيْسَ لِلْحَارِثِ فِي الْكتب السِّتَّة سوى هَذَا والربقة بِكَسْر الرَّاء وَفتحهَا وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَاحِدَة الربق وَهِي عرى فِي حَبل تشد بِهِ البهم وتستعار لغيره.
وَقَوله من جثاء جَهَنَّم بِضَم الْجِيم بعْدهَا ثاء مُثَلّثَة أَي من جماعات جَهَنَّم.
قوله: عن الحارث الأشعري ﵁ قال المنذري ليس للحارث الأشعري في الكتب الستة سوى هذا الحديث.
قوله ﷺ : "إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن"
стр. 2167
الحديث، هو يحيى بن زكريا وكنية زكريا أبو يحيى ﷺ وفي زكريا خمس لغات أشهرها زكرياء بالمد والثانية بالقصر وقرئ بهما في السبع الثالثة والرابعة زكريّ وزكري تشديد الياء وتخفيفها حكاهما ابن بريد وآخرون وحكاهما من المتأخرين الجواليقي والخامسة زكر حكاها أبو البقاء، قال أهل التواريخ: كان زكريا ﵇ من ذرية سليمان بن داود ﵉ فهو زكريا بن حناء من ولد سليمان بن داود ويقال زكريا بن أردن وكان هو وعمران أبو مريم قد تزوج أختين إحداهما عند زكريا وهي أم يحيى واسمها أميا بالهمزة والتحتانية والمعجمة أو المهملة وأمها اسمها حنة بفتح المهملة وتشديد النون انتهى.
والأخت الأخرى عند عمران وهي أم مريم ولما ولدت مريم كفلها زكريا لموت أبيها عمران وقيل بل لضعف أبيها عن كفالتها ولما بلغ زكريا الكبر رزقه الله يحيى وزوجته كانت عاقرا لم تلد ولم يرزق ولدا سواه وولدت مريم عيسى ﵇ بعد ولادة يحيى بثلاث سنين وقيل بستة أشهر فاتهم بنو إسرائيل زكريا بمريم وهمو به فاختفى منهم في جوف شجرة فنشروها بالمنشار وزكريا في داخلها هذا قول وهب وقال ابن إسحاق.
ذكر لي بعض أهل العلم أن زكريا مات موتا سويا وإنما يحيى هو ابن خالة أم عيسى ويقال ابن أختها وكان حصورا لا يعرف النساء، وقتل زكريا عد قتل يحيى ابنه صلاة الله وسلامه عليهما، وقال أرباب السير منهم الحافظ الخطيب البغدادي: أتى الصقر رجلًا فقتل بسبب يحيى بن زكريا خمسة
стр. 2168
وسبعين ألفا ويقال إن الله أوحى إلى النبي ﷺ أني قتلت يحيى بن زكريا سبعين ألفا ولأقتلن بالحسين ابن بنتك سبعين ألفًا وسبعين ألفا قاله في مجمع الأحباب.
قوله: "ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها" بنو إسرائيل هم أولاد يعقوب ﵇.
قوله: "قال عيسى إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها" الحديث أم عيسى هي مريم ابنت عمران فإنها عند كثير من العُلماء نبية نزل إليها جبريل ﵇ بالوحي كما نزل على النبي ﷺ ولا قيل عن الأنبياء غيرهم ومن قال إنها لم تكن نبية جعل قوله تعالى: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ (١) مخصوصا بنساء زمانها.
قوله: "فجمع الناس في بيت المقدس" المقدس فيه لغتان مشهورتان فتح الميم وسكون القاف وكسر الدال المخففة، وضم الميم وفتح القاف وكسر الدال المشددة والمشدد معناه المطهر والمخفف لا يخلوا إما أن يكون مصدرا أو مكانا ومعناه بيت المكان الذي جعل الله فيه الطهارة أو بيت مكان الطهارة وتطهيره إخلاؤه من الأصنام وإبعاده منها أو من الذنوب، ثم إنه من باب إضافة الموصوف إلى صفته نحو مسجد الجامع.
تتمة تتعلق ببيت المقدس: في سنة ثلاث وخمسين وخمس مائة فتح بيت المقدس على يد السلطان صلاح الدين بن يوسف بن أيوب والسبب في ذلك
стр. 2169
أنه لما فتح عسقلان والأماكن المحيطة به واجتمعت إليه العساكر التي كانت متفرقة في السواحل وقعت إليه رقعة مكتوب فيها:
يا أيها الملك الذي لقواعد الإسلام أسس ... يا من سطا بحسامه ومعالم الصلبان نكس
جاءت إليك رسالة تسعى من البيت المقدس ... كل الأماكن طهرت وأنا على شرفي منجس
فقصد ذلك مستعينًا بالله فكان نزوله إليه في خامس عشر شهر رجب فنزل بالجانب الغربي وكان مشحونا بالمقاتلة من الخيالة والرجالة فكان فيه على ما يزيد عن ستين ألف مقاتل ما عدا النساء والصبيان ثم انتقل لمصلحة رآها إلى الجانب الشمالي في العشرين من الشهر المذكور ونصب عليه المنجنيقات وضايقه بالزحف والقتال وكثرة الرماة حتى ثقب السور مما يلي وادي جهنم فلما رأى العدو ذلك استكانوا وطلبوا الأمان وكتبت المراسلة بين الطائفتين إلى أن سلمه يوم الجمعة السابع والعشرين من الشهر المذكور وهي الليلة التي عرج بالنبي ﷺ فيها من بيت المقدس فانظر إلى هذا الاتفاق العجيب كيف سهل الله تعالى عوده إلى أيدي المسلمين في مثل زمان الإسراء بنبيهم ﷺ وكان فتوحًا عظيمًا شهده من أهل العلم خلقا كثير لم يتخلف معروفه بالعلم عنه والله أعلم قاله في الديباجة.
قوله: "إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن أولاهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وإن مثل من أشرك باللّه كمثل رجل
стр. 2170
اشترى عبدًا من خالص ماله بذهب أو ورق" الحديث الذهب معروف والورق قال أهل اللغة يقال ورق وورق بكسر الواو وإسكانها وأهل اللغة على أنه مختص بالدراهم المضروبة واختلف أهل اللغة في أصله فقيل يطلق في الأصل على جميع الفضة وقيل هو حقيقة للمضروب دراهم ولا يطلق على غير الدراهم إلا مجازًا وهو قول كثير من أهل العلم وبالأول قال ابن قتيبة وهو مذهب الفقهاء والله أعلم.
قوله: "وإن الله أمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت" الحديث، الالتفات المنهي عنه في الحديث قسمان أحدهما التفات القلب عن الله لغير الله.
الثاني التفات البصر وكلاهما منهي عنه ولا يزال الله مقبلا على عبده ما دام العبد مقبلا على صلاته، ومثال من يلتفت في صلاته ببصره أو قلبه مثل رجل قد استدعاه السلطان فأوقفه بين يديه وأقبل يناديه ويخاطبه وهو في خلال ذلك يلتفت عن السلطان يمينا وشمالا وقد انصرف قلبه عن السلطان ولا يفهم ما يخاطب به السلطان لأن قلبه ليس حاضرا معه فما ظن خهذا الرجل أن يفعل به السلطان، أفليس أول المراتب في حقه أن يصرف بين يديه ممقوتا مبعدا قد سقط من عينه فهذا المصلي لا يستوي والحاضر القلب المقبل على الله في صلاته الذي أشعر قلبه عظمة من هو واقف بين يديه فامتلأ قلبه من هيبته وذلت عنقه له واستحيا من ربه أن يقبل على غيره أو يلتفت عنه وبين صلاتهما كما قال حسان بن عطية: إن الرجلين يكونان في الصلاة
стр. 2171
الواحدة وإن بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض فذلك بأن أحدهما مقبل بقلبه على الله والآخر ساه غافل، وقد روي أن العبد إذا قام يصلي قال الله أن نحوا الحجب فإذا التفت قال أرخوها وقد فسر هذا الالتفات بالتفات القلب عن الله إلى غيره فإذا التفت إلى غيره أرخى الحجاب بينه وبين العبد فدخل الشيطان وعرض عليه أمور الدنيا وأراه إياه في صوت المرأة وإذا أقبل على الله تعالى بقلبه ولم يلتفت لم يقدر الشيطان على أن يتوسط بين الله وبين ذلك القلب وإنما يدخل الشيطان إذا رفع الحجاب فإن فر إلى الله وأحضر قلبه فر الشيطان فإن التفت حضر الشيطان فهو هكذا شأنه وشأن عدوه في الصلاة قاله ابن قيم الجوزية في بعض مصنفاته.
قوله: "وأمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة" العصابة بكسر العين وبالصاد المهملتين الجماعة من الناس من العشرة إلى الأربعين.
قوله: "وأمركم الصيام وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" فسيأتي الكلام عليه مبسوطا في بابه إن شاء الله تعالى.
قوله: "وأمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في إثره سراعا" أثره بفتح الهمزة والثاء المثلثة ويجوز كسر الهمزة وسكون الثاء المثلثة لغتان مشهورتان وسراعا معناه مسرعين.
قوله: "حتى إذا أتى على حصن حصين" الحصن واحد الحصون وهي القصور والقلاع لكي يتحصن فيها وحصين فعيل للمبالغة أي شديد المنع
стр. 2172
لمن فيه والله أعلم.
قوله: "وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة" والمراد بالطاعة طاعة أولوا الأمر أي طاعة السلطان والأمير ومن له ولاية والمراد بالسمع سماع كلمة الحق من أمير المؤمنين والجهاد سيأتي الكلام عليه في بابه وتقدم الكلام على الهجرة مبسوطا في أول هذا التعليق والجماعة المراد بها سواد الناس وما اجتمعوا عليه في الإمارة هذا هو الظاهر وقيل: المراد بالجماعة اتباع إجماع المسلمين وقيل: هم العلماء وهو أصح.
قوله: "فإنه من فارق الجماعة قيد شبر" والمراد بمفارقة الجماعة ترك السنة واتباع البدعة ومعنى الحديث كل جماعة عقدت عقدا يوافق الكتاب والسنة فلا يجوز لأحد أن يفارقهم في ذلك العقد فإن خالفهم فيه استحق الوعيد، وقيل شبر معناه قدر شبر.
قوله ﷺ : "فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" الربقة بكسر الراء وسكون الباء الموحدة وفتح القاف واحدة الربق وهي عرى حبل يشد به إليهم وقال بعض العلماء ربقة الإسلام عهد الإسلام فاستعارها للإسلام وتجمع الربقة على ربق مثل كسرة وكسر ويقال للحبل الذي فيه الربقة ربق وتجمع على رباق وأرباق قاله في النهاية والمعنى أن من خرج على الجماعة ونزع اليد من الطاعة ولو بشيء يسير فقد نقض عهد الإسلام ونبذ ذمة الله اللازمة للأعناق ولزوم الربقة شبه النبي ﷺ ما لزم الأعناق من ذمة الإسلام وحق الدين
стр. 2173
بالربقة بالربقة التي تجعل في أعناق البهم من حيث أنه يقيد المؤمن فتمنه أن يتخطى الحدود قاله في التنقيح.
قوله ﷺ : "ومن ادعى دعوى الجاهلية" أي دعى عصبة واستعان بهم فيما ينويه من الأمور كعادة أهل الجاهلية ولم يرض بالشرع.
قوله "فإنه من جثاء جهنم" بضم الجيم بعدها ثاء أي من جماعات جهنم قاله المنذري وقال الهروي واحدتها جثوة بضم الجيم وهي الشيء المجموع وروي من جثي جهنم بكسر الثاء المثلثة وتشديد الياء آخر الحروف وهي جمع جاث وهو الذي يجلس على ركبتيه من قوله تعالى ﴿حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ (١) قاله في التنقيح.
٧٨٦ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قالَت سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن التلفت فِي الصَّلَاة فَقَالَ اختلاس يختلسه الشَّيْطَان من صَلَاة العَبْد رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة (٢).
قوله: عن عائشة، تقدم الكلام على بعض مناقبها.
قوله: (سألت رسول الله ﷺ عن التلفت في الصلاة فقال: اختلاس يختلسه الشيطان) الحديث، الاختلاس هو أشخذ الشيء بسرعة واختطاف
стр. 2174
على سبيل المخاتلة، قاله عياض، قال بعض العلماء أيضًا: الاختلاس السلب أي سلب يستلبه الشيطان من صلاة العبد، وقال بعضهم أيضًا: الاختلاس الأخذ بخفية كالسرقة، ويحتمل ذلك هنا، والمراد بالاختلاس نقص الكمال فإن الالتفات إن كان بالعنق فإنه مكروه إلا لحاجة، ففي هذا الحديث كراهة الالتفات في الصلاة يمينا وشمالا إلا إذا لم يتحول صدره، وفي التتمة أنة حرام، ومما وصف به أبو بكر أنه كان لا يلتفت في صلاته، والدليل على ذلك أنه كان ﵇ يلحظ في الصلاة يمينا وشمالا ولا يلوي عنقه خلف ظهره رواه الترمذي، وفي رواية "يلتفت" بدل يلحظ، وقد اختلف العلماء ﵃ فيمن تكرر منه الالتفات فذهبت طائفة من العلماء إلى بطلان صلاته والجمهور على الكراهة دون البطلان، أما الالتفات لحاجة فلا بأس به لما روي أبو داود في السنن أن النبي ﷺ في أسفاره إلى الغزو صلى وجعل يلتفت إلى الشعب، وهذا الحديث سيأتي في الجهاد مطولا إن شاء الله تعالي، وروى مسلم عن جابر قال: اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد فالتفت إلينا فرآنا قياما فأشار إلينا فقعدنا، وقال ابن بطال: الالتفات في الصلاة مكروه، وذلك أنه إذا أومأ ببصره وثنى عنقه يمينا وشمالا لا ترك الإقبال على الصلاة وقارن الخشوع المأمور به في الصلاة، ولذلك جعله النبي ﷺ اختلاسا، وفيه: الحض على إحضار المصلى قلبه لمناجاة ربه تبارك، وأما نظره ﷺ إلى الخميصة بحيث قال: شغلني إعلامها فهو مما لا يستطاع دفعه، قال الطيبي: المعنى من التفت ذهب عنه الخشوع فاستعير
стр. 2175
لذهابه أو اختلاس الشيطان تصوير القبح لشكك الفعلة أو أن المصلي يستغرق في مناجاة ربه ﵎ وأنه تعالى يقبل عليه والشيطان كالراصد ينتظر فوات تلك الحالة عنه، فإذا التفت المصلي اغتنم الفرصة فيختلس منه قاله الكرماني.
واعلم أن الإعراض عن المناجاة بالقلب أو القالب سوء أدب ولكن الله تعالى بكرمه لا يؤاخذ الغافل أو الساهي وإنما يفوته الخير العظيم بالتفاته عن ذلك، وقد فسر قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ (١) أي: لم يلتفتوا.
٧٨٧ - وَعَن أبي الْأَحْوَص عَن أبي ذَر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يزَال الله مُقبلا على العَبْد فِي صلَاته مَا لم يلْتَفت فَإِذا صرف وَجهه انْصَرف عَنهُ رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَصَححهُ (٢).
قَالَ المملي الْحَافِظ عبد الْعَظِيم ﵁ وَأَبُو الْأَحْوَص هَذَا لَا يعرف اسْمه لم يرو عَنهُ غير الزُّهْرِيّ وَقد صحّح لَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان وَغَيرهمَا.
стр. 2176
قوله: عن أبي الأحوص، قال الحافظ: أبو الأحوص لا يعرف اسمه لم يرو عنه غير الزهري انتهي، وأبو الأحوص هو عوف بن مالك بن فضلة الجشمي، وثقه ابن معين وغيره، يقال: قتله الخوارج في أيام الحجاج وفيه نظر، هل هو العرض الذي قاله المنذري أو غيره.
قوله: عن أبي ذر، واسمه جندب على الصحيح، توفي بالربذة سنة اثنين وثلاثين، وصلى عليه ابن مسعود، وكان أبو ذر عظيما طويلا متقللا من الدنيا وكان مذهبه أنه يحرم على الإنسان إدخار ما زاد على حاجته، وكان قوالا بالحق وتقدم الكلام علي بعض مناقبه.
قوله ﷺ : "لا يوال الله مقبلا على البعد في صلاته ما لم يلتفت فإذا صرف وجهه انصرف الله عنه" والمراد بالإقبال في حق الله تعالى رضاه، والمراد بالانصراف ضد الإقبال، والمراد بالالتفات لي العنق ويدل عليه حديث أبي هريرة الذي يأتي بعد هذا، وفيه: "نهاني عن ثلاث وفيها: والتفات كالتفات الثعلب" ويحتمل أن يكون المراد التفات القلب، ويدل عليه قوله ﷺ في أحاديث الباب: "إن العبد إذا قام إلى الصلاة فالتفت يقول الله تعالى إلى من يلتفت! إلى خير مني! أقبل إليّ" والأولى حمل الالتفات على أي معانيه فيتناول الجسمي والقلبي قاله الحافظ العسقلاني ابن حجر.
٧٨٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ أَوْصَانِي خليلي ﷺ بِثَلَاث ونهاني عَن ثَلَاث نهاني عَن نقرة كنقرة الديك وإقعاء كإقعاء الْكَلْب والتفات كالتفات الثَّعْلَب رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَإسْنَاد أَحْمد حسن وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة وَقَالَ
стр. 2177
كإقعاء القرد (١) مَكَان الْكَلْب الإقعاء بِكَسْر الْهمزَة قَالَ أَبُو عبيد هُوَ أَن يلزق الرجل أليتيه بِالْأَرْضِ وَينصب سَاقيه وَيَضَع يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ كَمَا يقعي الْكَلْب قَالَ وَفَسرهُ الْفُقَهَاء بِأَن يضع أليتيه على عَقِبَيْهِ بَين السَّجْدَتَيْنِ قَالَ وَالْقَوْل هُوَ الأول.
قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله: "نهاني خليلي ﷺ عن ثلاث، عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب" ورواه ابن أبي شيبة، وقال "كإقعاء القرد" مكان الكلب، وتقدم مطولا معنى قوله: "عن نقرة كنقرة الغراب" يريد بنقرة الغراب تخفيف السجود وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله.
وقوله: "وإقعاء كإقعاء الكلب" ضبطه الحافظ ﵀ وفسره فقال: الإقعاء بمكسر الهمزة قال أبو عبيدة: هو أن يلزق الرجل إليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديد بالأرض كما يقعي الكلب، قال: وفسَّره الفقهاء
стр. 2178
بأن يضع اليتيه بالأرض على عقب السجدتين، قال: والقول هو الأول. انتهى. وإنما نهى عن ذلك لشبهه الكلاب والقردة وهذا الإقعاء منهي عنه في جميع الصلاة، ومن الإقعاء نوع مستحب عند النووي وابن الصلاح والبيهقي، ونص عليه البويطي وصوبه النووي وهو أن يفرش رجليه ويضع إليتيه على عقبيه كما ثبت في صحيح مسلم عن طاووس، قال ابن عباس في الإقعاء على القدمين قال هي سنة نبيكم ﷺ ، وروى مالك عن العبادلة وجعله الرافعي أحد الأوجه في الإقعاء المكروه، وليس المراد به كونه سنة أنه أفضل من غيره بل الإفتراش أفضل منه لكثرة رواته ولمواظبة النبي ﷺ عليه ويكره أيضًا أن يقعد مادًّا رجليه. انتهي، والله أعلم انتهى. قاله الكمال الدميري (١).
وقال بعض العلماء: الإقعاء أن يضع إليتيه على عقبيه كما هو عادة الناس عند الأمراء والتفات كالتفات الثعلب، وتقدم معنى الالتفات في الحديث قبله.
فائدة: في الحكم في الثعلب، نص الشافعي ﵀ على حل أكله، وقال ابن الصلاح ليس في حله حديث عن رسول الله ﷺ ، وفي تحريمه حديثان في سندهما ضعف، واعتمد الشافعي ﵀ في ذلك على عادة العرب فيندرج في عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٢) وقال بحله
стр. 2179
طاووس وعطاء وقتادة وغيرهم، ونقل في فرائد رحلته عن أبي سعيد عثمان بن سعيد الدارمي الإمام في الحديث والفقيه تلميذ البويطي أن الثعلب حرام وكره أبو حنيفة ومالك أكله وأكثر الروايات عن الإمام أحمد تحريمه لأنه سبع انتهى.
٧٨٩ - وَرُوِيَ عَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا قَامَ الرجل فِي الصَّلَاة أقبل الله عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ فَإِذا الْتفت قَالَ يَا ابْن آدم إِلَى من تلْتَفت إِلَى من هُوَ خير لَك مني أقبل إِلَيّ فَإِذا الْتفت الثَّانِيَة قَالَ مثل ذَلِك فَاِذا الْتفت الثَّالِثَة صرف الله ﵎ وَجهه عَنهُ رَوَاهُ الْبَزَّار (١).
قوله: عن جابر بن عبد الله تقدم الكلام على مناقبه.
قوله ﷺ : "إذا قام الرجل في الصلاة أقبل الله تعالى عليه بوجهه" الحديث تقدم معنى الإقبال أنه في حق الله تعالى رضاه، والمراد بوجه الله تعالى جملة الذات لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٢).
قوله: "فإذا التفت يقول الله تعالى: يا ابن آدم إلى من تلفت إلى من هو خير لك مني" تقدم معنى الالتفات وأنه يشمل القلبي والجسمي كما ذكر الحافظ
стр. 2180
العسقلاني أنه الأولى.
تنبيه: قال العلماء في كتب الفقه: وإن فكر في الصلاة أو التفت فيها كره ولم تبطل صلاته أي فكر في أمور الدنيا أو في مسألة فقهية ونحوا أو التفت فيها من غير حاجة يمينا وشمالا ولم يحول قدميه عن القبلة كره وأجزأته صلاته إذ ليس فيها إلا الإخلاء بالخشوع وهو يثبت الكراهة دون البطلان لأنه ﷺ صلى في خميصة لها أعلام فقال: "ألهتني أعلام هذه" ولم ينقل أنه ﷺ أعاد الصلاة، هذا هو المذهب ولو فكر في أمور الآخرة فلا بأس، فإن حول قدميه عمدا بطلت صلاته، وكذا سهوا إن طال الزمان وإن قصر فلا لأنه عمل يسير وسجد للسهو وهو ناسخ لما تمسك به الإمام أحمد بن حنبل والله أعلم.
قوله: في حديث جابر: "فإذا التفت الثالثة صرف الله ﵎ وجهه عنه" وفي رواية: "فإذا التفت أعرض عنه ومن أعرض الله عنه فقد تعرض لسخطه".
٧٩٠ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن العَبْد إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة أَحْسبهُ قَالَ فَإِنَّمَا هُوَ بَين يَدي الرَّحْمَن ﵎ فَإِذا الْتفت يَقُول الله ﵎ إِلَى من تلْتَفت إِلَى خير مني أقبل يَا ابْن آدم إِلَيّ فَأَنا خير مِمَّن تلْتَفت إِلَيْهِ رَوَاهُ الْبَزَّار أَيْضًا (١).
стр. 2181
قوله: عن أبي هريرة، تقدم.
قوله ﷺ : "إن العبد إذا قام إلى الصلاة أحسبه قال: فإنما هو بين يدي الرحمن" الحديث، تقدم معناه في الحديث قبله.
٧٩١ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَا بني إياك والالتفات فِي الصَّلَاة فَإِن الِالْتِفَات فِي الصَّلَاة هلكة الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة عَليّ بن زيد عَن سعيد بن الْمسيب عَن أنس وَقَالَ حَدِيث حسن وَفِي بعض النّسخ صَحِيح قَالَ المملي وَعلي بن زيد بن جدعَان يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ وَرِوَايَة سعيد عَن أنس غير مَشْهُورَة (١).
قوله: عن أنس بن مالك، تقدم.
قوله: قال لي رسول الله ﷺ : "يا بني إياك والالتفات في الصلاة، فإن الالتفات في الصلاة هلكة" الحديث، أي: طاعة للشيطان وطاعة الشيطان هلكة، والالتفات في صلاة النفل أسهل من الالتفات في الفرائض، لأن زوال كمال النوافل أسهل والله أعلم.
قوله: ورواه الترمذي من رواية علي بن زيد عن سعيد بن المسيب، هو:
стр. 2182
عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ جُدْعَان، قال الدَّارَقُطْنِيّ: ضعيف (١).
٧٩٢ - وَرُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁: قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ صلى رَكعَتَيْنِ فَدَعَا ربه إِلَّا كَانَت دَعوته مستجابة مُعجلَة أَو مؤخرة إيَّاكُمْ والالتفات فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ لَا صَلاة لملتفت فَإِن غلبتم فِي التَّطَوُّع فَلا تغلبُوا فِي الْفَرِيضَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ في الْكَبِير (٢) وَفِي رِوَايَة لَهُ أَيْضا قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من قَامَ فِي الصَّلَاة فَالْتَفت رد الله عَلَيْهِ صلَاته (٣).
قوله: عن أبي الدرداء، تقدم.
قوله ﷺ : "من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين فدعى ربه إلا كانت دعوته مستجابة" الحديث، تقدم الكلام على إحسان الوضوء وعلى صلاة الركعتين بعده ينوي بهما سنة الوضوء.
стр. 2183
قوله: "وإياكم والالتفات في الصلاة فإن لا صلاة للملتفت، فإن غلبتم في التطوع فلا تغلبوا في الفريضة" تقدم الكلام على الالتفات في الصلاة، وأن المراد به لي العنق كما تقدم، وأنه لا صلاة للملتفت أي كاملة فإنه ناقصة في الأجر والثواب لعد الخشوع فيها، والالتفات عدم الإقبال عليها، والالتفات في صلاة النفل أسهل من الالتفات في الفرائض كما تقدم في حديث أنس الذي قبله فإن الالتفات في الصلاة هلكة.
٧٩٣ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ لَا يزَال الله مُقبلا على العَبْد بِوَجْهِهِ مَا لم يلْتَفت أَو يحدث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبير مَوْقُوفا عَن أبي قلَابَة عَن ابْن مَسْعُود وَلم يسمع مِنْهُ (١).
قوله: عن ابن مسعود، تقدم.
قوله: "لا يزال الله مقبلا على العبد بوجهه ما لم يلتفت أو يحدث" تقدم الكلام على الإقبال في الأحاديث قبله وعلى الحديث في انتظار الصلاة مبسوطًا.
٧٩٤ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا قَامَ أحدكُم إِلَى الصَّلَاة فليقبل عَلَيْهَا حَتَّى يفرغ مِنْهَا وَإِيَّاكُم والالتفات فِي الصَّلَاة فَإن أحدكُم يُنَاجِي ربه مَا دَامَ فِي الصَّلَاة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (٢).
стр. 2184
قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله ﷺ : "إياكم والالتفات في الصلاة فإن أحدكم يناجي ربه ما دام في الصلاة" أي: بكلامه وذكره وعائه بالإخلاص والحضور، وفيه: تعظيم أمر الغفلة فإنها تفوت هذه المرتبة العظيمة من المناجاة.
٧٩٥ - وَعَن أم سَلمَة بنت أبي أُميَّة ﵂ زوج النَّبِي ﷺ أَنَّهَا قَالَت كَانَ النَّاس فِي عهد رَسُول الله ﷺ إِذا قَامَ الْمُصَلِّي يُصَلِّي لم يعد بصر أحدهم مَوضِع قَدَمَيْهِ فَتوفي رَسُول الله ﷺ فَكَانَ النَّاس إِذا قَامَ أحدهم يُصَلِّي لم يعد بصر أحدهم مَوضِع جَبينه فَتوفي أَبُو بكر ﵁ فَكَانَ عمر ﵁ فَكَانَ النَّاس إِذا قَامَ أحدهم يُصَلِّي لم يعد بصر أحدهم مَوضِع الْقبْلَة ثمَّ توفّي عمر ﵁ فَكَانَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ وَكَانَت الْفِتْنَة فَتلفت النَّاس يَمِينا وَشمَالَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه (١) بِإِسْنَاد حسن إِلَّا أَن مُوسَى بن عبد الله بن أبي أُميَّة المَخْزُومِي لم يخرج لَهُ من أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة غير ابْن مَاجَه وَلَا يحضرني فِيهِ جرح وَلَا تَعْدِيل وَالله أعلم.
стр. 2185
قوله: عن أم سلمة، هي أم سلمة بنت أبي أمية زوج النبي ﷺ ، سيأتي الكلام على مناقبها في كتاب النوافل مبسوطًا.
قول أم سلمة: كان الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا قام المصلي يصلي لم يعد بصر أحدهم عن موضع قدميه، الحديث، قال العلماء ﵃: ومن هنا أخذ الشافعي والجمهور أن المصلي يستحب له أن ينظر في موضع سجوده ولا يجاوزه في جميع الصلاة لما روي أنه ﷺ فعله، وروي أيضا أنه أمر به، وبه قال الشافعي والسادة الصوفية بأسرهم فإنه أحضر القلب وأجمع الفكر، قال النووي في منهاجه: قلت: من إدامة نظره إلى موضع سجوده لأن جمع البصر في مكان واحد أقرب إلى الخشوع، وقال مالك: ينظر المصلي تلقاء وجهه، وقال في موضع آخر: ينظر أمامه فإنه إذا حنى رأسه ذهب بعض القيام المفروض عليه في الرأس وهو أشرف الأعضاء، وقال بعضهم: يكره تغميض عينيه، قال النووي: قلت لا يكره إلا أن يخاف ضررا، وروى محمد بن سيرين أن النبي ﷺ كان ينظر إلى السماء في صلاته فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ (١) فجعل ينظر حيث يسجد، وقد روى أن ابن عباس أن النبي ﷺ كان إذا استفتح لم ينظر إلا إلى موضع سجوده، كذا هو في المهذب، ورواه البيهقي عن أنس ولم يصح شيء من ذلك حديث صحيح أن هذا في جميع الصلاة، وقيل: ينظر في القيام إلى موضع سجوده، وفي
стр. 2186
الركوع إلى ظهر قدميه، وفي السجود إلى أنفه وفي القعود إلى حجره، لأن امتداد البصر يلهي فإذا قصره كان أولى ولأن ترديد البصر من مكان إلى مكان يشغل القلب ويمنع كمال الخشوع، وبهذا جزم البغوي والمتولي وحكاه القاضي حسين أيضا، والأول أصح، وحكي المحب الطبري وجهان أن الذي بالمسجد الحرام نظره إلى الكعبة أولى لكنه صحح الأول، والسنة للتشهد أن لا يجاور بصره إشارته قاله في مختصر الكفاية، وذكره غيره، وقال الزركشي في كتابه الذي ألفه في فضل المساجد.
اعلم أن نظر المصلي إلى موضع سجوده أفضل مما سواه فلو كان يصلي بمكة بالمسجد الحرام، فهل الأولى النظر إلى الكعبة لترتيب الثواب على مجرد النظر وإن لم يكن في صلاة أو المحافظة على النظر إلى موضع السجود لأنه مجمع القلب، والنظر يلهي عن الخشوع الذي هو مقصود الصلاة، ويشترط في صحتها على وجه عندنا أو يفضل بين من يلهو بالنظر ومن غيره، هذا محل نظر، وظاهر كلام ابن الصيف اليمني: أن المشاهدة أولى وبذلك جزم الماوردي والروياني وهو نقل غريب، وقال المحب الطبري في شرح التنبيه: إن كان يشاهد الكعبة ينظر إليها مع توفر الخشوع فحسن، قال: والمذهب أنه ينظر إلى موضع سجوده لأنه لا يأمن ما يشغله.
قول أم سلمة ﵂: فلما كان عثمان بن عفان وكانت الفتنة فالتفت الناس يمينا وشمالًا، أشارت أم سلمة ﵂ بذلك إلى تغير الأول بعد رسول الله ﷺ وبعد أبي بكر وبعد عمر وعثمان ﵃، واجتمع العُلماء على