← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 2392–2431 · переход к 2397.

стр. 2392

قال النووي (١): وروينا في كتاب الترمذي وابن ماجة وابن السني بإسناد جيد عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : "إذا قام أحدكم عن فراشه من الليل ثم عاد إليه فلينفض بصنفة إزاره ثلاث مرات فإنه لا يدري ما خلفه عليه فإذا اضطجع فليقل باسمك اللهم وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها وإن رددتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" (٢) قال أهل اللغة: صنفة الإزار بكسر النون جانبه [لا هدب] فيه، وقيل: جانبه: أي جانب كان، قال الكرماني وغيره (٣): ويستحب أن ينفض فراشه قبل أن يدخل لئلا يكون قد دخل فيه حية أو عقرب أو غيرهما من المؤذيات وهو لا يشعر فينفض ويده ممسكا طرف إزاره لئلا يحصل في يده مكروه إن هذاك شيء، أ. هـ. وروينا في موطأ مالك ﵀ في باب الدعاء آخر كتاب الصلاة عن مالك أنه بلغه عن أبي الدرداء أنه كان يقوم من جوف الليل فيقول: نامت العيون وغارت النجوم وأنت حي قيوم، ومعني غارت غربت (٤). ٩٠٢ - وَروِيَ عَن أبي هرَيرَة ﵁ أَنه سمع رَسُول اللّه ﷺ يَقُول إِن اللّه تَعَالَى إِذا رد إِلَى العَبْد الْمُؤمن نَفسه من اللَّيْل فسبحه ومجده وَاسْتَغْفرهُ فَدَعَاهُ

стр. 2393

تقبل مِنْهُ رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا (١). ٩٠٣ - وَرُوِيَ عَن عبد اللّه بن عَمْرو ﵄ عَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ من قَالَ حِين تتَحَرَّك من اللَّيْل بِسم اللّه عشر مَرَّات وَسُبْحَان اللّه عشرا آمَنت بِاللّه وكفرت بالطاغوت عشرا وقِي كلّ ذَنْب يتخوفه وَلم يَنْبغ لذنب أَن يُدْرِكهُ إِلَى مثلهَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (٢) وَفِي الْبَاب أَحَادِيث كَثِيرَة من فعله ﷺ لَيست صَرِيحَة فِي التَّرْغِيب لم أذكرها. قوله: وروي عن عبد اللّه بن عمرو، تقدم الكلام عليه. قوله: "آمنت باللّه وكفرت بالطاغوت" الطاغوت جمعه الطواغيت، والطاغوت هو الشيطان أو ما يزين لهم [أن يعبدوه] من الأصنام ويقال للصنم طاغوت والطاغون يكون واحدا وجمعا، قاله في النهاية (٣).

стр. 2394

الترغيب في قيام الليل ٩٠٤ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ: يعْقد الشَّيْطَان على قافية رَأس أحدكم إِذا هُوَ نَام ثَلَاث عقد يضرب على كلّ عقدَة عَلَيْك ليل طَوِيل فارقد فَإِن اسْتَيْقَظَ فَذكر اللّه تَعَالَى انْحَلَّت عقدَة فَإِن تَوَضَّأ انْحَلَّت عقدَة فَإِن صلى انْحَلَّت عقده كلهَا فَأصْبح نشيطا طيّب النَّفس وَإِلَا أصبح خَبِيث النَّفس كسلان" رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَة وَقَالَ فَيُصْبِح نشيطا طيّب النَّفس قد أصَاب خيرا وَإِن لم يفعل أصبح كسلا خَبِيث النَّفس لم يصب خيرًا، رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه نَحوه وَزَاد فِي آخِره فحلوا عقد الشَّيْطَان وَلَو بِرَكْعَتَيْنِ (١). قافية الرَّأْس مؤخره وَمِنْه سمي آخر بَيت الشّعْر قافية. في حديث هشام (٢): إن قيام الليل كان واجبا أول الإسلام على النبي ﷺ

стр. 2395

والأمة ثم نسخ عنه وعن الأمة، وهي مسألة اختلف العُلماء فيها، فذهبت طائفة يسيرة إلى أنه لم يكن مفروضا والأحاديث ترد هذا المذهب، وذهبت طائفة إلى أنه كان مفروضا على النبي ﷺ خاصة، وأما النسخ في حق الأمة فهو مذهب كافة العُلماء، وذهب الحسن البصري إلى أن فرضية قيام الليل لم تنسخ عن الأمة بل الواجب قيام ما تيسر، وأما رسول اللّه ﷺ فقد اختلفوا في نسخ القيام في حقه، وظاهر حديث عائشة يدلّ على النسخ (١) واللّه أعلم، ذكره ابن عقيل في شرح الأحكام. تنبيه: قال العُلماء: ويسن التهجد وهو متأكد بالكتاب والسنة والإجماع ومداومة النبي ﷺ وهو الصلاة في الليل بعد النوم لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ (٣) والهجوع النوم ليلا (٤). قوله ﷺ : "وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" رواه مسلم (٥)، فالجواب عن هذا الحديث أنه محمول على النوافل المطلقة لأن رواتب الفرائض أفضل منها، وعن [أبي إسحاق المروزي] أن صلاة الليل أفضل

стр. 2396

[من السنن] الرواتب، [وقواه] النووي: أن كسوف الشمس أفضل من كسوف [القمر وليس] تفضيل أحد العيدين على الآخر [نقل، لكن ذكروا أن تكبير الفطر أفضل من تكبير الأضى على الجديد، والعيد أفضل من الكسوف، ثم الاستقساء بلا خلاف] قاله الكمال الدميري (١)، واللّه أعلم. قيل: إن صلاة الليل كانت فرضا فنسخت، وقد قيل: إن النسخ كان خاصًّا بالنبي ﷺ ، وعلى تقدير أن تكون الأمة معه فيه فقد يكون المنسوخ قيام النصف أو نحوه فيفرض دون ذلك، وقد ذهب بعض العُلماء إلى أنه يجب قيام شيء من الليل وإن قل، ومن أغرب ما قيل إن ذلك منسوخ بالصلوات الخمس أ. هـ. سؤال: ما الحكمة في أن اللّه تعالى ألزم المصطفى صلاة الليل دون أمته؟ الجواب عنه من وجوه: الأول: أنه لما أكرمه في الليل بما لم يكرم به أحدا قبله ألزمه في الليل بما لم يلزم به أحدا سواه، والإكرام الذي أكرمه به هو إنزال القرآن أعليه، قوله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ (٢)، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (٣) فأخبر أن نزول القرآن بالليل وإنزال التحية والسلام [بالليل وقوله] ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ (٤) يعني به

стр. 2397

الليل والعروج به إلى السماء، قوله ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ (١) فلما كانت ليلة السراة وليلة القدر وليلة نزول القرآن وليلة المعراج بما فيهن من الكرامات له خاصة ألزمه أيضًا التهجد بالليالي فتكون هذه المشقة شكرا للفضيلة. الثاني: إنما ألزمه التهجد بالليل لأن منزلته عند اللّه منزلة المحبة ومناجاة الليل من شعار المحبة، والدليل عليه قوله: "كذب من ادعي محبتي ثم إذا جن عليه الليل نام عني" فلما كانت صفة المحبة مناجاة الليل والنبي ﷺ كان أوكدهم محبة أوجب أن يستشعر بشعار الصالحين تخفيفا لحكم المحبة (٢). الثالث: ألزمه التهجد بالليل دون غيره لأن الليل أفضل الأوقات وهو أفضل الأنبياء والصلاة أفضل الطاعات فأراد أن يكون أفضل الأفضل، للأفضل من الأفضل [سبحانه] والتهجد في اللغة اسم [لدفع النوم بالتكلف، والهجود: هو النوم] يقال: هجد إذا نام، وتهجد إذا زال النوم وهو في الاصطلاح صلاة التطوع في الليل بعد النوم وكذا قال القاضي حسين [وقال في "الحاوي": إن التهجد] أنه من الأضداد يقال: تهجد إذا سهر وتهجد إذا نام (٣). قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة.

стр. 2398

قوله ﷺ : "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد" الحديث، قافية الرأس مؤخره، أ. هـ، كذا فسره الحافظ رحمه اللّه تعالى، وقافية كلّ شيء آخره، ومنه قافية الشعر، قال الخطابي (١): قلت لأعرابي: ورد علينا أين نزلت قال في قافية ذلك المكان وسمي لي موضعا عرفته، واختلف العُلماء في هذا العقد فقيل: هي عقد حقيقة بمعنى عقد السحر للإنسان ومنعه من [القيام قال] اللّه تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ (٢) فعلى هذا هو قول يقوله يؤثر في تثبيط النائم كما يؤثر السحر، وقيل: يحتمل أن يكون فعلا يفعله كفعل النفاثات في العقد، وقيل: هو من عقد القلب وتصميمه فكأنه يوسوس في نفسه ويحدّثه بأن عليك ليلا طويلا فيتأخر عن القيام، وقيل: هو مجازي كنى به عن تثبيط الإنسان عن قيام الليل (٣) واللّه أعلم. قال القرطبي: قوله ﷺ : "يعقد الشيطان" الحديث، هذا العقد [الذي] يعقده الشيطان من [باب عقد] السواحر النفاثات في العقد [وذلك] بإنهن [يأخذن] خيطا [فيعقدن] عليه [عقدة من] المسحور [ويتكلمن عليه بالسحر، فيتأثر عند] ذلك [إما بمرض أو تخييل] أو تحريك [قلب] أو تحزين أو غير ذلك، فشبه فعل الشيطان بالنائمة بفعل السواحر، وذلك أن

стр. 2399

النائم كلما أراد أن يقوم ليذكر اللّه أو يصلي غره وخدعه بأن يقول له عليك ليل طويل [فارقد فيريه أنه لطول ما بقي عليه من، الليل يمكنه استيفاء [راحته] من النوم وقيامه أبعد، ذلك لحزبه، فيصغى لذلك ويرقد ثم إن استيقظ ثانية فعل به كذلك، وكذلك ثالثة فلا يستيقظ في [من الثالثة إلا] وقد طلع الفجر [فيفوته] ما كان أراد من القيام، وإنما خص العقد بالثلاث لأن أغلب ما يكون انتباه النائم في السحر فإن اتفق له أن يستيقظ ويرجع للنوم ثلاث مرات لم [تتقض النومة] الثالثة في الغالب إلا والفجر قد طلع (١) قاله في الديباجة. لطيفة: قال ابن عقيل في شرح الأحكام قوله: "ثلاث عقد" إن هذه العقد الثلاث لها أسبالب ثلاثة الأكل والشرب والنوم، ومن محاسن ما قالت الصوفية: إن النوم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: نوم باللّه، ونوم للّه، ونوم عن اللّه، فالقسم الأول: نوم العارفين باللّه تعالي، والقسم الثاني: نوم العباد فإنهم يستعينون به على أكمل العبادات، والقسم الثالث: نوم الغافلين عن اللّه وهو نوم أكثر الخلق، أ. هـ. هذا الحديث يحتمل أن يكون في حق من نام عن الصلاة المفروضة. قوله ﷺ : "يضرب على كلّ عقدة عليك ليل طويل فارقد" رواه بعضهم بالرفع على الابتداء والخبر أي: بقى عليك ليل طويل، ويروي بالنصب على

стр. 2400

الإغراء أي: الزم ليلا طويلا، قال النووي (١): هكذا هو في معظم نسخ بلادنا كصحيح مسلم وكذا نقله القاضي عياض عن رواية الأكثرين. قوله ﷺ : "فإن استيقظ فذكر اللّه تعالى انحلت عقدة وإن صلى انحلت عقده كلها" بها هذا الحديث فوائد منها: الحث على ذكر اللّه تعالى عند الاستيقاظ من النوم وجاءت فيه أذكار مخصوصة مشهورة بها الصحيح وتقدم بعضها ولا يتعين لهذه الفضيلة ذكر ولكن الأذكار المأثورة فيه أفضل، ومثها: التحريض على الوضوء [حينئذ وعلي] الصلاة وإن قلت، قال النووي بها شرح مسلم: ظاهر الحديث أن من لم يجمع بين الأمور الثلاثة وهي الذكر والوضوء والصلاة فهو داخل فيمن لم يصبح خبيث النفس كسلان (٢)، أ. هـ، وقد يقال [إذا جمع بين] الأمور الثلاثة [انتفى عنه] خبث النفس والكسل كاملا [وإذا أتى ببعضها] انتفى عنه بعض خبث النفس والكسل فليس عند من استيقظ فذكر اللّه من خبث النفس والكسل ما عند من لم يذكر اللّه أصلا (٣) واللّه أعلم. قوله ﷺ : "فأصبح نشيطا طيّب النفس" قال النووي بها شرح مسلم (٤) معناه: بسروره بما وفقه اللّه الكريم له من الطاعة ووعده به من ثوابه مع ما يبارك له في

стр. 2401

نفسه، وتصرفه في كلّ أموره مع ما زال عنه من عقد الشيطان وتثبيطه، قال الإمام أبو عبد اللّه القرطبي (١): نشيطا لما يرد عليه من العبادات لكونه ألَّفها. قوله ﷺ : "وإلا أصبح خبيث النفس كسلان" معناه: لما عليه من عقد الشيطان وآثار تثبيطه واستيلائه مع أنه لم يزل ذلك عنه (٢)؛ وقوله أيضًا: "خبيث النفس" أي: بشؤم تفريطه وبإتمام خديعة الشيطان عليه إذ قد حمله على أن فاته الحظ الأوفر من قيام الليل (٣)، فعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : "لا يقل أحدكم خبثت نفسي ولكن ليقل لقست نفسي" أخرجاه (٤)، و (خبثت) بضم الموحّدة، وإنما كره (خبثت) هربا من لفظ (الخبث) فهذا من الأدب في العبادة أن يتجنب ما فيه بشاعة أو كراهة أو شر ويختار ما فيه عذوبة وتفاؤل، ولهذا استحسنوا الأسماء الحسنة وكرهوا الأسماء السيئة وكنوا عن أمور كالغائط عن المحدّث وأشباهه (٥)، فإن قيل: فقد قال ﵇ في الذي ينام عن [الصلاة] فأصبح خبيث النفس كسلان؛ فجوابه: عن ذلك خبر عن صفة غيره وعن شخص مبهم أمذموم، الحلال فلا يمنع إطلاق هذا اللفظ عليه (٦) واللّه أعلم، أ. هـ، قاله في شرح الإلمام، وكسلان أي متثاقل عن

стр. 2402

الخيرات، وربما يحمله ذلك على تضييع الواجبات، وكسلان غير منصرف للألف والنون الزائدتين وهو مذكر كسلى، وقد وقع لبعض رواة الموطأ كسلان مصروف وليس بشيء، ليس في هذا الحديث مخالفة لقوله ﷺ : "لا يقل أحدكم خبثت نفسي". ٩٠٥ - وَعَن جَابر ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ مَا من ذكر وَلَا أُنْثَى إِلَّا على رَأسه جرير مَعْقُود حِين يرقد بِاللَّيْلِ فَإِن اسْتَيْقَظَ فَذكر اللّه انْحَلَّت عقدَة وَإِذا قَامَ تَوَضَّأ وَصلى انْحَلَّت العقد وَأصْبح خَفِيفا طيّب النَّفس قد أصَاب خيرا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَقَالَ الْجَرِير الْحَبل رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَيَأْتِي لَفظه (١). قوله: وعن جابر، تقدم الكلام على جابر. قوله ﷺ : "ما من ذكر ولا أنثى إلا على رأسه جرير معقود حين يرقد بالليل" قال ابن خزيمة: الجرير الحبل، وتقدم تفسير ما في الحديث قبله. ٩٠٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ أفضل الصّيام بعد رَمَضَان شهر اللّه الْمحرم وَأفضل الصَّلَاة بعد الْفَرِيضَة صَلَاة اللَّيْل" رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَه فِي صَحِيحه (٢). قوله: وعن أبي .. هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة.

стр. 2403

قوله ﷺ : "أفضل الصيام بعد رمضان شهر اللّه المحرم" سيأتي الكلام على هذا الحديث صوم شهر اللّه المحرم في بابه [بياض بالأصل] أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل، فيه دليل لما اتفق العُلماء عليه أن تطوع الليل أفضل من تطوع النهار لكن أوسطه أي الليل أفضل، هذا إذا قسمه أثلاثا [لشمول] الغفلة فيه وثقل العبادة حينئذ وأفضل منه السدس الرابع والخامس ثم آخره أي [نصفا أو ثلثا] أفضل من أوله [ثم آخره أي: نصفا أو ثلثا أفضل من أوله؛ لأن اللّه] تعالى حث [على الاستغفار] بالأسحار وهو محل الرحمة والمغفرة أ. هـ قاله الكمال الدميري (١)، وفيه حجة لأبي إسحاق المروزي من أصحابنا ومن وافقه أن صلاة الليل أفضل من السنن الراتبة، وقال أكثر أصحابنا الرواتب أفضل لأنها تشبه الفرائض والأولى أقوى وأوفق للحديث (٢) واللّه أعلم، وتقدم ذلك، وقد ورد أنه ﷺ نهى عن صلاة الليل كلّه، أما نهيه ﷺ عن صلاة الليل كلّه فهو على إطلاقه وغير مختصر به بل قال أصحابنا يكره صلاة كلّ الليل دائما لكل واحد، وفرقوا بينه وبين صوم الدهر في حق من لا يتضرر به ولا يفوت حقا بأن صلاة الليل كلّه لابد فيها من الإضرار بنفسه وتفويت بعض الحقوق لأنه إن لم ينم بالنهار فهو ضرر ظاهر وغن نام نوما ينجبر به سهره فوت بعض الحقوق بخلاف من لا يصلي بعض الليل فإنه يستغني بنوم باقيه وإن نام معه شيئًا في النهار كان يسيرا لا يفوت حق، وكذا من قام ليلة كاملة كليلة العيد أو غيرها لا دائما لا كراهة فيه لعدم

стр. 2404

الضرر (١) واللّه أعلم. ٩٠٧ - وَعَن عبد اللّه بن سَلام ﵁: قَالَ أول مَا قدم رَسُول اللّه ﷺ الْمَدِينَة انجفل النَّاس إِلَيْهِ فَكنت فِيمَن جَاءَهُ فَلَمَّا تَأَمَّلت وَجهه واستبنته عرفت أَن وَجهه لَيْسَ بِوَجْه كذَّاب قَالَ فَكَانَ أول مَا سَمِعت من كَلَامه أَن قَالَ أَيهَا النَّاس أفشوا السَّلَام وأطعموا الطَّعَام وصلوا الْأَرْحَام وصلوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام تدْخلُوا الْجنَّة بِسَلام رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَابْن مَاجَة وَالْحَاكِم وَقَالا صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ (٢) انجفل النَّاس بِالْجِيم أَي أَسْرعُوا ومضوا كلهم. استبنته أَي تحققته وتبينته. قوله: وعن عبد اللّه بن سلام، سيأتي الكلام على مناقبه مبسوطا واللّه أعلم. قوله: أول ما قدم رسول اللّه ﷺ المدينة انجفل الناس إليه" الحديث، المراد بالمدينة مدينة رسول اللّه ﷺ التي هاجر إليها وهي مدينة حسنة وبها قبره وهي في مستوي الأرض وعليها سور حصين قديم وحولها نخل كثير وتمرها في غاية الحسن والحلاوة وللمدينة مخاليف كثيرة وهي الحصون فمن مخالفيها المشهورة وادي العقيق وبه نخل ومزارع وقبائل من العرب ووادي الصفراء وغير ذلك ولها أسماء كثيرة يثرب وطيبة بفتح الطاء وسكون الياء وطابة والدار والطيب إما لخلوصها [من الشرك] أو لطيبها لساكنيها

стр. 2405

لأمنهم ودعتهم، وقيل: لطيب عيشهم فيها، وأما تسميتها بالدار فللاستقرار بها، وأما المدينة فهي إما من مدن بالمكان إذا قام به فهي [فعيلة وجمعها مدائن بالهمز] أو من دان أي أطاع أو من دين أي ملك فجمعه مداين بلا همز كقوله تعالى [وجعلنا لكم فيها معايش] (١) واللّه أعلم بالصواب. قوله: انجفل الناس إليه، انجفل بالجيم أي: أسرعوا أو مضوا كلهم إليه. وقوله: واستبنته، أي: تحققته وتبينته كذا فسره الحافظ. ٩٠٨ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي الْجنَّة غرفَة يرى ظَاهرهَا من بَاطِنهَا وباطنها من ظَاهرهَا فَقَالَ أَبُو مَالك الأشْعَرِيّ لمن هِيَ يَا رَسُول اللّه قَالَ لمن أطاب الْكَلَام وَأطْعم الطَّعَام وَبَات قَائِما وَالنَّاس نيام رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (٢). قوله: وعن عبد اللّه بن عمر وتقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها فقال أبو مالك الأشعري لمن هي يا رسول اللّه قال لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وبات قائما والناس نيام" وسيأتي الكلام على الغرف في ذكر الجنة إن شاء اللّه تعالى. ٩٠٩ - وَعَن أبي مَالك الأشْعَرِيّ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن فِي الْجنَّة غرفا يرى ظَاهرهَا من بَاطِنهَا وباطنها من ظَاهرهَا أعدهَا اللّه لمن أطْعم الطَّعَام

стр. 2406

وَأفْشى السَّلَام وَصلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (١) وَتقدم حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي صَلَاة الْجَمَاعَة وَفِيه والدرجات إفشاء السَّلَام وإطعام الطَّعَام وَالصَّلَاة بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه (٢). قوله: وعن أبي مالك الأشعري ﵁[هو أبو مالك كعب بن عاصم الأشعري، قال أبو حاتم: سمعتُ إسماعيل بن أبي أويس يقول: أبو مالك الأشعري، كعب بن عاصم، وكذلك قال أبو بكر بن أبي شيبة والبخاري في "التاريخ"، وأبو حاتم. وقال: روى عنه عبد الرحمن بن غنم، وأم الدرداء، وشريح بن عبيد. وقال أبو حاتم أيضًا: وقيل: اسمه عبد اللّه، وقيل: عمرو، وقيل: عبيد. وقال البخاري في رواية عبد الرحمن بن غنم عنه: حدّثنا أبو مالك أو أبو عامر بالشك. قال ابن المديني: وأبو مالك هو الصَّواب، روى عنه جابر بن عبد اللّه، وعبد الرحمن بن غنم، وخالد ابن أبي مريم. مات في خلافة عمر بن الخطاب (٣)]. قوله ﷺ : "إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها اللّه لمن أطعم الطعام وأفشى السَّلام وصلى بالليل والناس نيام" الحديث، اعلم أن هذه الغرف مختلفة في العلو والصفة بحسب اختلاف أصحابها في العمال فبعضها أعلا من بعض وأرفع وأنها لأهل هذه الخصال الثلاثة.

стр. 2407

٩١٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ قلت يَا رَسُول اللّه إِنِّي إِذا رَأَيْتُك طابت نَفسِي وقرت عَيْني أنبئني عَن كلّ شَيْء قَالَ كلّ شَيْء خلق من المَاء فَقلت أَخْبرنِي بِشَئ إِذا عملته دخلت الْجنَّة قَالَ أطْعم الطَّعَام وأفش السَّلَام وصل الأرْحَام وصل بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام تدخل الْجنَّة بِسَلام رَوَاهُ أَحْمد وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب التَّهَجُّد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَصَححهُ (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله: إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني [أنبئني] عن كلّ شيء؟، قال: "كلّ شيء خلق من الماء" الحديث، فهذا الحديث يدلّ على أن الماء أصل جميع المخلوقات ومادتها وجميع المخلوقات خلقت منه، وقد حكي ابن جرير وغيره عن ابن مسعود وطائفة من السلف أن أول المخلوقات الماء، وقد أخبر اللّه تعالى في كتابه أن الماء كان موجودا قبل خلق السموات والأرض فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (٢) وحديث أبي هريرة يدلّ على أن الماء مادة جميع المخلوقات، وقد دل القرآن على أن الماء مادة جميع المخلوقات (الحيوانات) قال اللّه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (٣) وقال اللّه

стр. 2408

تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ (١) واللّه أعلم. قوله ﷺ : "أطعم الطعام وأفش السَّلام وصل الأرحام" سيأتي الكلام على هذه الثلاثة في أبوابها. ٩١١ - وَرُوِيَ عَن عَليّ ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول إِن فِي الْجنَّة لشَجَرَة يخرج من أَعْلَاهَا حلل وَمن أَسْفَلهَا خيل من ذهب مسرجة ملجمة من در وَيَاقُوت لا تروث وَلَا تبول لهَا أَجْنِحَة خطوها مد الْبَصَر فَيركبهَا أهل الْجنَّة فتطير بهم حَيْثُ شاؤوا فَيَقُول الَّذين أَسْفَل مِنْهُم دَرَجَة يَا رب بِمَا بلغ عِبَادك هَذِه الْكَرَامَة كلهَا قَالَ فَيُقَال لَهُم كانُوا يصلونَ بِاللَّيْلِ وكنتم تنامون وَكانُوا يَصُومُونَ وكنتم تَأْكلُونَ وَكانُوا يُنْفقُونَ وكنتم تبخلون وَكانُوا يُقَاتلُون وكنتم تجبنون رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا (٢). قوله: وروي عن علي ﵁، تقدم الكلام علي عليّ ﵁. قوله: "إن في الجنة خيلا من ذهب لا تروث ولا تبول" الروث بالثاء المثلثة هو الخارج من الآدمي وغيره، والبول معروف. فائدة: ومن الخيل في الدنيا ما لا يروث ولا يبول ما دام عليه راكبه، ومنها ما يعرف صاحبه ولا يمكن غيره من الركوب عليه، فالفرس أشبه الحيوان بالإنسان لما يوجد فيه من الكرم وشرف النفس [وعلو الهمة] وتزعم العرب

стр. 2409

أنه كان وحشيا كسائر الوحوش ولذلك سميت [بالعراب] وركبه إسماعيل ﵇ فلما [أذن] اللّه تعالى لإبراهيم وإسماعيل ﵉ برفع القواعد من البيت [قال اللّه : إني معطيكما كنزا دخرته لكما]، ثم [أوحى اللّه] تعالى إلى إسماعيل ﵇ أن [اخرج فادع] بذلك الكنز فخرج إلى [أجياد] وكان لا يدري ما [الدعاء] والكنز فألهمه اللّه الدعاء فلم يبق [على وجه الأرض، فرس بأرض العرب [إلا أجابته] فأمكنته من نواصيها وتذللت، ولذلك قال نبينا ﷺ : "اركبوا الخيل فإنها من ميراث أبيكم إسماعيل"، وكان لسليمان ﵇ خيل ذوات أجنحة، أ. هـ قاله الكمال الدميري في حياة الحيوان (١). قوله: "وكانوا يقاتلون وكنتم تجبنون" الجبن هو الخوف وعد الإقدام علي الشيء. ٩١٢ - وَرُوِيَ عَن أَسمَاء بنت يزِيد ﵄ عَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ يحْشر النَّاس فِي صَعِيد وَاحِد يَوْم الْقِيَامَة فينادي مُنَاد فَيَقُول أَيْن الَّذين كَانُوا تَتَجَافَى جنُوبهم عَن الْمضَاجِع فَيقومُونَ وهم قَلِيل فَيدْخلُونَ الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب ثمَّ يُؤمر بِسَائِر النَّاس إِلَى الْحساب رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (٢).

стр. 2410

قوله: وروي عن أسماء بنت يزيد ﵂. [هي أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، إحدى نساء بني عبد الأشهل، تكنى أم عامر، وقيل: أم سلمة، وقيل: اسمها فكيهة، وهي من المبايعات يقال: إنها بنت عم معاذ بن جبل، وهي مدنية من ذوات العقل والدين. شهدت اليرموك، وقتلت تسعة من الكفار بعود فسطاط. روى عنها محمود بن عمرو، ومهاجر أبو محمد، وشهر بن حوشب (١)]. قوله ﷺ : "يحشر الناس في صعيد واحد" الصعيد هو الأرض الواسعة المستوية، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في الشفاعة. قوله: "فينادي مناد فيقول: أين الذين كانوا تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ " الحديث، المراد بهم نوام الليل. قوله ﷺ : "فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب" الحديث، تصير الناس في الحساب على ثلاثة فرق: فرقة لا يحاسبون أصلًا، وفوقة تحاسب حسابا يسيرًا وهما من المؤمنين، وفرقة تحاسب حسابا شديدًا يكون منهم مسلم وكافر. ٩١٣ - وَعَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة ﵁ قَالَ قَامَ النَّبِي ﷺ حَتَّى تورمت قدماه فَقيل لَهُ قد غفر اللّه لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر قَالَ أَفلا أكون عبدا شكُورًا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَفِي رِوَايَة لَهما وللترمذي قَالَ إِن كَانَ النَّبِي ﷺ ليقوم أَو ليُصَلِّي حَتَّى ترم قدماه أَو ساقاه فَيُقَال لَهُ فَيَقُول أَفلا أكون عبدا شكُورًا (٢).

стр. 2411

٩١٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول اللّه ﷺ يقوم حَتَّى ترم قدماه فَقيل لَهُ أَي رَسُول اللّه أتصنع هَذَا وَقد جَاءَك من اللّه أَن قد غفر لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر قَالَ أَفلا أكون عبدا شكُورًا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (١). قوله: وعن المغيرة بن شعبة ﵁، كنيته: أبو عبد اللّه، وقيل: أبو عيسى، وقيل: أبو محمد بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بالعين المهملة المفتوحة بن مالك بن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس بن منبه فذكره إلى أن قال: بن معد بن عدنان الثقفي الكوفي الصحابي، أسلم عام الخندق، روى له عن رسول اللّه ﷺ مائة وستة وثلاثون حديثًا، اتفقا منها على سبعة، وللبخاري حديث ولمسلم حديثان، ورى له الجماعة، كان المغيرة موصوفا بالدهاء، قيل: إنه أحصر ثلاثمائة امرأة، وقيل: ألف امرأة ... ، شهد الحديبية وولاه عمر البصرة ثم ولاه الكوفة وأقام بها إلى أن مات عمر فأقره عثمان عليها ثم عزله وشهد اليمامة وفتح الشام وذهبت عينه يوم اليرموك وشهد القادسية وفتح همذان وغيرها، واعتزل الفتنة بعد قتل عثمان واستعمله معاوية على الكوفة، وتوفي وهو عليها سنة خمسين، وقل: إحدى وخمسين وهو أول من وضع ديوان البصرة، قال الشعبي: دهاة العرب أربعة معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد بن أمية، كان كثير النكاح للنساء ينكح أربعا ثم يطلقهن وأحصر أربعا من بنات أبي سفيان، قال: وما غلبني إلا شاب خطبت امرأة فقال: إني رأيتُ رجلًا يقبلها فتركتها فتزوجها الشاب

стр. 2412

فقلت له، فقال: نعم رأيتُ أباها يقبلها (١). قوله: قام النبي ﷺ حتى تورمت قدماه، وفي حديث أبي هريرة: "حتى تورمت أقدامه" وفي رواية الترمذي: "حتى ترم قدماه أو ساقاه" أي: انتفخت من طول قيامه في صلاة الليل، يقال: ورم يرم والقياس يورم وهو أحد ما جاء على هذا البناء قاله في النهاية (٢). قوله: فقيل له: قد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تآخر، قال: "أفلا أكون عبدا شكورًا"، وفي رواية الترمذي: فيقال له: فيقول: "أفلا أكون عبدا شكورًا" أي: بتوفيقه إياي، وفيه: أن قيام المغفور له يحقق العبودية، وبالشكر يحصل المقام المحمود وغيره من الشيم المرضية فقيام الليل مظنة النيل، ولهذا حافظ عليها أكابر المقربين وتفطرت فيها قدما سيد المرسلين الأولين والآخرين، أ. هـ قاله في حدائق الأولياء (٣)، وقال القاضي عياض: فيقال له في ذلك فيقول: "أفلا أكون عبدا شكورًا" أي: يقال له في ذلك ما يلام به في إجهاده نفسه وتجشمه من التعب ما تجشمه (٤)، أ. هـ، وقال بعضهم "أفلا أكون عبدا شكورًا" أي: مثنيا على ربي بنعمه ومتلقيا لها بالازدياد من طاعته، والشكر: الثناء على صنع يؤتى للعبد (٥)، وقيل: الشكر معرفة

стр. 2413

الإحسان والتحدّث به (١)، وقيل: الشكر بالقلب وهو التسليم قال اللّه تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ (٢) وبالعمل وهو الدوام على الطاعة قال اللّه تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾، ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (٣) وقال النبي ﷺ حين عوتب على الإجهاد في العمل: "أفلا أكون عبدا شكورًا"، وقيل: الشكر والحمد سواء، وقيل: الحمد أعم لأن متعلقه الصفات والأفعال جميعها، ومتعلق الشكر الفعل وحده (٤)، وتقدم الكلام على الشكر والحمد في الخطبة مبسوطا، وقال بعضهم أيضًا في قوله: "أفلا أكون عبدا شكورًا" أي: ليست عبادتي لأجل خوف الذنوب بل لشكر النعم الكثيرة، وقال الغزالي في الإحياء (٥) في قوله: "أفلا أكون عبدا شكورًا" يظهر من معناه أن ذلك كناية عن زيادة الرتبة فإن الشكر سبب المزيد قال اللّه تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٦). ٩١٥ - وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول اللّه ﷺ كَانَ يقوم من اللَّيْل حَتَّى تتفطر قدماه فَقلت لَهُ لم تصنع هَذَا وَقد غفر لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر قَالَ أَفلا أحب أَن أكون عبدا شكُورًا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٧).

стр. 2414

قوله: عن عائشة ﵂، تقدم الكلام على مناقبها. قوله: "كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه" الحديث، والتفطر التشقق يقال: تفطرت وانفطرت بمعنى قاله في النهاية (١)، والتشقق أبلغ من التورم لأن التورم مبادئه. قوله: "أفلا أكون عبدا شكورًا"، إشعار بمزية قيام الليل على غيره من العبادات، قاله في الحدائق (٢)، واعلم أن هذا الحديث يتضمن أن الشكر بعمل الأبدان دون الاقتصار على عمل اللسان، قال اللّه تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (٣) فالشكر بالأقوال عمل اللسان والشكر بالأفعال عمل الأركان، والقصد الصحيح هو المحصل للمطلوب وهو من أعمال القلوب فلا يكمل الشكر إلا هذه الثلاثة الأمور، قال اللّه تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٤) فنسأل اللّه تعالى أن يجعلنا من الذاكرين ولنعمه من الشاكرين وأن يوفقنا لمراضيه وامتتال أوامره ونواهيه إنه سميع الدعاء لطيف لما يشاء، قاله في تاريخ كنز الدرر. ٩١٦ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ أحب الصَّلَاة إِلَى اللّه صَلَاة دَاوُد وَأحب الصّيام إِلَى اللّه صِيَام دَاوُد كَانَ ينَام

стр. 2415

نصف اللَّيْل وَيقوم ثلثه وينام سدسه ويصوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَة وَذكر التِّرْمِذِيّ مِنْهُ الصَّوْم فَقَط (١). قوله: وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ﵄، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "أحب الصلاة إلى اللّه صلاة داود" الحديث، داود نبي اللّه هو: أبو سليمان هو داود بن أبيشا بهمزة مكسورة ثم مثناة من تحت ساكنة ثم شين معجمة، ويقال: منشأ بن عويد فذكر نسبه إلى أن قال بن يهود بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن وداود اسم أعجمي قال ابن عباس: هو بالعبرانية القصير العمر، قال مقاتل: ذكر اللّه تعالى داود في اثني عشر موضعا من كتابه، وثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول اللّه ﷺ قال: "خفف على داود القرآن" أي: الزبور، وكان يأمر بدابته فتسرج فيقر قبل أن تسرج وكان لا يأكل إلا من عمل يده، وكان رسول اللّه ﷺ إذا ذكر داود قال: "كان أعبد البشر"، قال كعب الأحبار ووهب بن منبه: كان داود أحمر الوجه سبط الرأس أبيض الجسم طويل اللحية فيها جعودة حسن الصوت والخلو طاهر القلب، قيل: ورد عن رسول اللّه ﷺ أن عمر داود ﵇ كان مائة سنة، وقال أهل الكتاب: تسع وتسعون سنة، ومدة ملكه أربعون سنة قال: والنصاري يزعمون أن قبره في الكنيسة الجسمانية ببيت المقدس (٢)، أ. هـ.

стр. 2416

قوله ﷺ في داود: "كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه" الحديث فهمه بعض العُلماء على الترتيب وأنه كان ينام سدس الليل الآخر ليقوم إلى صلاة الصبح بنشاط لكن الذي يظهر أن الواو ليست للترتيب هاهنا، وذلك أن داود ﷺ لا يظن به أنه كان ينام حين تغرب الشمس لأن هذا لا يفعله الكسالي فضلًا عن ذي العزم والنشاط لاسيما إن كانت صلاة المغرب والعشاء واجبة عليهم وإذا لم يكن هذا الترتيب كان المعنى أنه ﷺ كان يحيي ثلث الليل إما من أوله أو أوسطه أو آخره، ولهذا كان النبي ﷺ هو والصحابة يقومون من ثلث الليل قبل فريضة الصلاة الخمس كما قال تعالى في سورة المزمل، ويكون المعنى على هذا كان ينام نصف الليل وسدسه ويقوم ثلثه وفرق ﷺ بين النصف والسدس بالعطف لأن الأمر وقع كذلك في سورة المزمل قال تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ (١) أي: على الثلث، أي أوزد على الثلث السدس فكأنه قال: أو قم الثلثين، فالتخيير ثابت في الزيادة على النصف إلى الثلثين والنقص منه إلى الثلث واللّه أعلم. ٩١٧ - وَعَن جَابر ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول إِن فِي اللَّيْل لساعة لا يُوَافِقهَا رجل مُسلم يسْأَل اللّه خيرا من أَمر الدُّنْيَا وَالآخرَة إِلَّا أعطَاهُ إِيَّاه وَذَلِكَ كلّ لَيْلَة رَوَاهُ مُسلم (٢).

стр. 2417

قوله: وعن جابر، تقدم الكلام على جابر. قوله ﷺ : "إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل اللّه خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كلّ ليلة" الحديث فيه إثبات ساعة الإجابة في كلّ ليلة وأنها ليست مخصوصة ببعض الليالي، ويتضمن الحث على الدعاء في جميع ساعات الليل رجاء مصادقتها واللّه أعلم. ٩١٨ - وَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ ﵁: عَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ عَلَيْكُم بِقِيَام اللَّيْل فَإِنَّهُ دأب الصَّالِحين قبلكُمْ وقربة إِلَى ربكُم ومكفرة للسيئات ومنهاة عَن الإِثْم رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي كتاب الدُّعَاء من جَامعه وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب التَّهَجُّد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم كلهم من رِوَايَة عبد اللّه بن صَالح كَاتب اللَّيْث ﵀ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ (١). قوله: وعن أبي أمامة الباهلي، تقدم الكلام عليه. قوله: "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم" الحديث، الدأب العادة والشأن [قوله: "قبلكم" أي هي عادة قديمة، واظب عليها] الأنبياء وقد [يحرك] وأصله من دأب في العمل إذا جد وتعب إلا أن العرب حولت معناه إلى العادة والشأن ومنه الحديث "كان دأب ودأبهم" قاله في النهاية (٢)، وقال

стр. 2418

الإمام أبو عبد اللّه القرطبي في التذكار (١): روي عن يحيى بن عيسى بن ضرار السعدي وكان قد بكى شوقا إلى اللّه تعالى ستين عاما قال: رأيتُ كأن ضفة نهر تجري بالمسك الإذفر. حافتاه شجر اللؤلؤ، وبيت من قصبان الذهب، فإذا بجوار مزينات يقلن بصوت واحد: سبحان المسبح بكل لسان سبحان الموجود بكل مكان سبحان الدائم في كلّ زمان سبحانه سبحانه، قال: قلت: من أنتن؟. قلن: خلق من خل الرحمن، قال: قلت: ما تصنعن هاهنا؟ فقلن: ذرأنا (٢) إله الناس رب محمد ... لقوم على الأقدام بالليل قُوَّم كنا جور رب العالمين إلاههم ... وتسري هموم القوم والناس نُوَّم فقلت: بخ بخ لهؤلاء من هؤلاء، لقد أقر اللّه أعينهم فقلن: أما تعرفهم فقلت واللّه ما أعرفهم، قلن: هؤلاء المتهجدون بالليل أصحاب السهر، وذكر أبو الوليد النيسابوري: أن المتهجد بشفع في أهل بيته، وروي أن الجنيد رئي في النوم، فقيل له: ما فعل اللّه بك؟ قال: طاحن تلك الإشارات وغابت تلك العبارات وبنيت تلك العلوم ونفدت تلك الرسوم وما نفعنا إلا ركعات كنا نركعها عند السحر، أ. هـ واللّه أعلم. قوله: في آخر حديث أبي أمامة الباهلي في الكلام على الرواة عبد اللّه بن صالح كاتب الليث [على أمواله صالح الحديث وله مناكير].

стр. 2419

٩١٩ - وَعَن سلمَان الْفَارِسِي ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ عَلَيْكُم بِقِيَام اللَّيْل فَإِنَّهُ دأب الصَّالِحين قبلكُمْ ومقربة لكم إِلَى ربكُم ومكفرة للسيئات ومنهاة عَن الإِثْم ومطردة للداء عَن الْجَسَد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان بن أبي الجون وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي الدَّعْوَات من جَامعه من رِوَايَة بكر بن خُنَيْس عَن مُحَمَّد بن سعيد الشَّامي عَن ربيعَة بن يزِيد عَن أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ وَعَن بِلَال ﵁ وَعبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان أصلح حَالا من مُحَمَّد بن سعيد (١). قوله: وعن سلمان الفارسي هو: أبو عبد اللّه سلكان الخير مولى رسول اللّه ﷺ سئل عن نسبه فقال: أنا سلمان بن الإسلام أصله من فارس من جَيّ بفتح الجيم وتشديد الياء قرية من قرى أصبهان وسبب إسلامه مشهور، واتفق العُلماء على أن سلمان عاش مائتين وخمسين، وتوفي بالمدائن في أول سنة ست وثلاثين، وقيل: سنة خمس وثلاثين واللّه أعلم. قوله ﷺ : "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم" أي: عادة الأنبياء. قوله: "ومكفرة للسيئات" أي: سبب سترها، ومكفرة: مفعلة بمعنى اسم فاعل أي مكفرة ونظيرها مطهرة ومرضاة. قوله: "ومطردة للداء عن الجسد" ففي هذا الحديث أن قيام الليل يوجب صحة الجسد ويطرد عنه الداء وكذلك صيام النهار، ففي الطبراني من حديث

стр. 2420

أبي هريرة مرفوعًا: "صوموا تصحوا" وكما أن قيام الليل يكفر السيئات فهو يرفع الدرجات، وقد ذكر أن أهله من السابقين إلى الجنة بغير حساب ذكره في الطائف. قوله: رواه الطبراني في الكبير من رواية عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجون [وهو صويلح ضعفه أبو داود، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به ووثقه دحيم وابن حبان وابن عدي]. ٩٢٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ رحم اللّه رجلًا قَامَ من اللَّيْل فصلى وَأَيْقَظَ امْرَأَته فَإِن أَبَت نضح فِي وَجههَا المَاء ورحم اللّه امْرَأَة قَامَت من اللَّيْل فصلت وأيقظت زَوجهَا فَإِن أَبى نضحت فِي وَجهه المَاء رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا لَفظه وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَة وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (١) وَعند بَعضهم رش ورشت بدل نضح ونضحت وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. قوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "رحم اللّه رجلًا قام من الليل" الحديث، رحم اللّه كلمة دعاء ولا شك في إجابة الدعاء فيا سعادة من دخل في دعوته الجامعة.

стр. 2421

قوله: "وأيقظ أهله" أي: للصلاة في الليل ففيه إعانة المسلم على الخيرات واحتمال مشقة زوال النوم والراحة لحصول الثواب قاله في شرح الإلمام. قوله: "فصلى وأيقظ أمرأته فإن أبت نضح في وجهها الماء" النضح أقل من الرش، وعند بعضهم: "رش في وجهها الماء" بدل نضح ونضحت وهو بمعناه لأن النضح وهو الرش مزيل للنوم المفوت للقيام. فائدة تتعلق بمعنى الحديث: روى الدَّارقُطْنِي وعبد الحق عن سلمان أن النبي ﷺ قال: "إذا تزوج أحدكم امرأة فكان ليلة البناء بها فليصل ركعتين وليأمرها فتصل خلفه فإن اللّه جاعل في ذلك خيرًا". قلت: يتصل بهذا الحديث قوله تعالى ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (١) الآية، وهذا خطاب للنبي ﷺ وتدخل أمته في عمومه، روى أن عروة بن الزبير كان إذا رأى شيئًا من [الدنيا أتي] منزله فدخله وهو يقرأ هذه الآية ثم ينادي: الصلاة الصلاة يرحمكم اللّه ويصلي [وكان عمر بن الخطاب ﵁: يوقظ] أهل داره [لصلاة الليل] ويصلي وهو [يتمثل بهذه] الآية، أ. هـ قاله في الديباجة. ٩٢١ - وروى الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَن أبي مَالك الأشْعَرِيّ ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ مَا من رجل يَسْتَيْقِظ من اللَّيْل فيوقظ امْرَأَته فَإِن غلبها النّوم نضح فِي وَجههَا المَاء فيقومان فِي بيتهما فيذكران اللّه سَاعَة من اللَّيْل إِلَّا غفر لَهما (٢).

стр. 2422

٩٢٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد ﵄ قَالا قَالَ رَسُول اللّه ﷺ إِذا أيقظ الرجل أَهله من اللَّيْل فَصَليَا أَو صلى رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا كتبا فِي الذَّاكِرِينَ وَالذَّاكِرَات رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ رَوَاهُ ابْن كثير مَوْقُوفا على أبي سعيد وَلم يذكر أَبَا هُرَيْرَة وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَأَلْفَاظهمْ مُتَقَارِبَة من اسْتَيْقَظَ من اللَّيْل وَأَيْقَظَ أَهله فَصَليَا رَكعَتَيْنِ زَاد النَّسَائِيّ جَمِيعًا كتبا من الذَّاكِرِينَ اللّه كثيرًا وَالذَّاكِرَات قَالَ الْحَافِظ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ (١). قوله: وعن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، تقدم الكلام عليهما. قوله: "إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا أو صلى ركعتين جميعا كتبا في الذاكرين اللّه كثيرًا والذاكرات" الحديث، وقال الواحدي: قال مقاتل بن حيان: بلغني أن أسماء بنت عميس لما رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب دخلت على النبي ﷺ فقالت: هلا نزل فينا شيء من القرآن قلن: لا فأنت رسول اللّه ﷺ فقالت: يا رسول اللّه صلى اللّه عليك إن النساء لفي خيبة وخسار

стр. 2423

قال: "ومم ذاك؟ " قالت: لأنهن لا يذكرن بخير كما تذكر الرجال فأنزل اللّه ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ (١) الآية، وقال الزمخشري: الذاكرون اللّه كثيرًا والذاكرات من لا يكاد يخلوا من ذكر اللّه بقلبه أو بلسانه أو بهما وقراءة القرآن والاشتغال بالعلم من الذكر ويوافقه قول النووي في أول الأذكار أن فضيلة الذكر غير منحصرة في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير [بل] كلّ عامل اللّه بطاعته فهو ذاكر اللّه كذا قاله سعيد بن جبير (٢). ٩٢٣ - وَعَن عبد اللّه ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ فضل صَلَاة اللَّيْل على صَلَاة النَّهَار كفضل صَدَقَة السِّرّ على صَدَقَة الْعَلَانِيَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن (٣). قوله: وعن عبد اللّه، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "فضل صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على صدقة العلانية" الحديث. سؤال: الليل أفضل أم النهار أفضل؟ قيل: قال النيسابوري: الليل أفضل لوجوه: أحدها: الليل راحة والراحة من الجنة والنهار تحب والتعب من النار

стр. 2424

وأيضًا فالليل حظ الفراش والنهار حظ اللباس ولأن اللّه تعالى سمى ليلة خير من ألف شهر وليس في الأيام مثلها، وقيل: النهار أفضل لأنه نور، وأيضًا لا يكون في الجنة ليل، وأيضًا النهار للمعاد والمعاش، فإن قيل: [ما الليل] والنهار؟ قيل: هما يخرجان من كفتي ملك في إحدى يديه نور وفي الآخرى ظلمة فيقال: الظلمة دائمة والنهار يجيء ويذهب قاله النيسابوري، ومنه يعلم أن نور الفجر ليس من الشمس قاله في كشف الأسرار (١). ٩٢٤ - وَرُوِيَ عَن سَمُرَة بن جُنْدُب ﵁: قَالَ أمرنَا رَسُول اللّه ﷺ أَن نصلي من اللَّيْل مَا قل أَو كثر ونجعل آخر ذَلِك وترا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار (٢). قوله: وروى عن سمرة هو ابن جندب، تقدم الكلام عليه ﵁. قوله: "أمرنا رسول اللّه ﷺ أن نصلي من الليل ما قل أو كثر ونجعل آخر ذلك وترا" الحديث، قال العُلماء: والأصح أن الوتر يسمى تهجدًا، وقيل: الوتر غير التهجد.

стр. 2425

٩٢٥ - وَرُوِيَ عَن أنس ﵁ يرفعهُ قَالَ صَلَاةِ فِي مَسْجِدي تعدل بِعشْرَة آلَاف صَلَاة وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام تعدل بِمِائَة ألف صَلَاة وَالصَّلَاة بِأَرْض الرِّبَاط تعدل بألفي ألف صَلَاة وَأكْثر من ذَلِك كُله الركعتان يُصَلِّيهمَا العَبْد فِي جَوف اللَّيْل لَا يُرِيد بهما إِلَّا مَا عِنْد اللّه رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيان فِي كتاب الثَّوَاب (١). قوله: وروي عن أنس، تقدم الكلام على أنس. قوله ﷺ : "صلاة في مسجدي تعدل بعشرة آلاف صلاة" سيأتي اللام على الملاة في المسجد الحرام وفي مسجده ﷺ وكذلك الصلاة بأرض الرباط والكلام الآن في صلاة الليل وتقدم الكلام على صلاة الليل في الأحاديث المتقدمة.

стр. 2426

٩٢٦ - وَعَن إِيَاس بن مُعَاوِيَة الْمُزنِيّ ﵁: أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ لا بُد من صَلَاة بلَيْل وَلَو حلب شَاة وَمَا كانَ بعد صَلَاة الْعشَاء فَهُوَ من اللَّيْل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا مُحَمَّد بن إِسْحَاق (١). قوله: وعن إياس بن معاوية المزني [إياس بن معاوية بن قرة بن إياس بن هلال المزني، أبو واثلة البصرى كَانَ ثقة، وكَانَ قاضيا على البصرة، وله أحاديث، وكَانَ عاقلا من الرجال، فطنا، ولجده صحبة وَكَانَ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي الذَّكَاءِ، وَالدَّهَاءِ، وَالسُّؤْدُدِ، وَالعَقْلِ تُوُفِّي: سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ وَمائَةٍ، كَهْلًا]. قوله ﷺ : "لا بد من صلاة بليل ولو حلب شاة" الحديث، أي: ولو مقدار حلب شاة وهو بمعنى قوله في الحديث بعده: "فواق حلب ناقة" وهو هنا قدر ما بين رفع يديك عن الضرع وقت الحلب [وضمهما]، وقيل: هو ما بين الحلبتين واللّه تعالى أعلم. ٩٢٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵁. قالَ فَذكرت قيام اللَّيْل فَقَالَ بَعضهم إِن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ نصفه ثلثه ربعه فوَاق حلب نَاقَة فوَاق حلب شَاة رَوَاهُ أَبُو يعلى وَرِجَاله مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَهُوَ بعض حَدِيث (٢).

стр. 2427

فوَاق النَّاقة بِضَم الْفَاء وَهُوَ هُنَا قدر مَا بَين رفع يَديك عَن الضَّرع وَقت الْحَلب وضمهما. قوله: وعن ابن عباس تقدم الكلام عليه. قوله: فذكرت قيام الليل فقال بعضهم إن رسول اللّه ﷺ قال: "نصفه ثلثه ربعه فواق حلب ناقة" الحديث. ٩٢٨ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ أمرنَا رَسُول اللّه ﷺ بِصَلَاة اللَّيْل وَرغب فِيهَا حَتَّى قَالَ عَلَيْكُم بِصَلَاة اللَّيْل وَلَو رَكعَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (١). قوله: وعن ابن عباس، تقدم الكلام أيضًا على ابن عباس. قوله: أمر رسول اللّه ﷺ بصلاة الليل ورغب فيها حتى قال: "عليكم بصلاة الليل ولو ركعة" الحديث. تنبيه: المختار عند أهل الأصول أن قوله: أمر راجع إلى النبي ﷺ ، وكذلك: أمرنا ونهينا، لأن الظاهر انصرافه إلى من له الأمر الشرعي وإلى من يلزم اتباعه، ونص الشافعي ﵀ في الأم على أن قول الراوي (أمرنا رسول اللّه ﷺ ) [بياض بالأصل] يحمل على الإيجاب، ويحتج

стр. 2428

بهذا الحديث من يرى أن المندوب مأمور به، قال النووي في شرح مسلم [أمر بلال هو بضم الهمزة وكسر الميم أي أمره] النبي ﷺ هذا هو الصَّواب إليّ عليه جماهير [العُلماء] من الفقهاء وأصحاب الأصول وجميع المحدّثين، وشذ بعضهم فقال: هذا اللفظ ونحوه [موقوف] لاحتمال [أن يكون الآمر غير] رسول اللّه ﷺ [وهذا] خطأ والصواب أنه مرفوع ومثل هذا اللفظ قول الصحابي أمرنا بكذا ونهينا عن كذا وأمر الناس بكذا ونحوه وكله مرفوع سواء قال ذلك الصحابي في حياة النبي ﷺ أو بعد وفاته (١) واللّه أعلم. فائدة: يستحب للتهجد القيلولة وهو النوم قبل الزوال وهو بمنزلة السحور للصائم لقوله ﷺ : "استعينوا بالقيلولة على قيام الليل" رواه أبو داود وابن ماجة، وقال بعضهم أيضًا: المفهوم من الأحاديث الواردة في الوتر أن جميعها وتر وليس صلاة الليل غير الوتر إلا من صلى الوتر قبل النوم ثم نام وقام وصلى فهو صلاة الليل وكذا من لم يصل الوتر قبل النوم فإذا قام من النوم وصلى أكثر من ثلاث عشرة ركعة يسلم من كلّ ركعتين ثم يصلي ركعة واحدة ويسلمك فإن ما صلى قبل الركعة الأخيرة فهذا صلاة الليل لم يفعل الوتر أكثر من ثلاث عشرة ركعة واللّه أعلم. ٩٢٩ - وَعَن سهل بن سعد ﵄ قَالَ جَاءَ جِبْرِيل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا مُحَمَّد عش مَا شِئْت فَإنَّك ميت واعمل مَا شِئْت فَإنَّك مَجْزِي بِهِ وأحبب من شِئْت فَإنَّك مفارقه وَاعْلَم أَن شرف الْمُؤمن قيام اللَّيْل وعزه استغناؤه عَن

стр. 2429

النَّاس رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَإِسْنَاده حسن (١). قوله: وعن سهل بن سعد سيأتي الكلام عليه. قوله: جاء جبريل إلى النبي عفيوّ فقال: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، إلى قوله: واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل وعزه واستغناؤه عن الناس، وقيام الليل السعر فيه بالعبادة وترك النوم. ٩٣٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ أَشْرَاف أمتِي حَملَة الْقُرْآن وَأَصْحَاب اللَّيْل رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ (٢). ٩٣١ - وَرُوِيَ عَن معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ من صلى مِنْكُم من اللَّيْل فليجهر بقرَاءَته فَإِن الْمَلَائِكَة تصلي بِصَلَاتِهِ وتستمع لقرَاءَته وَإِن مؤمني الْجِنّ الَّذين يكونُونَ فِي الْهَوَاء وجيرانه فِي مَسْكَنه يصلونَ

стр. 2430

بِصَلَاتِهِ ويستمعون قِرَاءَته وَإنَّهُ يطرد بقرَاءَته عَن دَاره وَعَن الدّور الَّتِي حوله فساق الْجِنّ ومردة الشَّيَاطِين وَإِن الْبَيْت الَّذِي يقْرَأ فِيهِ الْقُرْآن عَلَيْهِ خيمة من نور يَهْتَدِي بهَا أهل السَّمَاء كَمَا يهتدى بالكوكب الدُّرِّي فِي لجج الْبحار وَفِي الأَرْض القفر فَإِذا مَاتَ صَاحب الْقُرْآن رفعت تِلْكَ الْخَيْمَة فتنظر الْمَلَائِكَة من السَّمَاء فَلَا يرَوْنَ ذَلِك النُّور فَتَلقاهُ الْمَلَائِكَة من سَمَاء إِلَى سَمَاء فَتُصَلِّي الْمَلَائِكَة على روحه فِي الأرْوَاح ثمَّ تسْتَقْبل الْمَلَائِكَة الحافظين الَّذين كَانُوا مَعَه ثمَّ تستغفر لَهُ الْمَلَائِكَة إِلَى يَوْم يبْعَث وَمَا من رجل تعلم كتاب اللّه ثمَّ صلى سَاعَة من ليل إِلَّا أوصت بِهِ تِلْكَ اللَّيْلَة الْمَاضِيَة اللَّيْلَة المستأنفة أَن تنبهه لساعته وَأَن تكون عَلَيْهِ خَفِيفَة فَإذا مَاتَ وَكَانَ أَهله فِي جهازه جَاءَ الْقُرْآن فِي صورَة حَسَنَة جميلَة فَوقف عِنْد رَأسه حَتَّى يدرج فِي أَكْفَانه فَيكون الْقُرْآن على صَدره دون الْكَفَن فَإِذا وضعفِي قَبره وسوي وتفرق عَنهُ أَصْحَابه أَتَاهُ مُنكر وَنَكِير ﵉ فيجلسانه فِي قَبره فَيَجِيء الْقُرْآن حَتَّى يكون بَينه وَبَينهمَا فَيَقُولانِ لَهُ إِلَيْك حَتَّى نَسْأَلهُ فَيَقُول لا وَرب الْكَعْبَة إِنَّه لصاحبي وخليلي وَلست أخذله على حَال فَإِن كنتما أمرتما بِشَيْء فامضيا لما أمرتما وَدَعَانِي مَكَاني فَإِنِّي لست أفارقه حَتَّى أدخلهُ الْجنَّة ثمَّ ينظر الْقُرْآن إِلَى صَاحبه فَيَقُول أَنا الْقُرْآن الَّذِي كنت تجْهر بِي وتخفيني وتحبني فَأَنا حَبِيبك وَمن أحببته أحبه اللّه ليْسَ عَليْك بعد مَسْالة مُنكر وَنَكِير هم وَلَا حزن فيسأله مُنكر وَنَكِير ويصعدان وَيبقى هُوَ وَالْقُرْآن فَيَقُول لأفرشنك فراشا لينًا ولأدثرنك دثارا حسنا جميلا بِمَا أَسهرت ليلك وأنصبت نهارك قَالَ فيصعد الْقُرْآن إِلَى

стр. 2431

السَّمَاء أسْرع من الطّرف فَيسْأَل الله ذَلِك لَهُ فيعطيه ذَلِك فَيَجِيء الْقُرْآن فَينزل بِهِ ألف ألف ملك من مقربي السَّمَاء السَّادِسَة فَيَجِيء الْقُرْآن فيحييه فَيَقُول هَل استوحشت مَا زِدْت مُنْذُ فارقتك أَن كلمت الله ﵎ حَتَّى أخذت لَك فراشا ودثارا ومصباحا وَقد جئْتُك بِهِ فَقُمْ حَتَّى تفرشك الْمَلَاِئكَة ﵈ قَالَ فتنهضه الْمَلَائِكَة إنهاضا لطيفا ثمَّ يفسح لَهُ فِي قَبره مسيرَة أَرْبَعمِائَة عَام ثمَّ يوضع لَهُ فرَاش بطانته من حَرِير أَخْضَر حشوه الْمسك الأذفر وَيُوضَع لَهُ مرافق عِنْد رجلَيْهِ وَرَأسه من السندس والإستبرق ويسرج لَهُ سراجان من نور الْجنَّة عِنْد رَأسه وَرجلَيْهِ يزهران إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ تضجعه الْمَلَاِئكَة على شقَّه الأيْمن مُسْتَقْبل الْقبْلَة ثمَّ يُؤْتى بياسمين الْجنَّة وتصعد عَنهُ وَيبقى هُوَ وَالْقُرْآن فَيَأْخُذ الْقُرْآن الياسمين فيضعه على أَنفه غضا فيستنشقه حَتَّى يبْعَث وَيرجع الْقُرْآن إِلَى أَهله فيخبرهم كل يَوْم وَلَيْلَة ويتعاهده كَمَا يتَعَاهَد الْوَالِد الشفيق وَلَده بِالْخَيرِ فَإِن تعلم أحد من وَلَده الْقُرْآن بشره بذلك وَإِن كانَ عقبه عقب سوء دَعَا لَهُم بالصلاح والإقبال أَو كَمَا ذكر رَوَاهُ الْبَزَّار وَقَالَ خَالِد بن معدان لم يسمع من معَاذ (١) وَمَعْنَاهُ أَنه يَجِيء ثَوَاب الْقُرْآن كَمَا قَالَ إِن اللُّقْمَة تَجِيء يَوْم الْقِيَامَة مثل أحد وَإِنَّمَا يَجِيء ثَوَابهَا انْتهى قَالَ الْحَافِظ فِي إِسْنَاده من لا يعرف حَاله وَفِي مَتنه غرابة كَثِيرَة بل نَكَارَة ظَاهِرَة وَقد تكلم فِيهِ الْعقيلِيّ وَغَيره وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَغَيره عَن عبَادَة بن الصَّامِت مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَلَعَلَّه أشبه.
следующие страницы →