← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 2252–2291 · переход к 2257.

стр. 2252

ارق فِيهَا فارتقينا فِيهَا إِلَى مَدِينَة مَبْنِيَّة بِلَبن ذهب وَلبن فضَّة فأتينا بَاب الْمَدِينَة فاستفتحنا فَفتح لنا فدخلناها فتلقانا رجال شطر من خلقهمْ كأحسن مَا أَنْت رَاء وَشطر مِنْهُم كأقبح مَا أَنْت رَاء قَالَ قَالَا لي اذْهَبُوا فقعوا فِي ذَلِك النَّهر قَالَ وَإِذا نهر معترض يجْرِي كَأَن مَاءَهُ الْمَحْض فِي الْبيَاض فَذَهَبُوا فوقعوا فِيهِ ثمَّ رجعُوا إِلَيْنَا قد ذهب ذَلِك السوء عَنْهُم فصاروا فِي أحسن صُورَة قَالَ قَالا لي هَذِه جنَّة عدن وَهَذَا مَنْزِلك قَالَ فسما بَصرِي صعدا فَإِذا قصر مثل الربابة الْبَيْضَاء قَالَ قَالَا لي هَذَا مَنْزِلك قَالَ قلت لَهما بَارك الله فيكما فذراني فَأدْخلهُ قَالا أما الْآن فَلَا وَأَنت دَاخله قَالَ قلت لَهما فَإِنِّي رَأَيْت مُنْذُ اللَّيْلَة عجبا فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْت قَالَ قَالا لي إِنَّا سنخبرك أما الرجل الأول الَّذِي أتيت عَلَيْهِ يثلغ رَأسه بِالْحجرِ فَإِنَّهُ الرجل يَأْخُذ الْقُرْآن فيرفضه وينام عَن الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة وَأما الرجل الَّذِي أتيت عَلَيْهِ يشرشر شدقه إِلَى قَفاهُ ومنخره إِلَى قَفاهُ وعينه إِلَى قَفاهُ فَإِنَّهُ الرجل يَغْدُو من بَيته فيكذب الكذبة تبلغ الْآفَاق وَأما الرِّجَال وَالنِّسَاء العراة الَّذين هم فِي مثل بِنَاء التَّنور فَإِنَّهُم الزناة والزواني وَأما الرجل الَّذِي أتيت عَلَيْهِ يسبح فِي النَّهر ويلقم الْحجر فَإِنَّهُ آكل الرِّبَا وَأما الرجل الكريه الْمرْآة الَّذِي عِنْد النَّار يحشها وَيسْعَى حولهَا فَإِنَّهُ مَالك خَازِن جَهَنَّم وَأما الرجل الطَّوِيل الَّذِي فِي الرَّوْضَة فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيم وَأما الْولدَان الَّذين حوله فَكل مَوْلُود مَاتَ على الْفطْرَة قَالَ فَقَالَ بعض الْمُسلمين يَا رَسُول الله وَأَوْلاد الْمُشْركين فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَأَوْلاد الْمُشْركين وَأما الْقَوْم الَّذين كَانُوا شطر مِنْهُم حسن وَشطر مِنْهُم قَبِيح فَإِنَّهُم قوم خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا

стр. 2253

تجَاوز الله عَنْهُم"رَوَاهُ البُخَارِيّ (١) وذكرته بِتَمَامِهِ لأحيل عَلَيْهِ فِيمَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قوله: عن سمرة بن جندب، بفتح المهملة وضم الميم وسكونها، وجندب، بضم الجيم وسكون النون وفتح المهملة وضمها سيأتي الكلام عليه وعلى نسبته مبسوطًا. قوله: كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: "هل رأى أحد منكم من رؤيا فيقص عليه ما شاء الله أن يقص وإنه قال لنا ذات غداة إنه أتاني الليلة آتيان" الحديث، وهو ﷺ إنما أخبر عن الليلة الماضية قال ثعلب والزجاج يقول: من الصباح إلى الظهر وأريت الليلة من الظهر، وإلى الليل أريت البارحة، وقال أبو مشهور اللغوي: من الغلط أن يقول فيما بين صلاة الفجر إلى الظهر رأيت البارحة كذا والصواب أن يقول: فعلت الليلة كذا إلى الظهر، ويقول: بعد ذلك فعلت البارحة. قوله: "آتيان وإنهما ابتعثاني" أي: أيقظاني من نومي قال: بعثه من نومه فانبعث [إذا نبهته منه فانتبه] قاله عياض (٢). واعلم أن النبوءة ضربان ضرب بالرسالة وضرب في المنام، والمنام للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وحتى كما كانت نبوءة جميع الأنبياء والرسل وتقدم الكلام على الوحي في موضعين من هذا التعليق مبسوطًا،

стр. 2254

ففي هذا الحديث الاهتمام بأمر الرؤيا واستحباب السؤال عنها، وذكرها بعد الصلاة. قوله: "فيثلغ رأسه" أي: يشدخ قاله المنذري وقال النهاية: الثلغ الشدخ، وقيل: الشدخ بكسر الشيء الأجوف، يقول: شدخت رأسه فانشدخ، وقيل: هو ضربك الشيء الرطب بالشيء اليابس حتى ينشدخ (١) انتهى. قوله: "فيتدهده الحجر" أي: فيتدحرج قاله المنذري، وقال في النهاية: يقال دهديت الحجر ودهدهته ومنه الحديث: "لما يهدهد الجعل خير من الذين ماتوا في الجاهلية" هو ما يدحرجه من السرجين والحديث الآخر: "كما يدهده الجعل النتن بأنفه" (٢) الجعل يشبه الخنفساء في اللون لكن هو أكبر منها وله قرنان يربط فيهما خيط يلعب به الصبيان في الأرياف، ويكون مقره تحت أرواث البهائم (٣) وسيأتي الكلام عليه في الكبر وغيره إن شاء الله تعالى. قوله: "وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد" الكلوب بفتح الكاف وضمها وتشديد اللام هو حديدة معوجة الرأس قاله المنذري. قوله: "فيشرشر شدقه إلى قفاه" يشرشر هو بشينين معجمتين الأولى منهما مفتوحة والثانية مسكورة ورائين الأولى منهما ساكنة ومعناه يقطعه ويشقه قاله المنذري؛ والشدق: جانب الفم وجمعه أشداق، وإنما يكون

стр. 2255

ذلك لرحب شدقيه، والعرب تمتدح بذلك ورجل أشدق بيّن الشدق قاله ابن الأثير (١). قوله: "ومنخره إلى قفاه" المنخر ثقب الأنف وهو بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة وبكسرهما جميعا لغتان معروفتان. قوله: "وربما قال أبو رجاء فيشق" أبو رجاء اسمه: يزيد بن أبي حبيب سويد المصري التابعي، قال ابن يونس: كان يزيد مفتي أهل مصر، وكان حليما عاقلا وهو أول من أظهر العلم بمصر والكلام في الحلال والحرام، قال الليث بن سعد: يزيد بن أبي حبيب سيدنا وعالمنا، توفي سنة ثمان وعشرين ومائة (٢) والله أعلم. قوله: "فإذا فيه لغط وأصوات" اللغط محركا هو الصخب والجلبة والصياح قاله المنذري، وقال بعضهم: اللغط هو بفتح العين وإسكانها. قوله: "فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا" هو بفح الضادين المعجمتين وسكون الواوين وهو الصياح مع الانضمام والفزع، قاله المنذري. قوله: "فانطلقنا فأتينا على مثل التنور" ورأيت في بعض الكتب: "فأتينا على نقب مثل التنور" والنقب بفتح النون النقبة. قوله: "فانطلقنا فأتينا على نهر" النهر بفتح النون وإسكان الهاء وفتحها لغتان.

стр. 2256

قوله: "وإذا في النهر رجل سابح" السبح العوم أي وإذا ذلك العائم يعوم قال الله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (١) والسبح أيضًا السعي كسبح السابح في الماء. قوله: "فغر فاه فألقمه حجرا" فغر بفتح الفاء والغين المعجمة معا بعدهما راء أي فتحه، والفاه هو الفم. قوله: "فانطلقنا فأتينا على رجل كريه المرآة" المرآة بفتح الميم ممدود الهمزة أي قبيح المنظر يقال: رجل حسن المرأى والمرءاة وحسن في مرءاة العين وهي مفعلة من الرؤية، ومنه الحديث: "حتى تبين له رئيهما" هو بكسر الراء وسكون الهمزة أي منظرهما وما يرى منهما أ. هـ قاله في النهاية (٢). قوله: "وإذا عنده نار يحشها" هو بالحاء المهملة المضمومة والشين المعجمة أي يوقدها قاله المنذري قال في النهاية: يقال حششت النار أحشها إذا ألهبتها وأضرمتها (٣). قوله: "فأتينا على روضة معتمة" أي: طويلة النبات يقال: أعتم النبات إذا طال ولم يضبط الحافظ هذه اللفظة، وقال صاحب كتاب سلاح المؤمن: معتمة هو بضم الميم وإسكان العين وفتح التاء وتشديد الميم (٤)، وقال

стр. 2257

صاحب المغيث معتمة أي وافية النبات المتعمة، والعتمة الطويل من النبات، والعميم والعم الطويل التام من كل شيء، والعمامة قيل سميت بذلك لأنها تعم الرأس لكبرها ولذلك كان يختص بها الأكابر، ومنه الحديث: "العمائم تيجان العرب" (١) أ. هـ. تنبيه: ورد في الحديث: "إن الصلاة بالعمامة أفضل من خمس وعشرين بغير عمامة" قاله ابن العماد في شرح العمدة (٢). قوله: "فيها من كل نور الربيع" النور بفتح النون هو الزهرة. قوله: "قالا لي ارق فيها فارتقينا فيها إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة" اللبن جمع لبنة بفتح اللام وكسر الباء وهي الطوبة التي تبني بها وإذا أشربت فهي أجرة وسيأتي الكلام على اللبنة في الزهد في الدنيا إن شاء الله تعالى. قوله: "فدخلناها فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء" الحديث، الشطر يعبر عنه بالنصف. قوله: "كأن ماءه المحض في البياض" المحض بفتح الميم وسكون الحاء المهملة هو الخالص من كل شيء قاله المنذري. قوله: "فسما بصري صعدا" بضم الصاد والعين المهملتين أي: ارتفع بصري إلى فوق قاله المنذري. قوله: "قالا لي هذه جنة عدن" سميت جنة عدن أي جنة إقامة. يقال: عدن

стр. 2258

بالمكان يعدن عدنا إذا لزمه ولم يبرح منه (١). قوله: "فإذا قصر مثل الربابة البيضاء" هنا هي السحابة البيضاء قاله المنذري، وقال في النهاية: والربابة بالفتح السحابة التي ركب بعضها بعضا (٢). قوله: "فذراني فأدخله" أي: اتركاني. قوله: "فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة" فيرفضه بضم الفاء وكسرها أي ترك حفظه والعمل به (٣) وينام عن الصلاة، يعني: ينام ذاهلا عن الصلاة حتى يخرج وقتها وتفوت منه، قيل: المراد بها صلاة الصبح لأنها هي التي تبطل بالنوم والله أعلم (٤)، والصلاة المكتوبة هي المفروضة. قوله: "وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه" فذكره إلى أن قال: "فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق" والكذب بفتح الكاف وكسر الذال ويجوز كسر الكاف وسكون الذال لغتان، وفي الحديث: إن العقاب كان في موضع المعصية وهو الفم الذي كذب به (٥).

стр. 2259

قوله: "أما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﵊". تنبيه: ورد في الحديث أن إبراهيم ﵇ في السماء السادسة، وورد في حديث آخر أيضا أنه في السماء السابعة قال العلماء لا منافاة بين الحديثين لاحتمال أن يكون في السادسة، وصعد قبل رسول الله ﷺ إلى السابعة، ويحتمل أن يكون جاء إلى السماء استقبالًا وهو في السابعة على سبيل التوطن، والله أعلم (١). قوله: "وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة" أي: على الإسلام، قال بعض العلماء: الفطرة نوعان فطرة جبلية وفطرة دينية، فالفطرة الجبلية هي التي خلق الله الناس عليها وجبلهم على فعلها أي: جبل طباعهم تميل إلى فعل الشيء أو تنفر عنه، والفطرة الدينية هي السنة وما شرع لهم من الدين، ومنه قوله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة إلا ان أبويه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" والمعنى: أنه يولد على نوع من الجبلة والطبع المنتهي لقبول الدين فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يعارفها إلى غيرها وإنما يعدل عنه من يعدل لآفة من آفات البشر والتقليد ثم يميل بأولاد اليهود والنصاري في اتباعهم كآبائهم والميل إلى أديانهم عن مقتضى الفطرة السليمة، وقيل: معناه: كل مولود يولد على معرفة الله والإقرار به، فلا تجد أحدا إلا وهو مقر بأن له صانعا وإن سماه بغير اسمه أو عبد معه غيره، وقيل:

стр. 2260

الفطرة ما أخذ عليهم في أصلاب أبائهم فتقع الولادة عليها، وقيل: هي ما قضى عليه من السعادة أو الشقاوة ويصير إلها، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه ويشركانه" فقال رجل: يا رسول الله أرأيت لو مات قبل ذلك؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" وفي رواية: "ما من مولود إلا وهو على هذه الملة"، وفي رواية العلاء عن ابنه عن أبي هريرة: "كل إنسان تلده أمه على الفطرة وأبواه بعد يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه إن كانا مسلمين فمسلم" كل هذه الروايات في مسلم، وبعضها متفق عليه، والأصح أن معنى الفطرة أن كل مولود يولد متهيئا للإسلام من كان أبواه أو أحدهما استمر على الإسلام في أحكام الآخرة والدنيا وإن كانا كافرين جرى عليه حكمهما يتبعهما فيها، وهذا معنى "يهودانه وينصرانه ويمجسانه" أي: يحكم له بحكمها في الدنيا فإن بلغ استمر حكم الكفر فإن تاب سبقت له سعادة أسلم وإلا مات على كفره (١). واعلم أن قوله في حديث الفطرة وفاته معنى: يمجسانه، فإن المجوسي والمشرك يطلقان على من لا كتاب له، والصحيح أن الإشراك يشمل الجميع فكل كافر مشرك، ويدل عليه قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) الآية، فلو كان الكتابي لا يسمي مشركا لدخل في

стр. 2261

المشيئة، وهذا خلاف الإجماع (١). واعلم أن قوله في حديث الفطرة "الله أعلم بما كانوا عاملين" قال الخطابي: ظاهر هذا الكلام يوهم أنه لم [يفت السائل] عنهم وإنما رد الأمر في ذلك إلى علم الله تعالي، وإنما معناه أنهم ملحقون في الكفر [بآبائهم] لأن الله قد علم أنهم لو بقول أحياء حتى يكبروا لعملوا عمل الكفار، ويدل عليه حديث عائشة قلت: فذراري المشركين، قال ﷺ : "هم من آبائهم" قلت: بلا عمل، قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (٢). والجواب عن حديث: "الله أعلم بما كانوا عاملين" أنه ليس فيه تصريح بأنهم في النار، وحقيقة لفظة "الله أعلم بما كانوا عاملين" لو بلغوا والتكليف لا يكون إلا بالبلوغ (٣)، وروى ابن عبد البر في التمهيد عن عائشة ﵂ قالت: سألت خديجة النبي ﷺ عن أولاد المشركين فقال: "هم مع آبائهم" ثم سألته عن بعض ذلك، فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" ثم سألته بعد ما استحكم الإسلام فنزلت: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٤) فقال: "هم على الفطرة أو قال الجنة". قوله: "وأما الوالدان الذين حوله" الحديث، أما أولاد الأنبياء صلوات الله

стр. 2262

وسلامه عليهم فالإجماع منعقد على أنهم في الجنة، وأما أطفال من سواهم من المسلمين قال النووي قدس الله روحه: أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة لأنه ليس مكلفا (١)، وأما أطفال المشركين فحكمهم في الدنيا حكم آبائهم وأما في الآخرة فقال أبو الليث السمرقندي: تكلم الناس في أطفال المشركين فجاءت فيهم أحاديث مختلفة ومذاهب للعلماء أحدها وهو المختار أنهم في الجنة وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون واستدل عليه [بأحاديث] منها حديث إبراهيم الخليل ﵊ حين رآهم النبي ﷺ في الجنة حوله أولاد الناس وفيه قالوا: يا رسول الله وأولاد المشركين قال: "وأولاد المشركين"رواه البخاري، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢) ولا يتوجه على المولود التكليف ولا يلزمه قول الرسل حتى يبلغ وهذا متفق عليه، ولحديث أحمد أنهم خدم أهل الجنة، وفي رواية: ولدان أهل الجنة. والمذهب الثاني: أنهم في النار تبعا لآبائهم، وحكي عن الأكثرين، والدليل

стр. 2263

على ذلك ما روى في الخبر أن خديجة سألت رسول الله ﷺ عن أولاد الذين ماتوا في الجاهلية فقال لها النبي ﷺ : "إن شئت أسمعتك نعاهم في النار" لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ (١) فأخبر أنهم حين ولدوا كانوا كفارًا. المذهب الثالث: التوقف فيهم لا يجزم فيهم بشيء قال الفقيه أبو الليث السمرقندي: قد جاءت الآثار مختلفة فالسكوت عنهم أفضل ونقول الله أعلم بأمرهم، وروى أبو حنيفة أنه سئل عن أطفال المشركين قال: لا أعلم بهم، وسئل محمد بن الحسن عن أطفال المشركين فقال: إني أقف عند الأطفال إلا أني أعلم أن الله تعالى لا يعذب أحدا إلا بذنب (٢) أ. هـ، وبه قال أبو حنيفة أيضًا ومالك وأحمد ونسبه ابن عبد البر إلى الأكثر. المذهب الرابع: أنهم وسائر الأطفال يمتحنون في الآخرة تأجج لهم نار فيقال لهم: ردوها وادخلوها فيردها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل فيقول الله تعالى إياي عصيتم فكيف رسلي لو أتتكم، وقد ورد هذا في حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ ، وروى موقوفا عن أبي سعيد ذكره ابن عبد البر وليس بالقوي ولا تقوم به حجة، قال: وأهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب (٣).

стр. 2264

المذهب الخامس: في برزخ، قال في المفهم: وذهب قوم وأحسبهم من غير أهل السنة فقالوا: يكونون في برزخ (١)، وحكى النووي الأول، وهو أنهم في النار عن الأكثرين والثاني وهو أنهم في الجنة عن المحققين قال: وهو الصحيح، ويستدل عليه بأشياء منها حديث "إبراهيم الخليل صلوات الله عليه حين رآه النبي ﷺ في الجنة، وحوله أولاد الناس قالوا يا رسول الله، وأولاد المشركين قال: وأولاد المشركين". رواه البخاري في صحيحه. ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢)، ولا يتوجه على المولود التكليف، ويلزمه قول الرسول حتى يبلغ، وهذا متفق عليه قال: والجواب عن حديث "والله أعلم بما كانوا عاملين" أنه ليس فيه تصريح بأنهم في النار، وحقيقة لفظه الله أعلم بما كانوا يعملون لو بلغوا، والتكليف لا يكون إلا بالبلوغ، وأما غلام الخضر فيجب تأويله قطعا لأن أبويه كانا مؤمنين فيكون هو مسلما فيتأول على أن معناه أن الله علم أنه لو بلغ لكان كافرا لا أنه كافر في الحال، ولا تجري عليه في الحال أحكام الكفار (٣). ٨٣٨ - وَقد روى الْبَزَّار من حَدِيث الرّبيع بن أنس عَن أبي الْعَالِيَة أَو غَيره عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ ثمَّ أَتَى يَعْنِي النَّبِي ﷺ على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخرة كلما رضخت عَادَتْ كَمَا كَانَت وَلَا يفتر عَنْهُم من ذَلِك شَيْء قَالَ يَا

стр. 2265

جِبْرِيل من هَؤُلاءِ قَالَ هَؤُلاءِ الَّذين تثاقلت رؤوسهم عَن الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة فَذكر الحَدِيث فِي قصَّة الْإِسْرَاء وَفرض الصَّلَاة (١). قَوْله: يثلغ رَأسه أَي يشدخ. قَوْله: فيتدهده أَي فيتدحرج. والكلوب: بِفَتْح الْكَاف وَضمّهَا وَتَشْديد اللَّام هُوَ حَدِيدَة معوجة الرَّأْس. وَقَوله يشرشر شدقه هُوَ بشينين معجمتين الأولى مِنْهُمَا مَفْتُوحَة وَالثَّانيَة مَكْسُورَة وراءين الأولى مِنْهُمَا سَاكِنة وَمَعْنَاهُ يقطعهُ ويشقه وَاللَّفْظ محركا هُوَ الصخب والجلبة والصياح. وَقَوله: ضوضوا بِفَتْح الضاضين المعجمتين وَسُكُون الواوين وَهُوَ الصياح مَعَ الانضمام والفزع. وَقَوله: فغر فَاه بِفَتْح الْفَاء والغين الْمُعْجَمَة مَعًا بعدهمَا رَاء أَي فَتحه. وَقَوله: يحشها هُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة المضمومة والشين الْمُعْجَمَة أَي يوقدها والمحض بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة هُوَ الْخَالِص من كل شَيْء. وَقَوله: فسما بَصرِي صعدا بِضَم الصَّاد وَالْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي ارْتَفع

стр. 2266

بَصرِي إِلَى فَوق والربابة هُنَا هِيَ السحابة الْبَيْضَاء. قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم: وَقد جَاءَ عَن عمر وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف ومعاذ بن جبل وَأبي هُرَيْرَة وَغَيرهم من الصَّحَابَة ﵃ أَن من ترك صَلَاة فرض وَاحِدَة مُتَعَمدا حَتَّى يخرج وَقتهَا فَهُوَ كَافِر مُرْتَد وَلَا نعلم لهَؤُلَاء من الصَّحَابَة مُخَالفًا. قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم قد ذهب جمَاعَة من الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ إِلَى تَكْفِير من ترك الصَّلَاة مُتَعَمدًا لتركها حَتَّى يخرج جَمِيع وَقتهَا مِنْهُم عمر بن الْخطاب وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عَبَّاس ومعاذ بن جبل وَجَابِر بن عبد الله وَأَبُو الدَّرْدَاء ﵃ وَمن غير الصَّحَابَة أَحْمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَعبد الله بن الْمُبَارك وَالنَّخَعِيّ وَالْحكم بن عتيبة وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَأَبُو بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب وَغَيرهم رَحِمهم الله تَعَالَى. وقوله: ابن المبارك فهو عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلى قال وهب بن زمعة عن معاذ بن خالد بن شقيق: تعرفت إلى إسماعيل بن عياش بعبد الله بن المبارك. فقال إسماعيل بن عياش: ما على وجه الأرض مثل عبد الله بن المبارك، ولا أعلم أن الله خلق خصلة من خصال الخير، إلا وقد جعلها فيه (١). وقال عمار بن الحسن يمدحه ببيتين: إذا سار عبدُ الله من مَرْوَ ليلةً ... فقد سار عنها نورُها وجمالُها

стр. 2267

إذا ذُكر الأخيارُ في كلِّ بلدةٍ ... فهم أنجمٌ فيها وأنت هِلالُها (١) وأما النخعى: فهو بفتح النون والخاء هو إبراهيم النخعى بن يزيد الإمام الجليل فقيه العراق أبو عمران الكوفى كان من العلماء الصالحين وكان صيرفى الحديث متوقيا للشهرة إلا أنه كان كثير الإسراف يشترى الإوز ويسمنه ويهديه إليهم قال أبو حنيفة: عن حماد، قال: بشرت إبراهيم بموت الحجاج، فسجد، ورأيته يبكي من الفرح (٢)، وكان سعيد بن جبير يقول لأهل الكوفة تستفتوني وفيكم إبراهيم النخعي وقالت هنيدة زوجة إبراهيم أنه كان يصوم يوما ويفطر يوما مات إبراهيم في آخر سنة خمس وتسعين كهلا قبل الشيخوخة، وهو ابن تسع وأربعين سنة فى السنة التى قطع الله فيها الحجاج بن يوسف الثقفى في ليلة مباركة على الأمة ليلة سبع وعشرين من رمضان وله خمس وخمسون سنة أو دونها (٣) قاله فى الديباجة. وأما الحكم بن عتيبة بفتح الحاء والكاف وعتيبة بضم العين وبالمثناة من فوق والمثناة من تحت والباء الموحدة تصغيرا لعتبة فناء الدار هو الإمام التابعى الجليل وسيأتى الكلام على مناقبه (٤).

стр. 2268

وأيوب السختيانى بفتح السين وسكون الخاء وكسر التاء المثناة وفتح المثناة من تحت وبعد الألف نون وياء النسبة، وقال السمعاني: هذه النسبة إلى عمل السختيان وبيعه، وهى الجلود الضائنة بفتح الضاد بعدها الألف وهمزة مكسورة ثم نون وهى جلود غنم الضأن هكذا ضبطه الجوهري وقال صاحب العلم المشهور قال إسماعيل بن إسحاق سمعت على بن المدينى يقول: أربعة من أهل الأمصار يسكن القلب إليهم في الحديث: يحيى بن سعيد بالمدينة، وعمرو بن دينار بمكة، وأيوب السختيانى بالبصرة، ومنصور بالكوفة، وكان أيوب من عباد العلماء سيسع جلود السختيان بالبصرة وهى جلود المعزى المدبوغة وهو أحد أئمة الجماعة في الحديث والأمانة والاستقامة، قال الحسن: أيوب سيد شباب أهل البصرة وكان ابن سيرين إذا حدثه أيوب بالحديث يقول: حدثني الصدوق قال سلام: كان أيوب السختياني يقوم الليل كله ويخفى ذلك فإذا كان عند الصبح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة قال حماد بن زيد: غدا علي ميمون أبو حمزة يوم الجمعة، قبل الصلاة، فقال: إني رأيت البارحة أبا بكر، وعمر ﵄ في النوم، فقلت لهما: ما جاء بكما؟ قالا: جئنا نصلي على أيوب السختياني. قال: ولم يكن علم بموته. فقيل له: قد مات أيوب البارحة ومناقبه كثيرة مشهورة، والله أعلم. صفحة غير واضحة وفي آخرها: آخر الجزء الأول من شرح الترغيب والترهيب المسمى "فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب" للفقيه حسن بن علي الفيومي المقيم

стр. 2269

بالجامع الزاهدي بالمقسم عفا الله عنه ووافق الفراغ ... غرة شهر رجب الفرد سنة ... وثمانمائة ... حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله ويتلوه في الجزء الثاني ... كتاب النَّوافِل ... (١) فقال: يكونون في برزخ، ونقل ابن القيم في المسألة ثمانية أقوال ذكرها في شرح مختصر السنن (٢) ولم القول بأنهم في الأعراف فقال: شيخنا السبكي (٣): لا أعرفه ولا أعلم حديثا، ورد به ولا قاله أحد من العلماء مع أن السكوت عن مثل هذه المسألة أولى أ. هـ، قاله في شرح الإلمام، فهذا الحديث وهو حديث سمرة نص في عذاب البرزخ فإن رؤيا الأنبياء وحي مطابق لما في نفس الأمر ومما ينبغي أن تعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه قبر أو لم يقبر، فلو أكلته السباع أو أحرق حتى صار رمادا أو نسف في الهواء أو طلب أو غرق في البحر ووصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل على المقبور، أ. هـ، قاله ابن قيم الجوزية (٤). وفي هذا الحديث التحذير عن الكذب والرواية بغير الحق وعن ترك قراءة القرآن والعمل به والتغليظ على الزنا والربا وسعادة صبيان الخلائق كلهم،

стр. 2270

وتفضيل الشهداء على غيرهم، وهذه رؤيا منوطة بالحكم مشتملة على الفوائد، ووجه الضبط في هذه الأمور أن الحال لا يخلو من الثواب والعذاب، فالعذاب إما على ما يتعلق بالقول أو بالفعل، والثاني إما على بدني وهو الزنى ونحوه أو مالي وهو الربا ونحوه، والثواب إما لرسول الله ودرجته فوق الكل مثل السحابة، وأما الأمة وهي ثلاث درجات الأدنى للصبيان والأوسط للعامة والأعلى للشهداء مما وجه كونه تحت الشجرة وهو خليل الله وأبو الأنبياء (١). قلت: فيه إشارة إلى أنه الأصل في الملة وأن كل من بعده من الموحدين فهو تابع له وعمره يصعدون شجرة الإسلام ويدخلون الجنة، أ. هـ قاله الكرماني (٢). قال ابن بطال: فيه وعيد شديد لمن حفظ القرآن ولم يقرأ بالليل ولمن تحدث بالكذب لا تثبت في الرواية، وفيه فضل تعبير الرؤيا وأن من قدم خيرا وجده غدا في القيامة لقوله: "أتيت منزلك" (٣) أ. هـ. قول الحافظ ﵀: قد ذهب جماعات من الصحابة ومن بعدهم إلى تكفير من ترك الصلاة متعمدا لتركها حتى خرج جميع وقتها منهم عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وجماعة غير من ذكر،

стр. 2271

وتقدم الكلام على مناقبهم ﵃، ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل تقدم الكلام على مناقبه وإسحاق بن راهوية، سيأتي الكلام عليه وعبد الله بن المبارك، قال إسماعيل بن عياش: ما على وجه الأرض مثل عبد الله بن المبارك ولا أعلم أن الله خلق خصلة من خصال الخير إلا جعلها فيه (١)، وقال عمار بن الحسن يمدحه (٢): إِذَا سَارَ عَبْدُ الله مِنْ مَرْوَ لَيْلَةَ ... فَقَدْ سَارَ مِنْهَا نُوْرُهَا وَجَمَالُهَا إِذَا ذُكِرَ الأَخْيَارُ مِنْ كُلِّ بَلْدَةٍ ... فَهُم أَنْجُمٌ فِيْهَا وَأَنْتَ هِلَالُهَا والنخعي هو: بفتح النون والخاء منسوب إلى النخع جد قبيلة هو إبراهيم النخعي بن يزيد الإمام [قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن ذهل بن سعد بن مالك بن النخع النخعي] أبو عمران الكوفي كان من العلماء الصالحين وكان صيرفي الحديث [متوقيا] للشهرة [وكان] يأتي الأمراء ويشتري [الوز ويسمنه ويهديه إلى الأمراء روي] أبو حنيفة عن حماد قال: بشرت إبراهيم بموت الحجاج فسجد شكرًا لله وبكي من الفرح وكان سعيد بن جبير يقول: [لأهل الكوفة] تستفتوني وفيكم إبراهيم النخعي وكان يصوم يوما ويفطر يوما، مات في آخر سنة خمس وتسعين وهو ابن أربع ٦ وأربعين سنة (٣) وهي

стр. 2272

السنة التي قلع الله فيها الحجاج بن يوسف الثقفي في [ليلة مباركة] على الأمة ليلة سبع [وعشرين من] رمضان وله خمس [وخمسون] سنة (١) أ. هـ قاله في الديباجة. والحكم بفتح الكاف بن عتيبة بالمثناة من فوق ثم المثناة من تحت ثم الباء الموحدة مصغر العتبة فناء الدار: الإمام الجليل وأيوب السختياني بفتح السين وسكون الخاء المعجمة وكسر التاء المثناة فوق وفتح الياء المثناة تحت وبعد الألف نون، وياء النسبة منسوب إلى عمل السختيان وبيعه وهي الجلود الضائنة (٢) بفتح الضاد المعجمة وبعد الألف همزة مكسورة ثم نون وهي جلود غنم الضأن هكذا ضبطه الجوهري في صحاحه، قال صاحب العلم المشهور (٣) قال إسماعيل بن إسحاق: سمعت علي بن المديني يقول: أربعة من أهل الأمصار يسكن القلب إليهم في الحديث يحيى بن سعيد بالمدينة وعمرو بن دينار بمكة وأيوب السختياني بالبصرة ومنصور بالكوفة (٤)، وكان أيوب من عباد العلماء يبيع جلود السختيان بالبصرة وهي جلود المعزى المدبوغة وهو أحد أئمة الجماعة في الحديث والإمامة

стр. 2273

والحفظ والاستقامة، قال الحسن أيوب سيد شباب أهل البصرة، وكان ابن سيرين إذا حدثه أيوب بالحديث قال: حدثني الصدوق قال سلام: كان أيوب السختياني يقوم الليل كله ويخفي ذلك فإذا كان عند الصبح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة، قال حماد بن زيد: غدا علي [أبو حمزة] ميمون يوم الجمعة قبل الصلاة فقال: إني رأيت البارحة أبا بكر وعمر في المنام فقلت لهما: ما جاء بكما قالا: جئنا نصلي على أيوب السختياني، قال: ولم يكن لميمون علم بموته فقلت له: قد مات البارحة، أ. هـ. مناقبه كثيرة مشهورة. قال الغزالي في بعض كتبه الأصوليه (١): لو زعم زاعم أن بينه وبين الله تعالى حالة أسقطت عنه الصلاة وأحلت له شرب الخمر وأكل مال السلطان كما زعم بعض الصوفية فلا شك في وجوب قتله وقتل مثله أفضل من قتل مائة كافر لأن ضرره أكثر والله أعلم قاله الكمال الدميري في شرحه [على المنهاج] (٢).

стр. 2274

فصل فى النفل واشتقاقه والنفل في اللغة الزيادة، وفي الاصطلاح ما عدا الفرائض، سمي بذلك لأنه زائد على ما فرضه الله تعالي، والنفل والسنة والتطوع والمندوب ألفاظ مترادفة [وقيل: غير الفرض] ثلاثة أقسام سنة، وهو ما واظب عليه النبي ﷺ ، ومستحب وهو [ما فعله] أحيانا، وتطوع: وهو ما لم يرد فيه [بخصوصه نقل، وينشئه الإنسان باختياره] (١). الترغيب في المحافظة على ثنتي عشرة ركعة من السنة في اليوم والليلة ٨٣٩ - عَن أم حَبِيبَة رَملَة بنت أبي سُفْيَان ﵄ قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من عبد مُسلم يُصَلِّي لله تَعَالَى فِي كل يَوْم ثِنْتَيْ عشرَة رَكْعَة تَطَوّعا غير فَرِيضَة إِلَّا بنى الله تَعَالَى لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة أَو إِلَّا بني لَهُ بَيت فِي الْجنَّة رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (٢) وَالتِّرْمِذِيّ وزَادَ أَرْبعا قبل الظّهْر

стр. 2275

وَرَكْعَتَيْنِ بعْدهَا وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْمغرب وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْعشَاء وَرَكْعَتَيْنِ قبل صَلَاة الْغَدَاة (١). وَرَوَاهُ بِالزِّيَادَةِ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم إِلَّا أَنهم زادوا وَرَكْعَتَيْنِ قبل الْعَصْر وَلم يذكرُوا رَكعَتَيْنِ بعد الْعشَاء. وَهُوَ كَذَلِك عِنْد النَّسَائِيّ فِي رِوَايَة (٢) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فَقَالَ وَرَكْعَتَيْنِ قبل الظّهْر وَرَكْعَتَيْنِ أَظُنهُ قبل الْعَصْر (٣) وَوَافَقَ التِّرْمِذِيّ على الْبَاقِي. قوله: عن أم حبيبة، أم حبيبة اسمها رملة، وقيل: هند والصحيح المشهور رملة وبه قال الأكثرون، كنيت بابنتها حبيبة بنت عبد الله بن جحش، وكانت من السابقين إلى الإسلام، ورملة هي بنت أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وهي أخت معاوية بن أبي سفيان، هاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى الحبشة فتوفي عنها زوجها فتزوجها رسول الله ﷺ وهي هناك سنة ست من الهجرة ويقال سنة سبع، قال أبو عبيد القاسم بن سلام والواقدي: توفيت سنة أربع وأربعين، قال ابن أبي خيثمة: توفيت

стр. 2276

قبل وفاة معاوية بسنة، وتوفي معاوية في رجب سنة ستين وهذا غريب ضعيف (١) والله أعلم. قال الحافظ أبو القاسم في تاريخ دمشق: قدمت أم حبيبة دمشق زائرة أخاها معاوية، قال: وقيل إن قبرها بها، قال: والصحيح أنها ماتت بالمدينة وهي مدنية، قال ابن مندة: سنة اثنين وأربعين، قال: وكان النجاشي أمهرها من عنده عن النبي ﷺ وكان وليها عثمان بن عفان، وقال .. أبو نصر: أمهرها النجاشي أربعة آلاف درهم، وبعثها إلى النبي ﷺ مع شرحبيل بن حسنة، قال أبو نعيم الأصبهاني: أمهرها النجاشي أربعمائة دينار وتولاها عثمان بن عفان، وقيل: خالد بن سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد شمس، وقال غيره: كان التزويج سنة ست من الهجرة، وقيل: سنة سبع وقدم بها المدينة ولها بضع وثلاثون سنة وكان الخاطب عمرو بن أمية الضمري، وكان زوجها قبل النبي ﷺ عبيد الله بن جحش تنصر بالحبشة ومات نصرانيا وهو أخو عبد الله بن جحش الصحابي الجليل، استشهد ﵁ يوم أحد (٢) والله أعلم. قوله ﷺ : "ما من عبد يصلي لله تعالى في كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير الفريضة إلا بنى الله تعالى له بيتا في الجنة" أو "إلا بني له بيتا في الجنة" الحديث، التطوع في الشرع فعل ما ليس بواجب في الطاعات وإن كان في

стр. 2277

[الأصل فعل الطاعة] مطلقًا (١). قوله: "غير الفريضة" بالنصب تأكيد لفظي لقوله "تطوعا" هو من باب التوكيد ورفع احتمال إرادة الاستعارة (٢). وقوله: "أو إلا بني به بيت في الجنة" هو شك من الراوي (٣) والمراد بالبيت القصر فهذا الحديث يتعلق بالسنن الرواتب المؤكدة قبل الفرائض وبعدها وهي اثنتا عشرة ركعة، وقد وردت مبينة في هذا الحديث ومجملة في قوله في الحديث: "من صلى اثنتي عشرة في اليوم والليلة" وليس للعصر ذكر في الصحيحين (٤). وقد قيل: عن الرواتب ست عشرة وزيد فيهن أربع قبل العصر وقيل: ثماني عشرة وزيد وركعتان بعد الظهر، وقيل: أربع عشرة فنقص قائله أربعا قبل العصر، وقيل: ثمان فأسقط من العشرة الأولى سنة العشاء وجعلها من صلاة الليل، وخالفت المالكية في ذلك، فالمشهور عندهم الراتبة للفرائض إلا الفجر حماية للفرائض، قالوا: وله أن يتطوع بما شاء (٥)، وفي الحديث عن ابن عمر قال: صليت مع رسول الله ﷺ ركعتين قبل الظهر وركعتين بعد الظهر وركعتين بعد الجمعة وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء، وفي

стр. 2278

لفظ ابن عمر قال: حدثتني حفصة أن النبي ﷺ كان يصلي ركعتين خفيفتين في بيته بعد ما يطلع الفجر (١)، ففيه دليل على استحباب أداء السنة في البيت فما هو فرض إظهاره أولى ما هو تطوع إخفاؤه أولي، وفي زماننا إظهار السنة الراتبة أولى ليتعلمها الناس ولا تندرس [ولأنه لو رأى الناس واحدا يصلي الفريضة في المسجد ولم يروه يصلي السنة اتهموه] ويظنوه تاركًا للسنة أ. هـ قاله في شرح المصابيح (٢) وجمهور العلماء على استحباب الراتبة في البيت كغيرها من النوافل، وسواء الليلية والنهارية عندهم، قال جماعة من السلف: الراتبة في المسجد أفضل وقال مالك والثوري: الأفضل فعل النهارية في المسجد والليلية في البيت أخذا بحديث ورد بذلك (٣)، قال النووي في شرح مسلم (٤): قال أصحابنا وغيرهم: واختلاف الأحاديث في أعداد النوافل محمول على توسعة الأمر فيها وأن لها أقل وأكمل فيحصل أصل السنة بالأقل وهو الراتب المؤكد ولكن الاختيار فعل الأكثر الأكمل وهذا كما في اختلاف أحاديث الضحى وكما جاء في أحاديث الوتر فجاءت فيها كلها أعداد بالأقل والأكثر وما بينهما ليدل على أقل المجزئ في تحصيل السنة وعلى الأكمل والأوسط (٥)، أ. هـ.

стр. 2279

واعلم أن وجوب السنن يخالف وجوب الفرائض فوجوب الفرائض يجب اعتقادا أو عملا، ووجوب السنن يجب اعتقادا لا عملا، فإذا قيل في غسل الجمعة مثلا أنه واجب وجوب السنن كان معناه أنه يجب اعتقاد كونه سنة وإن كان لا يجب فعله فإذا علم ذلك ففي حديث أم حبيبة استحباب استعمال التأكيد إذا احتيج إليها قالت أم حبيبة: فما تركتهن، وكذا قال عنبسة، وكذا قال عمر بن أوس والنعمان بن سالم، ففيه دليل على أنه يحسن من العالم ومن يقتدي به أن يقول مثل هذا أو لا يقصد به تزكية نفسه بل يريد حث السامعين على التخلق بخلقه في ذك وتحريضهم على المحافظة عليه وتنشيطهم (١)، أ. هـ قاله في الديباجة. قال الحليمي وغيره من العلماء: الحكمة في مشروعية الرواتب قبل الفرائض وبعدها تكميل الفرائض بها إن عرض نقص كما ثبت في سنن أبي داود وغيره عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح" إلى قوله "ثم يكون سائر عمله على ذلك" وتقدم هذا الحديث (٢) والذي ذكره العلماء حصول الجبر بالنوافل المتقدمة أي التي تتقدم على الفريضة والنوافل المتأخرة والحديث المتقدم يعم سائر التطوعات (٣)، وذكر العلماء أيضًا في تقديم النافلة على الفريضة وبعدها معنى لطيفا مناسبا أما في التقديم

стр. 2280

فلأن [الإنسان] يشتغل بأمور الدنيا وأسبابها فتتكيف النفس من ذلك بحالة بعيدة عن حضور القلب في العبادة والخشوع فيها الذي هو روحها فإذا قدمت السنن على الفريضة تأنست النفس بالعبادة وتكيفت [بحالة تقرب من] الخشوع يدخل في الفرض على حالة حسنة لم تكن تحصل له لولا تقدم السنن، ولهذا استحب أن تفتح صلاة الليل بركعتين خفيفتين رواه مسلم والله أعلم، فإن النفس مجبولة على التكيف بما هي فيه لا سيما إذا كثر أو طال وورود الحال المنافية لما قبلها تمحو أسبابه السابقة [أو يضعفه] وأما السنن [المتأخرة فلما ورد] أن النوافل [جابرة] لنقصان الفريضة فإذا وقع الفرض ناسب أن يكون بعده [ما يجبر خللا فيه] إن وقع (١) [بياض بالأصل] وأما [بياض بالأصل] لبعضها [بياض بالأصل] لما عساه يقع [بياض بالأصل] الرواتب على صلاة الليل والتراويح. فائدة: النوافل تنقسم إلى ثلاثة أقسام، نوافل هي سنن رواتب وهي التي واظب عليها رسول الله ﷺ هكذا قال ابن الجوزي؛ والقسم الثاني: ما ندب الشرع إلى صلاته كصلاة الضحي؛ والثالث: ما لم يأت فيه شيء من ذلك لكنه تطوع من حيث الجملة، وأفضل الرواتب ما شرع له الجماعة كالكسوف ونحوها وتليها الرواتب (٢) والله أعلم، ذكره صاحب تهذيب النفوس، وقال بعضهم: المراد بالرواتب السنن التابعة للفرائض وفيها

стр. 2281

اصطلاح آخر أنها النوافل المؤقتة بوقت مخصوص فالتراويح والعيد والضحى [راتبة على] الثاني [لا] الأول (١) والله أعلم. فائدة أخرى: قال العلماء: ندب الله تعالى عباده أن يأتوا بالسنن الرواتب تارة قبل الفرائض وتارة قبلها وبعدها قالوا بالتي قبلها إنما شرعت لأن الإنسان حين يلتهي بأشغال الدنيا يكون غافلا عن خدمة الملك الحق تعالى فندبه الملك إلى أنه قبل أن يدخل في فريضته التي هي بابه الذي يدخل عليه منه عبده كل يوم خمس مرات وهو صلة بينه وبينه إلى أن يأتي بنافلة حتى يتلبس بالتهييء للدخول في الفرض فإذا دخل في الفرض يكون عنده ملابسة الخير فيدخل بنشاط وإقبال فيقبل عليه الباري ﵎ بوجهه إقبال رحمة وعطف ثم شرع له السنن بعد بعض الصلوات لنقصان عسى يقع في الفرض فينجبر بالنافلة، كان سيدنا أبو القاسم القرشي ﵀ يقول: ليس لأمثالنا نوافل إنما النافلة لمن سلمت له فريضته عن النقص وهذا من بديع الكلام الحسن الجميل فإن النافلة في اللغة هي الزائدة مما لم تكن الصلاة على أكمل هيئة تكون النوافل مكملات لهن والله تعالى بلطيف حكمته ورحمته جعل سجدتي السهو جابرتين لنقص يقع في واجبات الصلاة وجعل السنن جابرة لنقص يقع في نوافل الصلاة .. فهو سبحانه يكمل نقصان عبيده ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٢)، ذكره أيضًا

стр. 2282

صاحب تهذيب النفوس. لطيفة أخرى: قال الشيخ شهاب الدين بن العماد في كتابه كشف الأسرار قال النيسابوري: وشرعت السنن تكملة للفرائض وتزيينا لها كما أن الحلي زينة للعروس (١). تنبيه: آكد هذه الرواتب ركعتا الفجر وقولي هذه الرواتب احترزت به عن الوتر فهو أفضل من ركعتي الفجر على الأصح من قولي الشافعي وهو مذهب مالك لأن أبا حنيفة يرى بوجوب الوتر ولم يوجب ركعتي الفجر، وما اختلف في وجوبه آكد مما لم يختلف [والمراد:] مقابلة [الجنس] بالجنس، ولا يبعد أن يجعل الشارع العدد القليل أفضل من العدد [الكثير مع اتحاد النوع] بدليل [القصر] في السفر فمع اختلافه أولى، وهو [الأصح من قول الشافعي وهو مذهب مالك] والقول الآخر وهو [قول للشافعي] تفضيل ركعتي الفجر للحديث (٢)، ولم أر لأصحابنا تعرضا لآكد الرواتب بعدهما، وفي وجه بعيد أن الوتر والفجر سواء واتفقوا على أنهما أفضل من غيرهما، وقال المالكية والحنابلة آكدهما بعدهما الركعتان بعد المغرب، ويشهد له أن الحسن البصري قال بوجوبهما أيضًا فروي محمد بن نصر المروزي في كتاب قيام الليل عن الحسن أنه كان يري الركعتين بعد المغرب واجبتين ويرى الركعتين قبل صلاة الصبح واجبتين (٣)، وفي مصنف ابن أبي شيبة عن

стр. 2283

سعيد بن جبير قال: لو تركت الركعتين بعد المغرب لخشيت أن لا يغفر لي (١)، وأما الآكد بعدهما فيحتمل أنهما الركعتان بعد العشاء لأنهما من صلاة الليل وهي أفضل، ويحتمل أنه سنة الظهر لاتفادتى الروايات عليها قاله في شرح الأحكام (٢). ٨٤٠ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ من ثابر عَن ثِنْتَيْ عشرَة رَكْعَة فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة دخل الْجنَّة أَرْبعا قبل الظّهْر وَرَكْعَتَيْنِ بعْدهَا وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْمغرب وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْعشَاء وَرَكْعَتَيْنِ قبل الْفجْر رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَهَذَا لَفظه. وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه كلهم من رِوَايَة الْمُغيرَة بن زِيَاد عَن عَطاء عَن عَائِشَة وَقَالَ النَّسَائِيّ هَذَا خطأ وَلَعَلَّه أَرَادَ عَنْبَسَة بن أبي سُفْيَان فصحف ثمَّ رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن عَنْبَسَة بن أبي سُفْيَان عَن أم حَبِيبَة وَقَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح لم يسمعهُ من عَنْبَسَة (٣). انْتهى. ثابر بالثاء الْمُثَلَّثَة وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة ثمَّ رَاء أَي لَازم وواظب. قوله: وعن عائشة، تقدم الكلام على مناقبها. قوله ﷺ : "من ثابر على ثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة دخل الجنة" الحديث، ثابر: بالثاء المثلثة وبعدها ألف وباء موحدة ثم راء أي لازم

стр. 2284

وواظب، أ. هـ قاله المنذري، وقال ابن الأثير: المثابرة: الحرص على الفعل والقول وملازمتهما (١)، أ. هـ، هذا الحديث قد رواه النسائي عن ابن جريج عن عطاء عن عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة، وليس في الصحيح لعنبسة عن أم حبيبة إلا هذا الحديث قاله الإمام أبو بكر ابن عبد الله الجوزقي (٢) قاله شارح مشارق الأنوار، وقال في الديياجة بعد [الحديث] وكان عنبسة محافظا على العمل بهذا الحديث [كما] ذكره مسلم في آخر الحديث (٣) والله أعلم.

стр. 2285

الترغيب في المحافظة على ركعتين قبل الصبح ٨٤١ - وَعَن عَائِشَة ﵂ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ رَكعَتَا الْفجْر خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَفِي رِوَايَة لمُسلم لَهما أحب إِلَيّ من الدُّنْيَا جَمِيعًا (١). قوله: عن عائشة، تقدمت ترجمتها. قوله ﷺ : "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" الحديث، قال النووي: معناه أنها خير من متاع الدنيا وما فيها (٢) لما يتذكر من عظيم رحمة الله تعالى لأمته في ذلك الوقت (٣)، وقيل: معناه أن الناس عند قيامهم من نومهم يبتدرون معاشهم وكسبهم فأعلمهم أنها خير من الدنيا وما فيها فضلا عما عساه أن يحصل لهم منها فلا يتركونها ويشتغلوا به، ولأن عددها لا يزيد ولا ينقص فأشبهت الفرائض ولأنها تتقدم على متبوعها والوتر يتأخر عنه وما تقدم على متبوعه أولى ولأنها تبع الصبح والوتر تبع العشاء والصبح آكد من العشاء أ. هـ قاله الكمال الدميري (٤)، وفيه: إيذان وتنبيه على أن كل عبادة وإن

стр. 2286

قلت خير مما حوته الدنيا بأسرها، والشافعي في القديم فضل ركعتي الفجر على الوتر (١)، واحتج له أصحابه بهذا الحديث وعضدوه بقوله ﷺ : "صلوها ولو طردتكم الخيل" (٢) يتأكد ذلك أيضًا بأنه ﷺ لم يكن على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر (٣)، التعاهد: الاحتفاظ بالشيء والملازمة له (٤)، وذهب الحسن البصري إلى وجوبهما، أ. هـ، قاله ابن عقيل في شرح الأحكام (٥). لطيفة: قال بعض العارفين: إذا قال النبي ﷺ في ركعتي الفجر إنهما خير من الدنيا وما فيها فما ظنك بصلاة الصبح التي هي الفرض فإنه قيل: كل فرض يعدل سبعين نافلة فما أشقى من حرمه الله تعالى هذا الفضل الكثير ليت شعري بماذا يتعرض المغبون عن هذا الفضل المكنون، ولله در القائل: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِذَا ضَيَّعْتَهُ عِوَضُ ... وَمَا مِنَ اللهِ إِنْ ضَيَّعْتَهُ عِوَضُ ٨٤٢ - وعنها ﵂ قَالَت لم يكن النَّبِي ﷺ على شَيْء من النَّوَافِل أَشد تعاهدا مِنْهُ على رَكْعَتي الْفجْر رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة قَالَت مَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ إِلَى

стр. 2287

شَيْء من الْخَيْر أسْرع مِنْهُ إِلَى الرَّكعَتَيْنِ قبل الْفجْر وَلَا إِلَى غنيمَة (١). قوله: وعنها، تقدم الكلام على مناقبها ﵂. قولها: لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد تعاهدا من ركعتي الفجر، وفي لفظ: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" الحديث، وتقدم، ويؤخذ من هذا الحديث تفضيل ركعتي الفجر على ما سواهما من النوافل التي لم تشرع فيها الجماعة وهو كذلك فركعتا الفجر أفضل الرواتب المؤكدة والرواتب المؤكدة أفضل من صلاة التراويح على الأصح وإن استحب فيها الجماعة لأنه ﷺ واظب عليها ولم يواظب على التراويح، وقال القاضي أبو الطيب والرواتب المؤكدة أفضل من صلاة الجنازة، ووجه ما قاله أن صلاة الجنازة لا سجود فيها ولا ركوع وقضية ذلك تفضيل سائر النوافل على صلاة الجنازة إلا أن يجود في التعليل النوافل تفيد التأكيد، واختلفوا في الوتر وركعتي الفجر، وللشافعي قدس الله سره في ذلك قولان أصحهما أن الوتر أفضل لأنه اختلف في وجوبه، وما اختلف العلماء في وجوبه كان آكد من غيره لقربه من الفريضة؛ والثاني: أن ركعتي الفجر أفضل لهذا الحديث ولقوله ﷺ : "ركعتا الفجر خير من الدنيما وما فيها" وما ذكر من العلة المرجحة عورض بأن الحسن البصري يقول بوجوب ركعتي الفجر أيضًا، وتقدم ذلك وبأن ركعتي الفجر تفعل في وقت الغفلة وفي وقت حلاوة

стр. 2288

النوم وهو وقت السحر وقد مدح الله تعالى أقوامًا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (١) والوتر تفعل قبل النوم وفي وقت انتشار الناس غالبًا، وللأول أن يجيب عن الحديث الأول بأن المراد أنه ﷺ لم يكن على شيء من النوافل التابعة للفرائض وهي العشر ركعات والوتر ليس منها لأنه عبادة مستقلة، ولهذا لا ينوي به سنة العشاء، وعن الرواية الثانية أن المراد بالدنيا وما فيها من الأعراض الدنيوية دون العبادات فلا يلزم تفضيله على الوتر ويدل عليه قوله ﷺ : "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم أو متعلم" (٢) فالمراد تفضيله على ذلك لأعلى العبادات (٣). فإن قيل: فلا خصوصية حينئذ للفجر لأن كل عبادة كذلك بل التسبيحة الواحدة خير من الدنيا وما فيها لبقاء ثوابها في الآخرة وذهاب الدنيا وانقراضها، فالجواب: أن ركعتي الفجر إنما خصت بالذكر والتفضيل لمعنى وهو أن الناس في أول النوع غالبا ينتشرون في طلب الدنيا ويسعون في معايشهم وكثير منهم يشتغل عن الصلاة وبعضهم يصلي الصبح ويدع الفجر مخافة أن يفوته الكثير فخوطب هؤلاء بأن الذي تركوه من ركعتي الفجر خير لهم من الدنيا وما فيها ومن المعلوم أن أحدا من هؤلاء لا يحصل له جميع

стр. 2289

الدنيا وإنما ذلك مبالغة، وبين ﷺ أن الدنيا لو تصور حصولها لإنسان قد فاتته ركعتا الفجر لكان مغبونا بفوات ما هو خير مما حصل له، ومما يدل على تأكد ركعتي الفجر حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تدعوا ركعتي الفجر ولو طردتكم الخيل" الحديث، وتقدم. ٨٤٣ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله دلَّنِي على عمل يَنْفَعنِي الله بِهِ قَالَ عَلَيْك بركعتي الْفجْر فَإِن فِيهَا فَضِيلَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِي رِوَايَة لَهُ أَيْضا قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَا تدعوا الرَّكْعَتَيْنِ قبل صَلَاة الْفجْر فَإِن فيهمَا الرغائب وروى أَحْمد مِنْهُ وركعتي الْفجْر حَافظُوا عَلَيْهِمَا فَإِن فيهمَا الرغائب (١). قوله: عن ابن عمر، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "الركعتين قبل صلاة الفجر فإن فيهما الرغائب" أي: ما يرغب فيه من الثواب العظيم، وبه سميت صلاة الرغائب .. واحدتها رغيبة، أ. هـ، قاله ابن الأثير (٢)، وقال أبو شامة المقدسي وهو أحد مشايخ النووي (٣):

стр. 2290

الرغائب جمع رغيبة وهي العطاء الكثير قال الشاعر: أنشد الجوهري عجزا (١): وَمَتى تصبك خصَاصَة فارج الْغنى ... وَإِلَى الَّذِي يُعْطِي الرَّغَائِبَ فَارْغَبِ وقال شمر: الرغائب ما يرغب فيه الواحدة رغيبة (٢) يعني الثواب العظيم فكأنها سميت بذلك لأجل العطايا الحاصلة لمصليها (٣)، أ. هـ. ٨٤٤ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ أَوْصَانِي خليلي ﷺ بِثَلَاث بِصَوْم ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر وَالْوتر قبل النّوم وركعتي الْفجْر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد جيد وَهُوَ عِنْد أبي دَاوُد وَغَيره خلا قَوْله وركعتي الْفجْر وَذكر مكانهما رَكْعَتي الضُّحَى (٤) وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قوله: عن أبي الدرداء، واسمه عويمر تقدم الكلام عليه. قوله: "أوصاني خليلي ﷺ بثلاث بصوم ثلاثة أيام من كل شهر والوتر قبل النوم وركعتي الفجر" الحديث، وأن المؤمنين أخلاؤه وأما هو فإنه خليل الرحمن [وأما قوله خليلي] فهذا لا يخالف قوله ﷺ : "لو كنت متخذا من

стр. 2291

أمتي خليلًا" (١) الحديث لأن الممتنع أن يتخذ النبي ﷺ غيره خليلا ولا يمتنع اتخاذ الصحابي وغيره النبي ﷺ خليلا، وفي هذا الحديث الحث على ركعتي الفجر والحث على صوم ثلاثة أيام من كل شهر كأن الحسن بعشر أمثالها والحث على الوتر وتقديمه على النوم لمن خاف أن لا يستيقظ آخر الليل (٢)، وسيأتي الكلام على صوم ثلاثة أيام من كل شهر في بابه وعلى الوتر قريبا في بابه إن شاء الله تعالى. ٨٤٥ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث الْقُرْآن و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تعدل ربع الْقُرْآن وَكَانَ يقرؤهما فِي رَكْعَتي الْفجْر وَقَالَ هَاتَانِ الركعتان فيهمَا رغب الدّرّ رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد حسن وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَاللَّفْظ لَهُ (٣). قوله: عن ابن عمر، تقدم. قوله ﷺ : " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث الْقُرْآن و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا
следующие страницы →