قوله: وعن أبي أمامة، تقدم الكلام على أبي أمامة.
قوله ﷺ : "إذا طلعت الشمس من مطلعها كهيئتها لصلاة العصر حتى تغرب من مغربها فصلى رجل ركعتين وأربع سجدات فإن له أجر ذلك اليوم" المراد بذلك صلاة الضحى.
١٠٠٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ لا يحافظ على صَلَاة الضُّحَى إِلَا أواب قَالَ وَهِي صَلَاة الأوَّابِينَ" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَابْن خُزَيْمَة في صحِيحه (١) وَقال لمْ يُتَابع إِسْمَاعِيل بن عبد اللّه يَعْني ابْن زُرَارَة الرقي على اتِّصَال هَذَا الْخَبَر وَرَوَاهُ الدَّرَاورْدِي عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة مُرْسلا وَرَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة قَوْله.
١٠٠٩ - وَرُوِيَ عَنهُ ﵁ أَيْضا عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن فِي الْجنَّة بَابا يُقَال لَهُ الضُّحَى فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة نَادَى مُنَاد أَيْن الَّذين كَانُوا يديمون صَلَاة الضُّحَى هَذَا بَابَكُمْ فادخلوه برحمة اللّه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط (٢).
стр. 2568
قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.
قوله ﷺ : "لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب، قال: وهي صلاة الأوابين" الحديث، الأواب قيل هو الكثير الرجوع بالتوبة [قال اللّه تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّبِينَ غَفُورَا﴾ (١) أي الرجوع إليه بالتوبة (٢)]، وقيل: المطيع وقيل: المسبح وقيل الراحم، وقيل: الفقيه (٣)، وقيل: هو الراجع إلى اللّه تعالى في جميع أحواله بترك المعاصي وفعل الخيرات (٤)، وإنما أضاف الصلاة في هذا الوقت إلى الأوابين لأن النفس تركن فيه إلى الدعة والاستراحة فصرفها إلى الطاعة والاشتغال فيه بالصلاة فكأنه أواب أي رجع من مراد النفس إلى مرضاة الرب .
خاتمة فيها بشرى: نقل عن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد القشيري رحمه اللّه تعالى أنه صحح من خمس طرق عن أشياخه ما رووه عن سفيان الثوري عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا إلى النبي ﷺ : "من صلى الضحى أربع ركعات في يوم جمعة في دهره مرة واحدة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب عشرا وقل أعوذ برب الناس عشرا والفلق عشرا والإخلاص عشرا والكافرون
стр. 2569
وآية الكرسي فإذا سلم استغفر سبعين مرة" وقال: "سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللّه مثل ذلك دفع اللّه عنه شر أهل السموات وشر أهل الأرض وشر الجن والإنس وشر كل سلطان جائر وبعث اللّه إليه بكل حرف يقرأ في هذه الصلاة ملائكة يكتبون له الحسنات ويمحو عنه السيئات ويستغفرون له إلى أن يموت" (١) أ. هـ.
стр. 2570
التَّرْغِيب فِي صَلاة التَّسْبِيح
صلاة التسبيح سميت بذلك لكثرة التسبيح فيها على خلاف العادة في غيرها وهي سنة حسنة، قال الشيخ محيي الدين النووي: بلغنا عن الإمام الحافظ أبي الحسن الدارقطني أنه قال: أصح شيء في فضائل السور سورة قل هو اللّه أحد وأصح شيء في فضائل الصلوات فضل صلاة التسبيح (١).
١٠١٠ - عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ للْعَبَّاس بن عبد الْمطلب يَا عَبَّاس يَا عماه أَلا أُعْطِيك أَلا أمنحك أَلا أحبوك أَلا أفعل بك عشر خِصَال إِذا أَنْت فعلت ذَلِك غفر اللّه لَك ذَنْبك أَوله وَآخره وقديمه وَحَدِيثه وَخَطأَهُ وعمده وصغيره وكبيره وسره وعلانيته عشر خِصَال أَن تصلي أَربع رَكعَات تقْرَأ فِي كل رَكعَة بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة فَإِذا فرغت من الْقِرَاءَة فِي أول رَكعَة فَقل وَأَنت قَائِم سُبْحَانَ اللّه وَالْحَمْد للّه وَلا إِلَه إِلَا اللّه وَاللّه أكبر خمس عشرَة مرّة ثمَّ تركع فَتَقول وَأَنت رَاكِع عشرا ثمَّ ترفع رَأسك من الرُّكوع فتقولها عشرا ثمَّ تهوي سَاجِدا فَتَقول وَأَنت ساجد عشرا ثمَّ ترفع رَأسك من السُّجُود فتقولها عشرا ثمَّ تسْجد فتقولها عشرا ثمَّ ترفع رَأسك من السُّجُود فتقولها عشرا فَذَلِك خمس وَسَبْعُونَ فِي كل رَكْعَة تفعل ذَلِك فِي أَربع رَكعَات وَإِن اسْتَطَعْت أَن تصليها فِي كل يَوْم مرّة فافعل فَإِن لم تستطع
стр. 2571
فَفِي كل جُمُعَة مرّة فَإِن لم تفعل فَفِي كل شهر مرّة فَإِن لم تفعل فَفِي كل سنة مرّة فَإِن لم تفعل فَفِي عمرك مرّة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَقَالَ إِن صَحَّ الْخَبَر فَإِن فِي الْقلب من هَذَا الإِسْنَاد شَيْئا فَذكره ثمَّ قَالَ وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن الحكم بن أبان عَن أَبِيه عَن عِكْرِمَة مُرْسلا لم يذكر ابْن عَبَّاس (١) قَالَ الْحَافِظ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَقَالَ فِي آخِره فَلَو كَانَت ذنوبك مثل زبد الْبَحْر أَو رمل عالج غفر اللّه لَك (٢) قَالَ الْحَافِظ وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من طرق كَثِيرَة وَعَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وأمثلها حَدِيث عِكْرِمَة هَذَا وَقد صَححهُ جمَاعَة مِنْهُم الْحَافِظ أَبُو بكر الآجُرِيّ وَشَيخنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحِيم الْمصْرِيّ وَشَيخنَا الْحَافِظ أَبُو الْحسن الْمَقْدِسِي رَحِمهم اللّه تَعَالَى وَقَالَ أَبُو بكر بن أبي دَاوُد سَمِعت أبي يَقُول لَيْسَ فِي صَلَاة التَّسْبِيح حَدِيث صَحِيح غير هَذَا وَقَالَ مُسلم بن الْحجَّاج رَحمَه اللّه تَعَالَى لا يرْوى فِي هَذَا الحَدِيث إِسْنَاد أحسن من هَذَا يَعْنِي إِسْنَاد حَدِيث عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس وَقَالَ الْحَاكم قد صحت الرِّوَايَة عَن ابْن عمر أَن رَسُول اللّه ﷺ علم ابْن عَمه هَذِه الصَّلَاة ثمَّ قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن دَاوُد بِمصْر حَدثنَا إِسْحَاق بن كَامِل حَدثنَا إِدْرِيس بن
стр. 2572
يحيى عَن حَيْوَة بن شُرَيْح عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ وَجه رَسُول اللّه ﷺ جَعْفَر بن أبي طَالب إِلَى بِلَاد الْحَبَشَة فَلَمَّا قدم اعتنقه وَقبل بَين عَيْنَيْهِ ثمَّ قَالَ أَلا أهب لَك أَلا أسرك أَلا أمنحك فَذكر الحَدِيث ثمَّ قَالَ هَذَا إِسْنَاد صَحِيح لا غُبَار عَلَيْهِ (١).
قَالَ المملي ﵁ وَشَيْخه أَحْمد بن دَاوُد بن عبد الْغفار أَبُو صَالح الْحَرَّانِي ثمَّ الْمصْرِيّ تكلم فِيهِ غير وَاحِد من الأئِمَّة وَكذبه الدَّارَقُطْنيّ.
قوله: عن عكرمة هو أبو عبد اللّه عكرمة بن عمار أبو عمار مولى ابن عباس الهاشمي المدني أصله بربري من أصل المغرب كان فقيهًا تابعيًا وهو من كبار التابعين سمع الحسن بن علي وأبا قتادة وابن عباس وابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد ومعاوية وغيرهم أدرك عكرمة من أصحاب رسول الله ﷺ مائتي صحابي قال ابن معين: كان حافظا ثقة ثبتا، قال: وإذا رأيت من يتكلم في عكرمة فاتهمه على الإسلام، قال أبو حاتم: كان صدوقا وكان مستجاب الدعوة أكثر مسلم الاستشهاد به، وقال البخاري: ليس أحد من أصحابنا إلا يحتج بعكرمة، وقال محمد بن سعد كان كثير العلم بحرا من البحور وليس يحتج بحديثه وكان الإمام مالك ويحيى بن سعيد يضعفان أمره لقوله بالرأي لا لحفظه فإنه اتهم برأي الخوارج، وقال الإمام أحمد بن حنبل: كان عكرمة من أعلم الناس لكنه كان يرى رأي الخوارج ولم يدع موضعا إلا خرج إليه
стр. 2573
خراسان والشام ومصر وإفريقية، قال مصعب الزبيري: طلبه متولي المدينة فتغيب عند داود بن الحصين حتى مات عنده وذكر ابن سعد عن عمرو بن دينار قال: دفع إلي أبو الشعثاء مسائل أسأل عنها عكرمة وقال: هذا البحر فاسألوه، وقالوا لعكرمة: الرجل يدخل الخلاء وفي إصبعه خاتم فيه اسم اللّه قال: يجعل فصه في داخل كفه ثم يقبض عليه، باعه علي بن عبد اللّه بن عباس لخالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار فقال له عكرمة: ما خير لك بعت علم أبيك فاستقاله ثم أعتقه، وقال عكرمة: إني لأخرج إلى السوق فأسمع الرجل يتكلم بكلمة فيفتح لي خمسون بابا من العلم، وقال أبو حاتم: أعلى موالي بن عباس عكرمة، وقال أبو أحمد بن عدي: لم تمتنع الأئمة من الرواية عن عكرمة وأدخله أصحاب الصحاح في صحاحهم، قال البيهقي: روى له البخاري دون مسلم، توفي سنة أربع ومائة وقيل خمس وقيل ست وقيل سبع (١) واللّه أعلم.
قوله: عن ابن عباس تقدم.
قوله ﷺ : لعمه العباس بن عبد المطلب "يا عباس يا عماه"؛ أعمامه ﷺ أحد عشر عما أحدهم: الحارث وهو أكبر ولد عبد المطلب وبه كان يكنى وقثم والزبير وحمزة والعباس وأبو طالب وأبو لهب وعبد الكعبة وحجل بحاء مفتوحة وضرار والغيدقان، أسلم منهم حمزة والعباس، وكان العباس أصغرهم سنا وهو الذي كان يلي زمزم عند أبه عبد المطلب وكان أكبر سنا
стр. 2574
من رسول اللّه ﷺ بسنتين أو ثلاث، فالعباس كنيته أبو الفضل الهاشمي، وأمه (نتيلة) بضم النون وفتح التاء وهي أول أعرابية كست الكعبة الحرير، قالوا: وسببه أن العباس ضاع وهو صغير فنذرت إن وجدته أن تكسوها ففعلت وكان العباس رئيسا جليلا في قريش قبل الإسلام، وكان إليه عمارة المسجد الحرام والسقاية وحشر ليلة العقبة مع رسول اللّه ﷺ حين بايعه على الإسلام قبل أن يسلم، وقيل: أسلم قبل الهجرة وكان يكتم إسلامه مقيما بمكة يكتب بأخبار المشركين إلى رسول اللّه ﷺ وكان عونا للمسلمين المستضعفين بمكة، قالوا: وأراد القدوم إلى المدينة فقال له النبي ﷺ مقامك بمكة خير وشهد حنينا مع رسول اللّه ﷺ وثبت معه حين انهزم الناس فأمره النبي ﷺ أن ينادي في الناس بالرجوع فنادى فيهم وكان صبيا فأقبلوا عليه وحملوا على المشركين فهزمهم اللّه تعالى وأظهر المسلمين وكان رسول اللّه ﷺ يعظمه ويكرمه ويبجله وكان ﵁ وصولا لأرحام قريش محسنا إليهم ذا رأى وكمال عقل جوادًا، أعتق سبعين عبدا وكانت الصحابة تعظمه وتكرمه وتقدمه وتشاوره وتأخذ برأيه وكان للعباس عشر بنين وثلاث بنات الفضل وعبد اللّه وعبيد اللّه وقثم وعبد الرحمن ومعبد والحارث وكثير وعور وتمام وأمية وأم حبيب وصفية، فالفضل وعبد اللّه وعبيد اللّه وقثم وعبد الرحمن ومعبد وأم حبيب أمهم أم الفضل لبابة بنت الحارث الكبرى قالوا: ولا تعرف بنو أم تباعدت قبورهم كتباعد قبور بني أم الفضل فقبر الفضل بالشام عند اليرموك وعبد اللّه بالطائف وعبيد اللّه بالمدينة وقثم بسمرقند ومعبد بإفريقية،
стр. 2575
توفي العباس بالمدينة يوم الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من رجب وقيل من رمضان سنة اثنين وثلاثين وقيل أربع وثلاثين وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وقبره مشهور بالبقيع، روى الترمذي عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه ﷺ للعباس إذا كان غداة الاثنين فأتني أنت وولدك أدعوا لهم بدعوة ينفعك اللّه بها وولدك فغدا وغدونا معه [وألبسنا كساء] ثم قال: "اللهم اغفر للعباس وولده مغفرة ظاهرة [وباطنة] لا تغادر ذنبا اللهم احفظه في ولده" قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب (١)، أ. هـ.
روى له عن رسول الله ﷺ خمسة وثلاثون حديثا اتفقا على حديث وانفرد البخاري بحديث ومسلم بثلاثة، وفي كتاب الترمذي أن رسول اللّه ﷺ قال للعباس: "والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم للّه ولرسوله ثم قال: أيها الناس من آذى عمي فقد آذاني فإنما عم الرجل صنو أبيه" (٢) أي: مثل أبيه، وفي كتاب الترمذي أحاديث أخر في فضل العباس رضي اللّه تعالى عنه، وثبت في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليه بعم نبينا فاسقنا فيسقون (٣)، ومناقبه كثيرة مشهورة (٤).
стр. 2576
قوله ﷺ لعمه العباس: "يا عماه ألا أعطيك ألا أمنحك ألا أحبوك ألا أفعل لك عشر خصال" ["أمنحك"؛ أي: أعطيك،] إنما كرر هذه الألفاظ لتعظيم هذه الصلاة [وهذا التعليم في خاطر] عمه العباس والمراد من الخصال العشرة التسبيحات والتحميدات والتهليلات لأنه يأتي بها في كل هيئة عشرًا عشرًا، القيام يعني إلا أعلمك شيئا وهو مكفر عشرة أنواع ذنوبك أوله وآخره إلى آخر الخصال قاله في شرح المصابيح (١).
قوله ﷺ : "ألا أحبوك" يقال: حباه كذا وبكذا يحبوه حبوا وحبوه إذا أعطاه والحبا العطية الخاصة ذكره صاحب المغيث (٢).
قوله ﷺ : "ألا أمنحك" أي أعطيك.
١٠١١ - وَرُوِيَ عَن أبي رَافع ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ للْعَبَّاس يَا عَم أَلا أحبوك أَلا أنفعك أَلا أصلك قَالَ بلَى يَا رَسُول اللّه قَالَ فصل أَربع رَكعَات تقْرَأ فِي كل رَكعَة بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة فَإِذا انْقَضتْ الْقِرَاءَة فَقل سُبْحَانَ اللّه وَالْحَمْد للّه وَلا إِلَه إِلَا اللّه وَاللّه أكبر خمس عشرَة مرّة قبل أَن تركع ثمَّ اركع فقلها عشرا ثمَّ ارْفَعْ رَأسك فقلها عشرا ثمَّ اسجد فقلها عشرا ثمَّ ارْفَعْ رَأسك فقلها عشرا ثمَّ اسجد فقلها عشرا ثمَّ ارْفَعْ رَأسك فقلها عشرا قبل أَن تقوم فَذَلِك خمس وَسَبْعُونَ فِي كل رَكْعَة وَهِي ثَلَاثمِائَة فِي أَربع رَكعَات فَلَو كَانَت
стр. 2577
ذنوبك مثل رمل عالج غفرها اللّه لَك قَالَ يَا رَسُول اللّه وَمن لم يسْتَطع يَقُولهَا فِي كل يَوْم قَالَ قلها فِي كل جُمُعَة فَإِن لم تستطع فقلها فِي شهر حَتَّى قَالَ فقلها فِي سنة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ كانَ عبد اللّه بن الْمُبَارك يَفْعَلهَا وتداولها الصالحون بَعضهم من بعض وَفِيه تَقْوِيَة للْحَدِيث الْمَرْفُوع انْتهى.
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب من حَدِيت أبي رَافع ثمَّ قَالَ وَقد رأى ابْن الْمُبَارك وَغير وَاحِد من أهل الْعلم صَلَاة التَّسْبِيح وَذكروا الْفضل فِيهِ حَدثنَا أَحْمد بن عَبدة الضَّبِّيّ حَدثنَا أَبُو وهب قَالَ سَأَلت عبد اللّه بن الْمُبَارك عَن الصَّلَاة الَّتِي يسبح فِيهَا قَالَ يكبر ثمَّ يَقُول سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وتبارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَلا إِلَه غَيْرك ثمَّ يَقُول خمس عشرَة مرّة سُبْحَانَ اللّه وَالْحَمْد للّه وَلا إِلَه إِلَا اللّه وَاللّه أكبر ثمَّ يتَعَوَّذ وَيقْرَأ بِسم اللّه الرَّحْمَن الرَّحِيم وفاتحة الْكتاب وَسورَة ثمَّ يَقُول عشر مَرَّات سُبْحَانَ اللّه وَالْحَمْد للّه وَلا إِلَه إِلَا اللّه وَاللّه أكبر ثمَّ يرْكَع فيقولها عشرا ثمَّ يرفع رَأسه فيقولها عشرا ثمَّ يسْجد فيقولها عشرا ثمَّ يرفع رَأسه فيقولها عشرا ثمَّ يسْجد الثَّانِيَة فيقولها عشرا يُصَلِّي أَربع رَكْعَات على هَذَا فَذَلِك خمس وَسَبْعُونَ تَسْبِيحَة فِي كل رَكْعَة يبْدَأ فِي كل رَكْعَة بِخمْس عشرَة تَسْبِيحَة ثمَّ يقْرَأ ثمَّ يسبح عشرا فَإِن صلى لَيْلًا فَأحب أَن يسلم فِي كل رَكعَتَيْنِ وَإِن صلى نَهَارا فَإن شَاءَ سلم وَإِن شَاءَ لم يسلم قَالَ أَبُو وهب وَأَخْبرنِي عبد الْعَزِيز هُوَ ابْن أبي رزمة عَن عبد اللّه أَنه قَالَ يبْدَأ فِي الرُّكُوع بسبحان رَبِّي الْعَظِيم وَفِي السُّجُود بسبحان رَبِّي الأعْلَى ثَلَاثًا
стр. 2578
ثمَّ يسبح التسبيحات قَالَ أَحْمد بن عَبدة وَحدثنَا وهب بن زَمعَة قَالَ أَخْبرنِي عبد الْعَزِيز وَهُوَ ابْن أبي رزمة قَالَ قلت لعبد اللّه بن الْمُبَارك إِن سَهَا فِيهَا أيسبح فِي سَجْدَتي السَّهْو عشرا عشرا قَالَ لا إِنَّمَا هِيَ ثلثمِائة تَسْبِيحَة انْتهى مَا ذكره التِّرْمِذِيّ. (١)
قَالَ المملي الْحَافِظ ﵁ وَهَذَا الَّذِي ذكره عَن عبد اللّه بن الْمُبَارك من صفتهَا مُوَافق لما فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس وَأبي رَافع إِلَا أَنه قَالَ يسبح قبل الْقِرَاءَة خمس عشرَة وَبعدهَا عشرا وَلم يذكر فِي جلْسَة الاسْتِرَاحَة تسبيحا وَفِي حديثيهما أَنه يسبح بعد الْقِرَاءَة خمس عشرَة مرّة وَلم يذكرَا قبلهَا تسبيحا ويسبح أَيْضا بعد الرّفْع فِي جلْسَة الاسْتِرَاحَة قبل أَن يقوم عشرا.
قوله: حدثنا أبو وهب قال سألت عبد الله بن المبارك عن الصلاة التي يسبح فيها فقال: يكبر ثم يقول سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك الحديث، وفي الحديث أيضا عن أبي سعيد الخدري قال كان رسول اللّه ﷺ إذا قام من الليل يكبر ثم يقول سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك الحديث (٢)، استحب الحنفية الاستفتاح بهذا الحديث الدعاء قال
стр. 2579
السروجي وبه قال [أكثر العلماء، منهم: أبو بكر الصديق وعمر] وابن مسعود [والنخعي وأحمد] وإسحاق، قال الترمذي وعليه العمل عند أهل العلم (١)، وذهب الشافعي وابن [خزيمة] بكل ما ورد [في حديث على] وجهت [وجهى للذى فطر الحديث] لموافقة القرآن (٢)، وقال أبو يوسف: يجمع بينه وبين قوله "سبحانك اللهم وبحمدك" وقال مالك: لا يأتي بهذا الدعاء ولا التعوذ في الفرائض (٣) قلنا الأكثرون على استحبابه ومذهب الشافعي استحباب [لتعوذ في] أول كل ركعة وفيما بعدها [وجهان] للإمام والمنفرد دون المأموم [بياض بالأصل] (٤) عند الحنفية والحنابلة، وحكمته دفع وساوس الشيطان في [الصلاة] ويستحب أن لا يجهر به فيها، أ. هـ قاله في شرح الإلمام.
واختلف في سبحانك وبحمدك، فقيل: هو تحميد مع التسبيح، وسئل المازني عن سبب دخول الواو في وبحمدك فقال: سبحانك اللهم بجميع [آلائك،] أي أنزهك بذلك وبحمدك، سبحتك [وسبحان اللّه:] التسبيح تنزيهه تعالى عن العيوب [و] إثبات [الكمال له]، ومعنى تبارك تفاعل من البركة (٥) ومعناها الخير الكثير الثابت الدائم وتعالى جدك من علو المرتبة
стр. 2580
والجد العظمة، وقيل: السلطان وقيل الغني (١).
واعلم أن [صفات] اللّه تعالى لا يقال هي هو ولا هي غيره بل [يجب أن يقال إنها صفات له موجودة به قائمة] بذاته [مختصة به] (٢) ومناسبة هاتين [الصفتين] هنا [الدعاء] للإجابة [بياض بالأصل].
وقال عمار بن الحسن يمدحه (٣):
إذا سار عبد اللّه من مرو ليلة ... وقد سار منها نورها وجمالها
إذا ذكر الأخيار في كل بلدة ... فهم أنجم فيها وأنت هلالها
قال أبو أسامة: ابن المبارك في أصحاب الحديث كأمير المؤمنين في الناس، وقال الإمام أحمد بن حنبل: لم يكن في زمن ابن المبارك أطلب للعلم منه رحل إلى اليمن ومصر والشام والبصرة والكوفة وكان من رواة العلم وكان أهلا لذلك كتب عنه الصغار والكبار وجمع أمرا عظيما وكان صاحب حديث حافظا، وقال عبد الرحمن بن أبي حميد: قلنا لابن المبارك: يا عالم المشرق حدثنا فسمعنا سفيان فقال: ويحكم عالم المشرق والمغرب وما بينهما، وقال الأسود بن سالم: كان ابن المبارك إماما يقتدي به وهو من أثبت الناس في السنة توفي بهيت منصرفا من الغور سنة إحدى وثمانين ومائة وهو ابن ثلاث وستين سنة، قلت: هيت مدينة معروفة على الفرات فوق
стр. 2581
الأنبار (١) والله أعلم.
قوله: قال أبو وهب أخبرني عبد العزيز هو ابن أبي رزمة عن عبد الله أنه قال: يبدأ في الركوع بسبحان ربي العظيم ثلاثا وفي السجود بسبحان ربي الأعلى ثلاثا ثم يبح التسبيحات.
قوله: أخبرني عبد العزيز عن ابن أبي رزمة هو محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة بكسر الراء وإسكان الزاي اليشكري [المروزي الثقة] الحافظ شيخ أبي داود، مات سنة إحدى وأربعين ومائة، أ. هـ.
قوله: قلت لعبد الله بن المبارك إن سهي فيها أيسبح في سجدتي السهو عشرا عشر، قال: لا إنما هي ثلاثمائة تسبيحة، أ. هـ ما ذكره الترمذي.
تنبيه: قال السبكي: وينبغي للمتعبد أن يعمل بحديث ابن عباس تارة وبما رواه ابن المبارك أخرى وأن يفعلها بعد الزوال قبل صلاة الظهر وأن يقرأ فيها طوال المفصل تارة بالزلزلة والعاديات والفتح والإخلاص وتارة بألهاكم التكاثر والعصر وقل يأيها الكافرون والإخلاص وأن يكون دعاؤه بعد التشهد وقبل السلام بما تقدم ثم يسلم ثم يدعوا لحاجته ففي كل شيء ذكرته وردت سنة فينبغي الحرص عليها فمن يسمع ما ورد فيها من عظيم الثواب ثم يتغافل عنها متهاون بالدين غير مكترث بأعمال الصالحين ولا ينبغي أن يعد من أهل الخير في شيء نسأل الله تعالى الإعانة والسلامة. أ. هـ؛ ولا يجوز
стр. 2582
تطويل جلسة الاستراحة إلا في صلاة التسبيح فقط (١).
تنبيه: قال العلماء والمشهور سن جلسة حقيقية بعد السجدة الثانية في كل ركعة يقوم عنها سواء في ذلك الفرض والنفل والشيخ والشاب، واحترز بكل ركعة عن سجود التلاوة فلا يشرع له جلسة الاستراحة (٢) وتجب الطمأنينة في الاعتدال وفي الجلوس بين السجدتين فلو أطال الاعتدال حيث ورد الشرع بتطويله بالقنوت أو في صلاة التسبيح لم تبطل وإن أطاله عمدًا بالسكوت أو بذكر آخر فالأصح البطلان (٣). أ. هـ.
قوله: ورواه شيبة ابن أبي سعيد عن يحيى بن سليم عن عمران عن أبي الجوزاء، وأبو الجوزاء هو بفتح الجيم وبالزاي اسمه أوس بن عبد الله الربعي البصري، روى عن [عائشة، وابن عباس، و] ابن عمرو بن [العاص روى عنه: عمر بن مالك وبديل بن ميسرة] قتل في [سنة] ثلاث وثمانين (٤) [فائدة: قال أبو الجوزاء أوس بن عبد الله: ليس] شيء أطرد للشيطان عن القلب من لا إله إلا الله ثم تلا: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ (٥)(٦) وأما أبو الحوراء راوي حديث قنوت الصبح اسمه ربيعة بن شيبان السعدي قاله
стр. 2583
الأكثرون، وقال الجورجاني: أبو الحوراء [مجهول لا يعرف] (١) والله أعلم [وأما] أبو الحوراء راوي حديث القنوت فبالحاء والراء المهملتين.
١٠١٢ - وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي حباب الْكَلْبِيّ عَن أبي الجوزاء عَن ابْن عَمْرو ﵄ قَالَ قَالَ لي النَّبِي ﷺ أَلا أحبوك أَلا أُعْطِيك فَذكر الحَدِيث بِالصّفةِ الَّتِي رَوَاهَا التِّرْمِذِيّ عَن ابْن الْمُبَارك ثمَّ قَالَ وَهَذَا يُوَافق مَا روينَاهُ عَن ابْن الْمُبَارك وَرَوَاهُ قُتَيْبَة عَن سعيد عَن يحيى بن سليم عَن عمرَان بن مُسلم عَن أبي الجوزاء قَالَ نزل عَليّ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ فَذكر الحَدِيث وَخَالفهُ فِي رَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ وَلم يذكر التسبيحات فِي ابْتِدَاء الْقِرَاءَة إِنَّمَا ذكرهَا بعْدهَا ثمَّ ذكر جلْسَة الإستراحة كمَا ذكرهَا سَائِر الروَاة (٢) انْتهى. قَالَ الْحَافِظ جُمْهُور الروَاة على الصّفة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس وَأبي رَافع وَالْعَمَل بهَا أولى إِذْ لَا يَصح رفع غَيرهَا وَالله أعلم.
١٠١٣ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهُ يَا غُلَام أَلا أحبوك أَلا أنحلك أَلا أُعْطِيك قَالَ قلت بلَى بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله فَظَنَنْت أَنه سيقطع لي قِطْعَة من مَال فَقَالَ لي أَربع رَكعَات تصليهن فَذكر الحَدِيث كمَا تقدم وَقَالَ فِي آخِره فَإِذا فرغت قلت بعد التَّشَهُّد وَقبل السَّلَام
стр. 2584
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك توفيق أهل الْهدى وأعمال أهل الْيَقِين ومناصحة أهل التَّوْبَة وعزم أهل الصَّبْر وجد أهل الخشية وَطلب أهل الرَّغْبَة وَتعبد أهل الْوَرع وعرفان أهل الْعلم حَتَّى أخافك اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك مَخَافَة تحجزني عَن مَعَاصِيك حَتَّى أعمل بطاعتك عملا أستحق بِهِ رضاك وَحَتَّى أناصحك بِالتَّوْبَةِ خوفًا مِنْك وَحَتَّى أخْلص لَك النَّصِيحَة حبا لَك وَحَتَّى أتوكل عَلَيْك فِي الْأُمُور حسن ظن بك سُبْحَانَ خَالق النُّور فَإِذا فعلت ذَلِك يَا ابْن عَبَّاس غفر الله لَك ذنوبك كلهَا صغيرها وكبيرها وقديمها وحديثها وسرها وعلانيتها وعمدها وخطأها رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (١) وَرَوَاهُ فِيهِ أَيْضا عَن أبي الجوزاء قَالَ قَالَ لي ابْن عَبَّاس يَا أَبَا الجوزاء أَلا أحبوك أَلا أعلمك أَلا أُعْطِيك قلت بلَى فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من صلى أَربع رَكْعَات فَذكر نَحوه بِاخْتِصَار وَإِسْنَاده واه (٢) وَقد وَقع فِي صَلَاة التَّسْبِيح كَلَام طَوِيل وَخلاف منتشر ذكرته فِي غير هَذَا الْكتاب مَبْسُوطا وَهَذَا كتاب ترغيب وترهيب وَفِيمَا ذكرته كِفَايَة.
قوله: وروى عن ابن عباس تقدم الكلام على ابن عباس.
قوله ﷺ : "يا غلام، ألا أحبوك ألا أنحلك ألا أعطيك" الحديث، النحل العطية وتقدم معنى ذك في حديث عكرمة.
стр. 2585
فائدة: وفي كتاب اللمعة في رغائب يوم الجمعة للشيخ الإمام العلامة تقي الدين محمد بن إسماعيل بن علي بن أبي الصيف اليمني نزيل مكة المشرفة [يستحب صلاة التسبيح عند الزوال يوم الجمعة، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة التكاثر، وفي الثانية والعصر، وفي الثالثة الكافرون، وفي الرابعة الإخلاص، فإذا كملت الثلاثمائة تسبيحة قال بعد فراغه من التشهد قبل أن يسلم: اللهم إني أسألك توفيق أهل الهدى، وأعمال أهل اليقين، ومناصحة أهل التوبة، وعزم أهل الصبر، وحذر أهل الخشية، وتعبد أهل الورع، وعرفان أهل العلم، حتى أخافك. اللهم إني أسألك مخافة تحجزني عن معاصيك، وحتى أعمل بطاعتك عملا أستحق به الرضا، وحتى أناصحك في التوبة خوفا منك، وحتى أخلص لك النصيحة حبا لك، وحتى أتوكل عليك في الأمور كلها حسن الظن بك، سبحان خالق النور، ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير، برحمتك يا أرحم الراحمين، ثم يسلم، والأقرب من الاعتدال للمؤمن أن يصليها من الجمعة إلى الجمعة، وهذا الذي كان عليه حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄، فإنه كان يصليها عند الزوال يوم الجمعة، ويقرأ فيها ما تقدم الذي بقي لنا قد ذكره بحروفه منه المطلب في تفريج القلوب].
قوله: "اللهم إني أسألك مخافة تحجزني عن معاصيك" الحجز المنع.
١٠١٤ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ أَن أم سليم غَدَتْ على رَسُول الله ﷺ فَقَالَت عَلمنِي كَلِمَات أقولهن فِي صَلَاتي فَقَالَ كبري الله عشرا وسبحيه عشرا واحمديه عشرا ثمَّ سَلِي مَا شِئْت يَقُول نعم نعم رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا
стр. 2586
وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (١).
قوله: وعن أنس بن مالك تقدم الكلام على أنس بن مالك.
قوله: أن أم سليم غدت على رسول الله ﷺ ، وأم سليم هي أم أنس بن مالك الأنصارية، واختلفوا في اسمها على أقوال، أحدها: سهلة والثاني: رميلة، والثالث: رمينة، والرابع: أميمة، والخامس: الرميصاء بالصاد، والغميصاء بالغين المعجمة، وبهذين الاسمين تعرف، وقال بعضهم: المشهور فيها الرميصاء وفي أختها الغميصاء وكانت من فاضلات الصحابيات ومشهوراتهن وهي أخت أم حرام بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام، وأمها: مليكة بنت مالك بن عدي من بني النجار وهذه أم سليم تزوجها في الجاهلية مالك بن النضر فولدت أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ (٢).
стр. 2587
[عدة في خدم المصطفى ﷺ -]
فائدة: عدة من خدمه من الأحرار: أنس بن مالك بن النضر الأنصاري وربيعة بن كعب [الأسلمى] وعبد الله بن مسعود وكان صاحب نعليه ﵁: إذا قام ألبسه إياهما وإذا جلس جعلهما في ذراعيه حتى يقوم وعقبة بن عامر الجهني [وكان صاحب بغلته يقود به في الأسفار] وبلال بن أبي رباح المؤذن [على نفقاته] وأبو ذر الغفاري [وأيمن بن أم أيمن صاحب مطهرته ومن النساء:] إحدى عشرة [وأم سليم أم أنس بن مالك، قال: ويقال: هي الغميصاء والرميصاء، وأم سليم] تزوجها في الجاهلية مالك بن النضر فولدت أنس بن مالك فقتل عنها مشركا فخطبها أبو طلحة وكانت قد أسلمت فقالت له أنت مشرك فإن أسلمت فنعم، وقد ذكر القصة ابن سعد بإسناده عن إسحاق بن عبد الله عن جدته أم سليم أنها آمنت برسول الله ﷺ قالت: فجاء أبو أنس وكان غائبا فقال: أصبوت قالت ما صبوت (١).
قوله: أن تصلى أربع ركعات تقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة فقل وأنت قائم سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، الحديث وإن زاد بعد التسبيح ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فهو حسن، وقد ورد ذلك في بعض الروايات، وهذه هي
стр. 2588
الصلاة المأثورة (١) قاله في الديباجة.
[أصح شيء في فضائل الصلوات: صلاة التسبيح] قال السبكي: صلاة [التسبيح من] مهمات المسائل في الدين، وحديثها أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه ابن خزيمة قال الدارقطني: أصح شيء في فضائل الصلوات صلاة التسبيح كما تقدم، وقد نص على استحباب صلاة التسبيح هذه جماعة من أئمة أصحابنا منهم القاضي حسين والبغوي والمتولي والمحاملي والشيخ أبو محمد وولده إمام الحرمين والغزالي في الرائق والروياني في كتابه البحر في آخر كتاب الجنائز (٢).
واعلم أن صلاة التسبيح مرغب فيها يستحب أن يعتادها في كل حين ولا يتغافل عنها، قال: هكذا قال عبد الله بن المبارك وجماعة من العلماء وكذلك قال صاحب المهذب (٣)، وقال الغزالي: ويستحب أن لا يخلي الأسبوع منها أو الشهر وهي أربع ركعات كما جاء في نص الحديث والأحسن إذا صلاها نهارا أن يكون بتسليمة واحدة وإن صلاها ليلا أن يكون بتسليمتين (٤)، وأفتى ابن الصلاح بأنها سنة (٥) وتوقف فيها النووي (٦) قاله في الديباجة،
стр. 2589
ولا يغتر بما فُهم عن النووي في الأذكار من رده وأنه اقتصر على رواية الترمذي وراء قول العقيلي ليس فيها حديث صحيح ولا حسن ولا أظن أنه لو استحضر تخريح أبي داود لحديثها وتصحيح ابن خزيمة والحاكم لما قال ذلك ولم يحسن من ابن الجوزي ادعاؤه أن حديثها موضوع (١)، أ. هـ.
قوله: ورواه الطبراني فقال في آخره: "فلو كانت ذنوبك مثل زبد البحر أو رمل عالج غفرها الله لك"، زبد البحر: رغوته، تقدم أن مثل هذا محمول على الصغائر ولكن قوله: "وإن كانت مثل زبد البحر" يدل على عموم المغفرة للكبير والصغير فإنه في مقام تعظيم الجزاء وبلوغه أقصى مراتبه وصار هذا مثل قوله فيمن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة فقيل: وإن زنى وإن سرق فقال: وإن زنى وإن سرق الحديث، والكرم واسع والرجاء غير منقطع، والحكمة في التمثيل بزبد البحر لأنه يتراكم ويكثر حتى يصير مثل الزبد ثم ينقطع ويضمحل فأما الزبد فيذهب جفاء [بياض بالأصل] أ. هـ، قاله في شرح الإلمام.
قوله: "أو رمل عالج" هو موضع بالبادية كثير الرمال وقال البكري أنه في ديار كلب ويصل إلى الدهناء وينقطع طرفه من دون الحجاز، وعالج هو بكسر اللام وبعدها جيم.
فائدة: سئل ابن الصلاح عن إمام يصلي بالمسلمين صلاة التسبيح المروية عن رسول الله ﷺ في ليالي الجمعة وغيرها، هل يثاب على ذلك ويثابون أو
стр. 2590
لا؟ وهل هي سنة أو بدعة؟ وهل صحت عن رسول الله ﷺ من طريق أو لا؟، وهل من أنكر على مصليها مصيب أو مخطئ؟
فأجاب ﵁: نعم يثاب ويثابون إذا خلصوا وهي سنة غير بدعة وهي مروية عن رسول الله ﷺ وحديثها حسن معتمد معمول بمثله لا سيما في العبادات والفضائل، وقد أخرجه جماعة من أئمة الحديث في كتبهم والمنكر لها غير مصيب ولا يختص بليلة الجمعة كما جاء في الحديث، وقال الغزالي في الإحياء: صلاة التسبيح مأثورة ولا تختص بوقت ولا سبب ويستحب أن لا يخلو الأسبوع عنها مرة واحدة أو الشهر (١)، أ. هـ قاله في الديباجة.؟
تنبيه: قوله حدثنا أحمد بن داود بمصر إلى آخره كذا قال الخطيب البغدادي درجة أنبأنا أحط من درجة أخبرنا وهو قليل في الاستعمال انتهى، قال بعضهم: قال لنا فلان هو أحط مرتبة من حدثنا ونحوه سواء كان بزيادة لنا أو لا لأنه يقال على سبيل المذاكرة بخلاف نحوحدثنا فإنه يقال على سبيل النقل والتحمل، وذهب مسلم إلى أن حدثنا لا يجوز إطلاقه إلا على ما سمعه من لفظ الشيخ خاصة وأخبرنا لما قرئ على الشيخ، وهو مذهب الشافعي قدس الله سره وجمهور أهل المشرق، وقيل: هو مذهب أكثر أصحاب الحديث وهو الشائع والغالب على أهل الحديث والأول أعلى درجة واصطلاح قوم من المتأخرين على إطلاق أنبأنا [في الإجازة] فهو أدنى من أخبرنا وأما سمعت فهو [لما] سمع من لفظ الشيخ سواء كان [الحديث]
стр. 2591
معه أو مع غيره فهو أحط مرتبة من حدثنا وقال الخطيب البغدادي: أرفع العبارات في [ذلك] سمعت ثم حدثني ثم أخبرني ثم أنبأني، قال ابن بطال قال طائفة: حدثنا لا تكون إلا مشافهة، وأخبرنا قد تكون مشافهة وكتابيا وتبليغا لأنه تقول أخبرنا الله تعالى بكذا في كتابه ورسوله بكذا ولا تقول [حدثنا إلا أن يشافهك] المخبر بذلك، وقال الطحاوى لم [نجد بين الحديث والخبر] فرق في كتاب [الله ولا] سنة [رسوله قال] تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ الآية (١)، أ. هـ.
تنبيه آخر: قوله [حدثنا جرت العادة بالاقتصار على الرمز في حدثنا وأخبرنا واستمر الاصطلاح عليه من قديم الاعصار إلى زماننا واشتهر ذلك بحيث لا يخفى فيكتبون من حدثنا (ثنا) وهي] الثاء والنون والألف ويكتبون [من أخبرنا (انا)] ولا يحسن زيادة الباء قبل نا (٢).
قوله: حدثنا حيوة بن شريح، كان حيوة بن شريح بن صفوان من العباد الزاهدين المجابين الدعوة، قال عبد الله بن وهب: كان حيوة يأخذ عطاءه في السنة ستين دينارًا فلم يطلع منزله حتى يتصدق بها ثم يجيء منزله فيجدها تحت فراشه وبلغ ذلك ابن عم له فأخذ عطاءه فتصدق به وجاء إلى تحت فراشه فلم يجد شيئًا فشكى ذلك إلى حيوة فقال: أنا أعطيت [ربى] بيقين وأنت أعطيته تجربة، توفي حيوة سنة [ثمان وخمسين ومئة على الصحيح،
стр. 2592
وقيل: سنة تسع وخمسين] (١) أ. هـ.
قوله: عن يزيد بن أبي حبيب [واسمه سويد، الأزدي، أبو رجاء المصري مولى شريك بن الطفيل الأزدي، قال أبو سعيد بن يونس: كان مفتي أهل مصر في أيامه، وكان حليما عاقلا، وكان أول من أظهر العلم بمصر، والكلام في الحلال والحرام ومسائل، وقيل: إنهم كانوا قبل ذلك يتحدثون بالفتن والملاحم والترغيب في الخير.
وقال الليث بن سعد: يزيد بن أبي حبيب سيدنا وعالمنا، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (٢)].
قوله: عن نافع عن ابن عمر، هو نافع مولى ابن عمر تابعي من سبي نيسابور، وقيل: من سبي خراسان بعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر يعلم الناس السنن، توفي ﵁ سنة عشرين ومائة (٣)، وتقدم الكلام على ابن عمر.
قوله: وجه رسول الله ﷺ جعفر بن أبي طالب إلى بلاد الحبشة، هو: أبو عبد الله جعفر بن أبي طالب بن عبد مناف بن عبد المطلب الهاشمي الطيار ذو الجناحين وذو الهجرتين هاجر إلى الحبشة وكان هو وأصحابه سبب إسلام النجاشي رحمه الله تعالى، وهاجرت معه زوجته أسماء بن عميس فولدت له هناك عبد الله بن جعفر وهو أول مولد في الإسلام بأرض الحبشة؛
стр. 2593
كانت أسماء بنت عميس تحت جعفر فقتل عنها فتزوجها الصديق فمات عنها فتزوجها علي، وهي أخت ميمونة زوج النبي ﷺ لأمها، وكن عشر أخوات، أسلمت أسماء بنت عميس قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم وبايعته ﷺ ، ثم قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة هو ومن صحبه من المهاجرين ثم سكن المدينة ثم أمره النبي ﷺ على جيش غزوة مؤتة بعد زيد بن حارثة فاستشهد هو وزيد فيها في جمادي الأولى سنة ثمان من الهجرة فأخبر بوفاته رسول الله ﷺ على المنبر بالمدينة حال وفاته وقبره ﵁ وقبر صاحبيه زيد بن حارثة وعبد الله مشهورات بأرض مؤتة من الشام تحت الكرك على نحو مرحلتين من بيت المقدس وكان جعفرًا أن من علي ﵄ بعشر سنين وعقيل أسن من جعفر بعشر سنين وطالب بن أبي طالب أسن من عقيل بعشر سنين، وأمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي أول هاشمية تزوجها هاشمي وأسلمت وهاجرت إلى المدينة وتوفيت في زمن رسول الله ﷺ ونزل في قبرها وكان يكرمها وكان لجعفر [يوم] توفي إحدى وأربعون سنة وقيل غير ذلك (١).
قوله: وروى عن أبي رافع وأبو رافع مولى رسول الله ﷺ اسمه إبراهيم وقيل أسلم وقيل ثابت وقيل هرمز (٢).
فائدة: كان عدة مواليه من الرجال أحدًا وثلاثين نفرا، قلنا: هؤلاء المشهورون، وقد قيل إنهم أربعون رجلا منهم زيد بن حارثة بن شراحيل
стр. 2594
الكلبي وكان [لخديجة] فاستوهبه ﷺ منها وأعتقه. ابنه أسامة بن زيد وكان يقال له حب رسول الله ﷺ ابن حب رسول الله ﷺ [ثوبان بن بجدد، وكان له نسب في اليمن، أبو كبشة] من مولدى [مكة شرفها الله] تعالى [وقيل] بل من [دوس واسمه سليم] شهد بدرا [ابتاعه] ﷺ [ثم أعتقه، وتوفى في أول يوم استخلف] عمر بن الخطاب [شقران واسمه] صالح قيل [ورثه من أبيه، وقيل] اشتراه من [عبد الرحمن بن عوف] وأعتقه أبو [رافع] اسمه أسلم، وقيل: إبراهيم وكان عبدًا للعباس فوهبه للنبي ﷺ فأعتقه [فأعتقه حين بشره بإسلام] عمه العباس [وزوجه سلمى مولاته، فولدت] عبيد الله [وكان عبيد الله] كاتبا لعلي خلافته [كلها] وهبه له [مدعم، أسود وهبه له رفاعة بن] زيد الجذامي قتل [بوادى] القرى أصابه سهم وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ [إن الشملة التي غلها] تشتعل عليه نارًا. (كركرة) كان على ثقل رسول الله ﷺ وكان نوبيا أهداه له هوذة بن علي الحنفي. (سفينة) كان سفينة هذا عبدًا لأم سلمة زوج النبي ﷺ فأعتقته واشترطت عليه أن يخدم النبي ﷺ مدة حياته فقال [لو لم تشترطى] على ما فارقته [وكان اسمه رباح، وقيل مهران،] فسماه رسول الله ﷺ سفينة وكان أسود من مولدي الأعراب. (أبو [لبابة]) كان لبعض عماته فوهبته له [رويقع] سباه من هوزان وأعتقه [قلت: هؤلاء] هم المشهورون من الأربعين قاله في [كنز الدرر (١)].
стр. 2595
قوله: رواه البيهقي وقال: كان عبد الله بن المبارك يفعلها وتداولها الصالحون بعضهم عن بعض. هو: عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم المروزي، كنيته: أبو عبد الرحمن الإمام المجمع على إمامته وجلالته في كل شيء الذي تستتر الرحمة بذكره وترجى المغفرة بحبه وهو من تابعي التابعين وكان أبوه تركيا مملوكا لرجل من همدان وأمه خوارزمية، حكي عن أبيه أنه كان يعمل في بستان لمولاه مدة ثم أمره مولاه أن يأتيه برمان حلو فأتاه بحامض فحرد عليه وقال: أطلب منك الحلو فتحضر لي الحامض هات حلوا فأتاه بحامض كذلك مرارا، ثم قال له: أنت ما تعرف الحلو من الحامض، قال: لا، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأني ما أكلت منه شيئًا حتى أعرفه، قال: ولم لم تأكل، قال: لأنك لم تأذن لي فيه فكشف مولاه عن ذلك فوجده صادقا فعظم في عينه فأعتقه وزوجه ابثته فأولدها عبد الله هذا، وسئل ابن المبارك أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز، فقال: والله إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله ﷺ خير من ألف من عمر بألف مرة، صلى معاوية خلف رسول الله ﷺ فقال: سمع الله لمن حمده، فقال معاوية: ربنا ولك الحمد [فما بعد هذا؟] (١) ومن كلام ابن [المبارك تعلَّمنا العلم للدنيا، فدلَّنا على ترك الدنيا، وكان عبد الله قد غزا، فلما انصرف من الغزو وصل إلى هيت فتوفي بها في رمضان سنة إحدى، وقيل اثنتين وثمانين
стр. 2596
ومائة، ومولده بمرو سنة ثماني عشرة ومائة، ﵁ (١)].
وقال الغزالي في الإحياء (٢) في كتاب [آداب السفر من الإحياء] قال رجل لابن المبارك وهو على دابته: احمل لي هذه الرقعة إلى فلان فقال حتى أستأمر الحمَّار [فإني لم] أشارطه على [هذه الرقعة]، قال: فانظر كيف لم يلتفت إلى قول الفقهاء أن هذا مما يتسامح فيه ولكن سلك طريق الورع [بياض بالأصل] (٣) أ. هـ.
قال النووي (٤): روينا عن الحسن بن عيسى قال: اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك فقالوا: تعالوا نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير، فقالوا: جمع الفقه والأدب والنحو واللغة والزهد والشعر والفصاحة والورع والإنصاف وقيام الليل والعبادة والشدة في رأيه وقلة الكلام فيما لا يعنيه وقلة الخلاف على أصحابه، وقال العباس بن مصعب: جمع ابن المبارك الحديث والفقه والعربية وأيام الناس والشجاعة والجسارة والسخاء والمحبة؛ وقال سفيان [الثوري] ابن عيينة حين توفي ابن المبارك: لقد كان فقيها عالما عابدا زاهدا شجاعا.
قالت: ما صبوت ولكني آمنت بهذا [الرجل] فجعلت تلقن أنسا وتشير إليه قل لا إله إلا الله قل أشهد أن لا إله إلا الله ففعل، قال: فيقول
стр. 2597
لها أبوه لا تفسدي علي ابني دينه، قال: فتقول إني لأفسده، قال: فخرج مالك أبو أنس فلقيه عدوٌ فقتله فلما بلغها قتله قالت: لا جرم أفطم أنسا حتى يبلغ للثدي حبا ولا أتزوج حتى يأمرني أنس فخطبها أبو طلحة وهو مشرك فأبت وقالت: إن أسلمت فنعم فذكره إلى قوله: قال: فوقع في قلبي ما قلت وآمن، قالت: فإني أتزوجك ولا آخذ منك صداقا بخير الإسلام فكان صداقها الإسلام فتزوجها أبو طلحة فولدت له عبد الله وأبا عمير وهي التي كان رسول الله ﷺ يلاعب ولدها فيقول يا أبا عمير ما فعل النغير؛ روت أم سليم الحديث عن رسول الله ﷺ فقال ابن سعد بإسناده عن حسين بن أبي سفيان عن أنس بن مالك قال: زار رسول الله ﷺ أم سليم فصلى في بيتها صلاة تطوعا وقال: "يا أم سليم إذا صليت المكتوبة فقولي: سبحان الله عشرًا والحمد لله عشرًا والله أكبر عشرًا ثم اسألي الله ما شئت فإنه يقال لك: نعم نعم" (١)، وفي الصحابيات جماعة يقال لكل واحدة منهن أم سليم، إحداهن هذه وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم وذلك من المشهور والمعروف (٢) وقال الغزالي في الوسيط (٣): هي جدة أنس وكذلك قال شيخه والصيدلاني ومحمد بن يحيى صاحب البحر وهو غلط بالاتفاق وكانت أم سليم هذه هي وأختها أم حرام خالتين لرسول الله ﷺ من جهة الرضاعة وكانت من
стр. 2598
فاضلات الصحابيات، وقال محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : "رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة وسمعت خشفة فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا بلال ورأيت قصرا بفنائه جارية، فقلت لمن هذا؟ فقالوا لعمر بن الخطاب فأردت أن أدخله فذكرت غيرتك" فبكى عمر بن الخطاب فقلت: بابي أنت وأمي يا رسول الله أعليك أغار، هذا حديث صحيح رواه البخاري (١).
خاتمة: تستحب صلاة التسبيح عند الزوال يوم الجمعة تقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ألهاكم التكاثر وفي الثانية والعصر وفي الثالثة قل يا أيها الكافرون وفي الرابعة [الإخلاص فإذا كملت الثلاثمائة] تسبيحة [قال] بعد فراغه من التشهد وقبل أن يسلم [اللهم إني أسألك توفيق أهل الهدى، وأعمال أهل اليقين، ومناصحة أهل التوبة، وعزم أهل] الصبر [ثم قال] وفي آخره سبحان خالق النور ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير برحمتك يا أرحم الراحمين ثم يسلم ثم [قال] والأقرب من الاعتدال [للمؤمن] أن يصليها من الجمعة إلى الجمعة وهو الذي [كان عليه حبر] الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، فإنه كان يصليها عند الزوال يوم الجمعة ويقرأ فيها بما تقدم (٢) أ. هـ
стр. 2599
التَّرْغِيب فِي صَلَاة التَّوْبَة
اعلم أن كل من ارتكب معصية لزمه المبادرة إلى التوبة قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) ومعنى التوبة في اللغة: الرجوع ومنه يقال: تاب فلان من سفره إذا رجع ومعناها عند أهل الحقائق الندامة على ما مضى والإقامة على [بياض بالأصل]، وقيل: معنى التوبة الندم على ما فات وإصلاح ما هو آت (٢)، وللتوبة وصحتها شروط أحدها أن يقلع عن المعصية في الحال أي بالقلب، والثاني: أن يندم على ما فعل أي ما سلف من ذنوبه، والثالث: العزم على تركها والرجوع إلى الذنب وعبارة بعضهم أن لا يعود إليها أبدًا في الأزمنة المستقبلة (٣)، والرابع: أداء أول فريضة ضيعها فيما بينه وبين الله تعالى، والخامس: رد الظلامة إلى صاحبها أو طلب العفو عنها والإبراء منها إن كانت تتعلق بآدمي، السادس: إذابة كل لحم وشحم نبت من الحرام بإصلاح المطعم والمشرب والملبس، السابع: إذاقة البدن ألم الطاعة كما ذاق حلاوة المعصية (٤)، الثامن: تطهير القلب من الأدناس وهو الغل والغش والحسد والمكر وطول الأمل ونسيان الأجل انتهى، قاله الهروي وقد ذكر النووي بعض هذه الشروط.
стр. 2600
تنبيه: إذا تاب من ذنب فينبغي أن يتوب من جميع الذنوب فلو اقتصر على التوبة من ذنب صحت توبته منه وإذا تاب من ذنب توبة صحيحة بما ذكرنا ثم عاد إليه في وقت أتم بالثاني ووجب عليه التوبة منه ولم تبطل التوبة من الأول، هذا مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة في المسألتين (١)، أ. هـ والله أعلم.
١٠١٥ - عَن أبي بكر ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من رجل يُذنب ذَنبا ثمَّ يقوم فيتطهر ثمَّ يُصَلِّي ثمَّ يسْتَغْفر الله إِلَّا غفر الله لَهُ ثمَّ قَرَأَ هَذِه الْآيَة ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ (٢) إِلَى آخر الْآيَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالا ثمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَذكره ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه بِغَيْر إِسْنَاد وَذكر فِيهِ الرَّكْعَتَيْنِ (٣).
стр. 2601
[بعض مناقب أبي بكر الصديق]
قوله: عن أبي بكر الصديق، واسمه عبد الله بن أبي قحافة وهو الذي ذكرنا من أن اسم أبي بكر الصديق عبد الله هو الصحيح المشهور، واسم أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن تيم، أسلم يوم فتح مكة وله صحبة، قال عروة أسلم أبو بكر وله أربعون ألف دينار فأنفقها كلها، قال ابن إسحاق: وأتى أبو بكر بابيه أبي قحافة يقوده وقد كان كف بصره إلى رسول الله ﷺ وهو في المسجد فلما رآه قال: هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه أنت، قال: فأجلسه رسول الله ﷺ بين يديه ثم مسح بيده على صدره ثم قال له "أسلم" فأسلم، وكان فتح مكة لعشر بقين من شهر رمضان وكان عدة من شهد الفتح من المسلمين عشرة آلاف وأقام رسول الله ﷺ بعد فتح خمسة عشر ليلة بها يقضى الصلاة، وفيها كانت غزوة حنين والطائف، ومات أبو قحافة في المحرم سنة أربع وعشرة من الهجرة وهو ابن سبع وتسعين سنة (١) بعد وفاة ابنه أبي بكر بأشهر، أ. هـ، قاله في تاريخ كنز الدرر (٢).
стр. 2602
وأسلم على يد أبي بكر الصديق خلائق من الصحابة منهم خمسة من العشرة وهم عثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وهو من كبار الصحابة الذين حفظوا القرآن كله، روى الصديق عن رسول الله ﷺ مائة حديث واثنين واربعين حديثان اتفق البخاري ومسلم منها على ستة وانفرد البخاري بأحد عشر ومسلم بحديث وسبب قلة روايته مع صحبته وملازمته للنبي ﷺ أنه تقدمت وفاته قبل انتشار الأحاديث واعتناء التابعين بسماعها وتحصيلها وحفظها وهو أول من آمن بالنبي ﷺ في أحد الأقوال وقيل: أولهم علي بن أبي طالب وقيل: خديجة، وادعى الثعلبي الإجماع فيه وأن الخلاف إنما هو في أولهم بعدها وثبت في الصحيحين عن عائشة قال: لم أعقل أبوي إلا وهم يدينان الدين ولم [يمر] علينا يوم إلا يأتينا [فيه رسول الله] ﷺ [طرفى النهار بكرة وعشيا]، وهو أول خليفة في الإسلام وأول أمير أرسل علي [الحج] بالناس سنة تسع من الهجرة وكان أبيض نحيفا خفيف [العارضين] معروق الوجه غائر العينين ناتئ الجبهة يخضب بالحناء والكتم له ولأبويه ولولده وولد ولده صحبة ولم يجتمع هذا لأحد غيره، استخلف يوم الثلاثاء ثالث عشر ربيع الأول سنة إحدى [عشرة] وولد بمكة بعد الفيل بسنتين وأربعة أشهر إلا أياما، ومات بالمدينة [مساء ليلة الثلاثاء] لثمان بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة بعد المغرب وله ثلاث وستون سنة [وقيل اثنان وخمسون سنة] والأول أصح، وأوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس فغسلته وصلى عليه عمر ودفن إلى جانب النبي
стр. 2603
- ﷺ ، قيل: إنه اغتسل في يوم بارد فجم خمسة عشر يوما ومات وكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر روى عنه عمر وابن [مسعود وحذيفة] وابن عمر [، وابن عباس، وابن عمرو بن العاص، وزيد بن ثابت، والبراء بن عازب،] وأبو هريرة [وعقبة بن الحارث،] وعائشة وغيرهم (١) أ. هـ قاله في شرح الإلمام.
تنبيه: الألقاب الحسنة لا ينهى عنها، واتفق العلماء على تلقيب الإنسان باللقب الحسن وما لا يكرهه الإنسان كعتيق لقب أبي بكر الصديق، وأبي تراب لقب علي بن أبي طالب، وذو اليدين لقب الخرباق [بن عمرو] وعمر بالفاروق وحمزة بأسد الله، وخالد بسيف الله، فهؤلاء صحابيون لقبهم النبي ﷺ بهذه الألقاب وكانوا يحبونها (٢) والله أعلم.
وما زالت الألقاب الحسنة [في الجاهلية والإسلام قال الزمخشري:] إلا ما أحدثه الناس في زماننا من التوسع [حتى لقبوا السفلة بالألقاب العليا، وهب أن العذر مبسوط فما أقول في تلقيب من ليس من الدين في قبيل ولا دبير بفلان الدين، وهي لعمرو الله القضية التي لا تساغ] (٣).
قوله ﷺ : "ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ثم يستغفر الله تعالى إلى غفر له ثم قرأ هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا
стр. 2604
أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (١) الآية" ورواه ابن حبان والبيهقي بلفظ: "ثم يصلي ركعتين" المراد بقوله: "ثم يقوم فيتطهر" الوضوء الشرعي.
واعلم أن معنى الاستغفار سؤال العبد ربه أن يغفر له ومعنى مغفرته لذنوب عباده أن يسترها عليهم بعطفه ورأفته بهم وأن لا يكشف أمورهم لخلقه ولا يهتك سترهم بالعقوبة التي سهرهم في عيوبهم، وأصل الغفر الستر والتغطية ومنه يقال لِجُنّةِ الرأس المغفر، أ. هـ قاله الهروي. قوله: ثم قرأ هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ] وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ولم يصروا أي لم [يقيموا ولم] يداوموا، يفهم من الآية أثهم إذا لم يستغفروا أي لم يتوبوا وأصروا على ذنوبهم يكون محل الحذر والخوف قاله الكرماني (٢) وفي الحديث: "ما أصر من استغفر" (٣) أي على الشيء يصر إصرارًا إذا لزمه وداومه وثبت عليه وأكثر ما يستعمل في الشر والذنوب يعني من اتبع الذنب [بالاستغفار فليس بمصر عليه وإن تكرر منه (٤)].
стр. 2605
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾، وشروط التوبة المذكورة مأخوذة من هذه الآية لأن من ذكر الله ندم، والاستغفار يستلزم الإقلاع والعزم على أن لا يعود لأن الاستغفار مع الإصرار توبة الكذابين، والشرط الرابع: هو رد الظلامة إلى صاحبها من عرض أو مال من قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ لأن من أمسك العين المغصوبة مصر على المعصية فلا تصح توبته حتى يردها على صاحبها ومن شروط التوبة أن لا تطلع الشمس من مغربها وأن لا تبلغ الروح الحلقوم قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ (١) وملك الموت إذا حضر وشاهده المريض شخص بصره ولا تنفع التوبة حينئذ، أ. هـ قاله ابن العماد في شرح العمدة.
١٠١٦ - وَعَن الْحسن يَعْنِي الْبَصْرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا أذْنب عبد ذَنبا ثمَّ تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ خرج إِلَى برَاز من الأَرْض فصلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ واستغفر الله من ذَلِك الذَّنب إِلَّا غفره الله لَهُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مُرْسلا (٢).
قَوْله البرَاز بِكَسْر الْبَاء وَبعدهَا رَاء ثمَّ ألف ثمَّ زَاي هُوَ الأَرْض الفضاء.
قوله: عن الحسن يعني البصري تقدم الكلام على بعض مناقبه وهو الإمام المشهور المجمع على جلالته في كل شيء، كنيته: أبو سعيد الحسن بن أبي
стр. 2606
الحسن يسار التابعي البصري ومناقبه كثيرة مشهورة نفعنا الله ببركته.
قوله ﷺ : "ما أذنب عبد ذنبا ثم توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى براز الأرض فصلى فيه ركعتين واستغفر الله من ذلك الذنب إلا غفر الله له" تقدم الكلام على إحسان الوضوء في عدة مواضع من هذا التعليق وتقدم أيضا معنى الاستغفار في الحديث قبله، وفسر الحافظ ﵀ البراز وضبطه فقال البراز بكسر الباء وبعدها راء ثم ألف ثم زاي هو الأرض الفضاء، أ. هـ.
قال في النهاية: والفضاء الخالي الفارغ الواسع من الأرض، وقد [فضا] المكان [وأفضى] إذا اتسع (١) أ. هـ.
قوله: رواه البيهقي مرسلا، تقدم الكلام على الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين في مواضع من هذا التعليق أيضًا.
١٠١٧ - وَعَن عبد الله بن بُرَيْدَة ﵁ عَن أَبِيه قَالَ أصبح رَسُول الله ﷺ يَوْمًا فَدَعَا بِلَالًا فَقَالَ يَا بِلَال بِمَ سبقتني إِلَى الْجنَّة إِنِّي دخلت الْجنَّة البارحة فَسمِعت خشخشتك أَمَامِي فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا أذنت قطّ إِلَّا صليت رَكْعَتَيْنِ وَمَا أصابني حدث قطّ إِلَّا تَوَضَّأت عِنْدهَا وَصليت رَكْعَتَيْنِ رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (٢) وَفِي رِوَايَة مَا أذنبت (٣) وَالله أعلم.