← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 2637–2676 · переход к 2642.

стр. 2637

- ﷺ واقرأ وأنت ساجد فاتحة الكتاب وآية الكرسي سبع مرات" الحديث، قال العلماء: قد صح عن النبي ﷺ النهي عن القراءة في السجود وتقدم ذلك في الصلاة، وقال الإمام أبو الفرج بن الجوزي: هذا حديث موضوع (١) والله أعلم. قوله: "ثم قل: اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك "إلى آخره، معناه: أسألك بالخصال التي استحق بها العرش العز أو مواضع انعقادها منه، وحقيقة معناه بعز عرشك وأصحاب أبي حنيفة يكرهون هذا اللفظ في الدعاء، أ. هـ، قاله في النهاية. قوله: وقال إبراهيم بن علي الدبيلي قد جربته فوجدته حقا؛ الدبيلي بفتح الدال المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها اللام هذه النسبة على دبيل وهي قرية من قرى الرملة، قال الحافظ ﵀ بعد قول الحاكم عن العلماء أنهم جربوه فوجدوه حقا، قال: والاعتماد في مثل هذا علي التجربة لا على الإسناد والله أعلم. فائدة: قال مؤلفه عفا الله عنه: قد ورد في صلاة الحاجة أحاديث متعددة منها ما ذكره الحافظ في ترغيبه في حديث ابن مسعود المتقدم ومنها ما رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس بإسناد ضعيف عن ابن مسعود، وبه جزم في الإحياء فقال (٢): أو ضاق عليه الأمر ومست حاجته في صلاح دينه ودنياه على

стр. 2638

أمر تعذر عليه فليصل هذه الصلاة، فقد روى عن وهيب بن الورد أنه قال: من الدعاء الذي لا يرد أن يصلي العبد اثنتى عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة بأم القرآن وآية الكرسي وقل هو الله أحد فإذا فرغ خر ساجدا ثم قال: سبحان الذي لبس العز، وقال به، سبحان الذي تعطف بالمجد وتكرم به سبحان الذي أحصى كل شيء بعلمه سبحان الذي لا ينبغي التسبيح والحمد إلا له سبحان ذي المن والفضل سبحان ذي العز والكرم سبحان ذي الطولى، أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك وباسمك الأعظم وجدك الأعلى وكلماتك التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر أن تصلي على محمد ثم تسأل حاجتك التي لا معصية فيها إن شاء الله تعالى، قال وهيب: وبلغنا أنه كان يقول: لا تعلموه سفهاءكم فيتعاونون به على معصية الله، قال ابن جريج: أما أنا إذا أردت أن أسجد قرأت اقرأ باسم ربك ثم أسجد، ومنها: ما روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من كانت له حاجة إلى الله تعالى فليسبغ الوضوء وليصل ركعتين يقرأ في الأولى الفاتحة وآية الكرسي وآمن الرسول إلى آخر السورة ويتشهد ويسلم ويدعوا بهذا الدعاء اللهم يا مؤنس كل وحيد يا صاحب كل فريد يا قريبا غير بعيد يا غالب غير مغلوب يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام يا بديع السموات والأرض أسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الحي القيوم الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم الذي ملأت عظمته السموات والأرض وأسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم الذي عنت له الوجوه وخشعت له الأبصار وجلت

стр. 2639

القلوب من خشيته أن تصلي على محمد وعلى آل محمد وتجعل لي من أمري فرجا ومخرجا فإن الله تعالى يقضي حاجته ويجعل له من أمره فرجا ومخرجا" (١) ومنها ما روى عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "من كانت له حاجة فيلصل يوم الجمعة أربع ركعات يقرأ في الأولى بعد الفاتحة سبح اسم ربك الأعلى مرة ثم يقرأ الإخلاص خمسا وعشرين مرة، وفي الركعة الثانية الفاتحة مرة وإذا زلزلت مرة والإخلاص خمسا وعشرين مرة وفي الثالثة الفاتحة مرة وألهاكم التكاثر مرة والإخلاص خمسا وعشرين مرة وفي الرابعة بعد الفاتحة إذا جاء نصر الله والفتح ثم الإخلاص خمسا وعشرين مرة فإذا فرغ من صلاته رفع يديه إلى السماء وذكر حاجته فتقضى" (٢)، ومنها ما روى عن عمر بن عبد العزيز عن أبيه أنه قال: بلغني أنه من صلى اثنتي عشرة ركعة يتشهد في كل ركعتين ثم يجلس يتشهد ثم قرأ الفاتحة سبع مرات وآية الكرسي سبعا والإخلاص سبعا وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات ثم سجد فقال وهو ساجد اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك إلى آخره استجيب له، ومنها ما رواه الطبراني في معجمه الكبير عن عبد الله بن عمرو قال: من كانت له حاجة إلى الله فليصم الأربعاء والخميس والجمعة فإذا كان يوم الجمعة تطهر وراح إلى

стр. 2640

المسجد فتصدق بصدقة قلت أو كثرت فإذا صلى الجمعة قال: اللهم إني أسألك باسم لسم الله الرحمن الرحيم الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم وأسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم الذي ملأت عظمته السموات والأرض وأسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم الذي لا إله إلا هو الذي عنت له الوجوه وخشعت له الأصوات ووجلمت له القلوب من خشيته أن تصلي على محمد وعلى آل محمد (١)، أ. هـ قاله في الديباجة. ١٠٢٢ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ جَاءَنِي جِبْرِيل ﵇ بدعوات فَقَالَ إِذا نزل بك أَمر من أَمر دنياك فقدمهن ثمَّ سل حَاجَتك يَا بديع السَّمَوَات وَالأرْض يَا ذَا الْجلَال وَالإِكْرَام يَا صريخ المستصرخين يَا غياث المستغيثين يَا كاشف السوء يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ يَا مُجيب دَعْوَة الْمُضْطَرين يَا إِلَه الْعَالمين بك أنزل حَاجَتي وَأَنت أعلم بهَا فاقضها رَوَاهُ الأصْبَهَانِيّ وَفِي إِسْنَاده إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش (٢) وَله شَوَاهِد كَثِيرَة (٣).

стр. 2641

التَّرْغِيب فِي صَلاة الاستخارة وَمَا جَاءَ فِي تَركهَا ١٠٢٣ - عَن سعد بن أبي وَقاص ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من سَعَادَة ابْن آدم استخارته الله رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالْحَاكِم وَزَاد وَمن شقوة ابْن آدم تَركه استخارة الله وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد كَذَا قَالَ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَلَفظه من سَعَادَة ابْن آدم كَثْرَة استخارة الله تَعَالَى وَرضَاهُ بِمَا قضى الله لَهُ وَمن شقاوة ابْن آدم تَركه استخارة الله تَعَالَى وَسخطه بِمَا قضى الله لَهُ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث مُحَمَّد بن أبي حميد وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ عِنْد أهل الحَدِيث وَرَوَاهُ الْبَزَّار وَلَفظه أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من سَعَادَة الْمَرْء استخارته ربه وَرضَاهُ بِمَا قضى وَمن شقاء الْمَرْء تَركه الاستخارة وَسخطه بعد الْقَضَاء وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيَّان فِي كتاب الثَّوَاب والأصبهاني بِنَحْوِ الْبَزَّار (١). قوله: عن سعد بن أبي وقاص واسمه مالك بن وهب وقيل ابن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة يكنى أبا إسحاق أسلم قديما وكف بصره قبل موته، يروى أنه قدم مكة وهو مكفوف البصر فجاءه الناس يهرعون إليه كل يسأله أن يدعو له وكان مجاب الدعوة، قال عبد الله بن السائب: فأتيته وأنا غلام فتعرفت إليه فعرفني وقال: أنت قارئ أهل مكة،

стр. 2642

قلت: نعم، فلما طال المجلس قلت له: يا عم أنت تدعوا للناس فلو دعوت لنفسك فرد الله عليك بصرك فتبسم وقال: يا بني قضاء الله عندي أحسن من بصري، وبهذا تمسك بعض الصوفية لما ضاع له ولد ولم يعرف مكانه ثلاثة أيام فقيل له: لو سألت الله أن يرده فقال: اعتراضي عليه فيما قضى اشد علي من ذهاب ولدي، ولما قتل عثمان اعتزل سعد الفتن ولم يقاتل في شيء من تلك الحروب، روى له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وأحد وسبعون حديثا (١). قوله ﷺ : "من سعادة ابن آدم استخارته الله " زاد الحاكم: "ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله " وفي الترمذي: "من سعادة ابن آدم استخارة الله في كل أموره ومن شقاوته تركه استخارته في كل أموره" وروى عن أنس أن النبي ﷺ قال: "إذا هممت بأمر فاستخر الله سبع مرات ثم انظر إلى الذي يسبقك في قلبك فإن الخير فيه" (٢) وفي رواية البزار: "من سعادة المرء استخارته ربه ورضاه بما قضى ومن شقاوة المرء تركه الاستخارة وسخطه بعد القضاء" الحديث، السَخَط والسُخط الكراهية للشيء وعدم الرضى به والاستخارة طلب الخير في الشيء، والخِيَرَة على وزن العنبة فهي

стр. 2643

الاسم من قولك اختاره الله (١)، ومحمد ﷺ خيرة الله من خلقه والخيرة يقال بالفتح والسكون وهي افتعال منه يقول اختر الله يجز لك ومنه دعاء الاستخارة اللهم خر لي أي اختر لي أصلح الأمرين واجعل لي الخيرة فيه فالرضى بالمقدور من سعادة ابن آدم بكل ما قضى الله تعالى له لقوله ﷺ في حديث جبريل المطول: "وأن تؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره" ثم ينظر في المقضي فإن كان في طاعة أو مباحا وجب عليه الرضى بالقضاء والمقضى جميعا وإن كان معصية وجب عليه الرضى بالقضاء دون المقضي فإن الله تعالى لم يرض به قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (٢) بل يسأل الله تعالى صرفه عنه وأن يحفظه منه، فالرضى بالقضاء من أسباب السعادة والسخط على القضاء من أسباب الشقاوة، وأنه ما ملأ قلبه من الرضى بالقدر ملأ الله صدره غنى وأمنا وقناعة وفرغ قلبه لمحبته والإنابة إليه والتوكل عليه، ومن فاته حظه من الرضى امتلأ قلبه بضد ذلك و اشتغل عما فيه سعادته وفلاحه فالرضى تفرغ القلب لله تعالى والسخط تفرغ القلب من الله تعالى فالرضى يثمر الشكر الذي هو من أعلى مقامات الإيمان بل هو حقيقة الإيمان والسخط يثمر [ضده] وهو كفر النعم وربما أثمر له كفر المنعم وإذا فاته الرضى كان من الساخطين وسلك سبيل الكافرين الشيطان إنما يغفر بالإنسان غالبا عند السخط والشهوة فهنالك يصطاده ولاسيما إذا استحكم

стр. 2644

سخطه فإنه يقول ما لا يرضى الرب ويفعل ما لا يرضيه وينوي ما لا يرضيه، وقال المشايخ: الرضى باب الله الأعظم وجنة الدنيا (١). واعلم أن العبد لا يكاد يرضى عن الحق إلا بعد أن يرضى عنه الحق لأن الله تعالى قال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٢)، سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: قال تلميذ لأستاذه: هل يعرف العبد أن الله تعالى راض عنه قال: لا كيف يعلم ذلك ورضاه غيب فقال التلميذ: يعلم ذلك، فقال: كيف؟ فقال: إذا وجدت قلبي راضيا عن الله تعالى علمت أنه راض عني، فقال الأستاذ: أحسنت يا غلام (٣)، قال: وسئل أبو عثمان عن قول النبي ﷺ أسألك الرضي بعد القضاء، فقال: لأن الرضى قبل القضاء عزم على الرضى، والرضى بعد القضاء هو الرضى، وقال أبو عثمان الخير: منذ أربعين سنة ما أقامني الله في شيء فكرهته ولا نقلني إلى غيره فسخطته (٤)، أ. هـ. وتقدم شيء من ذلك في الأذكار: إذا أصبح وإذا أمسى، وقيل في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٥) الآية.

стр. 2645

اعلم أن السابق بالخيرات هو الذي يرضي بالقضاء قبل نزوله، والمقتصد هو الذي يرضي به عند نزوله، والظالم الذي يرضي به بعد نزوله؛ وقال الحسن البصري: السابق بالخيرات هو الذي زادت حسناته على سيئاته والمقتصد هو الذي استوت حسناته وسيئاته والظالم الذي زادت سيئاته على حسناته، وقيل: غير ذلك (١)، ولهذا قال النبي ﷺ عند موت ابنه إبراهيم: "يحزن القلب وتدمع العين ولا نقول إلا ما يرضي الرب" (٢) فإن موت البنين من العوارض التي توجب للعبد السخط على القدر فأخبر ﷺ أنه لا يقول في مثل هذا المقام الذي يسخط أكثر الناس فيتكلمون بما لا يرضي الله ويفعلون ما لا يرضيه إلا ما يرضي ربنا ﵎، ولهذا لما مات ابن الفضيل بن عياض رئي في الجنازة ضاحكًا، فقيل له: تضحك! وقد مات ابنك، فقال: إن الله تعالى قضى بقضاء فأحببت أن أرضي بقضائه فأنكرت طائفة هذا على الفضيل وقالوا رسول الله ﷺ قد بكى يوم مات ابنه وأخبر: "إن القلب يحزن والعين تدمع" وهو في أعلا مقامات الرضي فكيف يعد هذا في مناقب الفضيل، والتحقيق أن قلب رسول الله ﷺ اتسع لتكميل المراتب من الرضى عن الله تعالى والبكاء رحمة للصبي فكان له مقام الرضى ومقام الرحمة ورقة القلب والفضيل لم يتسع لذلك مغيبة مقام الرضى عن مقام الرحمة فلم يجتمع له الأمران والناس في ذلك على أربع مراتب أحدها: من

стр. 2646

اجتمع له الرضا بالقضاء ورحمة الطفل فدمعت عيناه رحمة والقلب راضح الثاني: من غيبة الرضى عن الرحمة فلم يتسع الأمرين؛ الثالث: من غيبته الرحمة والرقة عن الرضى فلم يشهده؛ الرابع: من لا رضى عنده ولا رحمة وإنما كان حزنه لفوات حظه من الميت وهذا حال أكثر الخلق فلا إحسان ولا رضى عن الرحمن والله المستعان (١)، أ. هـ قاله في تهذيب النفوس. فائدة: إبراهيم ابن رسول الله ﷺ أمه مارية القبطية، ولدته في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، وتوفي في ذي الحجة سنة عشر ولد بالمدينة وتوفي بها وهو ابن سبعة عشر شهرا أو ثمانية عشر شهرًا هكذا في صحيح البخاري على الشك، وفي البخاري أيضًا: لما توفي إبراهيم قال رسول الله ﷺ : "إن له مرضعًا في الجنة" (٢) وسر رسول الله ﷺ بولادته كثيرًا وكانت قابلته سلمى مولاة رسول الله ﷺ امرأة أبي رافع، وبشر أبو رافع به النبي ﷺ فوهب له عبدًا وعق عنه بكبش يوم سابعه وحلق رأسه وتصدق بزنه شعره فضة على المساكين وأمر بشعره فدفن في الأرض وسماه ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قيس ترضعه بالمدينة، قال الزبير: فتنافست الأنصار فيمن ترضعه، كل تنافس على تحصيل البركة بإرضاعه وكي يفرغوا مارة لخدمة رسول الله ﷺ (٣)، وأمه مارية أهداها لرسول الله ﷺ صاجما سكندرية وهو جريج بن مينا في

стр. 2647

جملة تحف وهدايا فقبل ذلك منه رسول الله ﷺ ، وكان معها أختها سيرين التي وهبها رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت فولدت له ابنه عبد الرحمن بن حسان، ويقال: إن المقوقس أهدى معها غلاما خصيا وأهدى مع ذلك بغلة شهباء اسمها الذلول وكانت مارية من الصالحات الخيرات الحسان حظيت عند رسول الله ﷺ [وأعجب بها وأنها] كانت جميلة [ملاحة] أى حلوة وهي تشابه هاجر [زوجة] إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه (١)، أ. هـ قاله في مختصر مجمع الأحباب، ولما توفي إبراهيم بكى عليه النبي ﷺ وقال: "تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون" قال ابن سعد (٢): ومات عند أم بردة وغسلته وحمل من بيتها على سرير صغير، والجمهور على أنه ﷺ صلى عليه وكبر أربعا كما في طبقات ابن سعد وغيرها وصلى عليه عند باب المصاعد وهو موضع باب الجنائز وكسفت الشمس يوم وفاته، فقال الناس: كسفت الشمس لموته، فقال النبي ﷺ : "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته" ودفن بالبقيع ورش على قبره الماء (٣). اعلم أنه يستحب لمن خطر بباله السفر أو التزويج أو غيرهما أن يضم على الاستخارة المشاورة فيشاور في ذلك من يعلم من حاله النصيحة

стр. 2648

والشفقة والخيرة ويثق بدينه ومعرفته قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١) ودلائله كثيرة فقد قال بعض السلف: ما خاب من استخار ولا [ندم] من استشار، ولتكن الاستشارة قبل الاستخارة فإذا شاور وظهر أنه مصلحة استخار الله تعالى في ذلك فصلى ركعتين من غير الفريضة ودعا بدعاء الاستخارة المذكور في حديث جابر هذا (٢)، قال بعض الحكماء: من أعطى أربعا لم يمنع أربعا: من أعطى الشكر لم يمنع المزيد، ومن أعطى التوبة لم يمنع القبول، ومن أعطى الاستخارة لم يمنع الخير، ومن أعطى المشورة لم يمنع الصواب (٣). ١٠٢٤ - وَعَن جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يعلمنَا الاستخارة فِي الأمُور كلهَا كَمَا يعلمنَا السُّورَة من الْقُرْآن يَقُول إِذا هم أحدكم بِالأمر فليركع رَكعَتَيْنِ من غير الْفَرِيضَة ثمَّ ليقل اللَّهُمَّ إِنِّي أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وَأَسْأَلك من فضلك الْعَظِيم فَإنَّك تقدر وَلا أقدر وَتعلم وَلا أعلم وَأَنت علام الغيوب اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَن هَذَا الأمر خير لي فِي ديني ومعاشي وعاقبة أَمْرِي أَو قَالَ عَاجل أَمْرِي وآجله فاقدره لي ويسره لي ثمَّ بَارك لي فِيهِ وَإِن كنت تعلم أَن هَذَا الأمر شَرّ لي فِي ديني ومعاشي وعاقبة أَمْرِي أَو قَالَ عَاجل أَمْرِي وآجله فاصرفه عني واصرفني عَنهُ واقدر لي الْخَيْر

стр. 2649

حَيْثُ كانَ ثمَّ أرضني بِهِ، قَالَ ويسمي حَاجته رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (١). قوله ﷺ : "إذا هم أحدكم بالأمر" هم بمعنى عزم عليه، أي: إذا قصد الإتيان بفعله أو تركه فإن الإرادة [بمعنى] الهم (٢). قوله ﷺ : "فليركع ركعتين من غير الفريضة" فيه تقديم العمل الصالح بين يدي قضاء الحوائج ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (٣) قال العلماء: وتستحب الصدقة أمام الحاجات (٤)، أ. هـ، ومعنى غير الفريضة أي نافلة يعني أن الفريضة لا تقوم مقامها ويحتمل أنها تقوم كما في تحية المسجد [بياض بالأصل] (٥) إنشاء عمل خالص كذلك فإن الفرض لابد منه فلا يكفي كما في صلاة الحاجة والتوبة ونحوهما قاله شارح الإلمام [وقال النووى في الأذكار:] قال العلماء: تستحب الاستخارة بالصلاة بالدعاء المذكور وتكون الصلاة ركعتين من النافلة والظاهر أنها تحصل بركعتين من السنن الرواتب وبتحية المسجد وغيرها من النوافل ويقرأ في الركعة الأولى [سورة] ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾،

стр. 2650

وفي الثانية بعد الفاتحة قل هو الله أحد (١) واستحب بعض العلماء أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة قل يأيها الكافرون وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (٢) وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة الإخلاص وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٣) وهو حسن لائق بالحال (٤) ولو تعذرت عليه هذه الصلاة استخار بالدعاء ويستحب افتتاح الدعاء المذكور وختمه بالحمد والصلاة والتي على رسول الله ﷺ ، ثم إن الاستخارة مستحبة في جميع الأمور كما صرح به نص هذا الحديث الصحيح، وإذا استخار مضى بعدها لما ينشرح له صدره (٥)، أ. هـ والله أعلم. قوله: "ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك" والاستخارة طلب الخيرة أي أطلب منك الخيرة ملتبسا بعلمك بخيري وبشري، ويحتمل أن تكون الباء للاستعانة أو للقسم (٦)، أ. هـ؛ وتقدير الكلام أطلب منك الخيرة فيما هممت به، والخير: كل معنى زائدة نفعه على ضره (٧).

стр. 2651

قوله: "وأستقدرك بقدرتك" أي: أطلب منك أن تجعل لي قدرة بقدرتك وهذا دليل على أن العبد لا يكون قادرا إلا مع الفعل لا قبله كما يقوله القدرية (١). قوله: "وأسألك من فضلك العظيم" أي: الزيادة على ما أريده وكل عطاء الله تعالى فضل فإنه ليس لأحد عليه في [نعمة حق] (٢). [قوله]: "فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم" هذا تصريح باعتقاد أهل السنة فإنه نفى العلم عن العبد والقدرة والصواب أنهما لله تعالى ليس للعبد في ذلك شيء إلا ما خلق [الله له] فهو يقول: أنت يا رب تقدر قبل أن تخلق لي القدرة وتقدر مع خلق القدرة وتقدر بعد ذلك، وأنا على الحقيقة محل لمقدوراتك وكذلك في العلم (٣). قوله: "وأنت علام الغيوب" معناه: أنا أطلب أمرًا مستأنفًا لا يعلمه إلا أنت فهب لي منه ما ترى أنه خير لي في ديني ومعيشتي وعاجل أمري وآجله وهي أربعة أقسام، الأول: خير يكون للعبد في دينه ولا يكون فيدنياه؛ والثاني: يكون له في دنياه خاصة؛ والثالث. يكون له خير في العاجل؛ والرابع: يكون في الانتهاء خير وذلك أولاه وأفضله ولكن إذا اجتمعت الأربعة فهو الذي ينبغي للعبد أن يسأل ربه فيه (٤) وفي الصحيح أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهم أصلح

стр. 2652

أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي" (١). قوله: "اللهم إن كنت تعلم أن والأخيرة في الجزء الأول من المخطوطة المغربية هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي" إلى قوله: "وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري" هو شك من الراوي (٢). قوله: "فأقدره لي" بضم الدال وكسرها أي: اجعله مقدورا لي أو قدره لي، وقيل معناه: يسره لي وقال الشهاب في كتاب أنوار البروق: يتعين أن يراد بالتقدير هنا التيسير فمعناه فيسره لي (٣)، وقال بعضهم: أي الذي سبق [لى] في الأزل اجعله مقدورا لي واستعملني فيه قاله في شرح الإلمام. قوله: "وبارك لي فيه" أي: أدمه وضاعفه (٤) [وقوله] فاصرفه عني واصرفني عنه أي: فلا تخلفه واصرفني عنه أي لا تعلق بالي به وطلبه (٥)، قال ابن العربي: وكان بعض شيوخي الفقراء يأخذ هذا المعنى في دعائه فيقول اللهم لا تتعب بالي في طلب ما تقدره (٦). قوله: "ثم ارضني به" وفي بعض النسخ: "ثم رضني" أي: اجعلني من

стр. 2653

الراضين بوجوده إن وجد أو بعدمه إن عدم وارزقني الرضى بسكون النفس إلى القدر والقضاء (١)، روى ابن السني عن أنس أن النبي ﷺ قال: "إذا هممت بأمر فاستخر الله سبع مرات ثم انظر إلى الذي يبقى في قلبك فإن الخير فيه" (٢). قوله: "ويسمي حاجته" مثل أن يقول من السفر أو التزويج أو غير ذلك وتعافى ثانيًا وثالثًا كذا صرح ابن الصلاح (٣) والله أعلم. تتمة: وجملة أولاد رسول الله ﷺ الذكور ثلاثة، أولهم: القاسم وبه كان يكنى، ولد بمكة قبل النبوة ومات بها، وهو ابن سبعة عشر شهرًا، وقال قتادة: عاش حتى سن وهو أكبر أولاده وهو أول من مات من أولاده ﷺ ، قال السهيلي (٤): وبلغ القاسم المشي غير أن رضاعه لم يكمل، الثاني: ولده عبد الله ويسمي الطيب والطاهر لأنه ولد في الإسلام، قال الحافظ: عبد الغني وغيره، قيل: عن الطيب والطاهر غير عبد الله، والصحيح الأول كما قاله الزبير وغيره من المحققين (٥)، والثالث: إبراهيم بن مارية بنت شمعون القبطية أهداها له المقوقس وهي من كورة (أنصنا) بفتح الهمزة وإسكان النون بعدها صاد مهملة مكسورة ونون، [كلمة غير واضحة] ويقال: إنها

стр. 2654

كانت مدينة السحرة وهي قريبة منها يقال لها حفن بفتح الحاء وإسكان الفاء كذا ذكره أبو عبيد البكري (١)، وأبوها شمعون بالشين المعجمة قيده كذلك أبو نصر [البكري]، ووصلت مارية المدينة سنة ثمان، قال الواقدي وكانت مارية بيضاء جميلة فأنزلها رسول الله ﷺ وأختها سيرين على أم سلمة ودخل عليهما فعرض عليهما الإسلام فأسلمتا هناك، وروى ابن عبد الحكم أن رسول الله ﷺ لما نظر إلى مارية وأختها أعجبتاه، وكره أن يجمع بينهما وكانت إحداهما أشبه الأخرى فقال: "اللهم اختر لنبيك فاختار له مارية" (٢) وذلك أنه قال لهما قولا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فبادرت مارية فتشهدت وآمنت قبل الأخرى، ومكثت أختها ساعة ثم تشهدت وآمنت (٣) [فوطئ مارية] بالملك وحولها إلى مال له بالعالية فكان يأتيها هناك (٤)، وكانت حسنة الدين توفيت سنة خمس وعشرة وصلى عليها عمر، ودفنت بالبقيع، وقال خليفة بن خياط وغيره: توفيت سنة [ست] عشرة. قوله: عن جابر بن عبد الله تقدم الكلام على مناقبه. قوله [ ﷺ ]: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، الحديث، في هذا الحديث الانقياد لله تعالى في كل

стр. 2655

الأمور والتبرى من الحول والقوة ومعرفة الحق لأهل (١). وقوله: كما يعلمنا السورة من القرآن يدل على التأني في تعليم السنن (٢). آخر الجزء الأول علقه مؤلفه سامحه الله وأعانه على تكملة الباقي [بياض بالأصل]، انتهى ما وجد منه سالما من البتر والتحريق بحمد الله تعالى وحسن عونه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما على يد كاتبه عبيد ربه محمد بن محمد بن عبد الرحمن الدلائي، ختم الله له بالحسنى ولطف به في الدارين منتصف رجب الفرد عام عشرين ومائتين وألف، ونسأله تعالى أن يغفر لنا ولوالدينا ولسائر المسلمين والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا. * * *

стр. 2656

كتاب الجمعة الترغيب في صلاة الجمعة والسعي إليها وما جاء في فضل يومها وساعتها الجمعة: يقال بضم الجيم والميم وإسكانها وفتحها ثلاث لغات، حكاهن الواحدي (١) (٢) عن الفراء (٣)، وهي أشهرهن، وبها قرأ القراء السبعة (٤)، والإسكان قراءة الأعمش (٥) (٦) وهو تخفيف من الضم وفتح الميم، حكاه في المحكم (٧)، ووجهوا الفتح بأنها تجمع الناس، ويكثرون فيها، كما يقال:

стр. 2657

همزة ولمزة لكثير الهمز واللمز ونحو ذلك، وجمعها: جمعات وجُمع؛ والفتح لغة بني عقيل (١)، وقال الزمخشري (٢): قرأ في الشواذ باللغات الثلاث (٣)، والمشهور أن سبب تسميتها جمعة: لاجتماع الناس إليها، وقيل: لما جمع في يومها من الخير، وقيل: لأنه جمع فيه خلق آدم ﵇ (٤)، والجمعةُ خصيصة خص الله بها هذه الأمة، ووجه فضيلة يوم الجمعة: انبعاث الخيرات فيه من النبوة والعبادة والقيام بحق الأهلية وحصول الكمال فيه حيث نزل فيه ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٥) الآية، وفيه: وجدت التوبة، وفيه: قيام الساعة، واجتماع الخلائق، وفيه: ساعة الإجابة.

стр. 2658

والجمعة واجبة على الأعيان، من تركها تهاونا بها طبع على قلبه، وقد وهم بعض العلماء فقال: هي على الكفاية (١)؛ وعند الحنفية (٢) قول بالتخيير بينها وبين الظهر، ويرد ذلك قوله ﵇: "الجمعة واجبة على كل مسلم [في جماعة] (٣) إلا أربعة" (٤) الحديث، قاله شارح الإلمام (٥)؛ وأول من سماها

стр. 2659

جمعة: كعب بن لؤي (١)، وهو أول من جمع الناس بمكة وخطبهم، وبشر بمبعث رسول الله ﷺ ، وحض على إتباعه (٢)، وأما أول جمعة جمعها النبي ﷺ بأصحابه، فقال أهل السير والتواريخ (٣): قدم النبي ﷺ يوم الاثنين فنزل علي بني عمرو بن عوف (٤)، وأقام بقباء (٥) إلى يوم الخميس وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة فأدركته الجمعة في مسجد بني سالم بن عوف (٦) في بطن واد لهم، قد اتخذ القوم في ذلك الوادي مسجدًا،

стр. 2660

فجمع بهم وخطب، وهي أول خطبة خطبها بالمدينة، أ. هـ. قاله في الديباجة (١). والأصل في وجوبها، قيل: الإجماع (٢) قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (٣) أي في يوم الجمعة ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٤) أي: امضوا، وبذلك قرأ عمر ﵁ (٥)، وعمل الإنسان يسمى سعيًا، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ (٦)؛ واختلف العلماء في الجمعة، متى فرضت؟ فقال الشيخ أبو

стр. 2661

حامد (١): فرضت بمكة (٢)، وقال البغوي في تفسيره في سورة الأعراف: فرضت بالمدينة (٣) وهو أقرب، أ. هـ. وسيأتي الكلام على ذلك أيضًا.

стр. 2662

في الترهيب من ترك الجمعة ١٠٢٥ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ أَتَى الْجُمُعَة فاستمع وأنصت غفر لَهُ مَا بَينه وَبَين الْجُمُعَة الأُخْرَى وَزِيَادَة ثَلَاثَة أَيَّام وَمن مس الحَصَا فقد لَغَا رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه (١). "لَغَا": قيل مَعْنَاهُ خَابَ من الْأجر وَقيل أَخطَأ وَقيل صَارَت جمعته ظهرًا وَقيل غير ذَلِك. قوله: عن أبي هريرة، تقدم. قوله ﷺ : "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة" الحديث (٢)؛ وبه يستدل على أن الغسل ليس بواجب لاقتصاره على الوضوء فيه مع ترتب المغفرة عليه وعلى ما بعده؛ وفيه: استحباب تحسين الوضوء فيه، ومعنى إحسانه: الإتيان به ثلاثا ثلاثًا، ودلك الأعضاء وإطالة الغرة والتحجيل وتقدم الميامن والإتيان بسننه المشهورة والذكر عقيبه وتقدم المياثر، وقد أشار إلى ذلك مسلم في صحيحه (٣) وتقدم الكلام على ذلك أبسط من هذا في الوضوء.

стр. 2663

قوله ﷺ : "ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت": هما شيئان متمايزان "فاستمع وأنصت" وقد يجمعان، فالاستماع: الإصغاء (١)، والإنصات: السكوت في الظاهر (٢)، وقد يستمع ولا ينصت؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ الآية؛ والمراد بالقرآن: الخطبة، سميت قرآنا لأنه يتلى فيها، قال أكثر المفسرين (٣): إنها نزلت في الخطبة؛ ولأن المقصود الإتعاظ وهو لا يحصل إلا لمن يسمع، ففيه الحث على الإنصات للخطبة؛ قال القاضي عياض (٤): وهو واجب عند مالك (٥) وأبي حنيفة (٦)

стр. 2664

والشافعي (١) وعامة العلماء (٢)، قلت: ليس مذهبنا كذلك (٣) وعن أحمد أيضًا فيها روايتان (٤)، وحكى عن النخعي (٥) (٦) والشعبي (٧) وبعض السلف: أنه لا

стр. 2665

لا يجب إلا إذا تلى فيها القرآن، أ. هـ، قاله شارح الإلمام. تنبيه: قوله: "فاستمع وأنصت" كذا هو في أكثر نسخ مسلم، ووقع في بعض الأصول المعتدة "انتصت" بزيادة مثناة من فوق؛ قال القاضي عياض (١): وهو وهم؛ وقال النووي (٢) (٣): ليس وهما بل هي لغة صحيحة؛ قال الأزهري (٤) في شرح ألفاظ المختصر: يقال أنصت وينصت وانتصت ثلاث لغات، والأصح الأول (٥).

стр. 2666

قوله ﷺ : "غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام"، وروى: "وفضل ثلاثة أيام" وهو بنصب "زيادة"، و"فضل" على الظرف، قال العلماء: معنى المغفرة له ما بين الجمعتين وثلاثة أيام: إن الحسنة بعشرة أمثالها، فصار يوم الجمعة الذي فعل فيه هذه الأفعال الجميلة في معنى الحسنة التي هي بعشر أمثالها، يريد والله أعلم أن يغفر له ذنوب عشرة أيام وهو محمول على ما عدا الكبائر. وحضور الآدميين كما تقدم في الصلاة والوضوء؛ قال النووي (١): وَالْمُرَادُ بِمَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ من صلاة الجمعة وخطبتها إلى مثل ذلك الوقت من الجمعة الثانية، قال الإمام: فيدخل فيه النصف الأخير من الجمعة الأولى والنصف الأول من الجمعة الثانية حتى يكون العدد سبعا بلا زيادة ولا نقصان، ويضم إليها ثلاثة أيام فتصير عشرة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٢)، والله أعلم. تنبيه: قوله ﷺ : "ومن مس الحصى فقد لغى" أي: قد أتى لغوا من الفعل أو القول؛ وقال الهروي (٣): يعني في الصلاة يوم الجمعة أي تكلم وقيل: لغى عن الصواب باشتغاله بالحصى فصار كالمتكلم، وفيه: النهي عن جميع ما يلهي عن الاستماع والإقبال على الله تعالى، وفيه: أن المراد بمس الحصى، هو تسوية الأرض للسجود (٤).

стр. 2667

قال في النهاية (١): كانوا يصلون على حصباء المسجد، ولا حائل بين وجوههم وبينها، فكانوا إذا سجدوا سووها بأيديهم فنهوا عن ذلك، لأنه فعل من غير أفعال الصلاة، والعبث فيها لا يجوز، وتبطل به إذا تكرر؛ صرح بالرخصة في المرة الأولى أصحاب السنن، ولفظهم: فإن كان لابد من مس الحصى فواحدة، أي إن كان لابد من تسوية الحصى في الصلاة فمرة واحدة لا يزاد عليها، رخص له فيها لأنها غير مكررة. قد تكرر حديث مس الحصى في الصلاة بمعنى حديث ابن مسعود، وسئل عن مس الحصى في الصلاة؟ فقال: "مرة"، وتركها خير من مائة ناقة لمقلة، المقلة: العين، يقول: تركها خير من مائة ناقة يختارها الرجل على عينه ونظره كما يريد؛ ومنه حديث ابن عمر: "خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ ناقةٍ كلُّها أسْودُ المُقْلَةِ" (٢)، أَي كُلُّ واحِدٍ مِنْهَا أَسْوَدُ العَيْنِ، قاله في النهاية (٣). ففيه: النهي عن مس الحصى وغيره من أنواع العبث في حال الخطبة، وفيه: إشارة إلى إقبال القلب والجوارح على الخطبة (٤).

стр. 2668

١٠٢٦ - وَعنهُ ﵁: عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ "الصَّلَوَات الْخمس وَالْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة ورمضان إِلَى رَمَضَان مكفرات مَا بَينهُنَّ إِذا اجْتنبت الْكَبَائِر" رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (١). ١٠٢٧ - وروى الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من حَدِيث أبي مَالك الأشْعَرِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ الْجُمُعَة كَفَّارَة لما بَينهَا وَبَين الْجُمُعَة الَّتِي تَلِيهَا وَزِيَادَة ثَلَاَثة أَيَّام وَذَلِكَ بِأَن الله قَالَ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٢). ١٠٢٨ - وَعَن أبي سعيد ﵁ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول خمس من عملهن فِي يَوْم كتبه الله من أهل الْجنَّة من عَاد مَرِيضا وَشهد جَنَازَة وَصَامَ يَوْمًا وَرَاح إِلَى الْجُمُعَة وَأعْتق رَقَبَة، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (٣). قوله: (وعنه). قوله ﷺ : "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة" الحديث، وفي آخره: "ما اجتنبت الكبائر"، في معنى الحديث تأويلان، أحدهما: تكفير الصغائر بشرط أن لا يكون هناك كبائر وإن كان كبائر لم يكفر شيئًا لا الصغائر ولا الكبائر؟ والثاني: وهو الأصح المختار، أنها تكفر كل

стр. 2669

الذنوب الصغائر، وتقديره: يغفر ذنوبه كلها إلا الكبائر (١)، قال القاضي عياض (٢): هذا المذكور في الأحاديث من غفران الصغائر دون الكبائر هو مذهب أهل السنة، وأن الكبائر إنما تكفرها التوبة أو رحمة الله تعالى. فإن قيل: قد وقع في هذا الحديث هذه الألفاظ، ووقع في الصحيح غيرها مما في معناها، فإذا كفر الوضوء فماذا تكفر الصلاة، وإذا كفرت الصلاة، فماذا تكفر الجمعات، ورمضان وصوم عرفة كفارة سنتين، وصوم عاشوراء كفارة سنة، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه؟ فالجواب: ما أجاب به العلماء: أن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفر من الصغائر كفرها، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كتبت له به حسنات، ورفدت له به درجات، وإن صادفت كبيرة أو كبائر، ولم يصادف صغائر رجونا أن يخفف من الكبائر (٣)، انتهى؛ وتقدم الكلام على شيء من ذلك في الصلاة، والله أعلم. قوله: عن أبي سعيد الخدري، تقدم. قوله ﷺ : "خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة: من عاد مريضا، وشهد جنازة، وراح إلى الجمعة" الحديث؛ وأصل الروح: هو المشي إلى المساجد، وسيأتي الكلام على كل واحدة من هذه الخصال في بابها إن شاء الله تعالى.

стр. 2670

١٠٢٩ - وَعَن يزِيد بن أبي مَرْيَم ﷺ : قَالَ لَحِقَنِي عَبَايَة بن رِفَاعَة بن رَافع ﵁ وَأَنا أَمْشِي إِلَى الْجُمُعَة فَقَالَ أبشر فَإِن خطاك هَذِه فِي سَبِيل الله سَمِعت أَبَا عبس يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ من اغبرت قدماه فِي سَبِيل الله فهما حرَام على النَّار، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (١). وَرَوَاهُ البُخَارِيّ وَعِنْده قَالَ عَبَايَة أدركني أَبُو عبس وَأَنا ذَاهِب إِلَى الْجُمُعَة فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من اغبرت قدماه فِي سَبِيل الله حرمه الله على النَّار (٢). وَفِي رِوَايَة: "مَا اغبرت قدما عبد فِي سَبِيل الله فَتَمَسهُ النَّار" وَلَيْسَ عِنْده قَول عَبَايَة ليزِيد (٣). قوله: عن يزيد بن أبي مريم قال: لحقني عباية بن رفاعة بن رافع وأنا أمشي إلى الجمعة، فقال: أبشر، فإن خطاك هذه في سبيل الله، الحديث. السبيل: اسم جنس مضاف مفيد للعموم، فيتناول الجمعة (٤)، وسيأتي الكلام عليه في الجهاد أبسط من هذا. قوله: سمعت أبا عبس؛ أبو عبس: اسمه عبد الرحمن، وكان من كبار الصحابة، مشى إلى الجمعة راجلًا، وكان عراك بن مالك إذا صلى الجمعة

стр. 2671

انصرف فوقف على باب المسجد، فقال: اللهم إني أحببت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين (١). وعباية بفتح العين: بن رفاعة بن رافع بن خديج المدني، روى عن جده وعن أبيه عن جده على خلاف في ذلك، وعن الحسين بن علي بن أبي طالب، وعن أبي عبس بن جبر وابن عمر وغيرهم، وعنه: يزيد بالمثناة تحت والزاي ابن أبي مريم ويحيى بن سعيد وأبو حيان التيمي وليث وجماعة، وثقه ابن معين (٢)، أ. هـ. ١٠٣٠ - وَعَن أبي أَيُّوب الأنْصَارِيّ ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة وَمَسّ من طيب إِن كَانَ عِنْده وَلبس من أحسن ثِيَابه ثمَّ خرج حَتَّى يَأْتِي الْمَسْجِد فيركع مَا بدا لَهُ وَلم يؤذ أحدًا ثمَّ أنصت حَتَّى يُصَلِّي كَانَ كفَّارَة لما بَينهَا وَبَين الْجُمُعَة الأخْرَى رَوَاهُ أَحْمد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه ورواة أَحْمد ثِقَات (٣). قوله ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب، إن كان من عنده، ولبس من أحسن ثيابه" الحديث، في هذا الحديث فضيلة الغسل وأنه ليس

стр. 2672

بواجب لحديث أبي هريرة المتقدم في أول الباب: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت" (١)، وفيه: أنه يستحب التطيب، وفيه: وهو أفضل من التطيب في غيره من أيام الأسبوع (٢)، والعلة: أنه يوم اجتماع ملائكة وآدميين فيغتسل لإزالة الرائحة الكريهة والتفث، ويتطيب ليذهب أذى عرقه إن كان، أو ليشم منه الملائكة والمؤمنون منه رائحة طيبة، ويستوي في استحباب الطيب كل من أراد حضور الجمعة من الرجال والنساء والصبيان والعبيد إلا النساء، فيكره لمن أرادت منهن الحضور الطيب والزينة وفاخر الثياب، ويستحب لها قطع الرائحة الكريهة، قاله الكمال الدميري (٣). لطيفة: من تطيب يوم الجمعة، ونوى بذلك إتباع السنة وتعظيم بيت الله تعالى واحترام يوم الجمعة ودفع الأذى عن غيره بدفع الرائحة، فقد أشار إلى ذلك ﷺ : "من تطيب لله جاء يوم القيامة وريحه أطيب من ريح المسك؛ ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة" (٤)، ومثال التطيب لغير الله: أن يقصد التنعم بلذته أو التفاخر بإظهار ثروته أو التزويق للنساء

стр. 2673

وإحداث الفساد، والله أعلم. قوله ﷺ : "ولبس من أحسن ثيابه" الحديث، قلت: التجمل في الصلوات كلها مندوب إليه، روي عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى (١) أنه كان يلبس ثوبا جميلا في الصلاة، فسئل عن ذلك فقال: أتجمل لربي ؛ قال النووي (٢): هو الإمام البارع أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي، ولد سنة ثمانين من الهجرة، وتوفي ببغداد سنة خمسين ومائة وهو ابن سبعين سنة، أخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان، قال: و كان في زمنه أربع من الصحابة: أنس بن مالك وعبد الله بن أوفى وسهل بن سعد وأبو الطفيل، ولم يأخذ عن أحد منهم، وهو إمام أصحاب الرأي وفقيه أهل العراق، وسمع خلائق من التابعين، قال الخطيب (٣): وهو من أهل الكوفة، نقله أبو جعفر المنصورة إلى بغداد فأقام بها إلى أن مات، ودفن بالجانب الشرقي منها في مقبرة الخيزران، وقبره هناك ظاهر معروف؛ وعن عبد الله بن عمرو الرقي قال: كلم ابن هبيرة أبا حنيفة أن يلي قضاء الكوفة فأبى عليه، فضربه مائة سوط وعشرة أسواط في كل يوم عشرة أسواط وهو على الامتناع، فلما رآه كذلك خلى سبيله، وقال أبو بكر بن عياش: ضُرب أبو حنيفة على القضاء، كان كل يوم يضرب ليدخل في القضاء، ويأبى، فسجنه أمير المؤمنين، وقيل:

стр. 2674

إنه قعد في القضاء يومين وبعض الثالث، فلما كان بعد يومين اشتكى فمرض ستة أيام، ثم توفي ﵁؛ وقال أبو جعفر لأبي حنيفة: عمن أخذت العلم؟ قال: عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وعبد الله بن عباس، فقال أبو جعفر: بخ بخ استوفيت يا أبا حنيفَة، قاله في مجمع الأحباب (١) وغيره، أ. هـ. تتمة: في مناقبه: وقال أبو نعيم (٢): كان أبو حنيفة حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح حسن المجلس كثير الكرم حسن المواساة لإخوانه؛ وعن الفضيل بن عياض (٣) قال: كان أبو حنيفة فقيهًا معروفًا بالفقه مشهورًا بالورع واسمع المال معروفا بالإفضال على من يطيق، صبورًا على تعليم العلم بالليل والنهار كثير الصصت قليل الكلام؛ وقال زافر بن سليمان (٤): كان أبو حنيفة يحيي الليل بركعة يقرأ فيها القرآن، وصلى صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، وكان يبكي حتى يرحمه جيرانه، وختم في الموضع الذي مات فيه القرآن سبعة آلاف ختمه؛ وقال ابن المبارك (٥): صلى أبو حنيفة خمسًا وأربعين سنة الصلوات الخمس بوضوء واحد؛ وعن زائدة قال: صليت مع

стр. 2675

أبي حنيفة في مسجده العشاء ثم قام فافتتح الصلاة فقرأ حتى بلغ هذه الآية ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ فلم يزل يكررها ويبكي حتى أذن المؤذن لصلاة الصبح؛ وقال علي بن عاصم: لو وزن عقل أبي حنيفة بنصف عقل أهل الأرض لرجح بهم، وقال رجل لأبي حنيفة: اتق الله! فانتفض أبو حنيفة انتفاضة رجت كيانه صُرِع واصفر لونه وطأطأ رأسه، وقال: يا أخي، نعم جزاك الله خيرًا بها كذا قل لي، ما أحوج الناس من يقول لهم مثل هذا كل وقت؛ وكان أبو حنيفة إذا سئل عن مسألة يقول: رب سلم رب سلم، وكان يقول لولا الخوف من الله ما أفتيت، وأخوف ما أخاف من الفتوى وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت: كَفَى حَزَنًا أَنْ لا حَيَاةَ هَنِيَّةٍ ... وَلا عَمَلٌ يَرْضَى بِهِ اللهُ صَالِحٌ (١) وقال عباد بن التمار (٢): رأيت أبا حنيفة في المنام فقلت: يا أبا حنيفة، إلى ماذا صرت؟ قال: إلى سعة رحمة الله تعالى، قال: قلت: بالعلم، قال: هيهات، للعلم شروط وآفات، وقل من ينجوا منها، قلت: فبم؟ قال: بقول الناس فِيَّ مَا لَمْ أَكُنْ عَلَيْهِ، وقيل: إن أبا حنيفة رأى رب العزة ﷻ في المنام تسعة وتسعين مرة، قال: فقلت في نفسي: إن رأيته تمام المائة لأسئلنَّه:

стр. 2676

بم ينجو الخلائق من عذاب يوم القيامة؟ قال: فرأيته ، فقلت: يارب عز جارك وجل ثناؤك وتقدست أسماؤك ولا إله غيرك، بم ينجو عبادك يوم القيامة من عذابك، فقال : مَنْ قَالَ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ: "سُبْحَانَ الأبَدِيِّ الأبَدْ، سُبْحَانَ الْوَاحِدِ الْأَحَدْ، سُبْحَانَ الْفَرْدِ الصَّمَدْ، سُبْحَانَ مَنْ رَفَعَ السَّمَاءَ بِغَيْرِ عَمَدْ، سُبْحَانَ مَنْ بَسَطَ الْأَرْضَ عَلَى مَاءٍ جَمَدْ، سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ الْخَلْقَ وَأَحْصَاهُمْ عَدَدْ، سُبْحَانَ مَنْ قَسَمَ الرِّزْقَ وَلَمْ يَنْسَ أَحَدْ، سُبْحَانَ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدْ، سُبْحَانَ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدْ نَجَا مِنْ عَذَابِي" (١). ذكر ابن رجب في كتابه اللطائف: أن رسول الله ﷺ كان يلبس للخروج للعيدين أجمل ثيابه، فكان له حلة يلبسها العيدين والجمعة، ومرة كان يلبس بردين أخضرين، ومرة بردًا أحمر، وليس هذا الأحمر مصمتا (٢) كما يظن بعض الناس، فإنه لو كان كذلك لم يكن بردًا (٣)، وإنما هو بخطوط حمر كالبرود اليمنية، فسمى أحمر باعتبار ما فيه من ذلك، وقيل: وقد صح عنه من غير معارض النهي عن لبس المعصفر والأحمر، وأمر عبد الله بن عمرو لما رأى عليه ثوبين أحمرين أن يحرقهما، فلم يكن ليكره الأحمر هذه الكراهة
следующие страницы →