← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 2182–2221 · переход к 2187.

стр. 2182

عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ جُدْعَان، قال الدَّارَقُطْنِيّ: ضعيف (١). ٧٩٢ - وَرُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁: قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ صلى رَكعَتَيْنِ فَدَعَا ربه إِلَّا كَانَت دَعوته مستجابة مُعجلَة أَو مؤخرة إيَّاكُمْ والالتفات فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ لَا صَلاة لملتفت فَإِن غلبتم فِي التَّطَوُّع فَلا تغلبُوا فِي الْفَرِيضَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ في الْكَبِير (٢) وَفِي رِوَايَة لَهُ أَيْضا قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من قَامَ فِي الصَّلَاة فَالْتَفت رد الله عَلَيْهِ صلَاته (٣). قوله: عن أبي الدرداء، تقدم. قوله ﷺ : "من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين فدعى ربه إلا كانت دعوته مستجابة" الحديث، تقدم الكلام على إحسان الوضوء وعلى صلاة الركعتين بعده ينوي بهما سنة الوضوء.

стр. 2183

قوله: "وإياكم والالتفات في الصلاة فإن لا صلاة للملتفت، فإن غلبتم في التطوع فلا تغلبوا في الفريضة" تقدم الكلام على الالتفات في الصلاة، وأن المراد به لي العنق كما تقدم، وأنه لا صلاة للملتفت أي كاملة فإنه ناقصة في الأجر والثواب لعد الخشوع فيها، والالتفات عدم الإقبال عليها، والالتفات في صلاة النفل أسهل من الالتفات في الفرائض كما تقدم في حديث أنس الذي قبله فإن الالتفات في الصلاة هلكة. ٧٩٣ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ لَا يزَال الله مُقبلا على العَبْد بِوَجْهِهِ مَا لم يلْتَفت أَو يحدث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبير مَوْقُوفا عَن أبي قلَابَة عَن ابْن مَسْعُود وَلم يسمع مِنْهُ (١). قوله: عن ابن مسعود، تقدم. قوله: "لا يزال الله مقبلا على العبد بوجهه ما لم يلتفت أو يحدث" تقدم الكلام على الإقبال في الأحاديث قبله وعلى الحديث في انتظار الصلاة مبسوطًا. ٧٩٤ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا قَامَ أحدكُم إِلَى الصَّلَاة فليقبل عَلَيْهَا حَتَّى يفرغ مِنْهَا وَإِيَّاكُم والالتفات فِي الصَّلَاة فَإن أحدكُم يُنَاجِي ربه مَا دَامَ فِي الصَّلَاة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (٢).

стр. 2184

قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "إياكم والالتفات في الصلاة فإن أحدكم يناجي ربه ما دام في الصلاة" أي: بكلامه وذكره وعائه بالإخلاص والحضور، وفيه: تعظيم أمر الغفلة فإنها تفوت هذه المرتبة العظيمة من المناجاة. ٧٩٥ - وَعَن أم سَلمَة بنت أبي أُميَّة ﵂ زوج النَّبِي ﷺ أَنَّهَا قَالَت كَانَ النَّاس فِي عهد رَسُول الله ﷺ إِذا قَامَ الْمُصَلِّي يُصَلِّي لم يعد بصر أحدهم مَوضِع قَدَمَيْهِ فَتوفي رَسُول الله ﷺ فَكَانَ النَّاس إِذا قَامَ أحدهم يُصَلِّي لم يعد بصر أحدهم مَوضِع جَبينه فَتوفي أَبُو بكر ﵁ فَكَانَ عمر ﵁ فَكَانَ النَّاس إِذا قَامَ أحدهم يُصَلِّي لم يعد بصر أحدهم مَوضِع الْقبْلَة ثمَّ توفّي عمر ﵁ فَكَانَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ وَكَانَت الْفِتْنَة فَتلفت النَّاس يَمِينا وَشمَالَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه (١) بِإِسْنَاد حسن إِلَّا أَن مُوسَى بن عبد الله بن أبي أُميَّة المَخْزُومِي لم يخرج لَهُ من أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة غير ابْن مَاجَه وَلَا يحضرني فِيهِ جرح وَلَا تَعْدِيل وَالله أعلم.

стр. 2185

قوله: عن أم سلمة، هي أم سلمة بنت أبي أمية زوج النبي ﷺ ، سيأتي الكلام على مناقبها في كتاب النوافل مبسوطًا. قول أم سلمة: كان الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا قام المصلي يصلي لم يعد بصر أحدهم عن موضع قدميه، الحديث، قال العلماء ﵃: ومن هنا أخذ الشافعي والجمهور أن المصلي يستحب له أن ينظر في موضع سجوده ولا يجاوزه في جميع الصلاة لما روي أنه ﷺ فعله، وروي أيضا أنه أمر به، وبه قال الشافعي والسادة الصوفية بأسرهم فإنه أحضر القلب وأجمع الفكر، قال النووي في منهاجه: قلت: من إدامة نظره إلى موضع سجوده لأن جمع البصر في مكان واحد أقرب إلى الخشوع، وقال مالك: ينظر المصلي تلقاء وجهه، وقال في موضع آخر: ينظر أمامه فإنه إذا حنى رأسه ذهب بعض القيام المفروض عليه في الرأس وهو أشرف الأعضاء، وقال بعضهم: يكره تغميض عينيه، قال النووي: قلت لا يكره إلا أن يخاف ضررا، وروى محمد بن سيرين أن النبي ﷺ كان ينظر إلى السماء في صلاته فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ (١) فجعل ينظر حيث يسجد، وقد روى أن ابن عباس أن النبي ﷺ كان إذا استفتح لم ينظر إلا إلى موضع سجوده، كذا هو في المهذب، ورواه البيهقي عن أنس ولم يصح شيء من ذلك حديث صحيح أن هذا في جميع الصلاة، وقيل: ينظر في القيام إلى موضع سجوده، وفي

стр. 2186

الركوع إلى ظهر قدميه، وفي السجود إلى أنفه وفي القعود إلى حجره، لأن امتداد البصر يلهي فإذا قصره كان أولى ولأن ترديد البصر من مكان إلى مكان يشغل القلب ويمنع كمال الخشوع، وبهذا جزم البغوي والمتولي وحكاه القاضي حسين أيضا، والأول أصح، وحكي المحب الطبري وجهان أن الذي بالمسجد الحرام نظره إلى الكعبة أولى لكنه صحح الأول، والسنة للتشهد أن لا يجاور بصره إشارته قاله في مختصر الكفاية، وذكره غيره، وقال الزركشي في كتابه الذي ألفه في فضل المساجد. اعلم أن نظر المصلي إلى موضع سجوده أفضل مما سواه فلو كان يصلي بمكة بالمسجد الحرام، فهل الأولى النظر إلى الكعبة لترتيب الثواب على مجرد النظر وإن لم يكن في صلاة أو المحافظة على النظر إلى موضع السجود لأنه مجمع القلب، والنظر يلهي عن الخشوع الذي هو مقصود الصلاة، ويشترط في صحتها على وجه عندنا أو يفضل بين من يلهو بالنظر ومن غيره، هذا محل نظر، وظاهر كلام ابن الصيف اليمني: أن المشاهدة أولى وبذلك جزم الماوردي والروياني وهو نقل غريب، وقال المحب الطبري في شرح التنبيه: إن كان يشاهد الكعبة ينظر إليها مع توفر الخشوع فحسن، قال: والمذهب أنه ينظر إلى موضع سجوده لأنه لا يأمن ما يشغله. قول أم سلمة ﵂: فلما كان عثمان بن عفان وكانت الفتنة فالتفت الناس يمينا وشمالًا، أشارت أم سلمة ﵂ بذلك إلى تغير الأول بعد رسول الله ﷺ وبعد أبي بكر وبعد عمر وعثمان ﵃، واجتمع العُلماء على

стр. 2187

استحباب الخشوع في الصلاة وغض البصر عما يلي وعلى كراهة الالتفات في الصلاة من غير حاجة، والالتفات في الصلاة من غير حاجة مكروه، وتقدم الكلام على ذلك مرات عديدة في أحاديث الباب والله أعلم. قوله: إلا أن موسى بن عبد الله بن أمية المخزومي، لا يحضرني فيه جرح ولا تعديل.

стр. 2188

الترهيب من مسح الحصى وغيره في مواضع السجود والنفخ فيه لغير ضرورة ٧٩٦ - عَن أبي ذَر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا قَامَ أحدكُم فِي الصَّلَاة فَلَا يمسح الْحَصَى فَإِن الرَّحْمَة تواجهه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَلَفظ ابْن خُزَيْمَة إِذا قَامَ أحدكُم فِي الصَّلَاة فَإِن الرَّحْمَة تواجهه فَلَا تحركوا الْحَصَى رَوَوهُ كلهم من رِوَايَة أبي الْأَحْوَص عَنهُ (١). قوله: عن أبي هريرة، تقدم. قوله ﷺ : "إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمة تواجهه" وفي الرواية الأخرى: "فلا تحركوا الحصى" الحديث، الحصى الحجارة الصغار، وحدتها حصاة يعني الرحمة تقبل عليه وتنزل فلا يليق به اللعب بالحصي، قاله في شرح السنة نهي عن مسح مكان السجود في الصلاة، وفي حديث جابر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن مسح الحصى في الصلاة فقال: ولأن تمسك عنها خير لك من مائة ناقة كلها سود الحدق، قال العلماء: يكره للمصلي أن يعبث بثوبه أو بجسده ولا يقلب الحصى إلا أن لا

стр. 2189

يمكنه السجود عليه فيسويه مرة واحدة معنى الحديث: لا تمسح وإن مسحته فلا يزد على واحدة. ٧٩٧ - وَعَن معيقيب ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا تمسح الْحَصَى وَأَنت تصلي فَإِن كنت لَا بُد فَاعِلا فَوَاحِدَة تَسْوِيَة الْحَصَى" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه (١). قوله: عن معيقيب، هو: بضم الميم وفتح العين المهملة وبقاف مكسورة بين التحتانيتين وبالموحدة هو: معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي المدني منسوب إلى دوس بفتح الدال حليف بني عبد شمس، جد قبيلة، صحابي أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية ثم هاجر إلى المدينة وهو أحد البدريين، وكان على خاتم رسول الله ﷺ أي: على حفظه وحمله كما يحمل الخادم الآلة ويحفظها واستعمله أبو بكر الصديق على بيت المال وكذلك عمر، ورى عنه محمد بن سيرين وأبو سلمة بن عبد الرحمن، قال ابن عبد البر: أصابه جذام فعولج بأمر عمر بالحنظل أن يشق ويدلك به بطن قدميه فوقف أمره وخف وكان عمر يأكل معه ويشرب في موضع شربه انتهي، روى له عن رسول الله ﷺ سبعة أحاديث، اتفق الشيخان منها على هذا الحديث فقط وهو الذي سقط منه خاتم النبي ﷺ في بئر أريس في خلافة عثمان، ومنذ

стр. 2190

سقط اختلفت الكلمة من المسلمين فكان الخاتم كالأمان، توفي سنة أربعين في خلافة عثمان وقيل: وأول خلافة علي والله أعلم. قوله ﷺ : "لا تمسح الحصى وأنت تصلي فإن كنت لا بد فاعلا فواحدة" أي: لا تفعل وإن فعلت فافعل واحدة أي: فمسحة واحدة لا تزد لئلا يلزم العمل الكثير، ورواه البخاري ومسلم بمعناه ولفظه عن معيقيب أن النبي ﷺ قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد فإن كنت فاعلا فواحدة. تنبيه: واحدة هو منصوب بإضمار فعل أي امسح واحدة أو يكون نعتا لمصدر محذوف ويجوز رفعه على الابتداء أو إضمار الخبر أي: فواحدة تكفيه أو كافية ويجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوف، أي: المشروع واحدة قاله في شرح الإلمام. واعلم أن المراد بمسح الحصى تسويته، وهذا نهي تنزيه، واتفق العلماء على كراهة المسح إذا لم يكن هذر لهذا الحديث، والسبب في كراهية ذلك أن هذا الفعل في الصلاة وتنافي هيئة الخشوع والتواضع ولأنه يشغل المصلي، واتفق العلماء على كراهة وذلك قال القاضي عياض: وكره السلف مسح الجبهة في الصلاة، وقيل: الانصراف يعني من المسجد مما يتعلق بها من تراب وغيره، وهذا إذا لم تكتف بحيث يحول بين الجبهة والأرض، فإن كثف وجب إزالته، وأما حديث السجود في ليلة القدر في ماء وطين رئي على جبهته وأنفه فمحمول على أن ذلك رقيقا لا يحول من الجبهة والأرض كما قاله الشافعية خلافا للحنفية وغيرهم، وفي هذا الحديث دليل على أن العمل لا يبطل الصلاة بخلاف الكثير وأقله ثلاثة.

стр. 2191

٧٩٨ - وَعَن جَابر ﵁ قَالَ سَأَلت النَّبِي ﷺ عَن مسح الْحَصَى فِي الصَّلَاة فَقَالَ وَاحِدَة وَلِأَن تمسك عَنْهَا خير لَك من مائَة نَاقَة كلهَا سود الحدق رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة في صَحِيحه (١). ٧٩٩ - وَعَن أبي صَالح مولى طَلْحَة ﵁ قَالَ كنت عِنْد أم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ فَأتى ذُو قرابتها شَاب ذُو جمة فَقَامَ يُصَلِّي فَلَمَّا أَرَادَ أَن يسْجد نفخ فَقَالَت لَا تفعل فَإِن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَقُول لغلام لنا أسود يَا رَبَاح ترب وَجهك رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة مَيْمُون أبي حَمْزَة عَن أبي صَالح عَن أم سَلمَة قَالَت رأى النَّبِي ﷺ غُلَاما لنا يُقَال لَهُ أَفْلح إِذا سجد نفخ فَقَالَ يَا أَفْلح ترب وَجهك (٢) وَتقدم فِي التَّرْغِيب فِي الصَّلَاة حَدِيث حُذَيْفَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من حَالَة يكون العَبْد فِيهَا أحب إِلَى الله من أَن يرَاهُ سَاجِدا يعفر وَجهه فِي التُّرَاب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (٣).

стр. 2192

قوله: عن أبي صالح مولى آل أبي طلحة، أبو صالح هذا اسمه [زاذان وقيل: إنه ذكوان مولى أم سلمة]. قوله: كنت عند أم سلمة زوج النبي ﷺ فأتى ذو قرابتها شاب ذو لحية فقام يصلي، الحديث؛ قال أهل اللغة: الجمة من شعر الرأس ما سقط على المنكبين أي الذي يبلغ المنكبين قاله المازري عن شهر، وإذا بلغ شعر الرأس شحمة الأذنين فهو الوفرة، واللمة التي ألمت بالمنكبين وجمعها لمم كما جمعها رسول الله ﷺ وسميت به لإلمامها بالمنكبين فالجمة أعظم من اللمة واللمة أعظم من الوفرة قاله النوي وغيره؛ وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ شعره دون الجمة وفوق الوفرة رواه أبود داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح غريب، وتقدم تفسير الجمة والوفرة. تنبيه: والذوائب جمع ذائبة بالذال المعجمة وهي الشعر المضفر من شعر الرأس وسدل الشعر قال النووي قال أهل اللغة يقال: سَدَل وسَدُلَ ويسدل بضم الدال وكسرها، قال القاضي: سدل الشعر إرساله، قال: والمراد به هنا عند العلماء إرساله على الجبين واتخاذه كالقصة يقال: سدل شعره وثوبه إذا أرسله ولم يقول سدل شعره وثوبه إذا أرسله ولم يضم جوانبه انتهى. قوله: فلما أراد أن يسجد نفخ فقالت لا تفعل" قال النووي ﵁ والأصح أن التنحنح والضحك والبكاء والأنين والنفخ إن ظهر به حرفان بطلت صلاته وإلا كما تقدم والله أعلم. قوله: "فإن رسول الله ﷺ كان يقول لغلام لنا أسود يا رباح ترب وجهك"

стр. 2193

ورواه ابن حبان عن أم سلمة قالت رأى النبي ﷺ غلاما لها يقال له أفلح إذا سجد نفخ فقال يا أفلح ترب وجهك" الحديث ترب هو بتشديد الراء قال العلماء يستحب للمصلي إذا قام إلى الصلاة ألا يسوي الحصى الذي يسجد عليه بل يدعه على حاله لرواية أبي داود وغيره إذا قام أحدكم إلى الصلاة لا يسوي الحصى فإن الرحمة تواجهه وتقدم معناه قريبا قال بعض المفسرين ولأحجل المعنى السابق أمر الله تعالى موسى ﵇ أن يخلع نعليه ليباشر بقدميه الأرض المقدسة فينال بركتها بمباشرتها إياه بالمشي عليها وفي الصحيح أنه ﷺ إذا توضأ بادروا إلى وضوءه يتبركون بالماء الذي مس أعضاءه الشريفة ﷺ ، لا يتنخم نخامة إلا دلكوا بها أجسامهم ويستحب للراقي إذا قرأ القرآن أن يبصق على المكان الذي فيه البلاء ومر جماعة من الصحابة على حي من أحياء العرب فلدغ سيدهم فجعل أبو سعيد الخدري يقرأ الفاتحة ويتفل عليه حتى برأ لأن القرآن إذا جاوره الريق اكتسب منه الشفاء والبركة ومن هنا استحب التبرك بآثار الصالحين وموارد المتقين، ولما مرض عبد الله بن أبي المنافق بعث إلى النبي ﷺ فجاء إليه وطلب منه أن يكفن في قميصه بقصد التبرك ففعل فأسلم من أتباعه ألف رجل وما أحسن قول يوسف ﵊ لأخوته ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾ (١) ولم يقل

стр. 2194

على عيني أبي بل أراد أن تعم بركته جملة بدنه والوجه يعبر به عن جملة البدن ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ (١) قيل وكان ذلك القميص من الجنة قاله ابن العماد. تنبيه: قال العلماء المستحب أن لا يصلي على حصير ولا على غيره بل يصلي على الأرض ويسجد عليها قال الشيخ أبو عبد الله بن الحاج في المدخل: والصلاة على الحصير أفضل منها على السجاد والثوب وإنما استحب السجود على الأرض لكثرة التواضع بوضع الجبهة على مواطئ الأقدام قال الله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (٢) مدحهم لأنهم كانوا يسجدون على أرض قالوا ولهذا يستحب للمصلي أن لا يمسح التراب عن وجهه إذا تعلق بجبهته من الأرض التي يسجد عليها لكونه أثر عبادة ويدل له فعل النبي ﷺ فإنه سجد صبيحة القدر في الماء والطين وخرج وأثره على وجهه ولم يمسحه وتقدم الكلام على ذلك والله أعلم. قوله: ورواه الترمذي من رواية ميمون أبي حمزة عن أبي صالح [عن أم سلمة].

стр. 2195

الترهيب من وضع اليد على الخاصرة في الصلاة ٨٠٠ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ نهي عَن الخصر فِي الصَّلَاة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَلَفْظهمَا أَن النَّبِي ﷺ نهى أَن يُصَلِّي الرجل مُخْتَصرًا" وَالنَّسَائِيّ نَحوه وَأَبُو دَاوُد وَقَامَ يَعْنِي يضع يَده على خاصرته (١). قوله: عن أبي هريرة ﵁ تقدم. قوله: "قال نهي عن الخصر في الصلاة" بفتح الخاء في الروايات الأخرى أن النبي ﷺ نهى أن يصلي الرجل مختصرًا بكسر الصاد ولفظ مختصرًا مشتق رواه البخاري ومسلم والترمذي ولفظهما "أن النبي ﷺ نهى أن يصلي الرجل مختصرا" ولفظ مختصرًا إما مشتق من الخاصرة أو من المخصرة التي هي العصا أو من الاختصار ضد التطويل. قال النووي في شرح مسلم: اختلف العلماء في معناه فالصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون من أهل اللغة والغريب والمحدثين وبه قال أصحابنا في كتب المذهب أن المختصر هو الذي يصلي ويده على خاصرته وبهذا فسره أبو داود بعد ذكر الحديث كما تقدم قال العلماء يكره للمصلي أن يضع يده على خاصرته في الصلاة لأنه فعل اليهود ويروى ذلك عن عائشة وقالت

стр. 2196

إن اليهود بياض بدون نقص صفحتان] تفعله ذكره البخاري وقيل فعل الشيطان، وقيل إن إبليس هبط من الجنة كذا حكاه في شرح مسلم وقيل لأنه فعل المتكبرين. وقال الهروي وهو أن يأخذ عصا بيده يتوكأ عليها مأخوذ من المعصرة وهي عصا أو قضيب أو غيرهما يمسكها الإنسان بيده وقال المحب الطبري هو الذي يقتصر على الآيات التي فيها السجدات يسجدها وأن يختصر السجدة التي انتهى في قرائته إليها لئلا يسجدها انتهى وقيل هو الذي يختصر السورة فيقرأ من آخرها آية أو آيتين ولا يتم السورة في فرضه قاله عياض وكذا رواه ابن سيرين عن أبي هريرة قيل هو الذي يختصر الصلاة فلا يتم قيامها ولا ركوعها وسجودها ولا حدودها. ٨٠١ - وَعنهُ ﵁ أَن رَسول الله ﷺ قَالَ الِاخْتِصَار فِي الصَّلَاة رَاحَة أهل النَّار رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (١). قوله: وعنه ﵁ تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ "الاختصار في الصلاة راحة أهل النار" أي أنه فعل اليهود في

стр. 2197

صلاتهم وهم أهل النار دليل على أن لأهل النار الذين هم خالدون فيها راحة، والله أعلم. خاتمة: وهذا النهي الوارد في هذه الأحاديث للكراهة فإن انضم عليه التنكير كان حراما إجماعا ويكره في الصلاة أيضا ومنها وضع اليد على الفم في الصلاة ومنها الاعتماد على اليد في الصلاة والتشبيك فيها وصف القدمين بل يفرج بينهما ويقطع الأصابع فيها والنفخ فيها وكذلك الصلاة في الثوب الواحد وفيما يشغل القلب من الثياب وغيرها وكذا بحضرة طعام يتوق إليه ومدافعة الأخبثين وتضييق الخف أو أن يصلي إلى وجه أحد أو صبي أو امرأة أو في الأماكن الشعثة أو في ديار ثمود وأرض الخسف والعذاب كأرض بابل كذا تكره في أرض البيع والكنائس أو إلى المتحدثين أو إلى القبر وتحرم في المغصوب وفي الحرير ولكن تصح عندنا بخلاف الثوب النجس ومع كشف العورة فإنها حرام وباطلة والله أعلم قاله في شرح الإلمام.

стр. 2198

الترهيب من المرور بين يدي المصلي ٨٠٢ - عَن أبي الجهم عبد الله بن الْحَارِث بن الصمَّة الْأنْصَارِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَو يعلم الْمَار بَين يَدي الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَن يقف أَرْبَعِينَ خير لَهُ من أَن يمر بَين يَدَيْهِ قَالَ أَبُو النَّضر لَا أَدْرِي قَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَو شهرا أَو سنة" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (١). وَرَوَاهُ الْبَزَّار وَلَفظه سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَو يعلم الْمَار بَين يَدي الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ لِأَن يقوم أَرْبَعِينَ خَرِيفًا خير لَهُ من أَن يمر بَين يَدَيْهِ وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (٢) قَالَ التِّرْمِذِيّ وَقد رُوِيَ عَن أنس أَنه قَالَ لِأَن يقف أحدكُم مائَة عَام خير لَهُ من أَن يمر بَين يَدي أَخِيه وَهُوَ يُصَلِّي. قوله: عن أبي الجهم واسمه عبد الله بن الحارث بن الصمة بكسر الصاد الأنصاري النجاري كذا وقع في صحيح مسلم وقيل هو أبو جهيم بجيم مضمومة وفتح الهاء وزيادة ياء هو راو حديث التيمم بالجدار وحديث

стр. 2199

المرور بين يدي المصلي وحديثه في الصحيحين وهو مشهور بكنيته كما قاله مالك يقال هو ابن أخت أبي بن كعب قال بعضهم هذا هو الصواب وهو غير أبو جهيم صاحب الخميصة الذي قال فيه رسول الله ﷺ "أما أبو جهيم فلا يضع عصاه عن عاتقه" واسمه عامر بن حذيفة العدوي كان من المعمرين شهد بنيان الكعبة في الجاهلية وتوفي في خلافة معاوية ﵁. قوله ﷺ : "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه" الحديث، وأبهمها هنا للتهويل والتعظيم ولم يدري أبو النضر ما هي وقد جاء في مسند البزار بحيث قال أربعين خريفا رواه أحمد وابن ماجه وابن أبي شيبة وقالوا فيه لكان أن يقف مائة عام خير له وعن كعب لكان أن يخسف به لكان خيرا له وذلك على سبيل التغليظ عند من يقول بالكراهة والله أعلم. قوله ﷺ : "خير له من أن يمر بين يديه" يجوز نصبه على أنه خبر كان ورفعه على أنه اسمها. قوله: قال أبو النضر، أبو النضر هذا اسمه سالم بن أبي أمية مولى عبد الرحمن بن عمر [٣٢٣] بن عبيد الله القرشي التيمي المدني يعد في التابعين وهو شيخ مالك والثوري وابن عيينة، كان ثقة رجلا صالحا كثير الحديث روى له الجماعة، توفي سنة تسع وعشرين ومائة، قال الشيخ أبو جعفر الطحاوي: المراد من الأربعين في حديث أبي جهيم هو الأعوام لا الشهور والأيام معناه والله أعلم: لو يعلم المار ما عليه من الإثم لاختار الوقوف

стр. 2200

أربعين علي ارتكاب ذلك الإثم ثم إنما يأثم المار إذا مر في موضع سجوده ولا يكون بينهما حائل ويحاذي أعضاء المار أعضاءه كذا في النهاية، ففي هذا الحديث النهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك فهو صريح في التحريم، وقد خالف فيه القاضي حسين والغزالي وجماعة فقالوا بالكراهة والتصريح بالإثم يرد عليهم، وفيه دليل على حصول الإثم على المار وسواء أذن له المصلي في ذلك أم لا كما أنه لا يزال في تحريم التفريق بين الم والولد وبين أن ترضي الأم أم لا رعاية لحق الولد، وكأنه لا فرق بين أن يأذن المسلم في رفع بناء الذمي عليه أم لا، قال الشيخ تقي الدين: وبعض الفقهاء قسم ذلك إلى أربع صور، الأولى: أن يكون للمار مندوحة عن المرور بين يدي المصلي ولم يتعرض المصلي لذلك فيختص المار بالإثم إن مر. الثانية: مقابلتها وهو أن يكون المصلي بعرض المرور والمار ليس له مندوحة فيخصص المصلي بالإثم دون المار. الثالثة: أن يتعرض المصلي للمرور ويكون للمار مندوحة في أثمان، أما المصلي فلتعرضه وأما المار فلمروره مع إمكان أن لا يفعل. الصورة الرابعة: أن لا يتعرض المصلي ولا يكون للمار مندوحة فلا يأثم واحد منهما انتهي، وحيث قلنا بالتحريم فله شروط، أحدهما: أن يصلي إلى شيء سترة كما سيأتي. الثاني: قال إمام الحرمين والغزالي: النهي عن المرور لا يشرع الدفع، قال النووي: والصواب أنه لا فرق بين وجود السبيل وعدمه فحديث البخاري

стр. 2201

صريح بالمنع ولم يرد شيء يخالفه لا في كتب المذهب لغير الإمام ما يخالفه. ثالثها: أن لا يكون التخطي لمصلحة الصلاة، فإن كان لمصلحتها بأن وجد الداخل فرجة في الصف السابق فله أن يمر بين يدي الصف الثاني ويقف فيها قاله في الروضة، ونقل في الكفاية عن الشافعي أنه يشق الصفوف ويقف في الفرجة لتقصيرهم، ولأن في سد الفرج ولكمال الصفوف السابقة تكملة لصلاة جميع القوم فالمشي إليها مصلحة لهم والله أعلم قاله في شرح العمدة. تنبيه: يستثني من تحريم المرور بين يدي المصلي إذا كان المصلي في حاشية المطاف بمكة فلا يحرم الطواف بين يديه والله أعلم؛ ومذهب الإمام أحمد بن حنبل أنه لا يكره المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام، وإن الصلاة بمكة لا يقطعها شيء ولو كان المار امرأة بخلاف مذهبنا حكاه القاضي أبو يعلى في الأحكام السلطانية، ونقل ذلك عن مالك وعبد الرزاق. فرع: المرور بين يدي المصلي حرام فيجب على الإنسان إذا رأى من يريد الدخول بين يدي المصلي أن يمنعه بالقول فإن أبي فبالفعل ولا يمكنه من ارتكاب هذا المحرم ما استطاع والله أعلم. [وهو معنى قول النووى ﵀ ويدفعه دفع الصائل بالأسهل ثم الأسهل ويزيد بحسب الحاجة وإن أدى إلى قتله فإن مات منه فلا ضمان فيه كالصائل (١).

стр. 2202

فرع آخر: من الكبائر المرور بين يدى المصلى كذا عده ابن القيم فى الكبائر وهو حرام على الصحيح كما تقدم قال النووى: قال أصحابنا يرده إذا أراد المرور بينه وبين سترته بأسهل الوجوه فإن أبي فبأشدها وإن أدى إلى قتله فلا شئ عليه (١)]. ٨٠٢ - م - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ مَا لَهُ فِي أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ، مُعْتَرِضًا فِي الصَّلَاةِ، كَانَ لَأَنْ يُقِيمَ مِائَةَ عَامٍ، خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْخَطْوَةِ الَّتِي خَطَاهَا" رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، واللفظ لابن حبان (٢). قوله: عن أبي هريرة تقدم. قوله ﷺ : "لو يعلم أحدكم ماله في أن يمشي بين يدي أخيه معترضا وهو يناجي ربه لكان أن يقف في ذلك المقام مائة عام" الحديث وتقدم معنى المناجاة في مواضع من هذا التعليق. ٨٠٤ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِذا صلى أحدكُم إِلَى شَيْء يستره من النَّاس فَأَرَادَ أحد أَن يجتاز بَين يَدَيْهِ فليدفع فِي نَحره فَإِن أَبى فليقاتله فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان. وَفِي لفظ آخر إِذا كَانَ أحدكُم يُصَلِّي فَلَا يدع أحدا يمر بَين يَدَيْهِ وليدرأه مَا اسْتَطَاعَ فَإِن أَبى فليقاتله فَإِنَّمَا هُوَ

стр. 2203

شَيْطَان" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد نَحوه قَوْله وليدرأه بدال مُهْملَة أَي فليدفعه بوزنه وَمَعْنَاهُ (١). قوله: وعن أبي سعيد الخدري ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفع في نحره" في هذا الحديث دلالة على دفع المار عند وجود السترة فإن صلى إلى غير سترة أو صلى إلى سترة وتباعد عنها أكثر من ثلاثة أذرع لم يحرم حينئذ المرور بين يديه ولكن الأولى تركه وليس له هذا في هذه الحالة الدفع على الأصح، واتفقوا أن هذا كله لمن لم يفرط في صلاته بل احتاط وصلى إلى سترة أو في مكان يأمن المرور بين يديه ويدل على ذلك قوله ﷺ "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس" (٢) والله أعلم. لطيفة: قال ابن المنذر: كان مالك يصلي متباعدا عن السترة فمر رجل لا يعرفه فقال له أيها المصلي ادن من سترتك فجعل يتقدم ويقول وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا (٣). [روى ذلك الطبراني في الحديث عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن

стр. 2204

رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم إلى سترة، فليدن منها، لا يمر الشيطان بينه، وبينها" فى معجمه الكبير (١) وعن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته" رواه ابن قانع فى معجمه (٢) والله أعلم]. فائدة: يستحب للمصلي أن يكون بين يديه سترة من جدار أو سارية وفي معنى السترة بسط شيء كسجادة ومنديل ونحو ذلك ويدنو من ذلك بحيث لا يزيد ما بينهما على ثلاثة أذرع أو كان في صحراء غرز عصا أو نحوها أو جمع شيئا من رجله أو متاعه وليكن قدر مؤخرة الرحل ومؤخرة الرحل ثلثا ذراع وقيل ذراع (٣).

стр. 2205

واعلم أن مقصود هذه الأحاديث السترة للمصلي وهي سنة عند الجمهور، وعن الإمام أحمد بن حنبل وتبعه جماعة ومؤخرة الرحل بهمزة ساكنة على الواو وكسر الخاء ويجوز كسر الهمزة وتشديد الخاء والرحل بالحاء المهملة وذلك قدر ثلثي ذراع وقيل ذراع كما تقدم فإن لم يجد شيئا شاخصا خط بين يديه خطا أو بسط مصلى قال إمام الحرمين والغزالي لا عبرة للخط والصحيح الاكتفاء به (١) وحكمه حكم الشاخص في منع المرور وجواز الدفع (٢). [ففى الحديث عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم فليصل إلى شيء، فإن لم يكن شيء فعصا، وإن لم يكن عصا، فليخطط خطا، ثم لا يضره ما مر بين يديه" رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان وابن ماجه (٣)]. واختلف في صفة الخط على أوجه أحدها إن جعلوا كهيئة الهلال. والثاني يمد خطأ مستويا يمينا وشمالا من المشرق إلى المغرب ليكون على صورة المحراب واختاره البغوي، والثالث يمد طولا إلى جهة القبلة كقول أبي داود

стр. 2206

واختاره النووي وهو الأصح (١). قوله: في حديث أبي سعيد "فليدفع في نحره" وهذا الأمر بالدفع أمر ندب وهو ندب متأكد ولا أعلم أحد من العلماء أوجبه قال النووي بل صرح أصحابنا وغيرهم أنه مندوب غير واجب (٢). تنبيه: فإن قيل فهلا وجب بالدفع إزالة المنكر فإن المار مرتكب للمحرم قلنا إنما لم يجب لانشغال المصلي بالصلاة لأن في الاشتغال بالدفع ذهاب خشوعه وإزالة المنكر إنما يتوجه إذا لم يخش فوات مصلحة أخرى انتهى. قال القاضي عياض: وأجمعوا على أنه لا يلزمه مقاتلته بالسلاح كالسيف ونحوه ولا ما يؤدي إلى هلاكه ولا بما يفسد صلاته لأنه إن فعله كان أضر على نفسه من المار (٣) فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك فلا قود عليه باتفاق العلماء وهل يجب عليه دية أم يكون هدرا فيه مذهبان للعلماء وهما قولان في مذهب مالك (٤) قاله ابن عقيل فيشرح الأحكام، ويحتج بقوله فليقاتله فإنما هو شيطان من يرى أنه لو قتله فلا شيء عليه وروي أن عثمان ﵁ دفع إليه رجل كسر أنف آخر في الدفع فلم يلزمه الدية

стр. 2207

وروى إسماعيل القاضي أن أبا سعيد الخدري مر بين يديه ابن لمروان وهو يصلي فضربه فقال له مروان لم ضربت ابن أخيك؟ قال ما ضربت إلا شيطانا سمعت رسول الله ﷺ يقول فذكر الحديث (١)، قال القاضي عياض وكذلك اتفقوا على أنه لا يجوز له المشي في موضعه ليرده وإنما يدفعه ويرده من موقفه لأن مفسدة الشيء في صلاته أعظم من مرور من بعد بين يديه وإنما أبيح له قدر ما تناله يده من موقفه ولهذا أمر بالقرب من سترته وإنما يرده إذا كان بعيدا منه بالإشارة أو التسبيح قال وكذلك اتفقوا على أنه إذا مر لا يرده لئلا يصير مرورا ثانيا، روي عن بعض السلف أنه يرده وتأوله بعضهم وهو كلام نفيس والذي قاله الأصحاب أنه يرده إذا أراد المرور بينه وبين سترته بأسهل الوجوه فإن أبي فبأشدها وإن أدى إلى قتله فليس عليه شئ كالصائل عليه لأخذ ماله أو نفسه وقد أباح له الشرع مقاتلته والمقاتلة المباحة لا ضمان فيها (٢)، ولو مر مار بينه وبين السترة فهو حرام أو يكره وجهان أصحهما التحريم (٣). قوله ﷺ : "فليقاتله فإنما هو شيطان" الحديث، فليقاتله بكسر اللام الجازمة وبسكونها، والمراد بالمقاتلة الدفع بالقهر لا جواز القتل فليس كل قتال بمعنى القتل ومنه حديث السقيفة: "قاتل الله سعدا فإنه صاحب فتنة

стр. 2208

وشر" أي: دفع الله شره إشارة إلى ما كان منه في حديث الإفك (١). تنبيه: قال القرطبي وأجمعوا على أنه لا يجوز مقاتلته بالسلاح لأن ذلك مخالف لما علم من قاعدة الإقبال على الصلاة والاشتغال بها والكون فيها لما علم من تحريم دم المسلم وعظم حرمته ولا يلتفت عنه لخرق متاجر لم يفهم سرا من أسرار الشريعة ولا قاعدة من قواعده (٢) انتهى. قال القاضي عياض: معناه إنما حمله على مروره وامتناعه من الرجوع الشيطان، وقيل: معناه يفعل فعل الشيطان لأن الشيطان بعيد من الخير وقول السنة، وقيل: المراد بالشيطان الفريق قيل المراد معه الشيطان وقيل هو من شياطين الإنس، وقيل: فيه إنه كالشيطان في أنه شغل قلبه عن مناجاة ربه، وقيل فيه: إنه يجوز أن يقال للرجل إذا فتن في الدين شيطان (٣)، وفيه: أن الحكم للمعاني لا للأسماء لأنه يستحيل أن يصير المار شيطانا للمرور بين يديه (٤)، وفيه: إذا دفع الأمور وإنما هو بالأسهل فالأسهل كالصائل فإذا انتهى إلى قتله كان هدرا، وقال في شرح المهذب ظاهر الحديث اقتضى وجوبه لكن لا أعلم أحدا من العلماء قال به (٥)، وفيه إن في المنازعة

стр. 2209

لا بد من الرفع إلى الحاكم ولا ينتقم الخصم بنفسه (١)، وفيه: دليل على أن الفعل الكثير لمصلحة الصلاة لا يبطلها وإن توالى الضرب كما لا تبطل بتوالي الضرب حال المسابقة. ٨٠٥ - وَعَن عبد الله بن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "إِذا كَانَ أحدكُم يُصَلِّي فَلَا يدع أحدا يمر بَين يَدَيْهِ فَإِن أَبى فليقاتله فَإِن مَعَه القرين" رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح وَابْن خُزَيْمَة في صَحِيحه (٢). قوله في حديث عبد الله بن عمر بعده "فإن أبي فليقاتله فإن معه القرين" والقرين يكون في الخير والشر ومنه الحديث "ما من أحد إلا وكل به قرين" أي يصاحبه من الملائكة والشياطين وكل إنسان فإن معه قرينا منهما فقرينه من الملائكة يأمره بالخير ويحثه عليه وقينه من الشياطين يأمره بالشر ويحثه عليه قاله في النهاية (٣)، وقال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ (٤) أي هيئنا لهم شياطين وهذا تصريح في تكذيب القدرية بأن الله تعالى أضاف إلى نفسه تسبيب الشياطين له حتى أضلوهم وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ (٥) (٦) قاله في الديباجة.

стр. 2210

فائدة: لا تبطل الصلاة بمرور شيء بين يدي المصلي وهو قول أكثر الفقهاء وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف وفي مسند الإمام أحمد أحاديث مصرحة بجواز المرور بين يدي المصلي ووردت أحاديث معارضة لذلك منها قوله ﷺ : "يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الأسود" (١) وفي الحديث "قلت يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال با ابن أخي سألت النبي ﷺ عمنا سألتني فقال الكلب الأسود شيطان" رواه الأربعة (٢) وفي رواية "يقطع الصلاة اليهودي والمجوسي والنصراني والخنزير" (٣) وقال الإمام أحمد بن حنبل يقطعها الكلب الأسود، قال وفي قلبي من المرأة والحمار شيء وأجاب الشافعي وغيره بأن المراد القطع عن الخشوع، وتأول الجمهور ذلك أيضا على المراد بالقطع نقص الصلاة من الأجر كشغل القلب بهذه الأشياء وليس المراد إبطالها وادعى بعض أصحابنا نسخه

стр. 2211

بحديث ابن عباس في مرور الأتان ترتع بين يدي الصف وكان ذلك في حجة الوداع وادعى في الكفاية نسخه بحديث أبي سعيد الخدري المرفوع "لا يقطع الصلاة شيء وادرءوا ما استطعتم" (١) رواه أبو داود (٢) والدرء الدفع، هذان الحديثان ناسخان لما تمسك به الإمام أحمد. ٨٠٦ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ قَالَ لِأَن يكون الرجل رَمَادا يذرى بِهِ خير لَهُ من أَن يمر بَين يَدي رجل مُتَعَمدا وَهُوَ يُصَلِّي رَوَاهُ ابْن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد مَوْقُوفًا (٣). قوله: وعن عبد الله بن عمرو ﵄ تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "لأن يكون الرجل رمادا يذرى به خير له من أن يمر بين يدي رجل متعمدًا" يذرى بالذال المعجمة ومنه قوله تعالى: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ (٤) وتقدم الكلام على المرور في الأحاديث المتقدمة مبسوطا والله أعلم.

стр. 2212

الترهيب من ترك الصلاة تعمدا وإخراجها عن وقتها تهاونا ٨٠٧ - عَن جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ بَين الرجل وَبَين الْكفْر ترك الصَّلاة"رَوَاهُ أَحْمد وَمُسلم وَقَالَ بَين الرجل وَبَين الشّرك وَالْكفْر ترك الصَّلَاة (١). وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَلَفظه لَيْسَ بَين العَبْد وَبَين الْكفْر إِلَّا ترك الصَّلَاة (٢). وَالتِّرْمِذِيّ وَلَفظه قَالَ بَين الْكفْر وَالْإِيمَان ترك الصَّلَاة (٣). وَابْن مَاجَه وَلَفظه قَالَ بَين العَبْد وَبَين الْكفْر ترك الصَّلَاة (٤). قوله: عن جابر بن عبد الله ﵄ تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" رواه أحمد ومسلم وقال "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" وجاء في رواية أبو داود والنسائي ولفظه "ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة" وفي الترمذي ولفظه قال "بين الكفر والإيمان ترك الصلاة" وفي ابن ماجه ولفظه: قال "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" والمعنى واحد، فقوله في رواية مسلم

стр. 2213

"بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" وإنما ذكر الرجل لغلبة الخطاب مع الرجال وإلا فالمرأة معه وقوله: "بين الشرك والكفر" هكذا هو في جميع الأصول من صحيح مسلم فالشرك والكفر، وجاء في مسند أبي عوانة الإسفرائيني وأبي نعيم الأصبهاني في المستخرجين على مسلم "بين الرجل وبين الشرك أو الكفر" (١) بأو ولكل واحد منهما وجه (٢) وعلى هذا فيحتمل أن تكون أو في حديث شكا من الراوي وأن الكفر والشرك عنده سواء في المعنى ولكن ذكرهما محافظة على الإتيان بما سمعه وإن كان لو اقتصر على أحدهما لجاز على الرواية بالمعنى ويحتمل أن يكون ملفوظا بهما في الحديث على سبيل التنويع ويكونان بمعنى واحد أيضا ويدل عليه رواية الواو، ويحتمل أن يكون بمعنيين على ما كان في استعمالهم أولا أن الشرك لعبدة الأوثان والكفر لأهل الكتاب ثم إن الشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد وهو الكفر بالله تعالي، وقد يفرق بينهما فيخص الشرك بعبدة الأوثان وغيرها من المخلوقات مع اعترافهم بالله ككفار قريش فيكون الكفر أعم من الشرك والله أعلم (٣)؛ والصحيح أن الكفر ملة واحدة وهو يشمل الجميع نص على ذلك النووي وغيره فكأنه يقول: تارك الصلاة كافر مشرك وهو تهويل وتعظيم لما وقع منه ليسرع في تدارك ذلك؛ والصلاة في

стр. 2214

اللغة الدعاء وفي الشرع: أفعال مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم بشرائط سميت بذلك لاشتمالها على ذلك فهي من باب إطلاق الجزء على الكل مجازًا (١)، وقيل: غير ذلك. وتقدم الكلام على ذلك مبسوطًا في أول كتاب الصلاة، وقد علم بأصل الشرع أن المراد منه المقاربة من الكفر لا الدخول فيه، ومعناه: أن العبد إذا ترك الصلاة لم يبق بينه وبين الكفر فاصلة فعلية تؤنس لأن إقامة الصلاة هي الخلة الفارقة بين الفئتين، وقد ذهب جمهور أهل العلم بأن الإنسان لا يكفر بترك الصلاة إذا كان غير جاحد لوجوبها، وأجابوا عما صح من أحاديث الباب بأجوبة أحدها: أن معناه أن تارك الصلاة يستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر في الدنيا وهي القتل؛ الجواب الثاني: إنها محمولة على من استحل تركها من غير عذر ولأن من استحل ما حرم الله تعالى كفر؛ الجواب الثالث: أن ذلك قد يؤول بها علة إلى الكفر يعني ترك الصلاة كما قيل: المعاصي بريد الكفر؛ الجواب الرابع: أن فعله فعل الكفار قاله النووي في شرح مسلم (٢). واعلم أن تارك الصلاة على أقسام ثلاثة: إما جاحدًا، وإما متكاسلًا، وإما لنوم، أو نسيان: أما الجاحد: فكافر بإجماع المسلمين خارج عن ملة الإسلام لأنه جحد أصلا مقطوعا به لا عذر له فيه فينتقض جحده لحديث الله ورسوله ﷺ ومن

стр. 2215

كذبهما فقد كفر، وكذلك كل من جحد حكما مجمعا عليه فيه نص وهو من أمور الإسلام الظاهرة التي يعرفها الخواص والعوام فإنه يكفر قاله النووي ويقتل بكفره لقوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" (١) رواه البخاري إلا أن يكون قريب العهد بالإسلام أو لم يخالط المسلمين مدة يتعلم فيها وجوب الصلاة (٢). وأما المتكاسل: وهو الذي ترك الصلاة عمدا من غير عذر شرعي مع اعتقاده وجوبها كما هو حال كثير من الناس فقد اختلف العلماء فيه على مذهبين، أحدهما: أنه لا يخرج عن الدين لكن يقتل حدا وهو الصحيح من مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل والجماهير من السلف والخلف إلا أنه لا يكفر بل يفسق ويستتاب فإن تاب وإلا قتلناه حدًا كالزاني والمحصن ولكنه يقتل بالسيف (٣) كما سيأتي، واستدل القائلون بقتله بقوله ﷺ : في الصحيح "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ... " (٤) فوقف العصمة على مجموع الأمرين، وقال المزني: يحبس ويؤدب ولا يقتل (٥)؛ وقال الإمام أبو حنيفة وأصحابه: إن تارك الصلاة عمدا

стр. 2216

لا يقتل ولكن يؤمر بها مرة بعد أخري، فإن صلى فيها ترك وإن لم يصل يعزر أشد التعزير بما يراه الحاكم من الضرب والسجن وتحميل الأحمال الثقال حتى يصلي، وهكذا تشدد عقوبته أبدا لكن لا يقتل (١)، واستدلوا بقوله ﷺ في الصحيح: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة" (٢) فقد حصر ﷺ إباحة الدم في هذه الثلاثة إما رجل يزني وهو ثيب محصن وإما رجل يقتل نفسا مغصوبة بغير حق وإما رجل يترك دينه يعني يرتد عن الإسلام والعياذ بالله تعالي، وأنه لا يحل قتل مسلم إلا بارتكاب إحدى هذه الثلاث وليس ترك الصلاة من هذه الثلاث، وقال قوم من الصحابة والعلماء: يقتل كفرًا وإن لم يكن جاحدا لوجوبها وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس وأبي الدرداء وجابر بن عبد الله ومن التابعين إبراهيم النخعي والحكم بن عتيبة وأيوب السختياني وعبد الله بن المبارك وأبو داود الطيالسي وزهير بن حرب وأبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن راهوية (٣)، وقد ذكر الحافظ ذلك عنهم في آخر الباب وهو أحد الوجهين من مذهب الشافعي قاله منصور الفقيه، وأحد الوجهين من مذهب مالك قاله عبد الملك بن حبيب وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية حكاه ابن قدامة عنه في

стр. 2217

المغني (١) وهو أحد الروايات عن الإمام أحمد بن حنبل أنه مرتد يقتل ولا يدفن في مقابر المسلمين (٢)، ورواية عن الإمام أحمد أن من ترك الصلاة وقعت الفرقة بينه وبين امرأته بمقتضى ردته، وقال الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه: من ترك صلاة واحدة حتى خرج وقتها فهو كافر ودمه وماله حلال لا ترثه ورثته من المسلمين، وحكم ماله مال المرتد إذا قتل على ردته (٣)؛ ومتى يقتل تارك الصلاة على مذهب الإمام الشافعي فيه أوجه الصحيح منها أنه يقتل بترك واحدة إذا أخرجها عن وقت الضرورة، ومثاله: إذا ترك الظهر لم يقتل حتى تغرب الشمس وإذا ترك المغرب لم يقتل حتى يطلع الفجر، وإذا ترك الصبح لم يقتل حتى تطلع الشمس ويُهَدد ويستتاب في الحال ولا يقتل حتى يستتاب في الحال، ويقال له القتل صل فإن تاب وصلى لم يقتل فإن لم يتب ولم يصل يضرب عنقه بالسيف على الصحيح، وقيل: ينخس بحديدة حتى يموت أو يصلي ويغسل ويكفن ويصلي عليه ويدفن في مقابر المسلمين ويرفع قبره كغيره كما يفعل بسائر أصحاب الكبائر على

стр. 2218

الصحيح (١) والله أعلم. وأما الناسي فلقوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٢). وأما النائم فلقوله ﷺ : "ليس التفريط في النوم إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت آخر" متفق عليه (٣)، قال العلماء في كتب الفقه: ولا يعذر أحد من أهل فرض الصلاة في تأخيرها عن الوقت إلا نائم أو ناس أو معذور بسفر أو مطر فإنه يؤخرها بنية الجمع أو من أكره على تأخيرها عن الوقت فلفوات فائدة التأقيت. وأما النائم والناسي فللخبر المذكور وأما العذر بالسفر والمطر فمذكور في كتب الفقه وكذلك الإكراه على التأخير فلينظر التعليل من هناك، وقال الشيخ تقي الدين في الشرح أبياتًا فيها التصريح عن الشافعي بأنه إذا تاب ترك، وقد نظم بعض الفضلاء في تارك الصلاة أبياتًا فقال: خَسِرَ الَّذِي تَرَكَ الصَّلَاةَ وَخَابَا ... وَأَبَى مَعَادًا صَالِحًا وَمَآبَا إنْ كَانَ يَجْحَدُهَا فَحَسْبُكَ أَنَّهُ ... أَمْسَى بِرَبِّكَ كَافِرًا مُرْتَابَا

стр. 2219

أَوْ كَانَ يَتْرُكُهَا لِنَوْعِ تَكَاسُلٍ ... غَطَّى عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ حِجَابَا فَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ رَأَيَا لَهُ ... إنْ لَمْ يَتُبْ حَدَّ الْحُسَامِ عِقَابَا وَأَبُو حَنِيفَةَ قَالَ يُتْرَكُ مَرَّةً ... هَمْلًا وَيُحْبَسُ مَرَّةً إيجَابَا وَالظَّاهِرُ الْمَشْهُورُ مِنْ أَقْوَالِهِ ... تَعْزِيرُهُ زَجْرًا لَهُ وَعِقَابَا إلَى أَنْ قَالَ: وَالرَّأْيُ عِنْدِي أَنْ يُؤَدِّبَهُ الْإِمَا ... مُ بِكُلِّ تَأدِيبٍ يَرَاهُ صَوَابَا وَيَكُفَّ عَنْهُ الْقَتْلَ طُولَ حَيَاتِهِ ... حَتَّى يُلَاقِيَ فِي الْمَآبِ حِسَابَا فَالْأَصْلُ عِصْمَتُهُ إلَى أَنْ يَمْتَطِي ... إحْدَى الثَّلَاثِ إلَى الْهَلَاكِ رِكَابَا الْكُفْرُ أَوْ قَتْلُ الْمُكَافِي عَامِدًا ... أَوْ مُحْصَنٌ طَلَبَ الزِّنَا فَأَصَابَا (١) [وإذا قلنا بقتل تارك الصلاة حدا وتاب ترك بلا خلاف، وتوهم بعض الأشياخ إنا إذا قلنا بقتله حدا يتحتم قتله لأن الحد لا يسقط بالتوبة، وهذا غلط مخالف لنص الشافعي ﵀. وقوله: فأصابا من الإصابة لا من الصواب: أن الحد لا يسقط بالتوبة فليس على إطلاقه بل يسقط في ثلات أمور في تارك الصلاة (٢) وفي قاطع الطريق إذا مات قبل القدرة عليه، ومن الذمي إذا زنى ثم أسلم فنص عليه الشافعي (٣)، ويستثني أيضا الصائل فإنه يجوز قتله للدفع (٤) وكذلك المار بين يدي المصلي ولن يندفع إلا بالقتل

стр. 2220

جاز قتله (١)، وكذلك إذا وجبت الزكاة وامتنع من الأداء مع القدرة أو كان عليه دين فامتنع من أدائه مع القدرة فإن الحاكم يضربه لأجل عناده حتى يؤدي أو يموت (٢) والله أعلم]. ٨٠٨ - وَعَن بُرَيْدَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الْعَهْد الَّذِي بَيْننَا وَبينهمْ الصَّلَاة فَمن تَركهَا فقد كفر رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح وَلَا نَعْرِف لَهُ عِلّة (٣). قوله: عن بريدة، تقدم الكلام عليه. قوله: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" قيل: أراد المنافقين لأنهم يصلون رياء ولا سبيل عليهم حينئذ ولو صلوها ولو تركوها في الظاهر كفروا [قال الإمام التوربشتى: الضمير في قولهم (وبينهم) راجع إلى المنافقين وردت به الرواية ومعناه أن الصلاة هي الموجبة لحقن دمائهم

стр. 2221

ومراعاة ذمتهم فإذا تركوها برئت عنهم الذمة ودخلوا في حكم الكفار فنرى سفك دمائهم كما نرى سفك دماء من لا عهد له من الكفار ولا أمان أشار إلى أن المانع عن قتل المنافقين هي الصلاة، فإذا ارتفع المانع رجع الحكم إلى أصله كما أن المانع عن قتل المعاهدين هو العهد فإذا انقضى العهد الذي بيننا وبينهم أو أخل به النقض من قبلهم أبيحت لنا دماؤهم، وقيد هذا المعنى قوله ﷺ لما استؤذن في قتل المنافقين: (إلا إني نهيت عن قتل المصلين) والله أعلم (١). وتقدم الكلام على العهد وكم فى القرآن من موضع فيه ذكر العهد فى الصلاة. قوله: "فمن تركها فقد كفر" قيل هو فيمن تركها جاحدا لوجوبها]، وقيل: أراد بالترك تركها مع الإقرار بوجوبها أو حتى يخرج وقتها ولذلك ذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى أنه يكفر بذلك حملا للحديث على ظاهره، قال الشافعي: يقتل بتركها ويصلي عليه ويدفن مع المسلمين وتقدم ذلك. ٨٠٩ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ قَالَ أَوْصَانِي خليلي رَسُول الله ﷺ بِسبع خِصَال فَقَالَ لَا تُشْرِكُوا بِالله شَيْئا وَإِن قطعْتُمْ أَو حرقتم أَو صلبتم وَلَا تتركوا الصَّلَاة متعمدين فَمن تَركهَا مُتَعَمدا فقد خرج من الْملَّة وَلَا تركبوا
следующие страницы →